📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الرابع عشر 14 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الرابع عشر 14 بقلم آية احمد عرفة


14 "وهم البراءة"

ما كان ذنبُ البريء ليقع عليه العقابُ على أمرٍ ليس بيده. أهو الضعيفُ حقًّا، فيستقوي عليه الجميع؟ أم لأنّه يحاول أن يظلّ صبورًا وسط فئةٍ لا تعرف من البراءة شيئًا، ولا تريد سوى امتصاص ما تبقّى منه، حتى يستفيق من وهمِ البراءة الذي يُلاحقه؟
.

كان يجلس في المحل بصحبة أخيه، الزبائن تدخل وتخرج ومهاب يتابع طلباتهم، أما عن براء فكان يجلس ويلقي نظرة على الحسابات. خرج آخر زبون كان يقف ليغادر بعد أن أخذ مطلبه، ليجلس مهاب قائلاً:
ــ نفسي أعرف نزلت ليه المحل؟ أنت عريس ولسه مش كملت حاجة! هو أنت مش بتعرف تعيش يومين حلوين لنفسك أبداً؟

قال آخر جملته ببعض الضيق، فرمقه أخيه قائلاً:
ــ مش عارف، اتصدق؟ عمري ما سألت نفسي السؤال ده.
ثم أضاف بوهن:
ــ أنا عايش ليكم.

ابتسم بخفوت على هذه الإجابة:
ــ بس لازم تعيش لنفسك، وإلا هنكون أنانين. إنت فين من كل ده؟
صمت لبضع دقائق ثم استرسل بقية حديثه:
ــ عارف يا براء، ساعات بسأل نفسي... هو أنا لو معنديش أخ زيك كده بيدلّني على الصح ومصاحبني
، كنت هعمل ايه ؟ انا محظوظ بيك.
وتابع:
ــ وساعات بحس إنك ظلي أنا كمان، مش ظل حمزة بس.

ابتسم على حديث أخيه، ليقطع صفوهم دلوف عمه شوقي إلى المحل، أو بالأدق حماه. رمقهم بضيق ثم نظر إلى براء:
ــ عاوز أتكلم معاك... ودلوقتي.

أومأ بهدوء ثم وجه نظره لأخيه:
ــ مهاب، ممكن تسبنا شوية؟

أومأ وهو ينهض ليغادر المحل. جلس شوقي ورمق براء بنظرات غاضبة ثم أردف:
ــ ممكن أعرف إيه؟ أنت مالك فارد نفسك على بنتي أوي كده ليه؟ الأول تتجوز عليها وهي سكتت وقَبِلت عشان مش عاوزة تخرب على نفسها، وبعدين أنت تقولها تمشي! دا بدل ما تشيل وجودها معاك جميل فوق راسك؟

تنهد براء يحاول أن يظل هادئًا ثابتًا كما تعود على مقابلة مواقف كهذه، ثم قال:
ــ هي مش قالت ليك عملت إيه؟ هي اللي عاوزة تخرب على نفسها.
لتزداد نبرته حدّة:
ــ بنت أختي كانت هتروح مني بسببها! هي تحمد ربنا إن فريدة معانا وفي وسطنا، وإلا الموضوع عمره ما كان هيخلص على إني أقولها تمشي.

غضب من حديثه الفظ لكنه حاول أن يتصنع الهدوء:
ــ بنتي عرفت غلطها واعترفت بيه وندمت، يبقى تسامحها وتديها فرصة تانية.
ثم أضاف بضيق يصحبه السخرية:
ــ إيه؟ خلاص يا عم الشيخ؟ هتعلق لها المشنقة على أول غلطة؟

تفهم براء نبرته المستهزئة لكنه ظل على وضعه دون رد فعل زائد قائلاً:
ــ أنا مش شيخ يا... حمايا،
ثم تابع بضيق:
ــ حتى كلمة عمي بقت تقيلة عليا، مش عارف أقولها.

زمجر شوقي من فظاظته:
ــ بقولك إيه؟ بنتي مش هتفضل كده! ناوي تاخد مراتك إمتى؟ ولا عاوز الناس تاكل وشي؟

ضحك براء على حديثه، ثم اردف:
ــ وانت من إمتى بيهمّك كلام الناس؟
ثم اقترب بجذعه للأمام:
ــ مش خوفت الناس تاكل وشك زمان ليه لما حاولت تاكل حقي أنا وإخواتي؟



نهض شوقي وهو يتهرب من ندالته مع أولاد أخيه فهو بالفعل كان يأكل حق اليتامى لكنه تجاهل حديثه:
ــ بقولك إيه، أنا مش جاي أفتح في القديم. أنا قلت الكلمتين اللي جاي فيهم، وياريت تكون باقي على العِشرة ومش تتخلى عن بنتي من أول غلطة.
ثم أضاف بتهكم:
ــ وأنت كنت السبب فيها! بنتي قلبها محروق منك، اللي عملته مش قليل يا جوز الاتنين.

قال ذلك وغادر المحل، تاركًا الآخر يتابع أثره بشرود.

ليدلف مهاب بعد عدة ثوانٍ قائلاً بضيق:
ــ عاوز إيه؟
ثم استأنف حديثه:
ــ أكيد الموضوع يخص هند ومشيانها من البيت، صح؟

أومأ براء بهدوء، ثم نهض وهو يأخذ متعلقاته:
ــ أنا هروح أشوف حسن، لازم نحط حد لوضع أميرة. مش معقول هتفضل كده وهو عايش ومكبر دماغه.

أردف مهاب مسرعًا:
ــ أنا توقعت إنك رايح في حتة لما لقيتك مش لابس الجلابية.
ثم تابع:
ــ أجي معاك؟

لكنه رفض:
ــ لا، خليك أنت. أنا عارفك عصبي وإيدك سابقة عقلك.
ثم توقف أمامه:
ــ هو صاحبك أدهم هيجيبوا من برّه؟ ما شاء الله طابعين على بعض.

قال ذلك ثم غادر ليستقل سيارته، وفي طريقه خارج السيدة زينب.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
دلفت إلى الكافيه وهي تنظر في كل مكان؛ لتقع عيناها عليه. كان يجلس ويعبث في هاتفه، لتقترب وهي تحمحم لتلفت انتباهه. رفع رأسه سريعًا وهو يناظرها، ثم نهض وأردف بترحاب:
ــ رقية، عاملة إيه؟

ابتسمت له:
ــ بخير، الحمد لله.
لتجلس مقابله، فجلس هو أيضًا قائلاً:
ــ مش توقعت تقبلي دعوتي ليكِ بسرعة كده وتيجي.

ابتسمت وهي تبرر:
ــ بيت صاحبتي اللي أنا قاعدة معاها قريب من الكافيه، عشان كده جيت. وبصراحة بمل كتير من القعدة لوحدي، عشان صاحبتي طول النهار في الشغل.

أومأ بتفهّم ثم أردف متسائلًا:
ــ صحيح، الجماعة اللي كانوا وراكي... عملتي إيه معاهم؟

تقوهت ببساطة:
ــ قولتلك شوية وبيشلّوني من دماغهم، وفي نفس الوقت بحاول أشغل نفسي.

ليظلّا يتحدثان في كثير من الأمور؛ هو قد ارتاح إليها، أمّا هي فقد تيقّنت أنها تسير على الدرب الصحيح، كانت عيونها تخفي خططًا صغيرة، وابتسامتها تختبئ وراءها نية لم يعرفها هو بعد. كل كلمة تتفوه بها كانت خطوة مدروسة في لعبة لم يبدأها هو لكنه هو من وقع عليه اختيار وقوعه في شباكها الذى لم يكن صدفة... بل فخ محكم قد بدأ للتو بالفعل.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
داخل إحدى المدارس الثانوية، وداخل فصل هادئ نسبيًا، كانت نور تجلس بجوار صديقتها مروة. كانت الأخيرة ترمقها بنظرات طويلة، قبل أن تقول باستفهام:

ــ مالك يا نور؟ ساكتة ليه؟

زفرت نور بضيق شديد، وقالت وهي تهز ساقها بعصبية:


ــ زهقت من البيت ومن الجوّ... مبقتش عارفة أعمل إيه. ماما كل شوية تقول: بلاش تأخير، بلاش تلبسي كده، بلاش تتكلمي كده... أنا زهقت بجد.

تطلعت مروة نحو الشباك فجأة، ثم أردفت بحماس واضح:

ــ نور بصي!

مالت نور بجسدها لتنظر، فتفاجأت بـ لؤي يقف بجوار سيارته في الأسفل. لمحت مروة دهشتها، فابتسمت بمكر:

ــ أكيد جاي علشانك! هو هييجي مدرسة ثانوي ليه يعني؟

عقدت نور حاجبيها بعدم فهم، ثم هزت رأسها نافية:

ــ لا طبعًا! هييجي ليا ليه؟ هو آخرنا بنخرج كلنا مع بعض كصحاب... مش أكتر من كده.

وقطع حديثهما صوت هاتف نور الذي صدع ،أخرجته من جيب التنورة المدرسية، رفعت نظرها بدهشة:

ــ ده بيرن عليّا!

غمزت مروة بثقة:

ــ مش قولتلك؟ شكله واقع خالص ومش شايفك صاحبة وبس يا ست نور!

توترت نور، وقالت مسرعة:

ــ مش هرد.

لكزتها مروة بضيق:

ــ بطّلي هبل يا نور! وبلاش التقل ده يطفش. مش نفسك تعيشي قصة حب حلوة؟

ابتسمت نور بخجل، واعترفت بخفوت:

ــ أكيد... أنا بشوف البنات حواليا بيعيشوا حاجات حلوة... بس أيوب لو عرف؟

قاطعتها مروة سريعًا:

ــ هيعرف منين؟ فُكي بقى واطلعي من الخوف ده، وسيبي نفسك للدنيا.

أخذت نور نفسًا عميقًا وفتحت الاتصال:

ــ الو؟

جاء صوت لؤي بخفة دعابة:

ــ الأتسة نور نصار معايا؟

ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها:

ــ يعني أنت مش عارف يا لؤي؟

ــ عارف... بس بتأكد! طيب... إيه رأيك نخرج دلوقتي؟

توترت نور أكثر:

ــ دلوقتي؟ ده معاد المدرسة! إحنا في البريك ولسه عندي حصتين.

ــ طب اسمعيني... بعد المدرسة هتقولي لازم أروح ومش هينفع أتأخر. يبقى نخرج دلوقتي ونرجع قبل انتهاء دوام المدرسة، ووقتها مش هتحصلك مشكلة.

كانت مروة تضع أذنها بجانب الهاتف تتنصت، وما إن أنهى لؤي كلامه حتى أومأت صديقتها بحماس كي توافق. لكن التردد كان بادئ على جهها:

ــ لا... مش هقدر.

فجأة، خطفت مروة الهاتف من يدها وتحدثت هي:

ــ هاي يا لؤي، أنا مروة! بس كنت عايزة أقولك إنها موافقة... استناها عند البوابة الخلفية.

وأغلقت المكالمة.

اتسعت عينا نور بعدم تصديق:

ــ إيه اللي انتِ عملتيه دا ؟! أنا مش هقدر أخرج! افرد حد شافني وقال لأخويا؟! انتي مجنونة؟ ازاي تقولي له إني موافقة؟

وضعت مروة يدها فوق كفها تحسها على الهدوء:

ــ أخوكِ مش هيعرف. وهتقضي معاه ساعتين تلاتة بدل ما تقعدي في دوشة الحصص! قومي يلا.

نهضت نور على مضض، تحمل حقيبتها فوق كتفيها:

ــ هخرج إزاي؟ فيه أمن عند البوابة!

قاطعتها مروة بثقة:

ــ بالطريقة اللي أنا بخرج بيها لما أحب أمشي.

سارتا حتى وصلا إلى بوابة صغيرة خلفية بالكاد تُرى. فتحت مروة القفل بحركة اعتيادية:

ــ شايفة؟ بسيطة ازاي. يلا بقى... موفقة على خروجك معاه!

توقفت نور قليلًا، التفتت إليها بريبة، لكن مروة دفعتها معنويًا:

ــ ما تبقيش جبانة كده يا نور!

أومأت أخيرًا، واستسلمت. خرجت من المدرسة، وكان لؤي يقف بجوار سيارته منتظرًا. ابتسم، فردّت بابتسامة صغيرة مترددة. فتح لها الباب فجلست، ثم استدار وصعد خلف المقود وانطلق.

في تلك اللحظة، عادت مروة إلى الداخل، لكن شهقت بفزع عند رؤيتها وجدان تقف أمامها بوجه غاضب.

ــ وجدان! واقفة كده ليه؟

ردت الأخيرة بنبرة مشتعلة:

ــ عاوزة إيه من نور؟ ليه مصرة تخليها شبهكم؟ هي مكنتش كده... كانت متفوقة واهتمامها كله بالدراسة! عمرها ما حاولت تزوّغ من المدرسة... بس انتِ بتحاولي بكل الطرق تكون شبهك!

قهقهت مروة بسخرية:

ــ يا سلام! اجّلي مبادئك لنفسك. صاحبتك نور مبقتش صاحبتك... انضمت ليا ولصحابي. فابعدي عنها وريحينا بقى.

لكن وجدان لم تتراجع، بل تقدمت خطوة وعيناها تمتلئان بالتحدي:

ــ مسيرها تفوق... وتعرف إن الصداقة مش كده. إنتي لعنة في حياتها، عرفتي تكسبيها وتصيدي نقاط ضعفها. انتي استغلالية... ومسيري أكشفك ليها. ومسير الغبية التانية تفوق من غسيل المخ اللي عملتيه ليها... يا أسوأ صداقة فى حياتها.

قالت ذلك وذهبت، وعين مروة تتبعها بسخرية.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
لا تدعي فتاة تُسمي نفسها صديقة تجرّكِ إلى أعمال مُحرّمة،
فالصحبة التي تُطفئ نور قلبك ليست صحبة،
واليد التي تدفعك للسقوط لا تُسمّى دعمًا.

الصداقة الحقيقية لا تؤذي،
ولا تقود إلا لطريق طاهر ونجاح،
أما تلك التي ترسلك للهلاك باِسم "التجربة" و"المغامرة"،
فأغلقي الباب خلفها... قبل أن تُغلقي بابك على ندم لا يفيد.
كوني أنتِ من تختار الطريق، الصحيح الصالح
لا من تُساق إليه.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قد انتهى من المحاضرة، كاد أن يخرج من المدرج ليستمع إليها، تهتف باسمه، فسرع في السير أكثر قبل أن توقفه. نظرت إلى سيره المسرع، لترقد خلفه، وتوقفت أمامه، مما أدى إلى اضطراره بالوقوف قائلاً بضيق:
ـــ نعم؟

تفهمت انه ما زال غاضبًا، فقالت:
ـــ أنت لسه زعلان...
لتبرر ما حدث البارحة:
ـــ صدقني، مش كان قصدي خالص إني أضايقك امبارح، أنا بس مش اتوقعت إنك هتضايق أوي كده عشان مسكت إيدك... أسفة.

أومأ بنفاد صبر:
ـــ رغاية...

نظرت له بعدم فهم، ليتابع بتوضيح، وهو يتفادى الاتصال البصري معها:
ـــ انتي رغاية أوي يا مريم.

التفت وغادر، زفرت بضيق وسارت لتسير بجانبه، قائلة بعبوس:
ـــ بعيدًا عن غلطك فيا وكوني رغاية، هتشرحلي القانونين إمتى؟

أردف وهو يكمل سيره دون النظر إليها:
ـــ مش النهارده... أنا عاوز أروح... بس لو ضايقتيني تاني مش هشرحلك حاجة... أنا مش بحب الحاجات اللي بتضايقني.

أردفت بضيق:
ـــ هو أنا حد يا حمزة؟ مش إحنا زمايل مع بعض و...

قاطعها بجدية:
ـــ أيوا، حد... وهتفضلي كده.
1

خرج من البوابة الرئيسة، أما هي فتوقفت وهي تتابع مغادرته. فجأة توقفت سيارة سوداء، لينزل منها بعض الرجال ليقتربوا من حمزة، وهم يأخذونه عنوة إلى الداخل، تحت صراخه وذعره، وصوته يردد أنه لا يريد أحد أن يلمسه، ولكن من هم ليستمعوا له أو يفرقوا بينه؟ كل ما يفعلونه هو تنفيذ ما أمروا به، ليس أكثر من ذلك.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان مهاب يجلس داخل المحل، ليستمع إلى همهمات تأتي من الخارج، لكنه لا يعاريها اي انتباه ، لكن سرعان ما ارتفع الصوت وكأن هناك مشاجرة تحدث بالخارج. نهض ليخرج من المحل ليتقدم نحو مصدر الصوت، ليجد أمامه مشهدًا يدهشه: شابان يتشاجران مع شاب آخر.

وقف مهاب يراقب ليتبين له سبب الشجار، ففهم أن الأمر يتعلق بفتاة تعرضت لمضايقة من ذلك الشاب، بينما كان الشابان الآخران يدافعان عنها. أما بقية الناس، فلم يحرك أحد منهم ساكنًا، اكتفوا "بتكبير دماغهم"، يراقبون المشهد وكأنهم مجرد متفرجين، يتركون الفتاة تواجه الموقف بنفسها، وهذا وحده جعل مهاب يشعر بالغضب، فهو يرى أن من يكتفي بالمشاهدة لا يستحق أن يُلقب بالرجل.

أما الفتاة التي تعرّضت للمعاكسة، فلم تكن سوى سندس، أخت أدهم، وكانت تقف مذعورة، لا تعرف كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد. الشاب المتحرش بها استخدم كلمات سفيهة وأساء إليها، مما جعل الموقف يزداد سوءًا، بينما الناس حولها يكتفون بالمشاهدة دون أن يفعلوا شيئًا.

امتلك الغضب مهاب، فهو يرى أن هذه الفتاة ليست فقط أخت صديقه، بل أيضًا أخت زوجة أخيه. اندفع نحو الشاب المعتدي، وبدأ يوجه له الضربات، عازمًا على إيقاف هذا السلوك المشين.

ولكن على سهو، أخرج الشاب سكينًا وغرزها في مهاب. كاد أن يهرب، لكن الشابان الذين كانوا يتشاجرون معه أمسكوه سريعًا. أما مهاب، فقد كان الدم يتدفق من جوفه.
2

وسندس، كانت تقف مذعورة، تراقب ما حدث، بينما سار بعض الشباب معه، يحاولون أخذه إلى أقرب مركز طبي.

أما هي، فقد ذهبت إلى أختها سكن الوحيدة التي تعني لها الأمان، حتى لو كانت هي الأكبر سنًا منها.

في بلدٍ أصبح الخطأ فيه شيئًا عاديًا من وجهة نظر البعض، يطلق البعض على الفتيات ما يشاءون، وإذا حاول شاب التحرش بها، كل واحد ينفي بطريقة مختلفة: منهم من يقول "هي اللي أرغمته بملابسها"، ومنهم من يقول "هي شجعته على هذا"، ومنهم من يكرر "هي وهي وهي..." ولكن أين هم؟ أين الرجال؟ أين الذين يخافون الله؟

الآن، لا أحد ينظر إلى ما ترتديه الأطفال، وهم يتعرضون لأشياء مفزعة، فتشعر بالأسى على الوحشية التي وصلنا إليها.

أتمنى أن يفيق الجميع من هذه الغفوة، فهي دنيا وليست فانية. افعلوا ما أمركم الله به، أيا كان رجالا أو نساء، وسيروا على أمر ربكم.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
داخل جهاز أمن الدولة، دلف علي إلى مكتب أيوب ليخبره أن ما طلبه صباحًا قد تم. أغلق الباب واقترب من المكتب قائلاً:
ــ حمزة الزيني موجود دلوقتي.

ما أن أنهى حديثه، نهض أيوب أومأ على مضض وغادر الغرفة، ليتبعه علي وهو يسير بجانبه قائلاً:
ــ أنا حاليًا هتكلم معاك كصديق، مش شغل... صدقني، تحقيقك معاه أكبر غلط.

توقف أيوب عن السير ونظر إليه:
ــ ليه؟

أردف علي، محاولًا أن يصل لحالة حمزة، عسى أن يشفق عليه ويحرره دون أن يترك ندبة بداخله لا تمحى:
ــ هو مش هيستحمل في إيدك يا أيوب... أنا عارفك كويس، وعارف طبعك وأساليبك. حمزة مصاب باضطراب طيف التوحد، اتولد بمتلازمة أسبرجر، وده خلى ذكي جدًا... بس في نفس الوقت بيتوتر، ومش بيستحمل التواصل البصري، ومش مندمج اجتماعيًا.

ثم أضاف أخيرًا:
ــ أيوب، راجع نفسك... ممكن يحصل له حاجة في إيدك، خصوصًا إنه اتعرض لأزمات نفسية كتير جدًا، وبيفقد أعصابه بسهولة، ومش هتعرف تسيطر عليه.

قال آخر حديثه على أمل أن يشفق عليه ويتراجع، لكن أيوب ابتسم وهو يرمقه:
ــ كل مرة بتثبتلي إن اللي شغال تحت إيدي ظابط كافئ... آهو، أنا دلوقتي عرفت إن لازم ألعب على الأوتار النفسية عشان أجيب آخره. يعني مرضه في صالحي.
3

ثم اضاف:
ــ هات ليا المتهم اللى كنت بحقق معاه اخر مرة على الاوضة اللى فيها حمزة الزيني

قال ذلك وأكمل سيره، ليهز علي رأسه بيأس من تصرفات صديقه وجبروته، الذي هو شاهد عليه.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان يجلس على كرسي حديدي في غرفة مظلمة، يفرك يديه بسرعة متكررة، أصابعه تتحرك ذهابًا وإيابًا كما لو كانت طقسًا ضروريًا لتهدئة عقله المتوتر. حاول أن يطمئن نفسه بصوت خافت: كل شيء على ما يرام... كل شيء على ما يرام...، لكن التكرار لم يقلل من رهبة المكان

ولكن، هذا ليس مجرد ضغط... فالضغط الحقيقي ما زال في الطريق إليه، يلوح فوقه كالسيف المعلق، يحمل معه الكثير من العذاب المجهول.

عيناه تتنقلان بسرعة بين الزوايا، يلاحظ كل تفصيلة صغيرة: تشققات الجدار، انعكاس الضوء الخافت على الأرض، أي صوت يمر من بعيد. ذهنه يحلل كل شيء بدقة؛ يحاول ترتيب الأحداث وإيجاد تفسير منطقي لكل حركة وظل. لكنه رغم هذا التحليل، كان قلبه يرفرف بسرعة، وجسده مشدود، وكأن كل شيء حوله قد ينهار في أي لحظة.

أحيانًا يهز رأسه إلى الأمام والخلف، أو يضم ذراعيه إلى صدره، محاولًا فرض بعض السيطرة على نفسه، بينما الأصوات والظلال المحيطة تبدو له أكبر من حجمها، تغذي شعوره بالخطر والضياع.

كان ذكاؤه يحاول أن يفهم ويرتب الذي يحدث، لكن خوفه كان يتجاوز العقل... يلتف حوله، يضغط على نفسه، كأنه قد انتابه شعورا انه عالم غريب عليه لا يعرفه.

هو يجلس في قلب أمن الدولة، حيث لا أمان إلا للطاعة الكاملة، والظلام يزداد ثقلاً حوله،
فهو يهاب العتمة، ولا يحبذها إلا أثناء شعوره بالغفوة فقط... كان الخوف يلتف حول روحه كما
لو كان ثوبًا لا يُفك.

قطعت كل هذه المشاعر التي تتخبط فيه بين الخوف والضياع والذعر، عندما فُتح الباب ودلف شخص ما، يتبعه اثنان آخران. جلس أحدهم على كرسي، بينما توقف الآخر خلفه. تيقن أنه، مثله، قد أُتي به عنوة إلى هنا. أما الآخر، فكان يتوقف أمامه، يرمقه بنظرات غير مفهومة، ليخفض نظره ويحاول تنظيم أنفاسه التي أوشكت أن تُسلب منه من شدة خوفه.

أردف أيوب بتهكم:
ــ أهلاً با اصغر فرد في عائلة الزيني.

ظل يزوغ بعينيه وهو لا يفهم ما يخاطبه به، ما علاقة عائلته بوجوده هنا الان؟

قاطع شروده، صفعة قوية انسدلت على وجه الشاب الذي يجلس على الكرسي المقابل له، ليفزع حمزة بخوف، لينظر أيوب إليه:
ــ عارف دا عمل أيه؟

هز رأسه بالنفي وهو مازال يخفض نظره ليتابع:
ــ بيكدب، بسأله ورافض يعترف باللي أنا عاوزه.

ثم تابع بمكر:
ــ بس أكيد انت مش هتعمل زيه وهتكون ناصح وعارف مصلحتك فين وهتقولي: أدهم علوان كان بيعمل إيه امبارح بليل مع أخوك مهاب؟

ما قدر أن يستوعب صياغة هذا الحديث الذي ليس مفهوما، أردف:
ــ جه يقعد معاه، هو أخو مرات أخويا، طبيعي ييجي ويزورنا.

ابتسم أيوب بخفوت قائلا:
ــ برافو، يعني أختك اتجوزت أخوك عشان يكون في سبب يقعدوا فيه مع بعض، عشان يعرفوا يخططوا للمعارضات؟

نفي حمزة حديثه مسرعا:
ــ هما مش ليهم علاقة بحاجة، كنا بس قاعدين مع بعض.

انسدل أيوب بصفعة أخرى على وجه الرجل الذي يجلس، لتجحظ عين حمزة بدهشة وريبة من هذا الرجل، أردف أيوب بتهكم وهو يرمقه:
ــ مش هي دي الإجابة.

ثم مال بجذعه عليه مسترسلا حديثه:
ــ شوف، لو فضلت تلاوعني، بوعدك المرة الجاية هيكون على وشك انت.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان يجلس داخل شقة حسن بعد أن انتهى من سرد حديثه، ثم ختمه أخيرًا قائلاً بنبرة ضيق:
ــ قولت إيه في كلامي؟ ما هو مش طبيعي تكمل مع واحدة خلاص مش عاوزاك.

زمّ حسن شفتيه بعدم رضا من حديثه، ثم أردف بفظاظة:
ــ أنا طلبت تديني فرصة في المستشفى وإنت رفضت.

تنهد الآخر بنفاد صبر من طريقته قائلاً:
ــ بقولك إيه، أنا مش بحب أعيد في كلام مالوش لازمة. إنت حتى ما كلفتش نفسك تشوف بنتك لما فاقت! حسستني إنك جاي في مهمة تستغلها، ولما فشلت مشيت!

تضايق حسن من كلماته وحاول الدفاع عن نفسه:
ــ مشيت عشان ما أضايقكوش... بس أنا مش هطلق. أنا عاوز مراتي وبنتي.

أومأ الآخر وكأنه بدأ يفهم ما يرمي إليه حسن الآن، ثم اعتدل في جلسته وقال بوضوح:

ــ شوف، زي ما دخلنا بالمعروف وحطيت إيدك في إيدي وسلمتك أختي، خلينا نخرج بالمعروف يا حسن. بلاش تحط بنتك في مواقف مش حلوة. ولو فضل الوضع كده هنتجه للمحكمة، وأميرة هترفع عليك طلاق للضرر. ومش بنكدب... إنت فعلاً كنت ضرر في حياتها: ضربتها كذا مرة، وقاعد من الشغل، ومش عارف تعمل حاجة لنفسك، ولا حتى تاخد بالك من بنتك. كل ده أسباب ضرر يديها حق ترفع. وعنيّا ليك... استنى بقى إعلان الجلسة.

نهض من مكانه، ثم اختتم حديثه بصرامة:
ــ عاوزها محكمة؟ يبقى إنت اللي اخترت. أنا عملت اللي عليا، ومجبتش مهاب حتى... عشان عارف أسلوبه كان هيخلي أخته أرملة، ودي حاجة محببة على قلبه يعملها.

ثم غادر وصفع الباب خلفه، ليزفر الاخر بضيق فمن الواضح له أن سيندم، ولكن بماذا يفيد الندم بعد فوات الاوان، قد تلقى سبع فرص لكنه ما استغل واحدة فقط منهم ليتعظ.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

دلفت الى الشقه واغلقت الباب لتستمع الى صوت والدتها الاتي من المطبخ قائلة:
ـــ وجدان أنتِ جيتي

أردفت بنبرة عالية:
ـــ اه يا ماما

خرجت من المطبخ وهى تنظر اليها:
ـــ طيب يا حبيبتي روحي غيري هدومك وغسلي واندهي اخوكِ من اوضته عشان احط الغداء

أومأت باحترام ودلفت إلى غرفتها، ثم بدّلت ثيابها وعقلها مشغول بصديقتها نور؛ لا تعرف كيف تساعدها، ولا تريد أن يصيبها سوء. فهما صديقتان منذ المرحلة الإعدادية، وتعلم جيدًا أن ما يحدث منها ليس من طباعها أبدًا. كانت نور حسنة الخلق، ملتزمة بدراستها ودينها، لكن يبدو أنها انجرفت خلف صديقات لا يشبهنها... أبدا.

خرجت من الغرفة متجهة إلى أخرى، طرقت الباب برفق، فسمعت صوت أخيها من الداخل. فتحت ودلفت قائلة:

- وليد، ماما بتقولك يلا عشان تتغدى.

نظر إليها متفحصًا ملامحها:
- مالك؟ شكلك زعلانة من حاجة... صح؟

أومأت بفتور:
- يعني.

ابتسم لها بحنو، مشيرًا إليها بالجلوس:
- تعالي اقعدي، قوليلي فيه إيه بقى؟

أغلقت الباب حتى لا تسمع والدتها الحديث؛ فهي لا تتفهم أمورًا كهذه، بينما وليد دومًا أكثر رخوة في التعامل معها، يعوضها حنانًا عن والدهم الذي فارقهم منذ خمس سنوات.

جلست بقربه وقد علت وجهها ملامح الحيرة والحزن، ثم أردفت:

- ليا صاحبة من زمان أوي... بقت بتعمل تصرفات مش كويسة، ومش عارفة أعمل إيه عشان أبعدها عن اللي هي فيه.

زم وليد شفتيه بعدم رضا:
- وهتعملي إيه يعني؟ انتي تبعدي عنها وخلاص... كل واحد حرّ في حياته. هي اختارت تبقى كده، وانتي مش هتغيري الكون يا حبيبتي. لازم تبعدي عنها عشان ماتنجريش وراها وتبقي زيها.

تضايقت من حديثه، فهتفت بعناد خفيف:
- وليد! ليه لأ؟ ليه ماكونش أنا السبب إنها ترجع؟ مش المفروض أسيبها تمشي في طريق غلط وأنا عارفة إن ممكن أساعدها. نور إنسانة كويسة جدًا... والإنسان غلط وارد، صح؟ بس المهم مايعاندش في الغلط ويفوق قبل فوات الأوان.

تنهدت بهدوء، ونبرتها امتلأ إصرارًا:
- أنا مش حابة أسيبها... خصوصًا إني أعرف مامت نور كويسة، وكنت بروح أذاكر عندها زمان. خليني أحاول مع نور... يمكن ترجع صاحبتي اللي أنا أعرفها.

ثم أسترسلت حديثها، تنظر في عيني أخيها برجاء، ثم قالت بصوت منخفض تحاول جاهدة أن تقعنه:

- وليد...انا مش عاوزاها تضل فى الطريق الغلط، بس كمان مش عاوزاها تحس ان انا ضدها،
النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة»، يعني إحنا مش بس نسيب اللي بيغلط، لأ... ننصحه ونقف معاه. وربنا قال: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى»، مش على إننا نسيب بعض لما نقع. أنا خايفة عليها، ولو كل واحدة سابت صحبتها أول ما غلطت... مين هيهدي مين؟

نظر إليها وليد لثوانٍ، كأنه يحاول البحث عن رد، فتابعت بإصرار هادئ:

- انت دايمًا تقولي الخير اللي نقدر نعمله ما نأجلوش... وأنا شايفة إن الخير هنا إني أمد إيدي لنور قبل ما تغرق أكتر. يمكن كلمة مني تهديها. يمكن حضن أو وقت أو اهتمام... مش عايزاها تمشي لوحدها في طريق غلط وتقول كنت محتاجة حد يمسكني وما لقتش.

أطرقت برأسها قليلًا، ثم رفعت عينيها بثقة:

- سيبني أحاول يا وليد... لو فشلت أبقى عملت اللي عليا. بس لو نجحت، هكون رجّعت إنسانة كويسة زي زمان. واللي يعرف طريق ربنا مش يسيب غيره يقع... يحاول يشيله معاه.

لتستمع الى صوت والدتها المرتفع:
ـــ بت يا وجدان روحتى فين، كل دا بتنادى اخوكِ.

نهضت على عجل، ونظرت إليه:
ـــ مش تقول لماما حاجة انت عارف أنها مش
هتتقبل وجهة نظري ابدا.

ابتسم بخفوت:
ـــ وانا من امتى بقول حاجة

خرجت من الغرفة وهى ترد على والدتها:
ـــ قولتله يا ماما طالع.

أما هو فكان لا يزال جالسًا في مكانه، يؤنّب نفسه، نادمًا على ما فعل تجاه ابنة خاله. لم يعرف كيف ترك غضبه يسيطر عليه، وقد أدرك للتو أنّه أحسن في تربية أخته، لكنه نسي أن يربي نفسه أولًا.
.
.

.
كان مازال الضغط مستمر عليه، قد وضع حمزة يده حول أذنه تجنبا لنبرته المرتفعة، والتوتر الذي قد أصابه من كثرة الأسئلة، والرجفة التي استحوذت على جسده. ويهمس فقط باسم براء كأنه يريد أن يأتي وينتشله من كل هذا.

رمقه أيوب وهو يصر على موقفه:
ـــ يلا رد عليـــــا وقول خططوا لايه لما كانوا مع بعض.

اردف على وهو يشاهد حالة حمزة المذريه:
ـــ أيوب كفاية هو معندوش معلومات يقولها.

لكن كبريائه أصر على الذي يريده قائلا بضيق
ـــ انا عارف اتعامل مع الاشكال دى كويس.

قبض على فكه بيده وهو يرمقه قائلا:
ـــ انجد نفسك من بين أيدي واتكلم احسنلك.

لينسدل بصفعه على وجهه وهو يصرخ فيه:
ـــ اتكلم بقي وقول الحقيقه وانت تخرج.

قد نفد صبره وقد استُنفذ جميع طاقته من يتحمل تحقيقا لثلاث ساعات ضغط متواصل، الإنسان الطبيعي لا يتحمل كل هذا، فما بالكم باضطراب التوحد.

دفع أيوب إلى الخلف ونهض وهو يسير ذهابا وايابا يتنفس بعنف، يردد اسم براء، يليه أنه لا يريد لأحد أن يلمسه، وأنه لا يعرف شيئا لحد ما ليقوله.

ظل يفعل هذا ويده تضع على أذنه كمحاولة للهرب من هذا المستنقع الذي وقع فيه.

براء، أنا معرفش حاجه، أنا مش عاوز حد يلمسني.

ظل يعيد ويزيد وهو يسير ذهابا وايابا بطريقة غير طبيعية، يحاول جاهدًا تنظيم أنفاسه التي على وشك التسلب منه من كثر ما تعرض له.

وأخيرًا، لم يحتمل جسده الضغط النفسي، ففقد وعيه فجأة وسقط بلا حراك، مغشيًا عليه وسط الغرفة، بينما ظل أيوب واقفًا مذهولًا.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
في منطقة السيدة زينب، ترجّل من السيارة ودلف إلى المحل، يتفقد أحد العمال متسائلاً:
ـــ أمال فين مهاب؟
2

أجاب الشاب سريعًا:
ـــ أصله اتخانق واتعور.

تابع مسرعًا ليطمئنه:
ـــ بس هو كويس، جرح صغير وطلع فوق يرتاح.

لم ينتظر أكثر من ذلك، غادر المحل ودلف إلى العمارة، صعد إلى الأعلى، أخرج مفتاحه، وضعه في قفل الباب ودلف، مغلقًا الباب خلفه. اقترب، فرأى سكن جالسة مع سندس وأميرة، وكان القلق بادئ على وجهه:
ـــ فين مهاب؟ إيه اللي حصل؟

اسرعت أميرة لتهدئته:
ـــ في أوضته، هو بخير، مش تقلق.

دلف الى الغرفة، فرأى مهاب مستلقيًا على الفراش، ووالدته جالسة بجانبه. اقترب منه قائلاً:
ـــ أنت كويس؟ إيه اللي حصل؟

نهضت والدته متنهّدة بارتياح:
ـــ اهدا يا براء، مش لاحق تاخد نفسك من مشاكلهم... هو كويس الحمد لله، الحمد لله إنها جات على قد كده.

بعد مغادرتها، جلس براء ورمق أخاه قائلاً:
ـــ إيه اللي حصل؟

سرد له مهاب كل شيء، ثم اختتم حديثه:
ـــ صدقني، كان يستاهل الضرب، بس هو خدني على خوانة وطلع سكينه الصغيرة، الحمد لله جرح سطحي ومفيش حاجة.

أومأ براء بتفهم، ثم أردف:
ـــ هتجننوني، جناني على إيدكم... مش عارف حتى اتعصب عليك عشان كان معاك حق في اللي عملته.

قال ذلك وغادر الغرفة وجلس معهم، فأردفت سندس بحرج:
ـــ أنا آسفة... كل ده بسببّي.

كادت سكن أن ترد، لكنه بادر بالحديث:
ـــ بتعتذري ليه؟ مش ذنبك، الشباب ربعه بقي ضايع... محدش بقي عارف دينه، ولا بيفكر إنه ليه أخت أو قريبة ممكن تتعرض لموقف زي اللي بيعمله في بنات الناس. ومهاب... أنا عارفه، أيا كان يعرفك أو لا، هيدخل.

ابتسمت أميرة، فهو معه حق مهاب مندفع، ثم أردفت والدته التي جلست معهم:
ـــ عملت إيه مع حسن؟

أجاب بضيق:
ـــ رفض يطلق... شكلنا هنتجه للمحكمة، هشوف محامي... ثم نظر إلى أخته:
ــ وهخدك الشهر العقاري عشان تعملي توكيل.

أومأت دون تعقيب، فهل بالفعل لم تعد تريد أن ترجع له مرة ثانية؟ أما والدتها فقد امتعص وجهها، لا تريد أن تُلقب ابنتها بالمطلقة.

نظر براء إليهم باستغراب:
ـــ فين حمزة؟

أوضحت أميرة:
ـــ لسه مجاش من الكلية.

نهض براء بفزع مستنكراً:
ـــ كلية إيه؟ قال عنده محاضرة واحدة... حمزة كان لازم يكون هنا من أكتر من ثلاث ساعات.

نعم، هو يعرف مواعيده جيدًا، ولا يذهب لأحد بلا سبب، ولا يوجد له أصدقاء ليذهب لهم.

بدأ القلق يظهر على وجه والدته:
ـــ يعني إيه؟ هيكون فين؟

أخرج هاتفه واتصل عليه مرة واثنتين وثلاثة، بلا رد. يعلم براء أن أخاه لا يفتح الهاتف من أول اتصال... تيقن أن شيئًا ما قد أصابه.

كاد أن يذهب، لكنه توقف وقال:
ـــ مش عاوز مهاب يعرف حاجة عشان ما يتعبش... أنا هروح أشوفه فين.

غادر الشقة، هبط مسرعًا إلى الأسفل، استقل سيارته، وفي طريقه إلى الجامعة، رن هاتفه. أمسك به، وكان الرقم غريبًا. فتح الاتصال، وجاء صوت شخص يخبره أن أخاه في المستشفى، وأعطاه العنوان، ليهرع بسرعة إلى هناك وهو يفكر: «ماذا أصاب أخاه؟».
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانوا ما زالوا جالسين داخل المقهى معًا.
كانت تهوي تنظر إليه بعينين متسائلتين، وهو يعبث بهاتفه قليلًا قبل أن يتركه جانبًا بضيقٍ شديد.

سألته باستغراب:
ـــ مالك يا أويس؟

رد بضيق:
ـــ غزّة... الواحد مش عارف يعمل لهم إيه، بيعانوا كتير وكفاية اللي راح منهم، وإحنا بنتفرّج وبس.

هزّت رأسها بلا اقتناع:
ـــ بس... يعني كل الكلام اللي بيقولوه عن الصهاينة؟ فلسطين كانت لهم أصلاً؟

تنهد أويس بضيق من حديثها:
ـــ لأ، مش كده... قبل الهجرة الصهيونية، فلسطين كانت مأهولة بالكامل بالعرب الفلسطينيين. المدن والقرى كانت كلها ملك للعرب، السكان أغلبهم مسلمين ومسيحيين، وكان عندهم أراضي ومزارع وحياة كاملة. حتى الإحصاءات العثمانية وبدايات القرن العشرين تثبت إن اليهود كانوا أقلية ضئيلة جدًا، حوالي 6٪ من السكان.

توقف قليلاً، ثم أكمل بنبرة حادة:
ـــ وبعد كل ده، إسرائيل جت بالقوة، استولت على الأراضي، هجرت الناس، ودفعتهم يسيبوا بيوتهم ومزارعهم. يعني ما فيش حاجة اسمها "حق تاريخي مقدس"، الأرض كانت لشعبها الفلسطيني عادي... مش لأي حد يقدر يقول عليها ملكه.

أكمل بنبرة ضيقة:
ـــ وبعد كده حصلت النكبة سنة 1948... حوالي 800 ألف فلسطيني اضطروا يسيبوا بيوتهم وأراضيهم بالقوة، وكثير من القرى صودرت أو أزيلت تمامًا. الأرض اللي كانت ملك للفلسطينيين اتاخدت بالقوانين الجديدة والمستوطنات.

توقف قليلاً، ثم تابع:
ـــ ودلوقتي غزة ؟ بيتعرضوا هناك للحصار والقصف المستمر... الأطفال والناس بيموتوا من الجوع

اردف أويس بنبرة أخيرة:
ـــ ياريت لو كان بإيدي حاجة كنت عملتها لهم من غير تردد... بس مش في إيدينا غير الدعاء. الله يلعن الصهاينة! هما مش بس ظالمين... دول زي القمامة، بيلوثوا الأرض وبيحطموا حياة الناس الأبرياء!

غضبت من حديثه، ثم أردفت بداخلها محدثة نفسها:
ــــ اللعنة عليك انت ايها البذيئ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
صف سيارته ترجل منها على عجل ودلف الى المستشفى وهو يتساءل عن اسم اخيه فى الاستقبال.
1

وقابلة احدى الغرف، كان يقف أيوب بصحبة على الذي أردف ببعض من التوتر:
ـــ أيوب ايه رايك تمشي، بلاش يشوفك عشان الوضع مش يسوء اكتر؟

لكنه أردف بلا مبالاة:
ـــ انت فاكرني هنا ليه عشان خاطر اتطمن على اللي جوا، أنا هنا عشان اقابل المدافع عن إخواته ويعرف مدي مقامه معايا ايه، وكمان عشان أقوله يبعد عن أويس ورجل اخويا مش تعتب بيته تاني.

وما كاد نهي حديثه اقترب براء وهو ينظر إليهم بعد ما فهم من وجود أيوب، أن بالتأكيد اصاب اخاه شيئا بسبه ليستقبله أيوب قائلا بسخرية:
ـــ اهلا بحامي اخواته.

اردف بتهكم:
ـــ اكون حامي اخواتي، احسن ما اكون لعنة فى حياتهم.

تفهم أنه يقصده بحديثه ثم أضاف بقلق:
ـــ فين حمزة؟ عملت فيه ايه!

رمقه قائلا بلا مبالاة:
ـــ ولا حاجة كان مشتبه واثبتنا أنه مش ليه علاقة بحاجة.

قبض قلبه على أخيه، قد تيقن انه فعل به مثل ما فعل بمهاب لكنه ما راف بحالة حمزه اردف بغضب:
ـــ انت كنت قاصد المرادي صح.

قال ذلك وهو يقبض على ملابسه ليحاول على نزع الجدال هذا قبل ان يتطور، لكن اوقفه ايوب:
ـــ سيبه يمكن اعمل محضر تعدى على ظابط.

ـــ ايه رايك؟

قال ذلك وهو يتساءل:

تركه براء بعنف ثم اردف بغضب:
ـــ انت بتستغل سلطتك بطريقه ظالمة واستغلالية، فاكر انك كده بتشوف شغلك، أنا دلوقتي فهمت نيتك عشان اخوك كان عندي امبارح صح؟ فخرجت كل غضبك على اخويا أنا، يمكن اخوك هو كمان شبهه.

ابتسم بخفوت:
ـــ اخويا شبهه من زمان مش تتعب نفسك وتجادل معايا، واخوك بخير هو بس تعب من كتر الضغط عليه.

ثم تابع محذراً:
ـــ بس احسن ليك تبعد اخوك عن اخويا اعتبره بقي تهديد تحذير زي ما انت عاوز.

أردف بتهكم وهو يرمقه:
ـــ مش قولتلك بتستغل سلطتك ونفوذك بطريقه غير قانونيه، مع أن شغلك بيدعم القانون.

اردف ساخرا كأنه يريد أن يوصل له مدى هيبته:

ـــ فى مثل بحبه اوى وواخده قدوة ليا.
"أما أن تبقى الهيبة أو تُمحى عن خارطة النفوذ."

اقترب الاخر خطوة لحتى يكون امامه، ثم أردف بنبرة واثقة دليلاً عن انه لا يهابه:

ـــ "كرامتي لا تُمحى تحت ظل نفوذك."

قال ذلك وهو ينظر إلى عينه كأنه يريد أن يوصل له بحديثه اضرب راسك في اقرب حائط.

أما عن الآخر كان يرمقه بغضب ما حدث فى مرة، وقد حدثوا احدا بهذه الطريقة، كأنه يقول له بكل صدر رحب فلنتواجه.
.
.

ــــ نفسي انزل ليكم اقتباس من احداث جاية بس خايفة مخكم يعمل ايرو ؟؟
ـــ خلينا ماشيين خلف الأحداث افضل بقى
ـــ هنتظر رايكم فى البات أنا تقريبا بدءات ارجع اكتب بارتات طويلة من سعت ما خلصت الموروث مش عارفة ارجع اعمل كده تاني.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات