رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثالث عشر 13 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل الثالث عشر:
إبتلع فارس ريقه من ردها القوى و الحصرى .. و لكنه أفاق على ضمة مهاب إليها ... و بعدها أشار للمصور أن يلتقط إليهم صورا جماعية ... و بالفعل إستعدوا ثلاثتهم و إلتقط إليهم صورا مجنونة و طفولية و فارس يتابعهما فى صمت و تفكير شديد .
فى آخر صورة لهم ... وقفت غزل بجور مهاب و فارس بالجهة الأخرى. تطلعوا بعدسة التصوير مباشرة و عند إلتقاط الصورة .. تحركت رأس فارس و عينيه ناحية غزل بإبتسامة هادئة هائمة .. لم ترها هى و لكن إلتقطتها العدسة ...
و ما أن إنتهوا حتى عادت للوقوف بجوار جدتها و متابعة رقص رامى و أصدقائه ...فلاحظت نظرات عاليا لرامى و قد فطنت بمشاعرها تجاهه .. لم تنكر أنه رغم شعور التنافر بينهما إلا أنها أشفقت عليها .. و لكن هذا الإشفاق تحول لغضب عندما إصطدمت عاليا بها أثناء مرورها بجوارها .. عن عمد ..
تأوهت غزل من كتفها بينما قالت لها عاليا بغضب :
- مش تفتحى يا عامية .
رفعت غزل حاجبها بتعجب و قالت بضيق :
- أنا اللى أفتح .. ده أنا واقفة و إنتى اللى كنتى ماشية .
إبتسمت عاليا بسخرية و قالت بإزدرء :
- إتكلمى بأدب يا بت إنتى .. إنتى مش عارفة أنا مين و لا إيه .
تنفست غزل مطولا و قالت بهدوء تحسد عليه :
- أنا علشان مؤدبة مش هرد عليكى .
ضحكت عليا ضحكة عالية ساخرة و قالت بهمس مشتعل :
- إوعى تفتكرى علشان الحربايتين بنات خالتك إتجوزا أخويا و إبن عمى إنه هتبقوا زيكوا زينا .. ﻷ فوقى لفوقك ... العين عمرها ما تعلا على الحاجب فاهمة .
مررت غزل أناملها أسفل أنفها و هى تدارى ضحكاتها و قالت ساخرة :
- إيه جو فيلم الأيدى الناعمة ده .. ده إنتى على قديمه يا بنتى .
صكت عاليا أسنانها و إقتربت منها و قالت بتحدى :
- أنا فهماكى كويس على فكرة .. عاوزة تكملى المسلسل اللى لعبوه الحربايتين علشان توقعى العوو .. بس هو مش زى حمزة و لا رامى و لو وقعتى إنتى تحت إيده هيفرمك .. فإبعدى عنه أحسن .
تطلعت بها غزل مطولا قبل أن تقترب منها و تقول بحدة و إبتسامة ماكرة :
- أنا الوحيدة بقا اللى فهماكى كويس .. إنتى النار بتاكلك لأنك شوفتى حبيب القلب يوم فرحه و هو مع مراته اللى بيحبها و بيموت فيها .. و الغيرة مخلياكى مش شايفة قدامك .
إبتلعت عاليا ريقها بتوتر و قالت متلعثمة :
- إنتى .. إنتى تقصدى مين ؟!
إبتسمت غزل بمكر و تطلعت صوب رامى .. ثم عادت بعينيها لعاليا التى تحاول جاهدة أن تخفى عينيها من غزل .. ملست غزل على ذراعها بإشفاق و قالت "ببعض" من التعاطف :
- أنا لو مكانك هحس باللى إنتى حاسة بيه .. بس إنتى مركزة مع واحد سابك .. و ناسية اللى واضح إنه بيتمنى التراب اللى بتمشى عليه و بيحبك بجد .
لاحظت غزل تجهم وجهها و ظهور الحزن جلى على قسماته .. فتنهدت مطولا و أردفت قائلة بهدوء :
- جوزك بيحبك .. إوعى تخسريه علشان وهم .. ده طول الفرح عيونه عليكى .. زى ما يكون بيتمناكى و إنتى معاه .. حبيه لأنه يستاهل .
تركتها غزل و إبتعدت .. عادت عاليا بعينيها لرامى .. فبكى قلبها لا عينيها و هى ترى نظراته لليال .. لماذا لم يشعر بها .. لماذا تركها تتزوج و تبتعد عنه .. و لماذا عشق ليال من الأساس ؟
إقترب منها عامر و قال بقلق من هيأتها :
- مالك يا حبيبتى .. البت دى زعلتك فى حاجة .. أنا واخد بالى من وقفتكم بس ما حبتش أتدخل .
زفرت عليا بضيق و إنفجر كل الغضب و الحزن و القهر بداخلها بوجهه قائلة :
- و إنتى بتبص عليا ليه أصلا .. ليه مراقبنى كأنى ههرب منك .. ما تركز فى حاجة تانية غيرى يا أخى .
قطب عامر حاجبيه بضيق ثم تنهد مطولا و قال بهدوء :
- طب إهدى بس .. مالك مش على بعضك بقالك فترة .
ضمت كفيها كاظمة لغيظها و قالت بحدة :
- هو إيه اللى أهدى إنت شايفنى إتجننت و بشد فى شعرى .
مرر أنامله بشعراته بضيق و قال بتعجب :
- ما بقتش فاهمك أوقات تبقى كويسة معايا و أوقات تتحولى .. أنا تعبت و زهقت .. إتحملت نرفزتك و طولة لسانك علشان بحبك .. بس ملعون ده حب يا شيخة .
إنتبهت أخيرا لنظرات الحزن بعينيه و كلماته ... فأردف هو قائلا بنبرة قاتمة :
_ أنا راجع شرم لو عاوزة ترجعيلى هستناكى لآخر يوم فى عمرى .
ثم صمت قليلا مستلهما الصبر وأردف قائلا :
- و لو عايزة تطلقى .. أنا مش هجبرك تعيشى معايا غصب عنك تانى .
صفعها بكلماته على عقلها المُغبر بشبح حب قديم و تركها و إبتعد .. هل ما سمعته صحيح .. هل طلب منها أن يحررها و يطلقها .. أم ما سمعته مجرد وهم .. تطلعت إليه و هو يمضى مبتعدا عنها .. تلاحقت أنفاسها و شعرت بخزى لم تشعر به من قبل .. لأنه تحمل منها مالا يتحمله بشر .. أهكذا تقابل حبه و حنانه بكل هذا الجفاء و الخيانة ..
توقفت قليلا عند كلمة .. خيانة .. نعم فهى تخونه .. مجرد تفكيرها بغيره و هو زوجها يعد خيانة .....
لم تستطع المقاومة أكثر و أسرعت ورائه .. بحثت عنه فرأته جالس بلوبى الفندق المقام به العرس مطأطأ رأسه بحزن .. إقتربت منه و قالت بخجل :
- أنا آسفة .
رفع عينيه صوبها .. فرأت عينيه ممتلأة بدموع محجوزة داخلهما .. و وجهه أحمر .. فزادت دقات قلبها حزنا على حالته .. و جلست قبالته و قد إنهمرت دموعها التى سجنتها طوال اليوم ..
طالت بينهما النظرات .. و لامت نفسها كيف لم تقدر ذلك الحب و إحتفظت بداخلها بأوهام أرهقتها و أخذت منها أكثر ما أعطتها .. كفف عامر دموعها برقة و قبل مقدمة رأسها .. و قال بحنو :
- أنا اللى آسف .. سامحينى .
إبتسمت بهدوء و هزت رأسها و قالت بتعجب :
- إنت إزاى كده .
ضحك قليلا و قال بسخرية :
- أنا عادى على فكرة .. بس البعيدة عامية .
إبتسمت بخفوت ... فقبل كفها و قال برقة قد سمعتها كثيرا و لكنها أول مرة تشعر بها :
- بحبك يا مجنونة .. و نفسى تحسى بيا و تحبينى نص الحب اللى بحبهولك .
إعتدلت فى جلستها و فكرت قليلا و مدت يدها نحوه و قالت بعملية جادة :
- أنا عاليا صبرى السعيد .
تطلع ليدها الممدودة ثم مد يده هو الآخر و قال بإبتسامته الهادئة :
- عامر السيد .. و معجب بيكى جدا .. و أتمنى تبقى مراتى و أم ولادى ... ها موافقة .
هزت رأسها و قالت بضحك :
- أنا كمان حاسة بشوية مشاعر ناحيتك .. و بتهيألى كده ممكن أحبك .
تطلعت إليه مطولا و قالت بتنهيدة عابثة :
- هو أنا قولتلك قبل كده إن عنيك حلوة قوى .
أجابها بإبتسامة هادئة و هو يقترب منها :
- ﻷ ما قولتيش .
وقف و جلس بجوارها و قال هامسا :
- إيه رأيك نحجز أوضة فى الفندق ده .. و نقعد لنا يومين هنا .. يعنى شهر عسل جديد .
إحمرت وجنتيها خجلا .. و قالت بإستسلام :
- اللى تشوفه .
فصاح قائلا بنبرة عالية قليلا :
- حبيب قلبى .. و يخرب بيت عيونك يا عاليا شو حلوين .. عيونك .
ضحكت ضحكة عالية بتلقائية ... فإنتبهوا على نظرات الجميع إليهم .. تنحنح عامر قائلا بخجل :
- أنا بقول نرجع الفرح تانى .. و لما يخلص نحجز ... تمام .
وقفت عاليا بخجل و قالت بإبتسامة لعوب :
- تمام .
و تركته و إبتعدت و هى مبتسمة براحة لم تشعر بها من قبل .. إبتسم عامر بشوق و قال بسعادة :
- أخيرا .. بركاتك يا آنسة غزل .
إنتهى العرس و ودعت ليال جدتها و غزل بدموعها .. و إنصرفوا جميعا خلف العروسة و حينما إقتربوا من القصر تفرقوا و توجه رامى و ليال .. و حمزة و ميناس للقصر .. بينما عاد الجميع للحارة .
توقفت سيارة العروسين بداخل حديقة القصر أمام بوابته الكبيرة .. تركهم السائق و غادر .. ظلت ليال على حالها ترفض الترجل من السيارة و تريد العودة لجدتها .. حاولت معها ميناس و لكنها كانت مصرة .. حتى قال لها رامى ليطمأنها :
- طب إنزلى هنقعد شوية عند حمام السباحة .. و لما تبقى جاهزة هنطلع لجناحنا تمام .
راقت لها الفكرة و ترجلت من السيارة .. سارت خطوتين فحملها رامى مسرعا و قال بضحكة شريرة :
- ضحكت عليكى يا لولو .. منورة بيتك يا شابة .
ضحكت عليهم ميناس و تبعتهما لداخل القصر .. حاولت ليال التخلص من رامى و لكنه أحكم قبضته عليها فقالت بضيق :
- نزلنى بقا الكل بيتفرج علينا .
غمز لها بعينه و قال هامسا :
- ما يتفرجوا .. خليهم يتعلموا الحب مننا .
إبتسمت بخجل و ورات وجهها عنه .. إقتربت منهم ميناس و قالت بمكر :
- أجى معاكى يا ليال أساعدك فى الفستان و الطرحة .
أجابها رامى مسرعا :
- شكرا .. خليكى فى جوزك إنتى و أنا هبقى أساعدها .
ضحكت ميناس عليهما و قالت بيأس :
- مبروك يا عرسان .
صعد رامى الدرج و عيونه تلتهمها بصورة زادت من نوبة توترها .. و هى تتخيل ما ينتظرها من ذلك المجنون الثائر ....
- تعالى معايا ساعدينى أغير هدومى .
قالها حمزة لميناس .. فإلتفتت برأسها ناحيته و أومأت برأسها و قد زاد تعجبها من تصرفاته الغريبة عليها .. دفعت الكرسى بهدوء لداخل غرفته .. و أخرجت منامته و وضعتها على فراشه .. فقال لها مسرعا :
- تعالى قربى منى يا ميناس .
زادت دقات قلبها و توترت أنفاسها من طلبه الغريب .. و الأغرب نظراته الملتاعة عليها .. و نبرته الهامسة الدافئة ... إقتربت منه فجذبها من ذراعها لتسقط على قدميه جالسة حاوطها بذراعيه و قال بإبتسامة عابثة :
- كنتى حلوة قوى النهاردة .
لم تصدق أذنيها .. و إزدردت ريقها بصعوبة .. و هى تتطلع لعينيه .. و سألته بتعجب :
_ أنا ... أنا كنت حلوة .
لامس ذقنها برقة و قرب وجهها منه و قبل شفتيها بهدوء قاتل .. أغمضت عينيها و هى تشعر برجفة خفيفة بجسدها لقبلتها الأولى .. شعور لا يوصف لأول مرة تختبره فتحت عيناها و قد زادت دقات قلبها .. فهمس بالقرب من شفتيها :
- أنا عاوزك معايا النهاردة .
دلف رامى بليال لجناحهما الخاص .. فأنزلها على قدميها و هو يحاوط خصرها بيديه .. حاولت أن تتملص من بين يديه و لكن دون جدوى .. إبتسم على محاولتها للهروب منه و قال مداعبا :
- مالك يا عسلية مش ده اليوم اللى حلمنا بيه كتير .. إهدى بقى .
عقدت حاجبيها و قالت بحنق :
- إنت ضحكت عليا يا رامى .. قولتلى هنقعد شوية تحت و كذبت .
رفع وجهها بأنامله و هو يتأمل حسنها قائلا :
- مش عاوز حد يشاركنا أول لحظات لينا مع بعض .. و باعدين ممكن أطلب منك طلب .
أومأت برأسها موافقة .. فأردف قائلا بهدوء :
- ممكن تغيرى الفستان و تتوضى و تيجى نصلى ركعتين مع بعض .
إبتسمت براحة و قالت بإنصياع :
- حاضر .. دقايق و هجيلك .
و دلفت غرفتهما .. فوجدته يتبعها لداخل الغرفة .. فقالت بخوف :
- جاى هنا ليه ؟!
ضحك ضحكة عالية و هو يتابع خوفها و خجلها .. ثم قال ببساطة :
- هاخد بيجاما .. و لا عوزانى أفضل بالبدلة .
توجهت للخزانة واخرجت منها منامة له و أعطته إياها .. أخذها و خرج و أغلق ورائه الباب .. حاولت تهدأة نفسها .. و جلست أمام مرآتها تنزع طرحتها و حجابها .. ثم وقفت و حاولت جاهدة سحب خيوط الفستان من الخلف حتى نجحت .. خلعته عنها و إرتدت إسدالها و توضأت و خرجت بهدوء أشار إليها رامى على إتجاه القبلة و وقف إمام وبدأ الصلاة ..
إرتاحت كثيرا وهى تقف ورائه و هو إمامها .. و ما أن إنتهت الصلاة حتى إلتفت ناحيتها و عقد ساقيه و وضع يده على رأسها و قال ( اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا وأن تجمعنا فى الخير و لا نتفرق إلا للقائك ) .
آمنت دعائه .. فسألها برقة و هو يربت على كفها :
- أنا جعان جدا .. إيه رأيك نتعشى سوا .
ردت بإبتسامتها الرقيقة :
- حاضر يا حبيبى .
وقفا و إتجها لطاولة الطعام و التى كانت تحتوى على شتى الأطعمة .. جلسا سويا و بدأ رامى فى إطعامها بيده حتى تطمئن له .. و تحدث معها عن ما دار بعرسهما من مواقف مضحكة و هى تضحك على مزحاته و بشدة حتى تناست قلقها ..
وقف و قال فاقدا صبره بعدما أنهوا طعامهم :
- تعالى معايا يا لولو يالا .
إرتعبت و رمشت بعينيها بسرعة وقالت بتلعثم :
- عاوز إيه ؟!
إجتذبها من يدها و قال بهدوء كاذب خادع :
- قومى بس تعالى هقولك حاجة مهمة جدا .
وقفت و هى ترتعد من قلقها فإحتضنها بذراعه و حاوط كتفها و قال بهدوء :
- حاسك خايفة قوى يا ليال .. هو أنا قد كده بخوفك .
ردت ليال مسرعة :
- ﻷ طبعا .. بس مش عارفة قلقانة ليه .
أوقفها أمامه و قال و هو يتطلع إليها بحب :
- عارفة يا لولو .. أول مرة شوفتك و إنتى راحة الدرس و حاضنة كتبك و عاملة شعرك ديل حصان والشمس زودت من لونه الدهبى .. حسيت إنى قلبى وقع فى رجليا .. فسألت فارس مين البنت دى فقالى دى ليال جارتنا و إياك تفكر تأذيها .. من ساعتها و عنيا ماشافتش غيرك .. حتى فى الجامعة كان ليا أصحاب بنات كتير بس إنتى كنتى حاجة تانية فى حياتى .. حبك فى قلبى غريب قوى .. و ياريتك تحسى بيا .
تنهدت مطولا و قالت هامسة :
- يا ريتك إنت تعرف أنا بحبك إزاى .
وكأنها أشعلت فتيل صبه فلم يمهلها وقتا و مال نحوها بسرعة و قبلها بكل شوق السنين التى تمناها بها حتى أصبحت ملكه .. ذابت بين يديه و كأنه سحرها و لم تشعر بنفسها و هى تبادله مشاعره .. إبتعد عنها قليلا و صاح بكل قوته و بصوت عالى جدا :
- بحببببببببببك .
وصل صوته لحمزة و ميناس و اللذان لا تقل حالتهما عن رامى و ليال .. إبتعد حمزة عن ميناس و ضحك قائلا :
- يا إبن المجانين يا رامى .
ضحكت ميناس هى الأخرى بخجل .. فعاد لشقاوته معها و كأنها ليلة زفافهما أيضا .. كانت ميناس تعلم جيدا أن ليلتها ستنتهى نهاية حزينة و لكنها إندفعت خلف مشاعرها و رغبتها معه .. فتلك اللحظات الثمينة لن تكرر كثيرا ....
إستمرت لحظاتهم الحميمية .. فقالت و هى تلتقط أنفاسها من عمق قبلاته دون وعى منها :
- بحبك .
تطلع إليها حمزة بقوة و سألها بإبتسامتة المشاغبة و التى عشقتها كما عشقته :
_ قولتى إيه .
فقالت مسرعة و كأنها تريح كتفيها من حمل ثقيل أنهكها لسنوات :
- بحبك .. و الله بحبك .. و علشانك ممكن أعمل أى حاجة .. بس أبقى معاك .
إحتضنها بقوة.. و عاد لقبلاته الساخنة .. ساحبا إياها لعالم لم تختبره من قبل .
بعد فترة من الوقت قبل رامى جبهة ليال و هى نائمة على صدره .. و همس لها قائلا :
- ده الجواز ده طلع حاجة ملوكى قوى قوى .. بس إنتى إيه طلعتى صاروخ .
إبتسمت بخجل و هى تلملم شعراتها الذهبية العابثة .. ثم رفعت عيناها و تطلعت لرامى بحب و قالت برقة :
- ربنا يخليك ليا .. إنت ما تعرفش إنت غالى عليا إزاى .
إستنشق عبير شعراتها و قال بمشاغبة :
- وإنتى كمان يا عمرى أغلى حاجة فى حياتى كلها .. بقولك إيه هو الكلام هياخدنا و مش ها .... .
قاطعته قائلة بجدية :
- رامى .. أنا تعبانة وعاوزة أنام .. done .
صاح بها قائلا بحدة :
- هى غزل ورايا ورايا حتى فى سريرى .. لا لن أسمح .
ضحكت و إستندت على صدره بذقنها و قالت بدلال :
- طب هتسبنى أنام بقا .
هز رأسه نافيا و قال بصوت رائق و متسلى :
- ﻷ يا عسلية مش هسيبك ده أنا عندى كلام كتير قوى عاوز أقولهولك و مش ناوى أنسى حرف منه .
دفعها بعيدا عنه بقوة .. و صفعها على وجهها و قال بغضب هادر :
- إطلعى بره .. و إياكى تفكرى ثانية فى اللى حصل بينا .. ده كان لعب عيال و إنتهينا ... مفهوم .
وضعت ميناس يدها على وجنتها متألمة من صفعته المباغته .. ثم وقفت و إرتدت فستانها و خرجت تركض لغرفتها باكية .. جذب حمزة كرسيه و إرتدى بنطاله و جلس عليه و حطم كل ما طالته يده من شدة غضبه .. فعجزه و شلله يقتله .. توجه ناحية شرفته و تطلع بالسماء و قال بحرقة و ألم :
_ سامحنى بقا يا رب أنا تعبت .. كفاية بقا .. كفاية .
تنفس بصعوبة و قد نهج صدره و سأل نفسه بضيق لما إنصاع لرغباته المكتومة .. لحب أرهقه .. و هو يعلم أنها ستتركه يوما ما .. حتى و لو كانت تعشقه .. إشتعلت عينيه و لملم شعراته فى عقدتها و هو يفكر بجدية ... إذا ... فليتركها هو أولا .
فى الصباح دلفت دنيا غرفة غزل و أيقظتها .. جلست غزل بفراشها و قالت بإرهاق :
- سبينى نايمة شوية يا دنيا هموت من تعبى .
إقتربت منها دنيا و قالت بخوف :
- أصل .. أصل يعنى .
تسلل القلق لقلب غزل وصاحت بها قائلة بذعر :
- بتقطعى ليه قلقتينى .
فقالت لها دنيا بحزن :
- أصل ستى رأفة تعبانة قوى و مش راضية تبين لحد .. بس دلوقتى .....
إتسعت عينى غزل و وقفت مسرعة و ركضت لغرفة جدتها .. فوجدتها ممدة و وجهها شاحبا و تتصبب عرقا .. أحضرت جهاز الضغط و السكر و عاينتها فعلمت أنها فى حالة إحتضار و أن أجهزتها بدأت تفقد قدرتها على العمل بشكل طبيعى خرجت مسرعة من غرفتها و إنهمرت دموعها .. ثم تذكرت فارس فركضت ناحية غرفتها و حملت هاتفتها و هاتفته وإنتظرت تى أتاها صوته ... فقالت بصراخ مؤلم :
- إلحقنى يا فارس تيتة بتموت .
مرت أيامهم سريعة على البعض.. و بطيئة على أغلبهم .. فلم تتحسن حالة رأفة .. و ظلت على حالتها و غزل لا تتركها حتى بدأت تذبل من إهمالها لنفسها و هى على أمل أن تتخطى جدتها محنتها و تعود إليها بحنانها و دفء حضنها .. وقف أحمد بجوارها و قال بقلق من شحوب وجهها و الإرهاق البادى على ملامحها الثائرة :
- لازم ترتاحى شوية يا غزل .. حرام عليكى نفسك .
لم تجبه .. ربما لم تعد تمتلك الكلمات أو ربما نفدت طاقتها و هى لا تقوى على تحريك شفتيها لتتحدث .. ربتت سالى أيضا على يدها و قالت بقلق :
- أحمد عنده حق يا غزل لازم ترتاحى شوية بقالك أربع أيام على الحالة دى .
أومأت رأسها نافية و هى تتأمل ذبول جدتها بفراش الموت .. فهى على يقين أنه لم يبقى لها سوى ساعات بهذه الدنيا المؤلمة .. كيف ستتحمل العيش بدونها .. و تحرم من حنانها و إبتسامتها الحالمة ...
نعم هى فترة قصيرة التى جمعتهما سويا .. و لكن حنان جدتها و حبها شملها بدفء غريب كانت فى أشد الإحتياج عليه .
شعرت بالملل و هى جالسة بمفردها .. فجلست بجواره على الفراش و حركته قائلة بضيق :
- رامى .. قوم بقا كل ده نوم .. أنا جعت .
تململ فى نومته و تمطأ بكسل و إبتسم و هو يتابع غضبها اللذيذ و الذى يدعوه للإنقضاض عليها و إلتهامها دفعة واحدة .. و لكنه تحكم فى أفكاره الجامحة و قال بإبتسامة عاشق :
- يا صباح العسل والشهد عليكى يا عسلية .
إبتسمت بمكر و هى تقرأ لهفته عليها بعينيه ثم إعتدلت فى جلستها و أشاحت بالغطاء من عليه و قالت بحزم :
- قوم يالا خد شاور علشان ننزل نفطر تحت .
جلس و إستند على وسادته و جذبها من ذراعيها لتستقر فى حضنه .. ثم قال بمداعبة :
- و ننزل ليه بس .. أنا مش عايز أشوف حد غيرك .
إبتعدت عنه و هى ترمقه بنظرات غاضبة .. ثم قالت بضيق :
- أنا زهقت من القعدة فى الأوضة و هننزل نفطر تحت معاهم لو سمحت.
أومأ برأسه موافقا و قال و هو ينهض من الفراش :
- حاضر جهزى نفسك و ننزل سوا .
أشرفت ميناس بنفسها على طاولة الإفطار و حرصت على ألا ينقصها شئ .. فهذه أول مرة سيتناولون الإفطار سويا .. و يجب أن يكون كل شئ على ما يرام .
هبطا العاشقين الدرج و هما فى قمة سعادتهما .. إستقبلتهم ميناس بإبتسامتها البريئة و إحتضنت ليال و قالت بفرحة :
- مبروك يا عمرى .
قبلتها ليال فى وجنتها و قالت بخجل :
- الله يبارك فيكى .
جلسا على السفرة و أخبرت الخادمة حمزة فخرج إليهم و إقترب من الطاولة وقال مرحبا :
- إيه ده العرسان مشرفنا على الفطار .
فقال رامى بضيق :
- أيوة يا صاحبى .. ولو إنى ما كنتش عاوز أشوفك قبل إسبوع بس زى بعضه ليال أصرت نفطر سوا .
وجه حمزة حديثه لليال وقال :
- منورة الدنيا يا عروسة .
ردت بخجل :
- شكرا .
بدأوا فى تناول إفطارهم و رامى يطعم ليال بيديه .. و بين الحين و الآخر يميل لأذنها و يقول لها أشياء تزيد من تورد وجنتيها .. و إبتسامتها الخجلة .. كانت ميناس تتابعهم و تتمنى أن يشعر بها هذا الحجر الجالس بجوارها و لكن دون فائدة ..
بعد الإنتهاء من وجبتهم وقف رامى و قال لليال :
- تعالى معايا يا لولو علشان أوريكى جنينة القصر هتعجبك قوى .
وقفت و إتجها للباب المطل على حمام السباحة الكبير و رامى يحاوط كتفيها بذراعه و هى تحاوط خصره بذراعها .. تنهدت ميناس بألم و هى تتطلع إليهما و إلى سعادتهما .
وقفت ميناس فى شرفة غرفتها تتطلع لهما و رامى يداعب ليال فتبتعد عنه فيقرر حملها و الدوران بها .. لتتعالى ضحكاتهم .. ضحكت ميناس و هى تتابع مرحهم .. بينما تنهد حمزة بضيق و هو يتابع نظرات ميناس إليهما ..
يعلم أنها تحتاج من يعشقها و يبادلها عشقها و يعطيها حقوقها الزوجية كأى إمرأة .. و لكنه أضعف من أن يفك قيدها به و يتركها لغيره .
أحضر فارس أكبر الأطباء لمعاينة رأفة و الوقوف على آخر المستجدات بحالتها الصحية .. و وقف هو و غزل فى إنتظار خروجهم .. بعدما إنتهوا تركوا رأفة و خرجوا .. إقترب منهم فارس و سألهم بقلق :
- إيه الأخبار يا دكاترة طمنونى .
أومأ أحدهم برأسه متألما و قال بحزن :
- الصراحة يا فندم خلاص هى فى أخر دقايق ليها .. إدعولها بالرحمة .
دفنت غزل وجهها بين كفيها و إنهارت باكية .. ثم كففت دموعها و دلفت غرفة العناية لجدتها لتودعها .. إقتربت منها ببطء و هى تتصنع القوة و ترسم إبتسامة باردة على شفتيها و دنت منها و قبلت كفها و قالت بخفوت :
- تيتة .. يا تيتة ردى عليا إنتى سمعانى .
إلتفتت إليها رأفة برأسها .. و تطلعت إليها مطولا .. ثم نزعت قناع الأكسجين و حاولت الكلام قائلة بوهن و صوت غير مسموع :
- إنتى ... قوية .... خلى بالك .... من ليال ... و ميناس .... و دنيا .
أومأت غزل برأسها و قبلت كفها .. و دموعها لا تتوقف .. تركتها و خرجت وقفت أمام فارس و قالت بقوة زائفة :
- دلوقتى تقدر تعرف ليال وميناس .
ماهى إلا ساعات قليلة و حضر الجميع .. بدأت لحظات الحزن و الصراخ و العتاب لإخفاء الأمر عليهم .. و غزل فى عالم آخر .. حتى إقترب منهم الطبيب و قال بحزن :
- البقاء لله يا جماعة .
تعالى الصراخ و إنهمرت الدموع على فراق غالية كانت لهن كل شئ .. لم تكن ليال أضعف من هذه اللحظة فحنان جدتها هو ما عوضها حنان أمها و الآن تشعر باليتم مرة أخرى ..
و إنهيار ميناس المؤلم لأنها إبتعدت عنها من أجل شخص أنانى لا يفكر سوى بنفسه و فقط .. أما غزل فقد قلق عليها الجميع لأنها لم تبكى و لم تصرخ و لكنها إستقبلت الخبر بوجوم و شرود و كأن عقلها رفض تصديق الأمر .. إحتضنتها سالى و قالت بدموعها :
- إذكرى الله يا غزل .
فقالت بثقة فى رحمته و مغفرته :
- إن لله وإن إليه راجعون .. ربنا يرحمها ويغفر لها .
إنتهت مراسم الدفن و بدأ العزاء .. و غزل لا تترك غرفتها ظلت تصلى و تصلى و هى تدعو لها الله حتى يغفر لها و يرحمها .. و كان المصحف الشريف لا يترك يدها و هى تتلو آياته ليهدأ قلبها و تستكين روحها المتألمة .. زاد قلق الجميع عليها و على إنطوائها .. و بقيت معها ليال و ميناس بعدما إستمرت حالتها لأيام و هى ترفض الأكل و التحدث .. و لم تذرف دمعة واحدة ..
طلب فارس من والدته أن تخبر غزل بأنه يريد الحديث معها بعدما شعر الجميع بالقلق على حالتها .. فوافقت دلف غرفتها و معه والدته .. طالعها بحزن من هيأتها الذابلة و هى تجلس على طرف فراشها مرتدية عبائة سوداء و حجاب أسود و عيونها زائغة بشرود ... جذب كرسى المكتب و جلس أمامها و هى مطأطأة رأسها بحزن .. رفع وجهها بأنامله لتتقابل عيونهما فقال و هو يتطلع لضعفها المؤلم :
- هتفضلى حابسة دموعك دى لغاية إمتى .
لأول مرة تشعر غزل بخنقة فى صدرها .. و كأنها لم تعد تقوى على كتم النيران بداخلها .. لاحظ فارس إحمرار عينيها و لمعتهم و التى سببتها تلك الدموع المخزنة .. فأردف قائلا بحنو :
- خرجى اللى جواكى يا غزل .. حرام عليكى نفسك .. سيبى دموعك تنزل علشان ترتاحى .
ما أن أنهى كلماته حتى سقطت دموعها بغزارة فمد يده ليمسحها .. نظرت إليه و قلبها يخفق بقوة كأنه لامس قلبها لا وجنتها .. و بدأ نحيبها .. دخلت ليال لغرفتها .. و إحتضنتها بقوة و هى تبكى على بكائها .. ثم قالت بوهن :
- المفروض إنتى اللى تقوينا يا غزل .. إحنا محتاجينك قوى .
تذكرت غزل طلب جدتها الأخير بأن تهتم بالفتيات .. فكففت دموعها و إحتضنت ليال و قالت بصمود :
- إنتوا خلاص بقيتوا أمانة فى رقبتى .. و إن شاء الله هكون قد الأمانة و هحميكم و هبقى كل حاجة ليكم و مش هسمح لحد يأذيكم و لو كان مين .
تنهد فارس براحة و هو يتطلع إليها و إلا صلابتها ووقوتها .. فهى رغم كل شئ
غزل
.
مرت أيامهم سريعة و عادت غزل لعملها و عادت ليال و ميناس لزوجيهما .. و بقيت دنيا هى ونيس غزل الوحيد ..
لم تعد غزل المرحة المشرقة بعد و لكنها كانت تتصنع القوة لتمر أيامها .. كانت تجلس بغرفة جدتها أغلب الوقت تشتم ملابسها و تنام بفراشها .. علها تروى شوقها إليها .. و كان مهاب الوحيد الذى له القدرة على رسم الإبتسامة على شفتيها فأصبح رؤيته يوميا من أهم لحظات يومها الحزين .
كان يستقل السيارة الأجرة و هو غاضب من تصرفاتها الغير مسئولة و التى دفع ثمنها غاليا .. فقرر عودتها معه و لو بأى ثمن .. وقفت السيارة الأجرة أمام مدخل الحارة .. فترجل منها و هو يتطلع حوله بإشمئزاز .. سار قليلا .. ثم سأل أحدهم على منزل رأفة .. فأشار إليه على المنزل .. فتوجه إليه بعدما تذكره .. لاحظ بونجا دلوفه للمنزل فسأل الشخص الذى كان يقف معه قائلا :
- هو الواد ده عاوز مين .
رد عليه :
- بيسأل على بيت الحاجة رأفة الله يرحمها .
أومأ بونجا برأسه و توجه للوكالة مباشرة .. وقف أمام فارس المنهمك فى بعض الأوراق أمامه و قال بهدوء :
- لو ممكن تانية يا ريت .
رفع فارس عينيه و قال متسائلا :
- فى إيه .
- فى واحد فرفور كده دخل بيت الحاجة رأفة من شوية .
فسأله فارس بضيق :
- و ده مين ده إن شاء الله .
حرك بونجا كتفيه و قال :
- مش عارف .
فوقف فارس على الفور و توجه للمنزل مسرعا خوفا عليها من هذا الغريب.
سمعت دنيا طرقات على باب الشقة .. فوقفت و توجهت للباب و فتحته .. تطلعت لهذا الوسيم الذى يقف أمامها .. شكله مألوف عليها بعض الشئ .. فسألته بإهتمام :
- مين حضرتك و عاوز إيه ؟!
فسألها بهدوء :
- غزل موجودة لو سمحتى .
قطبت دنيا حاجبيها بتعجب و قالت بتوجس :
- أيوة موجودة أقولها مين حضرتك .
خرجت غزل على صوت دنيا و هى ترتدى حجابها الأسود و قالت :
- بتكلمى مين يا دنيا .
حتى إتسعت عيناها من المفاجأة .. تطلعت إليه مطولا و إبتلعت ريقها بتوتر ...
لم تحد بعينيها عنه و هى تتسائل بتعجب .. هل هى نائمة الآن و تحلم أم أنها تراه أمامها حقا .. رسمت على ملامحها الجدية و قالت بقوة :
- إدخلى أوضتك إنتى يا دنيا لو سمحتى .
تعجبت دنيا من طلبها .. و لكنها إمتثلت لأمرها و إنصرفت .. فقالت غزل بشعور متخبط ما بين الإشتياق و الضيق :
- إتفضل إدخل .
فأتاها صوت فارس الغاضب قائلا بضيق :
- هو مين ده .. و يتفضل فين .
إلتفت إليه ذلك الشخص و طالعه بنظرة تفحصية قوية .. ثم عاد ببصره لغزل و سألها بسخرية :
- مين ده يا غزل .
إحتدت نظرات فارس و سأله بنفاذ صبر :
- إنت اللى مين .. و عاوز منها إيه بالظبط .
ردت غزل مسرعة بعدما إستشفت حدوث مكروه بعدما إشتعل جمر عينى فارس من غيرته فقالت مسرعة :
- ده علاء أخويا يا فارس .
إرتاحت ملامح فارس و قال بإحراج :
- تمام .. أنا إفتكرته حد غريب فاخفت عليكى .. عن إذنكم .
و تركهم و إنصرف .. عاد علاء بعينيه إلى غزل .. ثم دلف للشقة و أغلق ورائه الباب و قال ساخرا :
- كنتى فاكرة إنى هسيبك .. أدينى وصلتلك .
ردت غزل بتخوف مخفى وراء صرامتها حيث قالت :
- و إيه اللى جابك أصلا .. رجوع معاك و مش هرجع .
بدا الإنفعال واضحا عليه و هو يصيح بغضب :
- مش بمزاجك و هاتيجى معايا لأميريكا تانى .. إحنا بسبب غبائك خسرنا كل حاجة .. و مش هسمحلك تهدى اللى إتبقى .
ردت ببرود :
- مش فاهمة حاجة منك على فكرة .. قصدك إيه .
إقترب منها و هو يحدجها بوعيد:
- هترجعى معايا و هتتجوزى مجد .. و إلا هقتلك و أخلص منك .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بإستخفاف :
- يا مامى خفت .. إنت صعبان عليا جدا والله .
فقال علاء بجمود و هو يحدجها بنظراته القوية :
- لازم تخافى منى بجد يا غزل .. لأنى المرة دى يا قاتل يا مقتول .
جلست على الأريكة و قالت بسخرية واثقة :
- مش خايفة منك يا علاء .. و لو عاوز تموتنى موتنى خلينى أرتاح .
زادت نوبة غضبه منها فإقترب منها وصفعها على وجهها بقوة .. فصرخت متألمة .. وقف فارس منتفضا .. فسأله والده بقلق :
- مالك يا عوو .. فى حاجة يا إبنى .
أجابه فارس بقلق :
- كنت حاسس إن فى حاجة هتحصل .. قوم معايا يا حاج غزل فيها حاجة .
وقف صبرى و قال بخوف :
- إستر يا رب .. قدامى يا إبنى نطمن عليها .
ركضت دنيا وإحتضنت غزل و صاحت بعلاء بحنق :
- إنت بتضربها ليه .. هو بالعافية يا أخى .
إجتذبها علاء من ذراعها ليبعدها عن غزل و قذفها على الأرض بالقوة .. فارتطمت بباب الشقة .. و تألمت من ظهرها .. فصرخت غزل قائلة :
- دنياااااا .
مما جعل فارس يصعد الدرج ركضا .. و طرق الباب بكل قوته .. إعتدلت دنيا فى جلستها و حاولت الوصول لمقبض الباب .. فجذب علاء غزل من حجابها .. حاولت تخليص نفسها من قبضته فبقى حجابها بيده وركضت لغرفتها فجذبها من شعراتها فصرخت متألمه .. بينما قال لها بتوعد :
- هقتلك و الله .. لو ماسمعتيش كلامى هقتلك .
وصلت يد دنيا أخيرا لمقبض الباب فاندفع فارس للداخل تطلع لدنيا الملقاه على الأرضية .. و لكنه رأى علاء و هو يجذب غزل من شعراتها و صوت صراخها يفجر رأسه فركض نحوه و جذبه من ذراعه و لكمه فى أنفه فسقط على الأرض بعد أن تطايرت الدماء من وجهه .. إقترب فارس من غزل و سألها بقلق :
- إنتى كويسة يا غزل .
أومأت برأسها و هى ترتجف من خوفها .. إنحنى على الأرضية و حمل حجابها و غطى به رأسها مسرعا .. ثم تطلع ناحية علاء الذى غطت وجهه الدماء .. و هو يمسك أنفه بأنامله فى محاولة لوقف النزيف و يرفع رأسه للأعلى .. دخل صبرى مسرعا و قال بغضب :
- إنت إزاى تمد إيدك عليهم يا حيوان إنت .
رد فارس و هو ينوى الإنقضاض عليه مرة أخرى :
- مش هاسيبك غير و إنت ميت .
وقفت غزل أمامه مسرعة و قالت بخوف :
- ﻷ يا فارس ده أخويا .
هدأت نوبة غضبه قليلا و قال بصرامة :
- ما يمدش إيده عليكى برضه .
ردت مسرعة :
- عندك حق بس برضه مش هستحمل عليه حاجة .
و إتجهت لغرفتها و عادت معها منشفة أعطتها لعلاء لتجفيف آثار الدماء من وجهه .. و عاينت أنفه فقالت بفزع :
- مناخيره إتكسرت .. لازم يروح المستشفى فورا .
أزاح علاء يدها عنه و قال بغضب :
- عمك طلع عنده حق .. بتتحامى فى البلطجى ده .
صفعته غزل على وجهه و قالت بصرامة :
- إياك تغلط فيه إنت سامع و لا ﻷ .
وقف الجميع مذهولين من فعلتها .. بينما إحمرت عينى علاء بغضب و قال بقوة أرعبتها :
- قسما بالله ما هسيبك و هندمك ندم عمرك .
ضحكت بسخرية و قالت بإستخفاف :
- ولا تقدر تعمل حاجة .. و إتفضل إطلع بره .
وقف متثاقلا .. ثم رفع سبابته بوجهها وقال محذرا و مهددا :
- مش همشى من هنا غير و إنتى معايا .. و مش هسيبك لواحدك ثانية تانى .
جذبه فارس من ذراعه و قال بتذمر :
- هى مش قالتلك إطلع بره .. ورينا بقا عرض أكتافك .
و دفعه على الدرج .. و أغلق فى وجهه الباب .. ثم ساعد دنيا فى الوقوف .. و إقترب من غزل الحزينة و التى يعلو وجهها الوجوم .. ربت صبرى على كتفها وقال بحنو :
- ما تزعليش يا بنتى .. هو أخوكى برضه ومن حقه إنك ترجعى معاه.
ردت غزل ساخرة :
- أخويا ده حاول يبيعنى علشان الفلوس للى هيدفع أكتر .. و هربت منه و رجعت مصر .. جاى تانى علشان يرجعنى لأنه لقى اللى هيدفع برضه .
إتسعت عينى فارس و هو يسمع كلماتها المغلفة بالحزن و الخوف .. الخوف تذكر حديثها لرأفة و هى تقول لها أن صديقها طوال عمرها كان الخوف والذى إختفى معه .. لأنها تشعر بالأمان بجواره ..
إنتبهوا جميعا على صياح علاء أسفل البناية .. و هو يسبها بأبشع الألفاظ و يتهمها هى و فارس أنهما على علاقة ببعضهما .. هبط فارس الدرج و هو يتوعده .. ركضت ورائه غزل من خوفها .. ما أن وصل إليه فارس حتى إنقض عليه و ضربه مرة أخرى .. فسقط على الأرض متألما و صاح بصوت عالى :
- بتضربنى علشان عاوز أحمى أختى منك بعد ما مرمغت شرفنا فى التراب .
صرخت به غزل و قالت بصدمة :
- حرام عليك .. بتفترى عليا ده أنا أختك .
وقف متألما و قال ساخرا :
- أختى و مشيتى فى الغلط .. و سلمتى نفسك للأستاذ ده .
سلط فارس نظراته النارية على وجهه وضربه مرة أخرى وقال بشراسة :
- دى أشرف منك يا إبن ال..... يا ... .
فصرخ علاء و هو يتلقى الضربات من فارس وقال بخبث :
- يعنى تضيع أختى و تضربنى فى الآخر .. شاهدين يا ناس .
قالها علاء و هو يرى تجمع أهل الحارة حولهم .. وصل رامى أخيرا بعدما هاتفه بونجا .. و إجتذب فارس بعيدا عنه بالقوة .. فصاح به فارس بغضب :
- سبنى يا رامى أقتل إبن ال... ده .
عنفه رامى قائلا :
- إهدا بقا يا فارس مش كده .
إستغل علاء بعد فارس عنه و أكمل كذبته و تجنيه على أخته فهى لن تتحمل العيش بالحارة بعد هذه الفضيحة .. فقال بمكر ودهاء :
- خدت منها اللى إنت عايزة و رميتها .. و عامل كبير الحارة و إنت بتنجسها مع أختى اللى سلمتلك نفسها .
هنا ثار عليه رامى أيضا و لكمه بوجهه فسقط على الأرض مجددا .. فركله فارس بقدميه و هو يصرخ به قائلا :
- هموتك .. مش هسيبك عايش يا ..... .
إنتبه الجميع على صراخ دنيا بعدما سقطت غزل مغشيا عليها .. ركض نحوها فارس و رامى .. حاولوا إيفاقتها و لكن دون جدوى .. حملها فارس و توجه ناحية سيارة رامى و مددها على المقعد الخلفى .. إستقل رامى السيارة مسرعا وأدارها .. و صعد فارس بجواره و إنطلق رامى مسرعا .. لم يرأف علاء بحال أخته و تابع قائلا بتهكم :
- شاهدين يا ناس .. لعب على أختى و ضحك عليها .. ربنا يستر و ما تكونش حامل منه فى الحرام .
وضع علاء كفيه على أذنه بعدما دوى صوت رصاصة بالهواء ضربها صبرى من مسدسه و قال بغضب هادر :
- كلمة واحدة منك يا ... إنت و هطخك و لا هيتهزلى جفن .. و لا هعمل حساب لعضم الطربة .
إبتلع علاء ريقه بصعوبه .. ووقف متألما .. و تحامل على نفسه و قال بقلق :
- أختى و هاخدها و مش هسيبها تانى خليكم فاهمين ده كويس .
وجر قدميه بتثاقل و هو ينصرف .. ثم صاح صبرى بالمتجمعين حوله من المشاهدين و قال بحزم قاطع :
- يالا إنت وهو بتتفرجوا على إيه .. كل واحد يشوف مصلحته .
باتت مشاعرى تنزف و تُستهلك بقوة .. لم أعد أحتمل أكثر ... لأول مرة أستسلم و أتمنى الموت .. ربما به الراحة و السكينة المنشودة و التى طالما ما بحثت عنها ...
لماذا أحيا بدنيا أخذت منى الجميع .. و تركونى لوحدتى و ذكرياتى معهم .. تركونى بغابة مليئة بالحيوانات المفترسة و التى تترقب وقوعى و هوانى لتلتهمنى دون رحمة أو شفقة ...
و لكن ..
الأصعب أن يأتيك الغدر من أقرب ما لديك بالدنيا .. تؤلم .. تؤلم جدا .. و تحطم أرواحنا و تخترق وجداننا كخناجر مسممة تخترقك مسببة آلام و جروح و قروح تنضح صديدا لا تندمل ...
إخترق عالمها الأسود صوتا أصبح لها القشة المتعلقة بها و تستقوى بحنانها .. و هو يصيح بها بقلق :
- غزل ... ردى عليا .. إنتى سمعانى .
لم تجبه و لم تتحرك .. فتطلع فارس ناحية رامى و هدر به بشراسة :
- سوق بسرعة بقا .
أومأ رامى برأسه و زاد سرعته و أجابه بتوتر :
- ما تقلقش يا فارس .. غزل قوية إسألنى أنا .
وصلوا أخيرا للمشفى .. حملها فارس و وضعها على الفراش المتحرك .. و دلفت لغرفة المعاينة .. هرول إليها طبيبان لمعاينتها .. وقف فارس يتقلب على نار غضبه و قلقه عليها ..
بدأت الإضاءة فى العودة مجددا .. بصور متقطعة و أشباح بيضاء تتحرك أمامها .. و آلام حارقة تخترق أنفها و تجبرها على العودة ..
تأوهت غزل و هى تفتح عيناها بوهن .. لتضح الرؤية أمامها و ترى فوق رأسها أناسا يحدجون بها و يتحدثون بكلمات مبهمة لم تستطع تفسير أغلبها و لكنها باتت تفسرها الآن ..
إنطبقت شفتاها و كأنهما إلتحما بغراء و إنسابت دموعها بهدوء مقلق و هى تتذكر كلمات علاء المؤلمة .. آلمها من قبل أكثر .. و لكنها كانت وقتها أقوى ..
أما الآن فهى ضعيفة .. هشة .. سهل كسرها و تهشيمها لآلاف القطع ....
بدأ فارس فى قضم أظافره من شدة توتره .. حتى خرج إليهما الطبيب و قال بهدوء :
- ما تقلقوش يا جماعة .. دى إغمائة بسيطة سببها صدمة عصبية و هى بقت كويسة دلوقتى .. تقدروا تشوفوها .
زفر رامى براحة و قال :
- الحمد لله .
دلف فارس مسرعا لغرفتها .. وجدها مستلقية على الفراش فى هدوء و دموعها تذرف فى صمت .. و هى تتطلع بالاشئ .. بوجه شاحب و عيون ذابلة تحيطها هالات سوداء زادت ملامحها حزنا و قهرا ... إقترب منها و مال نحوها و قال بقلق :
- غزل .. إنتى كويسة .
تحركت مقلتيها صوبه بنظرة منكسرة و مجروحة .. ليتألم قلبه بشدة على حالتها .. فتوالى الأحزان عليها أفقدها حيويتها المشعة و إنطلاقتها و التى تنير الكون من حوله .. فأردف قائلا بألم :
- مش هستحمل أشوفك فى الحالة دى .. ردى عليا أرجوكى .
هزت رأسها بقهر و قالت بنحيب :
- أخويا .... أخويا .
كفف فارس دموعها و ملس على وجنتيها برفق و قال بضيق :
- ﻷ مش أخوكى .. ده شيطان .. كويس إنك سبتيهم و رجعتى مصر .
فقالت بألم و هى تبتلع ريقها بصعوبة :
- مش هرجع الحارة تانى .. مش هقدر أبص فى وشوش الناس خلاص.
إستنكر فارس ضعفها و تمسك بكتفيها و هزها بقوة و قال بصرامة :
- إنتى ما عملتيش حاجة غلط علشان تتكسفى .. إنتى قوية مش ضعيفة كده .
صرخت غزل قائلة بقهر :
- ﻷ أنا ضعيفة و ضعيفة قوى كمان .
إبتعد عنها قليلا و هو يطالعها بصدمة .. بينما أردفت هى قائلة بوهن :
_ أنا تعبت بقا خلاص تعبت .. و الله تعبت .
هدأها قائلا بقوة بعدما فكر بحل لمشكلتهما :
- إهدى يا غزل علشان خاطرى .. أنا عندى حل للمشكلة دى وهردلك كرامتك قدام الكل .
تطلعت إليه بإهتمام فى إنتظار حديثه .. فقال بعملية :
- هنكتب كتابنا .. و بكده محدش هيقدر يفتح بؤه معاكى بحرف .
لو كانت بظروف أفضل من الآن لتعلقت برقبته و ضمته إليها بسعادة .. و لكنها وجدت نفسها تضحك ساخرة و تعالت ضحكاتها و قالت بصوت مختنق :
- عاوزنى أصلح الغلط بغلط أكبر .. ﻷ طبعا مش موافقة .
شعر بغصة فى حلقه و هو يتابع سخريتها من طلبه .. و التى تعتبره هى "غلطة" .. فأردف قائلا وهو يدارى غضبه بحزم منتصبا فى وقفته :
- أنا كمان كلام أخوكى طالنى .. و الحل ده علشان كرامتى قبل كرامتك.
لاحظت تبدل قلقه عليها لغضب منها .. ففطنت لغلطتها .. فإعتدلت فى نومتها و جلست نصف جلسة و قالت مسرعة بتأسف :
- مش قصدى حاجة صدقنى .. بس كمان ده جواز مش لعبة .
وضع فارس يديه بجيبه و قال بإستخفاف يخفى ورائه حنقه :
- هو هيبقى لعبة لغاية أخوكى ما يغور و بعد كده كل واحد مننا يشوف حاله فين .. فكرى و إبقى ردى عليا .
و تركها و خرج يشتعل من غضبه .. لم يقترب منه رامى بعدما سمع حوارهم .. تركه يبتعد بهدوء فهو يعلم مدى غضبه الآن .. فهذه المتعجرفة رفضت طلب إعتقده الجميع مستحيلا ..
تنهد مطولا و هو يتطلع بأسى لآثر فارس الغاضب .. فإبن عمه سقط فى فخ الحب .. فعاشق مثل رامى يشعر بمن يعشق بقوة مثله .. و فارس تعدى مرحلة الحب و العشق .. بكثير ...
رفع عينيه بملل و دلف لغرفة غزل فوجدها جالسة على الفراش و متمسكة به بيديها .. ورأسها بحزن .. لم يستطع تفسير سبب حزنها أهو على غدر أخيها .. أم على تسرعها و غبائها بما إقترفته بحق فارس ..
عادت غزل لشقتها مع رامى .. إستقبلتها دنيا بقلق .. و إحتضنتها قائلة بخوف :
- إنتى كويسة يا غزل .. كنت قلقانة عليكى قوى .
ملست غزل على ظهر دنيا بحنو و قالت بوهن :
_ ما تقلقيش يا حبيبتى
فقال لها رامى مسرعا :
- همشى دلوقتى يا غزل .. وهسيب حد يحرس البيت من تحت علشان الواد ده ميرجعش تانى .. خلوا بالكم من نفسكم .
أجابته غزل شاكرة :
- شكرا يا رامى .. معلش دايما مسببة ليكم مشاكل .
إبتسم رامى و قال بمداعبة :
- إحنا واخدين على كده .. ده الطبيعى.. عموما خلى بالك من نفسك .. سلام .
و تركهم و إنصرف .. إرتمت غزل بجسدها على الأريكة المجاورة لباب الشقة .. جلست دنيا بجوارها و قالت بغضب :
- أخوكى ده حيوان .. ده ماعندوش إحساس و لا بيعرف ربنا .
تنهدت غزل بحرقة .. و وقفت و توجهت لغرفتها و أغلقتها عليها .. و إستندت بظهرها على باب الغرفة و إنزلقت عليه ببطء و قد تركت لدموعها العنان .. جلست على الأرضية تشهق بصوت عالى و هى تبتلع دموعها التى شقت طريقها لشفتيها و طعمها مر كالعلقم .. كطعم أيامها ...
وقفت دنيا وراء الباب تستمع لعويلها و صوت بكائها و الذى يذيب الحجر ... و هى تهز رأسها بشفقة على حالتها ....
فى اليوم التالى .. تفاجأ صبرى و رامى بدخول المعلم سويلم صديق صبرى .. إستقبله صبرى بترحاب كبير .. و بعد قليل أفصح له عن سبب زيارته المفاجئة و أنه هناك جلسة عرفية بعدما إشتكاهم علاء أخو غزل بأنهم يمنعوه من أخذ أخته معه و أن فارس قد إستباح وحدتها و أقام علاقة محرمة معها .. وقف صبرى بغضب و ضرب سطح مكتبه و صاح قائلا بإهتياج :
- قطع لسان اللى يغلط فى العوو بكلمة .. إنتوا مش عارفين هو مين و إبن مين و لا إيه .
هدأه سويلم قائلا بهدوء :
- أنا متأكد إن فارس عمره ما يعمل كده .. بس علشان تبعدوا الشبهات عنكم لازم البت دى ترجع لأهلها .
أجابه رامى بصرامة :
- مش هترجع .. و هتفضل معانا دى أمانة ستها الله يرحمها و إحنا مش هنفرط فى الأمانة .
وقف سويلم و قال بتسليم :
- عموما هنستناكم فى وكالة الحاج على علشان القعدة و هناك قولوا اللى إنتم عاوزينه .. و ياريت العوو يبقى موجود .
و تركهم و إنصرف .. جلس صبرى و هو يزفر بضيق .. فهذا الموضوع لن يمر مرور الكرام .. فسأله رامى متعجبا :
- الواد أخوها ده وصل للمعلمين دول إزاى مش فاهم .
اجابه صبرى بضيق و هو يمسد جبهته بقوة :
- ما يخصناش .. أنا متأكد إنهم هيحكموا إن غزل ترجع مع أخوها .. و إحنا مش هنقدر نساعدها المرة دى .
قطب رامى جبهته و قال بقوة :
- فارس عمره ما هيسمح بكده .. ده بيحبها يا عمى .. هو صحيح ساكت بس الواحد مش أعمى .
أومأ صبرى برأسه وقال مؤكدا :
- عارف ... و هو ده اللى قالقنى .. العوو هيعمل أى حاجة علشان ما يخسرهاش تانى .. إنت ما تعرفش هو تعب إزاى لما بعدت عنه قبل كده .. ربنا يستر .
وقف صبرى متثاقلا و إستند على عكازه و قال بإرهاق :
- أنا هروح البيت أرتاح شوية .. و أتصل بفارس ييجى علشان نلاقى حل فى المصيبة دى .
و ترك رامى بمفرده و سار ناحية منزله بوهن ... يفكر بجدية فى موضوع إتمام إرتباط فارس و غزل خصوصا بعد تأكده من صدق مشاعرهما ..
إبتلع فارس ريقه من ردها القوى و الحصرى .. و لكنه أفاق على ضمة مهاب إليها ... و بعدها أشار للمصور أن يلتقط إليهم صورا جماعية ... و بالفعل إستعدوا ثلاثتهم و إلتقط إليهم صورا مجنونة و طفولية و فارس يتابعهما فى صمت و تفكير شديد .
فى آخر صورة لهم ... وقفت غزل بجور مهاب و فارس بالجهة الأخرى. تطلعوا بعدسة التصوير مباشرة و عند إلتقاط الصورة .. تحركت رأس فارس و عينيه ناحية غزل بإبتسامة هادئة هائمة .. لم ترها هى و لكن إلتقطتها العدسة ...
و ما أن إنتهوا حتى عادت للوقوف بجوار جدتها و متابعة رقص رامى و أصدقائه ...فلاحظت نظرات عاليا لرامى و قد فطنت بمشاعرها تجاهه .. لم تنكر أنه رغم شعور التنافر بينهما إلا أنها أشفقت عليها .. و لكن هذا الإشفاق تحول لغضب عندما إصطدمت عاليا بها أثناء مرورها بجوارها .. عن عمد ..
تأوهت غزل من كتفها بينما قالت لها عاليا بغضب :
- مش تفتحى يا عامية .
رفعت غزل حاجبها بتعجب و قالت بضيق :
- أنا اللى أفتح .. ده أنا واقفة و إنتى اللى كنتى ماشية .
إبتسمت عاليا بسخرية و قالت بإزدرء :
- إتكلمى بأدب يا بت إنتى .. إنتى مش عارفة أنا مين و لا إيه .
تنفست غزل مطولا و قالت بهدوء تحسد عليه :
- أنا علشان مؤدبة مش هرد عليكى .
ضحكت عليا ضحكة عالية ساخرة و قالت بهمس مشتعل :
- إوعى تفتكرى علشان الحربايتين بنات خالتك إتجوزا أخويا و إبن عمى إنه هتبقوا زيكوا زينا .. ﻷ فوقى لفوقك ... العين عمرها ما تعلا على الحاجب فاهمة .
مررت غزل أناملها أسفل أنفها و هى تدارى ضحكاتها و قالت ساخرة :
- إيه جو فيلم الأيدى الناعمة ده .. ده إنتى على قديمه يا بنتى .
صكت عاليا أسنانها و إقتربت منها و قالت بتحدى :
- أنا فهماكى كويس على فكرة .. عاوزة تكملى المسلسل اللى لعبوه الحربايتين علشان توقعى العوو .. بس هو مش زى حمزة و لا رامى و لو وقعتى إنتى تحت إيده هيفرمك .. فإبعدى عنه أحسن .
تطلعت بها غزل مطولا قبل أن تقترب منها و تقول بحدة و إبتسامة ماكرة :
- أنا الوحيدة بقا اللى فهماكى كويس .. إنتى النار بتاكلك لأنك شوفتى حبيب القلب يوم فرحه و هو مع مراته اللى بيحبها و بيموت فيها .. و الغيرة مخلياكى مش شايفة قدامك .
إبتلعت عاليا ريقها بتوتر و قالت متلعثمة :
- إنتى .. إنتى تقصدى مين ؟!
إبتسمت غزل بمكر و تطلعت صوب رامى .. ثم عادت بعينيها لعاليا التى تحاول جاهدة أن تخفى عينيها من غزل .. ملست غزل على ذراعها بإشفاق و قالت "ببعض" من التعاطف :
- أنا لو مكانك هحس باللى إنتى حاسة بيه .. بس إنتى مركزة مع واحد سابك .. و ناسية اللى واضح إنه بيتمنى التراب اللى بتمشى عليه و بيحبك بجد .
لاحظت غزل تجهم وجهها و ظهور الحزن جلى على قسماته .. فتنهدت مطولا و أردفت قائلة بهدوء :
- جوزك بيحبك .. إوعى تخسريه علشان وهم .. ده طول الفرح عيونه عليكى .. زى ما يكون بيتمناكى و إنتى معاه .. حبيه لأنه يستاهل .
تركتها غزل و إبتعدت .. عادت عاليا بعينيها لرامى .. فبكى قلبها لا عينيها و هى ترى نظراته لليال .. لماذا لم يشعر بها .. لماذا تركها تتزوج و تبتعد عنه .. و لماذا عشق ليال من الأساس ؟
إقترب منها عامر و قال بقلق من هيأتها :
- مالك يا حبيبتى .. البت دى زعلتك فى حاجة .. أنا واخد بالى من وقفتكم بس ما حبتش أتدخل .
زفرت عليا بضيق و إنفجر كل الغضب و الحزن و القهر بداخلها بوجهه قائلة :
- و إنتى بتبص عليا ليه أصلا .. ليه مراقبنى كأنى ههرب منك .. ما تركز فى حاجة تانية غيرى يا أخى .
قطب عامر حاجبيه بضيق ثم تنهد مطولا و قال بهدوء :
- طب إهدى بس .. مالك مش على بعضك بقالك فترة .
ضمت كفيها كاظمة لغيظها و قالت بحدة :
- هو إيه اللى أهدى إنت شايفنى إتجننت و بشد فى شعرى .
مرر أنامله بشعراته بضيق و قال بتعجب :
- ما بقتش فاهمك أوقات تبقى كويسة معايا و أوقات تتحولى .. أنا تعبت و زهقت .. إتحملت نرفزتك و طولة لسانك علشان بحبك .. بس ملعون ده حب يا شيخة .
إنتبهت أخيرا لنظرات الحزن بعينيه و كلماته ... فأردف هو قائلا بنبرة قاتمة :
_ أنا راجع شرم لو عاوزة ترجعيلى هستناكى لآخر يوم فى عمرى .
ثم صمت قليلا مستلهما الصبر وأردف قائلا :
- و لو عايزة تطلقى .. أنا مش هجبرك تعيشى معايا غصب عنك تانى .
صفعها بكلماته على عقلها المُغبر بشبح حب قديم و تركها و إبتعد .. هل ما سمعته صحيح .. هل طلب منها أن يحررها و يطلقها .. أم ما سمعته مجرد وهم .. تطلعت إليه و هو يمضى مبتعدا عنها .. تلاحقت أنفاسها و شعرت بخزى لم تشعر به من قبل .. لأنه تحمل منها مالا يتحمله بشر .. أهكذا تقابل حبه و حنانه بكل هذا الجفاء و الخيانة ..
توقفت قليلا عند كلمة .. خيانة .. نعم فهى تخونه .. مجرد تفكيرها بغيره و هو زوجها يعد خيانة .....
لم تستطع المقاومة أكثر و أسرعت ورائه .. بحثت عنه فرأته جالس بلوبى الفندق المقام به العرس مطأطأ رأسه بحزن .. إقتربت منه و قالت بخجل :
- أنا آسفة .
رفع عينيه صوبها .. فرأت عينيه ممتلأة بدموع محجوزة داخلهما .. و وجهه أحمر .. فزادت دقات قلبها حزنا على حالته .. و جلست قبالته و قد إنهمرت دموعها التى سجنتها طوال اليوم ..
طالت بينهما النظرات .. و لامت نفسها كيف لم تقدر ذلك الحب و إحتفظت بداخلها بأوهام أرهقتها و أخذت منها أكثر ما أعطتها .. كفف عامر دموعها برقة و قبل مقدمة رأسها .. و قال بحنو :
- أنا اللى آسف .. سامحينى .
إبتسمت بهدوء و هزت رأسها و قالت بتعجب :
- إنت إزاى كده .
ضحك قليلا و قال بسخرية :
- أنا عادى على فكرة .. بس البعيدة عامية .
إبتسمت بخفوت ... فقبل كفها و قال برقة قد سمعتها كثيرا و لكنها أول مرة تشعر بها :
- بحبك يا مجنونة .. و نفسى تحسى بيا و تحبينى نص الحب اللى بحبهولك .
إعتدلت فى جلستها و فكرت قليلا و مدت يدها نحوه و قالت بعملية جادة :
- أنا عاليا صبرى السعيد .
تطلع ليدها الممدودة ثم مد يده هو الآخر و قال بإبتسامته الهادئة :
- عامر السيد .. و معجب بيكى جدا .. و أتمنى تبقى مراتى و أم ولادى ... ها موافقة .
هزت رأسها و قالت بضحك :
- أنا كمان حاسة بشوية مشاعر ناحيتك .. و بتهيألى كده ممكن أحبك .
تطلعت إليه مطولا و قالت بتنهيدة عابثة :
- هو أنا قولتلك قبل كده إن عنيك حلوة قوى .
أجابها بإبتسامة هادئة و هو يقترب منها :
- ﻷ ما قولتيش .
وقف و جلس بجوارها و قال هامسا :
- إيه رأيك نحجز أوضة فى الفندق ده .. و نقعد لنا يومين هنا .. يعنى شهر عسل جديد .
إحمرت وجنتيها خجلا .. و قالت بإستسلام :
- اللى تشوفه .
فصاح قائلا بنبرة عالية قليلا :
- حبيب قلبى .. و يخرب بيت عيونك يا عاليا شو حلوين .. عيونك .
ضحكت ضحكة عالية بتلقائية ... فإنتبهوا على نظرات الجميع إليهم .. تنحنح عامر قائلا بخجل :
- أنا بقول نرجع الفرح تانى .. و لما يخلص نحجز ... تمام .
وقفت عاليا بخجل و قالت بإبتسامة لعوب :
- تمام .
و تركته و إبتعدت و هى مبتسمة براحة لم تشعر بها من قبل .. إبتسم عامر بشوق و قال بسعادة :
- أخيرا .. بركاتك يا آنسة غزل .
إنتهى العرس و ودعت ليال جدتها و غزل بدموعها .. و إنصرفوا جميعا خلف العروسة و حينما إقتربوا من القصر تفرقوا و توجه رامى و ليال .. و حمزة و ميناس للقصر .. بينما عاد الجميع للحارة .
توقفت سيارة العروسين بداخل حديقة القصر أمام بوابته الكبيرة .. تركهم السائق و غادر .. ظلت ليال على حالها ترفض الترجل من السيارة و تريد العودة لجدتها .. حاولت معها ميناس و لكنها كانت مصرة .. حتى قال لها رامى ليطمأنها :
- طب إنزلى هنقعد شوية عند حمام السباحة .. و لما تبقى جاهزة هنطلع لجناحنا تمام .
راقت لها الفكرة و ترجلت من السيارة .. سارت خطوتين فحملها رامى مسرعا و قال بضحكة شريرة :
- ضحكت عليكى يا لولو .. منورة بيتك يا شابة .
ضحكت عليهم ميناس و تبعتهما لداخل القصر .. حاولت ليال التخلص من رامى و لكنه أحكم قبضته عليها فقالت بضيق :
- نزلنى بقا الكل بيتفرج علينا .
غمز لها بعينه و قال هامسا :
- ما يتفرجوا .. خليهم يتعلموا الحب مننا .
إبتسمت بخجل و ورات وجهها عنه .. إقتربت منهم ميناس و قالت بمكر :
- أجى معاكى يا ليال أساعدك فى الفستان و الطرحة .
أجابها رامى مسرعا :
- شكرا .. خليكى فى جوزك إنتى و أنا هبقى أساعدها .
ضحكت ميناس عليهما و قالت بيأس :
- مبروك يا عرسان .
صعد رامى الدرج و عيونه تلتهمها بصورة زادت من نوبة توترها .. و هى تتخيل ما ينتظرها من ذلك المجنون الثائر ....
- تعالى معايا ساعدينى أغير هدومى .
قالها حمزة لميناس .. فإلتفتت برأسها ناحيته و أومأت برأسها و قد زاد تعجبها من تصرفاته الغريبة عليها .. دفعت الكرسى بهدوء لداخل غرفته .. و أخرجت منامته و وضعتها على فراشه .. فقال لها مسرعا :
- تعالى قربى منى يا ميناس .
زادت دقات قلبها و توترت أنفاسها من طلبه الغريب .. و الأغرب نظراته الملتاعة عليها .. و نبرته الهامسة الدافئة ... إقتربت منه فجذبها من ذراعها لتسقط على قدميه جالسة حاوطها بذراعيه و قال بإبتسامة عابثة :
- كنتى حلوة قوى النهاردة .
لم تصدق أذنيها .. و إزدردت ريقها بصعوبة .. و هى تتطلع لعينيه .. و سألته بتعجب :
_ أنا ... أنا كنت حلوة .
لامس ذقنها برقة و قرب وجهها منه و قبل شفتيها بهدوء قاتل .. أغمضت عينيها و هى تشعر برجفة خفيفة بجسدها لقبلتها الأولى .. شعور لا يوصف لأول مرة تختبره فتحت عيناها و قد زادت دقات قلبها .. فهمس بالقرب من شفتيها :
- أنا عاوزك معايا النهاردة .
دلف رامى بليال لجناحهما الخاص .. فأنزلها على قدميها و هو يحاوط خصرها بيديه .. حاولت أن تتملص من بين يديه و لكن دون جدوى .. إبتسم على محاولتها للهروب منه و قال مداعبا :
- مالك يا عسلية مش ده اليوم اللى حلمنا بيه كتير .. إهدى بقى .
عقدت حاجبيها و قالت بحنق :
- إنت ضحكت عليا يا رامى .. قولتلى هنقعد شوية تحت و كذبت .
رفع وجهها بأنامله و هو يتأمل حسنها قائلا :
- مش عاوز حد يشاركنا أول لحظات لينا مع بعض .. و باعدين ممكن أطلب منك طلب .
أومأت برأسها موافقة .. فأردف قائلا بهدوء :
- ممكن تغيرى الفستان و تتوضى و تيجى نصلى ركعتين مع بعض .
إبتسمت براحة و قالت بإنصياع :
- حاضر .. دقايق و هجيلك .
و دلفت غرفتهما .. فوجدته يتبعها لداخل الغرفة .. فقالت بخوف :
- جاى هنا ليه ؟!
ضحك ضحكة عالية و هو يتابع خوفها و خجلها .. ثم قال ببساطة :
- هاخد بيجاما .. و لا عوزانى أفضل بالبدلة .
توجهت للخزانة واخرجت منها منامة له و أعطته إياها .. أخذها و خرج و أغلق ورائه الباب .. حاولت تهدأة نفسها .. و جلست أمام مرآتها تنزع طرحتها و حجابها .. ثم وقفت و حاولت جاهدة سحب خيوط الفستان من الخلف حتى نجحت .. خلعته عنها و إرتدت إسدالها و توضأت و خرجت بهدوء أشار إليها رامى على إتجاه القبلة و وقف إمام وبدأ الصلاة ..
إرتاحت كثيرا وهى تقف ورائه و هو إمامها .. و ما أن إنتهت الصلاة حتى إلتفت ناحيتها و عقد ساقيه و وضع يده على رأسها و قال ( اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا وأن تجمعنا فى الخير و لا نتفرق إلا للقائك ) .
آمنت دعائه .. فسألها برقة و هو يربت على كفها :
- أنا جعان جدا .. إيه رأيك نتعشى سوا .
ردت بإبتسامتها الرقيقة :
- حاضر يا حبيبى .
وقفا و إتجها لطاولة الطعام و التى كانت تحتوى على شتى الأطعمة .. جلسا سويا و بدأ رامى فى إطعامها بيده حتى تطمئن له .. و تحدث معها عن ما دار بعرسهما من مواقف مضحكة و هى تضحك على مزحاته و بشدة حتى تناست قلقها ..
وقف و قال فاقدا صبره بعدما أنهوا طعامهم :
- تعالى معايا يا لولو يالا .
إرتعبت و رمشت بعينيها بسرعة وقالت بتلعثم :
- عاوز إيه ؟!
إجتذبها من يدها و قال بهدوء كاذب خادع :
- قومى بس تعالى هقولك حاجة مهمة جدا .
وقفت و هى ترتعد من قلقها فإحتضنها بذراعه و حاوط كتفها و قال بهدوء :
- حاسك خايفة قوى يا ليال .. هو أنا قد كده بخوفك .
ردت ليال مسرعة :
- ﻷ طبعا .. بس مش عارفة قلقانة ليه .
أوقفها أمامه و قال و هو يتطلع إليها بحب :
- عارفة يا لولو .. أول مرة شوفتك و إنتى راحة الدرس و حاضنة كتبك و عاملة شعرك ديل حصان والشمس زودت من لونه الدهبى .. حسيت إنى قلبى وقع فى رجليا .. فسألت فارس مين البنت دى فقالى دى ليال جارتنا و إياك تفكر تأذيها .. من ساعتها و عنيا ماشافتش غيرك .. حتى فى الجامعة كان ليا أصحاب بنات كتير بس إنتى كنتى حاجة تانية فى حياتى .. حبك فى قلبى غريب قوى .. و ياريتك تحسى بيا .
تنهدت مطولا و قالت هامسة :
- يا ريتك إنت تعرف أنا بحبك إزاى .
وكأنها أشعلت فتيل صبه فلم يمهلها وقتا و مال نحوها بسرعة و قبلها بكل شوق السنين التى تمناها بها حتى أصبحت ملكه .. ذابت بين يديه و كأنه سحرها و لم تشعر بنفسها و هى تبادله مشاعره .. إبتعد عنها قليلا و صاح بكل قوته و بصوت عالى جدا :
- بحببببببببببك .
وصل صوته لحمزة و ميناس و اللذان لا تقل حالتهما عن رامى و ليال .. إبتعد حمزة عن ميناس و ضحك قائلا :
- يا إبن المجانين يا رامى .
ضحكت ميناس هى الأخرى بخجل .. فعاد لشقاوته معها و كأنها ليلة زفافهما أيضا .. كانت ميناس تعلم جيدا أن ليلتها ستنتهى نهاية حزينة و لكنها إندفعت خلف مشاعرها و رغبتها معه .. فتلك اللحظات الثمينة لن تكرر كثيرا ....
إستمرت لحظاتهم الحميمية .. فقالت و هى تلتقط أنفاسها من عمق قبلاته دون وعى منها :
- بحبك .
تطلع إليها حمزة بقوة و سألها بإبتسامتة المشاغبة و التى عشقتها كما عشقته :
_ قولتى إيه .
فقالت مسرعة و كأنها تريح كتفيها من حمل ثقيل أنهكها لسنوات :
- بحبك .. و الله بحبك .. و علشانك ممكن أعمل أى حاجة .. بس أبقى معاك .
إحتضنها بقوة.. و عاد لقبلاته الساخنة .. ساحبا إياها لعالم لم تختبره من قبل .
بعد فترة من الوقت قبل رامى جبهة ليال و هى نائمة على صدره .. و همس لها قائلا :
- ده الجواز ده طلع حاجة ملوكى قوى قوى .. بس إنتى إيه طلعتى صاروخ .
إبتسمت بخجل و هى تلملم شعراتها الذهبية العابثة .. ثم رفعت عيناها و تطلعت لرامى بحب و قالت برقة :
- ربنا يخليك ليا .. إنت ما تعرفش إنت غالى عليا إزاى .
إستنشق عبير شعراتها و قال بمشاغبة :
- وإنتى كمان يا عمرى أغلى حاجة فى حياتى كلها .. بقولك إيه هو الكلام هياخدنا و مش ها .... .
قاطعته قائلة بجدية :
- رامى .. أنا تعبانة وعاوزة أنام .. done .
صاح بها قائلا بحدة :
- هى غزل ورايا ورايا حتى فى سريرى .. لا لن أسمح .
ضحكت و إستندت على صدره بذقنها و قالت بدلال :
- طب هتسبنى أنام بقا .
هز رأسه نافيا و قال بصوت رائق و متسلى :
- ﻷ يا عسلية مش هسيبك ده أنا عندى كلام كتير قوى عاوز أقولهولك و مش ناوى أنسى حرف منه .
دفعها بعيدا عنه بقوة .. و صفعها على وجهها و قال بغضب هادر :
- إطلعى بره .. و إياكى تفكرى ثانية فى اللى حصل بينا .. ده كان لعب عيال و إنتهينا ... مفهوم .
وضعت ميناس يدها على وجنتها متألمة من صفعته المباغته .. ثم وقفت و إرتدت فستانها و خرجت تركض لغرفتها باكية .. جذب حمزة كرسيه و إرتدى بنطاله و جلس عليه و حطم كل ما طالته يده من شدة غضبه .. فعجزه و شلله يقتله .. توجه ناحية شرفته و تطلع بالسماء و قال بحرقة و ألم :
_ سامحنى بقا يا رب أنا تعبت .. كفاية بقا .. كفاية .
تنفس بصعوبة و قد نهج صدره و سأل نفسه بضيق لما إنصاع لرغباته المكتومة .. لحب أرهقه .. و هو يعلم أنها ستتركه يوما ما .. حتى و لو كانت تعشقه .. إشتعلت عينيه و لملم شعراته فى عقدتها و هو يفكر بجدية ... إذا ... فليتركها هو أولا .
فى الصباح دلفت دنيا غرفة غزل و أيقظتها .. جلست غزل بفراشها و قالت بإرهاق :
- سبينى نايمة شوية يا دنيا هموت من تعبى .
إقتربت منها دنيا و قالت بخوف :
- أصل .. أصل يعنى .
تسلل القلق لقلب غزل وصاحت بها قائلة بذعر :
- بتقطعى ليه قلقتينى .
فقالت لها دنيا بحزن :
- أصل ستى رأفة تعبانة قوى و مش راضية تبين لحد .. بس دلوقتى .....
إتسعت عينى غزل و وقفت مسرعة و ركضت لغرفة جدتها .. فوجدتها ممدة و وجهها شاحبا و تتصبب عرقا .. أحضرت جهاز الضغط و السكر و عاينتها فعلمت أنها فى حالة إحتضار و أن أجهزتها بدأت تفقد قدرتها على العمل بشكل طبيعى خرجت مسرعة من غرفتها و إنهمرت دموعها .. ثم تذكرت فارس فركضت ناحية غرفتها و حملت هاتفتها و هاتفته وإنتظرت تى أتاها صوته ... فقالت بصراخ مؤلم :
- إلحقنى يا فارس تيتة بتموت .
مرت أيامهم سريعة على البعض.. و بطيئة على أغلبهم .. فلم تتحسن حالة رأفة .. و ظلت على حالتها و غزل لا تتركها حتى بدأت تذبل من إهمالها لنفسها و هى على أمل أن تتخطى جدتها محنتها و تعود إليها بحنانها و دفء حضنها .. وقف أحمد بجوارها و قال بقلق من شحوب وجهها و الإرهاق البادى على ملامحها الثائرة :
- لازم ترتاحى شوية يا غزل .. حرام عليكى نفسك .
لم تجبه .. ربما لم تعد تمتلك الكلمات أو ربما نفدت طاقتها و هى لا تقوى على تحريك شفتيها لتتحدث .. ربتت سالى أيضا على يدها و قالت بقلق :
- أحمد عنده حق يا غزل لازم ترتاحى شوية بقالك أربع أيام على الحالة دى .
أومأت رأسها نافية و هى تتأمل ذبول جدتها بفراش الموت .. فهى على يقين أنه لم يبقى لها سوى ساعات بهذه الدنيا المؤلمة .. كيف ستتحمل العيش بدونها .. و تحرم من حنانها و إبتسامتها الحالمة ...
نعم هى فترة قصيرة التى جمعتهما سويا .. و لكن حنان جدتها و حبها شملها بدفء غريب كانت فى أشد الإحتياج عليه .
شعرت بالملل و هى جالسة بمفردها .. فجلست بجواره على الفراش و حركته قائلة بضيق :
- رامى .. قوم بقا كل ده نوم .. أنا جعت .
تململ فى نومته و تمطأ بكسل و إبتسم و هو يتابع غضبها اللذيذ و الذى يدعوه للإنقضاض عليها و إلتهامها دفعة واحدة .. و لكنه تحكم فى أفكاره الجامحة و قال بإبتسامة عاشق :
- يا صباح العسل والشهد عليكى يا عسلية .
إبتسمت بمكر و هى تقرأ لهفته عليها بعينيه ثم إعتدلت فى جلستها و أشاحت بالغطاء من عليه و قالت بحزم :
- قوم يالا خد شاور علشان ننزل نفطر تحت .
جلس و إستند على وسادته و جذبها من ذراعيها لتستقر فى حضنه .. ثم قال بمداعبة :
- و ننزل ليه بس .. أنا مش عايز أشوف حد غيرك .
إبتعدت عنه و هى ترمقه بنظرات غاضبة .. ثم قالت بضيق :
- أنا زهقت من القعدة فى الأوضة و هننزل نفطر تحت معاهم لو سمحت.
أومأ برأسه موافقا و قال و هو ينهض من الفراش :
- حاضر جهزى نفسك و ننزل سوا .
أشرفت ميناس بنفسها على طاولة الإفطار و حرصت على ألا ينقصها شئ .. فهذه أول مرة سيتناولون الإفطار سويا .. و يجب أن يكون كل شئ على ما يرام .
هبطا العاشقين الدرج و هما فى قمة سعادتهما .. إستقبلتهم ميناس بإبتسامتها البريئة و إحتضنت ليال و قالت بفرحة :
- مبروك يا عمرى .
قبلتها ليال فى وجنتها و قالت بخجل :
- الله يبارك فيكى .
جلسا على السفرة و أخبرت الخادمة حمزة فخرج إليهم و إقترب من الطاولة وقال مرحبا :
- إيه ده العرسان مشرفنا على الفطار .
فقال رامى بضيق :
- أيوة يا صاحبى .. ولو إنى ما كنتش عاوز أشوفك قبل إسبوع بس زى بعضه ليال أصرت نفطر سوا .
وجه حمزة حديثه لليال وقال :
- منورة الدنيا يا عروسة .
ردت بخجل :
- شكرا .
بدأوا فى تناول إفطارهم و رامى يطعم ليال بيديه .. و بين الحين و الآخر يميل لأذنها و يقول لها أشياء تزيد من تورد وجنتيها .. و إبتسامتها الخجلة .. كانت ميناس تتابعهم و تتمنى أن يشعر بها هذا الحجر الجالس بجوارها و لكن دون فائدة ..
بعد الإنتهاء من وجبتهم وقف رامى و قال لليال :
- تعالى معايا يا لولو علشان أوريكى جنينة القصر هتعجبك قوى .
وقفت و إتجها للباب المطل على حمام السباحة الكبير و رامى يحاوط كتفيها بذراعه و هى تحاوط خصره بذراعها .. تنهدت ميناس بألم و هى تتطلع إليهما و إلى سعادتهما .
وقفت ميناس فى شرفة غرفتها تتطلع لهما و رامى يداعب ليال فتبتعد عنه فيقرر حملها و الدوران بها .. لتتعالى ضحكاتهم .. ضحكت ميناس و هى تتابع مرحهم .. بينما تنهد حمزة بضيق و هو يتابع نظرات ميناس إليهما ..
يعلم أنها تحتاج من يعشقها و يبادلها عشقها و يعطيها حقوقها الزوجية كأى إمرأة .. و لكنه أضعف من أن يفك قيدها به و يتركها لغيره .
أحضر فارس أكبر الأطباء لمعاينة رأفة و الوقوف على آخر المستجدات بحالتها الصحية .. و وقف هو و غزل فى إنتظار خروجهم .. بعدما إنتهوا تركوا رأفة و خرجوا .. إقترب منهم فارس و سألهم بقلق :
- إيه الأخبار يا دكاترة طمنونى .
أومأ أحدهم برأسه متألما و قال بحزن :
- الصراحة يا فندم خلاص هى فى أخر دقايق ليها .. إدعولها بالرحمة .
دفنت غزل وجهها بين كفيها و إنهارت باكية .. ثم كففت دموعها و دلفت غرفة العناية لجدتها لتودعها .. إقتربت منها ببطء و هى تتصنع القوة و ترسم إبتسامة باردة على شفتيها و دنت منها و قبلت كفها و قالت بخفوت :
- تيتة .. يا تيتة ردى عليا إنتى سمعانى .
إلتفتت إليها رأفة برأسها .. و تطلعت إليها مطولا .. ثم نزعت قناع الأكسجين و حاولت الكلام قائلة بوهن و صوت غير مسموع :
- إنتى ... قوية .... خلى بالك .... من ليال ... و ميناس .... و دنيا .
أومأت غزل برأسها و قبلت كفها .. و دموعها لا تتوقف .. تركتها و خرجت وقفت أمام فارس و قالت بقوة زائفة :
- دلوقتى تقدر تعرف ليال وميناس .
ماهى إلا ساعات قليلة و حضر الجميع .. بدأت لحظات الحزن و الصراخ و العتاب لإخفاء الأمر عليهم .. و غزل فى عالم آخر .. حتى إقترب منهم الطبيب و قال بحزن :
- البقاء لله يا جماعة .
تعالى الصراخ و إنهمرت الدموع على فراق غالية كانت لهن كل شئ .. لم تكن ليال أضعف من هذه اللحظة فحنان جدتها هو ما عوضها حنان أمها و الآن تشعر باليتم مرة أخرى ..
و إنهيار ميناس المؤلم لأنها إبتعدت عنها من أجل شخص أنانى لا يفكر سوى بنفسه و فقط .. أما غزل فقد قلق عليها الجميع لأنها لم تبكى و لم تصرخ و لكنها إستقبلت الخبر بوجوم و شرود و كأن عقلها رفض تصديق الأمر .. إحتضنتها سالى و قالت بدموعها :
- إذكرى الله يا غزل .
فقالت بثقة فى رحمته و مغفرته :
- إن لله وإن إليه راجعون .. ربنا يرحمها ويغفر لها .
إنتهت مراسم الدفن و بدأ العزاء .. و غزل لا تترك غرفتها ظلت تصلى و تصلى و هى تدعو لها الله حتى يغفر لها و يرحمها .. و كان المصحف الشريف لا يترك يدها و هى تتلو آياته ليهدأ قلبها و تستكين روحها المتألمة .. زاد قلق الجميع عليها و على إنطوائها .. و بقيت معها ليال و ميناس بعدما إستمرت حالتها لأيام و هى ترفض الأكل و التحدث .. و لم تذرف دمعة واحدة ..
طلب فارس من والدته أن تخبر غزل بأنه يريد الحديث معها بعدما شعر الجميع بالقلق على حالتها .. فوافقت دلف غرفتها و معه والدته .. طالعها بحزن من هيأتها الذابلة و هى تجلس على طرف فراشها مرتدية عبائة سوداء و حجاب أسود و عيونها زائغة بشرود ... جذب كرسى المكتب و جلس أمامها و هى مطأطأة رأسها بحزن .. رفع وجهها بأنامله لتتقابل عيونهما فقال و هو يتطلع لضعفها المؤلم :
- هتفضلى حابسة دموعك دى لغاية إمتى .
لأول مرة تشعر غزل بخنقة فى صدرها .. و كأنها لم تعد تقوى على كتم النيران بداخلها .. لاحظ فارس إحمرار عينيها و لمعتهم و التى سببتها تلك الدموع المخزنة .. فأردف قائلا بحنو :
- خرجى اللى جواكى يا غزل .. حرام عليكى نفسك .. سيبى دموعك تنزل علشان ترتاحى .
ما أن أنهى كلماته حتى سقطت دموعها بغزارة فمد يده ليمسحها .. نظرت إليه و قلبها يخفق بقوة كأنه لامس قلبها لا وجنتها .. و بدأ نحيبها .. دخلت ليال لغرفتها .. و إحتضنتها بقوة و هى تبكى على بكائها .. ثم قالت بوهن :
- المفروض إنتى اللى تقوينا يا غزل .. إحنا محتاجينك قوى .
تذكرت غزل طلب جدتها الأخير بأن تهتم بالفتيات .. فكففت دموعها و إحتضنت ليال و قالت بصمود :
- إنتوا خلاص بقيتوا أمانة فى رقبتى .. و إن شاء الله هكون قد الأمانة و هحميكم و هبقى كل حاجة ليكم و مش هسمح لحد يأذيكم و لو كان مين .
تنهد فارس براحة و هو يتطلع إليها و إلا صلابتها ووقوتها .. فهى رغم كل شئ
مرت أيامهم سريعة و عادت غزل لعملها و عادت ليال و ميناس لزوجيهما .. و بقيت دنيا هى ونيس غزل الوحيد ..
لم تعد غزل المرحة المشرقة بعد و لكنها كانت تتصنع القوة لتمر أيامها .. كانت تجلس بغرفة جدتها أغلب الوقت تشتم ملابسها و تنام بفراشها .. علها تروى شوقها إليها .. و كان مهاب الوحيد الذى له القدرة على رسم الإبتسامة على شفتيها فأصبح رؤيته يوميا من أهم لحظات يومها الحزين .
كان يستقل السيارة الأجرة و هو غاضب من تصرفاتها الغير مسئولة و التى دفع ثمنها غاليا .. فقرر عودتها معه و لو بأى ثمن .. وقفت السيارة الأجرة أمام مدخل الحارة .. فترجل منها و هو يتطلع حوله بإشمئزاز .. سار قليلا .. ثم سأل أحدهم على منزل رأفة .. فأشار إليه على المنزل .. فتوجه إليه بعدما تذكره .. لاحظ بونجا دلوفه للمنزل فسأل الشخص الذى كان يقف معه قائلا :
- هو الواد ده عاوز مين .
رد عليه :
- بيسأل على بيت الحاجة رأفة الله يرحمها .
أومأ بونجا برأسه و توجه للوكالة مباشرة .. وقف أمام فارس المنهمك فى بعض الأوراق أمامه و قال بهدوء :
- لو ممكن تانية يا ريت .
رفع فارس عينيه و قال متسائلا :
- فى إيه .
- فى واحد فرفور كده دخل بيت الحاجة رأفة من شوية .
فسأله فارس بضيق :
- و ده مين ده إن شاء الله .
حرك بونجا كتفيه و قال :
- مش عارف .
فوقف فارس على الفور و توجه للمنزل مسرعا خوفا عليها من هذا الغريب.
سمعت دنيا طرقات على باب الشقة .. فوقفت و توجهت للباب و فتحته .. تطلعت لهذا الوسيم الذى يقف أمامها .. شكله مألوف عليها بعض الشئ .. فسألته بإهتمام :
- مين حضرتك و عاوز إيه ؟!
فسألها بهدوء :
- غزل موجودة لو سمحتى .
قطبت دنيا حاجبيها بتعجب و قالت بتوجس :
- أيوة موجودة أقولها مين حضرتك .
خرجت غزل على صوت دنيا و هى ترتدى حجابها الأسود و قالت :
- بتكلمى مين يا دنيا .
حتى إتسعت عيناها من المفاجأة .. تطلعت إليه مطولا و إبتلعت ريقها بتوتر ...
لم تحد بعينيها عنه و هى تتسائل بتعجب .. هل هى نائمة الآن و تحلم أم أنها تراه أمامها حقا .. رسمت على ملامحها الجدية و قالت بقوة :
- إدخلى أوضتك إنتى يا دنيا لو سمحتى .
تعجبت دنيا من طلبها .. و لكنها إمتثلت لأمرها و إنصرفت .. فقالت غزل بشعور متخبط ما بين الإشتياق و الضيق :
- إتفضل إدخل .
فأتاها صوت فارس الغاضب قائلا بضيق :
- هو مين ده .. و يتفضل فين .
إلتفت إليه ذلك الشخص و طالعه بنظرة تفحصية قوية .. ثم عاد ببصره لغزل و سألها بسخرية :
- مين ده يا غزل .
إحتدت نظرات فارس و سأله بنفاذ صبر :
- إنت اللى مين .. و عاوز منها إيه بالظبط .
ردت غزل مسرعة بعدما إستشفت حدوث مكروه بعدما إشتعل جمر عينى فارس من غيرته فقالت مسرعة :
- ده علاء أخويا يا فارس .
إرتاحت ملامح فارس و قال بإحراج :
- تمام .. أنا إفتكرته حد غريب فاخفت عليكى .. عن إذنكم .
و تركهم و إنصرف .. عاد علاء بعينيه إلى غزل .. ثم دلف للشقة و أغلق ورائه الباب و قال ساخرا :
- كنتى فاكرة إنى هسيبك .. أدينى وصلتلك .
ردت غزل بتخوف مخفى وراء صرامتها حيث قالت :
- و إيه اللى جابك أصلا .. رجوع معاك و مش هرجع .
بدا الإنفعال واضحا عليه و هو يصيح بغضب :
- مش بمزاجك و هاتيجى معايا لأميريكا تانى .. إحنا بسبب غبائك خسرنا كل حاجة .. و مش هسمحلك تهدى اللى إتبقى .
ردت ببرود :
- مش فاهمة حاجة منك على فكرة .. قصدك إيه .
إقترب منها و هو يحدجها بوعيد:
- هترجعى معايا و هتتجوزى مجد .. و إلا هقتلك و أخلص منك .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بإستخفاف :
- يا مامى خفت .. إنت صعبان عليا جدا والله .
فقال علاء بجمود و هو يحدجها بنظراته القوية :
- لازم تخافى منى بجد يا غزل .. لأنى المرة دى يا قاتل يا مقتول .
جلست على الأريكة و قالت بسخرية واثقة :
- مش خايفة منك يا علاء .. و لو عاوز تموتنى موتنى خلينى أرتاح .
زادت نوبة غضبه منها فإقترب منها وصفعها على وجهها بقوة .. فصرخت متألمة .. وقف فارس منتفضا .. فسأله والده بقلق :
- مالك يا عوو .. فى حاجة يا إبنى .
أجابه فارس بقلق :
- كنت حاسس إن فى حاجة هتحصل .. قوم معايا يا حاج غزل فيها حاجة .
وقف صبرى و قال بخوف :
- إستر يا رب .. قدامى يا إبنى نطمن عليها .
ركضت دنيا وإحتضنت غزل و صاحت بعلاء بحنق :
- إنت بتضربها ليه .. هو بالعافية يا أخى .
إجتذبها علاء من ذراعها ليبعدها عن غزل و قذفها على الأرض بالقوة .. فارتطمت بباب الشقة .. و تألمت من ظهرها .. فصرخت غزل قائلة :
- دنياااااا .
مما جعل فارس يصعد الدرج ركضا .. و طرق الباب بكل قوته .. إعتدلت دنيا فى جلستها و حاولت الوصول لمقبض الباب .. فجذب علاء غزل من حجابها .. حاولت تخليص نفسها من قبضته فبقى حجابها بيده وركضت لغرفتها فجذبها من شعراتها فصرخت متألمه .. بينما قال لها بتوعد :
- هقتلك و الله .. لو ماسمعتيش كلامى هقتلك .
وصلت يد دنيا أخيرا لمقبض الباب فاندفع فارس للداخل تطلع لدنيا الملقاه على الأرضية .. و لكنه رأى علاء و هو يجذب غزل من شعراتها و صوت صراخها يفجر رأسه فركض نحوه و جذبه من ذراعه و لكمه فى أنفه فسقط على الأرض بعد أن تطايرت الدماء من وجهه .. إقترب فارس من غزل و سألها بقلق :
- إنتى كويسة يا غزل .
أومأت برأسها و هى ترتجف من خوفها .. إنحنى على الأرضية و حمل حجابها و غطى به رأسها مسرعا .. ثم تطلع ناحية علاء الذى غطت وجهه الدماء .. و هو يمسك أنفه بأنامله فى محاولة لوقف النزيف و يرفع رأسه للأعلى .. دخل صبرى مسرعا و قال بغضب :
- إنت إزاى تمد إيدك عليهم يا حيوان إنت .
رد فارس و هو ينوى الإنقضاض عليه مرة أخرى :
- مش هاسيبك غير و إنت ميت .
وقفت غزل أمامه مسرعة و قالت بخوف :
- ﻷ يا فارس ده أخويا .
هدأت نوبة غضبه قليلا و قال بصرامة :
- ما يمدش إيده عليكى برضه .
ردت مسرعة :
- عندك حق بس برضه مش هستحمل عليه حاجة .
و إتجهت لغرفتها و عادت معها منشفة أعطتها لعلاء لتجفيف آثار الدماء من وجهه .. و عاينت أنفه فقالت بفزع :
- مناخيره إتكسرت .. لازم يروح المستشفى فورا .
أزاح علاء يدها عنه و قال بغضب :
- عمك طلع عنده حق .. بتتحامى فى البلطجى ده .
صفعته غزل على وجهه و قالت بصرامة :
- إياك تغلط فيه إنت سامع و لا ﻷ .
وقف الجميع مذهولين من فعلتها .. بينما إحمرت عينى علاء بغضب و قال بقوة أرعبتها :
- قسما بالله ما هسيبك و هندمك ندم عمرك .
ضحكت بسخرية و قالت بإستخفاف :
- ولا تقدر تعمل حاجة .. و إتفضل إطلع بره .
وقف متثاقلا .. ثم رفع سبابته بوجهها وقال محذرا و مهددا :
- مش همشى من هنا غير و إنتى معايا .. و مش هسيبك لواحدك ثانية تانى .
جذبه فارس من ذراعه و قال بتذمر :
- هى مش قالتلك إطلع بره .. ورينا بقا عرض أكتافك .
و دفعه على الدرج .. و أغلق فى وجهه الباب .. ثم ساعد دنيا فى الوقوف .. و إقترب من غزل الحزينة و التى يعلو وجهها الوجوم .. ربت صبرى على كتفها وقال بحنو :
- ما تزعليش يا بنتى .. هو أخوكى برضه ومن حقه إنك ترجعى معاه.
ردت غزل ساخرة :
- أخويا ده حاول يبيعنى علشان الفلوس للى هيدفع أكتر .. و هربت منه و رجعت مصر .. جاى تانى علشان يرجعنى لأنه لقى اللى هيدفع برضه .
إتسعت عينى فارس و هو يسمع كلماتها المغلفة بالحزن و الخوف .. الخوف تذكر حديثها لرأفة و هى تقول لها أن صديقها طوال عمرها كان الخوف والذى إختفى معه .. لأنها تشعر بالأمان بجواره ..
إنتبهوا جميعا على صياح علاء أسفل البناية .. و هو يسبها بأبشع الألفاظ و يتهمها هى و فارس أنهما على علاقة ببعضهما .. هبط فارس الدرج و هو يتوعده .. ركضت ورائه غزل من خوفها .. ما أن وصل إليه فارس حتى إنقض عليه و ضربه مرة أخرى .. فسقط على الأرض متألما و صاح بصوت عالى :
- بتضربنى علشان عاوز أحمى أختى منك بعد ما مرمغت شرفنا فى التراب .
صرخت به غزل و قالت بصدمة :
- حرام عليك .. بتفترى عليا ده أنا أختك .
وقف متألما و قال ساخرا :
- أختى و مشيتى فى الغلط .. و سلمتى نفسك للأستاذ ده .
سلط فارس نظراته النارية على وجهه وضربه مرة أخرى وقال بشراسة :
- دى أشرف منك يا إبن ال..... يا ... .
فصرخ علاء و هو يتلقى الضربات من فارس وقال بخبث :
- يعنى تضيع أختى و تضربنى فى الآخر .. شاهدين يا ناس .
قالها علاء و هو يرى تجمع أهل الحارة حولهم .. وصل رامى أخيرا بعدما هاتفه بونجا .. و إجتذب فارس بعيدا عنه بالقوة .. فصاح به فارس بغضب :
- سبنى يا رامى أقتل إبن ال... ده .
عنفه رامى قائلا :
- إهدا بقا يا فارس مش كده .
إستغل علاء بعد فارس عنه و أكمل كذبته و تجنيه على أخته فهى لن تتحمل العيش بالحارة بعد هذه الفضيحة .. فقال بمكر ودهاء :
- خدت منها اللى إنت عايزة و رميتها .. و عامل كبير الحارة و إنت بتنجسها مع أختى اللى سلمتلك نفسها .
هنا ثار عليه رامى أيضا و لكمه بوجهه فسقط على الأرض مجددا .. فركله فارس بقدميه و هو يصرخ به قائلا :
- هموتك .. مش هسيبك عايش يا ..... .
إنتبه الجميع على صراخ دنيا بعدما سقطت غزل مغشيا عليها .. ركض نحوها فارس و رامى .. حاولوا إيفاقتها و لكن دون جدوى .. حملها فارس و توجه ناحية سيارة رامى و مددها على المقعد الخلفى .. إستقل رامى السيارة مسرعا وأدارها .. و صعد فارس بجواره و إنطلق رامى مسرعا .. لم يرأف علاء بحال أخته و تابع قائلا بتهكم :
- شاهدين يا ناس .. لعب على أختى و ضحك عليها .. ربنا يستر و ما تكونش حامل منه فى الحرام .
وضع علاء كفيه على أذنه بعدما دوى صوت رصاصة بالهواء ضربها صبرى من مسدسه و قال بغضب هادر :
- كلمة واحدة منك يا ... إنت و هطخك و لا هيتهزلى جفن .. و لا هعمل حساب لعضم الطربة .
إبتلع علاء ريقه بصعوبه .. ووقف متألما .. و تحامل على نفسه و قال بقلق :
- أختى و هاخدها و مش هسيبها تانى خليكم فاهمين ده كويس .
وجر قدميه بتثاقل و هو ينصرف .. ثم صاح صبرى بالمتجمعين حوله من المشاهدين و قال بحزم قاطع :
- يالا إنت وهو بتتفرجوا على إيه .. كل واحد يشوف مصلحته .
باتت مشاعرى تنزف و تُستهلك بقوة .. لم أعد أحتمل أكثر ... لأول مرة أستسلم و أتمنى الموت .. ربما به الراحة و السكينة المنشودة و التى طالما ما بحثت عنها ...
لماذا أحيا بدنيا أخذت منى الجميع .. و تركونى لوحدتى و ذكرياتى معهم .. تركونى بغابة مليئة بالحيوانات المفترسة و التى تترقب وقوعى و هوانى لتلتهمنى دون رحمة أو شفقة ...
و لكن ..
الأصعب أن يأتيك الغدر من أقرب ما لديك بالدنيا .. تؤلم .. تؤلم جدا .. و تحطم أرواحنا و تخترق وجداننا كخناجر مسممة تخترقك مسببة آلام و جروح و قروح تنضح صديدا لا تندمل ...
إخترق عالمها الأسود صوتا أصبح لها القشة المتعلقة بها و تستقوى بحنانها .. و هو يصيح بها بقلق :
- غزل ... ردى عليا .. إنتى سمعانى .
لم تجبه و لم تتحرك .. فتطلع فارس ناحية رامى و هدر به بشراسة :
- سوق بسرعة بقا .
أومأ رامى برأسه و زاد سرعته و أجابه بتوتر :
- ما تقلقش يا فارس .. غزل قوية إسألنى أنا .
وصلوا أخيرا للمشفى .. حملها فارس و وضعها على الفراش المتحرك .. و دلفت لغرفة المعاينة .. هرول إليها طبيبان لمعاينتها .. وقف فارس يتقلب على نار غضبه و قلقه عليها ..
بدأت الإضاءة فى العودة مجددا .. بصور متقطعة و أشباح بيضاء تتحرك أمامها .. و آلام حارقة تخترق أنفها و تجبرها على العودة ..
تأوهت غزل و هى تفتح عيناها بوهن .. لتضح الرؤية أمامها و ترى فوق رأسها أناسا يحدجون بها و يتحدثون بكلمات مبهمة لم تستطع تفسير أغلبها و لكنها باتت تفسرها الآن ..
إنطبقت شفتاها و كأنهما إلتحما بغراء و إنسابت دموعها بهدوء مقلق و هى تتذكر كلمات علاء المؤلمة .. آلمها من قبل أكثر .. و لكنها كانت وقتها أقوى ..
أما الآن فهى ضعيفة .. هشة .. سهل كسرها و تهشيمها لآلاف القطع ....
بدأ فارس فى قضم أظافره من شدة توتره .. حتى خرج إليهما الطبيب و قال بهدوء :
- ما تقلقوش يا جماعة .. دى إغمائة بسيطة سببها صدمة عصبية و هى بقت كويسة دلوقتى .. تقدروا تشوفوها .
زفر رامى براحة و قال :
- الحمد لله .
دلف فارس مسرعا لغرفتها .. وجدها مستلقية على الفراش فى هدوء و دموعها تذرف فى صمت .. و هى تتطلع بالاشئ .. بوجه شاحب و عيون ذابلة تحيطها هالات سوداء زادت ملامحها حزنا و قهرا ... إقترب منها و مال نحوها و قال بقلق :
- غزل .. إنتى كويسة .
تحركت مقلتيها صوبه بنظرة منكسرة و مجروحة .. ليتألم قلبه بشدة على حالتها .. فتوالى الأحزان عليها أفقدها حيويتها المشعة و إنطلاقتها و التى تنير الكون من حوله .. فأردف قائلا بألم :
- مش هستحمل أشوفك فى الحالة دى .. ردى عليا أرجوكى .
هزت رأسها بقهر و قالت بنحيب :
- أخويا .... أخويا .
كفف فارس دموعها و ملس على وجنتيها برفق و قال بضيق :
- ﻷ مش أخوكى .. ده شيطان .. كويس إنك سبتيهم و رجعتى مصر .
فقالت بألم و هى تبتلع ريقها بصعوبة :
- مش هرجع الحارة تانى .. مش هقدر أبص فى وشوش الناس خلاص.
إستنكر فارس ضعفها و تمسك بكتفيها و هزها بقوة و قال بصرامة :
- إنتى ما عملتيش حاجة غلط علشان تتكسفى .. إنتى قوية مش ضعيفة كده .
صرخت غزل قائلة بقهر :
- ﻷ أنا ضعيفة و ضعيفة قوى كمان .
إبتعد عنها قليلا و هو يطالعها بصدمة .. بينما أردفت هى قائلة بوهن :
_ أنا تعبت بقا خلاص تعبت .. و الله تعبت .
هدأها قائلا بقوة بعدما فكر بحل لمشكلتهما :
- إهدى يا غزل علشان خاطرى .. أنا عندى حل للمشكلة دى وهردلك كرامتك قدام الكل .
تطلعت إليه بإهتمام فى إنتظار حديثه .. فقال بعملية :
- هنكتب كتابنا .. و بكده محدش هيقدر يفتح بؤه معاكى بحرف .
لو كانت بظروف أفضل من الآن لتعلقت برقبته و ضمته إليها بسعادة .. و لكنها وجدت نفسها تضحك ساخرة و تعالت ضحكاتها و قالت بصوت مختنق :
- عاوزنى أصلح الغلط بغلط أكبر .. ﻷ طبعا مش موافقة .
شعر بغصة فى حلقه و هو يتابع سخريتها من طلبه .. و التى تعتبره هى "غلطة" .. فأردف قائلا وهو يدارى غضبه بحزم منتصبا فى وقفته :
- أنا كمان كلام أخوكى طالنى .. و الحل ده علشان كرامتى قبل كرامتك.
لاحظت تبدل قلقه عليها لغضب منها .. ففطنت لغلطتها .. فإعتدلت فى نومتها و جلست نصف جلسة و قالت مسرعة بتأسف :
- مش قصدى حاجة صدقنى .. بس كمان ده جواز مش لعبة .
وضع فارس يديه بجيبه و قال بإستخفاف يخفى ورائه حنقه :
- هو هيبقى لعبة لغاية أخوكى ما يغور و بعد كده كل واحد مننا يشوف حاله فين .. فكرى و إبقى ردى عليا .
و تركها و خرج يشتعل من غضبه .. لم يقترب منه رامى بعدما سمع حوارهم .. تركه يبتعد بهدوء فهو يعلم مدى غضبه الآن .. فهذه المتعجرفة رفضت طلب إعتقده الجميع مستحيلا ..
تنهد مطولا و هو يتطلع بأسى لآثر فارس الغاضب .. فإبن عمه سقط فى فخ الحب .. فعاشق مثل رامى يشعر بمن يعشق بقوة مثله .. و فارس تعدى مرحلة الحب و العشق .. بكثير ...
رفع عينيه بملل و دلف لغرفة غزل فوجدها جالسة على الفراش و متمسكة به بيديها .. ورأسها بحزن .. لم يستطع تفسير سبب حزنها أهو على غدر أخيها .. أم على تسرعها و غبائها بما إقترفته بحق فارس ..
عادت غزل لشقتها مع رامى .. إستقبلتها دنيا بقلق .. و إحتضنتها قائلة بخوف :
- إنتى كويسة يا غزل .. كنت قلقانة عليكى قوى .
ملست غزل على ظهر دنيا بحنو و قالت بوهن :
_ ما تقلقيش يا حبيبتى
فقال لها رامى مسرعا :
- همشى دلوقتى يا غزل .. وهسيب حد يحرس البيت من تحت علشان الواد ده ميرجعش تانى .. خلوا بالكم من نفسكم .
أجابته غزل شاكرة :
- شكرا يا رامى .. معلش دايما مسببة ليكم مشاكل .
إبتسم رامى و قال بمداعبة :
- إحنا واخدين على كده .. ده الطبيعى.. عموما خلى بالك من نفسك .. سلام .
و تركهم و إنصرف .. إرتمت غزل بجسدها على الأريكة المجاورة لباب الشقة .. جلست دنيا بجوارها و قالت بغضب :
- أخوكى ده حيوان .. ده ماعندوش إحساس و لا بيعرف ربنا .
تنهدت غزل بحرقة .. و وقفت و توجهت لغرفتها و أغلقتها عليها .. و إستندت بظهرها على باب الغرفة و إنزلقت عليه ببطء و قد تركت لدموعها العنان .. جلست على الأرضية تشهق بصوت عالى و هى تبتلع دموعها التى شقت طريقها لشفتيها و طعمها مر كالعلقم .. كطعم أيامها ...
وقفت دنيا وراء الباب تستمع لعويلها و صوت بكائها و الذى يذيب الحجر ... و هى تهز رأسها بشفقة على حالتها ....
فى اليوم التالى .. تفاجأ صبرى و رامى بدخول المعلم سويلم صديق صبرى .. إستقبله صبرى بترحاب كبير .. و بعد قليل أفصح له عن سبب زيارته المفاجئة و أنه هناك جلسة عرفية بعدما إشتكاهم علاء أخو غزل بأنهم يمنعوه من أخذ أخته معه و أن فارس قد إستباح وحدتها و أقام علاقة محرمة معها .. وقف صبرى بغضب و ضرب سطح مكتبه و صاح قائلا بإهتياج :
- قطع لسان اللى يغلط فى العوو بكلمة .. إنتوا مش عارفين هو مين و إبن مين و لا إيه .
هدأه سويلم قائلا بهدوء :
- أنا متأكد إن فارس عمره ما يعمل كده .. بس علشان تبعدوا الشبهات عنكم لازم البت دى ترجع لأهلها .
أجابه رامى بصرامة :
- مش هترجع .. و هتفضل معانا دى أمانة ستها الله يرحمها و إحنا مش هنفرط فى الأمانة .
وقف سويلم و قال بتسليم :
- عموما هنستناكم فى وكالة الحاج على علشان القعدة و هناك قولوا اللى إنتم عاوزينه .. و ياريت العوو يبقى موجود .
و تركهم و إنصرف .. جلس صبرى و هو يزفر بضيق .. فهذا الموضوع لن يمر مرور الكرام .. فسأله رامى متعجبا :
- الواد أخوها ده وصل للمعلمين دول إزاى مش فاهم .
اجابه صبرى بضيق و هو يمسد جبهته بقوة :
- ما يخصناش .. أنا متأكد إنهم هيحكموا إن غزل ترجع مع أخوها .. و إحنا مش هنقدر نساعدها المرة دى .
قطب رامى جبهته و قال بقوة :
- فارس عمره ما هيسمح بكده .. ده بيحبها يا عمى .. هو صحيح ساكت بس الواحد مش أعمى .
أومأ صبرى برأسه وقال مؤكدا :
- عارف ... و هو ده اللى قالقنى .. العوو هيعمل أى حاجة علشان ما يخسرهاش تانى .. إنت ما تعرفش هو تعب إزاى لما بعدت عنه قبل كده .. ربنا يستر .
وقف صبرى متثاقلا و إستند على عكازه و قال بإرهاق :
- أنا هروح البيت أرتاح شوية .. و أتصل بفارس ييجى علشان نلاقى حل فى المصيبة دى .
و ترك رامى بمفرده و سار ناحية منزله بوهن ... يفكر بجدية فى موضوع إتمام إرتباط فارس و غزل خصوصا بعد تأكده من صدق مشاعرهما ..