رواية لقياك لي المأوي الفصل الرابع عشر 14 بقلم اية احمد
الفصل الرابع عشر
صعب أن يصادف وقت بوحك بسر عظيم وقت خسران مبين....
فما أبخس قدر الأوقات الغير ملائمة لبوح الروح!
و ما أقسى الحياة!!!
********
اتجه نحو صاحبه الجالس ارضا فوق رمال الشاطئ يقابل عتم الليل و ظلام البحر يزداد قتامة مع صوت هدير امواجه العنيف...حث خطواته اليه بجسد متأهب لفتح باب للجدال فقط كي يخرج أيوب مما هو به...توقفت خطواته جوار جسد صاحبه فرفع ايوب نظره عاليا للجانب ليتعرف على هوية القادم...ثم انزل بصره مجددا يسخره لمتابعة البحر الهائج كما حال نبضات قلبه المبعثرة...تنهد كرم بضيق ليجلس جانبه و يناظر البحر بنظرات غامضة و كأنه لم يكتفِ بغموض الليل و عتمته و كأنه يريد التسرية عن نفس ضاق بها كل شيء...و تعبت من طيلة الكتمان... ما يمر به ايوب و ما رآه بعينيه عندها و اعتراف ذلك الرجل بإعجابه بها يزكي حالة الغموض و الثورة الداخلية تشتد حتى بات وثاق روحه مغلظا جارحا بل سارقا للروح...زفر ببطء و بصوت مسموع ليهم بقول ما في جوفه عله يساعد صاحبه على المضي قدما و يطفئ نيران قلبه المخدوع...
(الى متى تنوي الاستمرار في هذه الحالة؟!)
لم يلتفت ايوب ظل كما هو عيناه معلقتان بالبحر ليهمس بصوت مبحوح...
(حتى تنطفئ نيران روحي)
تعلقت عينا كرم بالبحر و قد راوده شعور ان تياره الهادر سيجرف معه كل ما طمره لسنوات...
(لن تنطفئ و انت بيدك تلقي حطبا فوق حطب لتتأجج بداخلك)
صوت انفاس ايوب حينها كان مسموعا فحاول كبحه بتمسكه بحبات الرمل الرطبة جواره... يقبض عليها بقوة و يعتصر حبيباتها بعنف يترجم كل ما يعتمل صدره فقال...
(الجمر في حشاي يلتهب فيحرق الروح و الجسد)
سحب كرم نفسا عميقا و عيناه لا تبرح البحر... و كأن حالة ايوب وصفا صريحا لهما معا... و آه من كلمات ثقال تلامس جروح الروح بنصل سيف بتار...زفر نفسه العميق بقوة ليقول آمرا و لم يعرف صاحبه ان الامر كان لهما معا...
(انسها ايوب لقد اصحبت لرجل آخر... انسها)
التفت وجه ايوب له بسرعة البرق... فألتقف كرم نظراته الحمراء المشتتة و ملامحه المعذبة... عقد ايوب ما بين حاجبيه قائلا باستهجان..
(انسى من!!!... انسى فتاة تعلقت بها منذ صباي و منيت روحي كثيرا انها لي... انسى عمرا قضيته حولها و قلبا وهبته لها... انسى حبي الذي لم اعرفه سوى معها ام انسى وجعها الذي سببته لي و هربت)
احرقت عيناه الدموع فأبعد وجهه عن كرم يناظر البحر مجددا... همهم بصوت متحشرج موجوع
(كيف انسى انها باتت في احضان رجل غيري؟!... انا احترق يا كرم احترق وحدي و لا احد يفهم ما امر به)
يكفي يا ايوب بالله عليك يكفي نبشا في جرحي... انا جوارك رجل يحترق منذ سنوات بلا صوت... ابعد عينيه كما فعل صاحبه ليحتضن موج البحر غموضه... قلبه ضاق بما حوى و الجرح بداخله اكتوى و النيران تصاعدت السنتها لتصل بلهيبها عنان سماء الروح العليلة بسقم الهوى... فهل حان وقت البوح ليخفف عن روحه الحمل؟!... هل رفاهية التعبير عما يدور في قلبه باتت متاحة؟!... لا يعرف او بالأصح لا يشعر فبعد شعور خسارتها "المؤكدة" لا يضاهي روحه شعور..
(لست وحدك ايوب... لست وحدك صاحبي يبدو كُتب على ارواحنا ان ترتبط بمن لن نصل اليها)
صمت ايوب الذي لم يتغير منحه حرية الكلام... و قد تم فك اسر مشاعره اخيرا ليبوح بما اتخم به صدره و روحه و كل كيانه...
(ان تجدها قدرا دون سابق انذار و تظن انك لن تلاقيها مجددا فتكتشف انها اقرب اليك منك... ان تراقب نضجها يوم بيوم دون كلل او ملل مأخوذا و كأنها كل الكون… ان تحفظ كل خلجاتها صغيرها قبل كبيرها اكثر منها نفسها...)
خفت صوته فجأة ليزدرد ريقه هامسا بحروف يذوق معها طعم الحقيقة المُرة...
(ان تستمر بكل حماقة في عشقها خفية حتى ان كنت متيقنا من صعوبة وصولك لها...فأين أنت و اين هي؟!!... هي الغافلة تماما عن رجل تجري في عروقه جريان الدم و يتنفس مرآها كنسيم للروح)
زفر زفرة مشبعة بأنين روحه... لم يكن يظن ان البوح بحبها سيكون صعبا هكذا... لم يكن يتوقع يوما ان تخرج غسق روحه من ظلمات الكتمان الى نور البوح... هي التي لا ترى فيه سوى ذاك المراهق سيء السمعة و شاب يفتخر بقوته... هو ليس موجودا في نطاق حياتها بالمرة... لكنه رجل رشيد فمنذ احبها و هو يعرف بأن ابدا لن يجمعهما طريق... فشتان بين طريقهما في وجهة نظرها... و لو تعرف بأنه طوع طريقه لأجلها و رضي بالسير فيه خلفها دون مقابل... فقط يكفيه ان يحاوطها بظله الظليل من لهيب شمس الدنيا... اكمل بصوت خافت مهتز و قد تلاشى غموض عينيه ليترك لعشق اصابه في الصميم الساحة ليتربع ملكا عرش مقلتين ذابا حبا أذل كبر صاحبه...
(كوى الفؤاد حبها و لا ادري كيف سأحتمل حينما تهب قلبها لرجل غيري)
(كرم!!)
صوت ايوب المصعوق جواره جعله يتوقف عن الاسترسال... وصلة البوح ها هنا انقطعت و حقا يكفي ما قال... جز فوق ضروسه بقوة طاحنا كل المواقف التي رآها فيها مع رامي... ابداء اعجابه بها لا يزال يمر بين جفنيه و كأنه رؤى متكررة... من هو ليجرؤ على الحديث معها بهذه الطريقة؟!... من هو ليمد يده قبله نحوها؟... من هو ليسلبها منه و حبها تخلل كل خلاياه فباتت جارة قلبه..
اتخذ الصمت سبيلا مما دفع ايوب لأن يركن كل ما يمر به جانبا و يلتفت لصاحبه يتفقد ما اصابه...كرم دوما يكتم مشاعره عمن حوله لكنه لم يكن يعرف بأنه جيد الكتمان ليخفي حب غسق داخله كل هذا العمر!!!...لقد ظن لسنوات انها تعني له بسبب فضلها عليه ماضيا و صاحبه رجل يرد الجميل بعشرة...سؤاله خرج مبحوحا متعبا
(لمَ؟!!)
لا يعرف أيسأله صاحبه عن سبب حبه لها ام عن كتمانه الذي اجاده سنين...ام عن بوحه الآن بما جاش بصدره...ام لمَ هي تحديدا؟!!!... التفت لصاحبه يناظره بعين فشت سر الغموض و باتت نظرتها نظرة عاشق اصابه عشقه بحريق الروح...أيخبره بأن نصيبهما ان يتقاسما نيران الجوى معا ام يصمت؟!... لكن هل يشفع الصمت هنا قلبا يحترق؟!!!... اسدل ستار غموضه مجددا فاتشحت عيناه برداء القوة ليهب واقفا ينفض عن بنطاله ذرات التراب الندي قائلا...
(علينا العودة فالحاج يحتاجنا لتوزيع لحوم الأضحية)
تحرك امام عيني صاحبه الذي خرجت انفاسه بطيئة تعاني عدم التصديق...وقف ايوب بتمهل ينظر للبحر بعمق ثم عاود النظر لجسد كرم الذي يبتعد...همهم بصوت مثقل بمتاعب تضاعفت حينما باح صاحبه سره...
(اتمنى ألا يكون نصيبك من العشق مثلي)
ضرب باب البيت الحديدي بقدمه فأنفتح محدثا صوتا عاليا...ركض فوق الدرج ليبلغ شقة والده بوجه مكفهر و عروق بارزة...يأمل أن يلحقه قبل ان يخرب عليه مخططه و يرسل رجال السمري بحثا عنه و يحدثوا ضجيجا هو في غنى عنه حاليا...وقف امام باب الشقة يدق عليه بكل قوته و غضبه يبلغ عنان السماء...بعد لحظات قليلة فُتح الباب يستقبله من خلفه ابن عمه... دفعه داغر بعنف دالفا الشقة لكن الشاب تمسك بذراعه يقول هامسا...
(اهدأ كل شيء كما اردت)
التفت له داغر يناظره بأعين مخيفة شابها حمرة الغضب...
(ابتعد عني حكيم يجب ان اوقف ممدوح السمري قبل ان يتحرك و يفسد كل شيء خططت له منذ سنوات)
شدد حكيم على ذراعه يتقرب منه قائلا بنفس الهمس..
(اخبرتك كل شيء كما اردت انت فاهدأ و لا تثير غضبه)
ضيق داغر عينيه يحاول التقاط معاني كلمات حكيم فهز رأسه يسأله بترقب...
(كيف؟!)
ترك حكيم ذراعه مبتعدا عنه ليقول...
(لقد بعث ممدوح السمري خلفك رجاله كي يوقفوك عما تنوي فعله بعدما وشى عزت عليك عنده... لكنني منعتهم من تنفيذ امره و تركته يظن انهم حقا يبحثون عنك)
ارتخت اجفان داغر براحة ليفلت ضحكة صغيرة راضية...اقترب من حكيم يضرب على ذراعه شاكرا بالفعل و القول..
(عشت يا حكيم)
بادله حكيم البسمة ليومئ متفهما فقال...
(حق سنوات عمرك التي قضيتها في السجن لن يُهدر...و حق دماء مظهر الغالي لن نتهاون بها)
جز داغر فوق ضروسه لكنه احتفظ ببسمة فاترة يناظر عيني ابن عمه في لحظة شابها الصمت... لكنه لم يطل حينما استمعا لصوت اطار كرسي ممدوح المتحرك...خرج من غرفته بعدما استمع لصوت ابنه ليحمل كل حنقه منه و من تهوره و يسرع في سحب كرسيه ليوقفه عند حده...صوته رغم ضعفه و ارتعاش نبرته الا انه خرج هادرا في ابنه...
(ها قد وصل اغبى ابناء السمري كلهم... هل كان يجب ان ارسل خلفك رجالي كي ترتجع عما تنويه؟!!...أحمق انت لتعادي ابناء سليمان و نحن ضعفاء الآن؟!!!)
التفت داغر لوالده يرمقه بنظرات فاترة قائلا...
(يبدو ان ممدوح السمري ولت ايامه و انتهت!)
ضرب ممدوح يد كرسيه قائلا بحدة...
(ابتلع لسانك و لا تسمعني حرفا واحدا... ليتك مت و تبقى مظهر ليت خسارتي كانت فيك انت و ليس هو)
احتقنت عينا داغر بغيظ مقيت لينحني و يتمسك بذراعي كرسي والده و يواجه وجهه قائلا ببطء شديد...
(يؤسفني ان ابطل امنيتك لأن ابنك الغالي مظهر مات و لم يتبقَ لك سواي...لكن لا تقلق فغبي مثلي ستقوده افعاله للموت حتما)
ابتلع ممدوح ريقه بعدما اهتزت حدقتاه ليبعد بصره عن ابنه و يقول...
(ابتعد عن ابناء المراكبي داغر و لا تفكر مطلقا ان تقترب من نسائهم...بداية حكاية الدم كانت امرأة و يا ويلنا لو كانت نهايتها ايضا)
ضحك داغر عاليا ليستقيم مبتعدا عن كرسي والده قائلا بسخرية فجة...
(لا تخف فإن اختبئ ممدوح السمري كالحريم في بيته فأنا كفيل بحماية اسم السمري للأبد)
(اخرس يا كلب!!)
صرخة والده الهادرة بغضب عظيم جعلت حكيم يسرع و يتوجه الى كرسيه يهدئ من غضبه...راقبه داغر بأعين فاترة و هو يميز من الغيظ و حكيم يحاول كبحه بكل قوته لكن صوت احدهم الصادر من الخلف جعل ثورة ممدوح تخفت قليلا...
(داغر ألا تحترم كبيرنا؟!)
التفت حكيم يطالع اخاه الكبير سلطان الذي خرج من غرفته للتو...تقدم سلطان بطلته القابضة للروح ليقف قرب كرسي عمه و يتمسك بذراع من ذراعيه قائلا...
(والدك محق في كل ما قاله... نحن لا قِبل لنا بعائلة المراكبي الآن فتمهل و لا تتعجل و تجلب لنا المصائب)
تحدث ممدوح بصوت منفعل...
(اخبره يا سلطان لقد تعبت منه فمنذ خرج من السجن و هو يتخذ خطوات غير محسوبة ستطيح بنا جميعا...حريق لا معنى له و لا فائدة منه يفتعله في شوادر المراكبي...يتزوج سرا من قريبة سليمان و يريد ختامها بالتعرض لهذه الفتاة التي ساعدت ابن سليمان الصغير قبل سنوات!!...ماذا افادنا نحن كل هذا لا اعرف؟!!!!)
التمعت عينا سلطان بلمعان خاطف غريب لكنه تحكم فيه ليقول مندهشا...
(تزوج سرا!!!)
اومأ ممدوح مؤكدا ليقول...
(عزت اخبرني اليوم عن زواج هذا الغبي من ابنة عبد الصبور كما اخبرني بنيته في تلويث سمعة هذه الدكتورة...كل هذا فقط استعراضا لعضلاته و كسر انف كرم و هو مجرد احمق لا يعرف انه يفتح علينا ابواب جهنم!)
سحب سلطان نفسه ببطء ثم نظر لعمه يقول...
(دع الامر لي عماه و استرح انت في غرفتك)
غمغم ممدوح بكلمات لاعنة لداغر ابنه الذي وقف يتابع ما يحدث ببسمة لم تتغير عنوانها الفتور و كأن ما يحصل لا يخصه بشيء...حرك ممدوح كرسيه عائدا لغرفته مغلقا بابها خلفه...تنهد سلطان ليرفع بصره نحو داغر قائلا...
(لا تتعجل في انتقامك داغر)
رمقه داغر نظرة حادة ليتشدق بالقول المهين...
(لا تلعب دور الكبير يا سلطان لتنصحني فأنا لست مظهر)
اتجه داغر لباب الشقة يخرج منه فبعدما تأكد ان رجال والده لم يتحركوا و قد ارتاح باله...تتبعته عين سلطان حتى اختفى لينقلها لأخيه المجاور له و يهز رأسه مشيرا للباب هامسا بأمر...
(خلفه و دعه يستلم الصور التي وصلت قبل قليل)
اسرع حكيم مستجيبا لأمر اخيه ليهرول خلف داغر...بينما ظل سلطان على وقفته بعينين متعلقتين بالباب حتى ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فمه قائلا بصوت متوعد...
(فعلا انت لست مظهر يا داغر فأنت اغبى بكثير من اخيك... غباؤك سيجعلك تنفذ لي كل ما اريده حتى دون شعور منك)
اتجه نحو غرفة داخلية بعيدة عن غرف الشقة ليفتحها و يتوجه نحو سريرها...عليه تجلس امرأة تتشح بالسواد كليا بعينين مظلمتين مخيفتين كعيني ابنها الكبير...صوتها خرج جامدا أجشا حينما سألته...
(هل اقتربت مما تريد سلطان؟!)
جلس جوارها على السرير يتمسك بكفها قائلا بوعد يقطر لعنات...
(هانت يا ام سلطان و سيدفعون ثمن دماء ابي المهدورة)
اشتدت نظرتها قتامة لتفلت يدها من تحت كفه و تتشبث كفاها بكتفيه تهزه بقوة قائلة بأمر جعل بحة صوتها غير طبيعية تثير الرعب...
(الأثنان يجب ان يدفعا الثمن...الأثنان يا سلطان و إلا والدك لن يرتاح في قبره... اريد ان ارى دمائهما ليشفي لونها غليل صدري... سليمان و ممدوح يا سلطان اريد رؤية دمائهما معا)
اعتمت مقلتاه فهمس ببطء ثقيل...
(السكين الذي تضعينه اسفل رأسك حتى صار عمره عمر مقتل ابي سيظفر و ينال دمائهما قريبا و ان لم يحصل فانحري رقبتي انا به...ابن مؤنس السمري قادرا على نيل ثأره)
بالأسفل...
اسرع حكيم خلف داغر ليوقفه بندائه المتكرر...
(داغر انتظر... لقد وصلت الصور التي اردتها)
توقف داغر بوجه متغضن ليلتفت لابن عمه متسائلا...
(اين هي؟!)
مد حكيم بطاقة ذاكرة له يقول...
(لقد حملتهم جميعا على بطاقة الذاكرة هذه)
ضحك ضحكة قبيحة ليقول بعدها...
(الصور تلهب الاعصاب لدرجة الاشتعال... لو انتشرت قل وداعا لسمعة هذه الفتاة)
التقط داغر منه بطاقة الذاكرة يدسها في جيبه و يخرج هاتفه قائلا...
(يبدو الشابان اللذان اقترحتهما قاما بعملهما على اكمل وجه)
علت ضحكة حكيم قائلا...
(شغلهما عالي سيعجبك و يحقق رغبتك في كسر جمجمة كرم و ليس انفه فقط)
بعدما تركه حكيم اتجه الى باب البيت الحديدي يخرج منه و يقف في الشارع المعتم الا من انارة خافتة...طلب رقمها ليضع الهاتف فوق اذنه قائلا بأمر فور سماع صوتها...
(تعالِ الى شقتنا غدا...اريدك)
صمت يستمع لها فزفر بعصبية يقول...
(لا يهمني اختلقي اي سبب و تعالِ)
اغلق معها الهاتف ليلقيه بحدة ارضا و يسب سبات مكتومة...لهث من فرط انفعاله ليستند على حائط البيت خلفه يهمس بصوت محتقن...
(سأجعلك تندم على عدم حبك لي يا ممدوح)
عادا للحي قرب الواحدة و النصف ليلا و قلب كل منهما يعاني من فقد إما حصل او بات قريبا...توقف ايوب قرب بيته يقول بلهجة باهتة...
(اسبقني انت يا كرم فأم أيوب بالتأكيد لم تنم بعد و علي طمأنتها انني وصلت للحي قبل الذهاب لإعداد خراف الاضحية)
اومأ له كرم متفهما ليقول بصوت خافت...
(حسنا سأنتظرك عند بيتي و اذا اردت الانتظار حتى صلاة العيد لا مشكلة فالشباب كلهم سيجتمعون حينها)
هز ايوب رأسه نفيا يقول بلهجة اوضحت كم يعاني...
(لا... احتاج ان انشغل في عمل اي شيء علّني اتوقف عن التفكير)
تركه ليتحرك الى بيته حتى يُطمئن ايوب أمه... الشارع كعادته معتم و الناس نيام تاركين الصمت خلفهم وحش يقتحم غربة قلبه و يزيد من اوجاعه...رفع بصره حينما داعبت اضواء الصيدلية عينيه...قلبه انقبض دونما سبب مقنع...ضيق عينيه حينما لمح امام باب الصيدلية عدة زجاجات دواء منكسرة... رغم انه يعرف ان صاحب الصيدلية من يتواجد بداخلها حاليا... رغم رؤيته لها تدلف بيتها امام عينيه قبل ساعات...رغم يقنه التام انها في مأمن و هي تحت حمايته إلا انه حث خطواته حيث هناك...كلما اقترب كلما زاد ضيق صدره و عيناه تدققان جيدا على الزجاجات المنكسرة...ملقاة بعشوائية و كأن احدهم اخذها عنوة و ركض خوفا من ان يتم الامساك به... توقف امام باب الصيدلية رأسه تتحرك يمنة و يسرى هذا النوع من الدواء يستخدمه بعض الشباب كبديل عن المواد المخدرة!!...رفع قدمه يتخطى الزجاج المتهشم اسفلها و سائل الدواء المنسكب...استند بكفه على الباب يجول ببصره في نظرة خاطفة...الرفوف امامه بعضها سليم و البعض الآخر فارغ من محتوياته...صوته اهتز لوهلة فخرج خافتا و هو ينادي باسم صاحب الصيدلية...مرة واحدة فعلها ليصمت صمتا مطبقا و يرهف السمع لهذا الصوت الخافت بضعف...ضيق عينيه و أذنه تلتقط تأوهات متألمة خافتة للغاية...قلبه زادت وتيرة نبضه و عروق جسده انتفخت ليسري الدم بها سريان الحمم و يصهر روحه...هذا ليس صوتها هي هو فقط يتوهم...هي ليست هنا هي في شقتها تنام قريرة العين...تقدم بخطوات ثقال في لحظة لن ينسى شعور الفزع فيها لنهاية عمره...دلف الصيدلية بصدر انفاسه سريعة و خانقة له و كأنه يسحب لرئتيه غاز سام...اجتاز طاولة العرض الزجاجية ليهوله منظر التحطيم خلفها...كثير من الادوية متهشم و كثير من الرفوف مفقود...قدمه دهست الزجاج ليصدر صوتا مشابه لصوت تفتت هدوئه الداخلي...صوت التأوه اصبح اكثر وضوحا ليزيد من مخاوفه اضعافها...توقف حينما بلغ المكتب الصغير وسط الصيدلية لتتسع عيناه على اخرهما و يرتعش فكه السفلي دون شعور منه...تجمد؟!!!.. ربما لأنه في حالته هذه كمن سُحبت روحه لتخرج من جسده و تتركه خاويا على عروشه...المقلتان الشاخصتان تضرجتا تدريجيا بحمرة الانفعال...فكه الذي ارتعش قبل لحظات زادت رعشته و كأنها رجفة تهدم الروح... هل ما يراه امامه حقيقي ام هو مجرد وهم لعين لا صحة له من الاساس؟!!!...هي امام عينيه بملابس ممزقة و حجاب منزوع تتكور جالسة مستندة على احد الرفوف تحاول نزع الزجاج من يدها بأعين منفرجة بتيهٍ و دموع تحجرت في زواياها... عيناه جالتا بصدمة عظمى عليها تنورتها الممزقة تكشف عن ساقيها اللتين حملتا اثار تخبره عما صار لها دون كلام...لم يقوَ على التمعن اكثر صدره يضيق و الارض من اسفله تميد ميدا واعدا بالهلاك...لماذا هي هنا؟!!!...نفرت عروق جبهته لتوازي حمرة عينيه و بحة صوته المذبوح حينما همس حروف اسمها...
(غسق!)
ارتجفت بحدة و هي ترفع له رأسها بسرعة كبيرة...عيناها تناظرانه بشراسة مرتعبة فيا له من خليط يكوي روحه كيا!!!...لحظات ظلت عيناها كما هي حتى تعرفت على هويته فأصابهما ضعف مفاجئ لتنزلهما بخزي مرير...راقبها بقلب يحترق و هي تجول ببصرها على ما حولها من خراب...جسدها يرتعش و انفاسها تعلو بصراخ رغم انه لم يغادر حلقها إلا ان روحه تسمعه...و بعد برهة خبت انفاسها لترفع ذراعيها الجريحين بزجاجهما المخترق لحمهما تحاوط نفسها لتصدر لعينيه المصعوقة من هول ما رأت ضعفها المميت له... همهمت بصوت جاف خافت حروفه ترتعش بسبب اصطكاك اسنانها...
(والداي)
كررتها مرارا في اقل من ثانية...و كل مرة تخرج من ثغرها المكدوم بمعنى مختلف...تارة تناجي بها...تارة تستنجد بها...تارة تنعي بها...تارة تصرخ بها و تارة تموت خزيا بها... و هو يستمع محترقا بكل معانيها مشلولا عن مساعدتها فمن هو في هذا الموقف الجلل كي يساعد؟!...هو مجرد شخص "عاشق" طالت حبيبته يد خبيثة تلوثها...ما يريد فعله هو التحطيم.. الصراخ و الفتك بمن فعل بها هذا... صوتها لا يزال يكرر كلمته الوحيدة و جسدها ينتفض ناعيا فقده العزيز... تكورت قبضتاه جواره و عروق جبهته توشك على الانفجار...يشعر و كأن دمه سيخرج من رأسه من شدة الضغط الواقع تحته...اغمض عينيه بضعف اصاب رجولته و اذى قلبه اشد اذى...اتخذ خطواته نحوها و في كل خطوة يدهس ذكرى سنوات ترعرعت فيها امام عينيه...الشجاعة الصغيرة و الآنسة الملتزمة ثم صيدلانية تملأ صدره العاشق نفحات حبها...لا يصدق ان يحدث لها هي ما حدث!!!...وقف امام جسدها بجسد ينهار ليمد كفه لها فتصيبه رعشة الانتظار... هو ها هنا واقفا معها في مفترق طرق و يقسم بالذي خلقه من طين انه لن يتهاون فيما اصابها...رفعت عينيها ببطء الى كفه الرجولي الممدود امامها ثم وجهت نظرتها لعينيه...و آه من لقاء عينين محطمتين بعينين واهنتين...و كأنه غارق في بحر امواجه طاحنة مهلكة و قاصمة للظهور...طالت نظرتها له فغصب هزة رأس يحثها فيها بأن تمد كفها اليه فمن غيره اولى بمساعدتها؟!...ببطء شديد مدت كفها الى كفه لتلامسه في لحظة تُعاد مرت عليهما منذ ثمان سنوات لكن شتان بين اللمستين و بما فعلته فيهما السنون!...ارتاحت اصابعها على راحة كفه فتقبضت كل خلايا جسده...صورتها امامه من اصعب ما مر عليه يوما...لملم اصابعه ببطء مشابه لها على كفها فأرسل لها عبر لمسته رسالة واحدة "بتِ معي الآن فلا تخافي"... ابتلع ريقه بصعوبة لينحني يحملها بين ذراعيه...صدر صوت تأوهها فتوقف للحظة لا يعرف ما عليه فعله لكن هذيانها عاد من جديد لتعيد نفس كلمتها اليتيمة...
(والداي...)
تحرك بها للخارج يدهس كل ما يقابل قدمه بقسوة...لم يكن في حالة تسمح له بالتروي او التفكير فيما سيحدث بعد هذه اللحظة هو فقط عليه اخراجها من هنا...يداها تشبثتا بصدر قميصه بوهن و كلمتها تتردد و كأنها لم تحفظ من الحروف غير حروفها...خطت قدمه عتبة الصيدلية و هي بين ذراعيه في عتم الليل الساتر لحالها هذا...مشى بها متجها حيث يركن سيارات والده بعقل متبرمج و قلب مشتعل و روح تفور...صوت ايوب المتفاجئ امامه اوقفه ليرفع بصره و يناظره بحرقة فؤاده و لوعة نفسه نظرة يقسم ايوب انه سمع صوت بكاء صاحبه عبرها...
بعدما طمئن امه اتجه حيث بيت المراكبي لكنه لم يجد كرم امامه فضيق عينيه بحثا عنه متسائلا اين ذهب... لكنه تسمر حينما اصطدمت عيناه به يخرج من الصيدلية يحمل فتاة ما بين ذراعيه لم يشيء عقل ايوب وقتها التصديق بأنها قد تكون غسق...لكنه اقترب بقلب وجل لتصبح كل تكهناته حقيقة و يرى صديقه يحمل الفتاة التي عشقها بين يديه في حالة رثة ليس لها سوى معنى واحد فقط!!...اشاح بنظره بعيدا عن جسد غسق العاري يطحن ضروسه بعنف و يتساءل بصوت رجل غاضب انتهكت حرمة ابنة حيّه...
(من فعلها؟!!)
صوت انفاس كرم المخيفة وصله لينطق بعدها بصوت واهٍ مهتز ببحة الصراخ المكبل خلف روحه...و ماذا بعد هذا الموقف ليهتز كرم ماذا بعد؟!!!
(اهتم بأمر الصيدلية و لا تدع احد يلاحظ ما حصل بها... و تولى امر تغطية غيابي عن ابي )
تفهم ايوب صدمة صاحبه و مصيبته لذا اومأ موافقا...تحرك كرم خطوتين للأمام لكن ايوب اوقفه لينزع قميصه و يلقيه على ساقي غسق دون ان ينظر لها... جز كرم على ضروسه بضعف لم يصيبه من قبل حتى سمع صوت صاحبه...
(خذها سريعا للمشفى كرم حالتها تبدو سيئة)
حانت منه نظرة لرأسها التي ركنت لصدره بضعف بعد سماع جملة ايوب...انها تختبئ فيه من صاحبه...تدفن خزيها و صورتها هذه داخل طيات صدره...شدد من تمسك يده بها ليقربها من صدره و تتشبث هي اكثر بقميصه و لسانها لا يزال يهمس بنفس الكلمة...
(والداي...)
اغمضت عينيها بملء ارادتها و نداءها المتكرر لمنقذيها يرن في اذنها فيزيد من شعورها بالرعب من الامر الجلل الذي وضعها القدر فيه دون سابق انذار...روحها الصغيرة تطوف بداخلها تنادي مستغيثة بوالديها ان يأتيا و يلحقا ابنتهما من مصاب اصابها...لكن هل يصل صوتها لهما؟!!!...ركنت للهدوء التام و لم تعبأ اي الطرق سيأخذها ابن المراكبي اليها...فما عاد يهم بعد ما حصل اي شيء!!!
وضعت كوب القهوة فوق مكتبها لترد على رسالة اخيها الصغير و الذي كانت عبارة عن صورة بها العديد من اكياس رقائق البطاطا و المثلجات و عبوات المياه الغازية...هذه الطريقة البسيطة التي يحتفلان من خلالها بليلة العيد و لكن لسوء حظها اليوم ستبيت في المشفى حتى الصباح...
«هل تغيظني يا أكمل؟!... اسمع لو عدت و وجدتك اكلت رقائق البطاطا ذات نكهة الجبن لن تأخذ مني عيدية»
وصلتها رسالة اخيها بعد عدة وجوه مرتعدة...
«لا كله إلا عيديتك يا "ريجو" سأترك لك كل الاكياس بكل الاطعمة»
ضحكت عاليا لتترك له وجه ضاحك ثم ترفقه برسالة نصية...
«أخ مطيع... هيا اذهب لتنم قليلا قبل صلاة العيد»
اغلقت هاتفها لتضعه في جيب معطفها الطبي و تعاود امساك كوب قهوتها ترتشف منه بتمهل...شردت قليلا في الفراغ حولها تفكر في حياتها المستنفذة للقوى...عائلتها الصغير و مسؤولياتها و حتى هذا الثلجي الذي صادفته في طريق حياتها ليزيد من همومها هما جديد...انتبهت لصوت الطرقات فوق باب مكتبها فأذنت للطارق بالدخول...دلفت الممرضة بوجه مرهق الملامح تقول...
(دكتورة أريج هناك حالة ولادة وصلت للتو)
وضعت اريج كوبها فوق المكتب تبتسم بتفهم و تقول بصوت متعب...
(حسنا سآتي حالا)
خرجت من غرفة التجهيز متجه لغرفة العمليات لكنها توقفت اثر صوت هذا الرجل حينما طلب طبيبا في الحال...نظرة خاطفة لم تكن تقيم لها وزنا لولا تعرفها على هوية المصابة...اتسعت عيناها بصدمة لتركض ناحية باب المشفى و تقترب من غسق المحمولة بين ذراعي ابن المراكبي ...كلما تقلصت المسافة بينهما كلما اشتدت الصدمة...وقفت امامه بأعين شاخصة لتضع يدها فوق فمها تكتم شهقة ملتاعة على صورة صديقتها...رفعت مقلتيها المنفرجتين الى كرم تزيح يدها ببطء و تسأله بصوت مهتز...
(ماذا حدث لها؟!)
عيناه اشتدت حمرتهما و عروق وجهه تنفر للناظرين...ازدرد ريقه بألم يهمس بصوت رجل مقتول...
(حالتها سيئة)
انتبهت اريج لهمهمة غسق الخافتة فتغاضت عن كل شيء و التصقت بها تلامس ذراعها المجروح بأعين باكية...همست بصوت متقطع لها...
(غسق يا الهي!!!...ماذا حدث لك حبيبتي؟!!!)
كلمتها المبهمة اتضحت لمسمع اريج و هي تنادي بخفوت...
(والداي)
لم تتمكن اريج من التحكم في صوت بكائها مما دفع كرم للتحرك بغسق للداخل بعدما وصل السرير النقال فوضعها عليه برفق و قلب منفطر... التفتت اريج اليها تنظر لها مليا بصعوبة لا تصدق ان هذه هي غسق و عقلها الطبي يرتعد من ان تدلف في نطاق التحليل الدقيق لوصف ما اصابها...رأت طبيبة تأتي هرولة ناحية غسق فأسرعت للسرير تتمسك به و تقول بصوت باكٍ...
(دكتورة داليا اتركِ هذه الحالة لي و تولي حالة الولادة في غرفة العمليات "5")
ناظرت داليا جسد غسق بنظرة تقييمية لترفع بصرها بذهول الى اريج تسألها سؤال متيقنة من اجابته...
(أليست هذه صديقتك؟!!)
قضمت اريج شفتيها بقوة و الصمت يبلغ مبلغه منها...فتوجهت داليا بنظرها تجاه كرم تسأله بنبرة شك...
(ماذا حدث للحالة؟!!...هذه الأثار على جسدها لا تعني سوى انها تعرضت...)
(داليا رجاء!)
رجاء اريج خرج مختلطا بدموعها مما جعل داليا تسكت و نظرة الشك في عينيها لكرم لم تخمد...همهمت اريج بتيهٍ اصابها بوهن...
(هذه الحالة انا المسؤولة عنها... و رجاء اهتمي بحالة الولادة بدلا مني)
هزت داليا رأسها بتفهم لتخطو مبتعدة عنهم خطوتين لكنها عادت تؤشر بإصبعها الى اريج تقول...
(لو صح ما استنتجه عقلنا يا اريج فعلينا ابلاغ الشرطة)
صوت غسق الخافت خرج مبحوحا و هي تهمس برجاء...
(لا...)
اسرعت اريج تتقدم منها و تدنو قرب وجهها تمسح عليه ببكاء قائلة بأمر مترفق بصديقتها بعدما لمحت العيون عليهم و هم في رواق المشفى امام غرفة الطوارئ...
(انا هنا حبيبتي ارتاحي انت و دعِ الباقي لي)
امرت اريج الممرضات بسحب السرير و التوجه به للداخل...تحرك كرم خلفهن بملامح مدمرة لكنه توقف حينما صدح صوت اريج المحتقن...
(و انت لا تتحرك من هنا)
لو تجيد لغة العيون لقرأت في عينيه استماتته في عدم الرحيل...و هل يرحل اللاجئ من مأواه بعدما ضمه لسنين؟!...طحن ضروسه يجبر صوته على الخروج
(لن ابتعد ابدا حتى اطمئن عليها)
كانت مشتتة لم تشفع خبرتها التي اكتسبتها عبر السنين ها هنا شيء...كانت كأول يوم تدربت فيه و حملت مسؤولية روح على عاتقها...مرتجفة باردة الاطراف و قلبها يضرب بقسوة في صدرها... اومأت بحركة خاطفة ثم اسرعت تدلف الغرفة التي دلفتها غسق...اما هو فتمسك بإطار الباب الخشبي يهمس بأعين تحترق...
(لن ابتعد حتى اعيد حقها و لو كلفني عمري كله)
الوقت يمر عليه بطيئا و هي لا تزال بالداخل...انتظر في الرواق بعقل متوقف و قلب محترق...الليلة فقط باح عن سره الصغير فهل يعاقبه القدر على البوح؟!...و الله لو كان يعرف بأن هناك نسيم يمر خادشا وجهها لكبح سره في صدره للأبد حتى و ان مات قتيلا به...لكن ما حدث لم يكن مجرد نسيم بل هي رياح عاتية اقتلعت غسق من الجذور و لا يدري هل فتتتها و ستزورها معها ام ماذا؟!!!...تصلبت خلاياه حينما سمع صوت الباب الذي دلفت اليه...التفت يواجه وجه اريج المتيبس...اثار الدموع عليه و حمرة عينها دليل على بكاء مرير...ناظرته بنظرة متوحشة رغم وهن عينيها لتقف امامه و تتحدث بصوت مهدد...
(ستخبرني ما حدث لها بالتفصيل و من سبب هذا!!)
تحولت وحشيتها لضعف امامه فاغرورقت عيناها بالدموع و ارتعشت شفتاها بسبب البرد المحيط بروحها تهمس بدون تصديق...
(لقد تعرضت لحادث اغتصاب!!!!...لا اصدق ان غسق بالداخل كحالة مغتصبة!!)
عادت نظرتها للتوحش رغم دموعها المنسكبة لتسأله بشراسة...
(من فعل بها هذا؟!!... من دمرها و دمر حياتها بهذه الطريقة البشعة؟!)
طحن كرم ضروسه كحركة لا يستطيع فعل غيرها منذ وجد غسق...لو ترك العنان لمشاعره التي يمر بها الآن لثارت براكين و فاض بحر غضبه ليغرق كل ما حوله...اشتدت حمرة عينه حينما خفت صوت اريج لتهمهم امامه بكلمات كالهذيان لكنها وقعت في قلبه وقع النيران...
( غسق يحدث لها كل هذا كيف؟!!!... لقد اخبرتني انها في الصيدلية بعدما هاتفها صاحبها يرجوها الوقوف بدلا منه... قالت انها غير مطمئنة و حاولت ان ابث بها القوة حتى انني عرضت عليها ان ارسل اخي ليبقى معها او تتصل بهذا المراهق الذي يسير خلفها... بعدها اغلقنا على اساس انها ستتصل به فاطمئن قلبي و لكنني لم اكن اعرف انها ستأتي الي بهذه الحالة!!!)
ضيق عينيه بعدما التقط كلماتها...فتقدم منها بوجه شديد الغضب يسألها بخفوت تسربت لنبرته الوحشية...
(قلتِ من طلب منها النزول في هذا الوقت؟!!)
رفعت وجهها الباكي له لتنكمش في قلق من ملامحه...ابتلعت ريقها بوجل منه لكن عقلها اشتغل سريعا و هي تلاحظ انه يحاول جمع خيوط الحكاية...همهمت بخفوت
(صاحب الصيدلية هاتفها بعد انتهاء دوامها يطلب منها الوقوف بدلا منه لان ابنه يعاني الحمى و سيأخذه للمشفى)
صوت انفاسه الهادرة ارعبها فتراجعت للخلف بقلق تقول بترقب...
(علي ابلاغ الشرطة)
تأهبت ملامح كرم و ارتسم شيء من الرفض عليها و قد همَّ بقول رأيه لكن هذا الصوت اللاهث و المذهول خلفهم اوقفه...التفتت اريج تواجه رامي الذي يبدو اتى هرولة الى هنا... وجهه متعكر و عيناه يسيطر عليها عدم التصديق غير عدم انتظام تنفسه البادي للعين...
(هل ما قالته دكتورة داليا حقيقي؟!!)
ثبتت عين كرم عليه و لم تتزحزح بينما احتدت نظرات اريج لتسأله بحدة منفعلة...
(ماذا قالت لك؟!)
توترت الاجواء حولهم فالتقط رامي بخبرة عمله ان ترجيح داليا لحالة غسق صحيح...جف حلقه ليقول بخفوت مذهول...
(دعيني اراها دكتورة اريج)
وقفت اريج بجسدها كله امام باب الغرفة و قد تسيد بداخلها شعورها الامومي و حماية غسق تدق كل ابواب روحها...
(هذه حالتي و انا المسؤولة عنها دكتور رامي)
اهتاجت ملامحه بضيق فتقدم من الغرفة غير مهتما بوقوف اريج...يقول بصوت عالٍ من فرط الانفعال الداخلي الذي يمر به
(هذا ليس وقت حالتي و حالتك دعيني اعرف ما اصابها)
رفعت اريج ذراعيها على اطاري الباب ترفع وجهها في وجهه قائلة بصوت حاد قاطع...
(لن اسمح لك بالدخول عليها و هي في هذه الحالة ابدا)
تغضنت ملامح رامي و كل ما يصدر من اريج يؤكد حقيقة ما اوصلته داليا له خفية...زفر بحدة ليرفع يده متجها الى ذراع اريج قاصدا ابعاده كي يدلف لغسق...لكن يد كرم امتدت لتقاطعه بعدما وقف بجسده امام اريج و باب الغرفة...تلاقت نظراتهما معا و كم كانت نظرات كرم مهددة وقتها...ببطء شديد اعتصر يد رامي لينزلها اسفل بينما يقول بصوت خافت محذر...
(اخبرتك ممنوع الدخول يعني انك لن تدخل)
اشتد غضب رامي فأرجع يده جواره بعدما نفضها كرم بحدة... ناظرهما رامي بنظرة مقيتة ليتحرك مبتعدا عنهما و عقله لا يصدق ان غسق وصلت هنا كحالة و يا ليت اصابتها هينة...يا ليت!!!
ابتعد كرم عن الغرفة لترتخي ذراعا اريج تراقب ظهر رامي المبتعد...كم تود الآن لكم داليا في فكها لما فعلته...ضيقت عينيها و قد هالها ان ينتشر خبر وجود غسق هنا وحالتها... همهمت بصوت مسموع متخوف من معرفة الجميع ما اصاب صديقتها و هي اكثر شخص يعرف حساسية هذه الامور بحكم عملها...
(يجب ان نسرع في ابلاغ الشرطة)
التفت كرم لها بوجه محتقن قائلا...
(انتظري حتى تستفيق و نعرف منها ما حدث)
هزت اريج رأسها رفضا تقول...
(لا فعلينا الاسراع لنمسك بالجاني)
جز على ضروسه بقوة و انفاسه تغلي كمرجل اشتعلت النيران تحته فألهبت كل ذراته...قال متحاملا على ثورته بوعد ووعيد فتاك...
(سنمسك به... لكن هي أهم الآن)
جالسا خلف مكتبه يتلاعب بالقلم فوق سطحه وعقله واقع في تفكير مرهق...ماذا لو صح و اصبحت غسق مجرد مغتصبة؟!...هل سيكمل طريقه معها ام يبتعد؟!...حتى يعبر عن اعجابه بها تمهل و انتظر لوقت طويل...رغم كونها واحدة من فتيات كثيرات في حياته إلا انه اهتدى لها...كانت ذكية مفعمة بالحياة و خجولة و كم افتقدت الفتيات حوله صفاتها فلم يجد سوى صور مكررة منهن بينما هي الفريدة من نوعها...حتى بعدما تعرف مؤخرا على لارا و ارفق صورهما معا في كل مكان على مواقع التواصل الاجتماعي... ظنا ان ابنة طبيب ثري مثلها تمتلك من صفات الجمال و النعومة ما يحتاجه الرجال لكن رجولته الشرقية رجحت كفة ميزان غسق عنها فالموانع بينه و بين لارا كانت عديدة...هي تعيش في مستوى اجتماعي ينافي مستواه و ان كان متيسرا و لديه عيادته الخاصة و ايضا انفتاحها و حريتها الزائدة كبلته عن الارتباط بها...لف و دار بينهن جميعا و لم يجد واحدة اكثر من مناسبة مثل غسق صيدلانية مقاربة لحالته المادية جميلة و ما يثلج صدره انها لم تعرف من قبله رجل واحد حتى... زفر بحدة يطيح القلم بعيدا عن مكتبه و يعود بجسده للخلف يستند على ظهر كرسيه يمسح فوق وجهه بتعب...هو ابدا لم يحصل على شيء ناقص او معيوب من قبل فهل ستخرج غسق امامه كقاعدة شاذة تخالف كل افعاله؟!!...قراره صعب للغاية و ما يهون عليه انه فقط صرح بمجرد اعجاب لها و لم يتورط اكثر...
بعد عناء اقنع اريج ان تؤجل مهاتفة الشرطة حتى تفيق غسق و يعرف منها كل شيء و ها هو يقف بمفرده هنا في هذا الوقت المتأخر من الليل...بداخله كلاب تعوي بوحشية تنتظر اشارتها لتمزق احشاء من فعلها بها...لا يريد ان تتدخل الشرطة فلو حصل ستصبح سيرتها على كل الألسن و هذا ما لم يسمح به... هم يعيشون في حي صغير لا يفرق من جاني او مجني عليه ففي نهاية الامر بالنسبة لهم هي لم تعد فتاة بعد الآن و كم يروعه معرفة اي مخلوق بهذا ألا يكفي من عرف هنا؟!!... توقف عن السير في الرواق امام باب غرفتها عندما سمع رنين هاتفه...اخرجه من جيبه مجيبا عليه بعدما قرأ اسم ايوب...
(ماذا حدث معك كرم؟!...هل ابلغتم الشرطة؟!!)
صوته خرج باهتا مرهقا حينما رد على صاحبه...
(لم تفق بعد و من تولى حالتها هي صديقتها الدكتورة التي تعمل هنا... هل لاحظ احد شيء؟!)
وصله صوت ايوب المطمئن...
(لا تخف الصيدلية عادت كما كانت و قد ابلغت صاحبها انها تعرضت لحالة سرقة و نحن من سيتولى الوصول للسارق)
احتدت نظرة كرم ليسأل صاحبه بترقب...
(كيف كان صاحب الصيدلية و هو يستقبل خبر السرقة؟!)
صمت ايوب قليلا و كأنه يستعيد صورة ذلك الرجل فقال بعد لحظات...
(و الله يا كرم ما حدث لم يترك في عقلي شبرا واحدا لألتقط ردود افعال الناس... لكنه لم يسأل عن الدكتورة و لم يجادلني حينما اخبرته اننا سنتولى الامر حتى انه لم يطلب الاتصال بالشرطة!)
صوت كرم وصله آمرا بلهجة خطيرة...
(قال ابنه يعاني الحمى و سيذهب به للمشفى لذلك طلب منها البقاء في الصيدلية حتى يعود تأكد لي من هذا الامر في اسرع وقت)
تهدجت نبرة ايوب بسبب انفعاله فسأله بغضب...
(هل تظن ان له يد فيما حصل لها؟!)
(تأكد لي في اسرع وقت)
كان امره هو اخر ما سمعه ايوب قبل ان يغلق الهاتف و يعتصره بين كفه متمتما من بين اسنانه و عروق جسده كلها نافرة من غليان دمه بها...
(لك الله مني لو تأكدت انه لك يد فيما اصابها)
عيناه تعلقت بباب غرفتها و الألم يفتت قلبه بقسوة مميتة...
بالداخل....
زخات العرق تجمعت فوق جبينها بعدما انعقد حاجباها قليلا... رأسها تحرك للجانب لتلامس الوسادة بوجنتها التي التصقت خصلات شعرها بها... تأوه خافت للغاية صدر منها لتبتلعه ظلمة الغرفة و يضيع في جوف الخواء حولها... ارتعشا جفناها بضعف لتسيل دمعة وحيدة حارة رغم نومها... ابتلعت ريقها بصعوبة لتنفجر بعده دمعاتها تباعا دون صوت... تململت مجددا لتتجه للجانب الآخر بحركة بدت ضعيفة... و لكن بمرور اللحظات تحول الضعف لقوة ثم اصابتها حالة هستيرية... دموعها تنسكب و جسدها يتشنج ثم صمتها ينكسر ليخرج صوتها مبحوحا معذبا من خلف الأصفاد... صرخات متتالية دون توقف و دون أن تستيقظ... صرخات جعلته بمجرد سماعها يهرول في الرواق و يفتح باب غرفتها ليلج... اصابعه تسمرت فوق مقبض الباب ليحتله الخوف لأول مرة... خوف من أن يراها و تراه... من أن يعكس الليل في مقلتيها عذابا ليس بإمكانه تحمله... لكنه تحامل ليدير المقبض و يلج... و كما توقع أصابه الخوف بالشلل... لا يصدق أنها هي نفسها... بضع ساعات فقط مضت... بضع ساعات اطاحتها من قلاع قوتها لتدعها في مهب ريح ضعفها... اتجه نحو جسدها المنتفض بقلب يتقلص حتى بات ضخ الدم به من أصعب المهام... برزت عروق وجهه و بالأخص جبهته لتوضح تحت أي ضغط هو واقع... من أين القوة لكل هذا؟!... كيف السبيل لتحمل مصاب اصابها هي؟!... هي من بين نساء الأرض!!...
وقف قرب سريرها ليميل يراقب وجهها المتغضن بألمه... و دموعها المسالة بحسرتها... جاهد و وحده الله يعلم كم جاهد ليخرج صوته مختنقا بغصة تنعي ما أصابها من فقدان... همس جوار جسدها المتشنج...
بخفوت خالطه
ندم و ألم...
خسارة و عذاب...
مشاعر متضاربة ضاق بها صدره لدرجة شعر معها بأن
ضلوعه ستنفجر...
قلبه سيتمزق...
و نبضه سيخفت حد الموت...
(ظننت نفسي دومًا قريبًا منكِ كالهواء لكنني الليلة فقط أيقنت كم كنتُ بعيدًا عنكِ... بعيد بُعد الأرض عن السماء)
دلفت اريج و ممرضة ركضا حينما استمعت لصراخها فابتعد هو ببطء و عيناه تراقب تشنج جسدها و صراخها يصم أذنه عن كل شيء... اسرعت اريج رغم نشيجها المتأثر بحقن غسق بمادة مهدئة فيبدو صمتها المطبق حينما اتت هنا قبل ساعتين كان وشاحا شفافا ساترا لصدمة كبرى حتى و لو كانت متأخرة... ابتعدت اريج عنها حينما خفت صوتها و هدأ تشنجها لتحاوط رأسها بكلتا يديها و حالة من اللا تصديق و الرفض تسيطر عليها... هذه الفتاة امامها ليست غسق ابدا كل هذا مجرد كابوس و سينتهي...لحظات اخر و لم تتمكن اريج من البقاء فبعد ان اطمأنت ان الدواء اعطى مفعوله و تأكدت ان صديقتها لن تستفيق إلا صباحا تحركت للخارج تهمهم للممرضة بأن تنتبه لو حدث اي تغيير و تخبرها... توقفت الممرضة عند الباب حينما صدر صوت كرم الباهت يطلب منها دون ان تحيد عيناه عن هذه النائمة عنوة هروبا من كل شيء...
(هلا جلبتي هذا الغطاء البلاستيكي للرأس فهي محجبة)
هزت الممرضة رأسها بتفهم تقول بتضامن متأثر و حزين...
(من عيني يا استاذ... ان شاء الله ستخرج من هذا الكرب قريبا... انا اعرف هذه الفتاة دوما كانت تزور الدكتورة اريج هنا بسم الله ما شاء الله خلق حسن و جمال و كمال لكن ماذا نقول حسبي الله و نعم الوكيل في من فعلها)
عيناه التهبتا بدموعها فلم يملك من القوة ما يمكنه من حبسها اكثر... نزلت حارقة ملتهبة مناجية لله ان يرأف بها و بقلبه... همهم بصوت متهدج بعدما خرجت الممرضة صوته يحمل من الاثقال اطنان...
(الصبر الصبر خالقي)
صوت أذان الفجر انساب في عتمة الغرفة ليغمض عينيه على دموعه ببطء... رفع كفه يمسح طرفي عينيه و يفتحهما مجددا يرمق بهما غسق... سحب نفسا كبيرا ليتوجه بعده الى باب الغرفة يفتحه ويخرج قاصدا الصلاة... فبين يدي الله سيجد السلوى و هذا ما يحتاجه الآن...
بجلابيبهم البيضاء يقفون امام بيت المراكبي مهللين مستبشرين فرحين بما آتاهم الله من نعمة و منّ... حولهم ابنائهم الصغار و اطفال الحي يلعبون و يمرحون منتظرين مشاهدة ذبائح الأضحية ككل عام... و عند الباب الحديدي للبيت وقف سليمان بوجه رغم بسمته متضايق... غياب كرم و عدم مبيته الليلة في البيت و تفويت صلاة الفجر و العيد لأول مرة دون ان يخبره يقلقه... لقد ظن انه مع ايوب كحاله مؤخرا ليؤازر صاحبه لكنه لمح ايوب في الصلاة إذًا اين ابنه؟!!... عيناه التقطتا ايوب بين الرجال فنادى عليه عاليا... انتبه ايوب لصوت سليمان و قد ايقنت نفسه انه سيسأله عن كرم... ابتلع ريقه و نفسه تتجهز لسرد قصة مختلقة من الخيال ليبرر غياب صاحبه الغريب في يوم هام كهذا... وقف امامه بوجه مضطرب مما عاشه طيلة الليلة الماضية يخفي عينيه عنه لكن سليمان اجبره بالقول الآمر على رفعهما...
(ستخبرني مكان كرم يا ايوب)
زاغت عيناه و شعور بمهابة سليمان يسيطر على الاجواء لكنه تحكم في خلجاته يقول...
(حاج هل يمكنني الحديث معك على انفراد؟)
قلب سليمان انقبض تخوفا من ان يكون قد وقع كرم في مصيبة من مصائب داغر مجددا... حرك عكازه للأمام فافسح ايوب المكان احتراما ليمر سليمان و يقفان عند مخزن الاسماك القريب من البيت... تكلم سليمان بقلة صبر و قلق...
(ماذا حدث مع كرم و لمَ ليس هنا؟!)
راقب ايوب قلق سليمان على ابنه فدعا الله ان يلهمه الحجة المقنعة دون ان يفشي سر غسق حتى يعرف الى اين ستؤول امورها... زفر بخفوت يدعم نفسه ليقول...
(كرم بخير يا حاج اقسم لك لكنه لا يستطيع الحضور الآن)
(لماذا؟!!)
سؤال سليمان كان صارما آمرا و متوجسا مما دفع ملامح ايوب ان تتشح بالجدية حينما قال...
(لقد جعله الله سببا في اخراج احدهم من مأزق و هو بجانبه الآن حتى يطمئن انه بات بخير... سامحني يا حاج لن استطيع البوح بأكثر من ذلك)
ضيق سليمان عينيه و حديث ايوب يشعره ناقصا لشيء هام شيء سيجعله يربط الخيوط معا و يفهم مقصده المختبئ خلف كلماته... صوت صالح جاء نجدة لأيوب حينما نادى لوالده للبدء في ذبح كباش الأضحية...
(يا حاج القصَّاب ينتظرك كي يبدأ على بركة الله)
اومأ سليمان متفهما فناظر ايوب نظرة تعني "لم ينتهي حديثنا بعد" ثم تحرك تاركا اياه يزفر بعدم راحة و قلق... منذ طلب منه كرم معرفة حقيقة مرض ابن صاحب الصيدلية و هو يسأل جميع الجيران و الذين اكدوا ان ابنه بخير و قد رآه بنفسه يلعب مع اولاد الحي قبل قليل... متخوف بشدة من اخبار كرم فلا يعرف رجل مثله حمل بالأمس حبيبته التي انتهكت حرمتها يد خسيسة بين ذراعيه كيف سيتعامل مع الامر... و بداخله رغبة ملحة في دك عنق صاحب الصيدلية و الشرب من دمائه على كذبته تلك... بماذا آذته غسق كي يتواطأ مع غريب عليها... احمرت عيناه بلهيب مدمر حينما تذكر هيئته المتوترة بالأمس ليهمس بعنف يخيف....
(او ربما هو من فعلها!!!... و الله الذي نفسي بيده لو تأكدت من انك الفاعل او كنت تعرف ماذا سيحدث لها لأجعلك تصرخ كالنساء طالبا الموت و لن تناله)
(ما بك اخي ايوب فأخي خالد ينادي عليك منذ فترة؟!)
صوت سوسكا اخرجه من متاهة تفكيره لينتبه لوجه خالد النزق... ربت على كتف سوسكا قائلا بينما يتجه الى خالد...
(صوت الاولاد عاليا لم اسمعه... سلمت سوسكا)
اسرع في خطواته نحو خالد الواقف بين خراف الاضحية يجهزهم بهمة و جدية...تمت مراسم الأضحية ككل عام و تم تقسيم اللحم و وضعه في اكياس ليتوزع على المحتاجين ثم الجيران و الاقارب...حمل سوسكا كيسا كبيرا يتجه به ناحية بيت غسق بعدما وزع صالح الشباب على بيوت الحي...لمحه ايوب ففزع قلبه لينادي عليه بوجه مضطرب...
(سوسكا انتظر)
توقف سوسكا ثم التفت بتعجب يواجه ايوب قائلا...
(ماذا هناك اخي ايوب؟)
حانت نظرة غصبا خرجت متوترة من عيني ايوب لبيت غسق فقال...
(اعطني كيس اللحم سأوصله انا للدكتورة و انت اذهب لتنم يبدو عليك التعب)
ابتسم سوسكا بمحبة ممتن لشعور ايوب تجاهه فقال...
(ارضاك الله كما ترضي الناس اخي ايوب...حسنا سأسلم لحم الاضحية للست غسق و اعيد عليها ثم اذهب للبيت فورا)
كاد يتحرك لولا يد ايوب التي حطت فوق كتفه بقوة توقفه ليقول بجدية...
(لا تجادل سيد و دع الكيس لي)
ان يلفظ احدهم اسمه الحقيقي بوجه شديد الجدية و الصرامة كالذي يراه الآن يعني ان هناك امر جلل...تغضنت ملامحه بحمائية يقول بلهجة متهورة...
(هل حدث مكروه للست غسق يا اخي؟!!!)
ابعد ايوب عينيه عنه ليقول بصوت مهتز صبغه بلهجة المزح...
(خيالك واسع بطريقة عجيبة يا ولد... هل لأني سأوصل كيس اللحم بدلا منك كي ترتاح ايها الجاموس يعني ان هناك مصيبة؟!!)
ضيق سوسكا عينيه و ملامحه تؤكد انه يشك في حديث ايوب...تنهد الاخير يبعد كفه عن كتف سوسكا قائلا بنبرة مرحة...
(كل ما في الامر اننا نريد اتقاء شر كرم لو صعد غيرنا للدكتورة...هيا يا ولد اعطني الكيس و لا تناظرني كصغير عجل تائه في البراري يشك في كل من حوله خوفا من ان يؤكل)
مد سوسكا يده بالكيس يضعه داخل كف ايوب بعدما اومأ برأسه متفهما...تحرك خطوتين للأمام لكنه توقف جوار ايوب يقول برجولته المبكرة المعتادة...
(اخي ايوب تعرف ان رقبتي سدادة في اي وقت و خصوصا للست غسق فلو هناك شيء فقط...)
قاطعه ايوب بلهجة ضجرة حينما قال...
(لا يوجد يا عمي و ها هو الكيس خذه و اصعد لها كما تريد ما دام تشكك في كلامي)
اسرع سوسكا يقول باعتذار...
(سامحك الله اخي ايوب انا اشك بكلامك!!...عموما الكيس معك و انا ذاهبا للبيت ان احتاجتني في شيء هاتفني... عيد مبارك لك اخي)
تضايق ايوب من حزن سوسكا و كسر خاطره فناداه بلهجة حنونة بعدما خطى مبتعدا عنه...عاد سوسكا اليه سريعا منتظر امره...غصب ايوب بسمة صغيرة يدس يده في جيب جلبابه الابيض و يخرج عدة ورقات نقدية يمدها له قائلا...
(هل ستذهب دون ان تأخذ عيدية العم رجب؟!)
تنحنح سوسكا بحرج يهمس له...
(لقد كبرت اخي ايوب على العيدية)
هز ايوب يده له قائلا بصوت خشن...
(مهما كبرت يا ولد ستظل صغير امام عمك رجب...هيا خذها و لا ترفض عيدية الكبار)
التقطها سوسكا من يده ببسمة سعيدة تلاشى معها حزنه قائلا...
(سلم عم رجب و أدام الله عليه العمر و العافية)
ابتعد سوسكا و عين ايوب عليه حتى اختفى من الشارع...رمق الجميع حوله و السعادة التي تطوف بينهم جميعا...انتقل بصره منهم الى الكيس في يده ليطلق زفرة مهمومة بهم ثقيل...فليس هناك اثقل من هم رجل فشل في حماية ابنة حيّه...النيران في روحه تتضاعف من ناحية فلك و من ناحية مصاب غسق...غير قلقه على كرم و خوفه من سكونه هذا...ابتعد عن بيت غسق نحو بيته و يده تتحسس هاتفه في جيب جلبابه...عليه اخبار كرم عما عرفه بشأن صاحب الصيدلية لكن هل من الحكمة اخباره الآن؟!...اعتصر الكيس بين اصابع كفه يهمهم بصوت لاعن...
(لولا معرفتي بكرم لكنت تصرفت معك بمفردي لكن عيبي انني اعرف صاحبي كمعرفتي لنفسي... فلو تأكدنا من تورطك في الامر كرم لن يرحمك و الله لن يفعلها ابدا)
عيناه تجولان على تقريرها الطبي باتساع غير مصدق... لقد خمن ما حصل لها من كلمات داليا التي لاحظت قربه منها في المرات القليلة هنا من قبل و ردود فعل اريج و رفضها المستميت ألا يدخل غرفتها...لكن ان تتضح الحقيقة و تصح كل الشكوك بكلمات طبية تصف حالتها لهو اكبر بكثير من قدرة تحمله... جروح عميقة بالذراعين، كدمات متفرقة بالوجه و العنق، نزيف مهبلي و تنظيف رحم اثر حادث اغتصاب تعرضت له الفتاة التي فكر بالارتباط بها يوما!!!...رفع بصره من الورقة المدون عليها تقريرها الطبي يناظر جسدها فاقد الوعي فوق السرير...انها غافية في نوم اجبرتها اريج عليه بعد حقنها بمهدأ و ها هي بعيدة كل البعد عن الواقع الخارجي...لقد استغل ذهاب هذا الشاب الذي جلبها للصلاة و قرب انتهاء دوام أريج و دلف خفية الغرفة...هو شخصيا لا يعرف أهو هنا ليطمئن عليها ام يتأكد من حالتها أم يجمع ادلة كفاية ليبرر خطواته التالية معها؟!!!...تنهد بصوت مسموع يعلق التقرير الطبي مكانه في نهاية السرير...انتبه لصوت فتح الباب فتوجس من هوية القادم لكن ظهور الممرضة التي اتفق معها اراحه لكنها همست بخوف...
(دكتور رامي لقد عاد الشاب الذي معها رأيته للتو يدلف من باب المشفى)
هز رامي رأسه متفهما ليرمق غسق نظرة خاطفة متمتما بخفوت قبل ان يخرج...
(يؤسفني ما مررتِ به)
بداخل مكتبها حاولت ان تسيطر على صوتها المبحوح من البكاء و هي تهاتف والدتها...
(امي هناك حالات طارئة يحتاجونني لأجلها لذا سأعود في وقت متأخر)
اغرورقت عيناها بالدمع و صورة صديقتها لا تبرح بالها...استمعت بصعوبة لصوت والدتها الحانق لتهمس بخفوت مهتز...
(اعتذر امي لكن هناك من يحتاجني حقا...سأعاود الاتصال بك لاحقا مع السلامة)
القت هاتفها فوق مكتبها بتعب رهيب...مسحت فوق وجهها بحالة من التيه و الضياع و عقلها لا يصدق ما مرت به صديقتها...المسكينة كيف سيكون رد فعلها عندما تستيقظ فصراخها الذي حدث يدل على حالة انهيار قادمة لا محال...زفرت ببطء تنظر في ساعة معصمها فلم يتبقَ سوى القليل لتستفيق و هي يجب ان تسرع لإبلاغ الشرطة...حملت هاتفها مجددا لتتجه نحو باب المكتب و تخرج منه حيث غرفة غسق...
توقفت عند باب غرفتها بعدما وجدت كرم جالسا على الكرسي المجاور لها...راقبته مستندا برأسه للخلف على الحائط يضم ذراعيه فوق بطنه مغمض العينين...لولا ملامح الغضب و الضيق فوق وجهه لظنته نائما من تعبه...تنحنحت بخفوت فاعتدل مسرعا ينظر لها...اعتذرت بحرج منه تهمس..
(آسفة لم اقصد ازعاجك لكن حان وقت استيقاظ غسق و...)
هب واقفا امامها يقول بصوت مرهق...
(لا يوجد ازعاج دعينا ندخل لها)
تنهدت بقلق من رؤيتها لكنها اومأت تتمسك بعتلة الباب و تفتحه...دلفا تباعا يراقبان جسدها الساكن بترقب...اقتربا منها يقفان قرب رأسها فالتقطت اريج معصمها تتحسس نبضها و تراقب انتظامه...وضعته برفق بعدما تأكدت من انتظامه و بعدما اصدرت غسق صوتا خافتا تحرك رأسها ببطء...تأهبت حواس كرم لها بقلب يعاني نزيف من نوع خاص كما فعلت اريج كطبيبة تتجهز لكل ردود فعل مريضتها...فتحت عينيها تدريجيا لتتعلق عيناها على الفراغ امامها للحظات ساد التوتر و الخوف و للعجب الهدوء!!...التفتت برأسها جانبا تناظر اريج بأعين تتوسل لتذرف كل هذه الجمرات المشتعلة في مقلتيها و المتمثلة في دمعاتها لتهمس بسؤال يتيم...
(هل ما حدث كان حقيقيا؟!)
ارتعشت اريج كليا في وقفتها لتومئ برأسها في ضعف و بكاء...و هو واقفا جوار اريج يلتقط كل ما يصدر منها بروحه الممزقة...باهتة كحال ليلها المتعكر في مقلتيها...نظراتها دامية كحال جروح ذراعيها...ضائعة كحال خصلات شعرها الهاربة من تحت غطاء الرأس البلاستيكي...كلها تصرخ بصمت و هو المنصت بتمعن دقيق لكل صرخاتها...توقف تنفسه فجأة حينما حانت منها نظرة اليه...ثبتت عيناها على عينيه و كأنها تستحلفه ان يخبرها كله كان كابوسا و ها انت كما انت بلا خدش واحد...صدر صوت اريج ليوتر لقائهما اللحظي و هي تقول بصوتٍ مُصرٍ...
(علينا ابلاغ الشرطة و القبض على هذا الحقير لقد انتظرنا استيقاظك و ها انت ذا)
ابتعدت نظراتها عنه لتعاود النظر لصديقتها تحت عينيه المتتبعة فتهمس بصوت ضعيف واهن راجي...
(لا تفعلي اريج ارجوك... لا تهاتفي الشرطة مطلقا و لا تخبري احد عن حالتي يكفي من عرف)
كلمتها وخزت صدر كرم بقسوة...حقا يا غسق يكفي من عرف و الله لو بيدي لفتحت صدري و ادخلتك فيه بعيدا عن عيون البشر لتداري ضعف نفسك و ترممي ما اصابك...لكن مصابك عظيم لدرجة اصابني انا بالعجز و الاحتراق... احتد صوت اريج برفض قاطع فقالت...
(غسق هل تريدين التخلي عن حقك؟!!!...يجب ان يعاقب من فعلها يجب ان يتعفن في السجن ليكون عبرة لمن مثله...يجب ان تشعري ان حقك عاد لك)
ابتلعت غسق ريقها بصعوبة و ابعدت بصرها عنهما تقول بخزي مميت...
(لم يكن واحدا بل اثنين...)
عيناه زادت احتراقا و هو يوجه بصره كالطلقة نحوها... مصعوقا... مقهورا... ميتا... هو رجل يحتضر في صمت مهيب و يراقب في سكون مقيت ما تمر به... اهتاجت انفاسها بقوة ملحوظة و يبدو يغزو مخيلتها ما حدث امسا...يدها تكورت جوارها تتقبض على غطاء السرير و تهمس بصوت يعاني الفقد...
(لو عرف والداي ما اصابني سيموتان اريج...بيدي سأقتلهما لو عرفت الشرطة و الناس كيف سأواجه عينيهما؟!)
دنت اريج بالقرب من رأسها تمسح فوق غطاءها قائلة بحنان باكٍ...
(لا تقولي هذا الكلام يا غسق انت فتاة متعلمة و واعية انت هنا الضحية و الجميع سيقف معك...اعترف ان المصاب جلل لكن والداك بالتأكيد لن يحملاك ذنب ما حدث بل سيقفان معك للنهاية!)
صوتها خرج باهتا رغم جموده الوهمي...
(لا تجملي واقع قبيح اريج...انا اصبحت في اعين الناس فتاة معيوبة...)
رفعت بصرها اليه مجددا تطلب منه بضعف يزيد من ألمه...
(اخبرها كيف سيتعامل اهل الحي معي بعدما ينتشر الخبر...اخبرها ماذا سيقولون عني و كيف سيرمقونني في الذهاب و الاياب...اخبرها ان والداي ستقتلهما فداحة ما صار لي و تنحرهما كلمات الناس)
و كأن الكون حوله لا يحوي سوى عينيها المنكسرتين بخزي و ذل...يناظرها بعمق عينيه التي نبذت الغموض و اتشحت بحنان جارف و وعد غير منطوق بأن يعيد لها حقها...صوته خرج مبحوحا بوعده القاطع
(ما دام في صدري نفس لن اسمح لأي مخلوق ان ينطق حرفا واحدا بالسوء عنك...اخبريني ماذا تريدين ان افعل لك اذا قلتي نبلغ الشرطة سنفعل و ان قلتي لا فلا)
اعتدلت اريج في وقفتها تقول باستهجان...
(كيف لا؟!!!...و حقها ماذا عنه؟!...اسمعي غسق نحن نعيش في احياء متجاورة و اعرف كيف يفكر الناس جيدا في امور بهذه الحساسية لكن لو قلنا لا كيف سنسترد حقك؟!!)
لم تزعزع عينيها بعيدا عن كرم لتهمس بصوت ذابل...
(والداي سيموتان قهرا علي...لن ابلغ الشرطة)
صوته خرج واثقا واعدا حينما قال لها دون ان يحيد بنظره عنها...
(لن نبلغها... و حقك لن اهدره لو كلفني روحي)
زفرت اريج بعدم استيعاب لتهمهم بصوت مسموع...
(و ماذا عن اوراق المشفى و تقريرك الطبي و العاملين هنا؟!...كيف سنمرر الامر دون ابلاغ الشرطة؟!)
ابعدت غسق نظرها عنهما و لجأت للصمت مما دفع كرم لتولي الامر فقال...
(يمكنك تولي امر التقرير الطبي لها)
ضيقت اريج عينيها تسأله بتوجس...
(هل تقصد ان اغير تقريرها الطبي؟!... لكن هذا تزوير و مسؤولية كبيرة نحن لسنا مشفى خاص حيث يمكننا التكتم و التستر على شيء!!)
جملة كرم خرجت آمرة بعض الشيء حينما رمقها بجدية يقول...
(يمكنك فعلها يا دكتورة)
هزت رأسها بقلق تناظر غسق التي بدت لها كقنبلة موقوتة قريبة الانفجار... خرجا معا من الغرفة لتغلق اريج الباب خلفها و تهتف بحدة مكتومة في كرم...
(كيف توافقها على التخلي عن حقها؟!...هي لم تفقد محفظتها هي فقدت... كل شيء بالنسبة لفتاة!!!)
احتدت نظرة كرم لتلاحظ فيهما نيران مشتعلة حينما قال...
(هي لم تتخلَ عنه يا دكتورة و انا كفيل به)
ابتلعت ريقها ترفع اصابعها تضغط على جبهتها بتعب مرهق...ما مرت به اليوم صعب جدا و فوق احتمالها...همست بقلق متوجس
(حالتها هذه تخيفني هي لم تستوعب بعد ما صار...اخشى ان يتأخر اتصال استيعابها بالواقع وقتها من الوارد ان يصيبها انهيار او تنتكس للأسوأ)
قرب المغيب...
دلف الغرفة مجددا بعدما وصله خبر استيقاظها و سكونها الغير متوقع...التقطته عيناها فحاولت ان تعتدل في سريرها بتعب حتى صدر صوت تأوهها...اسرع يقترب منها قائلا بصوت قلق...
(مهلا غسق)
رفعت عينيها له تراقب وجهه المتعكر...ضيقت عينيها تهمس بصوت واهن...
(رامي!)
حاول ان يبتسم لكنه فشل فخرجت بسمته كتشوه انقبض قلبها له... زفر نفسه ببطء ليقول ما جهزه منذ وصلت الى هنا و عرف حالتها... لن يماطل او يحاول تجميل الواقع فبرغم كل شيء مُره يطفو و يغطي على اي حلاوة قد شعرها سابقا معها...
(حمدا لله على سلامتك...غسق انا)
ضيقت عينيها بتعب تنتظر ما سيقوله بشعور قابض فأكمل هو و كأنها مهمة ثقيلة يريد التخلص منها...
(انت فتاة رائعة مميزة ذكية و جميلة لن انكر اعجابي بك من قبل... كنت اتوقع ان تجمعنا حياة قادمة معا لكن بكل اسف لست هذا الرجل الذي سيتمكن من التغاضي عما صار لك...العيب ليس بك صدقيني فهو ليس ذنبك و لكني شخص صعب النسيان...لا استطيع...)
(اصمت)
صرختها العالية بصوت منفعل مهتز جعله يجفل للحظة...نظر في عينيها المتلبدة بغيوم سوداء و سحب متخمة بمطر غزير...حاول التقدم منها يهمس بترقب...
(غسق اهدئي رجاء... انا فقط اوضح لك حقيقة علاقتنا الغير مكتملة كي...)
(اخرج)
صرختها الآمرة الثانية تزامنت مع وضع يديها فوق اذانها تمنع نفسها من سماع المزيد من الخزي و الخذلان...كررت صرخاتها كلما تقدم منها و قد انسابت دمعاتها لتهدر فيه بعنف بعدما تراءى امامها حادث الامس...
(اخرج من هنا...اصمت و ابتعد عني...لا اريدك هنا اغرب عن وجهي...اخرج)
توتر رامي بقوة ليسرع ناحية باب الغرفة و يبتعد كما تريد...تحرك في الرواق بجسد متشنج من انتهاء هذه المواجهة التي لم تقوَ روحه على تحمل المزيد من الوقت دون ان ينهيها...و بجوار باب الغرفة وقف كرم يراقب ظهره المبتعد بعد تخليه عنها...صوت صراخها يلهب جسده و يزيد من رغبته الوحشية في الانتقام ممن سبب لها الاذى...ضعف و يعترف انه ضعف في ان يدخل و يراها في مثل هذه الهيئة...اخرج هاتفه يتصل بأريج بعدما سجل رقمها صباح اليوم لكن الاخيرة ظهرت في نهاية الرواق مهرولة تجاه غرفة صديقتها...توقفت امامه بوجه مضطرب ليقول هو بسرعة...
(ادخلي لها بسرعة)
اومأت و بحركات خرقاء دلفت...اسرعت لسرير صديقتها تتفحصها و قد صدق حدسها انهيارها قد حان...حقنت محلولها بمهدأ لتسرع تجلس جوارها و تضم جسدها العليل كروحها اليها...صرخات غسق كانت دامية و عقلها يذكرها بكل ما صار يخبرها بقسوة انها الحقيقة و لا مفر مما اصبحت به... اهتاجت لتصرخ في حضن اريج...
(رامي تخلى عني اريج...اخبرني انني لم اعد اليق به لأنني مغتصبة...لقد اغتصبوني اريج...اثنان كانا مخيفين هجما على الصيدلية و قاما....باغتصابي)
خفتت كلماتها الناحرة في قلبي اريج و كرم المستمع بالخارج بروح تفتت...ارتعشت اريج و هي تعيد جسد صديقتها للفراش تواسيها بكلمات لا فائدة منها ها هنا...
بالخارج صدح رنين هاتفه فتماسك بكل القوة المدخرة فيه ليرد على ايوب... انصت يستمع بحرص حتى تلونت ملامحه بمعالم القسوة و العنف حينما قال بأمر مخيف...
(خذه الى المخزن الشمالي... انا قادم ايوب)
صوت الامواج المتلاطمة يتعالى في سكون هذا الليل و خصيصا في مكان شبه مهجور كهذا...يقف أنور وسط بعض الحشائش النامية بعشوائية و العديد من اجزاء المراكب الهالكة ملقاة هنا و هناك...يضع يديه في جيبي بنطاله يراقب البحر امامه و صوت صراخ مكتوم يأتي من المخزن القديم خلفه... التفت بوجه نزق يراقب باب المخزن لا يعرف لمَ هم هنا و لماذا يفعلون هذا في اول يوم للعيد؟!!...اخرج يديه من جيبيه حينما خرج ايوب من باب المخزن بوجه غاضب تفلت منه سبات نابية قد تراجع عن قولها منذ زمن...اقترب منه بعدم فهم يسأله بتوجس...
(لمَ نحن هنا و لماذا صاحب الصيدلية بالداخل ايوب؟!)
فك ايوب ازرار قميصه ليمسح كفه الملطخ بدم في طرفه قائلا بصوت غامض...
(كرم يريد هذا)
ارتفع حاجب انور بدهشة ليقول ساخرا...
(اتفقنا يا عمي ان كرم يريد هذا و لكن لمَ؟!!!)
افلت ايوب طرف قميصه يقول بحدة غصبا عنه...
(لان هذا الخسيس بالداخل ارتكب خطأ فادحا و علينا تربيته)
اومأ انور متفهما يقول بتريث...
(نربيه عمي نربيه... و لكن اعرف السبب على الاقل لا ان اقف كالأطرش في الزفة هكذا)
زفر ايوب يوليه ظهره و كله رغبة في ان يدخل مجددا و يظل يلكم هذا النذل و بدلا من نزيف انفه يقتلع عنقه بيده...همهم بصوت محتقن
(لا اعرف السبب انا ايضا لكن طلب كرم ان نجلبه هنا يعني انه افتعل ما يستحق المخزن الشمالي)
رفع انور بصره يقلبه في المكان حوله...هذا المخزن المهجور الذي لم تعد تطأه قدم و باتوا يستخدمونه في تخزين اجزاء المراكب التالفة و ايضا تربية من يستحق التربية... لكن من يأتي هنا كمتهم يعني ان فعلته كبيرة لدرجة ان يتصرف كرم دون علم والده...فقط هم الثلاثة اتخذوا المكان هنا وسيلة لرضع اشباه الرجال لكنه في المرات السابقة كان يعرف الذنب الذي يجر مفتعله الى هنا ام الآن لا يعرف و ايوب يبدو يتكتم على شيء خطير!!...
صوت اقدام خلفهما جعلهما يلتفتا في لحظة واحدة ليواجها كرم المتحفز كليا...اتسعت عين انور بقلق و حالة كرم امامه لا تبشر بالخير هاجس واحد طن في باله ان الرجل بالداخل هالك فعليا...دون حرف واحد لهما اتجه كرم الى باب المخزن حتى بلغه لكن صوت انور اوقفه حينما سأله بتوجس كبير...
(كرم ماذا حدث بالضبط؟!... هيئتك تخبرني انك ستتهور بالداخل و هذا ما لم اسمح به!!)
وضعه لم يتغير للحظة واقفا موليا ظهره لصاحبيه يتمسك بباب المخزن...بعدما انتهى انور من حديثه تحركت يداه في اتجاهين مختلفين يفتح الباب الصدئ الذي اصدر صوتا مخيفا...خطى خطوة للداخل ثم توقف قائلا بنبرة محذرة خشنة...
(لا اريد دخول اي منكما مهما سمعتما من اصوات)
زاد توجس انور ليتقدم منه قائلا برفض قاطع...
(و انا لن اتركك تورط نفسك و اقف اشاهد!)
رفع كرم رأسه عاليا فظن انور ان صاحبه سيتعقل و لن يورط نفسه في امر يبدو عظيما لكن صوت كرم الذي خرج مستميتا و مصمما جعله يوقن بأن صاحبه هنا قاتل او مقتول...
(لا تدخلا فحسب)
استدار يغلق الباب خلفه لتكون صورة وجهه المخيف هي اخر ما يراه الصاحبان منه...نظر انور لأيوب يقول بقلق...
(يبدو ينوي شرا للرجل اخشى ان يموت في يديه... هل سنتركه ايوب؟!)
رغم قلق ايوب على كرم لكنه يقدر الموقف فها هو يغلي مكانه بسبب ما حدث لغسق فما بال كرم و قلب كرم؟!!!...نظر لصاحبه يقول بصوت ركن للهدوء
(كرم لن يتهور لا تقلق انور...فقط دعه يربيه بطريقته)
ضيق انور عينيه يناظر ايوب بعدم فهم ثم وجهها لباب المخزن المغلق يتمتم بصوت خافت...
(الله يستر و لا يثقل في تربيته فيُضيع نفسه)
بالداخل....
سحق الاخشاب الملقاة فوق الارض متخذا طريقا لهذا الذي تكوم ارضا يئن بصوت مكتوم... قبضتاه تكادان تنفجران من شدة تكورهما... قلبه يعصف و يعربد كحيوان مفترس مقيد امام فريسته... روحه تحترق و تسأله الثأر بوحشية رادعة مميتة... اقترب منه لينعكس الضوء الخافت المتسلل من الخارج على جسده المسجى ارضا...عيناه سيطرت عليهما الدكنة و شاع الغموض كلغة غير منطوقة تهدد بالفتك...لسان حاله يهمهم بحروف مشتعلة تلهب روحه المهتزة...
(توجع اكثر كما توجعت هي... دعني اسمع انينك كما سمعت انين روحها التي انتهكت بسببكم)
فتح الرجل عينيه ببطء يطالع هذا الجسد امامه...ضيق عينيه يدقق في ملامحه بهذا الضوء الخافت الذي لا يسعفه...همس بصوت مرتعد متألم...
(أهذا أنت يا كرم؟!...بالله عليك ما شغلي انا هنا؟!...لمَ سحبني اصدقائك الى هنا و قاموا بضربي؟!!)
جلس على عاقبيه فأصبح وجهه قريبا للغاية منه...ارتعشت اوصال الرجل بعدما تلقى هذه النظرة الغير مفهوم منها سوى الهلاك من عيني كرم...جال ببصره في المكان حوله يستصرخ جدرانه طالبا منها العون برعب دفين...صوت كرم الهادئ هدوء يسبب رجفة جعله ينظر له مزدردا ريقه بوجل...
(لمَ كذبت؟!)
تلعثم مرارا يجاهد كي يخرج صوته المهتز...
(لا...لا افهم!)
اكمل كرم بنفس اللهجة الهادئة رغم نظراته الصارخة و التي ازداد غموضها بشكل يخيف...
(ابنك ليس مريضا كما ادعيت)
جحظت عينا الرجل بشدة و قد زاد انفعاله فحاول الحركة لكن ضربات ايوب له الجمته...توجع بصوت مكتوم ليهمس بعدما ابعد عينه عن كرم...
(لا لقد...كان مريضا بالفعل)
الغيظ الذي كظمه بشق الانفس...التعقل الذي روض نفسه الوحشية عليه...التأني الذي سلكه طريقا كي يفهم القصة...و النيران التي اخمدها بصعوبة قاتلة داخله انفلت عقالهم جميعا...دفعة واحدة...
طحن ضروسه بضراوة يقترب اكثر منه حتى لفحت انفاسه الساخنة وجه الرجل فهمس بوحشية تلائم نظرة عينه...
(الكذب مجددا معي ليس مقبولا...لأنه سيضاعف العقاب)
خوفه من هيئة كرم استثار دموعه و كم كان مخزيا ان يتحدث ببكاء كطفل متسول...لكنه ليس بقادر على التصدي لهذا الرجل امامه...سيهلك بلا شك
(لا اكذب عليك ص...صدقني أنا... اقصد ابني كان مريضا و....)
خرس حينما التقفت كف كرم ياقة قميصه...حرك اصابعه ببطء عليها حتى وصل لعنقه يضغط عليه بقسوة مخيفة...شعر الرجل بالاختناق و لكن هذا الشعور كان هينا عن شعور الرعب الذي يبثه كرم في روحه هذه اللحظة...
(لماذا طلبت منها النزول في ذاك الوقت؟)
جاهد الرجل ليخرج صوته مختنقا مرتعبا يهمس..
(صدقني لم أكن اعرف انهم سيسرقون الصيدلية)
دكنة عينيه هلت بقوة ليسأله بصوت احتد بعنف...
(من هم؟!...ستخبرني بكل شيء)
هز الرجل رأسه بقوة يقول بتعب بدا عليه....
(سأفعل... فقط ابعد يدك عن عنقي انا اختنق)
صدره يهتاج فخرج نفسه مسموعا للرجل...صدره يعلو و يهبط بهدير مخيف...سيستمع لما اصابها مجددا سيدقق في كل تفاصيله مرة اخرى...سيموت ثانيةً ببطء غير رحيم...
(لقد هاتفني رجل لا اعرفه اقسم لك و طلب مني ان استدرج الدكتورة الى الصيدلية بعدما يخلو الحي كي تركب لهم دواء لأنها لو عرفت من البداية لن توافق)
ضيق كرم عينيه يسأله بعدم فهم مترقب...
(أي دواء هذا يتم تركيبه في هذه الأيام و يتطلب الامر كل هذه السرية؟!)
ابتلع الرجل ريقه برعب جلي...اليوم سينكشف المستور و يعرف ابن المراكبي انه يتاجر في الادوية المخدرة بغرض المال...لكن ان ينكشف هذا افضل من ان يقتله كرم لسبب مجهول لا يزال لا يعرفه...عقله استنتج ان غسق كانت عرضة لعيش موقف مخيف كسرقة الصيدلية من شباب مدمن...
(مخدر...يتعاطونه الشباب)
اتسعت عين كرم قليلا ليهدر به صائحا بغضب...
(اكمل لمَ توقفت؟!...لماذا يطلبون منك تحديدا هذا الطلب؟!)
(لأنني أمرر لبعضهم في الخفاء مثل هذه الأدوية)
بهتت ملامح كرم حينما استمع لمبرره...فأسرع الرجل يقول بنبرة عزز بها تردد المسكنة و العوز...
(الحياة صعبة للغاية و معظم سكان الحي يشترون الدواء بالتقسيط الشهري لظروفهم المادية...انا رجل مسؤول عن بيت و عائلة و راتبي الحكومي لا يكفيني اضطررت لفعل هذا كي ازود دخلي قليلا... الامر كان يحدث بصورة مستورة مع شباب معين كي لا ننكشف...لكني لا اعرف من اين عرف ذلك الرجل عني و بات يهددني انني لو لم افعل ما يريد و استدرج الدكتورة لفضحوا امري و ابلغوا عني الشرطة...كل ما فهمته انهم سيجعلونها تركب لهم دواء غير متداول في السوق و ليس هناك غيرها يستطيع فعله... لم اتخيل انهم سيسرقون الصيدلية و يرعبونها)
حاول الاعتدال فتأوه لكنه تحامل على وجعه ليهمس بصوت متوسل...
(هذه كل الحقيقة و الله و لولا خوفي ما كنت ارسلت لهم الدكتورة....ارجوك كرم دعني اذهب و لا تدمر مستقبلي فلدي عائلة تحتاجني)
بهدوء شديد وقف كرم و ابتعد عنه يوليه ظهره...صمت مطبق احتل خلفية المحزن المظلمة...ظن الرجل انه نجى و ان كرم قدر ظروفه و صدق حجته كي ينفد من هنا... لكن صوت انفاس كرم التي خرجت تدريجيا ارعبه...خافتة ثم مسموعة و بعدها هادرة بعنف يوازي التفاتته المفاجئة له و صوته الصارخ بهدير يصم الآذان كحال ركلات قدمه العنيفة التي يركل بها الرجل مرارا في كل انحاء جسده هاتفا بصوت مشتعل غاضب و مدمر...
(و ماذا عن مستقبلها هي الذي تدمر؟!!... ماذا عن عائلتها و ما فعلتموه بها؟!...ماذا عنها ها؟!...ايها الكلاب الأنذال... و الله لأدمركم جميعا)
صراخ الرجل تحت قدميه كان مخيفا و مرتعبا...يحاول بكل جهده احاطة جسده بيديه ليبعده عن كرم...توسل و تألم و هو يصرخ طالبا التوقف و العفو... لكن كرم لم يكن هنا و هل تبقى بداخله شبرا واحدا للعقل و التروي...توقفت ركلاته لينحني يلتقط الرجل من قميصه و يرفعه عن الارض قليلا...يناظره بأعين مشتعلة بينما يسأله بصوت مرعب...
(من هم؟!...صف لي اشكالهم)
هز الرجل رأسه بهستيرية يقول بصراخ متألم...
(لا اعرف و الله لا اعرفهم و لا رأيتهم من قبل)
اشتد غضبه فلكمه بعنف في وجهه جعل الرجل يخر ارضا بضعف...عاود كرم الامساك به يسدد له لكمات متتالية صارخا بزئير أسد استقبل جسده رمح صياد قاتل...
(لا تعرفهم و ارسلتها لهم...بعثتها لهم يا كلب خوفا على نفسك... ضحيت بابنة حيّك و اتخذتها درعا تختبئ بأفعالك الشنيعة خلفه...و الله في سماه لتدفعن ثمن ما اصابها)
صوت صرخات الرجل كان عاليا رغم ضعفه الكبير...بات يتذلل و يتوسل آملا ان تأتي نجدته من أي مكان فقط يفلت من تحت قبضة كرم...
بالخارج...
كان يحوم حول المخزن يستمع لصرخات الرجل المستغيثة بقلق...نظر اتجاه ايوب الواقف بعيدا بوجوم يستمع هو ايضا بصمت بدا له راضيا عما يسمعه!...اشتد صوت الرجل فدفع انور بأن يهدر برفض غاضب و قد اتخذ خطواته تجاه المخزن بينما يقول....
(لا و الله هذا يكفي الرجل سيموت!)
اسرع ايوب يهرول خلفه مناديا عليه لكنه لم يبالي...بل اكمل حتى توقف عند باب المخزن يدق عليه بقوة صائحا بعلو صوته...
(كرم افتح الباب و كف عما تفعله... كرم الرجل سيموت في يدك)
عدم استجابة كرم له اشعلت جنونه...يعرف صديقه جيدا و يعرف كم هو عنيفا قاسيا في قتاله... لولا ترويض قوته بحكمة و عقل و تربية سليمان له السديدة لكان كرم اشد الرجال بطشا في الحي...زفر بغضب مرتعب على صديقه فابتعد عن الباب قليلا يوليه جانبه ثم اندفع اليه بكل قوته يحاول كسره...مرات يفعلها و ايوب يحاول معه بعدما استبد القلق جوارحه على كرم...فُتح الباب ليهول انور و ايوب ما يفعله كرم...لقد اثخن الرجل بقسوة و عنف و لا يزال يضربه بعقل مغيب...ركض انور اليه ينحني يلجمه بين ذراعيه و ينزعه من فوق الرجل هاتفا بصوت آمر...
(ابتعد كرم و لا تجن!)
نجح في ابعاده عن الرجل لكنه فشل في ابعاد نظراته الحارقة له... اسرع ايوب ينحني يراقب الرجل و ما تركه كرم من جروح في جسده...بينما كرم خرج من بين ذراعي انور بصدر يلهث و جسد متحفز...هدر به انور بتوبيخ عنيف...
(ماذا فعلت يا كرم ها؟!... هل تود ان تُبتلى به؟!!...ماذا فعل هو لكل هذا اخبرني؟!)
ارتفعت عينا كرم لصاحبه ليهمس بصوت متقطع لاهث...
(فعل... ما يستحق عقابي... انور)
ابتعد عنهم متجها الى باب المخزن يقول بأمر قاطع ازداد غموضا حينما امتزج مع نبرة صوته اللاهثة المتقطعة...
(هذا الرجل لا تفلتاه حتى اطلب منكما بنفسي)
خرج من باب المخزن غير عابئ بنداء انور المتكرر له...التفت انور يطالع ايوب الذي جلس جوار الرجل ارضا بأعين متعلقة بالفراغ صامتا...اتجه اليه انور يؤشر على الرجل قائلا بتساؤل مترقب...
(الآن ستخبرني عن فعلته ايوب... الآن يجب ان اعرف ما جرمه ليخرج كرم عن ثباته و يتقاتل بقسوة لم نرها حتى في مشاجراتنا مع ابناء السمري!!!)
رفع ايوب بصره له ينظر اليه طويلا حتى قال بصوت خاوٍ....
(أذى كرم بشدة فاستحق قسوة كرم في الايذاء)
حركت المفتاح في قفل الباب لينفتح و تدلف شقتهما معا...نظراتها كانت مشتتة و هي تراقب الظلمة القابعة في الشقة...أليس هنا؟! إذًا لماذا طلب منها الحضور و لماذا جعلها تتحجج لوالدتها التي باتت تشك في امرها؟!...اغلقت الباب خلفها و تقدمت خطوات للداخل تنادي عليه بهمس مترقب...
(داغر أنت هنا؟!)
الصمت كان اجابتها لفترة حتى صدح صوته من غرفة النوم...
(بالداخل تعالِ)
نزعت وشاح رأسها و تركته مع المفتاح فوق المائدة المتواجدة في منتصف الصالة...اتخذت خطواتها الى الغرفة و الضيق يلازمها فهذه الطريقة التي يطلبها بها و خططها البالية التي تحتمي بها كي تأتي اليه كل هذا يشعرها كونها فتاة لا ثمن لها و ليست امرأة متزوجة...حسمت امرها بأن تتحدث معه في امر زاجهما المؤجل...ان اخبر سليمان بنيته في زواجها مؤكد لن يرفض إذا وافقت هي!!...فتحت باب الغرفة ليقابلها الظلام مجددا فعقدت ما بين حاجبيها بتوجس...تحسست مكان مصدر الضوء بينما تهمس بتساؤل...
(داغر لمَ تجلس في الظلمة؟!)
وصلها صوته و للعجب كان متعبا في نبرته متهالكا في كلماته...
(لا تشعلي الضوء...فقط تعالِ)
ضيقت عينيها تتحس الطريق اليه نحو السرير و قبل ان تصل اصطدمت قدمها بجسده الجالس ارضا...شهقت بجزع و قد هالها جلوسه الغريب هنا لكنه لم يمهلها الوقت فسحبها من يدها لتستقر جواره و يحتل الصمت خلوتهما...صبرت و انتظرت و عقلها يضع الكثير من التوقعات لما حدث له و جعله ساكنا هكذا...من يجلس جوارها الآن ليس داغر الذي تعرفه و ربما هي لم تعرفه بعد!!...حركته جعلتها تلتفت اليه بسرعة لتتسع عيناها و هي تراه يتزحزح بجسده ارضا حتى استوى نائما واضعا رأسه فوق حجرها...ضربات قلبها عصفت بقوة و مشاعرها اختلطت بين خوف و ترقب و ذاك الشعور الذي غرسه فيها دون غيره من الرجال...لا تدري أهو حب أم لا!!...ترددت مرات قبل ان ترفع يدها و تمررها في خصلات شعره بحركات متتالية...صوت انفاسه الهاربة من صدره جعلها تتوقف خوفا من ازعاجه لكنه رفع كفه يلتقط كفها بسرعة و يعيده بين خصلات شعره قائلا بنبرة خافتة...
(لا تتوقفي...)
اومأت برأسها طاعة له و عادت تستكمل ما تفعله لفترة طالت بينهما...همهمت بتساؤل قلق من حاله فقد ظنت انه طلبها رغبة بها كالعادة...
(ما بك؟!)
ظنت انه لن يجيب لكنه ازال الصمت بصوت بدا لها هامسا...و كأنه تناسى وجودها و يُحدث نفسه بما يجول بداخلها...
(لماذا دوما لست محبوبا؟!)
باغتها بسؤاله فأربك تفكيرها للحظات لكنها تماسكت لتبث نعومتها الغير مقصودة في حركة اصابعها بين خصلات شعره و تهمس بصدق....
(ربما انت شخص غامض و مخيف لكن من يقترب منك و يعرفك جيدا يجد ان داخلك مختلفا عما يظهر للناس... ربما لو عرفك الناس كما عرفتك سيتفهمونك)
وتيرة انفاسه تسارعت و قد شعرت بها فحاولت الانحناء لتراقب جسده لكنه ركن للهجة السخرية المخيفة حينما سألها...
(و من قال لك انك عرفتني جيدا؟!)
توترت انفاسها و عاد خوفها منه يحتلها...تلعثمت و هي تفسر كلماتها ببراءة لا تليق مع شخص مثله...
(انت عرفتني عليك داغر و اريتني قلبك)
فلتت منه ضحكة صغيرة متهكمة ليهمس بعدما رفع ذراعه يضعه فوق عينيه...
(يا لك من غبية!)
سألته بترقب مميت و قد ثلجت اوصالها من رده العجيب...
(ماذا تعني؟!)
تنهد بصوت مسموع تنهيدة ثقيلة الاحساس...يطرد معها مشاحنته مع والده و كرهه لتصدر سلطان الصورة بعد مظهر و ترقبه لاستكمال خطته بعدما تمكن من غسق...انتظرت رده بفارغ الصبر و قد جاء باردا لا يطمئن خوفها بمقدار ذرة...
(قلبي لم و لن يراه احد هدير...فلا تظني انك تعرفينني ابدا)
ابتلعت ريقها بقلق و كادت تسأله مجددا لكنه سبقها بالقول الآمر...
(اصمتي و دعيني انام فأنا متعب جدا)
بعد فترة...
فتح عينيه يتأمل الظلام حوله بدهشة في بادئ الامر...اعتدل من نومه لتصطدم يده بجسد هدير الغافية في جلستها المستندة على الحائط...ضيق عينيه متذكرا ما حدث و كأنه كان غير واعيا لكل ما فعله و قاله...زفر بضجر من حالته التي انفلتت من عقالها و لا يعرف هذه الغافية ماذا ستظن عنه؟!...راقب وجهها بريء الملامح و قد انعكست عليه اضواء الشارع المتهربة اليهما من نافذة الغرفة...طالت نظرته بصمت و من دون ان تتغير ملامحه الثابتة على حالة الجمود...استند بكفيه ارضا ليستقيم واقفا يدلك خلف رأسه بألم...لقد اوجعته من نومته هذه فما بال هي...انحنى اليها يرفعها بين ذراعيه و يتجه بها نحو السرير يضعها عليه ببطء...اشرف عليها من علو يراقب نومها المسالم في شقته...الفتاة تشعر معه بالأمان كما وعدها به دوما...لكن هو اكثر الناس معرفة بنفسه فأمانه خوف و حبه كره...ابعد ناظره عنها ليشرد في الفراغ الداكن حوله و لكن كلماتها اخترقت مسامعه حينما اخبرته انها تعرفه!!...تحرك مبتعدا عن السرير قاصدا الحمام لكنه توقف عند نهايته ليجذب طرف الغطاء و يضعه فوق جسدها...دون حرف دون تغيير تعابير وجهه اتخذ طريقه للحمام... بعد خروجه اشعل الضوء الجانبي للسرير و فتح درج الطاولة الجانبية يخرج منه علبة هاتف جديد بدلا من الذي تحطم... خرج للصالة و جلس ارضا يخرج الهاتف و يُفعله ثم وضع بداخله بطاقة الذاكرة التي منحها له حكيم...انتظر ثوان ليكتمل التحميل و بعدها ضغط زر عرض الصور...عيناه انفرجتا على اخرهما و هو يقلب فيهم بصورة مصدومة!!...انفاسه اهتاجت بغضب ليعتصر هاتفه بين قبضته هاتفا بعدم تصديق غاضب مخيف...
(ماذا فعل هؤلاء؟!!!)
فتح هاتفه مجددا يبحث عن اسم حكيم فيه حتى وصل له فضغط اتصال و لسانه لا ينفك عن صب اللعنات عليهم و على غبائهم...
(حكيم ما الذي افتعله هؤلاء الاغبياء؟!...انا طلبت منهم صورا تؤثر سلبا على سمعتها فما هذا الذي اشاهده؟!)
وصله صوت حكيم الهادئ يقول...
(ما بك داغر طلبت صورا تنهي على سمعتها و ها هي بين يديك)
صاح فيه بغضب مدمر يقول...
(صور حكيم و ليس اغتصابا...اللعنة عليهم لقد اهدروا كل تعبي و صبري لأنتقم من ابناء المراكبي...ما فعلوه سيجعل خطتي تذهب سدى بل كل خططي يا حكيم كلها أتفهم؟!!!)
صمت حكيم قليلا ليسأله بعدها....
(لا افهمك داغر لماذا ستذهب خططك سدى؟!!... ليس مهما الطريقة التي اتخذوها الفتاة تدمرت سمعتها و هذا المهم)
سبه داغر بلفظ مهين جعل انفاسه تتصاعد وتيرتها بغضب مماثل... لكن داغر لم ينته و هو يصيح فيه...
(جد لي هؤلاء الشباب في الحال)
رد عليه حكيم بصوت مقتضب...
(لا اعرف لهم طريق فهم يختفون بعد ما يفعلونه كي لا يصل لهم احد)
هتف فيه آمرا بصوت مخيف...
( تصرف و جدهم... لو تدخلت الشرطة لن ارحمك حكيم و لن ارحم هؤلاء الاغبياء الذين ارسلتهم لي)
اغلق معه الخط يضغط على شعر رأسه بقوة مهمها بسبات متتالية...احتد غضبه فأطاح كرسي المائدة بقوة يغمغم بلعنة...
(تبا لك حكيم و لهم)
خرجت هدير من الغرفة بوجه مفزوع فهالها مظهره المخيف...التصقت بالباب تهمس بتساؤل
(ماذا حدث داغر؟!)
نظرة عينه لها كانت غريبة فجعلتها تنكمش على نفسها...بينما هو يخوض معارك طاحنة في عقله هامسا لنفسه بغضب...
(لقد ربطت نفسي بزواج مع من ستكون زوجته كي لا أثير الشك حولي حتى يتم مرادي... و الاغبياء يضربون ضربة قاضية لمجرد فتاة يحميها اردت ان اكسر انفه بها ليس اكثر... تبا اغتصاب!!!)
اهتاج مجددا ليلتفت للطاولة يركل كراسيها واحدا واحدا بينما يهتف بصوت مسموع مخيف...
(لن اسمح لخططي ان تضيع لن اسمح بأن يوقفني احد ابدا)
ارتعشت هدير في وقفتها و كلماته تثير بداخلها الرعب من كل شيء... عن اي خطط يتحدث هو؟!...
على الجانب الآخر...
دس حكيم هاتفه النقال في جيبه ثم رفع بصره تجاه اخيه سلطان يقول بوجه راضٍ...
(لقد شاهد الصور و عرف ما حصل)
ظلت ملامح سلطان هادئة فسأل اخيه...
(و كيف كان؟!)
فلتت ضحكة مستخفة من حكيم فقال...
(كمن ضل الطريق في ليل عتم)
بسمة جانبية صغيرة مرتاحة للغاية ارتسمت على ثغر سلطان فقال بتشفي...
(دعه يتحسس سبيل الرجوع اعمى البصر و البصيرة... بالتأكيد سيتخبط و يتعرقل و تنفرط منه حبال اللعبة كلها)
ازدادت ضحكة حكيم متفهما مقصد أخيه قائلا بتمني...
(و حينها سنسحب الحبال و نصنع منها طوقا غليظا يعتصر عنقه حتى يلفظ انفاسه الاخيرة)
اومأ سلطان بهدوء يقول...
اغلقت باب غرفة غسق و الهاتف فوق اذنها تتحدث بصوت خافت مع والدتها المتذمرة...
(لقد اخبرتك امي لدينا حالات طوارئ و الامر استدعى بقائي)
صمتت تغمض عينيها التي ذبلت كثيرا و بهتت كحال وجهها كله...ابتلعت ريقها الجاف تهمس بتعب...
(حسنا امي الليلة سأبيت في البيت ان شاء الله لا تقلقي)
رفعت وجهها تنظر في الرواق بينما تستمع لصوت والدتها الموبخ حتى لمحت داليا تمر...اسرعت تقول لوالدتها بنبرة عجولة...
(كما تريدين امي...يجب ان اغلق الآن الى اللقاء)
وضعت هاتفها في جيب معطفها و اتجهت ناحية داليا بوجه مقتضب توقفها قائلة...
(داليا انتظري... اردت الحديث معك في شأن هام)
توقفت داليا تناظرها بترقب رغم يقينها من فحوى الحديث... سحبت اريج نفسا عميقا لتقول بعدها بلهجة حادة...
(أ من أخلقيات المهنة ان نذيع سر المرضى للغير؟!... لماذا اخبرتِ دكتور رامي عن حالة غسق بأي حق تفعلينها؟!)
عقدت داليا ذراعيها فوق بطنها تقول بلهجة عادية...
(لقد اخبرته لانهما قريبان من بعضهما و هذا ما لاحظه المعظم مؤخرا هنا... اي انني لم ابلغ غريبا عما حدث)
توهجت عينا اريج بغضب لتقول بلهجة ساحقة كل معتقدات داليا...
(ليس هناك اي صلة قرابة بين غسق و دكتور رامي يا داليا ما تقولينه يعيب غسق جدا...لقد اخطأتِ و ابحتي لنفسك اذاعة سر مريضة ليست من مرضاك حتى!!)
فكت داليا تشابك ذراعيها تهمس بحرج في محاولة لحفظ ماء وجهها...
(لست مخطئة اريج ثم ان حالة مثل حالتها لن يفيد الكتمان فيها شيء فكل المشفى ستعرف عما اصابها فور وصول الشرطة و بداية التحقيقات!)
خفت الوهج المدافع بشراسة من عين اريج لتتهدل اكتافها و تتلعثم قائلة...
(لن تأتي الشرطة)
ضيقت داليا عينيها بعدم فهم فهمست بتساؤل فضولي...
(ماذا يعني؟!)
رمشت اريج اكثر من مرة و توارت عن نظرات داليا لتهمس باختناق...
(غسق ترفض ابلاغ الشرطة)
فلتت كلمات داليا المندهشة عالية و هي تستهجن من رد فعل المجني عليها...
(ماذا؟!!!... هل صديقتك واعية لما تفعل؟! ألا تريد استعادة حقها و الانتقام ممن فعلها؟!!)
تغضنت ملامح اريج برفض من تصميم غسق على التستر عن الحادث فقالت...
(هذا ما تريده هي داليا لقد حاولت معها مرارا لكنها مصرة على عدم ابلاغ الشرطة)
اسرعت داليا تضع فرضيات تبرر بها رد فعل غسق العجيب في موقف لو قاتلت بكل روحها لينال الجاني عقابه سيقف معها العالم كله...
(ربما هناك من يهددها فخافت من ابلاغ الشرطة!)
هزت اريج رأسها نفيا تهمس...
(غسق ليست من النوع الذي يرتدع بسبب تهديد لكنها تخشى على والديها إذا عرفا)
همهمت داليا بتعاطف حقيقي...
(هذا امر سيُكشف حتما إذا لم يكن الآن سيصبح فيما بعد)
احنت اريج رقبتها للأسفل بهم ثقيل لكنها لم تلبث حتى رفعتها سريعا حينما طرحت داليا سؤالها الذي لا يشغل عقل اريج سواه...
(و ماذا بشأن تقرير المشفى بالتأكيد ستبلغ الإدارة الشرطة؟!!)
زفرت اريج بتعب تنظر حولها بترقب و حينما تأكدت من خلو المكان همست برجاء مستميت...
(لا يجب ان يخرج التقرير من هنا كحالة اغتصاب داليا)
بتفهم شديد همست داليا مقرة حقيقة وصلت لها عبر رجاء متخفي من اريج...
(ستغيرنه اريج... لكن ماذا لو اكتشف الامر؟!)
اسرعت اريج تقول بنفس النبرة الراجية...
(لا احد سيعرف فالحمد لله المشفى ليس بها الكثير من العاملين او الاطباء بسبب عطلة العيد...و رجاء متوسل مني داليا لن تفلت منك اي كلمة عن حالة غسق)
تنهدت داليا تقول برفض للمبدأ نفسه...
(صديقتك تهدر حقها و انت تساعدينها على ذلك... عموما اطمئني انا لا اعرف اي شيء عن حالتها و لكن يجب ان تدركي الموقف مع رامي و الممرضة المسؤولة عنها)
اومأت اريج بقلب ينفطر على رغبة غسق الغير مقبولة تهمس بخفوت....
(سيوافقان و رامي تحديدا سيفعل كي يكفر عما فعله بها)
استندت على باب الغرفة بعد ذهاب داليا...مغمضة العينين مثقلة الروح و التفكير...سحبت عدة انفاسا متتالية تتخلص عبرهم من هذا الكابوس الذي حل عليهم من لا مكان...وقع اقدام قريب منها جعلها تعتدل في وقفتها و تتجه بعينيها نحو مصدرها ليظهر لها كرم بوجه غير مقروء الملامح...قلبت بصرها تتفحصه بتعجب كبير فملابسه لا زالت كما هي لقد ظنت انه سيعود لبيته و يعاود المجيء...صوته كان مرهقا للغاية و هو يسألها عنها...
(هل استيقظت؟!)
وقفت قبالته تومئ برأسها قائلة...
(نعم منذ أكثر من ساعة لكن...)
حينما توقفت اوجس خيفة فتحفزت ملامحه يسألها بقلق غير مستتر...
(لكن ماذا؟!!!)
اسرعت اريج بشرح الموقف لتقلل من قلقه هذا...
(اقصد انها لا تزال مصممة على عدم ابلاغ الشرطة غير انها منذ استفاقت و هي تدعي انها بخير و ان ما اصابها هو حادث معرض له الكثير من الفتيات...رغم الدموع المحترقة في عينيها تخبرني انها قادرة على الوقوف مجددا و استكمال الطريق!!!)
مسحت فوق وجهها بتعب تكمل له ما حدث...
(الامر الذي تعرضت له ليس بهين مطلقا على اي فتاة لكنها تتلبس قوة ليست تملكها اصلا...و حينما عرضت عليها استشارة طبيبة نفسية رفضت بشدة تؤكد انها ستتأقلم مع الوضع حتى لا يشعر بها والداها!!!... اي هراء تفعله غسق بحالها لا اعرف؟!!... من يتعرضن لحالات اغتصاب يعانين و هي تتجلد كيف بحق الله؟!)
فلتت دموعها فضعف صوتها و هي تهمس...
(غسق تختار الطريق الخطأ تماما...تهدر حقها و تتعامل مع الامر كأنه وخزة ابرة!!...تتحامل و تكتم بداخلها ما يهيج به صدرها و هذا كله ضدها هي بالنهاية...سيأتي يوم و ينفجر كل ما تحاول كبحه!!...علينا تقويمها و منحها كل الامان لتبلغ الشرطة نستطيع ان نجعل الموضوع سريا و لن يعرف والداها ايضا)
رفعت عينيها اليه تستشف رد فعله لكن صمته المريب اخرسها...يقف يناظرها بأعين نصف مغلقة و وجه تجمدت ملامحه على وضع الغموض...مسحت دموعها ببطء تخبر نفسها انه في نهاية المطاف ليس مهتما بما حدث هو مجرد غريب شهم وقف مع صديقتها حتى الآن...لكن ماذا سيفعل اكثر لها هل سيساندها لتأخذ حقها ممن فعلها بها؟!...تبدو تعبت و توتر اعصابها جعلها خرقاء في تفكيرها هي فقط تتلمس الدعم لها و لغسق في اي شخص...رنين الهاتف قطع تفكيرها لتتبع يديه و هي تمتد في جيب بنطاله يخرج هاتف غسق و يمده لها قائلا بخفوت...
(هذا هاتفها وجدناه في الصيدلية...والدها لا يكف عن الاتصال )
اسرعت اريج تلتقط منه الهاتف و تنظر في شاشته المكسورة إثر سقوطه...صورتها المتعرجة فوق شاشته اوجعت قلبها بعدما تخيلت اي مقاومة حاولت ان تقاومها غسق بالأمس...ابتلعت ريقها بتوتر و قد ارتعش اصبعها و هي تتجه به نحو الهاتف و تسحب زر الفتح لتجيب على والد غسق...هذا الاب الذي لا يعرف ما اصاب ابنته من كارثة!...
(السلام عليكم هذه انا اريج عمي ثروت...غسق بخير لا تقلق فقط سقط منها الهاتف بالأمس و تكسرت شاشته و قد ظنناه تعطل)
اغمضت عينيها بقوة تستمع لصوته المرتعب على ابنته و كأنه يشعر بما اصابها...فتحتهما فجأة تنظر لكرم طالبة العون و قد تلعثمت قائلة...
(لا هي بخير لكنها ليست هنا... هاتفها معي لأنه...لأنها ذهبت مع ديما تشتري واحدا آخر)
كورت قبضتها جوارها تدعي الله ان تنطلي عليه كذبتها...انتظرت تستمع له لتقول بعدها...
(عندما تصل سأجعلها تهاتفك عمي لا تقلق... نعم بخير صدقني انا معها)
ابعدت الهاتف عن اذنها بسرعة و قد اتعبها الكذب عليه...الرجل قلبه قلق على ابنته و هي ماذا ستفعل بحق الله كي تطمئنه؟!...تاهت في غياهب تفكيرها حتى اخرجها صوت كرم المرهق...
(دعيها تهاتف والدها كي يطمئن)
الغرابة احتلت عينيها لتهمس بتعجب...
(غسق ليست في حالة تسمح لها بالحديث مع احد و بالأخص والدها!!)
سحب كرم نفسا عميقا و قد تعلقت عيناه على باب غرفتها هامسا...
(قلتي انها تدعي القوة لأجل والديها لذا ستقوى على فعلها...انا اثق بها)
زفرت اريج بتعب تنظر في ساعة معصمها لتقول...
(لا يجب ان نشجعها على ما هي فيه بالمرة... عموما سأفعل لربما انفك حصار روحها و تركت لها حرية التعبير عما يضيق به صدرها)
اومأ بصمت و عيناه لا تزال معلقة على باب غرفتها...همس روحه المتردد بوعد متعلق في رقبته ليوم الدين سيعيد حقها و لو كلفه عمره...
بعد ساعتين...
دلفت اريج لها و بيدها الهاتف تتقبض عليه بقلق...لقد تجهزت لرد فعل غسق إذا حدثت والديها...لن تكون قاسية و لكنها تتمنى ان تصرخ صديقتها و تبكي لا ان ترسم قوة واهية و تواجه بها العالم!!...اقتربت منها تهمس ببسمة مرتعشة...
(غسق حبيبتي كيف حالك؟!)
نظرة خاوية كانت الاجابة فتنهدت اريج بوجع لتقترب اكثر تمسح فوق غطاء رأسها البلاستيكي قائلة...
(اعرف انك لست بخير مطلقا غسق و اعرف ان فاجعة كالتي مررت بها ليست سهلة عليك لذا دعيني اساعدك لتخرجي منها...دعيني اتمسك بيدك لأنك تحتاجين المساعدة و لا ترفضي و تدعي التحكم بزمام الأمور!)
شفتاها الجافتان همستا بخفوت مرتعش...
(سأتعايش اريج يمكنني فعلها)
زفرت اريج بحزن تهمس بصوت مختنق...
(التعايش لا بد ان نمهد له حبيبتي...لا يصح ان نخبئ الاوساخ تحت غطاء ابيض دون ان نزيلها قطعا سيتلوث منها و يعكر صفو الحياة!!)
زادت وتيرة انفاسها لتهتف في صديقتها بصوت حاد رغم ضعفه...
(يكفي اريج و دعيني انسى بمعرفتي)
حوقلت اريج بهمس رافض ثم مدت لها يدها بالهاتف تقول باقتضاب...
(والدك يتصل منذ زمن و يسأل عنك)
سرعة التفاتة غسق و هذه النظرة التي ترمق بها الهاتف اوجعت قلب اريج بقوة...خزي و خذلان و كثير من الوجع تمتلئ به حدقتيها... ارتعشت كفها و هي تمتد نحو الهاتف تأخذه و تهمس بصوت اختنق بغصة البكاء...
(ماذا قلتي له؟!)
اخبرتها اريج عن حجتها الواهية كي تطمئن والدها...راقبت عيني غسق الغارقة في بحر دموعها لتسرع قائلة..
(هل ستتمكنين من مهاتفته فعلا؟!!... لو تحبين ان نأجلها سنفعل)
الهاتف في يدها تنظر لانعكاس صورتها المشوه عليه بضعف...هي باتت هكذا صورة معيوبة تخيف الأعين و تقبض الروح...تقسم ان هذا الوجع في صدرها لم تكن تؤمن بوجوده من قبل...نيران تشتعل بداخلها و تغلي غليان مميت...هزت رأسها بنعم لترتعش اصابعها و هي تتجه الى زر الاتصال... مواجهة لا مفر منها غسق...موت ملاقيك اينما ذهبتي فأين ستهربين؟!!...رفعت الهاتف فوق اذنها و كل رنة تصلها تقع وقع الصخر فوق قلبها..
(غسق)
صوت والدها المتلهف الذي تسلل لروحها جعلها تغمض عينيها بقوة تأمر بتجبر نفسها ألا تذرف الدموع...يدها تحركت لفوق حجرها تتشبث بملابس المشفى و نداء والدها يتكرر بلهفة قلقة...ارتعشت كلها تجاهد ليخرج صوتها مبحوحا بندائه له...تستنجد به عبر كلمة واحدة "أبي" تتوسل بأن يعود ليضمها اليه ان يلامس كل جروح جسدها بيده التي لطالما داوت جراحها لتلتئم جروح روحها بعد ذلك...
(حبيبتي هل انت بخير طمئني قلبي عليك؟!)
سالت دموعها بحسرة على ما مرت به...هي اضعف من ان تتحمل و تكابر...اضعف من ان تتعايش و تعاند...اضعف من ان تنسى ما مرت به امسا...هي هشة لدرجة ان الرياح اذا مرت عليها ستسحقها...اسرعت تكتم شهقتها و صوت والدها المضطرب يصلها فيزيد من بكائها... منحت نفسها بضع لحظات تتمتع فيهم باللجوء لملاذها الأبدي...ابعدت يدها عن فمها لتنفرج شفتاها و تهمس بحروف آسفة اختلطت بدموعها ..
(آسفة أبي...آسفة لأنني خسرت شيئا عزيزا)
صوت والدها الذي اتسم بعدم الفهم وصلها حانيا...
(هل تتأسفين لأجل الهاتف!!...لا يهم حبيبتي اعرف انك تعتزين بهداياي و هذا الهاتف غالي عندك لكن فداء لك ألف هاتف...سأبتاع لك غيره لكن لا تبكي غسق)
زادت دموعها الصامتة و قد اتعبها كتم صوت البكاء...اهتاج صدرها بأنفاسها المتألمة لتهمس ببكاء...
(لكن هذا لا يمكن تعويضه أبي...سامحني)
رجاء والدها احرق روحها بقوة حينما هتف بخوف...
(غسق لا توجعي قلبي عليك ما بك حبيبتي؟!)
زفرت انفاسها بتعب و الثقل يزداد فوق قلبها بلا رحمة...
(اشتقت لكما أبي)
(سنعود حبيبتي نهاية هذا الأسبوع...فقط أيام و نعود ان شاء الله و لن نتركك بمفردك ثانيةً ابدا)
جملته الأخيرة كانت وعده بالعودة و عدم الترك مجددا... لكن هل تصبح الوعود ها هنا وعودا؟!...لقد خسرت كل شيء يستحق الوعد لأجله!!... سقط الهاتف من يدها فوق السرير فرفعت ساقيها تضمهما لصدرها و تبكي بصوت مسموع...اسرعت اريج بضمها اليها بقوة و قد فشلت في كبح دموعها هي ايضا...
و عند الباب الغير مغلق تماما كان يقف يراقب و يستمع لكل حرف... عيناه تلبست سواد الفقد و اسدلت ستار غموض الحداد على عزيز فقد... ليست وحدها من تعاني و يشهد الله على قلبه المتألم...
تستند على اطار الشرفة الداخلي تراقب البحر بأعين توهجت برونق خاص و مميزا تعكس ضوء الشمس...بلوزتها الزرقاء ذات الحملات العريضة تلائم بنطالها الجينز و تظهر تناسق جسدها... شعرها مفرودا حول كتفيها بنعومة جعلت عيناه تتعلقان بها ببسمة حانية محبة... اتجه نحوها بهدوء يقف جوارها واضعا يديه في جيبي بنطاله قائلا بهمس حنون...
(تراقبين البحر و تلألأ اشعة الشمس عليه بانشداه يجعلني اقضي عمري الباقي اراقبك بلا توقف)
ابتسمت برقة فهمست دون ان تنظر له...
(لأول مرة ارى البحر بهذا الصفاء)
التفت بجانب جسده اليها يبتسم قائلا بنبرة مداعبة...
(عيناك لا يمكنهما ألا يريا غير النقاء فلك)
تنهدت بصوت خافت لتقابله في وقفتها و تبتسم بشكر هامسة بخجل تصيبها كلماته به...
(شكرا لك... على كل شيء)
اتخذ خطواته نحوها ليمد كفه و يلامس جانب وجهها يحرك ابهامه عليه صعودا و هبوطا قائلا بحب تقرأه هي بسهولة...
(لا تشكرينني حبيبتي...لو بيدي ما كنت تركتك تعانين يوما)
هذا الشعور بالدعم و الحنان الدافئ منه يلائمها... هذا ما تريده حنان يحاوطها و شخص يراها بكل عيوبها فلك... شخص يجردها من رداء ابنة هيام و من عملها الذي ذاقت فيه الويل و الهوان... اغمضت عينيها تحرك وجنتها داخل كفه براحة عجيبة تمكن من زرعها في روحها... سمعت ضحكته الخافتة ففتحت عينيها بحرج تبتعد عنه و تسبل اهدابها ارضا... ابتسم بحنان فتقدم ليعيد كفه لمكانه مجددا فوق وجنتها قائلا بنبرة رقيقة شغوفة...
(مهما حصل لا تبتعدين فأنا لا اصدق انك هنا معي فلك... و لا تخجلين او تشعرين بالحرج ابدا)
ناظرته بعينيها الساحرة ببراءة متلهفة للمزيد... بتفهم شديد لها اكمل بحب اصاب قلبه منذ رآها...
(لا تعرفين ماذا تفعل بي عيناك او ملامسة وجهك الجميل... كلك فلك تحركين بي ما ظننته مات منذ عمر طويل... انت مكافأة الزمن لي و كم اتوق شوقا لتحبينني كما افعل انا)
احمرت خجلا فأبعدت عينيها عنه... زواجهما مر عليه أيام فقط و كما وعدها يغمرها بالحنان و لا يطلب منها المقابل حتى تشعر بأنها تريد منحه له... ظنته سيختلق الاسباب ليتقرب منها و لكنه يتقرب بطريقة اخرى... طريقة افتقدتها هي طويلا... هذا الرجل يمنحها كل شيء بلا توقف او مقابل... هذا الرجل مختلف كثيرا عن الجميع... اغمضت عينيها و قد احرقتها الذكرى القريبة لأيوب... لقد كان الوحيد القابع في قلبها كشخص تكن له حبا من نوع مختلف... لكن طارق بات قريبا جدا من قلبها في ايام اجاد احتلال مكانة تحتاج لسنوات... هل هو الاحتياج لما يقدمه لها السبب في سرعة شعورها بهذا الوئام نحوه؟!...لا تعرف هي فقط تشعر بالرضا بل الكثير منه و لا يهم اي تفسير الآن...همسه المازح وصل مسمعها بكل رقة حرمتها منها الحياة يوما...
(تبدين في ابهى صورك بوجنتيك الحمراوين...سأدللك كثيرا إذًا لأراهما دوما)
رفعت عينيها اليه بتمهل لتستقبلها عيناه الحانية...تطلعت في وجهه بنظراتها الكسيرة فأوجعه ان يراها مجددا في عينيها و قد اقسم ان يمحوها...مال على وجهها يلثمه ببطء متنعم بها بين يديه هامسا بصوت يشعرها بأنها غالية...
(ابعدي عن عينيك المميزتين هذه النظرة فلك... و سامحيني لتأخري كل هذا الوقت حتى قابلتك... يا ليت منحني الزمان فرصة لقياك من قبل يا ليت ساعدني على محو كل ما في قلبك من وجع حبيبتي)
ارتعشت بخجل من قبلاته الناعمة و ألم مما يذكرها به...نعم طارق يا ليت التقفتني من اروقة الحياة منذ زمن...يا ليت منحت قلبي كل هذه السكينة التي لم يشعرها مع غيرك... يا ليت كنت هناك دوما جوار فلك الصغيرة تحميها حتى من نفسها...نفسها التي ظلمت معها رجلا طيب القلب كأيوب حينما طمعت و انهالت من بحر حبه لها و هي اكيدة انها لن تعوضه او تمنحه ما يريد...ابتلت رموشها بدمعاتها فأغمضت عينيها بضعف اصابها في قلبها...لحظات و شعرت بشفتيه تلتقطان دموعها من فوق عينيها هامسا بحرارة رغم تأكدها من مغزاها لم تنفر منها كعادة الرجال قبله..
(دموعك تحزنني فلك اقسم لك...لا مزيد من البكاء حبيبتي انا بت هنا لأجلك)
شعرت بحركة شفتيه تترحلان فوق وجهها حتى بات قريبا للغاية من شفتيها...التزمت وضع الثبات و الترقب لا تعرف ما عليها فعله معه...هو ليس كالبقية لكنها ليست اكيدة من رغبتها هي... صوت رنين هاتفها ابعده عنها فتنفست بحرية كبيرة...ابتعد نحو الطاولة يلتقط الهاتف و يعود به لها قائلا ببسمته الدافئة...
(انها والدتك... سأخرج اجري اتصالا تحدثي معها بحريتك)
اومأت له بوجه خجول تتبعه بعينها حتى خرج...زفرت نفسا مرتعشا مما كان سيحدث لولا اتصال امها...اتجهت لداخل الشرفة تفتح الخط بتثاقل و تستمع لحديث امها الذي يعاد منذ ليلة زفافها!...
(لماذا تأخرت في الرد؟!...هل قاطعتكما عن فعل شيء؟!)
تمسكت بسور الشرفة تقول بتأفف...
(اطمئني لم تقاطعيننا عن اي شيء)
صوت والدتها الحاد جعلها تبعد الهاتف عن اذنها قليلا...
(مجنونة أنت يا فلك أليس كذلك؟!...حتى الآن لم تمنحي زوجك حقوقه يا غبية!!...إذا صبر عليك الايام الماضية لن يصبر فيما بعد...لا تختبري صبر الرجال في هذا الامر بالذات يا مجنونة... يا الهي لربما زهدك و تزوج غيرك!!!)
اعادت الهاتف الى اذنها تهمس بصوت فاتر...
(ألم يكن زواجي هو شغلك الشاغل هيام؟!...لذا لا تتدخلي في حياتي بعدما حققت حلمك لك)
صرخت بها هيام بحدة...
(و هل هذا الحلم تحقق لي وحدي يا فلك؟!... انا انصحك و انت هبلاء لا تقبل النصيحة... اجعلي الرجل يذوب فيك يا ابنة هيام اربطيه جوارك بدلالك و نعومتك وقتها ستضمنينه في جيبك و سيحقق لك كل شيء)
تطلعت فلك الى البحر امامها تهمس بخفوت ضجر...
(هل انتهت فقرة نصائحك الذهبية؟!...إذا نعم اغلقي الخط هيام و دعيني و شأني)
وبختها هيام بحديثها اللاذع لتقول بعدها...
(تعجلي فلك في اتمام هذه الزيجة حتى تعودا للقصر لقد سئمت من العيش في الحي و انتظركما)
هزت فلك رأسها متفهمة سر رغبة والدتها الملحة في اتمام الزواج لتسألها بسخرية...
(و ما الذي يمنع هيام عن العيش في القصر حتى نعود؟!)
تأففت هيام بتعب تقول باستهانة مقصودة لتفكير ابنتها...
(ألم اخبرك انك غبية!... هل تريدين مني الذهاب للعيش مع ابنته المجنونة دون وجودكما و الله اخشى ان تقتلني فهذا ليس ببعيد عنها)
شردت فلك في البحر امامها تفكر في شكل حياتها بعد العودة... ميرنا لن تتركها في حالها بالمرة...لقد دخلت عش النحل و لكنها لا تعرف هل ستتحمل لدغاته ام لا...نداء والدتها المتكرر اخرجها من شرودها لتسرع هي بإنهاء المكالمة...
(لقد عاد طارق سأغلق الآن)
ادخلت هاتفها في جيب بنطالها و عقلها يعاود الرجوع لمحطة ابنة طارق...الفتاة بالتأكيد ستذيقها الويل و لكن طارق وعدها بأن كرامتها من كرامته و لن يطولها أذى...ابتسمت بسخرية تهمس بخفوت شارد...
(هل ستعقدين رهانا جديدا فلك ألا يكفي خسارة رهان أيوب هل ستتحملين خسارة رهان طارق إذا تخلى عنك و التزم صف ابنته؟!!)
شهقت بفزع حينما ضمتها يداه من الخلف هامسا في أذنها باعتذار رقيق...
(آسف افزعتك لكنك كنت شاردة للغاية و لم تسمعي ندائي)
تحركت داخل يديه تقابله بوجهها طويلا...هل حقا ستعقدين رهانك فلك بهذه السرعة؟!... يبدو ستفعل كمن يلعب بأخر ورقة معه إما يكسب كل شيء او يخسر كل شيء... و كدعوة خفية ينطقها قلبها الذي تعب الخسارة بأن يصيب رهان طارق و يخلف ظنونها السيئة...ازدردت ريقها بقلق لتهمس بعدها بخفوت وجل و قد تضرجت وجنتاها بالخجل...
(طارق... الليلة يمكننا ان نتمم)
تعثرت حروفها و الخجل يبلغ مبلغه منها...برقيه و حنانه شدد من ضمها يسألها بثبات حنون...
(هل انت واثقة؟!)
اومأت له بعدما اسبلت اهدابها بخجل جعله يقربها من صدره يربت فوق ظهرها و كأنه يمنحها وعدا بألا تخاف...
في المساء....
احكمت غلق مئزرها الحريري حول جسدها تخبئ قميص نومها القصير...زفرت انفاسا مرتعشة و قد تجمدت اوصالها خوفا و ترقبا...كان يجب ان تتروى في هذا الامر لقد تسرعت بالموافقة... كادت تبكي بتوتر فاتجهت الى باب الغرفة تتنصت له في الخارج...لقد خرج قبل قليل مانحا إياها فرصة التهيؤ و التأكد مما تريد...زفرت بحنق من نفسها لتتجه الى الخزانة المتواجدة جوار الباب تضرب رأسها فيها مرات متتالية تهمس بتوبيخ لنفسها...
(متسرعة و غبية يا فلك...غبية...غبية...غبية)
الضربة التالية لم تلامس فيها جبهتها الخشب بل لامست كفه الذي وضعه بين رأسها و الخزانة...ابتعدت بخطوات متفاجئة من تواجده تنظر له بأعين متسعة متوترة...تقدم منها بهدوء يسألها بقلق...
(لماذا تضربين رأسك هكذا فلك؟!... دعيني أرى لربما تضررت جبهتك!)
الصدمة الجمتها و سببت لها حالة من الخرس المؤقت...تركته يتفحص وجهها كله كما يشاء ترمقه فقط بنظرات خاطفة جاهزة لأي رد فعل منه...تحركت كفاه من وجهها الى كفيها يلتقطهما بين كفيه لكن ارتعاشهما اصابه بالخوف الحقيقي عليه...
(يا الهي يداك ترتجفان جدا!!!)
همست بعصوبة دون ان تنظر له...
(أنا متوترة قليلا لذا هما ترتجفان)
ابتسم بتفهم يسحبها معه نحو السرير و يقف بها قبالته...ترك كفيها ليحاوط كتفيها و يرسل في لمسته كل الحب و الأمان لها هامسا...
(لا تخافي فلك انا لن اؤذيك مطلقا حبيبتي)
هزت رأسها موافقة بتيه و توتر...شعرت به يزيح مئزرها فتصاعدت درجات ترقبها لعنان السماء...ازاحه بهدوء و قد سحرته بقميصها الملائم لنعومتها العذبة...مال يقبل وجهها بحنان في محاولة متكررة منه بألا تخاف...ارتجفت تحت يديه فالتفتت توليه ظهرها و تتنفس بصعوبة قلقة...اغمضت عينيها حينما تحركت يده فوق كتفيها بلمسات رقيقة لكنه توقف مصعوقا حينما استمع لصوت بكائها...ادارها اليه يتطلع في وجهها المرتعب هامسا اسمها بعدم تصديق...
(فلك!!)
شهقت ببكاء فرفعت يدها تخبئ وجهها عنه و تهمس بصوت يلامس صميم قلبه...
(آسفة طارق أنا مرتعبة من هذا الأمر... صدقني حاولت ان اتجهز له كثيرا لكن ما مررت به سابقا يحاوطني الآن... أنا ابدا لن اكون جاهزة لإتمام هذا الأمر اعذرني)
هدأت روحه و خفت خوفه عليها قليلا...حرك يده بلا بأس قائلا بحنان...
(حسنا حبيبتي لا تبك... سأفعل ما تريدين)
زاد بكاؤها فأصابه بالألم عليها...حاول التربيت فوق كتفها لكنها ابتعدت للخلف تتحدث بصوت يعاني...
(لماذا لست مثلهم؟!!... و لماذا ليسوا هم مثلك؟!... لماذا يعاملونني و كأنني دمية معروضة للبيع مباح النظر لها و لمسها كما يشاؤون...لماذا يفعلون بي هذا و كل ما طلبته من الدنيا مأوى يضمني اليه و يشعرني بالحنان...لقد كرهت نفسي و كرهت جمالي كرهت كل شيء... كل شيء طارق!!)
اسمه الخارج بوقع الألم من بين شفتيها جعله يهرول اليها يحتوي انفلات اعصابها بين احضانه...شدد من ضمها اليه يهدهدها بحنان تواجد في قلبه لها مذ رآها...
(لست دمية فلك بل انت فتاة ذات كبرياء و عفة... لست ابدا كما يرونك بل انت غالية حبيبتي)
تشبثت بقميصه تهمس بخفوت باكٍ...
(لا تكن مثلهم ابدا طارق فلم يبقَ في الحياة لي غيرك)
قبل مقدمة رأسها بحب قائلا بأمل ان تستجيب ليصلح ما افسده الناس بداخلها...ليزيل عنها غبار الحياة و يريها جمالها...ليبرهن لها انها ليست دمية بل فتاة تستحق الاحترام...
(دعينا نمحو الماضي فلك... دعيني آخذك الى فلك التي احببتها...هذه الجميلة البريئة ذات الأعين الآسرة)
انحنى يرفعها عن الأرض بين يديه يناظرها بوعود عديدة اشعرتها حقا بالأمان...اغمضت عينيها و قد سمحت له بأن يريها من هي فلك التي تشتاق لمعرفتها... لقد سئمت كره نفسها و حان وقت ان تحبها لترتاح...
فتحت عينيها ببطء بعدما شعرت بثقل يده التي حاوطتها...وجهت نظراتها اليه تراقب ملامح وجهه المستريح... لا تصدق ان طارق تعامل معها بكل هذا اللطف و الحنان...لا تصدق بأنها كانت غير مستنفرة عكس كل توقعاتها في ليلة كهذه...طارق وعد فأوفى و كم كان وفائه نعمة لها!!...طوق نجاة منحها إياه القدر لتعيش و تهرب من هلاك موج بحر الحياة... تزحزحت بجسدها اليه لتستند برأسها على صدره... اغمضت عينيها و لأول مرة تشعر بأنه بات لها ها هنا مكان...فلك المنبوذة دوما وجدت وطنا جديدا يأويها من الدنيا...
...يتبع...