📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثاني عشر 12 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثاني عشر 12 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل الثاني عشر :
*********************

شتان ما بين قوة ... و قوة ......
قوة ... أن تكون على حق .. أن تكون على أساس متين يخدمك و يخدم من حولك ... و تسمى أيضا بقوة الرضا و الحمد .....
و .. قوة ... أن تستقوى بعقلك و الذى يخدعك دائما و يجعلك تظن أنك الأقوى .. و لكن على أساس واهى ... يضرك و يضر من حولك .. و تسمى أيضا بقوة الطمع و الجشع .....
و هذا النوع عندما تزرعه بيدك فى قلب صغارك .. تحولهم بمنتهى البساطة .. لنسور ... مختبئة دائما و فى إنتظار الوقت المناسب لإنقضاضها حتى لو تحولت .. أنت .. إلى فريسة لن يتراجعوا و سينالون منك حتما بدافع القوة الوهمى .......

وقف فارس قبالة عونى و إبنه يحدجهم بنظراته القوية الغاضبة .. فإنكمش إسلام فى والده من رعبه و تمسك بذراعه ...
خرج فارس عن صمته و سار قليلا حتى أصبح قبالة عونى و قال بحدة :
- بقا إنت يا حاج هتقفلنا الحارة بالبوليس .
ثم تطلع لإسلام و ضيق عينيه قائلا بصوت قاتم :
- و إنت بتقول علينا صِيع مش كده .
إبتلع عونى ريقه بصعوبة و قال متصنعا القوة :
- يالا يا إسلام نمشى من هنا .
وقف فارس أمامه معترض طريقه بجسده الضخم و قال بإبتسامة ساخرة :
- على فين بس .. لسه الحساب ما خلصش .
ثم إلتفت برأسه ناحية رامى و قال بنبرة متسلية :
_ رامى هو قالك إيه ياهندزة .
ضحك رامى بسخرية و وضع يده فى جيب بنطاله و قد فهم مغزى فارس و قال بقوة :
- قالى لو قلبك مات .. ماتجيش على إتنين إخوات .
و أخرج هاتفه و هاتف بونجا و صاح به قائلا بشراسة :
- وله يا بونجا ..... عاوز الحارة تتقفل فورا بالرجالة بتوعنا .. و إعلن حظر التجوال .
و أغلق الخط .. و أعاد هاتفه فى جيبه .. مرت عليهم لحظات أذاب بها فارس أعصابهم .. ثم إقترب رامى من عونى و حاوط كتفيه بذراعه و أجبره على السير معه قائلا :
- تعالى معايا يا حاج .... متخافش هفسحك شوية فى الشقة .
و إتجه به ناحية الشرفة .. و أشار إليه على رجاله المحاوطين للمنزل و هم محملين بالعصى و الجنازير و الأسلحة البيضاء .. و متحفزين للهجوم بأى وقت ....
إتسعت عينى عونى من الخوف .. فإقترب منه رامى و قال بنبرة ماجنة و هو يطالعه بحدة :
- قولنالك اللعب معانا خطر .. و إحنا ألعابنا متعددة .. تحب تختار إيه .. أنا شخص ديمقراطى .
إلتفت عونى ناحية إبنه بقلق .. إبتسم رامى و قال مسرعا ببساطة :
- متقلقش عالعيل إبنك ده بقى عهدة العوو بذات نفسه .
إقترب فارس من إسلام بعدما ضيق عينيه بغضب و قال بصرامة :
- بقا إحنا صيع مش كده .. أنا هوريك الصيع دول هيعملوا فيكم إيه .
و لكمه فارس فى وجهه فجأة ... فسقط على الأرض من قوة اللكمة .. فمال عليه مرة أخرى و أوقفه على قدميه بسرعة و إنهال عليه باللكمات والضربات .. و تعالت صرخات إسلام المتألمة .. فحركت غزل رأسها بعدما وصلها صراخ إسلام و قالت بشفقة :
_ ما قولتلكوا بلااااااش .
إلتفتت إليها ليال الواقفة خلف باب الغرفة و تسترق السمع بقلق و قالت :
_ ربنا يستر يا غزل ... ده فارس اللى بيضربه .
أشاحت بيدها و قالت بجمود :
_ يستاهل ... فاكرينى لقمة سهلة و هينصبوا عليا .. يالا ربنا معاه .

وقف مهاب فى نافذته ينتظر غزل بلهفة كعادتهما اليومية بعد عودتها من عملها و عودته من روضته .. و لكنها اليوم تأخرت عليه .. فزفر بضيق و وضع يده أسفل وجنته مستندا على إطار النافذة بملل ... تطلع ناحية الطريق فرأى رجال الوكالة و جمعهم المتحفز .. فإعتدل فى وقفته و قال بحماس :
_ أوبا .... خناقة .
ثم تذكر آخر عراك لوالده مع مسعد الحقير .. فإبتلع ريقه بتوتر و قال بضيق :
_ ده أكيد رامى و لا بابا اللى بيتخانقوا ... لما أقول لجدو .

خلعت زينب عبائة زوجها و هى تجيبه بتوتر يعلمه جيدا :
_ يا حاج دى المرة العشرين اللى بقولك فيها عاليا جوزها كلمها و كان زعلان فإضطرت تمشى فجأة .
جلس على مقعد بجواره و قال بتعجب :
_ يعنى هى مشيت فجأة ... و رامى كان والع من سيرتها فجأة ... إنتى شيفانى حاطط بزازة فى بوقى يا زينب و هتعاملينى زى الواد مهاب و هتاكلى بعقلى حلاوة .. إنطقى إيه اللى حصل .
بهتت من صراخه بها .. و لكن مهاب أنقذها و هو يركض نحوهما و يقول بلهاث :
_ إلحق يا جدو .. بابا و لا رامى شكلهم بيتخانقوا ... الشارع مقفول تحت برجالتنا .
صفعت زينب صدرها و قالت بقلق :
_ تانى .. هو إحنا لحقنا نرتاح .
وقف صبرى مسرعا و قال بغضب :
_ الظابط محذرهم و هما أغبيا ... هاتيلى عباية بسرعة ألحق المصيبة قبل ما تحصل .

حاول عونى الخروج لإبنه أكثر من مرة .. و لكن رامى وقف حائل أمامه و قال بصرامة :
- إهدا يا حاج .. ده بس بيربهولك علشان إنت قصرت معاه فى التربية.
تكور إسلام من ألمه و لكن فارس لم يرأف بحاله و إستمر فى ضربه بقوة على تطاوله و الأسوء تلك النظرات البغيضة منه ناحية غزل .. ألا يكفيه ذلك الطبيب الوسيم و الذى صرح لها بحبه ليأتى ذلك الأقرع و يلتهمها بعينيه ...

- كفاية يا عوو .
قالها صبرى و هو يدلف للشقة بغضب .. إبتعد فارس عن إسلام و هو يحدجه بإزدراء .. ركض عونى ناحية إسلام و إنحنى مسرعا و إحتضنه قائلا بعويل :
- إيه .. هى بقت عافية .. بتضربه بالشكل ده .
ضرب صبرى الأرضية بعكازه و قال مستفهما بنفاذ صبر :
- مين الرجالة دى يا عوو و عملوا إيه ؟!
أجابه فارس بغضب و هو يطالع عونى و إبنه بقوة :
- ده عم غزل و إبنه .. و فاكرين مالهاش حد فاهيستقوا عليها .. و إطاولوا علينا كمان .. فحبيت أعرفهم غلطهم .
رفع عونى سبابته فى وجه فارس و قال مهددا بنبرة قاتمة :
- هتدفع تمن اللى عملته ده غالى قوى .
ضرب صبرى الأرضية بعكازه و قال بحزم :
- إقطم الكلام يا راجل إنت و لا مش عايز يطلع عليك نهار .
ثم صاح قائلا :
- يا غزل .. غزل ... تعالى يا بنتى .
خرجت غزل من الغرفة و وقفت أمام صبرى و قالت بإنصياع :
- تحت أمرك يا عمى .
ربت صبرى على كتفها و سألها بهدوء :
- قوليلى يا بنتى الراجل ده هو و إبنه زعلوكى فى حاجة .
إلتفتت نحوهما و قالت بشفقة :
- ﻷ يا عمى .
ثم أخذت نفسا طويلا و قالت بهدوء :
_ بس أنا عوزاهم يرجعولى حقى .
سألها صبرى بجدية :
- حق إيه يا بنتى .
ردت و هى تتطلع لعونى بقوة :
- شقة بابا و محله .. هو أجرهم من ورانا و بقاله سنين بيستفيد من فلوسهم .. كفاية عليه كده و عاوزاه يفضيلى الشقة و المحل من المستأجرين .
رفع صبرى يده فى الهواء و قال بسخرية :
- كده وقعت فى المحظور يا عمو .. و حق البت هيرجع .. قدامك يومين تكون فضيت الشقة والمحل و إلا هفضى أنا البيت كله و مش هيبقالك فيه قشاية ... سامع و لا ﻷ .
رد عونى بذعر قائلا بقوة واهية :
- تمام .. بس برضه غزل هاتيجى معايا .. و أهى هتقعد فى شقتها لما تفضى .. بس أنا مش هسيب لحمى لكلاب السكك تنهش فيه .
قال جملته الأخيرة و هو يتطلع لفارس بتوجس .. فرد عليه فارس بغضب هادر قائلا :
- شكلك ما بتتعلمش بالساهل .. و وقعت مع الشخص الغلط .
أوقفه صبرى قائلا :
- إهدا يا عوو مش كده .
حدجه عونى بمكر و قال بإبتسامة شيطانية :
- هو فى حاجة بينك و بينها و لا إيه .. مش فاهمك الصراحة .
إتسعت عينى غزل بصدمة و صرخت به قائلة بتعجب :
- إنت إتجننت .. بتقول عليا أنا كده .. إتقى ربنا عندك بنت زيى .
أمسكها فارس من رصغها و قال لعونى بهدوء :
- بصراحة يا حاج إنت لماح .. فعلا فى حاجة بينى وو بينها .
تطلعت إليه غزل بتعجب .. فأردف قائلا ببساطة :
- أنا خطيبها .

بوووم 👊 ...

قنبلة و سقطت فوق رأس الجميع .. سأصور لكم المشهد كما تفعل الدراما الهندية ... و الكاميرا تدور على وجوه الجميع .. نبدأ بعونى و الذى سقط فكه من المفاجآة .. و إسلام بنظراته المتألمة و هو يطالع غزل بحزن .. و رامى الذى وصل حاجبيه لمقدمة رأسه و ليال و التى هزت رأسها أكثر من مرة و رجت أذنها علها لم تسمع جيدا .. و رافة التى إبتسمت بمكر و كأنها كانت تنتظر ذلك الخبر بيديهية و صبرى أيضا مثلها .....

و نقف قليلا عند غزل التى تطلعت إليه بسعادة غريبة و راحة إفتقدتها منذ طفولتها .. منذ كانت يدها قابعة فى عشها الآمن بين راحتى حارسها ... كما الآن .. طالعت يده القوية و التى تقبض على رسغها بتملك واضح و حنان قاتل ...
إتسعت عينى عونى من المفاجأة .. ثم قال بإندهاش :
- خطيبها !!!!!
إلتفتت إليه غزل و قالت مؤكدة :
- أيوة خطيبى عندك مانع .
قطب عونى حاجبيه و قال مستفسرا :
- مش شايفك لابسة دبلة يعنى .. و لا دى إشتغالة علشان أسيبك .
ردت غزل بثقة و دهاء :
- إحنا قرأنا الفاتحة بس .. و هنتخطب قريب .
قالت جملتها الأخيرة و هى تحتضن كف فارس براحتها بتملك أكبر ... تطلع إليها فارس بإعجاب من سرعة بديهتها .. و تعجب من كفها الجريئة و التى تلامسه برقة جعلته يبتلع ريقه بتوتر و هو يطالعها بقوة نافذا لأعماق محيطى عينيها لإكتشاف كنوزها المخبئة بداخله ...
شعر بإنجرافه وراء مشاعر مجنونة .. فإلتفت ناحية عونى و قال بنفاذ صبر :
- أظن كده مالكمش حاجة هنا .. خد إبنك و إمشى .. و حقها هيرجع و زى ما قال الحاج يومين و تفضولها الشقة و المحل .
وقف إسلام بصعوبة متثاقلا و إستند على والده الذى تطلع إليهم بحقد و خرج هو و إبنه فى هدوء بعدما فشلوا فى مهمتهما .. أخرج رامى هاتفه و هاتف بونجا و طلب منه أن يصرف رجاله لعملهم مرة أخرى .
خرجت رأفة متكأة على ليال و جلست على الأريكة و قالت بتقدير :
- مش عارفة أشكركم إزاى .. تسلم يا حاج .. يا زين ما ربيت .
إبتسم إليها صبرى و قال مجاملا :
- دول تربيتك برضه يا حاجة .. ربنا يديكى الصحة .. و لو إحتاجتم أى حاجة فى أى وقت كلمونا .. بعد إذنكم .
و خرج من الشقة و لحقه رامى و فارس الذى ترك كفها بعد عناء و مجاهدة من قلبه الذى خالف أوامره بقوة ... بعدما ودع كل منهم حبيبته بعينيه .. جلست ليال و قالت براحة و قد تهدل ذراعيها بجوارها :
- مش مصدقة إنها عدت على خير .. الحمد لله .
جلست غزل جوارها و قالت بفرحة مصطنعة :
- سيبك من الحوارات دى .. فرحك بعد بكرة يا عروسة و بكرة الحنة .. إحنا لازم نكلم ميناس تيجى .
تنهدت رأفة مطولا و قالت بإبتسامة هادئة :
- عندك حق يا غزل عاوزين نفرح بقا .

إنتبهت هناء على طرقات على باب الشقة متتالية بقوة .. فتركت ما بيدها و أسرعت و فتحت الباب لتتفاجأ بإسلام و الذى تغيرت هندسة وجهه و تلوث بدماء جافة و جارية ... فإتسعت عينيها و قالت بذعر :
_ إبنى .. مالك يا حبيبى .
دلف عونى للداخل و هو يساعد إسلام بكل قوته قائلا بغضب :
_ دخلينا أول يا هناء و بعد كده إبقى إفتحى محضر براحتك .
إقترب به من الأريكة و ممده عليها و صرخ بها قائلا :
_ هاتيلى شنطة الإسعافات بسرعة .. و فوطة مبلولة أنضفله بيها وشه .. يالا يا هناء .
خرجت بسمة من غرفتها و طالعتهم بجمود و قالت بصوت ميت .. جامد .. لا حياة به :
_ ما رجعتوش السنيوريتا ليه .
أغمض عونى عينيه بغضب و قال محذرا :
_ إختفى من قدامى يا بسمة مش وقتك .
ضحكت بسخرية و قالت بشماته و حقد :
_ تستاهلوا .. مش كنت عاوز ترجعها و لو على حساب وجع قلبى علشان الفلوس .. إشربوا بقا .. إشربوا كلكم .
صرخ إسلام متألما من ذراعه .. فإقتربت منهم هناء و قالت بتعجب :
_ مين اللى عمل فيه كده يا عونى .
أخذ منها المنشفة المبللة و بدأ فى تنظيف وجهه و هو يجيبها بغضب :
_ روحنا للحيوانة .. فلقينا عندها كلبين مسعورين هجموا علينا و واحد منهم ضرب إسلام لغاية ما عدمه العافية .
صكت هناء أسنانها و قالت بشراسة :
_ لازم نبلغ البوليس فورا .. و هو هيجيب لنا حقنا .
ناولها عونى المنشفة و أجابها بذعر :
_ لأ .. بوليس لأ ... إنتى ما شوفتيش رجالتهم عاملين إزاى .. دول ممكن يدبحونا من غير ما حد يحس .
فسألته ببديهية رغم كل ما هم فيه :
_ يعنى فلوس البت دى راحت مننا خلاص .
رفع عونى عينيه بملل و اجابها بحدة :
_ فلوس إيه و زفت إيه .. بقولك عصابة و بلطجية .. تقوليلى فلوس ... ده بسبب شورتك الهباب حكموا علينا نفضيلها الشقة و المحل فى خلال يومين .
عقدت هناء زراعيها أمام صدرها و قالت بتحدى :
_ على جثتى مش هيحصل .
بدأ فى تضميد جراح إسلام و أجابها بصوت يائس :
_ ما هو هيبقى على جثثنا كلنا .

فى اليوم التالى .. جالسا على مكتبه و يعبث بقلمه بشرود كلما تذكر قوتها و ترفعها يزداد إعجابه بها ... رفع كفه و تطلع إليه بإبتسامة هادئة ... متذكرا لمستها الرقيقة لكفه .. و إعلانها الصريح و الجرئ لإرتباطها به ... حتى و لو بدافع الكذب و الدفاع ... يالله ... مازال يشعر بملمس كفها و الذى شابه تلامس بتلات الورد على كفه .....
خرج من شروده و حمل سماعة هاتفه و هاتف سكرتيرته قائلا :
_ لو سمحتى إدى خبر لدكتورة غزل إنى عاوزها ......... شكرا .
و وضع السماعة و بدأ فى تعديل هندامه و مرر أنامله بشعراته و إعتدل فى جلسته منتظرا قدومها ...
طرقت الباب فأذن لها قائلا :
_ إتفضل .
دلفت غزل و على ثغرها إبتسامة متسعة و وقفت أمامه و قالت بود :
_ صباح الخير .
بادلها إبتسامتها و قال بهدوء :
_ صباح الورد .
أشار بيده قائلا :
_ إتفضلى إقعدى يا دكتور .
جلست أمامه و قالت بقلق من طريقته الرسمية :
- عاوز منى حاجة يا فارس .
تابع نظرات الفضول بعينيها فقال بتفهم :
- عارف إنك مستغربة .. بس فى موضوع مهم و عاوز أكلمك فيه .
سألته بنفاذ صبر :
- موضوع إيه ؟!
- ستى رأفة .
قالها بسرعة .. فقطبت حاجبيها بدهشة و تسائلت بإهتمام :
- مالها تيتة مش فاهمة .
إستند على مكتبه بمرفقيه و قال موضحا :
- دلوقتى ليال هتتجوز بكرة .. و إنتى بتشتغلى .. مين بقا اللى هيهتم بستى و أكلكم و شربكم و شغل البيت .
فكرت غزل قليلا .. و تعجبت من نفسها كيف أنها لم تفكر من قبل فى جدتها و أمور المنزل و التى هى على جهل تام بها .. ردت على فارس بحيرة :
- عندك حق .. بس إيه الحل .
رد عليها بإبتسامة ثقة :
- الحل عندى طبعا .. فى واحد كان بيشتغل فى المصنع اللى مسئول عنه رامى مات من فترة و ساب بنته لوحدها و مالهاش حد .. ففكرت إنها تيجى تعيش معاكم منها تساعدكم و منها تلاقى عيلة جديدة تعيش فى وسطهم .
زمت غزل شفتيها بتبرم و قالت بغيرة خفية :
- و دى عندها كام سنة و لا شكلها إيه .
شعر بغيرتها فقال بمكر :
- عندها 20 سنة .. و هى بنت طيبة جدا و متربية و جميلة .. قد ميناس كده .
ردت بغضب مسرعة :
- طب ما تشوفلها عريس أحسن .. و لا .. إكسب فيها ثواب و إتجوزها.
إبتسم على حالتها الغاضبة و وقف و إلتف حول مكتبه ببطء كأنه يستعد للإنقضاض عليها .. و وقف أمامها و هو يحدجها بقوة و قال ساخرا :
- ما ينفعش أتجوزها .. أصلى .. مرتبط .
إشتعلت عيناها و وقفت مسرعة و قالت بتعجب :
- مرتبط بمين إن شاء الله .
إقترب منها و هو يلتهمها بعينيه و قال هامسا :
- بيكى .. إنتى ناسية إننا قرأين فاتحة .
إرتاحت ملامحها و ضحكت ضحكة عالية أذابت بها جزء كبير من ذلك الجلمود الثلجى الواقف أمامها و قالت برقة :
- قول للبنت دى تيجى النهاردة .. هستناها .. هى صحيح إسمها إيه ؟
كانت عينيه قد إستقرتا على شفتيها فرفع عينيه بصعوبة و أجابها بجدية :
- دنيا .
هزت رأسها بخفوت و سألته بمكر و هى تحدجه بتحفز :
_ و جسمها زى ميناس كده و لا إيه .
حرك عينيه بمشاغبة و أجابها ببرود :
_ تقريبا .... زى ميناس طولها و مقاسها .
أومأت برأسها و قالت بإبتسامتها الساحرة و ببحة صوتها المغرية و هى تتركه :
- ok .. هستناها النهاردة لو سمحت أكد عليها .. و شكرا على مساعدتك لينا .. بعد إذنك .
رد ببروده المعتاد :
- إتفضلى .
خرجت و هى مبتسمة إبتسامة بلهاء .. و أخرجت هاتفها من جيب مأزرها و هاتفت ميناس التى أجابتها قائلة بمرح :
_ أهلا يا دكتور وحشتينى جدا .
إبتسمت غزل بهدوء و اجابتها قائلة :
_ و إنتى كمان وحشتينى ... جهزتى نفسك و لا هتروحى لليال متأخر .
ردت ميناس مسرعة :
_ لأ خلاص بس حمزة يجهز و هنمشى فورا .
هزت غزل رأسها بتفهم و قالت بجدية :
_ تمام ... ركزى بقا معايا ... أنا عاوزة من عندك كام طقم خروج و بيجامات تكونى مش محتجاهم .
أجابتها بتعجب :
_ ليه يا غزل ؟!
_ علشان بنوتة فى سنك و مقاسك تقريبا .. هتعيش معايا أنا و تيتة بعد ليال ما تتجوز .. و هى يتيمة و غلبانة جدا .
أجابتها ميناس بتفهم :
_ من عنيا حاضر .... هخلى البنات يجهزوا ليها شنطة تكفيها مؤقتا على ما نشتريلها جديد .
إبتسمت غزل براحة و قالت :
_ تسلميلى يا مينو يا أم قلب أبيض .. سلام دلوقتى و ما تتأخرش على ليال .. ما فيش حد معاها غير مهجة .
_ حاضر ... سلام يا قمر .
أغلقت غزل الهاتف و عادت لعملها مرة أخرى .

علقت ليال فستانها على الخزانة من الخارج بفرحة .. فضمتها مهجة إليها و قالت بحنو :
_ مبروك يا ليال ... ربنا يهنيكى يا حبيبتى .
ربتت ليال على ظهرها و قالت بود :
_ عقبالك يا مهجة .
إنتبها لطرقات خفيضة على باب الشقة .. فخرجت ليال من غرفتها و إرتدت حجابها و فتحت الباب لتتفاجأ بفتاة غريبة تقف أمامها ....
تطلعت إليها بتعجب من عبائتها السوداء و حجابها الإسود و مع ذلك فجمالها هادئ .. بشرتها بيضاء جدا .. و عيونها سوداء متسعة ذات أهداب طويلة و ملامحها رقيقة .. فسألتها ليال بتوجس :
_ مين حضرتك ؟!!!
لعقت الفتاة شفتيها بتوتر و اجابتها بصوت خفيض :
_ ده بيت الآنسة غزل .
هزت ليال رأسها بالإيجاب و قالت بتعجب :
_ أيوة هو .. بس إنتى مين .
تذكرت ليال محادثتها مع غزل فقالت مسرعة :
_ إنتى دينا مش كده .
إبتسمت الفتاة و قالت بخجل مصححة إسمها :
_ أنا دنيا .
جذبتها ليال من ذراعها و قالت بود :
_ إتفضلى إدخلى .. يا أهلا و سهلا .
تطلعت دنيا حولها بخجل .. بينما إقتربت منها ليال و قالت بمداعبة :
_ بس إيه الجمال ده .. إنتى قمورة قوى .
إبتسمت دنيا بخفوت و قالت بإستحياء :
_ يعنى حضرتك .. اللى جميلة بجد .. أنا مش بحسد و الله .
أتاهم صوت رأفة قائلة :
_ ميناس اللى جت يا ليال .
اجابتها ليال بصوت عالى :
_ لا يا تيتة دى دنيا اللى غزل كلمتنا عنها .
و أشارت ليال بيدها لدنيا ناحية غرفة رأفة و قالت :
_ تعالى يا دنيا أعرفك على تيتة .
أومأت دنيا برأسها و تبعت ليال حتى دلفت لغرفة رأفة و توجهت نحوها و صافحتها قائلة :
_ إزى حضرتك يا حاجة .
أجلستها رأفة بجوارها و قالت بحنو :
_ الحمد لله يا بنتى .. بس عوزاكى تقوليلى يا ستى أو يا تيتة زى البنات .
اومأت دنيا برأسها .. فسألتها رأفة بفضول :
_ إنتى يتيمة مش كده يا بنتى .
تنهدت دنيا مطولا بحزن و قالت بشجن :
_ أيوة .. خسرت أمى و أبويا و أخويا الصغير فى يوم واحد .
قطبت رأفة جبينها بحزن و قالت بتعجب :
_ إنا لله و إنا إليه راجعون .. بس .. إزاى يا بنتى .
طأطأت دنيا رأسها و قالت بصوت مختنق :
_ كنا ساكنين فى منطقة شعبية أو زى ما بتسموها عشوائية ... و خرجت أشترى لأمى طلبات الإسبوع رجعت لقيت المنطقة كلها كوم تراب .
هبطت دموعها بحرقة و تابعت قائلة بعويل :
_ بقيت أدور عليهم تحت الأنقاض زى المجنونة .. لحد ما الحكومة طلعتهم ميتين و قالولى البقاء لله .. ماتوا .
ربتت رافة على كفها لتهدأتها .. و جلست ليال بجوارها تشاركها بكائها .. بينما مصمصت مهجة شفتيها و قالت بضيق :
_ الدنيا ماليانة بلاوى .. صحيح .. اللى يشوف بلاوى الناس تهون عليه بلوته .

دلفت عليهم ميناس قائلة بمرح :
_ وحشتونى .
وقفت ليال مسرعة و إحتضنتها قائلة بشوق :
_ حبيبة قلبى .. إنتى اللى وحشتينى قوى .
إبتعدت عنها ميناس و سارت نحو ذلك الصدر الرحب و الذى عوضها خسارة والدتها و إرتمت به و قالت بحب :
_ روفا حبيبتى .. وحشتينى .
ضمتها رأفة بقوة و قالت بحنو :
_ إنتى اللى وحشتينى يا حبيبتى .. إنتى كويسة .
هزت ميناس رأسها و أجابتها بهدوء :
_ الحمد لله كويسة .
تطلعت ناحية دنيا و إعتدلت فى جلستها و قالت بتخمين :
_ إنتى دنيا مش كده .
أومأت دنيا برأسها .. فوقفت ميناس و جذبتها من ذراعها و قالت بحزم :
_ طب قومى معايا بقا .. ده أنا جيبالك هدوم و بلاوى و لازم تقسيها كلها علشان لما غزل تيجى نديها التمام العسكرى دى مواصية عليكى جدا .
إلتفتت ميناس برأسها ناحية ليال و سألتها بتوجس :
_ جهزتيلها أوضتى يا لولو .
اجابتها ليال بإبتسامة هادئة :
_ تمام يا فندم .
عادت ميناس لسيرها مجددا و هى مازالت قابضة على معصم دنيا و قالت بمداعبة :
_ يبقى يالا بينا قبل المعمعة .

عادت غزل لمنزلها هى و سالى زميلتها و تعجبت من هيأة الحارة بعدما نصب بها سرادق كبير و به مسرح عالى و متسع .. ضحكت سالى و قالت بفرحة :
- واو .. فرح شعبى دى هتبقى ليلة .
صعدوا لشقة الجدة .. ففتحت لهما ميناس التى قالت بضيق :
- إتأخرتوا ليه إنتوا الإتنين .. ورانا بلاوى لسه .. إدخلوا يالا .

و بدأت مراسم ليلة الحنة .. بعدما إجتمعت نساء الحارة بمنزل رأفة .. و إشتعلت الإضاءة فى الحارة .. و تعالت أصوات الموسيقى .. بعدما إمتلأ السرادق بالمهنئين بزواح رامى من المعلمين و رجال الحارة ..
بدأ مقدم الحفلة بكلماته المعتادة بالترحيب بالمعلمين و المهنئين .. صعد فارس على المسرح و هو يحمل بيده مبلغ مالى كبير .. إستقبله مقدم الحفل بترحاب كبير و قال :
- سمعنى سلام للمعلم الكبير .. سيد الحارة .. و سيد الناس .. منفذ الرجولة فى مصر كلها .. المعلم العوو .
و تعالت الصيحات و النغمات .. خرجت غزل للشرفة مسرعة بعدما سمعت إسم فارس .. وقفت تتابع الحفل بفرحة و هى تراه بهيئته الجذابة و هيبته التى تجذبها إليه يوما بعد يوم .
إنتهت النغمات فقال مقدم الحفل مرة أخرى :
- و سمعنى سلام أول و تانى و تالت ... و دوس عالزرار بهبل و سمعنا سلام ذئاب الجبل .
وعادت النغمات مرة أخرى .. أعطاه فارس مبلغ مالى كبير و قال بمكبر الصوت :
- ألف شكر لكل المعلمين و الرجالة اللى بجد اللى نورونا و كبرونا و شرفونا .. و حابب أبارك لأخويا و صاحبى و عشرة عمرى الباش مهندس رامى .. و بالرفاء و البنين يا أبو الصحاب .
تعالت الصيحات فقدم مقدم الحفل الراقصة قائلا :
- إسمحولى أن أقدم لكم .. قنبلة الموسم و كل موسم الراقصة القنبلة ....... .
تعالت الصيحات و التصفيق و الصافرات .. حتى صعدت الراقصة المسرح .. و بدأت الموسيقى فى العزف و هى ترقص على أنغامها .. ألقى رامى لفارس بعصى ليحفزه على الرقص .. إلتقط فارس العصى و حركها إستعدادا لرقصته .. ثم رفع عينيه ناحية شرفة غزل فتقابلت نظراتهم .. فأشار إليها بالعصى و بدأت رقصته .. إقتربت منها ميناس و قالت بمكر :
- شاور عليكى .. ده هيرقص علشانك إنتى .
إبتسمت غزل بفرحة و هى تتابع رقصته المثيرة و تمكنه من الرقص بالعصى .. بين الحين و الآخر تتلاقى عيونهم و كأنه يخبرها ويؤكد لها أنه يرقص من أجلها هى .. صعد رامى هو الآخر و شاركه رقصته .. و صعد مهاب و شاركهم رقصتهم بفرحة .

فى شقة رأفة .. لم تهدأ الفتيات و لم ينتهى رقصهم و ليال فى قمة سعادتها و فرحتها .. كانت رأفة تتطلع حولها براحة و هى ترى السعادة بوجوه الجميع و خصوصا حفيداتها .. لم تكن تريد من الدنيا شئ آخر فحمدت الله على هذه النعمة و شعورها بالوهن يتزايد و رفضت البوح كى لا تعكر صفو إحتفالهم .. إقتربت غزل من دنيا و قالت بمعاتبة :
- من ساعة ما جيتى يا دنيا و إنتى قاعدة فى جنب لواحدك .. ليه .
ردت دنيا بخجل :
- سامحينى يا ست غزل بس مش متعودة عالدوشة .
ربتت غزل على كتفها و قالت بحنو :
- معلش إستحملى النهاردة بس .. على فكرة إشتريتلك فستان يجنن علشان تلبسيه بكرة .. يارب يطلع مقاسك .
رفعت دنيا حاجبيها بدهشة و قالت بفرحة :
- فستان علشانى أنا .
أومأت غزل برأسها و قالت برقة :
- أيوة يا حبيبتى علشانك .. و قومى يالا إرقصى معايا .. يالا .
جذبتها غزل من ذراعها و حمستها للرقص معها .. حتى علت الإبتسامة على وجه هذه اليتيمة .. و التى قبلهم كانت وحيدة لمدة ستة أشهر ... و رقصت معها بفرحة إفتقدتها .

إنتهى اليوم بسعادة كبيرة .. و جلست الفتيات فى غرفة ليال .. إحتضنتها ميناس و قالت :
- أخيرا هتبقى معايا تانى يا لولو .. القصر هينور يا عروسة .
زمت غزل شفتيها و قالت بضيق :
- إنما أنا هتوحشينى قوى يا ليال .. مش عارفة هعمل إيه من غيرك .. لولا دنيا هتبقى معايا .. كنت هنطلكوا كل شوية .
إحتضنتها ليال و قالت بحب :
- و الله هتوحشينى قوى إنتى و تيتة .. خلى بالك منها يا غزل .
ملست غزل على ظهرها بحنان و قالت بمداعبة :
- ﻷ .. وصى دنيا علينا إحنا الإتنين .. دى هتبقى مسئولة عننا .
إبتسمت دنيا بصفاء و قالت شاكرة :
- مش عارفة أشكركم إزاى على إنكم بتحسسونى إنى مهمة عندكم .. ربنا بيحبنى إنى قابلتكم و الله .
و ذرفت دموعها بألم .. كففت غزل دموعها و قالت بضيق :
- لا بقولك إيه .. مافيش دموع تانى .. من هنا ورايح وشك الجميل ده يضحك و بس مفهوم .
إبتسمت دنيا و هى تكفف دموعها و قالت :
- مفهوم .. ربنا يسعدكم .
فسألتها ميناس بتعجب :
_ هو إنتى تعرفى فارس و رامى منين ؟!
إبتسمت دنيا بخفوت و قالت بإمتنان :
_ دول مهما شكرتهم هيبقى قليل عليهم ... لما أبويا مات .. زارونى و عزونى و أجرولى شقة و خلونى أشتغل فى المصنع و بقيت أصرف على نفسى بقالى ست شهور .
ربتت ليال على ذراعها و قالت بفضول :
_ ليه يا حبيبتى مالكيش أهل .
إبتسمت بطرف شفتيها و قالت بضيق :
_ ليا طبعا .. بس بعد العزا إختفوا .. و بدأت الأعزار .. اللى يقول أنا ولادى شباب و ما ينفعش تعيش معاهم .. واللى يقول أنا ظروفى على قدى .. و اللى قالت أنا عندى بنات و عوزاهم يتخطبوا و وجودى هيقطع عليهم .. كده .
هزوا جميعا رأسهم بتفهم ... رن هاتف ليال .. فوقفت مسرعة و ردت بسعادة :
- ألو .. أيوة يا رامى .
أجابها رامى بمداعبة :
- عمر رامى .. وحشتينى قوى .. إفتحى الشباك بسرعة هموت و أشوفك .. دى آخر مرة لينا .. و الله هتوحشنى وقفة الشباك دى قوى قوى .
تنحنحت ليال و قالت هامسة :
- مش هينفع البنات قاعدين معايا فى أوضتى .
فقال بغضب :
- و أنا مالى بالكلام ده .. أنا عاوز أشوفك و بس .
لاحظت غزل توتر ليال فجذبت منها الهاتف و قالت ساخرة :
- رامى .. أخبارك إيه يا عريس .
أجابها رامى بحنق :
- كويس يا غزل .. بقولك إيه ما تروحوا تناموا يالا و سيبوا ليال ترتاح شوية .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بعبث :
- ﻷ .. ما إحنا هنبات معاها فى الأوضة .. روح نام إنت و سبنا نرتاح.
رد بضيق و زفر بحدة قائلا :
- بقا كده يا غزل ماشى بس خليكى فاكرة إنك بتلعبى معايا و إنتى مش قدى .
زادت ضحكاتها و قالت بثقة :
- و لا ياكل معايا كلامك .. ده أنا معايا العوو يا إبنى .. عموما مش هينفع تشوف ليال ليلة فرحكم و إلا هيبقى فال وحش و الفرح يتفشكل يرضيك .
ضحك رامى ضحكة عالية و قال بسخرية :
- متأكدة إنك كنتى فى أمريكا عشرين سنة .. ده إنتى لو من السابتية مش هتتكلمى كده .
ضحكت غزل بسخرية و ضيق و قالت :
- ظريف يا عريس .. روح نام بقا و متتصلش تانى مفهوم .. تصبح على خير .
فقال بنبرة خافتة .. راجيا ما تبقى من رحمة بقلب غزل :
- طب بس إديها التليفون أسمع صوتها قبل ما أنام عالأقل .
ردت غزل بحزم :
- ﻷ .. علشان تفضل وحشاك لبكرة .. سلام بقا .
و أغلقت الهاتف .. ثم أغلقته نهائيا و قالت بضحكة شريرة :
- أنا متأكدة إنى لو قدامه دلوقتى هيدبحنى .
ضحكت الفتيات عليها .. و بعد دقائق إنطفأت الأضواء و ناموا جميعا بتعب.

فى الصباح إستعدت الفتيات و جائت إليهم سالى و والدتها و إنضمت إليهم مهجة و قد ملأن المنزل بالزغاريد .. و لكن كل هذا لم يكن كافى لإيقاظ غزل التى مازالت نائمة من التعب .. دخلت إليها سالى غرفتها و حاولت إيقاظها قائلة :
- قومى بقا يا كسلانة هانم .. النهاردة فرح .
ردت غزل و هى تضع الوسادة فوق رأسها بتذمر :
- بعد صلاة الجمعة إبقوا صحونى .
دلفت لها مهجة و جذبت الوسادة من فوق رأسها و قالت بتحذير :
- إنتى هتصحى و لا أحميكى بإزازة الماية دى .
ردت غزل بعصبية :
- لو مش خايفة على نفسك إعمليها يا مهجة .
إتسعت عينى مهجة من المفاجأة و أخذت تزغرد و تزغرد من فرحتها .. فصاحت بها غزل بغضب قائلة :
- روحى زغردى عند العروسة مش هنا يالا .
ضحكت مهجة ضحكتها الرنانة و قالت :
- ده أنا بزغرط من فرحتى إنك أخيرا إفتكرتى إسمى .
جلست غزل على الفراش و قالت بضيق :
- قمت خلاص .. إخرجوا بقا .
تركوها و خرجوا لينهمك كلا منهم بأشغاله .. و أرسل رامى إليهم طباخات لإعداد وجبة الغداء إليهم .. و أخريات للتنضيف .. كانت ليال فى حالة لا تحسد عليها من التوتر و الرعب و لازمت غرفتها .. فجلست معها غزل بمفردهما وهدأتها قائلة :
- مش فرحانة ليه يا لولو .. ده إنتى أخيرا هتبقى مع السمج اللى بتحبيه .
إبتسمت ليال على مزحتها و قالت بتوتر :
- خايفة قوى يا غزل .. لأ مرعوبة .
إحتضنت غزل كفها و قالت بإبتسامتها الهادئة :
- متخافيش هو للأسف بيحبك قوى .. و صدقينى هيقدر يسعدك بس عاوزاكى تبقى قوية لأنه لو قدر يسيطر عليكى أكتر بعد الجواز هتبقى زى ميناس بالظبط .. خلى ليكى شخصية و لو لمرة .. تمام .
أومأت ليال برأسها و قالت :
- المشكلة إن إمتحانى بعد جوازى بفترة قصيرة .
إحتضنت غزل وجهها بين راحتيها و قالت بتشجيع :
- أنا واثقة فيكى .. إنتى ماكنتيش بتضيعى وقت و ذاكرتى كويس الفترة اللى فاتت .. و دى آخر سنة ليكى .
تنهدت ليال مطولا و قالت برجاء :
- ربنا يوفقنى .. وأنجح زى كل سنة بتقدير .
تركتها غزل و وقفت و قالت بحزم :
- إن شاء الله يا حبيبتى .. قومى يالا خدى دش العروسة .. يالا .
تناولوا جميعا وجبة الغداء و إستعدت الفتيات للتوجه لمركز التجميل .. فتحت غزل باب الشقة و قالت :
- هنزل أنده للسواق ييجى ياخد الفساتين .
و هبطت الدرج وتوجهت صوب سيارة ميناس و حمزة .. حتى إبتسمت بمكر و أطلت برأسها من نافذة السيارة و قالت بهزل :
- بتعمل إيه هنا .. و فين السواق .
رد بصرامة :
- أنا اللى هوصلكم .. يالا بسرعة علشان ما تتأخروش .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بعند :
- ﻷ .. إنده للسواق و روح شوف اللى وراك مش عاوزين نعطلك يا عريس .
زفر رامى بضيق و قال بعصبية :
- يا بنتى إنتى طلعتيلى منين .. هو أنا جوز أمك و لا حاجة .
ردت ببرود :
- برضه مش هتشوفها غير و هى عروسة .
صك رامى أسنانه بغضب و قال بنبرة حازمة :
- مش عايز أحطك فى دماغى .. إخلصوا إنزلوا بقا .
عقدت غزل ذراعيها أمام صدرها و قالت بحنق :
- ﻷ .. و خلينا بقا هنا و الفرح يتأخر و إحتمال يبوظ .. براحتك .
ترجل رامى من السيارة و صفع الباب ورائه .. و وقف قبالتها و قال و هو يضم كفه بقوة أمام وجهها مانعا نفسه من تحطيمها و تحويلها لأشلاء :
- أنا على أخرى منك .. بس هعديها النهاردة .
و تركها و إنصرف و هى منهارة من الضحك .. و بعد دقيقة ظهر السائق .. صعد معها و حمل فستان العروسة و فساتينهم و وضعهم بسيارة أخرى .. و ودعت ليال جدتها بدموعها و نزلوا جميعا و إستقلوا السيارة و توجهوا لمركز التجميل .

فى المساء إرتدى فارس بذلته التى إختارتها له غزل .. وقف يتأمل وسامته و يتخيلها عندما تراه بأناقته .. دخلت عليه والدته و هى تحمل المبخرة وأخذت تبخره و هى تتلو بعض من أيات الله لتحصينه من العين و لم تنسى رامى و حمزة و مهاب من تحصيناتها .. وقفت عاليا تعدل من وضع رابطة عنق زوجها .. الذى مال عليها و قبلها فى وجنتها و داعبها هامسا .. و هى فى عالم آخر من حزنها على حبها الأول و الأخير ... رغم محبة زوجها لها ..
إجتمعوا جميعا فى إنتظار خروج العريس .. فسبقه مهاب و قال مازحا :
- إستعدوا كلكم العريس هيخرج .
خرج رامى و ضربه على رأسه مازحا و قال بحنو :
- هتوحشنى لماضتك يا زميلى .
تفاوتت الأراء المبدية بجمال رامى و أناقته بين زغاريد و تصفيرات و همهمات .. إحتضنه صبرى و قال بحنو:
- مبروك يا إبنى .. يا رب أكون ما قصرتش معاك و كنت قد الأمانة .
إبتعد عنه رامى و قال بنظرات شكر و عرفان :
- لو كان أبويا عايش ماكانش هيعاملنى زيك يا عمى .. ربنا يخليك ليا.
إحتضنته زينب و قالت بدموعها :
- هتوحشنى قوى يا رامى .. مش عارفة هنام من غير ما أطمن عليك إزاى .
رد عليها و هو مستمتع بدفء حضنها :
- حبيبة قلبى يا ست الكل .. ربنا مايحرمنى من حنيتك يا أمى .
أجابته و هى تربت بكفها على ظهره :
- و لا يحرمنى منك يا حبيبى .
كانت عاليا تتأمل وسامته و تتمنى بداخلها لو كانت هى عروسه كما تمنت طوال عمرها منذ نعومة أظافرها .. و هو لم يشعر بها من قبل .. أشاحت بعينيها عنه و قد ملأها الحزن و الإحباط ..
صفق فارس بكفيه و قال بفرحة :
_ يالا يا جماعة كده هنتأخر .

السعادة و الفرحة ....
سمها كما تشاء و لكن إشعر بها ... مد طرفى شفتيك بأناملك لتجبر نفسك على الإبتسام ... و إترك الباقى على رضاك بحالك و إقتناعك التام أن مصيرك بيد من خلقك .. فلنحمده على كل حال و نحتسب ....
ولكن ...
عندنا نقول بمنتهى اليأس بعد السعادة .. اللهم إجعله خيرا ... دائما ننتظر الحزن و الضيق و كأنه أمر مُسلم به ... و بصراحة ... هذا ما سنقابله ....

إنتهت الفتيات من إستعدادهم و كانوا بأجمل و أبهى صورهم .. تعالت زغاريدهم فور إنتهاء ليال و خروجها إليهم بفستانها الأبيض الواسع ذو الذيل الطويل .. و الذى إمتلأ بالفصوص الصغيرة اللامعة .. و حجابها البسيط و الذى زاد جمالها ... و زَينه تاج رقيق فوق رأسها .. ومكياجها الرقيق مثلها .. حدجوها جميعا بفرحة ممتزجة بالدموع .. لأنها كانت خلابة ..
وصل رامى أمام باب المركز و وقف فى إنتظار خروج عروسته بفارغ الصبر .. دلف مهاب داخل المركز و هو يرتدى بذلة أنيقة .. إحتضنته غزل و قبلته قائلة بإعجاب :
- إيه الشياكة دى يا هوبا .. ده إنت أحلى من العريس .
فسألها بفرحة :
- بجد يا غزل أنا حلو .
قبلته ميناس فى وجنته الأخرى و قالت مداعبة :
- ده إنت أحلى واحد فى الدنيا .
وقف يتأمل ليال و قال بتعجب :
- واو .. إنتى حلوة قوى يا لولو .
أجابته ليال بإبتسامة مرتجفة من توترها :
- حبيبى يا هوبا عقبالك .
فقال و هو يقفز من فرحته :
- يالا بسرعة نخرج .. رامى هيتجنن بره .
خرج مهاب و وقف مع فارس و رامى فلاحظوا أحمر الشفاة على وجنتيه .. أخرج فارس محرمة ورقية من جيبه و هو يهز رأسه بضحكة خافتة و أزال أحمر الشفاه له بينما سأله رامى بضيق :
- هو إنت بتعمل إيه فى الحريم ياض بتخليهم يبوسوك كده .
ضحك حمزة و قال مازحا :
- إنت هتحسد الواد .. ما إنت هتشبع بوس النهاردة يا أخويا .
رفع رامى كفيه فى وجه حمزة و قال بخوف :
- الله أكبر فى عنيك يا بعيد أنا ناقصك .. هما إتأخروا ليه .
إعتدل فارس فى وقفته و قال بهدوء :
- إصبر على رزقك يا عريس .
خرجت ميناس فى البداية هى و دنيا .. تطلع إليها حمزة بضيق و هو يتأمل جمالها بفستانها الزيتى والذى أظهر جمال جسدها و نعومته .. فصك أسنانه من شدة غضبه و قال متوعدا :
- يومك إسود إن شاء الله .. أنا هوريكى .
قطب فارس حاجبيه بضيق و قال له محذرا :
- أقسم بالله .. لو فكرت تعكنن عليها لهاخد إبنى و همشى و ما أنا حاضرلكم أفراح .
فقال لهما رامى مسرعا :
- بقولكم إيه .. أنا اللى مش عايز عكننة .. عدى اليوم ده يا حمزة و باعدين مالها .. ده فرح أختها يا أخى .
صاح بهم حمزة قائلا :
- خلاص يا عم إنت و هو .. إيه ما صدقتم .. مش هكلمها خلاص .
ثم جحظت عينى حمزة و إبتسم بإعجاب و قال بخبث :
- الله أكبر .. أحمر على أبوه يا بطيخ .. صاروووووخ .
إلتفت رامى و فارس على كلمات حمزة .. مط رامى شفتيه و حركهما بسرعة يمينا و يسارا و هو يتطلع لفارس بعدما تجهم وجهه و إكتسى باللون الأحمر من شدة غضبه .. فغزل كانت ترتدى فستان أحمر مطرز باللون الأسود طويل و لكنه ضيق عند منحنياتها القاتلة ..
رغم بساطة تصميمه إلا إنها قد منحته جمالا فريدا بجسدها الجذاب .. فغزل دائما محط أنظار الجميع من حولها لأنها تمتلك قدرا من الأنوثة و الإغراء والدلال يجعلها تتلاعب بقلب من أرادت بسهولة و يسر .. تكفى نظرتها اللعوب القاتلة و ذلك ما يجعل فارس قادرا على تحطيم من سيتطلع ناحيتها .. إبتسم حمزة و قال ساخرا :
- إيه البت دى .. هو فى كده .
أجابه رامى مؤكدا بتنهيدة ساخنة :
- عندك حق .. أنا مش بطيقها بس بصراحة حاجة لوز اللوز .
صاح بهم فارس بغضب بعدما تحولت عينيه لفحمتين مشتعلتين :
- ما تحترم نفسك منك ليه .. و لا عاوزنى أتهور عليكم .
فسأله حمزة بمكر :
- مالك محموق كده ليه .
تطلع إليهم فارس بعينين تشعان نارا و قال محذرا بصوته الأجش الجاف :
- الدكر فيكم يفكر يفتح بؤه تانى .
أومئا رأسيهما فى صمت .. حتى قال رامى ساخرا :
- الله كله خرج و عروستى ﻷ .. هى رجعت فى كلامها و لا إيه .
خرجت ليال من المركز و هى فى قمة خجلها .. إقترب منها رامى و تطلع إليها بإعجاب من هذه الهالة البيضاء التى تحيطها و منحتها صفاء و جمالا لم يتوقعهما .. ها هى حلم عمره تقف أمامه بفستانها الأبيض و ستزف إليه .
شعرت غزل بالملل فزفرت بضيق و قالت بهزل :
- مش يومه خالص التسبيل ده .. مش هتبارك لعروستك يا عريس .
إبتسم رامى بحب و إقترب من ليال و هو يتطلع لجمالها الساحر .. و عيونها الذهبية البريئة .. ضم كفها براحته .. و قبل أناملها بفرحة .. ثم قال بهيام غير مبالى بالمحيطين :
- أنا بقول بلا فرح بلا زفت و نروح بيتنا دلوقتى .. موافقة .
دخل الجميع فى نوبة ضحك .. و توردت وجنتى ليال من الخجل .. إلتقت عينى غزل الفيروزية بعينى فارس الغاضبة .. تطلعت لهيأته الجذابة و وسامته الزائدة .. ثم أشاحت ببصرها عنه بهدوء ..
إستقلت ليال السيارة و بجوارها رامى المندهش .. و طلب مهاب من غزل أن تستقل معه السيارة فوافقت و قالت لدنيا بهمس :
- دودو إركبى إنتى مع ليال قدام .
إتسعت عينى دنيا من الفرحة و قالت و هى غير مصدقة :
- أركب مع العروسة .. بجد يا ست غزل .
زفرت غزل بضيق و قالت لها بحدة :
- مش فاهمة إنتى طالعة من فيلم أبيض وإسود و لا حابة تضايقينى و خلاص .. مش عاوزة أسمع ست دى تانى تمام .
أومأت دنيا برأسها و قالت بأسف :
- أنا آسفة .. مش هقولك كده تانى .
إجتذب مهاب غزل من يدها و إتجها ناحية سيارة فارس و معها سالى .. صافحت سالى فارس و قالت بمزاح :
- منور الدنيا يا معلمى .. هو مافيش مكافأة كده بمناسبة الفرح .
ضحك فارس على مزحتها المفاجئة و قال بهدوء :
- ماشى يا دكتور تحت أمرك و هصرف شهر كامل مكافأة .
صفقت سالى بيديها و قالت بسعادة :
- واو .. شكرا بجد يا فندم .
فتح لها فارس باب السيارة الخلفى .. فإستقلتها فى هدوء .. كانت غزل تتابع حوارهم بضيق .. لاحظ فارس غضبها .. فاقترب منها قائلا بهمس حارق :
- مزوداها قوى النهاردة .
رفعت حاجبها بإستنكار و قالت متصنعة الغباء :
- يعنى إيه .. مش فاهمة .
تطلع إليها بنظرة شمولية من حذائها اللامع الأسود ذو الكعب العالى و فستانها الملفت و مكياجها الهادئ و لكن حمرة شفتيها الحمراء القانية كالقِبلة تجذب أنظار الجميع إليها ثم قال ببرود :
- يعنى شكلك كلك على بعضك ملفت زيادة عن اللزوم .
إبتسمت بمكر و هى ترى غيرته اللذيذة فى عينيه فقالت ببرود أكثر :
- طب يالا نركب أحسن .
و فتحت الباب و إستقلت السيارة .. و حملت مهاب على قدميها .. عض فارس على صدغه و هو يحاول كبح زمام غيرته .. فتلك المصيبة لا تتوانى عن إخراجه من إتزانه و هدوءه و تلقيه فى محيطى عينيها تلتقفه الأمواج العاتية و تهوى به فى قاعها العميق و تعود به لقمة امواجها مجددا و تلقيه على الشاطئ فى النهاية مهلكا ...
إطمأن أن الجميع قد إستقلوا سياراتهم خصوصا حمزة و ميناس .. فصعد هو الآخر سيارته و إنطلق .

لأول مرة منذ زواجهما يركب حمزة بجوارها .. و لم تتركها عينيه لثانية واحدة .. كان يتأمل جمالها الهادئ الملائكى و هو يمنى نفسه بحياة زوجية مكتملة مع حبيبته البريئة .. يلامسها .. يلاطفها .. يسمعها أعذب الكلام لأنها تستحقه ....
كانت ميناس فى أسعد لحظات حياتها لقربه منها .. و خصوصا عندما لامس يدها بيده .. ثم إحتضن كفها بهدوء و هو يتطلع للطريق .. فسرت قشعريرة لذيذة بجسدها و هى تطالع لهفته بلمسته .. تطلعت للطريق هى الأخرى و إبتسامة متسعة زينت وجهها البرئ ...

طوال الطريق لقاعة حفل الزفاف و رامى لم تترك وجهه علامات الإندهاش من جمال ليال .. حتى ضاقت من نظراته المتفحصة لها و قالت بخجل :
- أرجوك بص قدامك بقا مش ناقصة توتر .
إقترب منها بجرأة هامسا بأذنها :
- إتعودى بقا علشان اللى مستنيكى منى فوق خيالك يا عسلية .
شهقت بداخلها و أشاحت بوجهها عنه بخجل عارم .. فحمل كفها و قبله بهدوء فعادت بعينيها ناحيته تطالعه بهيام و هو يتطلع داخل عينيها بلهفة ..
وصلوا أخيرا لقاعة الزفاف .. إستقبلتهم الزفة المصرية حتى دلفوا للقاعة سويا .. تعالى صوت التصفيق للترحيب بهم .. ثم وقفوا فى منتصف القاعة و بدأت رقصتهما الهادئة .. لم يرحم رامى عينيه و لو ثانية و هو يتطلع إليها بفرحة .. و كأنهمابعالم بمفردهما .. و عينى عاليا تتابعهما بحزن...
كم تمنت أن تكون هى زوجته .. و حلمت بتلك اللحظة مرارا و تكرارا .. ليتحقق حلمها و لكن كاكابوس مؤلم و هى تتمنى أن تنشق الأرض و تبتلعها حتى لا يرى أحد حزنها و دمارها .. و عجزها ... لكن زوجى من العيون الفيروزية إلتقطتا دمعة عالقة بأهدابها ....
جلست غزل و ميناس على طاولة رأفة و معهما دنيا و سالى و والدتها ..

بعدما إنتهت الرقصة السلو .. طلب رامى من ليال أن تجلس و ألا ترقص خوفا عليها .. فوافقت و إمتثلت لأوامره كعادتها .. و جلست غزل بجوارها .. و رقص رامى مع أصدقائه بفرحة ..
كانت نظرات الرجال تتابع غزل كلما تحركت مما زاد من غضب فارس و توعده إليها .. كاظما غيظه و حنقه .. و متسائلا إلى متى سيظل على صمته حتى يأتى آخر و يشغل قلبها و يرتبط بها و يخسرها مجددا ... و بالفعل وجدها تتقدم ناحية ذلك الآخر بسعادة مرتسمة على ثغرها المهلك و وجهه البغيض .....
تقدمت غزل ناحية أحمد الواقف عند باب القاعة واضعا يده فى جيب بدلته يتابع تقدمها نحوه بسحر .. فاتنة بكل معنى الكلمة .. صافحته قائلة :
_ نورتنى يا دكتور .
أجابها و هو يطالعها بإعجاب واله :
_ ده نورك .. و ... و ألف مبروك .
هزت رأسها و قالت بود :
_ الله يبارك فيك .
و أشارت له بيدها أن يدلف للداخل و لكنه كان أسرع و قال بتهذيب :
_ إنتى عارفة إنى نباطشية النهاردة .. فلازم أرجع للمستشفى .
زمت شفتيها برقة و قالت بمجاملة :
_ يا ريتك تقدر تقعد شوية على الأقل .
أجابها مسرعا و هو يتنهد بسخونة :
_ يا ريت بس هعمل إيه .. عموما مبروك مرة تانية و .. و عقبالك إن شاء الله .
إبتسمت بخفوت و أجابته :
_ شكرا يا دكتور نورتنى .
_ العفو .. بعد إذنك .
و إلتفت و مضى .. إلتفتت هى الآخرى لتعود فوجدت فارس يقف خلفها و يطالعها بغضب كعادته الأخيرة دائما ... فإقتربت منه و تسائلت بتعجب :
_ فى إيه ؟!
بمنتهى البساطة اجاب سؤالها بسؤال آخر :
_ كان بيعمل إيه هنا ده ؟!
رفعت حاجبيها بعدما فطنت لسبب غضبه .. و أجابته ببرود :
_ بيباركلى طبعا .. إحنا زملاء و انا عزمته و هو جه .. بس .
ضيق نظراته نحوها و أكد على كلماتها قائلا بثبات :
_ بس !!!
إقتربت منه و قالت بقوة :
_ أيوة بس .. و باعدين إنت ناسى إننا قرأين فاتحة و لا إيه .
إبتسمت عينيه تلك الإبتسامة الساحرة و قال بمداعبة :
_ لا و الله .
حدجته بهيام و قالت برقة :
_ آه و الله .
فإبتسمت شفتيه أخيرا و أشار إليها قائلا بصوته الرجولى :
_ طب إدخلى يالا .
تركته و تقدمته و عيونه تجول على جسدها و الذى برزت أنوثته فى ذلك الفستان الجمرى .. تطلع حوله لتلك العيون التى تتبعها كلما تحركت بإعجاب و هو يشعر بتدفق الدماء برأسه بقوة ...
لم تكن تشعر هى بمتابعة أحد لها ... و غيظها و حنقها يزداد من هذا البارد .. الصامت ... إلى متى ستنتظر تحركه نحوها و لو خطوة واحدة ... تنتظر و تنظر دون تقدم يذكر ... فقط إهتمام أخوى ... حنان أبوى ... و لكن دفء العاشق هو ما تنتظره من ذلك الجلمود الثلجى ...
أوقف تقدمها مهاب قائلا بترجى طفولى لذيذ مثله :
_ غزل ... ممكن نتصور سوا ... علشان أحطها على مكتبى .
لأول مرة تنتبه غزل أن فارس ليس بمفرده .. و ذلك الصغير معه بكل شئ ... فإذا إرتبطت به كما تتمنى سترتبط به وبإبنه ... قطبت حاجبيها و هى تفكر بحجم المسؤلية التى ستقع على كاهلها ... سائلة نفسها بحدة هل هى كفء لدرجة تربية طفل ليس طفلها و ... يتيم .. يحتاج لعطف أموى مكثف ....
جذبها مهاب من كفها فعادت إليه بعينيها مبتسمة برقة ... فأردف قائلا بحنق :
_ سرحتى فى إيه بس ... الراجل واقف يستنانى .
إنحنت قليلا و حملته و أوقفته على أحد مقاعد الطاولات وعدلت من بدلته و هندامه و قالت بلوم :
_ كده بهدلت نفسك ... شقاوتك دى بتجننى منك .
تقوست شفتيه للأسفل بحزن و قال بحزن :
_ يعنى إنتى زعلانة منى .
لم تقاوم جماله و قبلته فى وجنته قبلة عميقة و هى تضحك بشدة ...و قالت بحنو :
_ أزعل منك إنت يا أجمل حاجة فى حياتى كلها .
عادت السعادة لوجهه و قال بتمنى :
_ بجد ... يعنى بتحبينى زى ما بحبك .
أتاهما صوت فارس الساخر و هو يقول :
_ إنتوا بتحبوا فى بعض من وريا و لا إيه .
و أخرج محرمة وقية و أزال لمهاب أحمر شفيتيها مجددا .. فدنا منه الصغير و قال هامسا بضيق :
_ إيه اللى جابك دلوقتى .. دى كانت خلاص هتقولى بحبك .
إبتسمت غزل بخفوت .. بينما


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات