رواية لقياك لي المأوي الفصل السادس عشر 16 بقلم اية احمد
الفصل السادس عشر
رفعت يدها بنزق تضعها فوق عينيها حماية من هذا الضوء الساطع شديد الإزعاج...صدر منها صوتا حانقا قبل ان تنقلب للجانب الآخر تدس وجهها أسفل الوسادة...صوت اختها المتذمر صاح عاليا...
(لا يا مودة هكذا ضاعت عليكِ جلسة التصوير!!)
امتدت ساق مودة من أسفل غطائها تزيح جسد أختها القابع جوارها على السرير تقول بصوت ناعس حانق...
(مسرة أخرجي من هنا و دعيني أنام فلم أنم طوال الليل)
انزلقت مسرة من فوق السرير بسبب إزاحة اختها لها لتقع بقوة أرضا على مؤخرتها...تأوهت بوجع ثم استقامت تصيح مجددا بعبث...
(و لمَ جفاكِ النوم يا ترى؟!!!...آه هل لأن صهري لم يأتِ لزيارتكِ و قد انقضت أيام العيد؟!!)
زمجرت مودة بغضب لترفع رأسها من تحت الوسادة تطالع أختها بأعين حمراء متعبة...شعرها مشعث و وجهها نعس بشكل فوضوي...
(ابتعدي من هنا مسرة)
صاحت مسرة بضحك عالٍ فرفعت هاتفها من جديد تلتقط لأختها العديد من الصور بينما تهتف بكلمات متقطعة من فرط الضحك...
(يا الهي على مظهركِ الآن يا مودة!!!... غوريلا يا فتاة أقسم لكِ)
تأففت مودة لتعتدل جالسة فوق سريرها تضع يدها فوق شعرها تلملمه بوجه حزين...همهمت بصوت خافت مكتئب...
(لم يهاتفني حتى!!...)
اقتربت منها مسرة تلزق الهاتف في وجهها ملتقطة صورا عديدة بينما تسأل اختها بنبرة عادية...
(هل تقصدين صهري؟!... لكنه بالأسفل!)
انتفضت مودة في جلستها كمن ضربها صاعق كهربي...جلست فوق ركبتيها تسأل أختها بوجه متحفز مرتسم عليه عدم التصديق...
(من بالأسفل؟!...تقصدين أيوب هنا عندنا؟!!!)
اومأت مسرة لها و هي منشغلة تماما في هاتفها الموجه لأختها...اتسعت عينا مودة تدريجيا لتسرع في الخروج من السرير تهتف بتلعثم متوتر...
(حقا هو هنا؟!... منذ متى؟!... يا الهي يجب أن اتجهز لكن بهيئتي هذه كيف سأقابله؟!...مسرة تعالِ ساعديني فيما سأرتديه...مسرة!... يا فتاة اتركِ الهاتف و تعالِ)
اقتربت منها مسرة تقول بسخرية عابثة...
(دبَ النشاط فيكِ الآن!!...و ماذا عن الدب البني الذي اتخذ بياته الشتوي فوق السرير منذ أيام العيد؟!!)
واجهتها مودة بنظرة تائهة و كأنها لا تستمع لحرف من أختها...همست بتساؤل مترقب ينتظر الارتواء بمعرفة سبب غيابه عنها كل هذه الفترة...
(كيف هو؟!)
ابتسمت مسرة بمشاغبة تقترب بوجهها من اختها و تسبل اهدابها هامسة بنعومة مصطنعة...
(قمر مضيء جالس في غرفة ضيوفنا)
هزت مودة رأسها نفيا غير مستجيبة لمزح أختها هامسة مجددا بتساؤل...
(لا يا مسرة لم أقصد هذا ما قصدته هل هو بخير؟!...يعني ليس مريضا او ما شابه؟!)
ضيقت مسرة عينيها بعدم فهم كما مطت شفتيها لتقول بعدها ببساطة...
(لا أعرف لكن صهري يبدو بحالة جيدة... ثم لماذا تسألينني أنا ستنزلين له بعد قليل و تعرفين منه كل شيء؟!!)
دفعتها بحركة سريعة تجاه خزانتها قائلة بمرح...
(هيا يا عروس اختاري ملابسك فالعريس ينتظر منذ فترة)
توردت وجنتها لتضفي رونقا مميزا مع بشرتها الخمرية...ضحكت مسرة عاليا تقول...
(يا سيدي على الحب و سيرة الحب)
رفعت مودة حاجبها عاليا تقول لأختها بنبرة مستاءة...
(يا بنت احترميني على الأقل أمام خطيبي!)
ابتعدت مسرة بنظرة عين خبيثة عنها...عقدت يديها خلف ظهرها لتتمايل بنصف جسدها العلوي يمنة و يسرى تقول بصوت شقي...
(سأفعل لكن بشرط واحد و لن ترفضيه و إلا رد فعلي لن يعجبك)
تشابكا ذراعان مودة فوق بطنها تسأل اختها بنزق...
(و هل هذا وقت شروط مسرة الرجل بالأسفل و علي النزول!!)
اومأت مسرة بسماجة تقول...
(بل هذا هو وقته الممتاز... تعرفين استغلال الظروف من انفع المواهب لدى المرء)
تأففت مودة بضجر و قد احتل قلبها و عقلها رغبة رؤية أيوب و اختها اللزجة اختارت هذا الوقت تحديدا للشقاوة!!...اسرعت مسرة تقول متجنبة ضجر اختها...
(حسنا قد حان وقت أن تعطيني بلوزتك الحريرية الجديدة)
اعتدلت مودة في وقفتها تفك تشابك ذراعيها بتأهب...نظرت لأختها بحاجب مرتفع تسألها بتعجب..
(تقصدين بلوزتي التي لم ارتديها بعد؟!!... لا و ألف لا)
تنهدت مسرة بتعب تهز رأسها باستياء هامسة...
(لم أكن أريد استخدام اسلوبي الخاص معك و خصوصا امام صهري الغالي...لكن يبدو سأستخدمه)
اخرجت يديها من خلف ظهرها تفتح هاتفها و تقلب في الصور المريعة التي التقطتها لمودة تكتم ضحكتها بصعوبة قائلة...
(تخيلي معي لو رأى صهري هذه البشاعة كلها ماذا ستكون ردة فعله يا ترى؟!)
توترت ملامح مودة و عيناها تراقبان الصور...يا الهي لو شاهد أيوب مظهرها هذا...انها تنام بفم مفتوح على اخره و شعر مشعث بصورة مخيفة!!...ابتلعت ريقها بقلق من تهور مسرة الذي تعرفه جيدا لتهمس بمهادنة لطيفة...
(لن تفعلي لأنك تحبينني و لا تريدين ان تتشوه صورتي أمامه)
رفعت مسرة اصبعها فوق جبهتها تلكزها مرات متتالية كتفكير ثم نظرت لأختها ببسمة حلوة ظنت مودة معها انها ستتعقل...لكن هزة رأسها الرافضة و صوتها المشاغب كسرا ظنونها جميعا...
(بلى سأفعل...البلوزة مقابل الصور اختاري اختي العزيزة)
زمجرت مودة بغضب تتجه نحو خزانتها تفتحها بعصبية و تنتشل بلوزتها الجديدة تلقيها بين ذراعي اختها قائلة بحنق...
(خذيها هنيئا لك ايتها المستبدة)
احتضنت مسرة البلوزة بفرحة غير عابئة بسحب الهاتف منها بقوة...وقفت مودة بجسد متحفز تمسح كل صورها من عليه و بعدما انتهت تطلعت في بلوزتها بأعين تشعر بالهزيمة...اتجهت نحو خزانتها بعصبية تستخرج شيئا ما ترتديه لرؤية خطيبها...شعرت بيدي اختها تحاوطها من الخلف و رأسها يتسطح فوق ظهرها تهمس بحب مشاغب...
(دعيني اختار لك ثيابك و ازين وجهك لرؤية صهري... اعرف انك متوترة و لن تفلحي في الاختيار الصحيح)
ضحكت مودة بصوت خافت تربت فوق كفي اختها الموضوعان فوق بطنها تهمس...
(قلبي لم يتوقف عن النبض منذ عرفت انه هنا)
ادارتها مسرة اليها تنظر في عينيها الواسعة تقول بحب...
(لا بأس سيتم تفعيل وضع الطوارئ و ستتولى مسرة القيادة)
استندتا جبهتهما معا ضاحكتان بصوت سعيد...قلب إحداهما متلهفا لرؤية الحبيب و قلب الأخرى يدعو لأختها بالفرح فهي حقا تستحقه...
بالأسفل في غرفة الضيوف...
(كيف حال رجب و أم ايوب بني؟!)
صوت والد مودة خرج ودودا و هو يحادث خطيب ابنته الكبرى...وضع أيوب كوب الشاي فوق الطاولة أمامه يبتسم بسمة باهتة مسايرا حديث الرجل...
(الحمد لله بخير عمي يُبلغانكم سلامهما ...)
اتسعت بسمة الرجل يجيب بمحبة...
(سلمكم الله من كل شر... و أنت بني كيف حال عملك لقد أخبرني رجب أنك شغوف بمهنتك)
اتشحت ملامحه بالجدية قائلا...
(بخير عمي... مهنة الصيد مربحة و البحر معطاء بجودٍ لمن يفهمه و يسعى لجلب رزقه)
اطمئن قلب الرجل على ابنته حينما سمع كلام أيوب منه نفسه...لا ينكر أنه أوجس من تزويج ابنته لرجل ليس لديه مهنة مستقرة فالصيد ليس مضمونا على أي حال...لكن أيوب يبدو رجلا اجاد صديقه رجب تربيته و قلبه يخبره بأنه سيحافظ على ابنته بروحه...
(السلام عليكم...)
صوتها الخجول جعله يرد تحيتها بعدما اطرق برأسه أرضا متحاشيا النظر اليها...صوت والدها البشوش صدح بحب...
(و عليكم السلام تعالِ حبيبتي)
من خارج الباب وقفت مسرة خلفها تراقب أيوب و اشاحته لوجهه بعيدا عن اختها...همهمت بتساؤل لم تسمعه سوى مودة الواقفة بخجل الجم حركتها...
(لماذا لا ينظر لكِ؟!)
امتلأت عينا مودة فرحة و فخر حينما همهمت بدورها مجيبة تساؤل اختها...
(انه يحترم وجود أبي يا مسرة)
تحولت عينا مسرة لقلبين كبيرين تهمس بوله...
(أريد أن اتزوج شخصا مثله مودة...جدي لي صديقا له أرجوك)
فلتت ضحكة خافتة للغاية من مودة جعلت والدها ينادي مجددا...
(تعالِ مودة لا تخلجين)
دفعتها مسرة بشقاوة جعلت مودة تتعثر في خطواتها و تظهر مسرة من خلفها مما دفع والدهما للضحك ينظر لأيوب قائلا...
(آه لقد وصلت حماتك الثانية بني)
دخلت مسرة ببسمة متسعة تقول بمرح...
(سامحك الله يا أبي هكذا سيأخذ عني فكرة سيئة)
رفع أيوب عينيه بنظرة خاطفة نحوهما قائلا ببسمة مجاملة...
(لا أبدا لا تقلقي تبدين طيبة)
تعلقت عيناها به بل روحها هي من تعلق به...يجلس هكذا فوق كرسي غرفة ضيوفهم...ملابسه مرتبة و جميلة...وجهه الذي يبعده عن عينيها يزيد من معدل نبضاتها...هل هذا هو أيوب صديق الطفولة و حبها الوحيد... استفاقت على حركة اختها التي دفعتها نحو الكرسي المجاور لوالدهما...جلستا متجاورتين و قد تجاذبوا جميعا اطراف الحديث عن أمور كثيرة حتى حان وقت ان يترك والدها فرصة لهما للحديث...وقف فوقفت ابنتاه خلفه و بعدهما وقف أيوب احتراما له فقال شوقي ببشاشة...
(ارتح بني سأخرج اتعجل زوجة عمك في الغداء و اعود)
اعترض أيوب بشكر...
(لا داعٍ للغداء يا عمي يجب أن اعود باكرا لا أفضل السفر في الليل)
رفض الرجل رحيل خطيب ابنته من بيته قبل أن يتناول الغداء معهم و قد رضخ أيوب له...قبل أن يخرج شوقي من الغرفة همس لأبنته مسرة بخفوت...
(ابقِ مع اختك حبيبتي)
اومأت له مسرة موافقة حتى خرج من الغرفة...ظل ثلاثتهم واقفا منتظرا كلا منهم رد فعل الآخر...تدخلت مسرة تقول بمرح...
(لقد خرج أبي لمَ تقفان أجلسا)
ابتسم أيوب عائدا الى كرسيه لكنه قبل أن يجلس اسرعت مسرة توقفه بصوتها المشاغب...
(الى أين يا صهري تعال هنا مكاني و انا سأحتل كرسيك)
ضيق أيوب عينيه بحرج ينظر لها فقالت بسرعة مرحة...
(هذا الكرسي الذي تجلس فوقه هو كرسيّ المفضل لذا هلا سمحت لي الجلوس فوقه رجاء)
هز رأسه بموافقة و قد نجحت هذه الفتاة في رسم بسمة حقيقية فوق ثغره فهمس بوسامة اصابت قلب مودة في مقتل...
(بالطبع ما دام هو كرسيك المفضل)
تقدم من هذه المستمرة في وقفتها تتمعن في ملامحه ببسمة سعيدة و وجنتين متوردتين...تنحنح قائلا بصوت عادي...
(تفضلي اجلسي)
اومأت له سريعا لتعود تجلس فوق كرسيها تراقبه يجلس على الكرسي المجاور و الذي يفصله عنها طاولة صغيرة موضوع فوقها مزهرية للزينة...رفع نظره لها يسألها عن حالها لكنه التقط نظرتها المشدوهة به... ارتبك قليلا و عقله يزجره عن جر فتاة مثلها في حياة معه...ليس مستقرا بعد ما فعلته فلك به يحاول ان ينسى لكن فلك محتلة كل ذرة بداخله!!...تنحنح مجددا بعدما ابعد نظره عنها قائلا
(كيف حالك؟!)
صوتها السعيد و هي تجيب عليه يزيد من شعوره بالاختناق...البنت تبدو رسمت حياتها الزوجية السعيدة معه...يا الله كل ما اريده ان استقر فلا تجعلني سببا في عذابها يوما...ابتسم مجاملا إياها ثم صمت لا يجد في عقله اي شيء يثرثر فيه معها... لا يعرفها و لا يتذكرها بالمرة كما تحاول أمه جاهدة تذكيره هي بالنسبة له فتاة ربطها قدرها معه...انتبه لصوتها الذي حوى نبرة عتاب جعله يرفع بصره لها بنظرة متعاطفة...
(لماذا لم تأتِ ايام العيد؟!...قلقت عليك جدا و ظننت انه اصابك مكروه)
ابتلع ريقه بضيق و عيناه تراقبان ملامحها...ربما هذه أول مرة يدقق النظر لها...عيناها الواسعتان بنيتان اللون صافيتان بنظرة لم يخطئها رجل مثله...البنت تكن له مشاعرا!!...بشرتها قمحية اللون تتضرج بحمرة تضيف رونقا خاصا جدا لم يره من قبل...شعرها الطويل يستريح فوق ظهرها بنعومة فيها شقاوة متمردة كحال خصلاته الهاربة لتلتصق بعنقها و ترفرف بين الفينة و الأخرى مع نسمات الهواء القادمة من نافذة الغرفة المطلة على حديقة بيتهم الصغيرة... لكنها ليست فلك بكل أسف... مختلفة كثيرا عنها بل مختلفة في كل شيء...لا العين التي سحرته بمزيج فلكها الخاص تملكها حتى لون بشرتهما مختلف...نهر نفسه بتأنيب غاضب البنت ليس لها دخل بما تشعر به و ليس انصافا ان تضع فلك مقياس لها...طال صمته و للعجب كانت متفهمة تمنحه كل الوقت الذي يريد مع نظرتها الداعمة التي جلدته بقوة... همهم بسؤال مترقب
(هل كنت تنتظرين قدومي؟!)
تلألأت عيناها بلمعة زاهية لتومئ له ببسمة حلوة لن ينكر حلاوتها هامسة بخجل تحكي له عن وعده الذي لم تنساه مطلقا و تصديقها له...
(نعم انتظرتك منذ زمن)
أوجعته نظرتها و لهفة صوتها...كوته بتعلقها به و سوء استقباله لها...تنهد بتعب ينظر لها قائلا بصدق...
(كان لدي اشغال كثيرة آسف على تأخري)
منحته بسمة متفهمة تهز رأسها بخجل تهمس...
(لا بأس يكفي أنك جئت)
اشاح عينيه بعيدا عن نظرتها التي تزيده تشتت...نفس مرتعشا خرج منه خفية و هو يهمس لنفسه بخوف من القادم...
"آه يا أيوب ربطت البنت بحبلك المحترق و لا تدري هل سينقطع أو يحرقها أم سيصمد للنهاية!!!"
صوت مسرة المرح جعله يرفع رأسه لها يواجه بسمتها البشوشة بشقاوة...استمع لها تتحدث بحرية بناء على معرفتهم السابقة و التي تم محوها من ذاكرته بلا أي سبب...لكنه كان صغيرا جدا ليظل محتفظا بذكريات طفولة ظن وقتها انها انتهت ها هنا و لن تُفتح من جديد!...
(صهري متى ستشترون الأثاث أليس العرس قريبا؟!)
ضيق أيوب عينيه ليتوجه بها نحو مودة التي تتفحص ملامحه بترقب...سأل بصوت مندهش مترقب
(من قال العرس قريبا؟!)
تبادل النظرات المتوترة بينها و بين أختها جعله يتأنى و يخفف من دهشته...البنتان تبدوان سعيدتين جدا بقرب العرس لكن هو ليس جاهزا بالمرة... تنحنح يقول بمرح زائف...
(يبدو أن أم أيوب اتفقت معكم دون علمي)
اسرعت مودة تقول بقلق متوتر...
(ظننا أنك تعرف أن موعد العرس تقريبا تحدد...)
هز رأسه بتفهم يصبغ بسمة فاترة ليقلل من قلقها المرتسم بقوة في عينيها الواسعة فقال...
(لقد تحدثت مع أمي من وقت قريب لكنها لم تخبرني أنها تناقشت معكم...لا تقلقي سأتحدث مع عمي شوقي و ما به خير يقدمه الله)
اصدرت مسرة صوتا ممتعضا تقول بحنق...
(لا تأجلوه رجاء لقد اخترت فستاني للعرس و هيئت نفسي أن اصبح اخت العروس قريبا)
نهرتها مودة بنبرة متضايقة...
(مسرة!!...دعيه يرتب أموره)
حزن... ما سمعه من كلماتها ما هو سوى حزن كبير...يعرف كم خذلان القلوب مؤلم لذا لا يريد خذلانها يكفي قلب هنا يحترق منذ فارقته حبيبته...يكفي روحا تفحمت من نيران الغيرة و هو يتخيل فلك بين يدي غيره...زفر ببطء ليهمس دون ان ينظر لأي منهما...
(فقط أرتب بعض الاشياء الخاصة بشقتي في بيت عمي و أخبر والدكِ بالموعد... لن يتأجل ان شاء الله ففي النهاية أختك عروسي)
صوت انفاسها المتوترة من كلمته الأخيرة حاولت جاهدة ان تكبحه...كلمة عروسي التي خرجت منه وقعت كالبلسم فوق قلبها الذي اصيب قبل لحظات بيأس...تضرجت وجنتاها بخجل مميت ترفع عينيها اليه على استحياء لتتلاقى بعينيه المراقبة لها بنظرة غريبة...ابتسمت له بسمة صغيرة مرتعشة بنظرة عين قرأ منها فرحتها...تنهد برعب حقيقي رعب من أن يذيقها من نفس الكأس الذي أذاقته منه فلك... ابعد عينيه عنها بروح تتوعد له لو انحرف عن الخط الصحيح الذي يجب ان يسير عليه...لقد اختار استكمال حياته إذًا ليفعل بعدل و انصاف فهنا فتاة تعلقت به...
"لا تخذلها أيوب حاول أن تتأقلم لا تحرق قلبها لقد تذوقت ألمه تجرعته علقم...لا تجعلها تفقد ثقتها بك و إلا ستبكي وجعها و تندم وقت لا ينفع ندم"
تحركت اصابعها بحذر شديد لتصل اسفل رأسها ترفعها من فوق حجرها و تضعها برفق فوق السرير...ابتعدت تخرج من سرير ابنتها تراقب جسدها الذي غفى بعد عناء...نظرة عينها المضطربة توازي حرقة قلبها على ما اصابها...حرقتها دمعة متوجعة على ابنتها الوحيدة فأسرعت تمسحها و تخرج ببطء من الغرفة كي لا تيقظها...اغلقت الباب خلفها بتريث ليستقبلها زوجها الجالس في صالة الشقة بسؤاله الخائف على ابنته...
(كيف هي يا أمل؟!)
توجهت نحوه بأعين باكية تهمس بصوت متقطع...
(على نفس الحال منذ اسبوعين يا ثروت... لم تتغير كيوم عودتنا من الحج)
سالت دموعها بإرهاق فرفعت اصبعها تؤشر مكان قلبها قائلة بتأكيد لا خطأ فيه...
(ابنتي بها شيء اكبر من مجرد تعرض الصيدلية للسرقة و هي بها... ابنتي تعاني و تكتم صوت معانتها عنا يا ثروت... هذه ليست غسق ابنتي دموعها لا تتوقف تبكي بحرقة قلب مذبوح!!)
تنهد ثروت بقلة حيلة تأكله الوساوس و تحرقه الظنون...ما الذي حدث مع ابنته اثناء غيابهما ما الذي يدفع غسق بقوة شخصيتها لأن تنهار بهذا الشكل المخيف لعقل أي أب...اخبرتهما بعد كارثية لقائهم الأول حينما وصلا من الحج انها اشتاقت لهم كثيرا و قبل مجيئهم بأيام تعرضت لحادث سرقة من اشخاص مخيفين لولا تدخل ابن المراكبي و أصدقائه و تطويق الأمر...وقتها لم يمنح نفسه فرصة التقاط انفاسه و ابنته روحه و حياته يراها بشكل يخيف لأول مرة... لقد تركها يومها مع أمها التي استقبلتها في احضانها تسألها بقلب ملتاع عما صار لينزل ركضا يستفسر من ابن المراكبي...و لحظه وجده خارج بيتهم و كأنه وقتها كان ينتظره هو ايضا!! و لقد اخبره بما اخبرته به غسق...لكن ابوته ثارت حينما عرف ان صاحب الصيدلية هو السبب المباشر في تعرضها لشيء كهذا و حينما أراد الذهاب إليه و محاسبته اخبره كرم انه تم القبض عليه بتهمة الاتجار في الأدوية بطريقة غير قانونية و قد أمرت الشرطة بغلق الصيدلية و محاسبة الصيدلي الذي باع اسمه له...عاد بيته بيد فارغة لكن يومها ما رآه في عين ابن المراكبي اخبره ان ابنته كانت تحت حمايته بكل ما تعنيه الكلمة...وعده بألا تطولها يد و حمائية حروفه أنه قام بحساب المتسبب في كل هذا و ما زال يبحث عن المتبقين اسكنوا قلبه و لو قليلا... لكن كل المشكلة اصبحت تكمن في ابنته صامتة باهتة بذبول يخيف...حينما جاءت أريج لزيارتها قبل ايام اخبرته أنها تمر بصدمة عصبية بسبب تعرضها لموقف السرقة و تهديدها حينها... لكن ابنته في عمر صغير قامت بمساعدة ابن المراكبي في موقف يظنه اصعب من هذا بكثير!!!!... عقله و روحه متعبان جدا و دعوته ان يحفظ الله ابنته من كل شر و يوفقه لحمايتها لا تتوقف...انها نور عينه كل ما يملك من الدنيا ما يصيبها بوخز يصيبه هو بجرح و جرح الأب عميق ينعي حاله و حال ابنائه معه...همهم بصوت مرهق كحال زوجته
(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا... ماذا يوجد بيدي لأفعله و الله لو طلبت عيني امنحها لها بلا تردد لكن تعود هي كما كانت... لا حول و لا قوة إلا بالله)
حوقلت زوجته خلفه بقلب يقف على شفا حفرة من نار...ربت ثروت فوق كتفها يقول بأمل في وجه الله..
(ادعِ لها الله هو بها رحيم و دعينا نشغل القرآن الكريم لتهدأ قلوبنا و قلبها)
اومأت له تتجه ناحية مشغل الصوت تفعل كما طلب...تسللت كلمات الله بهدوء يبث الرحة في الأعصاب كخدر رباني اوجده سبحانه ليشفي علل عباده من نوائب الدنيا...خبير بصير يسمع و يرى و هو بهم خير كفيل...
بداخل الغرفة...
تشعر بأحدهم يجذبها من قدميها بقوة عنيفة تجاه ظلام دامس باتت تمقته بروحها...انتفضت فوف سريرها تفتح عينيها بذعر تنظر حولها هامسة بخوف...
(أمي؟!!!)
حينما تأكدت أنها في غرفتها و أن والدتها قد تركتها بعدما غفت كحالها مؤخرا تنفست ببطء تزيح عنها خوفها...اعتدلت من نومتها لتجلس رافعة ساقيها الى صدرها تضمهما بقوة و قد انصتت لصوت القرآن بالخارج... اغمضت عينيها بتعب لتهمس بصوت منهك...
(يا رب متى سينتهي كل هذا؟!)
صحوتها هذه ستكلفها كثيرا...باتت لا تعرف للنوم طريقا سوى بحبوب المهدأ و المنوم التي وصفتهم لها أريج وقليلا ما تغفى في حضن والدتها دونهم...رفعت رأسها تجاه طاولة سريرها الجانبية ترمقها بصراع بدا على وجهها...تزحزحت فوق سريرها حتى وصلت لها تفتح درجها و تخرج علبة المهدأ منها...اصابعها توقفت فوق الغطاء بتفكير لكن ذاكرتها التي تتعبها منذ الحادث و تذكرها بكل شيء لا تخمد سوى به...حركت الغطاء بحركة دائرية لتنفتح العلبة...ثلاثة اقراص فقط هم حصيلتها ثلاثة أقراص من أصل ثلاثين قرصا...انهتهم بسرعة كبيرة في وقت تعرف أنه كارثي...ارتعشت يدها لتمتد تلتقط حبة تقذفها في فمها بسرعة و تتناول كأس الماء من فوق الطاولة ترتشف منه...يدها تقبضت فوق العلبة تفكر طويلا ثم عادت تنظر لها لتلتقط القرص الثاني و تبتلعه...قرص واحد لم يعد يكفي و لا يهم النتيجة التي ستؤول إليها الامور في نهاية المطاف...وضعت ما بيدها فوق الطاولة و وقفت تتجه ببطء نحو نافذة غرفتها... الحي كما هو... شوارعه سُكانه... بناياته... كل شيء حولها لم يتغير هي فقط من تغير بشكل جذري...اسندت رأسها فوق اطار النافذة تراقب بأعين لا تفقه ما تراه الناس لتلتهي حتى يعطي المهدأ مفعوله و تنام...تشبثت يدها بستار النافذة تناجي الله بصمت روحها المختنقة تدعوه ان تنتهي هذه الفترة العصيبة و ان يمنحها القوة لتستكمل طريقها و ألا يعرف والداها شيء... صوت القرآن جاء كرسالة ربانية بوعد محتوم بأن فرجه قريب و أن لكل ضيق فرج...اغمضت عينيها تبكي في صمت و تهمس مع صوت القارئ بالآية التي جاءت تربت فوق روحها...
" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "
بالأسفل...
عيناه متعلقتان بنافذتها يتابع خيالها من خلف ستارها...تستند برأسها على اطارها و لا يحتاج لأن يشف له ستارها هيئتها فبالتأكيد ذابلة...دقائق مرت و عيناه تراقبها في صمت من مجلسه في المقهى...دقائق يصرخ فيها قلبه بآهات موجعة...آهات غير مسموعة لكن الله وحده يعلم كم هي مدمرة بداخله...اسابيع مرت على حادثها الغادر لم يتمكن من الوصول للكلاب الذين افتعلوها لعدم معرفتها لهما كما قالت في المشفى و هذا يرجح كفة انهما ليسا من الحي...اسابيع و هو أسير لجيش تفكيره الغير رحيم بالمرة...قادته يتآمرون عليه و كأنه عدو يسألونه في اللحظة الواحدة ألف سؤال يحرق رجولته... و هو ضائع لا يعرف لمن يستمع و بما سيجيب... الفتاة التي يعشقها مرت بأبشع التجارب عليها و عليه معها... لو كان انتهك جسدها من قبل رعاع قليلا الشرف فهو انتهكت روحه معها...ان كانت تألمت بصعوبة ما حدث فهو احترق به...كيف يتعايش مع ما اصابها كيف... و الغبي النذل الذي منحته قلبها تخلى عنها بكل تبجح فهل ستتحمل تخلي جديد؟!... انتبه لحركتها البطيئة المتجهة للداخل حتى اختفت تماما من أمام عينيه... انتظر لحظات فلم تعد فتأكد انها ستجاهد لتنام مثله...فلم يتذوق النوم الا قليلا منذ ما حدث عيناه هجرتا النوم و روحه تتلظى في نيران الذكرى... همس بخفوت متألم آملا ان يمنحها الله السلام و القوة لتحيا...ان يزيح عنها كل هذا فهي أضعف من أن تحتمل...فهو الرجل و ما حصل سحق حصونه كلها بقوة هادمة فما بال هي... ما بال قلبها المتفتت بحسرة الفقد و الخزي!!...
(نامي غسق قليلا فأنا لن أنام حتى يعود حقك لك...نامي و لا تفكري فهنا رجل يفديك بروحه)
رفع بصره عاليا ينظر لأيوب الذي وصل يهاتف شخصا ما في هاتفه...
(نعم يا حاج عبد الله سنأتي بعد اسبوع ان شاء الله لنحمل الاثاث فجهز كل شيء)
جلس جوار كرم فوق الكرسي الثاني للطاولة يستكمل حديثه بهدوء...
(كل ما اختارته العروس جهزه يا حاج لا يهم التكلفة دعها تختار لشقتها ما تريد... أنا لا أفهم في الالوان و هذه الأشياء هي اختارت و انتهينا... جيد يوم الاثنين المقبل بعد صلاة العصر سأكون عندك لننقله... و عليكم السلام)
اغلق معه الخط ينادي بعدها على صبي المقهى بصوت مرهق...
(حمو كوب شاي هنا)
اومأ له صبي المقهى ليستند بعدها ايوب بمرفقه فوق الطاولة مسندا رأسه على كفه...سأله كرم بصوت هادئ
(ألا ترى أنك تتعجل في أمر الزواج؟!)
ابعد ايوب رأسه عن كفه يناظر صحبه بقلة حيلة و خوف بات يلازمه كلما اقترب موعد العرس... يخاف من أن يظلم مودة معه كما يخاف بأن يظلم نفسه و يظل متعلقا ببقايا فلك...همس بصوت يشكو لصاحبه صعوبة ما يمر به...
(ماذا أفعل يا كرم أم أيوب و اهل العروس وضعوني أمام الأمر الواقع و حينما نويت الرفض رأيت الحزن في عين العروس... متعبا بشدة من كثرة التفكير و الله تعبت)
تنهد كرم يقول بتضامن مع صاحبه...
(لا بأس ما دام نويت الخير سييسر أمورك الله...كما أن خير البر عاجله لربما أصلحت بداخلك ما فسد)
غامت عينا أيوب بقلق لاحظه كرم...
(و ربما افسدت أنا بداخلها كل شيء)
ابعد كرم عينيه عن صاحبه بصدر بات يحمل الكثير...حاله و حال ايوب تضيق له الأنفس و لا تقوى القلوب على الصراخ...تكلم في محاولة واهية بأن يطمئنه...
(لا تفرض الاسوأ الفتاة كما تقول جيدة امنحها فرصة و انسى من لن تصبح لك مطلقا)
زفر أيوب بتعب يمسح فوق وجهه و قلبه يصرخ بصوت مرعب ان النسيان نعمة حرمها منه القدر...يا ليت بيده و الله لكان نسي لأجله لأجل أن يخفت هذا الوجع بداخله و يتلاشى لكن كيف السبيل...استند بظهره على الكرسي حينما وصل الشاي بعدما وضعه الصبي فوق الطاولة و ذهب...ابصرت عيناه نافذة غرفة غسق ليعاود النظر لصديقه هامسا بتساؤل حذر...
(أليس هناك جديد في أمر الشابين؟!..)
هز كرم رأسه نفيا يقول...
(حتى الآن لم أصل لهما لكن و حق لا إله إلا الله لو كانا في سابع أرض سأصل لهما...)
ضربت الحمية في دم ايوب ليقول بتأكيد قاطع....
(لا تقلق فقط نصل لهما و بعدها سنجعلهما يندما على يوم ولدتهما أمهاتهما)
نظر لكرم يقول بحرج خفي...
(اعذرني كرم قصرت في بحثي معك عنهما بسبب انشغالي بالعرس لكن...)
اوقفه كرم بقوله الأكيد...
(لا تعتذر أيوب عرسك سيتم ان شاء الله على اكمل وجه و نزفك بأنفسنا لعروسك...)
امتدت كف ايوب يربت على ذراع كرم شاكرا قائلا...
(سلمت يا كرم... و صدقني الله يخبئ لها أياما حلوة عوضا عما تمر به فقط الصبر)
هز كرم رأسه موافقا في صمت بينما روحه تقطع وعدا جديدا لها و ربما له أو لهما معا في الواقع هو لا يعرف ما يخبئه له الغد معها...
"سأبذل كل جهدي لتصل الى هذه الايام .. أقسم بالذي خلقني من تراب و لم أك شيئا سأفعلها لأجلها"
حانت منه نظرة باردة حيث جيب معطفه بعدما اهتز هاتفه بداخله للمرة الثانية...أهمله ليعود ببصره حيث المريض الذي يشرف عليه...يتمسك بمعصمه بكف يده الأيمن و ينظر في ساعته الموضوعة في كف يده الأيسر...ترك كف المريض بعملية ناظرا خلفه للممرضة الواقفة بانضباط كبير تحبس انفاسها خشية منه قائلا...
(يتناول ادويته في ميعادها المحدد دون تأخير او اهمال)
اشاحت الممرضة بعينيها بعيدا عن عينيه الصارمتين تهز رأسها بحركة عصبية قائلة بطاعة كبيرة...
(حسنا دكتور مؤيد لن اغفل عنه)
اهتز هاتفه من جديد في جيبه فتلوثت زرقة عينيه بنظرة سوداء ليتخذ خطواته بعدها للخارج...فور خروجه من الغرفة امتدت يده في جيب معطفه يستخرج هاتفه ذي الرنين المزعج...لمح اسم حارس بيته فاتشحت عيناه بجدية جعلته يفتح الخط بغضب هادر في الحارس بصوته المخيف...
(ألا تعرف أنني أعمل في هذا الوقت لمَ تلح في اتصالك؟!)
صمت للحظات يستمع له و فجأة توترت نظرته في لحظة خاطفة...ضيق عينيه يسأله بنبرة مترقبة بغضب
(ماذا يعني رحلت؟!!!...كيف تجرؤ على ترك البيت دون علمي؟!!!)
صمت مجددا يستمع للحارس لكن صبره نفذ فصاح به بحدة عالية...
(سأخرب بيتها هذه المستهترة فوضوية السلوك...و أنت كيف تسمح لها بأن تعبر باب البيت قبل مجيء؟!!)
ارتفعت وتيرة انفاسه بصورة طفيفة ليقول بعدها بأمر قاطع...
(أغلق البوابة و أبقَ بداخل البيت و قبل أن أعود من المشفى ستجد واحدة غيرها...اليوم أريد واحدة غيرها لا الغد أفهمت؟!)
رفع عينيه الزرقاء للأمام و قد عادت ملامحه لطبيعتها الباردة حينما همس بصوت جامد...
(لا تتركه بمفرده مطلقا)
أغلق الخط ليتصل بمكتب توظيف الخادمات...انتظر للحظات حتى وصله الرد و قد خرجت جملته هادرة في مدير المكتب...
(الخادمة تركت وظيفتها و حملت حالها و رحلت دون علمي... هل تعي ما حدث و هل تعرف أنني سأغلق لك هذا المكتب اللعين)
انصت بقلة صبر للمدير الذي حاول جاهدا رأب الصدع بكل الطرق...لكن مؤيد كان مصمما على قراره بكل برودة اعصاب فهمس بصوت يجمد الدماء في العروق...
(لو اختلقت ألف حجة لن يفيد أصبح مصير مكتبك الغلق لتعرف بعد ذلك من توظف عندك...حياة الناس ليست لعبة في ايدي قليلي الوعي مثلكم)
اغلق هاتفه يضعه في جيبه بحركة عصبية...وجهه بملامحه الجامدة ثابت لا يتزحزح و من يراه لا يظن أنه كان يهدر قبل قليل في رجلين...نظرة عينه تتبعت صوت هذه المرأة المتألمة و التي يجرها الممرضون فوق كرسي متحرك تعاني ألم المخاض...اتجهت رأسه للجانب بعدما ابتعد الكرسي قاصدا المصعد لتتجه حيث غرفة العمليات...بعد اختفائها عاد برأسه يشرد في الفراغ أمامه متذكرا "الواحة المشتعلة"...تأخرت كثيرا في الرد و قد اخلفت ظنه لأول مرة و عاندت قراره رغم تهديدها بالغرامة المالية...ستأتي له بقدمها و هذا شيء أكيد لكنه لا يريدها شامخة مرفوعة الرأس بل عليه كسر أنفها عقابا لتحديها له...يحتاجها نعم و بشدة كما يحاول جاهدا اقتناص الاطباء الماهرين ليرفع شأن مشفاه و يقف ندا في تحدي طالت فترة انتظاره...التقط هاتفه من جيب معطفه يتصل بشخص ما و بعد سماع صوته قال بلهجة الأمر...
(تجهز لإرسال الغرامة الثانية)
رفع رأسه يناظر الفراغ قائلا بتأكيد...
(أعرف أن المبلغ ضخم... فقط ارسلها و حسب)
تحرك بعدما انهى الاتصال الى مكتبه...دلف يتجه نحو الكرسي يجلس عليه بوجه يبدو عليه التفكير...أمور عدة يريدها و سيحققها كما اعتاد لكن الأهم و الأولى بينهم هو ايجاد بديلا لهذه الخادمة اللعينة التي تخلت عن عملها دون خبر تاركة من فيه خلف ظهرها... سيجعلها تدفع الثمن سيجعل كل من هرب يوما او نظر بسوء "له" يدفع الثمن...استمع لرنين هاتف مكتبه الأرضي فاتجهت عيناه اليه ترمقه بنظرة جامدة...اتخذ عدة ثوان ليتحرك كفه ملتقطا إياه متحدثا ببرود مقيت...
(من؟!)
انصت بهدوء و نظرة عينه التي لا تتغير ثابتة على اللاشيء في فراغ مكتبه...همهم بصوت متأنٍ
(اهلا عمي...لكني لو وجدت ديما دون المستوى لن اوظفها هنا)
اسبل اهدابه بتكاسل يستمع لعمه فقال بعد لحظات...
(المشفى مشفاك أنت و لكن هذا الفرع تحديدا تحت ادارتي و لن اسمح بأن يضم اطباء او صيادلة بلا نفع...أرسلها لي في الغد سأجري معها مقابلة بوجود رئيس قسم الصيدلة الإكلينيكية و إن وجدتها ستفيد المشفى سأوظفها و إن لا وظفها انت في أي فرع آخر)
أغلق مع عمه الخط ليستند على ظهر كرسيه...يناظر درج مكتبه طويلا... اعتدل بجسده يتقدم منه و يفتحه لتمتد يده حيث هذه العملة المعدنية...عاد بظهره يستند على كرسيه مجددا و يرفعها أمام وجهه يناظرها مليا...و إن كانت الطبيعة تحنو للحظات على عصر الجليد فتهبه خيط رفيع من خيوط الشمس المضيئة لتتلألأ بلونها الذهبي بين احضان البياض الشاسع... وتزيح الغيم الرمادي الخانق ترسم بقلم حبره ترابها السحري دفء لتمنح اللوحة شعور بالحنين...فهذه الظاهرة نادرة الحدوث تحدث ها هنا الآن بين برودة روحه قبل عينيه...
قبض على العملة المعدنية بين راحة كفه بقوة يقربه من ذقنه و يستند عليه... اختلت ألوان لوحته لتسحب الطبيعة شمسها على مهل معتذرة في حياء شديد...فيعود الجليد برمادية غيومه يحتل حدقتيه لتسود زرقتها بقسوة فيهمس بحروف صقيعية متوعدة لشخص يبدو حظه عاثر ليقع تحت طبقات جليد مؤيد...
(ستندم على ما خسرته بسببك...تأكد أنك ستفعل)
*********
(دكتورة أريج دكتور فاروق يريدك في مكتبه؟!)
بعد سماع جملة الممرضة انتفضت في مجلسها تسألها بترقب متوتر...
(ماذا يريد؟!)
حدقتها الممرضة بدهشة تهز كتفيها بلا أعرف قائلة...
(و الله لم يخبرني يا دكتورة فقط قال نادي لي دكتورة أريج)
ابتلعت ريقها بقلق لتهز رأسها قليلا تهمس...
(حسنا...حسنا سأذهب يمكنك العودة الى عملك)
وقفت مبتعدة عن مكتبها و متجهة ناحية الباب...تسمرت قبالته بقلب وجل بذعر حقيقي...منذ حادثة غسق و ما فعلته بشأن تقريرها الطبي و هي تعيش في رعب كبير...أول مرة في حياتها تفتعلها و لكن رغبة غسق في التكتم على الأمر دفعها لأن ترضخ و تنفذ ما تريد...و الآن مدير المشفى يريدها ترى لمَ؟!...سحبت نفسا عميقا تهمس بينما اصابعها تمسكت بمقبض الباب...
(تشجعي أريج بالتأكيد يحتاجك في شيء آخر)
خرجت من غرفة مكتبها متجهة الى مكتب المدير...كل خطوة تخطوها تصيب جسدها برعشة تتحول مع الوقت لرجفة مرتعبة...ماذا لو عرف عما حدث من داليا أو الممرضة...ماذا ستفعل و كيف ستتصرف بحق الله...توقفت قبالة باب مكتبه تغمض عينيها بتروٍ ثم تطرق عليه منتظرة السماح بالدخول...ثوان و قد وصلها إذنه لتدلف... دخلت بنظرة عين شابها التوتر و جسد باتت كل مستقبلات الحس بداخله على اهبة الاستعداد...ناظرها المدير بوجوم يقول بنبرة جافة...
(ما الذي وصلني هذا يا أريج؟!!!)
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة لكنها جاهدت لتبدو طبيعية حينما سألته بترقب...
(ما...هو؟!)
وقف فاروق تاركا مكتبه ليتجه يقف أمامها قائلا بنبرة لائمة...
(توقعتها تأتي من أي شخص هنا إلا أنت!)
قضمت شفتيها بقوة و قد زاغت نظرتها بعيدا عنه...روحها تهمس في تضرع خفي لله ألا تنكشف فعلتها أو يُفضح أمر غسق...همهمت بصوت مختنق من فرط التوتر تسأله...
(لا أفهم)
زفر فاروق بصوت متضايق مسموع يقول...
(كنت مستاءة للغاية حينما رحلت حالاتك لأطباء آخرين و بعدما عادوا لك رفضتهم أنت بالأمس... ما معني هذا هل هي عيادتك الخاصة لترفضي الحالات؟!!!)
زفرت نفسا مرتعشا مرتاحا للغاية بعدما اغمضت عينيها... و للغرابة ابتسمت بسمة صغيرة في موقف لا يستحق التبسم...فتحت عينيها تنظر للمدير متسائلة بنبرة هادئة...
(هل هذا كل ما في الأمر؟!!)
عقد الرجل ما بين حاجبيه بدهشة من رد فعلها العجيب ليجاوب على سؤالها بسؤال متعجب...
(و هل ترين أن رفضك لحالاتك أمر هين؟!)
هزت رأسها بسرعة تنفي ما وصله من رد فعلها...عادت لجديتها تعتدل في وقفتها أمامه تتحدث بصدق متعب من اسابيع عاشتها بنفسية منتهكة بسبب ما اصاب غسق... هذا الشعور أن الشخص القريب منك تصيبه مصيبة جلل و تبقى أنت مكتوف الايدي مكمم الفم لا تملك من التصرف ما يرأب صدع وجعه...صعب للغاية ما عاشته و صعب أكثر تخيلها لحالة غسق الآن التي تتيقن من دمارها الداخلي و الذي غصبا طفح على خارجها و ظهر لعين والديها لولا محاولتهم الواهية في تغطية الصورة الحقيقة عنهما بغطاء التستر التي تظن بأنه لن يدوم طويلا!...
(اعتذر دكتور فاروق لكنني مؤخرا مرهقة جدا لدرجة بت اخشى على المرضي أن اتعامل معهم بدون تركيز كامل)
ضيق الرجل عينيه متسائلا...
(و العمل دكتورة أريج؟!... هذا مشفى حكومي أي أن وجب على الجميع العمل و خدمة المرضى...إذا كنت مرهقة يمكننا منحك إجازة ترتاحين فيها لكن عند العودة يجب ان تكوني أريج التي نعرفها و التي تمنح عملها كامل حقه و تؤثر فيه بشكل فعال...هل ستعودين هنا كما كنت من قبل؟!)
توترت حدقتاها و عقلها يردد سؤاله الأخير...هل لو عادت ستنسى أم ان ما حدث ترك بصمته بداخلها الى هذا الحد الذي يجعلها حقا تهاب استقبال اي مريض!!...
خرجت من غرفة المدير بوجه متجهم غارقا في بحور التفكير...لقد رفضت الاجازة معتقدة انها لن تشفع بل ستزيد الطين بلة و تتركها فريسة لذكرى يوم الحادث...توجهت بقلب مثقل نحو غرفة مكتبها و قبل ان تلج وصلها صوت الممرضة اللاهث و الذي جعلها تتوقف لتستمع منها...
(دكتورة أريج وصلت حالة لمراهقة اصيبت بنزيف حاد إثر عملية ختان و نحتاجك)
فزعت ملامح أريج لتهرول خلف الممرضة الى الغرفة المتواجد بها الحالة...لا تصدق أنه لا يزال هناك أناس يجردون انسانية بناتهم و يذلون انوثتهن لتطبيق هذه العادة العجيبة...استوقفها بكاء المرأة الواقفة عند باب الغرفة و التي سدت طريقها تتوسل اليها ببكاء دامي...
(ابنتي تموت يا دكتورة ليتني استمعت لرجائها و توقفت...ليتني لم استدعي القابِلة للبيت و الله لم أكن اعرف أنها آتية لتذبح ابنتي...ارجوك انقذيها)
عقل أريج تشوش بالكامل فهذه هي الغرفة التي استقبلت بها غسق...باتت تتراءى ذكريات يوم الحادث أمامها...لا ترى بوضوح وجه المرأة و لا تلتقط معظم كلماتها فقط نحيب مذنب ما يصلها...ابعدتها عن طريقها بكلمات هي نفسها لم تسمعها مجرد أحرف تنطقها لتطمئن مرافقي الحالات و تبث فيهم الأمل...دلفت الغرفة بصدر يلهث و قد تصعد الامر للأسوأ حينما لمحت جسد الصغيرة فوق نفس السرير...و كأن كل الصراع الذي عاشته يومها يعاد و كأنها تتجه نحو صديقتها تسعفها بعد حادث مأسوي...تقبضت يدها بقوة تحاول السيطرة على شعورها الضائع...تقدمت من الفتاة لتتناول قفاز بلاستيكي و عيناها لا تبرح هذا الجسد الهزيل...ارتدته و اتجهت الى جسدها تفحص حالتها قبل أن تقرر ستحتاج الى عملية أم لا...وقفت عند قدميها بجسد يختض لأول مرة...ما بك أريج هذه ليست اول مرة ترين بها دم...ليست اول مرة تصارعين الظروف كي تنقذين حالة ما...ارتعشت شفتاها و صورة غسق تحتل كل كيانها... زفرت بقوة نفسها لتمتد كفها حيث ساق الصغيرة...لم تشعر بدموعها الكثيفة التي غسلت وجهها و لم تسمع صوت شهقاتها العالية حتى بلغها صوت الممرضة المضطرب...
(دكتورة أريج ما بك؟!...هل انادي لدكتورة رحاب او داليا؟!!!)
انفاسها تخرج سريعة مختنقة و نظراتها الباكية تتمعن في وجه الممرضة بتيه كبير...فترة مضت تستجمع فيها قوتها لتهمس بصوت مرتعش مبحوح...
(نادي لهما فورا... أنا لا استطيع)
هرولت الممرضة خارج الغرفة تنفيذا لطلبها...بينما أريج نظرت الى كفيها المغلفتان بقفازها الملطخ بدماء باتت تثير فيها الرعب الكبير...نزعتهما بحدة لتلقيهما في صندوق القمامة الموضوع جوار الباب...عادت ببصرها لجسد الفتاة تهمس ببكاء آسف...
(سامحيني ليس بيدي)
(أبي ماذا فعلت لك لتعاقبني بهذه القسوة؟!...أخبرتك أنني موافقة على العمل معترفة بأنه يكفي تكاسل لماذا إذًا تلقيني بيدك الى العذاب؟!)
في سيارتها الحمراء جلست ديما خلف عجلة القيادة تهاتف والدها بصوت يستجدي فيه كل العطف كي يتراجع عن قراره... وصلها صوته الحازم الذي جعلها تغطي وجهها بكفها في يأس كبير...
(ديما فرع المشفى الجديد يحتاج الى صيادلة كما ان العمل مع ابن عمك سيُكسبك خبرة و ثقة)
ابعدت يدها من فوق وجهها تقول بصوت يكاد البكاء يتخلله...
(قل سيكسبني خوفا و قلقا... أبي أنت لا تعرف كيف يتعامل مؤيد مع الاطباء و العاملين هنا انه يأكلهم)
هتف والدها بحدة مرهقا من تقاعسها و كسلها المتكرر...
(ديما!!... احترمي ابن عمك و على ما اعتقد مؤيد لا يقصي إلا من يستحق الاقصاء)
تذمرت بعناد متذكرة موقف أريج و قد تشجعت لتتخذه سببا مقنعا لعدم العمل تحت اشراف مؤيد...
(لا يا أبي مؤيد يقصي و يبقي من يتماشى مع مزاجه فقط... و اقربهم دكتورة أريج صديقة غسق صديقتي التي رشحتها لك و أنت وافقت عليها...لقد تعامل معها مؤيد بطريقة مخزية حتى رفضت العمل و ليس هذا فحسب بل وظفها عنادا دون رغبتها و هددها بدفع غرامة مالية كبيرة إذا تقاعست و حقق تهديده حينما ارسل اليها خطابا بمبلغ كبير لبيتها!!!)
صمت والدها الذي طال لفترة قصيرة دفعها لتجعيد ما بين حاجبيها بغباء فهمست متسائلة...
(أبي هل لا زلت معي؟!!!)
(نعم معك... من اخبرك عن هذا كله؟!)
مطت شفتيها بضجر تقول...
(ابن اخيك هاتفني بعد مقابلتها يطلب مني معلومات عنها و بعد فترة اتضحت الرؤية بعدما تلاعب في استمارة تقدمها للعمل و وظفها عنوة و الآن هي مجبرة لدفع غرامته المالية)
صوت ضحكة والدها العالي اسدل ستار العته فوق وجهها...تراخت ملامحها بشدة متفاجئة من رد فعله الغريب...نادت له بتعجب مترقب
(أبي...أتضحك؟!!!)
تمالك نفسه بصعوبة يقول...
(مؤيد ابدا لن يتغير كي يحصل على ما يريد...ساحر كما أطلق على نفسه سابقا و عصاه تحرك القطع كيفما يشاء كي تخرج الصورة بالشكل الذي سيخدمه)
رفعت ديما بصرها للأعلى لتهتف بملل...
(بغض النظر عن وصلة المدح في ابن أخيك المبجل...أنا لم افهم حرفا واحدا من كل ما فات)
صوته المتعلق به بقايا ضحكته وصلها موبخا...
(لأنك بطيئة الاستيعاب... حسنا يا ديما ما قصدته ببساطة أنه لا يوجد لائحة واحدة من لوائح المشفى و قوانينها تنص على فرض غرامة مالية على من يتقاعس...لأنه من يتغيب عن العمل دون إذن لمدة اسبوع متواصل يتم الاستغناء عنه)
اتسعت عينا ديما بصدمة كبيرة...كل المدة المنصرمة تلك و هي تحمل ذنب أريج و احراج غسق و تورطها هي للتعامل مع مؤيد بصورة مباشرة... و في نهاية المطاف تعرف أن كل هذا مجرد لعبة من ابن عمها...تساءلت بعدم تصديق اصابها بغباء
(هل تقصد أن كل هذا مجرد لعبة!!!... كيف يا أبي مؤيد كان شديد الصرامة و قد اتخذ خطواته لتحقيق تهديده بالفعل اخبرك بأنه ارسل لها الغرامة على البيت!!!...لربما غير في لوائح المشفى لتتماشى مع قراراته القاسية!!)
وصلها صوت والدها المؤكد بيقين...
(مؤيد لا يملك صلاحيات تمكنه من تغيير لوائح مشفاي)
تحفزت ملامحها لتقول بصوت غاضب...
(ابن أخيك هذا سا...)
تحذير والدها قطع سبتها التي توقعها...ابتسمت بتهكم تقول بسخرية...
(ساحر...ساحر شرير)
انهت الاتصال مع والدها لتخرج من سيارتها تتمسك بأوراقها بينما الهاتف تضعه مجددا فوق أذنها هامسة بقنوط...
(أين أنت يا غسق منذ العيد و أنت مختفية؟!...و أنا بسبب محاوطة ابي لي لا اتمكن من الخروج كي ازورك...يجب أن ابلغك بكل ما عرفته لترتاح أريج من قلقها بشأن الغرامة)
بعدما فقدت الأمل في أن تصل لغسق و التي شغل غيابها بالها بشدة...لكنها تم توريطها منذ العيد بالعمل و كم كان والدها حازما في قراره لينهيه بوضعها مع مؤيد في مشفى واحد...توجهت الى باب المشفى و قبل أن تصعد درجات السلم الفاصلة بينه و بين الشارع فحصت اوراقها مجددا لتزفر بضجر...
(كنت أعرف انني سأنسى شيئا ما...يا ليت اجد شهادة تخرجي واقعة في السيارة لأنه لو نسيتها في البيت سأذهب و لن أعود و ليحدث ما يحدث)
ابتعدت عائدة لسيارتها لتجلب ما نسيته...و في المكان الذي احتلته هي للتو أمام باب المشفى توقفت سيارة أجرة لتخرج منها أريج بوجه مرهق و أعين شابها حمرة السهر و السهاد... صعدت سلالم المشفى لتصل الى الباب الزجاجي و قبل أن تدفعه تحركت عيناها الخضراء ترمق كل الناس بالداخل...منذ ما حدث أمسا في المشفى مع الفتاة المراهقة و هي تفكر في الخلاص...لن تكذب و تقول انها ستتمكن من النسيان بالعكس الوقت كلما يمر يعزز بداخلها كل تفاصيل حادثة غسق...بعدما عادت لبيتها طنت نصيحة مديرها التي اخبرها بأن تأخذ اجازة في روحها لتتخذ بعدها قرار ارهقها و جعل النوم يخاصمها ليلة كاملة...دفعت باب المشفى و دخلت قاصدة نفس المكان و كأن المشهد يعاد للمرة الثانية...توجهت للمصعد اختارت الطابق و سكنت تماما بداخله بعدما اغلق تنتظر اللقاء المحتوم...توقف لتخرج منه و تتجه بحركة روتينية الى جهة اليسار مكتبه الوحيد القابع هناك جعلها تتردد للحظة واحدة فقط لكن مع مرور اللحظة الثانية رفعت كفها تدق عليه بقلب تعثرت نبضاته لتسقط بين نتوء الكرامة و الهروب من الواقع...سمعت صوته الآمر ببرودة تقسم انها لفحت روحها يأذن لها بالدخول...فتحت الباب و اتخذت خطواتها للداخل بينما عيناها مسبلة للأسفل بكره للموقف نفسه...صوته البارد المرحب بها بطريقة مهينة جعلها تتقيض فوق يد حقيبتها تكبح جموح كبرياء متيقنة من اصابته بسهم عجرفته المميت...
(اهلا بالدكتورة المتقاعسة)
رفعت عينيها اليه فاستقبلتها زرقة عينيه المخيفة لتنكمش روحها بوجل...منهكة بقوة و لا تملك ها هنا سلاح لتقارعه كالسابق... بل أتت كحاكمة تنعي خسارة جيشها و تقدم أرضها لعدوها قربانا بكل طيب خاطر فقط ليسمح لمن تبقى من شعبها بالحياة...زفرت ببطء و كمحاولة واهية رفعت ذقنها لتتقدم منه بهدوء...توقفت عند مكتبه تنظر بتحدٍ رغم تعبها لا يزال يشتعل...رغم خسارتها و نزوح جيشه لأرضها و الاستيلاء عليها هي لا تزال حاكمة...همست بصوت مرهق لم يخف عنه
(موافقة)
ارتسمت بسمة جانبية ساخرة جلدت كرامتها بقوة على فمه ليقول بعدها بعجرفة لا قبل لها بمحاربتها الآن...
(على ماذا... ذكريني؟!)
اسبلت اهدابها للأسفل تداري عنه ذبول واحتها الخضراء... فهذا الرجل لا يصح إلا ان يرى فيها سوى الاشتعال ليبقى متأهبا لروح لا تقبل بالإهانة لخدمة علته النفسية...همست مجددا بصوت فاتر
(يبدو تحب سمعاها لترضي غرورك... حسنا لك ما تريد)
اختفت بسمته الساخرة حينما رفعت له عينيها مجددا...ما بال نظرتها الباهتة هذه و ما سر رضوخها الغريب... فقط بعد بضع ساعات كانت ستستلم غرامتها الثانية منه ليزيد من احكام الطوق حول رقبتها رغبة في تنفيذ ما يريد... ظنت نفسها ندا له لكنها لا تعرف أن ظنها سحبها لبؤرة لا خروج منها... انتبه لحروفها الخافتة رغم صلابة نبرتها التي يظن تدعيها في هذه اللحظة...
(أنا موافقة على العمل في مشفاكم)
تقدم بكرسيه من مكتبه يستند عليه و يداه تتوجهان الى اوراقه يفتحها و يمنحها اهتمامه الكامل...انتظرت و صبرت حتى مضت بضع لحظات و هو يستكمل ما يفعله بكل برود!!!...اشاحت بوجهها جانبا تغمض عينيها بغضب كبير يمارس عجرفته عليها هذا المختل...عادت تنظر لرأسه لتتجه اصابعها تدق فوق مكتبه لتلفت انتباهه انها تنتظر رد طبيعي من شخص سوي...رفع بصره لها يتحدث ببرود متعجرف نرجسي...
(لماذا لا زلتي تنتظرين... غدا سيبدأ عملك هنا سترسل إدارة المشفى التفاصيل عبر بريدك الالكتروني)
بسط كفه تجاه الباب يقول بنبرة مهينة...
(الآن انتهت المقابلة)
منحته نظرة شرسة تتحكم بصعوبة في غضبها لتتجه ناحية الباب تخرج منه بعدما صفقته بحدة خلفها...ارتخت اصابعه عن الورق ليعود بظهره يستند على الكرسي و يريح رأسه ناظرا للسقف...لحظات مرت ليهمس بعدها بنظرة عين ترعب...
(بقي القليل...فقط القليل يا أبي)
خرجت من المصعد بوجه حزين بسبب صمتها لما حدث في مكتب هذا الرجل...لولا انها تكاد تقع مغشيا عليها من التعب لأرته مقامه هذا المتحذلق الغبي...توقفت فجأة على صوت ديما المندهش بقوة...
(أريج!!!...ماذا تفعلين هنا؟!)
كادت تنطق بما حدث لكن ديما اسرعت بفرحة تقول...
(لن تصدقي ما عرفته للتو من أبي...أريج لا يوجد ما يسمى غرامة لمن يتقاعس فقط هذا كله من تدبير مؤيد ليجبرك على العمل... لذا استرخي و لا تهتمي بما سيفعل)
ابتسمت أريج بسخرية تقول...
(ما عاد ينفع)
سؤال ديما المتعجب خرج مترقبا...
(لمَ؟!)
ظلت محتفظة ببسمتها الساخرة تقول...
(لأنني فقط قبل لحظات وافقت على العمل هنا)
اتسعت عينا ديما بقوة لتشعر بعدها بالذنب قائلة بأسف...
(انا السبب في كل هذا...آسفة أريج)
هزت أريج رأسها بفتور تقول...
(لا بأس لم أقبل العمل بسبب الغرامة او ما شابه)
تنهدت ديما بارتياح تقول...
(هذا جيد و الآن يمكنني التخلص من شعوري بالذنب و صدقيني العمل هنا جيد لك بخلاف كون الشرير مؤيد مدير المشفى)
فلتت ضحكة مرهقة من أريج جعلت ديما تضحك بمرح تخرج هاتفها مجددا قائلة...
(دعينا نهاتف غسق و نخبرها بما حدث...لا أعرف اين اختفت هذه الفتاة كل هذا الوقت)
اسرعت أريج تقول برفض...
(لا تهاتفيها الآن...يعني هي اشتاقت لوالديها بعد سفرهما لذا تود قضاء وقت اطول معهما)
اومأت ديما بتفهم تعيد هاتفها في حقيبتها قائلة...
(ما دام هذا كل شيء لا بأس لها كل الوقت...لقد قلقت عليها جدا فالحمد لله انها بخير)
غصبت أريج بسمة صغيرة تواجه بها ديما و لسان حالها يهمس بحسرة على ما اصاب غسق...
(لكنها أبدا ليست بخير...)