📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الثالث عشر 13 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الثالث عشر 13 بقلم آية احمد عرفة


13 "ندوب تلاحقني"


«أقسى ما قد يمرّ به المرء هو أن يُخذَل من أقرب الناس إليه، أولئك الذين ظنّ أنّهم ملاذه الآمن وسنده الأوثق. وحين يأتي الاعتذار بعد الألم، نقف حائرين: أَيَكفي اعتذارٌ جاء متأخرًا ليُرمّم ما خلّفه الجرح من ندوب، أم أنّ الوقت إذا طال يفقد الكلمات قيمتها مهما بلغت صدقًا؟
ورغم أنّي لا أحبّذ مقولة " ان يأتي الاعتذار متأخرًا خيرًا من أن لا يأتي ابدا"، فإنّ التجارب تُعلّمنا أنّ المواقف وحدها هي التي تُحدّد إن كنّا سنكشف عمّا خلّفه الأقربون في نفوسنا من ندوب وأذى... أم سنترك الصمت يبتلع كل شيء. بداخلنا»
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانوا ما زالوا يجلسون فوق السطوح، لكنهم الآن قد اجتمعوا حول الطبلية بعد أن هدأ أدهم قليلًا، وإن كان لا يُنكر أنّ نظرات الغضب ما زالت تتسلّل من عينيه نحو أويس بين الحين والآخر.

كان حمزة يراقب هذا الصمت المجبول الذي خيّم على الجالسِين، كأنّ كلّ واحدٍ منهم يهاب أن يقطع خيط الهدوء بكلمة تُفسد ما تبقّى من الودّ. وأخيرًا أردف، وهو يحرّك نظره بينهم:
– هو احنا قاعدين في ميتم؟

ثم أضاف بنبرة خفيفة:
– احنا طالعين هنا عشان نرفّه عن نفسنا، مش علشان نشيل الهم.

خفض نظره قليلًا وتابع:
– كلّ واحد فيكم قاعد شارد في حياته… الحياة اللى محدش عارف هتخبّي له إيه تاني. كل واحد في ملكوت لوحده!

صمت لحظة، ثم استرسل باقية حديثه بنبرة تحمل شيئًا من العمق:
– في واحد فيكم عامل زي الطير اللى تاه ومش عارف يرجع للعِش… وفي اللى محبوس فى القفص وعاوز يفضل كده… وفي اللى حاسس إنه بيتخنق بس جناحاته مقصوصة ومش قادر يطير… وفي اللى بيطير فعلاً، بس جناحه اتكسر وهو في نص الطريق.

كأنّ كلماته قد أخذت نصيبها من صدر كل واحدٍ منهم. كانت نسمات السطح تمرّ فوق الرؤوس ببطء، تحمل معها شيئًا من السكون.

رمقه أخاه بنظرة طويلة، نظرة مَن فهم المعنى المخبوء بين السطور التى القاها، ثم مال إلى الخلف وأسند ظهره إلى الحائط الخرساني. اغمض عينيه قليلًا.

رفع رأسه نحو السماء، والصمت يتدلّى بينهم مثل خيط مشدود، ثم بدأ يغني… كان صوته ينساب في الهواء المفتوح، يرتدّ عن أسطح البيوت، ويتسلّل إلى الليل فيترك فيه رجفة خفيفة. بدا وكأنّه لا يغنّي لهم، بل يعترف… يفضح شيئًا ظلّ يخبئه طويلاً. بدأ الأمر، كأنّه يختبر حديث أخاه الذى القاه عليهم:

– عاشق… سارح في الملكوت.... زى رموش العمر يفوت.....واخد من الحرية حياته.....ولو اتكدب
ل لحظة يموت
3

ابتسم مهاب بخفوت على اخاه فهذه اكثر، اغنية توصف حديث حمزة الذي وصفه بهم، ليسترسل التكملة:
ــــ طير فى السما وملوش جناحات.....قلبه مقيد بالاوهام....بيعافر فى الدنيا وبيحلم بغد بعيد. فيه أمان بس طريقه مليان الغام...


..
ليتابع أدهم وهو يندمج معهم:
ــــ فضل يناضل بالحرية...... ودموعه سكنها الشتوية
عايش حلم كأنه حقيقة.....والدنيا بتدوسه فى دقيقة
...بس الطير بيعافر تانى..... رغم جناحه المقصوص

لينظر مهاب الى أويس لحتى يشاركهم أومأ بمشاركة، وترك لمشاعره هى التى تقوده للتكملة:
ــــ قوم واتحرر من اوهامك..... العمر بيتسرق قدامك
خد قلبك واسمع دقاته .....دا بيحلم فى لحظة يطير
فوق السحاب......حر طليق.

بدأوا جميعهم يتشاركون الكلمات، ويغنوا مع بعض كأنها أغنية واحدة منسجمة…

عاشق… سارح في الملكوت…
زِى رموش العمر يفوت… واخد من الحرية حياته…
ولو اتكدب للحظة، يموت…
1

طير في السما وملوش جناحات…
قلبه مقيد بالأوهام…
بيعافر في الدنيا وبيحلم بغد بعيد فيه أمان…
بس طريقه مليان ألغام

فضل يناضل بالحرية…
ودموعه سكنها الشتوية…
عايش حلم كأنه حقيقة…
والدنيا بتدوسه في دقيقة…
بس الطير بيعافر تاني… رغم جناحه المقصوص…

قوم واتحرر من أوهامك…
العمر بيتسرق قدامك…
خد قلبك واسمع دقاته… دا بيحلم في لحظة يطير…
ويتحرر من القيد....
ويطير فوق السحاب......حر طليق

انتهوا، وهم ينظرون إلى بعضهم، وكان كل واحد منهم قد كشف حقيقة ما بداخله بكلماته، كأن الغناء أخرج كل أسرارهم إلى الهواء، وترك بينهم صمتًا مليئًا بالصفاء والحرية، ثم أردف براء وهو يطالع حمزة قائلا:
ـــ مش شاركتنا ليه يا حمزة؟

تفوه بهدوء:
ــ مش بحب اغنى

اضاف براء متسائلا:
ـــ طيب سمعنا وجهه نظرك بالكلام اللى قولته، يعنى مثلا انت بقى إيه؟

كان حمزة ما يزال يخفض نظره، وقد شبك يديه ببعضهما قبل أن يتنفس بعمق ويجيب:
– أنا؟… أنا المختلف. أنا اللي عايش في ملكوت تاني لوحدي. أنا الطير اللى مش لاقي ليه مكان يطير فيه بحرّية… من غير نظرات مليانة سخرية… من غير شفقة… من غير تنمّر.
توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أهدأ:
– هفضل الطير اللى بيدوّر على حدّ شبهه… يمكن يلاقيه، ويمكن لأ… مش عارف. بس اللي أعرفه إن نظرات الناس ليا بتخلّيني أحسّ بالاختلاف طول الوقت.

ابتسم بخفة وهو يتابع:
– بس أنا مبسوط… ومش مبسوط. حابب إني مختلف… ومش حابب اللي بيسخروا منّي.
ثم رفع عينيه نحو براء:
– بس أنا ماشي بكلامك… هما بيغيروا منّي عشان أنا أحسن منهم. وأنا هكمّل في طريقي… ومش هبص ورايا. لأنك قولتلي… لو بصيت وراك عمرك ما هتتقدّم في حياتك.

ابتسم براء له بفخر:
– حافظ كلّ كلامي!

فأردف حمزة بتلقائيته المعتادة:
– كلامك في قلبي يا براء… وعقلي مسجله لحظة بلحظة. عشان ما اسمحش لنفسي أضعف تاني.


اتسعت ابتسامة براء أكثر:
– أيوه… هو ده حمزة اللي أعرفه.

ثم التفت إلى الآخرين قائلاً:
– مالكم يا جماعة؟ ساكتين ليه؟ قولوا أي حاجة!

تفوه أدهم بصوت منخفض:
– بفكّر في كلام حمزة… حاسس إني أنا الطير اللى بيتخنق… بس جناحاته مقصوصة.

ابتسم حمزة وهزّ رأسه بتأكيد:
– أيوه… كان قصدي عليك.

تدخّل مهاب قائلاً:
– ابقى أنا بقى اللي محبوس جوا القفص!

فنَفَى حمزة ذلك بابتسامة:
– لا… أقصد أويس.

تحوّلت الأنظار نحو أويس، الذي رمق حمزة بنظرة غير مصدّقة. أكمل حمزة:
– من تحرّكاته… من طريقته… استنتجت إنه طير محبوس… وبيحاول يكون حر.

توتر أويس من حدّة الوصف على قلبه، فنهض سريعًا:
– عن إذنكم… أستأذن أنا.

نهض مهاب بدوره:
– رايح فين؟ اقعد شوية.

هز أويس رأسه رافضًا:
– مرة تانية… الوقت اتأخر، يدوب أمشي.

لكن حمزة عقب بنبرة ساخرة خفيفة:
– قصدك يدوب تهرب.

لم يُجب أويس، اكتفى بنظرة قصيرة نحوه، ثم كاد أن يبتعد، لكن أوقفه براء قائلا:
ــ الفجر هيأذن نصلي وبعدين ابقى أمشي.

قال ذلك وهو ينهض، ويرمق الآخرين قائلا:
ــــ ايه، مش ناويين تتحركوا؟

ليستمع الجميع إلى صوت الأذان، نهضوا معًا، فقال مهاب:
ـــ هنتحرك طبعا.

قال ذلك، فهبط الجميع إلى الأسفل. كان أويس يريد أن يرفض الذهاب، لكنه شعر بالحرج. دلفوا الجامع، توضأوا، ثم توقفوا في الصفوف استعدادًا للصلاة. كان هذا المشهد مألوفًا للجميع، إلا أن أويس شعر بغربة بينهم؛ لم يستطع تذكر آخر مرة صلّى بها، ولم يعد يعرف متى كانت آخر صلاة له، ليستشعر براء حيرته، ليؤدي الصلاة معهم اخيرا وكأنه قد كان بيعد كل المدى عن الشئ الوحيد الذى كان واجب عليه القرب منه ليعلم مدى تأثيره بحق نفسه.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

تاركو الصلاة… يركضون خلف الأيام، ينسون أنّ في كل ركعة استراحة للنفس، ومأوى للقلب المتعب. يمرّون بالمساجد كغرباء، يمرّون بالآذان بلا قلب، وكأنهم يتركون جزءًا من روحهم على الطريق. كل لحظة تُفلت منهم كنسمة تمرّ من بين أصابعهم، وكل صلاة لم تُؤدَّ هي نور ضائع من حياتهم.

يظنون أنّهم في أمان، وأن الزمن يغفر لهم الغياب عن الله… لكن القرب من الله ليس مجرد واجب، بل هو حياة للروح، وسكينة للقلب. تاركو الصلاة يعيشون فراغًا لا يملؤه شيء، يبحثون عن الطمأنينة في كل مكان إلا حيث وُجدت أصلًا… بين سجدة وذكر.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان يقف مهاب معه ل حتى يودعه، ثم أضاف أخيرا:
ـــ مش تزعل من حمزة هو صريح بزيادة

أومأ أويس بتفهم وهو ينفى ظنه به:
– لا يا شيخ… مش زعلان ولا حاجة، بالعكس… أخوك لطيف جدًا.
ثم ابتسم بتأثر:
– وبراء بجد انت محظوظ بيه… ربنا يحفظكم لبعض.

قال ذلك قبل ثم صعد دراجته النارية، فقال له مهاب:
– هشوفك تاني… ما احنا مش عرفنا نقعد براحتنا.

ابتسم أويس وهو يضع قدمه على الدراجة ل حتى يدورها:
– عارف… قعدتكم مليانة دفء… وهادية. بإذن الله هاجي تاني.
ثم أضاف بجديّة خافتة:
– ومش تزعل… أنا مكنتش أعرف اللي أيوب عمله… خالص. وانت عارف علاقتي بيه.

قاطعه مهاب وهو يحسه على عدم تكملة حديثه:
– عارف يا أويس. أنت آه ما حكيتليش عنه كتير… بس بعد ما عرفت إن الظابط يبقى أخوك… ربنا يكون في عونك.

هز رأسه ليدور الدراجة، ثم اضاف مهاب:
ـــ هكلمك

ابتسم له وانطلق، تتابعه عيون مهاب حتى اختفى. اقترب بعد ذلك من أدهم وبراء الذين كانا يتحدثان، بينما صعد حمزة إلى البيت ليستمع الى اخر حديث. أدهم قائلا بنبرة خانقة، تعكس ضيقه الشديد.
ـــ أنا بجد مش قادر أفهم، إزاي قبلتوا يقعد معانا بعد اللي أخوه عمله فينا؟

كاد مهاب أن يرد، لكن براء بادر بالحديث:
ـــ ذنبه إيه؟ هنعلق له المشنقة يا أدهم؟ أخوه اللي عمل مش هو.

أومأ أدهم على مضض، قائلا:
ـــ مش هتيجي عليه… اليوم كله كان غريب.

ثم أضاف أخيرًا:
ـــ هامشي أنا بقى، عاوزين حاجة؟

صافحه براء بود:
ـــ سلامتك.

وأضاف بنصيحة:
ـــ افتح صدرك للدنيا يا أدهم، واتعلم مش تاخد حد بذنب حد تاني. خليك متسامح يا أخي، ما تبقاش صعب كده، خليك لين هين.

ابتسم بخفوت، وقال:
ـــ مش لما الدنيا تلين معايا الأول، أبقى أنا الين ليها.

قهقه مهاب عقب حديثه، ثم تفوه:
ـــ دا اسمه أدهم بؤس!

لكزه أدهم بخفة، ثم غادر. دلف مهاب بصحبة أخيه، وصعدوا إلى الأعلى دلفوا الى الشقة. أغلق مهاب الباب خلفه وهو يتثاءب:
ـــ هروح أخطف لنفسي ساعتين عشان أعرف أكمل.

أومأ أخيه له، ليدلف مهاب إلى غرفته. كان حمزة قد غفى، لذا ترك النور مطفأ حتى لا يزعج أخاه. أبدل مهاب ثيابه واستلقى على الفراش، وعقله شارد في المستقبل وما يخبئ له، ثم تمتم بخفوت:

ـــ أترك المستقبل على الله، وأمضي بخطاي بلا خوف، فكل شيء مقدر، وكل قلب خائف يجد سكينته في التسليم. لا أحمل ما لا أقدر عليه، ولا أقلق على ما سيأتي… فالله أرحم بحياتي مني، وأعلم ما يصلح لي أكثر مما أعلم.

في الخارج، خرج براء من غرفته بعد أن أبدل ثيابه، ودلف إلى الغرفة التي تخصه هو وسكن، اغلق الباب خلفه، القى نظرة عليها كانت غافية، اقترب وجلس على الفراش، يطالعها بنظرات هادئة. مدّ يده بخفة، وأزال الخصلات التي تنساب على وجهها.

استلقى على الفراش، ووجهه مقابل لها، لا يعرف إلى متى ظل يتأمل ملامحها… حتى غلبه النعاس وغفى.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ماذا أقول لحبٍّ أخجلت نفسي من الاعتراف به؟ لا أعلم سوى شيء واحد فقط… تلك النغزة العابرة التي أصابت قلبي عند لقائي بك للمرة الأولى. ومع ذلك، أيقنت شيئًا واحدًا، يا من كنت سبب تلك النغزة… أنك سكني الذي لا يزول.
.
.
.
.
.
.
.
.
حلّ الصباح، وانسدل النور على الجميع. فتح عينيه بفزع على طرقات عنيفة على باب الشقة. نهض من على الفراش بتثاقل، وخرج من الغرفة ليفتح الباب، لتعلو الدهشة وجهه، كان أخيه. كان هو من يطرق، دفعه إلى الداخل وصفع الباب بقوة ليغلقه، ثم رمق أخاه بنظرات حارقة تفوه بغضب:
ـــ كنت بتعمل إيه امبارح في بيت الزيني ومع أدهم علوان كمان؟

ثم قبض على ملابسه بقوة قائلا:
ـــ هو أنا مش حذرتك تبعد عنهم؟ بتعاندني صح؟ قاصد تعاندني بعينك يا أويس؟ فاهم؟ مش هسمح ليك تكون شبهه وتضر شغلي اللي بنيت فيه من سنين، دا انا افعصك قبل ما تعمل كده.

قد نفد صبر، وضاق خلقه من معاملة العبيد التى يتلقاها على ايد من كان يجب أن يكون له عونا
دفع يده بغضب قائلا:
ـــ اه كنت عندهم

ثم أضاف مؤيدا كأنه لا يهاب شيئا:
ـــ هروح ثاني وثالث ورابع هناك يا أيوب وابقى ورينى هتمنع حياتى اللى أنا عاوزها ازاي؟

ثم أضاف أخيراً:
ـــ دى حياتى أنا مش سجنك، عاوز توصل لأي بكل اللى بتعمله انك تخليني وحيد

ليصرخ فى وجهوا بغضب وهو يفرد كلتا ذراعيه ويضحك بسخرية وهو يرمق اخاه:
ــــ اتفرج بص حواليك شوف مين معايا، فوق بقى أنا أساسا عايش وحيد، امبارح كنت قاعد وسطهم كنت بشوف معاملة براء لاخواته، حسيت اني يتيم.

ليتابع بغضب اكبر وعبارته تنهمر بألم:

ــ بس الحقيقه ان حياة اليتيم افضل منى بكتير، على الأقل هما بيلاقوا ناس تتعاطف معاهم، بس أنا لو تطولوا تعلقوا ليا المشنقة هتعملوا كده معايا
بدون تردد.

أما عن الآخر كان يرمق اخاه ببرود ليتخلى عن صمته أخيرا:
ـــ خلصت

ثم أضاف محذرا:
ــ الحياة دي انت اللى وصلت نفسك ليها بايدك، والآخر مرة بقولك تبعد عنهم بلاش تعاندني بدل ما ادفعك تمن عنادك.

لكن الاخر رد ساخرا:
ــ أنا بدفع التمن لغايه دلوقتي لدرجة انى من كتر ما دفعته ورحى اللي دمرتها خلتنى مش عارف هو أنا كنت جانى فعلا؟

اقترب أيّوب خطوة إلى الأمام، وكانت نظراته مشتعلة كجمرٍ مكشوف، ثم قال بغلظةٍ محمّلة بالثقل الذي بينهما:

– آه… إنت جانِي، وهتفضل جانِي طول حياتك.

ابتسم الآخر بخفوت، ابتسامة تحمل ما يشبه الانكسار أكثر مما تحمل التحدّي، وقال بهدوءٍ موجع:

– مش عارف إمتى هتفهم إني مَجنيّ عليه… يمكن بعد فوات الأوان تفهم كده.
1

قهقه أيّوب ضاحكًا، ضحكة خالية ولو من بعض الشفقة، ثم أردف بقسوةٍ واضحة في نبرته:

– بلاش تتلاعب معايا بالعواطف.

أما الآخر، فقد ظلّ محتفظًا بابتسامته الهادئة، يرمقه بعينين تحملان مرارة اعتاد إخفاءها، قبل أن يهمس بسخرية:

– مع الأسف… إنت ماعندكش عواطف عشان ألعب بيها.

غضب أيوب من حديثه، فرفع يده وانسدلَت صفعةٌ قوية على وجهه. كاد أن يهوِي عليه بصفعةٍ أخرى، لكن أويس دفعه بعيدًا عنه، وركض إلى المطبخ، ليلحق به الآخر بغضبٍ وهو يتوعد له.

أمسك أويس سكينًا، ورفعها أمام وجهه كمن يحمي نفسه قائلا بصوت مرتجف:
ــ اطلع برا بيتي!

ثم تابع بصوت أعلى:
ــ برااااا! انت هنا في بيتي يا أيوب… مش في مكانك ولا وسط الوحوش اللي شغالين تحت إيدك!

أما أيوب فظل يرمقه بهدوءٍ بارد، وزمّ شفتيه قبل أن يومئ قائلاً:
ــ عاوز تقتلني… زي ما قتلت أخوك؟

ارتجفت يد أويس عند ذكره لتلك الجملة، مما فتح الباب أمام أيوب ليضغط أكثر على هذا الجرح، قائلاً بقسوة قاتلة:

ــ ماسك السكينة ورافعها عليّا… بنفس الإيد اللي رفعت بيها السلاح على أواب أخونا. نسيت؟
انت مش لازم تنسى!
جريمتك لازم تفضل زي الظل في حياتك… محدش بينسى ذنبه.
وخطأك كبير قوي… أخونا مات بسببك، وبابا لحقه في نفس اليوم من الصدمة.
بلاش تهرب من فكرة إنك مذنب… الحاجة الوحيدة اللي رحمِتك من السجن كانت سنّك… وبس!

نظر أيوب إلى السكين التي بدا يرتجف فى يد أويس  ثم تابع ببرود:

ــ ولحد دلوقتي… معرفتش أعاقبك لا على موت أواب ولا بابا.
مهما عملت فيك… هيفضل في حاجة ناقصة.
بس أقدر أعاقبك على اللي بتعمله دلوقتي.

لم يكد أويس يستوعب حديثه حتى اقترب منه أيوب بخفةٍ خاطفة، ودفعه إلى الحائط بعنف، ممسكًا به بيد، بينما ضغطت اليد الأخرى على كف يده التي تحمل السكين. حاول أويس أن يفلت، يعافر بقوة، لكن محاولاته باتت بالفشل، لتسقط السكين من يده أخيرًا.

اقترب أيوب أكثر، وهمس في أذنه ببرودٍ يقطع النفس من حدته:
ــ عشان تبقى تتعلّم… تعمل حاجة إنت مش قدّها.

وما إن أنهى كلماته حتى ضغط بقوةٍ ساحقة على كفّ يد أويس.
تبع ذلك صوتٌ حاد… صوت كسرٍ واضح، سبقه صرخة موجعة خرجت من حلق أخاه.
1

ألْقى عليه نظرة ساخرة، ثم تركه وغادر، غير آبهٍ بالضرر الذي ألحقه بأخيه.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ما أفظع أن يأتيك الألم ممن هم الأقرب إليك… ممن كنت تتوقع أن تشكو لهم، أن تجد الحماية في أحضانهم، فإذا بهم يجرحونك بدل أن يحموك. ألم يأتي من يوجَب عليه أن يكون سندك، فيفعل عكس ذلك تمامًا، يتركك وحيدًا أمام وجعك، تتساءل: كيف لمن يفترض أن يحمي أن يكون سبب الهلاك؟

أحيانًا، لا يأتي الغضب من الفراغ، بل من خوف على ما نحب… من رغبةٍ عميقة في حماية ما نملك، ومن صراع داخلي بين الحب والحرص. القلوب قد تصفع الكلمات قبل أن تصفعها الأيادي، والكبرياء يحرق ما لا تستطيع الأيدي الإمساك به.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

داخل بيت الزيني كانت تجلس مع والديها فعندما أتت في الليل كان قد غفوا لهذا ها هى تجلس الان وقد سردت كل شئ عليهم، ثم اختمت حديثها بتساؤل:
ــــ هعمل ايه دلوقتي

ظل والدها صامت لبضع دقائق ثم أردف أخيرا:
ـــ أنا هتكلم مع براء ونحل الموضوع مش تقلقي.

قال ذلك ونهض ليغادر، لتنظر هند الى والدتها التى ترمقها بنظرات ليست مفهومة:
ــــ فى حاجة

هزت راسها ساخراً:
ـــ هيكون فى ايه اكتر من اللي احنا فيه.

زفرت هند وهى تعلم مغزى حديث والدتها، الذى ولا بد سيعكر صفوها مثل كل مرة.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

فتحت عينيها بثقل، ثم أغمضتهما مرة أخرى قبل أن تعود لتفتحهما سريعًا حين وقعت نظراتها على ذلك الذي يغفو إلى جوارها.
انتفضت بذعر، وارتفع صوتها بالصراخ، ففتح هو عينيه بفزع لا يفهم شيئًا، قائلاً:

ــ "في إيه؟!"

استجمعت أنفاسها لتتمالك نفسها، ثم قالت بنبرة اتهام، وكأنّه اقترف جرمًا لا يُغتفر:

ــ "إنت إيه اللي جابك جنبي؟!"

كاد يرد، لكن طرقًا على الباب أوقفه. نهض وهو يتمتم بالاستغفار في محاولة لتهدئة غضبه، ثم فتح الباب ليجد والدته تقف بقلق ظاهر على ملامحها قائلة:

ــ "في إيه يا براء؟ سِكَن مالها؟"

التفت إليها بنظرة ضيقة من الموقف السخيف الذي وضعته فيه، ثم قال لوالدته بهدوء مصطنع:

ــ "مفيش يا أمي… حلمت بكابوس."
1

أومأت الأم باطمئنان:
ــ "ماشي يا حبيبي. طب يلا… غيروا هدومكم وتعالوا عشان تفطروا."

غادرت، فأغلق هو الباب، والتفت إلى سكن قائلاً بلهجة خافتة لكنها حادة:

ــ "قولت كابوس… مع إن أنا كنت الكابوس نفسه.

اقترب منها وتوقف أمامها، صوته يزداد جديّة:
ــ "وجودي هنا حقي… إنتِ مراتي يا سكن، بس شكلك مش واخدة بالك أو مش قادرة تستوعبي. وأنا سايبك براحتك لحد دلوقتي عشان مقدر… بس بلاش تشوفي بعدي عنك بنظرة تانية. ياريت تبدأي تتقبلي الوضع اللي إنتِ فيه… أسرع من كده، عشان نوفر تعب على بعض."

قالها ثم فتح الدولاب ليأخذ ملابسه.
وحين بدأ في نزع جلبابه هتفت مسرعة:

ــ "إنت بتعمل إيه؟!"

رد ساخرًا دون أن يلتفت:
ــ "هغير هدومي… هعمل إيه يعني؟"

زفرت بضيق، وخطفت الإسدال لتلبسه على عجل وتهرول خارجة.
ابتسم بخفوت على تصرفاتها، ثم تابع تبديل ثيابه، ولحق بها لاحقًا متجهًا إلى الحمام.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان الجميع قد اجتمع حول المائدة، فجلس بينهم وهو يقول:
ــ "صباح الخير."

أجابوا جميعًا:
ــ "صباح النور."

التفت إلى شقيقته:
ــ "فريدة عاملة إيه دلوقتي؟"

تنهدت أميرة بارتياح:
ــ "الحمدلله بخير… صحيت من شوية ونامت تاني."

تمتم بهدوء:
ــ "الحمدلله… أنا بصراحة مش هرتاح غير لما حبيبة خالها ترجع تتنط في البيت تاني."

ثم نظر إلى حمزة قائلاً:
ــ "عندك محاضرات النهارده؟"

أومأ حمزة:
ــ "آه، محاضرة واحدة… وبعدها هاجي أقف مع مهاب في المحل."

ابتسم براء:
ــ "حبيبي اللي بيساعد…"
ثم اتكأ نحوه هامسًا:
ــ "مهاب ضايقك؟"

هز حمزة رأسه نفيًا:
ــ "لا خلاص… مش بيضايقني."

تدخلت أميرة وهي تنظر إلى سكن باهتمام:
ــ "كنت سامعة صوتك بتصرخي… في حاجة؟"

ارتبكت سكن، وابتلعت ريقها قبل أن تهمس:
ــ "لا… مفيش."

فسارع براء لإنقاذها قائلاً:
ــ "حلمت بكابوس… وصحيت مخضوضة."

كيف له أن يقول لهم إنه هو الكابوس الذي أفزعها؟
أما سكن فخفضت نظرتها، تحبس ضحكة صغيرة خرجت رغمًا عنها…
فهو بالفعل كان الكابوس الذي افزعها
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
خرج من العيادة بعد أن فحص الطبيب يده، ولفها وقال له إنها ستظل هكذا لمدة خمسة عشر يومًا ليلتئم الكسر الذي أصابها.

ظل يسير وهو شارد، كل كلمة قالها له أخوه تضرب بعقله، حاول أن يلهي نفسه عن التفكير، فدلف إلى أحد المقاهي وجلس أمام طاولة، أخرج هاتفه وبدأ يعبث به لبعض الوقت، قبل أن يتذكر أمر الفتاة ورقمها الذي سجلته له.

ضغط على زر الاتصال وانتظر الرد.

كانت هي جالسة على الأريكة، تمسك بسندويتش تفطر به، نظرت إلى هاتفها لتزين ابتسامة ثغرها، ها هو قد اتصل أخيرًا، ويبدو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة على احر من الجمر، والآن قد تأكدت شكوكها فقد أوشك على الوقوع داخل المصيدة.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان يسير داخل الجهاز، حتى دلف إلى مكتب ما، كان يجلس علي الذي نهض قائلاً:
— في حاجة؟

أجابه الأخير بجمود:
— مهاب الزيني؟ ليه أخوات؟

أومأ بنعم:
— آه… ليه، براء الكبير؟ شوفته لما كان…

قاطعه بنفاد صبر:
— عارفة، المدافع عن أخوه… ليه أخوات تانين؟

أومأ مرة أخرى:
— آه… ليه، أخ أصغر منه في كلية هندسة، بس هو…

قاطعه مجددًا:
— تجبوه.
3

قال ذلك وغادر المكتب دون إضافة شيء، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلًا، وقرار ما كان له أن يأخذه.
.
.
.
في عالمٍ لا يرحم الضعفاء، تُصنع القرارات الفادحة بلا رحمة. لم يكن عليك أن تختار، ولم يكن عليك أن تتحمل تبعات ما لم يكن قرارك… لكنك فعلت. قلبك النقي لم يفهم الخديعة، وعقلك البسيط لم يجد طريقة ليقاوم، فوقع وسط عواصف لم يكن يستحقها. أحيانًا تكون البراءة هي الثمن الأغلى، وأحيانًا يكون الخطأ الذي لم ترتكبه أنت، هو الذي يُكتب على حياتك.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات