📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الخامس عشر 15 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الخامس عشر 15 بقلم آية احمد عرفة


15 "ظلّي"



"كان ظلا لدي الجميع، لكنه قد غفل أن يكون ظلاً لنفسه."
ـــــــــــــ

داخل إحدى الكافيهات، كان يجلس لؤي بصحبة نور. وضع يده فوق كفّة يدها:
ـــ "متوترة ليه؟"

سحبت يدها على الفور، ثم أردفت بنفي:
- "لا أبدا... يعني أنا بس أول مرة أخرج مع شاب لوحدي."

أومأ بتفهم، ليحاول أن ينير لها الوضع المظلم الذي هي فيه الآن ويجمله بطريقته الماكرة:
- "نور احنا مش بنعمل حاجة غلط... احنا قاعدين في مكان عام، والناس كلها بتعمل كده. بطلي...تلتفتي بقي... خليتيني..."

نهضت قائلة:
- "هروح التوالت."

ابتسم لها:
- "روحي... عقبال ما اطلب حاجه نشربها."

غادرت ليطلب لهم عصير، لتخرج بعد عدة دقائق، لكنها اصطدمت في شابٍّ رمقها بضيق:
- "مش تفتحي..."

أردفت بضيق مماثل:
- "أنت اللي خبطني مش العكس."

هتفت بذلك لتغادر، لينظر إلى أثرها بدهشة، قائلاً:
- "وقحة..."

لتلفت نظره أنها ترتدي ملابس مدرسية، وهذه ليست مواعيد الخروج المعتادة، لكنها تجلس بصحبة شاب. جلس على الطاولة، وهو يتمتم:
- "بنات آخر زمن..."

جلس رجل آخر قائلاً:
- "معلش يا أدهم، اتأخرت عليك بس معايا البشارة... قبلوك في المستشفى... جهّز نفسك من بكرا يا دكتور."

ابتسم باتساع:
- "الحمد لله... وأخيرا همارس مهنتي."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان يجلس على الكرسي القابع بجانب السرير، يمسك مصحفًا صغيرًا يقرأ منه بعض الآيات، ينتظر أخيه أن يستعيد وعيه، قد مضي ثلاثة ساعات وهو يجلس لا يبرح مكانه منتظرًا أن يفيق ليطمئن عليه. كان حزينًا جدًا على ما تعرّض له، هذه الكدمات التي على وجهه، قد ظل طيلة عمره يحمي أخيه. نعم يوجد له أخوة اخرين ولكن حمزة يعني شيئًا آخر بالنسبة له؛ ليس فقط بسبب حالته إنما هو من تولّى تربية حمزة الكاملة، الوحيد الذي لا يوعي غير عليه هو فقط، كان الأب والأخ والصديق له.

صدق وأغلق المصحف، عندما استمع إلى صوت تأوٍّ.
نهض ومال بجزعه عليه، ثم هتف بحنو:
- "حمزة."

ظل يرمش عدة مرات، وعيناه تزوغ بالغرفة يحاول استيعاب أين هو الآن، تتضارب المشاهد بعقله ويتذكر ماذا فعل به. أخرجه من حالة التيه التي أصابته صوت أخيه وهو يهتف باسمه للمرة التي لا يعلم عددها. أخرج صوته بنبرة واهنة:
- "أنا كويس."

هذه الجملة التي ألقاها قد دبّت الرعب في أوصال براء، يعلم أنه يكذب، تفوّه بها فقط حتى لا يقلقه.

مدّ يده، كاد أن يضعها على شعره لكنه انتفض وهو يزحف إلى الخلف بجزعه وهو يصيح بغضب يمزجه التشتت والذعر:
- "لا لا مش تلمسني!"

كان يحدّق في أخيه، هذه النبرة، هذا الشعور المرتسم على وجهه جديد عليه. يعلم أنه لا يحبّذ التلامس أبدًا، ولكن هذه المرّة تفوّه بها بخوف يرتسم على وجهه دليلًا على ذعره منه.

..
تنهد وهو يحاول احتوائه الآن ثم ارتعد خطوة للخلف ورفع يده باستسلام وهو يهتف:
- "أنا بعيد عنك... ممكن تهدأ؟"
ثم تابع:
- "عارف إن اللي اتعرض ليه تعبك وكان صعب و..."

وضع يده على أذنه متجنبًا أن يستمع له، خفض رأسه ثم قاطع حديثه بنبرة مذعورة:
- "مش عاوز أسمع حاجة... مش عاوز أسمع حاجة!
إنت اتأخرت عليّا يا براء، عمرك ما اتأخرت عليّا... كنت ظلّي، بس الظلّ اتأخر المرادي."

كان يحدّق به، لا يعرف ماذا يقول له أو كيف يداوي جرح قلبه. يعلم أنّ معاناته النفسية تفوق الجسدية بكثير. زفر بضيق وهو يطالع أخاه بهذه الحالة، ولا يعلم ماذا يفعل له. تقدّم خطوة إلى الأمام مرة أخرى، ثم هتف بهدوء:

- "حمزه... بصلي. ارفع راسك ورد عليا."

لكن الآخر هزّ رأسه رافضًا دون أن يفعل شيئًا آخر. تنهد براء وجلس على الكرسي وهو يحدّق به، تمني لو يطبق على عنق أيوب ويأخذ بثأر أخيه منه. ألا يكفيه ما فعله بمهاب ليقوم بنفس الفعل مع حمزه، الذي لا يعي شيئًا في حياته سوى دراسته وعائلته فقط؟

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم أردف:

- "حمزة، أنا عارف إني اتأخرت عليك، بس مكنتش أعرف اللي حصل.
طيب بصلي يا حبيبي، معقول مش عاوز تكلم أخوك؟"

تفوه حمزة بضيق، وهو ما زال على وضعيته:

- "مش عاوز أكلم حد، لا انت ولا غيرك، مش عاوز حد خالص."

أردف الآخر:

- "بس انت عارف إن كلامك دا مش هيأثر خالص عليا، ومش هسيبك مهما قولت أو عملت."

أبعد يده تدريجيًا من حول أذنه، ثم هتف:

- 'عشان كده بقولك، مش عاوز أكلمك."

فتح الباب ودلف الطبيب قائلاً:

- "حمدالله على السلامة، فاق من بدري؟"

نظر براء إلى الطبيب:

- "مش بقاله كتير."

كاد أن يقترب ليفحصه، لكنه صاح وهو يبتعد:

- "لا! لامحدش يلمسني!"

توقف الطبيب مكانه، يحسه بالهدوء، ثم قال:

- "تمام... اهدا."

ليوجه نظره إلى براء:

- لازم يشوف دكتور نفسي. ثم أخرج دفترًا صغيرًا وقلمًا ليدون شيئًا، وأشار إلى براء قائلاً:

- "ياخد الأدوية دي في معادها، ويقدر يخرج، بس لازم يشوفه مختص نفسي."

قال ذلك وغادر الغرفة. تنهد براء وحدق في حمزة، ثم التقط جاكيت أخيه الموضوع على السرير بجانبه، قائلاً:

- "حمزة، يلا البس الجاكيت، خلينا نمشي."

لكنه لم يتلق أي رد. اقترب ليكون أمامه:


- "عشان خاطري، مش حابب أشوفك كده. ارفع وشك وبص لي، أنا أخوك.
هو مسيره يعرف غلطه، والأيام تلف ويتعاقب باللي عمله فيك في أغلى ما عنده.
يلا خليني أساعدك تلبس الجاكيت، وصدقني مش هلمسك."
2

أومأ حمزة بهدوء ليساعده في ارتداء الجاكيت بحذر حتى لا يتسبب في مضايقته، ثم جذب حذائه. مال براء ليساعده في ارتدائه، لكنه أبعد رجله قائلاً:

- "أنا هلبسه."

رفع براء نظره وابتسم بخفوت:

- "هتكبر عليا؟ ما أنا ياما كنت بلبسّه ليك وإنت صغير... وحتى الرباط كنت بتجنّنّي، مش عارف تتعلم تعمله."

قال ذلك ليكمل ما يفعله، ثم استقام براء بجسده، والتقط حقيبة أخيه، ثم أردف:

- "يلا."

أومأ ونهض ليغادروا الغرفة، وساروا باتجاه الخروج.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
داخل بيت الزيني كان الوضع متوتّرًا، كانت أميرة تحاول تهدئة الأجواء، فهي خائفة على حمزة.
أخذت سكن يد أختها ودلفتا إلى الغرفة، أوصدت الباب خلفهما وجلست على السرير. رمقتها أختها قائلة:
- "سكن طمنيني عليكِ، عاملة إيه؟ خدتي عليهم."

ثم أضافت:
- "شكل حماتك وبنتها طيبين خالص."

أومأت برأسها:
- "فعلاً هما كويسين جدًا."

جلست بجانبها وسألتها متفحّصة:
- "اممم، طيب وجوزِك؟"

حدّقت بها سكن، لتبتسم أختها وتؤكد حديثها:
- "جوزِك يا سكن... يعني هقول إيه؟ هو بقى جوز أختي."

ثم أضافت بفضول:
- "أمال فين مراته التانية؟"

أجابت بتهكّم خفيف:
- "سندس؟ أنا التانية!"

أمسكت سندس يدها قائلة:
- "مش قصدي حاجة، طب خلاص متزعليش... قوليلي هو عامل معاكي إيه؟ بيعاملك كويس ولا لأ؟"

صمتت سكن قليلًا، لتتذكّر موقف الصباح وكيف قال لها إنه الكابوس الحقيقي في حياته.
زينت ابتسامة خفيفة ثغرها وهي تتذكّر ضيقه وتذمّره من الموقف، ثم نظرت إلى أختها:
- "هو كويس، وبيخاف على عيلته أوي. ومن اللي قدرت أعرفه في اليومين دول إنه بيخاف جدًا على أخواته، وبيحب اللي منه أوي..."

ثم أضافت بهدوء:
- "ودي حاجة محبّبة ليا بصراحة، أصل اللي بيحب اللي منه أقدر أستأمن نفسي معاه من غير ما أخاف."

ابتسمت أختها لها:
- "ليه حاسة إن وجهة نظرك بدأت تتغير؟"

نهضت سكن من على السرير قائلة بضيق:
- "عيبه الوحيد إنه متجوز، وأنا مكنتش حابة يقولوا عليا اللي خدت راجل من مراته. وكمان الموقف البايخ اللي اتجوزني عشانه... يعني كل ما أبص في وشه أفتكر، دول اتقفل."

تفهمت أميرة حديثها، ونهضت هي الأخرى قائلة:
- "فاهمَاكي يا حبيبتي. بس إنتِ بقيتي مراته يا سكن، وبصراحة من كلامك فهمت إن علاقتكم سطحية... بس هتفضلي كده لحد إمتى؟"
ثم تابعت:
- "أنا لازم أمشي دلوقتي، أدهم مش في البيت، وأنا سبت بابا نايم بعد ما اديته الدوا. قولت أجيب شوية طلبات للبيت، مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل، وأخو جوزِك يتعور بسببي."

عانقتها سكن بحنان:
- "خلاص، متفكريش في حاجة. هو بخير وإنتِ بخير... دي أهم حاجة."

خرجتا من الغرفة، لتقترب سندس وتستأذن منهم، ثم أردفت وهي تنظر إلى مفيدة:
- "بإذن الله ربنا يطمنكم."

هتفت أميرة:
- "طب اقعدي اتغدي معانا؟"

هزّت سندس رأسها رافضة وهي على وشك المغادرة:
- "لا معلش، مش هقدر أسيب بابا لوحده... عن إذنكم."

ذهبت معها سكن لتفتح لها الباب، ثم نظرت سندس إلى أختها قائلة:
- "سكن، لو حاسة إنك مرتاحة... ادي نفسك فرصة. بلاش تخسري حياة دخلتيها بالصدفة أو يمكن مجبورة، بس مش عيب لو حبّيتيها."

غادرت وتركتها تتبع أثرها بعينيها؛ فقد فهمت سكن تلميحاتها، كانت تقصد براء نفسه لا الحياة.
تنهدت وأغلقت الباب، ثم دلفت إلى المطبخ لتحضير الغداء، وللمرة الأولى منذ أتت إلى هذا البيت شعرت بشيءٍ مختلف.
.
.
.
.
.
.
.
.
.صعد إلى شقته ليتوقف وهو يتمتم بدهشة:
ــ "وليد!"

استقام وليد من مكانه، فهو قد أتى ليجلس معه لكنه لم يجده، انتظره ليأتي.أردف:
ــ "بقالّي حوالي نص ساعة هنا."

أخرج أويس المفتاح ووضعه في القفل ليفتح الباب، دلفوا إلى الداخل ليخلعوا أحذيتهم.
أوصد وليد الباب ودلف ليجلس بجوار صديقه على الأريكة قائلًا:
"كنت فين؟"

ثم انتبه إلى يده فعبس متسائلا:
ـــ "ومالها إيدك؟"

أردف بهروب:
ـــ "اتخبط فيها... سيبك، قولي أنت جيت ليه؟"

تضايق من نبرته الفظة:
ـــ "أقوم أمشي."

هتف بضيق:
ـــ "مقولتش كده، بس فاكر اللي عملته؟"

أومأ وليد بتأكيد ثم هتف:
"اللي عملته ما يتنسيش. أنا حقير أوي عارف، بس جيت أتطمن عليك. فجأة ناس خدوك وأنا ما عرفتش عنك حاجة، حتى بتصل عليك مش بترد عليّ... أويس، أنت زعلان مني صح؟"

أردف الآخر بضيق:
ـــ "صح، أكيد صح يا وليد. عشان أنا السبب في اللي حصل، لو ما كنتش علّمتك ما كنتش عملت كده، يعني أنا كمان ليا ذنب في اللي حصل. اللي علّمته هو اللي عمل كده... وأهلها جم ليّا عشان أشيل الصور! إيه العبث ده؟"

انتفض وليد من مكانه:
ـــ "أهلها مين؟ أنت تعرفهم يا أويس؟ أنت اللي شيلت الصور؟!"

أومأ قائلًا:
ـــ "أممم... أصل في نفس اليوم اللي أنت جيت ليّا فيه، قبلها بساعات، بس كان في ناس برضو صاحبي جبهم ليّا عشان أشيل صور مفبركة لبنت. استنتجت لما قولتلي إنها نفس البنت هي ليها أخ رخم وبارد اسمه أدهم."

ابتلع لعابه بخوف وهو يرمقه:
ـــ "إزاي؟! بس دونا عن الكل يجوا ليك أنت؟ ده لو ابن خالي خد خبر أنه أنا السبب مش هيرحمني! أدهم ده أنا عارفه وعارف جنانه."

ضحك الآخر قائلًا:
ــ "هو مجنون فعلًا، بس مش تخاف كده. مش هقول حاجة، هي دي حاجة تتقال؟!"

جلس وليد مرة أخرى:
ـــ "مكسوف من نفسي أوي، بالذات بعد ما حسيت إني عرفت أربي أختي. متخيل يا أويس؟ عاوزة تعمل خير وتبعد صاحبتها اللي معاها في المدرسة عن طريق وحش. أصل صاحبتها اتلمت على شلة مش كويسة، ووجدان مصممة إنها هي اللي هتقدر تبعدها. لما سمعتها فرحت إني على الأقل عرفت أربي."

أردف الآخر بضيق:
ــ "كويس... مش زيّي. أنا معرفش غير إن عندي أخت بالاسم وبس."

لا يعلم أن أخته التي لا يعرف غير اسمها هي التي تحدث عنها صديقه للتو... وتساق إلى طريق خاطئ.
.
.
.
.
.
.
.
دلفوا إلى الشقة، وما إن وصل حمزة حتى لم يُتح لأحد فرصة للسؤال؛ خلع حذاءه بسرعة ثم اتجه مباشرة إلى غرفته. تمدد على سريره، وجذب الغطاء فوق جسده حتى غطى رأسه أيضًا، كأنه يريد أن يختفي ويهرب عن العالم بأسره.
كل ذلك جرى تحت أنظار مهاب الذي ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب.

في الخارج، كان براء قد هدّأ والدته أولًا، وأخبرها بأن الأمر بسيط، مجرد مشاجرة حدثت معه في الكلية لا أكثر.

ليدلف إلى الداخل هو أيضا، وحدّق مهاب في حمزة باستفهام، فالتفت إليه براء قائلاً:
ــ "حمزة ماله؟ في حاجة حصلت؟"

أومأ وكأنه يقول نعم دون أن يتحدث.
اعتدل مهاب في جلسته وهو يردد بقلق:
ــ "إيه اللي حصل؟ أنا حاسس إن في حاجة... سألت ماما وأميرة وقالوا مفيش!"

ثم وجّه بصره نحو حمزة الهارب تحت الغطاء:
ــ "حمزة قوم، قولي في إيه؟ ومين اللي عمل فيك كده؟"

لكن الصمت هو كل ما تلقّاه، لم يخرج من حمزة صوت.
تنهد براء وهو ينظر إلى مهاب قائلاً:
ــ "سيبه شوية... لما يهدى وبعدين نتكلم."

دلفت أميرة بعد أن طرقت الباب قائلةٍ:
ــ "يلا عشان تتغدّوا، الليل دخل وإنتوا على الفطار من الصبح"
ثم نظرت إلى حمزة هامسة:
ـــ "هو هينام؟"

أردف براء بهدوء:
ـــ 'روحي حطي الأكل، وأنا هجيبه."

أومأت وغادرت، فالتفت إلى مهاب قائلاً:
ــــ "يلا اطلع عشان تتغدى."

نهض مهاب بحرص بسبب الجرح، وتمتم ساخطًا:
ـــ "بتوزّعني؟ مفهومة على فكرة... بس ماشي، هطلع بمزاجي."

ثم ألقى حديثه نحو حمزة الذي لا يُرى منه شيء تحت الغطاء:
ـــ "بس مش هسيبك برضه غير لما أعرف فيك إيه."

خرج مهاب، فتنهد براء واقترب، وأزاح الغطاء قليلًا. كان حمزة نائمًا، يحيط أُذنه بيده، ورعشة طفيفة تعلو جسده. فقال برقة:
ـــ "أنا عارف إنك مش هتنام دلوقتي، يلا يا حبيبي قوم خلّينا نتغدى."

لم يتحرّك حمزة، وظل على وضعيته ثم همس بصوت واهن:
ـــ "لأ... لأ مش عاوز حاجة، ومش عاوز أشوف حد خالص، سيبوني لوحدي."

لكن براء أجابه بإصرار لين:
ـــ "مش هسيبك لوحدك، إيه رأيك بقى؟ ولو على الغدا ناكل أنا وإنت هنا لوحدنا بعيد عن دوشتهم برّه."

غادر الغرفة متوجهًا إلى المطبخ، فوجد أخته تحمل طبقًا لتضعه على المائدة بالخارج. تطلع حوله فرأى سِكن تُعد الطعام. سألته باستغراب:
ـــ "عاوز حاجة؟"

ردّ وهو يتلفت:
ـــ "آه، بدوّر على صينية عشان أغرف الأكل ليا ولحمزة... هناكل في الأوضة."

أومأت قائلة:
ـــ "ثواني، خليك... أنا هغرف."

بدأت في تجهيز الطعام، ثم سألت بقلق واضح:
ـــ "هو حمزة كويس؟ قصدي... في حاجة حصلت معاه؟"

زفر بضيق وأجابها:
ـــ "لأ، هو مش كويس خالص... أنا قولت كده بس عشان ماما متتعبش."

مدّت له الصينية بعد أن انتهت وهي تقول:
ـــ "لو حابب إني أتكلم معاه، ماعنديش مشكلة. ما تنساش إني دكتورة نفسية، وكنت أنا اللي هتابع حالته."

حمل الصينية وقد راقه اهتمامها بأخيه، وكان يتوقع أن يسمع اعتراضات تشبه حديث هند المعتاد بأنهم كبار ويستطيعون تدبير أمورهم. ابتسم قائلاً:
ـــ "أكيد مش عندي مانع، هحاول أخليه ياكل الأول، وبعد كده لو تقدري تساعديه يتكلم أكون شاكر ليكِ جدًّا."

غادر المطبخ، بينما ابتسمت هي تتابع أثره بعينيها.
دلفت أميرة تسأل باستغراب:
ـــ "براء وحمزة مش هياكلوا معانا؟"

أجابت سكن ببساطة:
ـــ "آه، قال هيأكل مع أخوه. يلا خلّينا نطلع ناكل عشان مهاب ياخد أدويته ويعوّض الدم اللي نزفه."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
دلف براء إلى الغرفة وقد وضع طاولة صغيرة، وضع عليها الطعام ثم أردف:
ـ "حمزه يلا قوم."

لكنه لم يتلقَّ رد، فأردف بصرامة بعض الشيء:
ـ "حمزه... عارف إني أنا أعند منك، فقوم واسمع الكلام يلا."

ثم أضاف بجدية:
ــ "بدل المرة دي مش بس هشيل الغطا... هشيلك إنت شخصيًا، وابقى اسمع كلمة "مش تلمسني" انت حر."
2

وما كاد ينهي حديثه حتى انتفض حمزة من مكانه، وقد جلس أمام الطعام. ابتسم أخيه عليه وجلس هو أيضًا قائلاً:
ـ "يلا كل... إنت اللي هتفتح نفسي."

ثم تابع بمزاح:
ـــ "وبكرة الجمعة... عارف دا معناه إيه؟ يوم المحشي يعني هنطلع نهرب على السطح أنا وانت، عشان مش نقعد في الدبكة بتاعت بكرة."

ابتسم حمزة بخفوت عقب حديث أخيه قائلاً:
ـ "مش بحب المحشي... ماما بترغمني أكله."
1

ابتسم عليه فهو معه حق، ثم قال:
ـ "حبيبي... الشعب كله بياكل المحشي، دي أكتر حاجة كان لازم تكون زينا فيها."

قال هذا وهو يمد يده ليطعمه، ابتلع ثم أردف:
ـ "الأكل دا مضر بالصحة."

ضحك بصخب على أخيه قائلاً:
ـ "بلاش تقول الكلام دا قدام ماما بدل ما هي اللي هتديك المحاضرة في أكل المحشي، خاف على نفسك واسكت."
1

قال ذلك ليطعمه مرة ثانية ثم استرسل حديثه:
ـ "دي طقوس يا حبيبي عند بعض الأمهات... تلاقي الجمعة محشي وتنضيف الاثنين مع بعض.
وبناءً على كده زي عادتنا... هنهرب منهم على فوق."
2

أومأ حمزة بتأكيد ثم هتف:
ـ "أنا هاكل لو حدي... كل انت، أنا مبقتش صغير."

نظر إليه بحب قائلاً:
ـ "هتفضل بالنسبة ليا صغير يا حمزة مهما كبرت... انت عارف.
وحشني حضنك أوي... آخر مرة ضميتك في حضني كان وانت في أولى إعدادي...
بقولك إيه؟ ما تجيب حضن؟"

اندفع حمزة بجزعه إلى الخلف بذعر قائلاً:
ـ "لا لا."
ضحك بصخب على اخيه قائلاً:
ـ "خلاص يبقى كل يلا."

ليأكل الاثنان في جو حاول براء جاهدًا أن يصحبه ببعض الدفء.

دلفت أميرة قائلة:
ـــ "هند برا."

امتعص وجهه بضيق ثم نهض مجيبًا:
ـــ "جاي."

ثم التفت إلى حمزة:
ـــ "خلص أكلك عشان مش ازعل؟"

وغادر الغرفة. كانت هند تقف عند الباب كأنها تنتظره، وما إن اقترب حتى قالت:
ـــ "عاوزة أتكلم معاك."

ثم اقتربت منه وأمسكت بيده، وهى تناظره برجاء أن يوافق فأومأ ودلفا إلى غرفتهما.

في الخارج كان مهاب يتناول طعامه، فنظر إلى والدته وقال خافتًا:
ـــ "شكل فيه مشكلة بينهم من امبارح."

أومأت مفيدة:
ـــ "واضح إنه فيه، بس ملناش دعوة. هو لو كان حابب ندخل كان طلب."

هز رأسه متفهمًا وهو يتابع طعامه، بينما سُكن لا تدري ما ذلك الضيق الذي يعصف بها منذ عودتها، خاصة وفكرة وجودهما معًا في الغرفة تشعل شيئًا في صدرها. نهرت نفسها داخليًا متسائلة كيف تفكر هكذا، فهي زوجته الأولى، والأحق به أيضًا؟

في الداخل نظر إليها براء بهدوء:
ــ "نعم؟"

فاندفعت كلماتها تتساقط عبارتها بانهيار:
ــ "براء مش قادرة أفضل بعيدة عنك أكتر من كده، أرجوك سامحني.. عاقبني زي ما انت عاوز، إلا إنك تبعد عني بالطريقة دي."

ثم أمسكت يده بتوسل:
ـــ "أرجوك بس فرصة تانية، وبوعدك مفيش حاجة من دي هتحصل تاني. هقبل مراتك التانية، وهرضى بكده.. بس بلاش تسيبني."

ظل صامتًا يحدق في عينيها طويلًا، ثم مد يده ليزيل عبارتها برفق وقال:
ـــ "موافق.. أديكي فرصة تانية، عشان عامل حساب العِشرة اللي بينا يا هند. وبتمَنّى ما تخذليش ثقتي فيكي تاني."

شقّت الابتسامة ثغرها، ولفت بذراعيها حوله تعانقه:
ـــ "بوعدك.. أكيد."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
صفّت سيارة التاكسي أمام البيت، وترجل منها شاب يتأمل واجهة العمارة بنظرات مشتاقة، كأنه العائد بعد غيابٍ طويل إلى موطنه الأول. كانت عيناه تلتقطان التفاصيل كمن يبحث عن ذكرى تائهة في زوايا المكان.
1

تقدّم السائق وهو يضع عدة حقائب بجواره،
قائلاً بود:
ــ "كنت قول من الأول إنك رايح بيت الزيني! كنت فهمتك عالطول، أصلّي من السيدة زينب أساسًا."

ثم تابع مستفسرًا وهو ينظر إليه:
ــ "بس قولّي بقى... إنت مين؟ أنا أعرف عيلة الزيني كلها، دول ناس طيبين وخيرهم على الكل."

ظل الشاب ينظر إلى البيت بصمت يتأمله بعينين قد اشتاقت للحنين، كأنه يجمع شتات روحه قبل أن ينطق، ثم همس وكأنه يحدث نفسه قبل أن يحدّث السائق:
ــ "أنا واحد من عيلة الزيني... واحد ضيع طريقه زمان، وراجع دلوقتي على أمل ان بابهم يتفتح ليه من تاني"
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
"يعود الغائب حين يظنه الجميع أثرًا من ماضٍ انقضى...
يعود كنسمة ليل تحمل في طيّاتها ألف حكاية لا تُروى،
وكأن قد رسل ليمتحن القلوب التي ظنّت أنها تعافت.
الغيث... لم يجيء فقط ليستقر، بل ليُزلزل السكون الذي طال.
فهو بداية لفصول تُفتح فيه دفاتر قد أُغلقت، وتنبض فيه الحكايات من جديد.
عاد... ليُغيّر كل شيء"
2

وضع الحقائب عند مدخل العمارة، دفع أجر السائق سريعًا ثم دلف إلى الداخل.
ومع كل درجة يصعدها، كان يستعيد ذكرى ضائعة من الماضي؛
يكاد يجزم أن أجمل أيام راحة البال كانت طفولته التي تركها خلفه وسار إلى الهاوية بقدميه.
ظنّ يومًا أنه على الطريق الصحيح، لكنه الآن فقط أدرك كم كان تائهًا...
منذ اللحظة التي قرر فيها التخلي عن كل شيء.

توقّف أمام الباب، رفع يده ليطرق لكن الرعشة فى كفه قد سبقت طرقاته.
أيعقل أن السبب هو الفرح؟ أم الاشتياق؟
زفر ليأخذ نفسًا عميقًا، ثم طرق الباب بخفوت، بينما نبضه يتسارع كأنه يعود للحياة.

ثوانٍ قليلة، وانفتح الباب.
كان مهاب واقفًا، ينظر إليه، قبل أن يقول بنبرة متسائلا:
ـــ "حضرتك عاوز مين؟"

ظل يحدّق به يمتلئ بعينيه، يحاول أن يُميّز الملامح التي افتقدها، ثم همس بتردد:
ـــ "إنت... مهاب ولا حمزة؟"

انعقد حاجبا مهاب بضيق وهو يرد باستنكار فظ:
"هو إنت جاي على بيتي تسألني أنا مين؟"

جاء صوت اخيه من الداخل:
ـــ "مين يا مهاب؟"

اقترب براء بخطوات حائرة، وما إن وقع بصره عليه حتى تجمَّد مكانه.
قد تغيرت ملامحه كثيراً
دقق النظر طويلًا، تغيّر... نعم، لكن القلب يعرف.
الملامح لم تخنه، والذاكرة لم تخذلهم.

تسللت ابتسامة مرتعشة إلى ثغره، تسبقها عبارة قد انسدلت على وجنته، ثم خرجت الكلمة من بين شفتيه كنبض طازج من الماضي:
ـــ "...ظلّي."
3

ارتجف قلب براء، وارتسمت ابتسامة دافئة على محياه حين سمع الاسم الذي كان يردده في طفولته، قبل أن يجيبه بصوت خافت مفعم بالشوق وهو يجذبه إلى احضانه ليعانقه:
ـــ "غيمتي."
7

ومن هنا أقول لكم:
"كان الجميع له طريق، أما هو فكان الغيمة التي لا يعرفها أحد."
.
.
.
.
أمسك بذراعيه وجذبه إلى الداخل وهو يهتف بنبرة مرتفعة..... امي عمران رجع يا امي عمران رجع، الغايب رجع لمكانه الصحيح.
.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات