📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الرابع عشر 14 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الرابع عشر 14 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل الرابع عشر:

جالسا على مكتبه يستنشق عطر وشاحها شاردا و مشتاقا لنظراتها الشقية و ضحكتها المشرقة .. و وجهها البديع .. لم يعد يمتلك صبرا على فراقها .. طال غيابها و زادت لهفته عليها .. فقرر أن يتحرك و يفعل أى شئ لمعرفة أخبارها ...
ترك أحمد مكتبه و توجه ناحية مكتب غزل .. طرق بابه .. ففتحت له سالى التى ما أن رأته حتى سبلت عيناها و قالت برقة :
- دكتور أحمد .. إتفضل .
تغاضى عن نظراتها و تنهيداتها و سألها مباشرة :
- مافيش أخبار عن غزل يا سالى .
زمت شفتيها و قالت بإمتعاض :
- غزل !!!!! هى لسه تعبانة شوية .. بس أكيد مش هتطول فى أجازتها .
خلع نظارته و قال بعبوس :
- طب لو سمحتى إبقى كلميها .. أنا محتاجها معايا ضرورى .. و عندنا عمليات كتير متأجلة .
أومأت برأسها و قالت بهدوء :
- حاضر .. بالليل هكلمها و هوصلها اللى حضرتك قولته .
إبتسم بخفوت و قال بود :
- شكرا يا دكتور .. بعد إذنك .
و تركها و إبتعد .. حملقت فى آثره و قالت بسخرية :
- و الله صعبان عليا .. بيحبها و هى متعلقة بواحد تانى .. يالا .. يدى الحلق للى بلا ودان .
و حملت حقيبتها و أغلقت باب المكتب و إنصرفت بهدوء ...

دلف مهاب لغرفة غزل التى مازالت متكورة على نفسها و جلس بجوارها على الفراش .. و قبل مقدمة رأسها و ملس على شعراتها بحنو و قال ببراءة :
- أنا مش هقولك ما تزعليش و ماتعيطيش .. لأنك شوفتى تيتة رأفة و قعدتى معاها و نمتى فى حضنها و ضحكتى ليها .
ثم أخرج من جيب سترته صورة و وضعها أمام عينى غزل التى تحركت مقلتيها ناحيتها و رأت بها إمرأة هادئة الملامح إبتسامتها متسعة تحتضن بطنها المتكور و التى تحمل بداخله صغيرها .. رفع مهاب الصورة أمام عيناه و إبتسم بهدوء و قبل الصورة بلهفة و أشار على بطن المرأة و قال بهدوء :
- أنا كنت هنا .. دى مامتى .. فيها شبه منى صح .
أومأت غزل برأسها بخفوت .. فإنسابت دموعه على وجنتيه و قال بطبيعية و كأنه لا يبكى :
- مش فاكرها قوى .. بس غصب عنى بحبها .. و كل يوم قبل ما أنام بتكلم مع الصورة .. و بعيط .. و بعدها برتاح .
ثم إلتفت برأسه ناحية غزل التى شاركته دموعه و قال بقوة رجل ناضج و عاقل :
- أنا مش فاكرها كويس و بعيط عليها .. فلو إنتى زعلانة علشان تيتة رأفة .. عيطى و هترتاحى .

ضغطت غزل شفتيها بقوة و زادت دموعها إنسيابا .. و ليال و دنيا يتابعان الموقف بتأثر .. و تفاجئوا جميعا بمهاب الذى إنزلق من على فراش غزل و خر ساجدا و دعا ربه قائلا برجاء :
- يا رب .. أنا بطلب منك دايما يكون عندى ماما جديدة .. خلى غزل هى كمان يكون عندها تيتة جديدة علشان مش تزعل تانى .
تحركت غزل و جلست بتعجب من فعلته و ظلت محملقة به حتى رفع رأسه و كفف دموعه و إلتفت لدنيا قائلا بحزم :
- دودو أنا ما أكلتش لسه ممكن تحضرى الغدا ليا أنا و غزل .. بس بسرعة .
حدجته دنيا بإندهاش .. فوقف بقوة و قال :
- قولت بسرعة .. يالا .
كففت دنيا دموعها التى إنهمرت بعدما تأثرت بكلمات الصغير و التى لامست ألمها و جعلتها تشتاق لعائلتها .. و لكنها أدت التحية العسكرية و قالت بإنصياع :
- تمام يا فندم .
توجه مهاب ناحية غزل التى مازالت تطالع قوته بتعجب و مد يده ناحيتها و قال بنبرة آمرة :
- هاتى إيدك يا غزل .. قومى خدى شاور و أنا هساعد دودو و هحضر معاها الغدا .
إبتسمت بخفوت و قالت بوهن :
- حاضر .
و مدت يدها ناحيته و تمسكت بكفه و وقفت بتثاقل و إنحنت قليلا و قبلت وجنته و قالت بصدق :
- إنت أحلى حاجة فى دنيتى كلها .. و بحبك قوى .
أجابها بثقة :
- ما أنا أتحب برضه .. مش إبن العوو شخصيا .
رفعت غزل عيناها بملل و قالت بسخرية :
- ده إيه التواضع ده .. عرفنا إنك إبن العوو .. محسسنى إنك إبن أبو تريكة مثلا .
مصمص شفتيه كما تفعل جدته و قال بتمنى :
- يا ريت أبقى إبن أبو تريكة .. و أحضر الماتشات ببلاش .. و أتصور مع اللعيبة .
إبتسمت بهدوء و هى تتابع نظرته الحالمة .. ثم بعثرت شعراته و قالت بضيق مفتعل :
- لاعيبة إيه اللى هتتصور معاهم بس .. يالا على المطبخ ساعد دودو علشان ناكل .. جعانة .
لملم شعراته و قال بإبتسامة هادئة :
- حاضر بس ما تزقيش .. ده أنا هعملك غدا تحفة .
دفعته أمامها و قالت بمداعبة :
- ربنا يستر .. قدامى يا أستاذ .
أشاح مهاب بيده و قال بعصبية :
- برضه هتزوقى .. طب مافيش غدا بقا .
ضيقت غزل عيناها و شمرت عن ساعديها و لاحقته قائلة بتوعد :
- بقا كده .. طب تعالى بقا أنا هوريك .
ركض أمامها و صوت ضحكاته قد ملأت المكان .. و هى تلاحقه راكضة و إبتسامتها الصافية تعيد الحياة لوجهها الذابل و قلبها المتصدع .. نسيت حزنها و جرحها و هى تحمله و تدغدغه و هو يصرخ من كثرة الضحك ...
وقفت ليال بجوار دنيا مبتسمتين بشفقة على حال الإثنين .. مالت دنيا ناحية ليال و قالت بتنهيدة حزينة :
- هما الإتنين محتاجين بعض .. هى محتاجة برائته و طفولته و هو محتاج حنيتها و قوتها .. علشان كده محدش يقدر يخرج غزل من حزنها غيره .
أومأت ليال برأسها مؤكدة و هى تتابع ركض غزل مجددا وراء مهاب و قالت بهمس هادئ :
- قلبى بيوجعنى عليها قوى .. و نفسى ترتاح بقا .. شافت كتير و إتحملت أكتر .
حركت دنيا جسدها مسرعة قبل إصطدام غزل بها و هى تركض و قالت بتأكيد :
- عندك حق .. بس ربنا دايما بيجازى اللى بيصبروا و يحتسبوا خير .. و أكيد ربنا مخبيلها السعادة و الفرح .
ثم إلتفتت خلفها و قالت بصوت عالى منفعل :
- ضاقت بيكم الشقة بتجروا ورا بعض فى المطبخ .. إطلعوا برة .. يالا .

وقفت تتابعه من فتحة باب غرفته بصمت و حذر .. و شوق .. تتفادى منذ ليلتهما الأخيرة التعامل معه مباشرة ..
ربما يجتمعان على الطعام مع ليال و رامى .. و لكن لم يتحدثا .. و لم تلتقى أعينهما غير صدفة ..
يجب أن يتعلم من خطأه و يقدرها و يعاملها بلطف كما يفعل رامى مع ليال .. فليبقى على ناره فى بعدها عنه و عزوفها عن التعامل معه و رؤيته ...
و لكن .. هذا ما يقوله عقلها البائس فقلبها يحن إليه .. و خصوصا بعدما أذاقها أطعما للحياة لم تعرفها من قبل .. فإختلفت دقاته و أصبحت أقوى و أكثر إيلاما .. و شفتيها تذكرها دائما بتلك العاصفة التى إجتحتهما بقوة و شغف لم تتذوقهما من قبل ....
حتى جسدها و الذى مازال محتفظ ببعض علامات تلك الليلة الهائجة التى إجتاحته و تركت دمغات عليه بإسمه معلنا حصريته و إمتلاكه له .. و ملمس يديه العابثتين التى لعبت على أوتار جسدها الحساسة بنعومة و حملتها على غيمة ناعمة لتلقى بيها فى النهاية لسابع أرض .. محطمة .. مقهورة .. ناقمة لحبه و لحياته بأكملها .. إنتبهت على تحرك كرسيه فإبتعدت مسرعة كى لا يراها و ينتشى بعذابها فى بعده و يبتسم تلك الإبتسامة البغيضة التى تخبرها دائما أنه المنتصر المغوار ..
إبتسامة من نوع آخر ينغلق معها طرف عينه اليسرى و يلتوى ثغره بمكر .. متنهدا بقوة و هو يتابع هروبها المتكرر بمجرد إستشعارها لحركته ..
نزع رابطة شعراته و نثره حول وجهه بنشوة متذكرا تلك الليلة التى إقترب بها من زهرته البيضاء متناسيا نقصه تاركا لقلبه العنان فى إندفاع حممه البركانية التى ظلت تكويه أياما و أشهرا من نارها المقتدة و التى تزداد كلما لمحها أو لمسها أو تنفس عطرها ...
كانت ليلة مشتعلة .. ناعمة .. ثائرة .. رغم خجلها .. مثلها !!
سماعه لإسمه من بين قبلاتهما يجعله قادر على الوقوف و الركض نحوها و إجتذابها من شعراتها الطويلة و التى دائما ما تداعب خصرها بإثارة وقحة .. و ضمها إليه و إذاقتها من العذاب ألوانا ....
عذاب قلبه و مشاعره .. عذاب فكرة أنها ستتركه .. عذاب قرب بعيد .. عذاب اللف فى دائرة مغلقة و العودة لنقطة الصفر ..
مرر حمزة أنامله بشعراته الطويلة و التى زاد طولها حتى لامست كتفيه بنعومة زافرا بقوة و هو يعود لتلك الإبتسامة الخاصة بيها و فقط .. ميناس ..

إجتمع الجميع فى هذه الجلسة العرفية و نظرات التحفز واضحة بين علاء و إسلام .. و فارس و رامى .. بدأت الجلسة حيث قال الحاج على لصبرى بحدة :
- دلوقتى يا حاج الأستاذ علاء عاوز ياخد أخته و إنتم رافضين و دى مش أصول .. ده غير إنه بيقول إن العوو على علاقة بأخته .
تمسك صبرى بعكازه بكلتا يديه و قال بإبتسامة ساخرة :
- العوو و إنتم عارفينه كويس .. و متأكدين إن الكلام ده إفتراء .. بس إنه ياخد أخته و لا لأ فا هى حرة.. و هى رافضة ترجعله و إتحامت فيا .
وقف علاء مسرعا و قال بنبرة عالية لجذب إنتباه الجميع :
- أنا عاوز أختى كفرت و لا غلطت .. علشان أتضرب بالشكل المتخلف و الهمجى ده .. و يتكسر مناخيرى و يتشوه وشى .
أجابه فارس بغضب وهو مازال جالسا :
- لو طولت لسانك تانى هكسرلك رقبتك كمان ..و لو على أختك تاخدها بالأدب مش بالضرب و الإهانة .
صفق له علاء و قال بمكر لإستمالة الكل نحوه :
- برافو ... ما أنا لازم أضربها و أقطع رقبتها بعد ما عرفت إنها ماشية على حل شعرها مع الأستاذ .
و أشار ناحية فارس .. الذى وقف منتصبا و قال مسرعا بعقلانية :
- دلوقتى إنت إتهمتنى و إتهمت أختك فى شرفنا .. وإنت معندكش دليل على كلامك .. و لو معاك دليل ورينا .
إبتلع علاء ريقه بتوتر و أجابه بحدة :
- دى حاجات مش محتاجة دليل .
وضع فارس يديه بجيبى بنطاله و قال بهدوء مستفز :
- صدقنى إنت وقعت ولا حدش سمى عليك .. إنت و عمك النصاب و إبنه الحرامى و أنا بقى عاوز حقى .
تنحنح الحاج على بقوة و قال بصرامة :
- عندك حق يا عوو بس إقعد لو سمحت .
جلس فارس و هو يتطلع لعلاء بإزدراء .. فكر الحاج على قليلا و بمكر رجل مسن جلس فى جلسات عرفية كثيرة و خبرته تخبره أن فارس مظلوم.. فعدل من عبائته و قال بهدوء :
- هترضوا بحكمى أيا كان إيه هو .
أجابه عونى بعدما أشار لعلاء بأن يصمت هو قائلا بثقة :
- طبعا يا حاج اللى هتحكم بيه هيتنفذ .
أومأ صبرى برأسه موافقا و قال هو الآخر بصرامة :
- إحنا تحت أمرك .
إعتدل الحاج على فى جلسته و مرر عينيه على أوجه الجميع و المترقبين لحديثه بتوجس و قال بقوة:
- بما إنك متأكد يا أستاذ علاء إن أختك غلطت مع العوو فحكمى إن فارس يتجوزها و يصلح غلطته .
وقف فارس مسرعا و قال بموافقة :
- و لو إنى برئ و ربنا عالم .. بس موافق أتجوزها و دلوقتى .
إتسعت عينى علاء من الصدمة .. فهذا مالم يكن يتوقعه .. لأنه يريدها أن تعود معه لا أن تتزوج و تضيع فرصته بأن تتزوج مجد و ينعم هو بأمواله فقال بتلعثم :
- أنا.. أنا مش موافق .
ضرب الحاج على الطاولة أمامه بغضب و قال بشراسة :
- إنتم وافقتم على حكمى و خلصنا .. و باعدين الراجل هيستر عرض البنت مش موافق ليه بقا .
أغمض علاء عينيه بضيق بعدما إنقلب السحر على الساحر .. ثم فتحهما ببطء و قال بتوتر دون وعى منه :
- بس أنا مش متأكد إذا كان فى علاقة بينهم ده .. ده بس مجرد شك.
وقف الحاج على و صاح بغضب هادر :
- كنت متأكد من براءة العوو .. إنما إنت بقا فإنت إفتريت على أختك و شهرت بيها و معملتش حساب للدم اللى بينكم .. ده غير إنك جيت على راجل من أرجل رجالة المنطقة و حسابك .. عنده هو .
تنهد فارس براحة بعدما ظهرت برائته أمام الجميع .. و ربت رامى على كفه بفرحة .. وقف صبرى بدوره و قال بحدة :
- حق إبنى و إحنا متنازلين عنه .. إنما حق البنت مش هسيبه و حكمى أنا قولت عليه لعمها قبل كده و حذرته .
ثم سار بعض خطوات و وقف قبالة عونى الذى إسود وجهه من الخجل و ترقب حكمهم مطالعا نظرات صبرى المشتعلة من الغضب و هو يتابع قائلا :
- دلوقتى بقا عاوزك يا أستاذ عونى تكتب تنازل بيع و شرا عن المحل بتاعك فى عمارتك.. بإسم غزل .
إتسعت عينى عونى و إسلام من المفاجأة .. وقف عونى و وجه حديثه للحاج على قائلا بنبرة متخبطة :
- أنا ماليش دعوة .. أخوها هو اللى قال مش أنا .
إبتسم الحاج على بسخرية و قال بقوة :
- بس إنت ساعدته و جيتلى و أكدت على كلامه .. و عقابا ليك هتتنازل لها عن المحل .. زى ما أمر الحاج صبرى
فقال له عونى مسرعا :
- بس يا حاج أنا ..... .
قاطعه على بصرامة رافعا كفه بوجهه :
- خلص الكلام و اللى إتقال هتنفذه من سكات و إلا .. إنت مش قد حسابنا .
زفر علاء بضيق و قال بنفاذ صبر من تلك المسرحية الهزلية :
- أنا هاخد أختى معايا .. و أظن ده حقى و لا إيه .
وقف فارس قبالته متحديا و نظراته محتدة و قال بقوة :
- مش هتاخدها فى حتة .. ده بعيد عن شنبك يا حيلتها .
فوجه علاء حديثه للحاج على و قال بضيق :
- أظن مش من الأصول إنى أسيب أختى و هى صغيرة و حلوة و مطمع لكل من هب و دب .. و أرجع أميريكا و هى هنا لواحدها .
أومأ الحاج على برأسه و قال موافقا بتفهم :
- عندك حق .. أختك و محدش يقدر يمنعك تاخدها معاك .
رد فارس بضيق و تحدى قوى إرتسم بوقفته الحادة و ملامحه الصلبة و عينيه البنية السابحة فى بركتين حمراويتين من شدة غضبه و تحفزه و قال بإقتضاب متملك :
- أنا همنعه .
فسأله الحاج على بتعجب :
- بصفتك إيه يا عوو .
لم يتحرك و لم يحد بعينيه عن عينى علاء و قال ببساطة :
- هتجوزها .
هز علاء رأسه بضجر من طريقته المتحدية و قال بهدوء :
- و أنا أخوها الكبير و بقولك مش موافق .
حك فارس أنفه و هو يضحك بسخرية و قال ببرود واثق :
- هى عندها 25 سنة و مسئولة عن نفسها قانونا .. و لو هى وافقت هتجوزها و لو رفضت .. ترجع معاك .
تنفس الحاج على مطولا و قال مسرعا :
- رامى .
أجابه رامى بإحترام :
- إتفضل يا حاج تحت أمرك .
تطلع على ناحيته و قال بنبرة آمرة :
- هتروح للبنت بصفتك جوز بنت خالتها و معاك سيد إبنى تسألوها هترجع مع أخوها و لا موافقة تتجوز العوو .. و إحنا هنستناكم .. تمام.
أومأ رامى برأسه و قال بإبتسامة خافتة :
- مسافة السكة .
و خرج مبتسما يتبعه سيد .. ركبا سيارة رامى و توجها لمنزل رأفة .. كانت ليال تجلس مع غزل بغرفتها و هى حزينة على حالتها المنكسرة رغم ضحكاتها المستمرة مع مهاب حتى سمعوا طرقات على باب الشقة .. ركض مهاب مسرعا و فتح باب الشقة فتفاجأ برامى أمامه فقفز عليه قائلا بفرحة :
- رامى .. وحشتنى قوى .
إلتقطه رامى بين ذراعيه و ضمه لصدره قائلا بحنو :
- و إنت كمان وحشتنى قوى يا صاحبى .. بتعمل إيه هنا .
فقال له مهاب بتلقائية و هو يطالعه بحزن :
- أصل غزل كانت تعبانة قوى .. هو مين اللى مزعلها كده .
أنزله رامى على قدميه و قال له بإبتسامة هادئة :
- خلاص يا حبيبى بعد النهاردة إن شاء الله مافيش زعل .
إلتفت مهاب برأسه ناحية سيد و طالعه بتعجب .. فمد سيد يده ناحيته و قال بود :
- إزيك يا حبيبى .. أنا إسمى سيد .
طالت نظرات مهاب المتفحصة بتوجس ثم مد يده نحوه و صافحه قائلا بقوة :
- أهلا .. و أنا مهاب فارس السعيد .. إتفضل .
تقدما الإثنان للداخل و أغلق مهاب الباب .. لمح رامى ذراع ليال المستندة على باب غرفة غزل فإنحنى لمستوى مهاب و قال له بجدية :
- وصل الباش مهندس سيد للصالون و إقعد معاه يا صاحبى .. تمام .
أشار مهاب بيده لسيد ناحية غرفة الصالون قائلا :
- إتفضل يا باش مهندس .
أومأ له سيد برأسه و قال بإبتسامة هادئة :
- حاضر يا إبن العوو .. صحيح .. إبن الوز عوام .. شخصية زى أبوك .
و إنطلقا ناحية غرفة الصالون و دلفاها .. إقترب رامى ببطء من غرفة غزل و هو يسير على أطراف حذائه و إختبأ بجوار الحائط .. حتى نفذ صبر ليال فخرجت لترى من بالخارج .. و ما أن سارت خطوتين حتى إجتذبها رامى و هو يلف خصرها بذراعه و كمم بيده الأخرى فمها و أسندها على الحائط خلفه .. فشهقت بذعر و إتسعت عيناها .. و لكنها هدأت عندما رأته أمامها ...
مرر أنفه ببطء على أنفها و أبعد كفه عن فمها فقالت له بضيق :
- حرام عليك يا رامى خضتنى .
إتسعت إبتسامته المشاغبة و قال هامسا برقة و هو يذوب داخل شهد عيناها :
- إسم الله عليكى يا قلب رامى .. وحشتينى .. وحشتينى قوى .
تطلعت حولها بقلق و قالت بخجل :
- إبعد يا مجنون حد يشوفنا .
فلثم شفتيها برقة و بطء و قال بقوة :
- اللى يشوف يشوف .. ما هما السبب إنى مش عارف أشبع منك .. حقى بقا .
حاولت دفعه لكى يبتعد عنها .. و لكن لو تحرك أبو الهول سيتحرك هو .. تلفتت حولها مجددا و قالت هامسة بتوتر :
- إبعد بقا .. دنيا فى المطبخ و مهاب مش عارفة فين .. ما ينفعش كده .
فهمس مجددا أمام شفتيها بشوق :
- و لا يهمنى .. وحشتينى يا بنت اللذين .. حرام اللى بيحصلى ده و الله .. لا مرتاح فى خطوبة و لا فى جواز .. أخطفك و أهرب علشان أرتاح .
إبتسمت بخفوت و قالت برقة و هى تطالع لهفته بعينيه الشقية اللامعة بحب :
- بحبك يا مجنون .. بحبك قوى .
عض على شفته السفلى بقوة و هو يلتقف كلماتها و حركة شفتيها بعينيه لينصاع لأوامر قلبه و عقله و يقترب منها بلطء ملتهما شفتيها بلا رحمة .. لم تقاومه تلك المرة .. فليحدث ما يحدث ....
فأتاهم صوت دنيا المنفعل قائلا بحدة :
- ليال .. مين اللى جه .
إنتفضت ليال بين ذراعيه و دفعته بالقوة و أجابتها قائلة بتلعثم :
- ده .. ده رامى يا .. يا دنيا .
و إبتعدت عنه مسرعة و هى تحدجه بلوم .. قبض على رسغها و أعادها إليه مجددا و هو يضمها إليه و يعبث بشفتيها مجددا .. حاولت التخلص من قبضته و ضمته فلم تقوى ..
خرجت دنيا من المطلخ لتتفاجأ بذلك المشهد الرومانسى أمامها .. فتنحنحت بخجل بصوت عالى و قالت بخجل :
- إحم .. ليال .
هذه المرة إبتعد رامى مسرعا .. و مرر أنامله على ذقنه بغضب و قال ببرود :
- إزبك .. يا دنيا .
أجابته بخجل و هى مطأطأة رأسها بهمس :
- كويسة يا باش مهندس .. سألت عليك العافية .
عدلت ليال من حجابها بتوتر .. فتطلع رامى ناحيتها بشوق و قال بهدوء :
- خلى غزل تيجى تكلمنى فى الصالون و قوليلها معايا ضيف .
أومأت برأسها و هى تتهرب من عينيه الوقحتين و التى غمزت لها إحداهن بمشاغبة قبل أن يتركها و يتجه ناحية غرفة الصالون .. تابعته بعينيها مسحورة بجاذبيته القوية ...
وخزتها دنيا بذراعها و قالت بسخرية :
- عيب اللى حصل ده على فكرة .. ده فعل فاضح و خادش لحياء السناجل اللى زيى .
إبتلعت ليال ريقها بتوتر و قالت بقوة زائفة :
- مش .. مش جوزى .. و باعدين أنا ماليش دعوة ده هو اللى .... .
قطعت كلماتها و تطلعت ناحية غرفة غزل و قالت و هى تهرب من نظرات دنيا الساخرة :
- هدى خبر لغزل إنه عاوزها .
و تركتها و سارت مسرعة وهى تبتسم بخفوت و تهز رأسها بيأس على مجنونها و الذى يضعها دائما بمواقف لا تحسد عليها .. و لكن أكثر ما تعشقه بشخصيته .. هو جنون مشاعره تجاهها هى .. و هى و فقط .

دلفت غزل الصالون بإستحياء و هى تطالع ذلك الغريب بريبة .. فوقف رامى أمامها و قال بفرحة :
- الواد أخوكى طلع كذاب و برائتك إنتى و فارس الكل إتأكد منها .
تنهدت براحة وقالت :
- الحمد لله .
ثم أشارت لمهاب و قالت بهدوء :
- روح عند دودو يا هوبا .. يالا .
أومأ الصغير برأسه و تركهم و خرج .. إلتفتت غزل على رامى و هو يتابع حديثه قائلا بقلق :
- بس فى موضوع تانى لازم ننهيه .
فسألته بتوجس و هى تتطلع لسيد بتعجب :
- موضوع إيه !!! و مين الأستاذ ده .
أجابها سيد و هو متفهم لحالة التعجب التى تعلو وجهها و وقف أمامها و مد يده ناحيتها قائلا بهدوء :
- أنا الباش مهندس سيد على و جاى مع رامى علشان نسأل حضرتك سؤالين .
صافحته بهدوء و قالت بقلق :
- إتفضل إسأل .
قاطعهما رامى قائلا و هو يشير لهما أن يجلسا :
- إتفضلوا إقعدوا أول لو سمحتم .
جلسوا فأردف سيد حديثه قائلا و هو يتابع فضول غزل :
- دلوقتى يا آنسة ... .
ردت مسرعة :
- إسمى غزل .
- عاشت الأسامى .. يا أنسة غزل دلوقتى الجلسة اللى أخوكى طلبها قررنا فيها حاجتين و عليكى الإختيار .
تطلعت ناحية رامى و سألته بعدم فهم :
- جلسة .. جلسة إيه يا رامى .
مسح على ذقنه بكفه و قال بهدوء :
- أخوكى طلب جلسة عرفية علشان يشوه سمعتك الأول و بعد كده ياخدك معاه و يرجع لأمريكا .. بس ربنا كشفه قدام الكل .... و عرفوا إنك بريئة من كل القرف اللى إتهمك بيه .
هزت رأسها بقوة و تسائلت بإهتمام و تعجب :
- طب و علاء عرف جو الجلسات العرفية ده منين و وصل للناس دول إزاى .
زم رامى شفتيه و أجابها بضيق :
- ده الزفت عمك هو اللى عمل كل ده .
قاطعهما سيد قائلا بجدية :
- دلوقتى يا آنسة غزل .. الجلسة دى ممكن تكون فى مصلحتك أو ﻷ .
تنفست الصعداء و قالت بفقدان صبر :
- يا ريت حضرتك تدخل فى الموضوع على طول لأنى بدأت أقلق .
أجابها سيد و هو مبتسم على حالتها و قال بهدوء :
- أول خيار قدامك إنك تسافرى مع أخوكى لأنه مش هينفع تعيشى لوحدك و إنتى آنسة و جميلة .
تحفزت بجلستها و قالت مسرعة و هى مقطبة حاجبيها بضيق :
- أنا عندى 25 سنة و أقدر أعيش لوحدى و أعتمد على نفسى .
- بس أخوكى مصمم إنك ترجعى معاه و ده حقه .
وقفت و قالت بصرامة :
- مش هرجع معاه لو هيبقى آخر يوم فى عمرى .
هدأها رامى و قال بقوة :
- طب إهدى بس يا غزل .. لأن فيه إختيار تانى قدامك .
جلست بقلق و قالت بخوف و توجس :
- ربنا يستر .. إيه تانى ؟!
تنحنح رامى و هو يعتدل إستعدادا للحديث ثم قال برزانة :
- إنك تتجوزى فارس .. و بكده أخوكى مالوش حاجة عندك .
رفعت حاجبيها بحدة و هى تعيد كلماته برأسها .. بدت فى حيرة كبيرة و هى تفكر .. ثم وقفت و أخذت تجوب الغرفة ذهابا و إيابا .. و عينى رامى و سيد تتبعها فى إنتظار قرارها ...
تذكرت طلب فارس بالزواج منها سابقا و أنه سيكون على الورق فقط .. و أنه مستعد للطلاق بعدها .. وقتها آلامتها كلماته .. و تمنت لو وافقته و تخلت عن عنادها و غرورها .. ربما تستطيع معه أن تجد ضالتها بالأمان و الهدوء و السلام النفسى .. خصوصا و أنه أصبح يمثل لها شيئا غاليا و يستحوذ على أغلى ما تملك .. كنزها الصغير .. قلبها ....
توصلت أخيرا لقرار نهائى فجلست و قالت بعملية :
- موافقة أتجوز فارس .

القرار ..

بحياتنا قرارات مهمة و مفصلية .. و تتوقف عليها أيامنا القادمة .. نعتقدها أحيانا صائبة و أحيانا خائبة .. و الأيام هى ما ستثبت صحتها من عدمه ....
نقع دائما بين براثن عقلنا و قلبنا .. فما يرجوه القلب يتمرد عليه العقل .. و لكن عندما يجتمع الإثنين على قرار واحد تتأكد من صوابه ..
سمه تسرع .. سمه رغبة .. سمه خطوة للامام على أرضية واهية .. و لكنها خطوة ليس منها رجعة .. و للأسف تتقدمها بسعادة و أنانية .. نعم أنانية .. ﻷن المعنى الحرفى للأنانية من وجهة نظرى .. هو تفضيل الغير على نفسك .. فنفسك تستحق الأفضل دائما ...

- موافقة أتجوز فارس .
قالتها غزل بحسم .. نطق بها عقلها و قلبها فإنطلقت عبر لسانها .. لم تقوى على مجابهة تلك القوة بداخلها و التى تدفعها لخوض تجربة عمرها بأكمله ...
شعور غريب و مزيج من الراحة و القلق .. يجتاحها حين تفكر به .. تريده و تخشاه .. تعشقه و تهابه .. تحتاجه و تتحفز له ...
يالله سقطت فى بئر الحيرة و الخوف .. و رأسها تكاد تنفجر من شدة تدفق الدماء بها .. و أفكارها تتقاذفها يمينا و يسارا و وميض عيناها الفيروزى يشع بقوة عاكسا حالتها المتخبطة ....
طالعها رامى بتوجس و سألها مجددا بقوة :
- غزل .. موافقة تتجوزى فارس .
أغمضت عيناها و هى تلعن رامى بداخلها .. لقد قالتها و إنتهى الأمر .. فلم السؤال مجددا .. يكفيها ضغطا على أعصابها.. ففتحت عيناها بحدة و طالعته بحزم و أجابته قائلة بنبرة حادة كنصل غادر :
- قولت موافقة .
ألم أقل كنصل غادر .. لأنها جرحت نفسها بذلك النصل .. صدقا التسرع فى القرارات الهامة يؤذى صاحبه و يدفع ثمنه غاليا ....
إبتسم رامى بمكر فما توقعه حدث .. فوقف مسرعا و قال بفرحة :
- مبروك يا غزل .. ما فيش واحدة تستاهل فارس غيرك .
إبتسمت بسخرية و قالت بهدوء :
- فعلا أنا أستاهل .
لم يقف رامى كثيرا عند ردها المبهم و لكنه قال بتعقل :
- تمام .. كده مهمتنا إنتهت و هنروح نبلغهم بقرارك .
و أشار لسيد بذراعه قائلا بسعادة :
- يالا بينا يا باش مهندس .
وقف سيد و ودع غزل قائلا بود :
- مبروك يا آنسة غزل .. ربنا بيحبك إنك هترتبطى بزينة رجالة المنطقة كلها .. هستنى دعوتى على فرحكم .. السلام عليكم .
و تطلع ناحية رامى و قال بتأدب :
- شوف لينا السكة يا رامى .
أومأ رامى برأسه و تنحنح بصوت عاليا .. و أشار له بيده فتقدمه سيد و تبعه رامى الذى وقف قليلا و عينيه تغازل زوجته بشوق و تتوعدها بليلة لن تنساها .. ثم أرسل إليها قبلة بالهواء فتوردت بعدها وجنتاها بخجل.. خرج و تركها و هى فى عالم آخر .. مبتسمة بشغف و قلبها يصرخ بحبه ...
أفاقت من شرودها على تحطيم شيئا ما .. فركضت ناحية غرفة الصالون تتبعها دنيا .. وجدت غزل فى قمة غضبها و تحطم ما تصل إليه يدها .. فركضت إليها بقلق و قالت بصراخ حاد :
- إهدى يا غزل مش كده .. حرام عليكى نفسك .
و هدرت بها دنيا بتوجس من أن تأذى نفسها :
- علشان خاطرى يا غزل .. إهدى .. أنا خايفة عليكى .
نزعت غزل حجابها و ألقته على الأرض و قالت بغضب و نظراتهى زائغة بصدمة :
- بقا أخويا اللى يعمل فيا كده .. ليه .. نفسى أعرف ليه .
إحتضنتها ليال و قالت بحنانها المعتاد :
- بصى لنص الكوباية المليان .. و شوفى إهتمام فارس بيكى .. و إنه هيتجوزك يا حبيبتى علشان يحميكى .
ضحكت غزل ضحكة عالية و تطلعت لليال بإزدراء من غبائها و قالت بسخرية هزلية :
- إنتى صدقتى اللعبة دى .. ده هيكتب كتابنا علشان خايف على نفسه و على كرامته.. هو .. مش بيفكر غير فى نفسه و بس .. أنانى زى أخوه .. و جوزك كمان .
قطبت ليال ما بين حاجبيها و وقفت بحدة و هى تغلى من غضبها .. لأنها إحتملت إهانة غزل لرامى أكثر من مرة .. و لكن .. هذه المرة ليس له علاقة بموضوعها .. فيكفى لهذا الحد .. لقد أصبح زوجها و يجب عليها الدفاع عنه و إلا لن تستحق لقب زوجة مصرية أصيلة ....
نهرتها ليال بضيق و قالت مدافعة عن حبيبها :
- رامى مش أنانى يا غزل .. هو مالوش دعوة بمشكلتك علشان تدخليه فيها و تشتميه كمان .
قبضت غزل على زراعها بالقوة و قربتها منها بصورة جعلت ليال تجفل و تشعر بالخوف قليلا من ردة فعل غزل الثائرة و التى قالت بغضب :
- هبلة .. هتفضلى طول عمرك هبلة .. بس أنا مش زيك إنتى و أختك .
و قربتها منها أكثر و قالت بغلظة و عيونها تقدح نارا :
- و مش هبقى نسخة تالتة منكم مهما حصل .. سمعانى مهما حصل .
و دفعتها بالقوة و دلفت لغرفتها غاضبة و أوصدت الباب عليها و هى تتنفس بصعوبة .. بعيون زائغة و نظرات هيستيرية .. شعرت أن الدنيا تهيم بها فسارت بترنح ناحية فراشها و إندست بداخله و هى ترتجف و سحبت غطائها عليها و تكورت مجددا و راحت فى سبات عميق ...
تبدو إغمائة و لكنها فى الحقيقة هروب من الواقع .. فقرار مثل قرار الإنسحاب يبدو هينا و لكنه من أصعب القرارات التى يأخذها عقلك لينسحب بهدوء تاركا المجال لعقلك الباطن فى رسم واقع أفضل بقرارات أبسط ...
و بالفعل حملها عقلها الباطن لمنطقة بيضاء و ناعمة كغيمة كبيرة تسبح بالفضاء .. و هى ممددة عليها تطالع النجوم البعيدة و الوضائة .. رفعت ذراعها نحو إحداهن و حاولت أن تتلمسها بإبهامها فإبتعدت النجمة .. رفعت ذراعها أكثر و قربت سبابتها أكثر فإبتعدت النجمة أكثر و أكثر .. حاولت النهوض و هى تسحب جسدها المتشنج و لكن شلل ما أصابها و منعها من الحركة فشعرت بذعر و خوف .. حاولت الصراخ فلم تستطع أيضا و كأن شفتيها قد إلتصقتا و أبت الإنصياع لأمرها ...
فإنطلقت دموعها و هى ترى النجمة تبتعد و تبتعد .. فإنتبهت أنها هى من تبعد و تلك الغيمة تسقط بها بسرعة كبيرة و قد قاربت على الإصطدام بالأرض بقوة .. فكورت جسدها أكثر و إرتجف جفنها بشدة و تشنجت ملامحها بصورة مرعبة .. و تجمعت بعض حبات العرق على جبينها و هى تقاوم لتعود لواقعها من جديد .. و لكن .. قرار العودة صدقا .. ليس هينا ...

تحسست ليال ذراعها و الذى آلمها من قبضة غزل القوية .. و لكن ما آلمها أكثر كلماتها الصادقة .. نستطيع أن نكدب على الجميع و نتصنع أمام الجميع و نتجمل أيضا .. لتكشفنا أنفسنا و تعرينا بوقاحة .. و يأتى بعدها قلبنا البائس و يغير كل شئ و يحوله لتلك الأسطورة الجميلة المزرية و المسماة .. الحب .. و هذا هو حال الحب ....
إقتربت منها دنيا و ربتت على ذراعها بهدوء و قالت برفق لتطيب خاطرها :
- ما تزعليش منها .. هى من يوم مرض ستى رأفة و هى بقت على الحالة دى .. اللى مر عليها الفترة اللى فاتت كتير .. كتير قوى .
أومأت ليال برأسها و قالت بنبرة بائسة مؤكدة :
- عندك حق .. ربنا يكون فى عونها .. و مهما عملت مش هسيبها لوحدها برضه .
إنتبها على وقفة مهاب خلفهما و يبدو عليه الذعر و الخوف من صراخ غزل و صوت تحطيمها للأشياء .. رسمت ليال على شفتيها خطا باردا كإبتسامة بائسة و سارت نحوه و إنحنت قليلا و قالت برقة :
- مالك يا حبيبى واقف ليه كده .
- عاوز أمشى يا لولو .
قالها بإقتضاب .. فإلتفتت ليال برأسها ناحية دنيا التى تحركت على الفور و تمسكت بكفه و قالت بمداعبة :
- إيه رأيك يا هوبا ننزل نشترى أيس كريم و شيبس و أروحك و أهه بالمرة أسلم على خالتى زينب .
هز مهاب كتفيه نافيا و قال بتأفف :
- ﻷ أنا عاوز نودلز و كان بيبسى .
إبتسمت دنيا بخفوت و عدلت من حجابها و قالت بتأدب :
- حاضر يا فندم .. تعالى ننزل و إختار اللى إنت عايزه .
تناسى ذعره و بدأ فى ملأ لائحة طلباته الطويلة و دنيا تهز رأسها بإنصياع حتى خرجا .. تنهدت ليال مطولا و أغلقت إضاءة الغرفة و خرجت منها و سارت نحو غرفة غزل و أدارت مقبضها بهدوء ..
أطلت برأسها فرأتها عادت كما كانت .. نفس إنكماشها على نفسها و عيونها متسعة بقوة متطلعة بالاشئ .. بوجه شاحب و ملامح ذابلة .....

وقف رامى بينهم جميعا يطالع نظرات الترقب بأعينهم .. و خصوصا علاء المبتسم بغرور و ثقة من أن غزل التى تلاعبت بقلوب رجال خطرين من قبل و إنتقمت لوالدتها منهم ستقع فى حب ذلك الطاووس الواقف أمامه و يحدجه بثقة أكبر لا يعرف مصدرها ....
نعم يحدجه بثقة لأنه يعلم مدى عشقها له و لو دارت و أخفت عن الجميع .. فعيناها المغرقتين تحكى له دائما قصصا حزينة مخبئة بداخلها .. بايعته هو و جعلته أميرها و سندها و حبيبها .. و سيصبح زوجها فقط لو ينطق ذلك السفيق الذى يطالعه بإبتسامة ماكرة و كأنه يتلذذ بعذابه فى إنتظار ردها على شفتيه هو ..
يتلذذ و بشدة فتلك فرصة رامى الوحيدة للتشفى فى فارس و الذى طالما نعت عشقه لليال " بالحب الملزق " .. فلتذق من ذلك العشق أيها التمثال الثلجى الذى تخفى نيران غضبك بداخلك و تتصنع اللامبالة ...
لم يضق صدر فارس فقط فقد هدر الحاج على برامى بنفاذ صبر قائلا بعصبية :
- ما تنطق يا رامى .. البنت وافقت على طلب العوو و لا هترجع مع أخوها .
إختفت إبتسامة رامى و حل محلها الوجوم و الحزن و هو يتطلع بفارس و يهز رأسه بيأس حزين .. مما جعل حلق فارس يتحرك قليلا مبتلعا ريقه بتوتر من أن يكون ردها كما بالسابق .. الرفض .. هذه المرة سيحطم رأسها و يجتذبها على ساقيه و يصفع مؤخرتها البغيضة و التى تتعمد إبرازها دائما بسراويلها الضيقة حتى تعترف بعشقها له ..
بينما عقد علاء ذراعيه بإنتصار و تشفى منتظرا رد رامى المتوقع .. ليفاجأهم رامى بردها حين قال بتوجس من ردة فعل فارس الغاضب :
- طبعا وافقت تتجوز فارس .
ضيق فارس عينيه و عض على شفته السفلى بقوة و هو يتوعد رامى بعقاب لن ينساه .. إبتسم رامى إبتسامة متسعة على حالته تلك داعيا ربه أن يتلطف به و لا تصل إليه تلك القبضتين المتحفزتين للكمه ...
سقط ذراعين علاء بجواره و تهدلت ملامحه و قال بتعجب :
- what do you say .. غزل هتتجوز .. ده .
رفع رامى طرف شفته بسخط و قال له كاظما غيظه :
- و ماله ده يا روح خالتك .. إنت ليك عين يا زفت إنت تتكلم أصلا .
سار فارس بعض خطوات و وقف فى مواجهة علاء و قال بقوة قاطعة :
- أنا لسه ما أخدتش حقى منك .. بس حقى هاخده منك و وقتى لو مأخدتش شنطة سفرك و باسبورك و على المطار عدل .. سافر و غور من هنا و إنسى إنه ليك أخت الضافر اللى بتقصه من رجلها .. برقبتك .
إبتسم علاء بسخرية و تطلع بعونى المطأطأ رأسه بخزى و قال له بحدة :
- يالا يا عمى .
وقف عونى و إسلام و تبعاه فأوقفهم صبرى قائلا بغلظة :
- إستنى إنت و هو .
إلتفتوا إليهم .. فتابع حديثه و هو يخرج من جيب عبائته وثيقة التنازل و وضعها على الطاولة أمام الحاج على و وجه حديثه لعونى قائلا بإصرار :
- إمضى على التنازل ده .. علشان قبل ما تمس شرف ولية تانى تعمل حسابك إنك هتتأدب .
هز رأسه بإزدراء و أردف قائلا :
_ و لو إنه الأولى تخاف ربك و تخاف من وقفتك بين إيديه يوم الحساب .. إتفضل إمضى .
تنفس عونى بصعوبة و سار ناحية الطاولة و حمل القلم بيده و تطلع بالوثيقة بقهر و وقعها مسرعا و خرج مهرولا يتبعه إسلام و علاء ..
حمل صبرى الورقة و ثناها و أعادها لجيب عبائته .. ثم وقف أمام فارس و قال بسعادة :
- مبروك يا إبنى .. جوازة العمر كله إن شاء الله .
إنحنى فارس قليلا و قبل كفه و رفع رأسه قائلا بإمتنان :
- ربنا يخليك ليا و يديك الصحة يا حاج .
ربت صبرى على ظهره و بدأ الجميع فى تهنأته بزواجه و هو يبتسم براحة و سعادة لم يشعر بها من قبل ....

- هاه و باعدين .
قالاها حمزة و ميناس معا بتلهف .. ثم تطلعا ببعضهما مطولا و أشاح كلا منهما بوجهه عن الآخر بغرور و كبرياء .. مرر رامى عينيه بينهما بتعجب و قال بهدوء :
- و باعدين إيه .. خلاص باركنا ليه و هيتجوزم كمان يومين و توتة توتة فرغت الحدوتة .
وقف مسرعا .. فجذبه حمزة من معصمه بالقوة و أجلسه مجددا أمامهما و قال بضيق :
- يعنى قصدك إن فارس خلاص هيتجوز غزل .
لوى رامى ثغره بملل و أجابه ببديهية :
- هيكتبوا الكتاب .. موضوع الجواز ده بقا نشوفه باعدين .
و وقف مجددا .. فجذبه حمزة مجددا و أجبسه أمامه عنوة و قال بغضب :
- ما تقعد يا إبنى إنت خلينى أفهم .. متسربع على إيه .
مرر رامى كفه على وجهه كاظما غضبه و قال بنفاذ صبر غير مبالى بوقاحة كلماته و جرأتها :
- متسربع على مراتى .. إتقوا الله ده أنا لسه فى شهر العسل و ما إتهنتش بيها إسبوع على بعض .. حسوا بيا .
و وقف مسرعا و تركهم و إبتعد .. هز حمزة رأسه بقوة و قال بشرود :
- غزل .. و فارس .. ده هيبقى لقاء السحاب .
أجابته ميناس بتأييد و هى تستند بذقنها على يدها الموضوعة أمامها على الطاولة :
- عندك حق .. كنت حاسة إنهم بيحبوا بعض .. بس برضه إزاى .. غزل .. و فارس .
تطلع حمزة إليها و قال ببساطة ساخرة :
- يالا بكرة نقعد جنب الحيطة و نسمع الزيطة .
لفت ميناس رأسها قليلا ناحيته و قالت بعبوس محتد :
- ليه التشاؤم ده .. مش يمكن يبقوا أكتر كابل رومانسى فى الدنيا .. خصوصا إنهم .. بيحبوا بعض .
و شددت فى نطقها على آخر كلمتين .. هز حمزة رأسه بيأس و قال بضيق :
- برضه هتقولى رومانسية و بتاع .. قومى قومى .
و دفعها بيده لم تكن جالسة جلسة صحيحة فتهاوت و كادت أن تسقط بالمقعد .. فتمسك حمزة بكفها و جذبها إليه و قد إتسعت عيناها بذعر .. قبضت على كتفه بقوة و هى تستجمع أنفاسها الهاربة .. تلك الأنفاس التى لفحت وجهه و جعلته يرفع ذراعه الآخر و يلفها حول رأسها و يقرب وجهها منه متعمقا بعينيه بشفتيها الصغيرة المكتنزة .. و الشهية .....
إبتلعت ميناس ريقها بتوتر و هو يقترب برأسه منها رويدا رويدا .. لم تمنعه بل تجاوبت معه و تلامست أنوفهما فأغمضت ميناس عيناها العشبية تاركة له المجال لسحبها لعالمه المثير و تلامست شفتيهما .. لتقطع نشوى لحظتهما الحميمية تلك و هى تقول بخجل :
- أأأ .. أشيل السفرة يا فندم .
فتحت ميناس عيناها و إبتعدت عن حمزة و وقفت مسرعة و عدلت من حجابها و قالت بتوتر :
- أيوة .. خلاص .. إحنا خلصنا أكل .
و تركتهما و توجهت ناحية غرفتها .. و عينى حمزة تلاحقها بلهفة .. و شوق .. ثم إلتفت برأسه ناحية نشوى و طالعها بغضب و حرك كرسيه قائلا بضجر :
- لمى السفرة يا نشوى لميها .. النضافة واكلة نفسها .. حبكت يعنى .
دارت نشوى إبتسامتها بصعوبة .. بينما تحرك هو و توجه ناحية غرفته و هو يسب نشوى بأفظع الألفاظ .. فتلك المتطفلة قطعت عليه لحظة تمناها منذ كانا سويا بليلتهم السابقة المشتعلة ...

دلف رامى لغرفته و بحث عن ليال بها بلهفة فلم يجدها .. فخرج مسرعا و بحث عنها بجناحهما فوجدها بأحدى الغرف جالسة على مكتبها و تستذكر دروسها .. زم شفتيه و قال لتنبيهها بقدومه :
- بتعملى إيه يا لولو ؟!
رفعت رأسها عن كتابها و قالت بإبتسامة هادئة :
- مافيش يا قلبى .. قولت أذاكر شوية لغاية ما تيجى .
هز رأسه بضيق و إستند بكتفه على إطار باب الغرفة و قال بسخرية :
- و الحصة هتخلص إمتى بقا علشان حصتى تبدأ .
وقفت و إلتفت حول مكتبها و سارت نحوه ببطء شديد و هى تحدجه بإبتسامة مثيرة .. و قالت برقة و دلال :
- حبيبى زعلان مثلا .
إعتدل بوقفته و لف ذراعيه حول خصرها و جذبها ناحيته متعمقا بشهد عيناها و قال بهمس حارق :
- شوية .. أنا قولت هطلع ألاقيكى مستنيانى .. و لابسة قميص نوم من اللى هو ينسينى تعب اليوم كله .. و تقوليلى وحشتنى يا حبيبى .
إتسعت إبتسامتها و إبتعدت عنه قليلا و طالعته بقوة و سحبت رابطة شعراتها التى إنسدلت على ظهرها بتموجاتها الناعمة الذهبية و سحبت رباط مأزرها ببطء مثير و أزاحت كتفيه و تركته يسقط بنعومة حتى إستقر على الأرضية ...
وقف رامى مشدوها يطالع جمالها الآخذ بقميص نومها الأبيض الحريرى الضيق و الشيق و تلك الفتحة التى تتبعتها عيناه حتى وصل لنهايتها بآخر ساقها و صدره العارى بوقاحة ....
إقتربت منه مجددا و حاوطت عنقه بذراعيها و رفعت نفسها واففة على أنامل قدميها و قالت هامسة أمام شفتيه :
- وحشتنى يا حبيبى .. وحشتنى موت .
قربها إليه أكثر و قال بتحذير قوى من تماديها بإستثارته :
- خفى عليا يا لولو .. ده هو اللى لسه فى دماغى برج واحد و عشش فيه الحمام كمان .
ضحكت ضحكة عالية رنانة جعلته يخرسها طابقا بشفتيه على شفتيها فاقدا صبره و حزمه .... و حملها و توجه بها ناحية غرفتهما و هى تهمس له بمدى عشقها .....

لم تكن تشعر بشئ و كأن الزمن قد قرر أن يتوقف بها .. أن يعاقبها على ذنب لم تقترفه .. أن تنتهى حياتها بزواج تمنته و لكنها الآن تبغضه .. تطالع الفرحة بوجوه الجميع من حولها ببلاهة .. حتى رأت بينهم وجها إشتاقت لملامحه الناعمة و إبتسامته النادرة و حزن عينيه الزرقاء اللامعة دائما بدموع متحجرة .. و جه حور .. والدتها ...
قبضت غزل على فستاتها الأسود اللامع و هى تهز رأسها بخفوت شاردة تطالع إبتسامة والدتها المشرقة و كأنها تربت على قلبها المجروح و تهنأها بأكثر ليلة حلمت بها و تمنتها كثيرا و هى تجدل لها جدائلها و هى صغيرة متمنية أن تلبسها فستانها الأبيض و طرحتها الطويلة و تسلمها لفارسها المغوار ....
وخزتها ميناس فى ذراعها لتخرجها من شرودها ..لتعود معها غزل لأرض الواقع مجددا و تطلعت لرامى ببرود و قالت بعجز لا يلائمها :
- موافقة .
و بعد قليل وضع أمامها دفتر الزواج و طلب منها التوقيع عليه .. و بالفعل وقعت ببرود جسد متوفى ليس به روح .. إختفت منه مظاهر الحياة .. و ما هى إلا ثوانى و بدأت المباركات .. بعد إعلان إتمام عقد القران .. و أنها أصبحت رسميا .. زوجة فارس صبرى السعيد ...
إحتضنتها زينب و تمنت لهم الرفاء و البنين قائلة بسعادة :
- مبروك يا بنتى .. و الله كنت عارفة إن إبنى عقدته هتتفك على إيدك .. ربنا يهنيكم و يكتبلكم السعادة .
أجابتها غزل بود :
- الله يبارك فى حضرتك .
الشئ الوحيد الحقيقى بهذا اليوم هو ضمة مهاب إليها بفرحة و هو يقول لها ببرائته المعتادة :
- أخيرا بقيتى ماما يا غزل .
لأول مرة منذ وفاة جدتها يظهر شبح إبتسامة حقيقية واهنة على أطراف شفتيها .. ضمته إليها بقوة .. مستمتعة بصدق مشاعره .. فقد كانت بحاجة لهذه الضمة .. و بشدة .. ثم ملست على شعراته و قالت بحب :
- أحلى كلمة سمعتها فى حياتى .. قولها تانى يا مهاب .
إبتعد عنها قليلا و قال بإبتسامة متسعة :
- ماما غزل .. حلوة الكلمة دى صح .
إتسعت إبتسامتها أيضا و قرصت وجنتيه بمداعبة و قالت بحنو :
- حلوة قوى يا حبيبى .
قبلها بوجنتها و قال بسعادة :
- كنت بدعى لربنا كل يوم علشان يبقى عندى ماما جديدة .. و ربنا سمع كلامى .
طالعته بقوة و قالت بتأكيد :
- معاك حق .. و أنا كمان ربنا عوضنى بيك يا حبيب ماما .
ضمها إليه مجددا و قبلها مجددا وسط نظرات جميع من حولهم .. ربما لم يحضر أحد تقريبا سوى زينب و سالى و مهجة و بالطبع الفتيات الثلاث .. أمانة رأفة الثقيلة ...

إنصرف الجميع فى النهاية و بقى فارس و والدته التى طلب منها الجلوس مع غزل بمفردهما قليلا .. لأنه لم يرها منذ آخر لقاء لهما بالمشفى .. أخبرتها زينب برغبته فى رؤيتها فوافقت و هى تستجمع قواها للقائهما .. و شعور غريب و بغيض على نفسها من الشوق يقتلها لرؤيته .. بعدما أصبح .. زوجها ...
دلفت لغرفة الصالون و هى مرتدية قناع القوة الزائف .. لم تنكر إحتباس أنفاسها فور رؤية هيبته الواضحة على قلبها الممزق .. و وسامته المبالغ بها اليوم .. و نظراته الدافئة التى تنسيها ألمها بسهولة جدا .. حتى لو كان هو سببا من أسباب ألمها ..
تمالكت بصعوبة و عادت لذلك القناع الواهى و زفرت بحدة و نفضت أفكارها التى تأتى بأمر مباشر من قلبها .. و وقفت أمامه و قالت بهدوء :
- نعم .
ضيق عينيه قليلا متعجبا من طريقتها الجافة فى الحديث معه بعد تلك الفترة الطويلة التى إنكوى فيها بنيران شوقه لها .. و ردائها الإسود الذى يعكس مدى سخطها و رفضها لهذه الزيجة .. و لكن .. فلتتصنع كما تشاء .. فتلك اللهفة لرؤيته و الذى لمحها بعيناها فور دلوفها تؤكد له أنها موافقة بإرادتها .. إقترب منها قليلا و وقف قبالتها و قال بإبتسامة عينيه الساحرة و التى تتطلع إليها بتسلية :
- مبروك .
إبتسمت بسخرية و قالت بحدة :
- مبروك على إيه .. ده لعب عيال و لا نسيت .
إقتربت منه خطوتين و قالت بقوة :
- بص بقا و من الآخر كده .. هى فترة بسيطة و تطلقنى و بكده كرامتك متصانة و غرورك و إسمك هيفضلوا زى ما هما .. و أنا هبيع نصيبى فى بيت أبويا و همشى من هنا مش هتشوفنى تانى .
وقف متابعا لحديثها و هو يصك أسنانه بقوة و لم يشعر بالألم من شدة غضبه .. و هو يحدجها بعينين مشتعلتين.. قرب رأسه منها و قال لها بصوت أجش حانق جعلها ترتجف من خوفها :
- طلاق مش هطلق ... و أعلى ما فى خيلك إركبيه .. إنتى بقيتى مراتى و عمرى ما هسيبك سواء برضاكى أو غصب عنك .
حاولت إخفاء فرحتها من تمسكه بها .. بينما إقترب هو منها أكثر .. و مال على أذنها و همس بها قائلا :
- مش العوو إلى واحدة زيك تتكبر عليه .. هديكى فرصة علشان تتقبلى فكرة إنك مراتى .. وهجهز جناحنا فى القصر علشان تعيشى معايا هناك .. مفهوم .
و إبتعد قليلا يطالع تأثير كلماته بها .. إبتسمت غزل بهدوء و قد راق لها اللعب معه مجددا و عقدت ذراعيها خلف ظهرها و تمايلت بنعومة و قالت بثقة :
- مش هيحصل .. و على فكرة أنا أقدر أتكبر عليك و على عشرة زيك .. مفهوم .
هز رأسه مستنكرا ثقتها الزائدة و عنادها المقيت و أجابها بقوة و تحدى :
- بلاش تلعبى بالنار معايا .. لأنك أضعف من إنك تتلسعى بيها .
ضحكت ضحكة عالية و عادت بعينيها الساحرة لعينيه و قالت بصوت متسلى رائق :
- صدقنى إنت صعبان عليا جدا .. لأنك مش عارف ربطت نفسك بمين .. بس أوعدك .. هتعرف .
رفع حاجبيه بسخرية و مرر أنامله بشعراته الناعمة و قال ببساطة :
- من بكرة ترجعى شغلك .. مش عاوزهم يقولوا دى بتدلع علشان بقت .. مرات .. صاحب المستشفى .. مفهوم .
قطبت حاجبيها و هى تتطلع إليه بتعجب من قدرته على تحويل دفة الحوار .. إبتعد عنها قليلا و هى تتابعه بغضب .. ثم توقف لثانية و إلتفت ناحيتها و أخرج من جيب سترته ورقة مد يده بها ناحيتها و قال بجدية :
- ده تنازل من عمك بالمحل بتاعه أدبا ليه علشان ساعد أخوكى .. و إطاول على حاجة تخص فارس العوو .
رفعت عينيها بملل فمهاب يستمد ذلك الغرور من المغرور الأول بالعالم و الواقف أمامها .. مدت يدها و أخذت الوثيقة و فتحتها و قرأتها بلا مبالاة .. ثنتها مجددا و عادت بعيناها لفارس تطالعه بنظرات شكر مبطنة و مخفية قليلا ....
إبتسم إليها بشوق و هو يتأمل تقاسيم وجهها الساحر و خرج و تركها متخبطة بحيرتها .. متسائلة بإهتمام هل تمسكه بها حب أم حب إمتلاك أم إنتقام لكرامته أم .. أم ماذا ..
شعرت بأن عقلها بات يؤلمها من كثرة التفكير.. فبقرار بسيط منها جعلت ذلك المغرور .. المتكبر يتحكم بها ...
و لكنها قررت أن تكمل حياتها كما هى و ستجعله يطلقها بأى ثمن .. لأنه لم يرى وجهها الثانى العنيد و الشرس لأبعد حد .. بعد .. فلننتظر و نرى أيها المتعجرف .. الوسيم ...
خرجت غزل تزفر بضيق بعد رحيل الجميع فوجدت دنيا تتجه ناحيتها و عيناها تشع نارا و يديها تتأرجحان بقوة و هى تتقدم ناحيتها .. فقالت غزل بنفسها :
- إستر يا رب .
وقفت دنيا أمامها و قالت بضيق :
- غزل قولى لمهجة أنا مش عايزة حد يساعدنى فى ترتيب البيت لأنها متعصبة و موترانى معاها .
جلست مهجة على أريكة بجوار غرفة غزل و قالت بعصبية :
- أنا غلطانة إنى عبرتك أصلا .. ده إنتى فقر .
هزت غزل ر?


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات