رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثاني عشر 12 بقلم هالة محمد
12=حلال ولكن مرفوض - التلميذه والاستاذه -12 /
للجميع@
في الصعيد، في منزل العامري، كانت تجلس نسمه في غرفتها مع ريم ابنة خالتها. كانت ريم تقوم باحتضان نسمه وهي ترسم على وجهها معالم الحزن الزائف، وتقوم بخ سمومها حتى تجعل نسمه تكره كل من هالة وشقيقها عمر. كان وجه نسمه يرسم عليه ملامح الغضب والكراهية
بعد أن قامت ريم باشتعال نار الحقد بكلماتها المسمومة، والحقيقة أن نسمه لم تكن تحتاج لتلك الكلمات، فهي تحمل عمر ذنب ما حدث لصغيرها الذي كان يسكن أحشائها، على الرغم من أن عمر لم يكن هو سبب هذا، فقد سقطت نسمه دون أن يلمسها عمر. ولكن كراهية التي في قلب نسمه تجاه هالة تجعلها تكره كل من يحب هالة. وكان عمر شقيقها هالة يحب شقيقته كثيرًا.
تحدثت نسمه بكل حقد وغضب وقالت "وحيات ابني يا أحرق قلب عمر عليها زي ما حرق قلبي على ابني، وهخلي حياتهم جحيم هم اثنين". ابتسمت ريم بسعادة فقد حققت ما تريد أن تجعل حياة هالة جحيم في كل مكان.
اقتربت ريم ونظرت في عيون ابنة خالتها وهي ترسم على وجهها الحقد الدفين دون مبرر تجاه هالة، فهالة لم تفعل لريم شيئًا يستحق كل تلك الكراهية، فقط كانت تقوم بواجبها وهو مواجهة ريم بأفعالها السيئة. فكانت ريم فتاة ذات أخلاق سيئة، كانت هالة الوحيدة التي تواجهها بتلك الأخلاق، فكان الجميع من في المدرسة يغضون بصرهم عن أفعالها فقط من أجل مال والدها.
ولكن لم تكن هالة مثلهم، بل كانت تواجه ريم وتعاقبها على كل تلك الأفعال السيئة. كانت هالة تفعل واجبها كمعلمة وهو توجيه التلاميذ للطريق الصحيح وإبعادهم عن تلك الأفعال السيئة. ولكن ريم كانت ترى هالة أنها عدوها الوحيدة التي تقلل منها ومن شأنها، وهكذا ازدادت الكراهية والحقد في قلب ريم، واتفقت نسمه وريم على كره هالة.
تحدثت ريم وهي تسأل عن هالة وتقول
"وهي فين؟ ايه حابسة نفسها من الفضيحة؟ عارفة أنا من ساعة ما دخلت وأنا بدور عليها، بس عمك مش مخليني أعرف أتحرك في البيت براحتي".
كانت تحدث وهي ترسم على وجهها الشماتة والكراهية والغل.
نظرت نسمه لبنت خالتها صمتت قليلًا ثم فكرت لماذا لا تقول ألي ابنة خالتها ما حدث مع هالة حتى تقوم ابنة خالتها بفضح هالة في القرية، وحينها لن تستطيع هالة إنقاذ سمعتها. فإذا علموا أهل القرية أن شقيقها طعنًا سوف يكون هذا دليل قوي على أن هالة فتاة ذات أخلاق و السمعة، سيئة سوف يظل العار يلاحقها.
ابتسمت نسمه حين وجدت طريقة الانتقام من ابنة عمها، وارتسم على وجهها ابتسامة السعادة وتحمست. أوشكت على الحديث حتى تقص كل شيء لابنة خالتها التي كانت تتعطش لسماع أي شيء سيء عن هالة.
تحدثت نسمه وقالت
"أنتِي عارفة ايه اللي حصل لها؟"
قبل أن تتحدث نسمه، فتح الباب فجأة ودخل منه جابر وهو ينظر لبنت أخيه بنظرة غضب مميتة. تحدث جابر وهو يقترب من ابنة أخيه ببطء مخيف وقال "
خير يا عقربة، منك ليه؟ متجمعين كده ناويين تبخوا سمكم في مين المرة دي؟"
أنزعجت نسمه بشدة ورسم على وجهها غضب شديد ممزوج بالكراهية من حديث عمها لها بتلك الطريقة المهينة. تحدثت معه بصوت عالٍ غاضب وهي تقول
"هي مين دي العقرب يا عمي؟ وبعدين، بدل ما تجي تأخذ بخاطري بعد ما ولدك قتل ولدي؟"
كانت كلماتها مشبعة بالكراهية والغضب.
اقترب منها جابر بهدوء مرعب ثم قام بصفعها بقوة جعلتها تقع أرضًا بعنف. ثم نظر في عينيها، اقترب من أذنها وتحدث بصوت يشبه فحيح الأفعى وهو يقول لها "عاوزة، تفضحينا يا نسمه، عاوزة تحطي اسم عيلتك في الطين عاوزة تحكي للعقربة بنت خالتك علي ألي حصل عاوزة تقولي لها إن نوار قتل أخته علشان سيرتنا تكون لبانه علي لسان الناس عارفة؟ لو عقلك وزك مرة تانيه تطلعي أي حاجة، تحصل في البيت هنا هخليك تحصلي ولدك
ثم قام وتحدث بصوت مرتفع يملؤه الغضب والكراهية وقال
"ولدي ما قتلش ولدك يا بنت أخويا، انتي اللي وقعت لحالك باستهتارك وغبائك".
ثم نظر لريم بالكراهية والغضب وقال "اسمعي زين يا بنت الغول، بلاش تبخي سمك في عائلة العامري بدل ما أقطع رأسك اللي زي الحية. قلبك أسود زي أبوكي. يلا علي بيتكم، ولا أنتي مش بترجعي البيت غير في أنصاص الليالي، زي الغوازي
كآنت عيون ريم مليئه بالغضب والكره تجاه جابر بعد تلك الكلمات المهينه
ثم نظرت ريم لنسمه حتى تجد منها أي رد فعل أو اعتراض على حديث عمها. وجدت في عيون نسمه الخوف ، فاضطرت الى الرحيل . ولكن تواعدت في سرها لتلك العائلة
فور خروج ريم. عاد جابر ينظر لنسمه وهو يرفع عصاه التي في يده يحذر نسمه ويقول لها:
المرة دي كانت ضربة خفيفة، المرة الجاية هكسر العصا دي على نفوخك ثم خرج
يزداد الحقد والكراهية في قلب نسمه و اشتعلت في في قلبها نار الانتقام.
****************************
في عيادة هشام تفاجأ هالة بدخول صاحبة الرداء الاسود
نظرت هالة لتلك الفتاة ثم رسم علي وجهها الغضب بعد ما كشفت صاحبة الرداء الأسود عن وجهها تحدثت بحزن وعتاب وقالت لها
"ليه يا زهراء؟ ليه تعملي في كده؟ أنا كنت بحبك زي أختي الصغيرة كنت بخاف عليكي زي ما بخاف علي بنت اخوي الصغيرة وزي ما بخاف علي عمر اخوي ونفسي تكوني أحسن واحدة في الدنيا".
كانت تتحدث وهي تبكي بقلب منكسر تعرض للغدر من من تحب. بكت زهراء وهي تنظر للأرض لا تقدر على النظر في عيون هالة من كسرة الخجل. تحدثت هالة بغضب وقالت لها :
برا، مش عاوزة أشوفك تاني
صرخت عليها هالة بصوت غاضب، وتحول وجهها للون الأحمر من كسرة الغضب. كانت أنفاسها تعلوا وتهبط، وكأنها في سباق.
اقتربت زهراء واحتضنت هالة وهي تبكي مثل الطفل الصغير الذي يرفض ترك أمه. كانت تحاول هالة أن تبعد زهراء عنها، فهي كانت غاضبة منها بشكل كبير. قامت هالة بإبعاد زهراء عنها بقوة، جعلت زهراء تطيح أرضًا.
مما ادي الي الكشف على قدميها رسم على وجه هالة علامات الذهول حين رأت قدمي زهراء الذي كان مليئًا بالكدمات الزرقاء التي كانت نتيجة تعذيب ولدها لها حتى توافق على زواجها من طلعت
حاولت هالة النهوض من الفراش رغم الصعوبة، فهي مازالت لم تشفي بعد . تحركت ببطء شديد واقتربت منها، وهي تنظر لها وعلامات الحزن والغضب على وجهها. تحدثت معها وقالت بصوت غضب :
"أبوكي هو الي عمل كده صح؟". حركت زهراء رأسها وهي تملأ عيونها بالدموع والوجع والحزن. حضنتها هالة، كانت زهراء تحتاج لهذا الحضن الدافئ الذي مليء بالحب والعطف والحنان الذي لم تجده ظهرًا في منزلها. فقد وجدت القسوة من والدها، ولم تجد المساندة ولا النجاة من أمها ظلت زهراء تحتضنها بقوة، كأنها وجدت طوق النجاة الذي كانت تبحث عنه.
بعد الكثير من الوقت والاحضان التي كان يوجد فيها الدفء والحنان، تحدثت زهراء وقامت بالاعتذار من معلمتها، وهي تشعر بالخجل الشديد. وقصت لها ما حدث وماذا فعل والدها وأجبرها على تلك الأشياء. قالت زهراء وهي مازالت تبكي
"أبويا ضربني لغاية ما أغمى عليا، وبعد كده صاحيت لقيت إيدي كلها حبر. عرفت إن أبويا خلاني أبصم وأنا مغمى عليا".
غضبت هالة مما تسمع، كانت سوف تحدث وتقول لزهراء أن هذا العقد باطل ويجب إبلاغ المأذون. ابتسمت هالة بسخرية حين تذكرت أن مأذون القرية يزوج القصرات في القرية مقابل مبلغ مادي.
قامت هالة بغلق باب الغرفة بحرص حتى لا يدخل أحد، ثم جلست هي وزهراء في جو مفعم بالحزن والأسى، تحاول هالة أن تفهم منها كل شيء. جلست زهراء وتنفست بعمق شديد، وكأنها تستجمع كل قطرة من شجاعتها لتبدأ في قص حكايتها المؤلمة من البداية.
عادت زهراء بذاكرتها إلى منزلها، حيث كانت الصدمة تنتظرها مثل الصاعقة، حين علمت أن ولدها جعلها تبصم على أوراق الزواج وهي غائبة عن الوعي، دون أن تعرف ما تفعل أو إلى أين ستذهب. جن جنونها، ظلت زهراء تصرخ وتبكي حتى انقطعت أحبالها الصوتية من كثرة البكاء، وكأنت روحها كادت ان تخرج مع كل صرخة.
أتى ولدها حين استمع لصراخها، كان يجلس مع المأذون الذي كان يأخذ منه ومن طلعت مبلغًا كبيرًا من المال، ليتم هذا الزواج من القاصر الذي سيغير حياتها إلى الأبد. هكذا يتم الزواج في الصعيد من القاصرات، يدفع الأهالي مبلغًا كبيرًا من المال لتدمير حياة بناتهم تحت مسمى الزواج والسترة، ولكن في الحقيقة يكون تدميرًا ممنهجًا لحياة بريئة.
في آلاف الفتيات الذين لا يعرفون معنى زواج وبيت وأسرة، ويجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها زوجات لرجال اكبر منهن بسنوات، ويطلب منهن أشياء ليست في قدرتيهن من حقوق زوجية وواجبات، وهم ما زالوا صغارًا لا يعرفون عن الحياة سوى اللعب والدراسة. ولكن يجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها زوجات، وبعد قليل من الوقت أمهات صغار يرعان صغارًا، وهن ما زلن في سن الزهور.
كانت عينا زهراء تفيضان بالدموع وهي تحكي، وكانت هالة تستمع إليها بقلب مكسور، تحاول أن تحتويها وتواسيها في محنتها. كانت هالة تشعر بغضب شديد تجاه ولد زهراء والمأذون الذي قبل بتزويجها دون أن يراعي حقوقها أو عمرها. كانت هالة تتمنى لو تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء لتنقذ زهراء من هذا المصير التعس.
لم ينطق والد زهراء بكلمة، فقد سحب عصا قوية وقام بتكسيرها على جسد زهراء الذي لم يعد له القدرة على كل هذه الألم. كانت صرخاتها تملأ المكان، كانت تدعو الله أن يخرجها من هذا العالم الذي مليء بالألم والظلم والخوف. لم يكتفِ ولدها بتعذيبها، بل أمر والدتها أن تقوم بتجهيز زهراء حتى تخرج لطلعت الذي كان يسمع صراخها ويصمد دون أن يفعل شيئًا، فهو يعلم أنها لا تريده ومع ذلك يصر على الزواج بها دون الشعور بالذنب تجاه تلك الصغيرة.
اقتربت نادية من خزانة الملابس حتى تجلب ثوبًا لزهراء، ولكن أثناء البحث وقع منها هذا الثوب الذي كان هدية من هالة لزهراء. ركضت زهراء
على هذا الثوب وأصرت على ارتدائه رغم اعتراض أمها، فتجد أن هذا الثوب غير مناسب لعروس في يوم مثل هذا. ولكن أصرت زهرة، فهي كانت بحاجة لأن تشعر بوجود معلمتها حتى تستمد منها القوة. فارتدت الثوب والخمار والخاتم الذي كان يشبه ثوبها وخمارها، وكانت تشعر وكأنها ترتدي درعًا يحميها من العالم الخارجي.
وحين خرجت كانت تنظر في الأرض، ويرسم على وجهها علامات البؤس والحزن، إن يراها أحد سيعلم أنها ليست عروسًا بل شخصًا حكم عليه بالموت. كانت تجلس كل من نعمة وطلعت وريم التي كانت تشعر بالملل وعلى وجهها علامات الاشمئزاز من منزل زهراء البسيط. ولكن حين نظرت لزهراء ورأت ماذا ترتدي، ارتسم على وجهها ابتسامة شيطانية. وقامت بسحب زهرة وشقيقها طلعت للخارج إلى المنزل الذي كان قريبًا من الأرض الزراعية.
أصرت ريم على تصوير زهراء مع طلعت، وطلبت من زهراء أن تقوم باحتضان طلعت دون أن تظهر وجهها. رفضت زهراء وبشدة، ورسم على وجهها كل علامات النفور والكراهية من طلعت. وحين رأت طلعت هذا النفور، أصر على كل ما طلبت ريم، وكأنه يستمتع بتعذيبها.
أتى نادية والدة زهراء حتى تتحدث مع ابنتها وتقنعها. تحدثت نادية وقالت
"يا حبيبتي، طلعت دلوقتي زوجك يعني مش عيب ولا غلط إنك تتصوري معاه"
. صدمت زهراء من أمها، فهي تعرف أنها لم تتزوج طلعت بل والدها من فعل هذا بها دون أن تشعر. كانت تشعر وكأنها تُساق إلى المذبح دون أن يكون لها أي خيار.
لم يعجب نادية نظرت ابنتها، اقتربت منها وتحدثت لها بغضب وهي تمسكها من يدها بقوة وتقول
لها "أنا مش عارفة انتي طالعة بومة لمين، وحدة من غيرك كان زمانه بترقص من الفرح متزوج أغنى ولد أغنى واحد في البلد، . عارفة لو ما رحتيش وعملت ألي يقولولك عليه، أنا اللي هضربك مش أبوكي. يلا غوري"
. لم تجد زهراء مفر، فعلت ما طلبوا منها دون أن تعلم أن هكذا سوف تقوم بإيذاء معلمتها مرة أخرى. كانت تشعر وكأنها تسير في طريق مظلم لا نهاية له.
عادت زهراء من ذكراها المؤلمة وهي تبكي في حضن هالة التي كانت تبكي هي الأخرى على حال تلك الصغيرة. نظرت زهراء في عيون هالة وقامت بالاعتذار مرة أخرى، ولكن وجدت أن هالة تعتذر منها. تقول لها
"أنا اللي آسفة، مش عارفة أساعدك ولا أنقذك من اللي انتي فيه. آسفة يا زهراء، آسفة يا حبيبتي". قالت هذا وبكت البكاء الشديد، ودخلت في حالة هستيرية من البكاء بسبب شعورها باليأس والذنب تجاه زهراء.
قامت زهراء باحتضان معلمتها وبمواساتها، وقالت لها
"أنا مش زعلانة منك، أنا بس عاوزة إنكي تسمحيين
تحدثت هالة بصوت باكٍ وقالت
"أنا مش زعلانة منك، وانتي لازم تكوني قوية وتاخذي حقك منهم".
قامت زهراء حتى تعود إلى المنزل، فقد تأخر الوقت كثيرًا. لم تعترض هالة حتى لا تعرض زهراء للأذى من أهلها.
ولكن قبل رحيل زهراء، وعند باب الغرفة، تحدثت زهراء وهي يملأها الخوف والارتباك، ولكنها قررت أن تجمع شجاعتها وقالت لهالة في دفعة واحدة "
على فكرة، أنا سمعت أبوي والزفت طلعت وهم بيقولوا إن الغول هو اللي وراء سجن يحيى".
ثم رحلت دون أن تنتظر ردًا من هالة التي كانت في حالة من الصدمة والذهول التام مما سمعت. كانت عينا هالة متسعتين من المفاجأة، وبدت وكأنها فقدت القدرة على الكلام أو الحركة.
*****************************
ام عن حال يحي
اقترب من الزنزانة أحد العسكر ونظر حوله بحرص شديد، ثم نادى على يحيى من خلف الباب بصوت منخفض وكأنه يخاف أن يسمعه أحد. ثم قام بإعطاء الهاتف ليحيى، فقال له:
"خذ التلفون بس بسرعة، الله يخليك يا باشمهندس
". أخذ يحيى الهاتف بلهفة كبيرة وقام بالاتصال على هشام، ولكن لم يجد أي رد. غضب يحيى وقام بضرب يده في جدران الزنزانة، وهو يقتله القلق الشديد. ولكن رن الهاتف فجأة، فقام يحيى بالرد بلهفة وقال:
"إيوا يا هشام"
. على الجانب الآخر، رد هشام الذي كان يغلب عليه النوم وقال:
إيوا مين ؟
رد يحيى بغضب وقال:
مين إيه يا زفت! أنا يحيى، أصح شوية
. نظر هشام للهاتف باستغراب شديد وتحدث وقال:
"يحيى مين؟ يحيى في السجن دلوقتي.
رد يحيى بغضب شديد وقال :"والله العظيم لو ما ركزت يا جي، أقتلك. ما أنا كده كده مسجون".
ارتعب هشام من تهديد يحيى وتحدث بسرعة كبيرة وهو يقول
"إيوه يحيى، أنا خلاص أنا سامعك".
تنحنح يحيى وهو يحاول أن يتحدث، ولكن جميع الكلمات هربت منه. فنادى عليه هشام أكثر من مرة، أقام يحيى بتجمع شتات نفسه وتحدث بهدوء حتى يداري هذا الارتباك الذي لا يعرف ما سببه. فقال بشكل جدي
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
. على الجانب الآخر، رد هشام بلاهًي وقال
"هي مين؟". صمت يحيى قليلًا وفكر ماذا سوف يحدث إن قتل هذا الغبي. ثم تحدث بغيظ وصوت مكتوم وقال :
"أنت إزاي دكتور يا غبي؟"
رد هشام سريعًا حين فهم عن ماذا يسأل يحيى، قال بكل سعادة
"مبروك يا عم، بنت عمك فاقت أخيرًا
". تنفس يحيى براحة وابتسم ابتسامة سعيدة، وشعر أن كل الهموم التي كانت تحمله لم تعد موجودة وان عائلته بخير. تحدث يحيى بصوت يملأه الفرح والسعادة وقال "ابعت التلفون مع واحد من الممرضات، عاوز أشوفها".
وافق هشام وذهبت أحد الممرضات لغرفة هالة ودقت الباب، ثم كانت سوف تفتح الباب ولكن توقفت فجأة
. لقد اضطر يحيى على غلق الهاتف فجأة بعد أن قام العسكري بأخذ الهاتف. فكان مأمور المركز يمر في هذا الوقت. حمد الله يحيى أن ابنة عمه بخير، ونجا الله شقيقها معها من ان يصبح قاتل شقيقته.
*************************
أمام منزل عائلة العامري، تقف سيارة أحمد الذي كان لا يستطيع النزول، فهذا المنزل يذكره بصديقه العزيز الذي مات في حادث مأساوي. نظر أحمد من نافذة السيارة إلى هذا المنزل، فبدأت الذكريات تراوده وخيال صديقه في كل مكان يبتسم له ويرحب به بحب ومودة كما كان يفعل دائمًا. اقترب جابر من السيارة حتى يعرف من بداخلها، وتفاجأ حين وجد أحمد، فمنذ سنوات قطعت علاقته بتلك العائلة بعد وفاة صديقه سليم وبعد أن رفضت عائلة العامري تنفيذ وصية سليم وهي أن تعمل هالة في مجال الآثار.
صمت الاثنين حين تقابلت العيون، فقام جابر بترحيب بأحمد وهو يذكره بشقيقه العزيز سليم، ابتسام جابر. وقام بحضن أحمد وكان يبحث عن حضن شقيقه في أحمد، فكان جابر في أمس الحاجة إلى شقيقه سليم في هذا الوقت الذي تمر به العائلة.
نزل من السيارة كل من مريم ومديحة التي رحب بهم جابر أيضًا، ثم نظر لمريم وجدها ترفرف عيناها مثل الطفلة الصغيرة التي تحاول أن تفيق من هذا النوم. دخلت المنزل ووجدت المنزل يخيم عليه الحزن والظلام، فأحزن أحمد ومديحة على ما حدث لتلك العائلة. قام جابر بإيصالهم إلى غرفهم، فكان الوقت متأخرًا واقترب أن يحل الصباح. ثم تركهم وعاد حتى يتصل بأبنائه، فلا أحد منهم يجيب.
*****************
في منزل مهجور، كان نوار يتنفس بصعوبة بعد المجهود الشاق الذي فعله في ضرب هؤلاء الشباب. كان يمسك في يده عصا، نظر نوار لتلك العصا التي تكسرت على هؤلاء الشباب، فغضب بشدة وبرقت عيناه بالغضب. كان الشباب مقيدين جميعًا بالحبال الغليظة التي تجعلهم لا يستطيعون الفرار، ووجوههم مليئة بالخوف والرعب. اقترب منهم نوار وقال لهم بصوت مرتفع ومخيف :
عرفين ياد منك له العصا دي؟ كانت هديه من جدي"
. كان يضغط على شفتيه وعروقه بارزة من كثرة الغضب. نظر لهم بغيظ وقال وهو يضربهم بقدميه
"يوم ما تتكسر العصاية، تتكسر على شوية شمامين زيكم".
ثم قال بصوت أكثر غضبًا :
مين قال ليكم إنكم تروحوا المركز وتشهدوا على يحيى أنو ضرب الواد الشمام علي؟ الهي يحصلوا كلكم زي ما حصله خلي البلد تنظف منكم".
كان الشباب يرتجفون من الخوف، ووجوههم أصبحت شاحبة.
ثم تحدث نوار بصوت غاضب وقال "انطق يا ياد
تكلم". أحد الشباب الذي كان يبكي من الألم وقال بصوت باكٍ "
أنا هقولك يا عمي نوار".
قال نوار بحماس شديد :
قول يا طه، أنت عيل جدع.
تحدث طه وقال رغم اعتراض باقي الشباب الذين كانوا يرفضون التحدث، ولكن كان طه تمكن منه الرعب مما فعله نوار بهم تحدث وقال :
إحنا في واحد جي عطانى شابو كتير وقال كل يوم هيعطينا زيه واكتر كمان، وأدينا فلوس وقال لينا نروح المركز ونقول أن إحنا شوفنا يحيى ولد العامري وهو بيضرب علي ماهربس هو ده اللي حصل.
صمت نوار قليلًا ثم خرج للخارج وقام بالإتصال على عمر الذي رد عليه سريعًا، فكان عمر وعامر ينتظران هذا الاتصال من نوار. قال لهم نوار أن يأتوا له وشرح لهم كيف يأتون إلى هذا المكان، ثم غلق الهاتف. وثواني ووجد اتصال من والده الذي كان غاضبًا وقص له ما كانت تنوي فعله نسمه. غضب نوار كثيرًا من زوجته، ولكن حاول أن يهدئ، الأهم في هذا الوقت هو إخراج يحيى من تلك الأزمة.
************************
كان يجلس كل من عمر وعامر ونوار، قص نوار كل ما قصه طه له، وكان نوار متحمسًا وهو يتحدث، وظهرت على وجهه علامات الأمل والرغبة في إنقاذ يحيى. ثم وجه الحديث لعامر وقال له
"كده يحيى يخرج صح؟".
كان عمر ونوار ينتظران إجابة عامر بإعصاب مشدودة وتوتر كبير، وكأنهم يعيشون في لحظة حاسمة من حياتهم.
تنهد عامر، ويرسم على وجهه ملامح اليأس، ثم تحدث بصوت مهموم
"مع الأسف، يحيى مش هنعرف نخرجه، حتى لو الشهود غيروا أقوالهم، لأنهم ببساطة ممكن يقولوا إنكم هددتوهم أو إنهم تعرضوا للأذى عشان يغيروا أقوالهم"
. كانت كلماته تملأ المكان بالحزن واليأس.
تحدث نوار وقال
"خلي عيل فيهم يتكلم، وأنا أخلص عليه"
. كان يتحدث بجدية وغضب، وظهرت على وجهه علامات الاستياء. تحدث عامر مرة أخرى وقال
"المشكلة مش بس في الشهادة، لا المشكلة الأكبر في التقرير الطبي اللي هيثبت أني فعلا يحيى تعدي على الشخص وضربه، لأن أكيد بصمات يحيى موجودة، وده طبعًا بيخلي الموقف صعب جدًا. وبعدين على مات آثار ضربة قوية على الرأس، دا غير آثار التعذيب الي على جسمه"
. كانت كلماته تزيد من حزن وتوتر الجميع.
تملك اليأس من وجوه الجميع، لم يعودوا يعرفوا ماذا يفعلون. تحدث نوار وقال
"طيب، أنتم ما عرفتوش طريقه الزفت اللي اسمه المنشاوي؟".
رد عمر "لا، أحنا لفينا البلد حتة حتة، حتى البلاد اللي حواليها، اختفى كأنه شخص مش موجود"
. كانت كلماته تزيد من شعور اليأس والإحباط.
تمكن منهم اليأس الشديد، ولكن في هذا الوقت ارتفع صوت آذان الفجر، فارتسمت على وجه عامر ابتسامة أمل. وتحدث وقال
"دي بشرى خير يا جماعة، أنا دايمًا بتفائل بصوت الآذان. أحنا نروح نصلي الفجر وندعي ربنا إنه يوفقني، ونقدر نطلع يحيى. كمان نخلص ونروح ندور على المنشاوي، علشان من الواضح أن اختفائه ورا حاجة
. كانت كلماته تملأ المكان بالأمل والتفاؤل.
ذهب عمر وعامر، لكن توقف نوار لا يقدر على الذهاب للمسجد، فكيف يذهب الي بيت الله بعد ما تمكن منه الشيطان وجعله يرتكب ما حرم الله. وقتل شقيقته لم يتذكر قالوا الله سبحانه وتعالى "من قتل نفسًا بغير ذنب فقد قتل الناس جميعًا".
نظر عمر إلى أخيه بسخرية، ولكن في هذا الأثناء رن هاتف عمر باسم هشام. شعر عمر بالخوف الشديد أن يكون قد حصل مكروه لشقيقته، فهو من الأمس لم يذهب لها. تحدث بقلب يقتله القلق والخوف، لكن سرعان ما تحول الخوف إلى فرح وابتسامة ارتسمت على وجه عمر.
نظر له نوار الذي كان يشعر بالقلق أيضًا، وكان يخاف أن يسأل عمر فيستمع إلى خبر لا يريد سماعه. ولكن فور وجد الابتسامه تشق وجه اخيه بدأ نوار الاقتراب من عمر وتحدث بلهفة وشوق أن يسمع الأخبار المفرحة. وقال
"هي قامت بالسلامة؟ هالة بخير صح يا عمر؟".
رد عمر وهو يركض ذاهبًا لشقيقته "
روح صلي واحمد ربك إنها قامت، عشان كنت هدفنك قبلها لو حصل ليها حاجة. بس حسابنا لسه ما خلصش، هنتحاسب يا ولد أبوي
". ابتسم نوار برغم تهديد شقيقه، ولكن المهم أن شقيقته بخير.
ثم تحدث نوار بصوت مفرح وهو ينادي على أحد الشباب ويطلع جميع المال الذي في جيبه ويقوم بإعطائه للشاب، وهو يقول
له "خذ ياد كل الفلوس دي، أنت والرجاله عقبال الحلاوة الكبيرة. لم يخرج يحيى بالسلامة؟".
كان نوار سعيدًا ومتفائلًا، ويشعر بالامتنان للشاب الذي سيقوم بمساعدتهم.
رد أحد الشباب وقال بغضب "
خبرك يا أبو عمو، هو احنا في بينا الكلام ده؟ وحد الله يا راجل". ورجع الفلوس.
ابتسم نوار بود وهو يقول
"عارف والله يا ولد عمي، أنتم مقامكم عالي، واللي بينا
مش فلوس بس، دي حاجة تانية. يلا هروح أصلي ورجع".
ثم ذهب هو وعامر للمسجد، وهم يشعرون بالأمل والتفاؤل في إنقاذ يحيى.
**************************
دخل عمر العيادة يركض، فهو لا يصدق أن شقيقته عادت للحياة مرة أخرى. كان قلبه يطير من الفرح والسعادة، وشعر وكأنه يحلق في السماء. فتح عمر باب الغرفة بحماس، وهو يرسم على وجهه علامات السعادة والفرح. وقف عمر ونظر لشقيقته، ثم هربت منه دمعة فرح. اقترب منها وقام بحضنها بقوة وحب، وكأنه يخشى أن يفقدها مرة أخرى.
ظل يملأ وجهها بسيل من القبلات الأخوية الحنونة التي عبر بها عمر عن سعادته وفرحته بعودة شقيقته للحياة. كان عمر مع كل قبل على رأسها وجنتيها، يردد ألف من الكلمات المليئة بالاعتذار على ما حدث لها. كانت هالة تشعر بالأمان في حضن شقيقها الذي فقدته في تلك الأيام القاسية التي عاشتها.
لم تكن هالة تريد ترك حضن شقيقها، ولكن تذكرت يحيى، وهنا تركت هالة حضن شقيقها ونظرت له بخوف ورعب من أن يكون حديث زهراء حقيقة. فهي مازالت ترفض أن تصدق هذا الحديث. ولكن تأكيد أن الحديث حقيقة حين رأت في عيون شقيقها الحزن ورسم على وجهه علامات اليأس.
قص عمر كل شيء وكل ما حدث ليحيى، بكت هالة وشعرت بالذنب الشديد اتجاه ابن عمها وما حصل له. لامت نفسها وحملتها نتيجة كل شيء، وتحولت نظرتها من يأس وحزن وشعور بالذنب إلى عزم. وعزمت هالة على أن تخرج ابن عمها من تلك المحنة، مثل ما كانت هي سبب كل هذا.
فضلت هالة أن لا تقول لشقيقها على ما سوف تفعل حتى لا يتعرض أحد من عائلتها لمكروه بسببها مرة أخرى. طلبت هالة من عمر الذهاب للمنزل حتى يرتاح قليلاً، فمنذ أن أتى لم يتذوق عينه النوم. رفض عمر أن يذهب ويتركها، لكن أصرت هالة بشدة، فاضطر عمر للذهاب.
بعد خروج عمر، قامت هالة بالاتصال بأحدهم وقالت
"عاوزة الأمانة اللي عندك". على الجانب الآخر رد وقال
"هي معايا، أنا جبتها وأنا جاي". كان قلبي حاسس أن هو وراء كل ده. تفاجأت
هالة بوجود هذا الشخص في الصعيد، ولكن سرعان ما ارتسم على وجهها علامة الفرح والارتياح، فهي تشعر أن عمها ما زال موجود في وجود هذا الشخص.
تحدثت معه وطلبت منه أن يأتي بهذه الأشياء، ولكن دون أن أحد من عائلتها يشعر بشيء، ثم أغلقت الهاتف، وبدأت تفكر في الخطوة القادمة التي ستتخذها لإنقاذ يحيى.
ووويتبع
للجميع@
في الصعيد، في منزل العامري، كانت تجلس نسمه في غرفتها مع ريم ابنة خالتها. كانت ريم تقوم باحتضان نسمه وهي ترسم على وجهها معالم الحزن الزائف، وتقوم بخ سمومها حتى تجعل نسمه تكره كل من هالة وشقيقها عمر. كان وجه نسمه يرسم عليه ملامح الغضب والكراهية
بعد أن قامت ريم باشتعال نار الحقد بكلماتها المسمومة، والحقيقة أن نسمه لم تكن تحتاج لتلك الكلمات، فهي تحمل عمر ذنب ما حدث لصغيرها الذي كان يسكن أحشائها، على الرغم من أن عمر لم يكن هو سبب هذا، فقد سقطت نسمه دون أن يلمسها عمر. ولكن كراهية التي في قلب نسمه تجاه هالة تجعلها تكره كل من يحب هالة. وكان عمر شقيقها هالة يحب شقيقته كثيرًا.
تحدثت نسمه بكل حقد وغضب وقالت "وحيات ابني يا أحرق قلب عمر عليها زي ما حرق قلبي على ابني، وهخلي حياتهم جحيم هم اثنين". ابتسمت ريم بسعادة فقد حققت ما تريد أن تجعل حياة هالة جحيم في كل مكان.
اقتربت ريم ونظرت في عيون ابنة خالتها وهي ترسم على وجهها الحقد الدفين دون مبرر تجاه هالة، فهالة لم تفعل لريم شيئًا يستحق كل تلك الكراهية، فقط كانت تقوم بواجبها وهو مواجهة ريم بأفعالها السيئة. فكانت ريم فتاة ذات أخلاق سيئة، كانت هالة الوحيدة التي تواجهها بتلك الأخلاق، فكان الجميع من في المدرسة يغضون بصرهم عن أفعالها فقط من أجل مال والدها.
ولكن لم تكن هالة مثلهم، بل كانت تواجه ريم وتعاقبها على كل تلك الأفعال السيئة. كانت هالة تفعل واجبها كمعلمة وهو توجيه التلاميذ للطريق الصحيح وإبعادهم عن تلك الأفعال السيئة. ولكن ريم كانت ترى هالة أنها عدوها الوحيدة التي تقلل منها ومن شأنها، وهكذا ازدادت الكراهية والحقد في قلب ريم، واتفقت نسمه وريم على كره هالة.
تحدثت ريم وهي تسأل عن هالة وتقول
"وهي فين؟ ايه حابسة نفسها من الفضيحة؟ عارفة أنا من ساعة ما دخلت وأنا بدور عليها، بس عمك مش مخليني أعرف أتحرك في البيت براحتي".
كانت تحدث وهي ترسم على وجهها الشماتة والكراهية والغل.
نظرت نسمه لبنت خالتها صمتت قليلًا ثم فكرت لماذا لا تقول ألي ابنة خالتها ما حدث مع هالة حتى تقوم ابنة خالتها بفضح هالة في القرية، وحينها لن تستطيع هالة إنقاذ سمعتها. فإذا علموا أهل القرية أن شقيقها طعنًا سوف يكون هذا دليل قوي على أن هالة فتاة ذات أخلاق و السمعة، سيئة سوف يظل العار يلاحقها.
ابتسمت نسمه حين وجدت طريقة الانتقام من ابنة عمها، وارتسم على وجهها ابتسامة السعادة وتحمست. أوشكت على الحديث حتى تقص كل شيء لابنة خالتها التي كانت تتعطش لسماع أي شيء سيء عن هالة.
تحدثت نسمه وقالت
"أنتِي عارفة ايه اللي حصل لها؟"
قبل أن تتحدث نسمه، فتح الباب فجأة ودخل منه جابر وهو ينظر لبنت أخيه بنظرة غضب مميتة. تحدث جابر وهو يقترب من ابنة أخيه ببطء مخيف وقال "
خير يا عقربة، منك ليه؟ متجمعين كده ناويين تبخوا سمكم في مين المرة دي؟"
أنزعجت نسمه بشدة ورسم على وجهها غضب شديد ممزوج بالكراهية من حديث عمها لها بتلك الطريقة المهينة. تحدثت معه بصوت عالٍ غاضب وهي تقول
"هي مين دي العقرب يا عمي؟ وبعدين، بدل ما تجي تأخذ بخاطري بعد ما ولدك قتل ولدي؟"
كانت كلماتها مشبعة بالكراهية والغضب.
اقترب منها جابر بهدوء مرعب ثم قام بصفعها بقوة جعلتها تقع أرضًا بعنف. ثم نظر في عينيها، اقترب من أذنها وتحدث بصوت يشبه فحيح الأفعى وهو يقول لها "عاوزة، تفضحينا يا نسمه، عاوزة تحطي اسم عيلتك في الطين عاوزة تحكي للعقربة بنت خالتك علي ألي حصل عاوزة تقولي لها إن نوار قتل أخته علشان سيرتنا تكون لبانه علي لسان الناس عارفة؟ لو عقلك وزك مرة تانيه تطلعي أي حاجة، تحصل في البيت هنا هخليك تحصلي ولدك
ثم قام وتحدث بصوت مرتفع يملؤه الغضب والكراهية وقال
"ولدي ما قتلش ولدك يا بنت أخويا، انتي اللي وقعت لحالك باستهتارك وغبائك".
ثم نظر لريم بالكراهية والغضب وقال "اسمعي زين يا بنت الغول، بلاش تبخي سمك في عائلة العامري بدل ما أقطع رأسك اللي زي الحية. قلبك أسود زي أبوكي. يلا علي بيتكم، ولا أنتي مش بترجعي البيت غير في أنصاص الليالي، زي الغوازي
كآنت عيون ريم مليئه بالغضب والكره تجاه جابر بعد تلك الكلمات المهينه
ثم نظرت ريم لنسمه حتى تجد منها أي رد فعل أو اعتراض على حديث عمها. وجدت في عيون نسمه الخوف ، فاضطرت الى الرحيل . ولكن تواعدت في سرها لتلك العائلة
فور خروج ريم. عاد جابر ينظر لنسمه وهو يرفع عصاه التي في يده يحذر نسمه ويقول لها:
المرة دي كانت ضربة خفيفة، المرة الجاية هكسر العصا دي على نفوخك ثم خرج
يزداد الحقد والكراهية في قلب نسمه و اشتعلت في في قلبها نار الانتقام.
****************************
في عيادة هشام تفاجأ هالة بدخول صاحبة الرداء الاسود
نظرت هالة لتلك الفتاة ثم رسم علي وجهها الغضب بعد ما كشفت صاحبة الرداء الأسود عن وجهها تحدثت بحزن وعتاب وقالت لها
"ليه يا زهراء؟ ليه تعملي في كده؟ أنا كنت بحبك زي أختي الصغيرة كنت بخاف عليكي زي ما بخاف علي بنت اخوي الصغيرة وزي ما بخاف علي عمر اخوي ونفسي تكوني أحسن واحدة في الدنيا".
كانت تتحدث وهي تبكي بقلب منكسر تعرض للغدر من من تحب. بكت زهراء وهي تنظر للأرض لا تقدر على النظر في عيون هالة من كسرة الخجل. تحدثت هالة بغضب وقالت لها :
برا، مش عاوزة أشوفك تاني
صرخت عليها هالة بصوت غاضب، وتحول وجهها للون الأحمر من كسرة الغضب. كانت أنفاسها تعلوا وتهبط، وكأنها في سباق.
اقتربت زهراء واحتضنت هالة وهي تبكي مثل الطفل الصغير الذي يرفض ترك أمه. كانت تحاول هالة أن تبعد زهراء عنها، فهي كانت غاضبة منها بشكل كبير. قامت هالة بإبعاد زهراء عنها بقوة، جعلت زهراء تطيح أرضًا.
مما ادي الي الكشف على قدميها رسم على وجه هالة علامات الذهول حين رأت قدمي زهراء الذي كان مليئًا بالكدمات الزرقاء التي كانت نتيجة تعذيب ولدها لها حتى توافق على زواجها من طلعت
حاولت هالة النهوض من الفراش رغم الصعوبة، فهي مازالت لم تشفي بعد . تحركت ببطء شديد واقتربت منها، وهي تنظر لها وعلامات الحزن والغضب على وجهها. تحدثت معها وقالت بصوت غضب :
"أبوكي هو الي عمل كده صح؟". حركت زهراء رأسها وهي تملأ عيونها بالدموع والوجع والحزن. حضنتها هالة، كانت زهراء تحتاج لهذا الحضن الدافئ الذي مليء بالحب والعطف والحنان الذي لم تجده ظهرًا في منزلها. فقد وجدت القسوة من والدها، ولم تجد المساندة ولا النجاة من أمها ظلت زهراء تحتضنها بقوة، كأنها وجدت طوق النجاة الذي كانت تبحث عنه.
بعد الكثير من الوقت والاحضان التي كان يوجد فيها الدفء والحنان، تحدثت زهراء وقامت بالاعتذار من معلمتها، وهي تشعر بالخجل الشديد. وقصت لها ما حدث وماذا فعل والدها وأجبرها على تلك الأشياء. قالت زهراء وهي مازالت تبكي
"أبويا ضربني لغاية ما أغمى عليا، وبعد كده صاحيت لقيت إيدي كلها حبر. عرفت إن أبويا خلاني أبصم وأنا مغمى عليا".
غضبت هالة مما تسمع، كانت سوف تحدث وتقول لزهراء أن هذا العقد باطل ويجب إبلاغ المأذون. ابتسمت هالة بسخرية حين تذكرت أن مأذون القرية يزوج القصرات في القرية مقابل مبلغ مادي.
قامت هالة بغلق باب الغرفة بحرص حتى لا يدخل أحد، ثم جلست هي وزهراء في جو مفعم بالحزن والأسى، تحاول هالة أن تفهم منها كل شيء. جلست زهراء وتنفست بعمق شديد، وكأنها تستجمع كل قطرة من شجاعتها لتبدأ في قص حكايتها المؤلمة من البداية.
عادت زهراء بذاكرتها إلى منزلها، حيث كانت الصدمة تنتظرها مثل الصاعقة، حين علمت أن ولدها جعلها تبصم على أوراق الزواج وهي غائبة عن الوعي، دون أن تعرف ما تفعل أو إلى أين ستذهب. جن جنونها، ظلت زهراء تصرخ وتبكي حتى انقطعت أحبالها الصوتية من كثرة البكاء، وكأنت روحها كادت ان تخرج مع كل صرخة.
أتى ولدها حين استمع لصراخها، كان يجلس مع المأذون الذي كان يأخذ منه ومن طلعت مبلغًا كبيرًا من المال، ليتم هذا الزواج من القاصر الذي سيغير حياتها إلى الأبد. هكذا يتم الزواج في الصعيد من القاصرات، يدفع الأهالي مبلغًا كبيرًا من المال لتدمير حياة بناتهم تحت مسمى الزواج والسترة، ولكن في الحقيقة يكون تدميرًا ممنهجًا لحياة بريئة.
في آلاف الفتيات الذين لا يعرفون معنى زواج وبيت وأسرة، ويجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها زوجات لرجال اكبر منهن بسنوات، ويطلب منهن أشياء ليست في قدرتيهن من حقوق زوجية وواجبات، وهم ما زالوا صغارًا لا يعرفون عن الحياة سوى اللعب والدراسة. ولكن يجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها زوجات، وبعد قليل من الوقت أمهات صغار يرعان صغارًا، وهن ما زلن في سن الزهور.
كانت عينا زهراء تفيضان بالدموع وهي تحكي، وكانت هالة تستمع إليها بقلب مكسور، تحاول أن تحتويها وتواسيها في محنتها. كانت هالة تشعر بغضب شديد تجاه ولد زهراء والمأذون الذي قبل بتزويجها دون أن يراعي حقوقها أو عمرها. كانت هالة تتمنى لو تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء لتنقذ زهراء من هذا المصير التعس.
لم ينطق والد زهراء بكلمة، فقد سحب عصا قوية وقام بتكسيرها على جسد زهراء الذي لم يعد له القدرة على كل هذه الألم. كانت صرخاتها تملأ المكان، كانت تدعو الله أن يخرجها من هذا العالم الذي مليء بالألم والظلم والخوف. لم يكتفِ ولدها بتعذيبها، بل أمر والدتها أن تقوم بتجهيز زهراء حتى تخرج لطلعت الذي كان يسمع صراخها ويصمد دون أن يفعل شيئًا، فهو يعلم أنها لا تريده ومع ذلك يصر على الزواج بها دون الشعور بالذنب تجاه تلك الصغيرة.
اقتربت نادية من خزانة الملابس حتى تجلب ثوبًا لزهراء، ولكن أثناء البحث وقع منها هذا الثوب الذي كان هدية من هالة لزهراء. ركضت زهراء
على هذا الثوب وأصرت على ارتدائه رغم اعتراض أمها، فتجد أن هذا الثوب غير مناسب لعروس في يوم مثل هذا. ولكن أصرت زهرة، فهي كانت بحاجة لأن تشعر بوجود معلمتها حتى تستمد منها القوة. فارتدت الثوب والخمار والخاتم الذي كان يشبه ثوبها وخمارها، وكانت تشعر وكأنها ترتدي درعًا يحميها من العالم الخارجي.
وحين خرجت كانت تنظر في الأرض، ويرسم على وجهها علامات البؤس والحزن، إن يراها أحد سيعلم أنها ليست عروسًا بل شخصًا حكم عليه بالموت. كانت تجلس كل من نعمة وطلعت وريم التي كانت تشعر بالملل وعلى وجهها علامات الاشمئزاز من منزل زهراء البسيط. ولكن حين نظرت لزهراء ورأت ماذا ترتدي، ارتسم على وجهها ابتسامة شيطانية. وقامت بسحب زهرة وشقيقها طلعت للخارج إلى المنزل الذي كان قريبًا من الأرض الزراعية.
أصرت ريم على تصوير زهراء مع طلعت، وطلبت من زهراء أن تقوم باحتضان طلعت دون أن تظهر وجهها. رفضت زهراء وبشدة، ورسم على وجهها كل علامات النفور والكراهية من طلعت. وحين رأت طلعت هذا النفور، أصر على كل ما طلبت ريم، وكأنه يستمتع بتعذيبها.
أتى نادية والدة زهراء حتى تتحدث مع ابنتها وتقنعها. تحدثت نادية وقالت
"يا حبيبتي، طلعت دلوقتي زوجك يعني مش عيب ولا غلط إنك تتصوري معاه"
. صدمت زهراء من أمها، فهي تعرف أنها لم تتزوج طلعت بل والدها من فعل هذا بها دون أن تشعر. كانت تشعر وكأنها تُساق إلى المذبح دون أن يكون لها أي خيار.
لم يعجب نادية نظرت ابنتها، اقتربت منها وتحدثت لها بغضب وهي تمسكها من يدها بقوة وتقول
لها "أنا مش عارفة انتي طالعة بومة لمين، وحدة من غيرك كان زمانه بترقص من الفرح متزوج أغنى ولد أغنى واحد في البلد، . عارفة لو ما رحتيش وعملت ألي يقولولك عليه، أنا اللي هضربك مش أبوكي. يلا غوري"
. لم تجد زهراء مفر، فعلت ما طلبوا منها دون أن تعلم أن هكذا سوف تقوم بإيذاء معلمتها مرة أخرى. كانت تشعر وكأنها تسير في طريق مظلم لا نهاية له.
عادت زهراء من ذكراها المؤلمة وهي تبكي في حضن هالة التي كانت تبكي هي الأخرى على حال تلك الصغيرة. نظرت زهراء في عيون هالة وقامت بالاعتذار مرة أخرى، ولكن وجدت أن هالة تعتذر منها. تقول لها
"أنا اللي آسفة، مش عارفة أساعدك ولا أنقذك من اللي انتي فيه. آسفة يا زهراء، آسفة يا حبيبتي". قالت هذا وبكت البكاء الشديد، ودخلت في حالة هستيرية من البكاء بسبب شعورها باليأس والذنب تجاه زهراء.
قامت زهراء باحتضان معلمتها وبمواساتها، وقالت لها
"أنا مش زعلانة منك، أنا بس عاوزة إنكي تسمحيين
تحدثت هالة بصوت باكٍ وقالت
"أنا مش زعلانة منك، وانتي لازم تكوني قوية وتاخذي حقك منهم".
قامت زهراء حتى تعود إلى المنزل، فقد تأخر الوقت كثيرًا. لم تعترض هالة حتى لا تعرض زهراء للأذى من أهلها.
ولكن قبل رحيل زهراء، وعند باب الغرفة، تحدثت زهراء وهي يملأها الخوف والارتباك، ولكنها قررت أن تجمع شجاعتها وقالت لهالة في دفعة واحدة "
على فكرة، أنا سمعت أبوي والزفت طلعت وهم بيقولوا إن الغول هو اللي وراء سجن يحيى".
ثم رحلت دون أن تنتظر ردًا من هالة التي كانت في حالة من الصدمة والذهول التام مما سمعت. كانت عينا هالة متسعتين من المفاجأة، وبدت وكأنها فقدت القدرة على الكلام أو الحركة.
*****************************
ام عن حال يحي
اقترب من الزنزانة أحد العسكر ونظر حوله بحرص شديد، ثم نادى على يحيى من خلف الباب بصوت منخفض وكأنه يخاف أن يسمعه أحد. ثم قام بإعطاء الهاتف ليحيى، فقال له:
"خذ التلفون بس بسرعة، الله يخليك يا باشمهندس
". أخذ يحيى الهاتف بلهفة كبيرة وقام بالاتصال على هشام، ولكن لم يجد أي رد. غضب يحيى وقام بضرب يده في جدران الزنزانة، وهو يقتله القلق الشديد. ولكن رن الهاتف فجأة، فقام يحيى بالرد بلهفة وقال:
"إيوا يا هشام"
. على الجانب الآخر، رد هشام الذي كان يغلب عليه النوم وقال:
إيوا مين ؟
رد يحيى بغضب وقال:
مين إيه يا زفت! أنا يحيى، أصح شوية
. نظر هشام للهاتف باستغراب شديد وتحدث وقال:
"يحيى مين؟ يحيى في السجن دلوقتي.
رد يحيى بغضب شديد وقال :"والله العظيم لو ما ركزت يا جي، أقتلك. ما أنا كده كده مسجون".
ارتعب هشام من تهديد يحيى وتحدث بسرعة كبيرة وهو يقول
"إيوه يحيى، أنا خلاص أنا سامعك".
تنحنح يحيى وهو يحاول أن يتحدث، ولكن جميع الكلمات هربت منه. فنادى عليه هشام أكثر من مرة، أقام يحيى بتجمع شتات نفسه وتحدث بهدوء حتى يداري هذا الارتباك الذي لا يعرف ما سببه. فقال بشكل جدي
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
. على الجانب الآخر، رد هشام بلاهًي وقال
"هي مين؟". صمت يحيى قليلًا وفكر ماذا سوف يحدث إن قتل هذا الغبي. ثم تحدث بغيظ وصوت مكتوم وقال :
"أنت إزاي دكتور يا غبي؟"
رد هشام سريعًا حين فهم عن ماذا يسأل يحيى، قال بكل سعادة
"مبروك يا عم، بنت عمك فاقت أخيرًا
". تنفس يحيى براحة وابتسم ابتسامة سعيدة، وشعر أن كل الهموم التي كانت تحمله لم تعد موجودة وان عائلته بخير. تحدث يحيى بصوت يملأه الفرح والسعادة وقال "ابعت التلفون مع واحد من الممرضات، عاوز أشوفها".
وافق هشام وذهبت أحد الممرضات لغرفة هالة ودقت الباب، ثم كانت سوف تفتح الباب ولكن توقفت فجأة
. لقد اضطر يحيى على غلق الهاتف فجأة بعد أن قام العسكري بأخذ الهاتف. فكان مأمور المركز يمر في هذا الوقت. حمد الله يحيى أن ابنة عمه بخير، ونجا الله شقيقها معها من ان يصبح قاتل شقيقته.
*************************
أمام منزل عائلة العامري، تقف سيارة أحمد الذي كان لا يستطيع النزول، فهذا المنزل يذكره بصديقه العزيز الذي مات في حادث مأساوي. نظر أحمد من نافذة السيارة إلى هذا المنزل، فبدأت الذكريات تراوده وخيال صديقه في كل مكان يبتسم له ويرحب به بحب ومودة كما كان يفعل دائمًا. اقترب جابر من السيارة حتى يعرف من بداخلها، وتفاجأ حين وجد أحمد، فمنذ سنوات قطعت علاقته بتلك العائلة بعد وفاة صديقه سليم وبعد أن رفضت عائلة العامري تنفيذ وصية سليم وهي أن تعمل هالة في مجال الآثار.
صمت الاثنين حين تقابلت العيون، فقام جابر بترحيب بأحمد وهو يذكره بشقيقه العزيز سليم، ابتسام جابر. وقام بحضن أحمد وكان يبحث عن حضن شقيقه في أحمد، فكان جابر في أمس الحاجة إلى شقيقه سليم في هذا الوقت الذي تمر به العائلة.
نزل من السيارة كل من مريم ومديحة التي رحب بهم جابر أيضًا، ثم نظر لمريم وجدها ترفرف عيناها مثل الطفلة الصغيرة التي تحاول أن تفيق من هذا النوم. دخلت المنزل ووجدت المنزل يخيم عليه الحزن والظلام، فأحزن أحمد ومديحة على ما حدث لتلك العائلة. قام جابر بإيصالهم إلى غرفهم، فكان الوقت متأخرًا واقترب أن يحل الصباح. ثم تركهم وعاد حتى يتصل بأبنائه، فلا أحد منهم يجيب.
*****************
في منزل مهجور، كان نوار يتنفس بصعوبة بعد المجهود الشاق الذي فعله في ضرب هؤلاء الشباب. كان يمسك في يده عصا، نظر نوار لتلك العصا التي تكسرت على هؤلاء الشباب، فغضب بشدة وبرقت عيناه بالغضب. كان الشباب مقيدين جميعًا بالحبال الغليظة التي تجعلهم لا يستطيعون الفرار، ووجوههم مليئة بالخوف والرعب. اقترب منهم نوار وقال لهم بصوت مرتفع ومخيف :
عرفين ياد منك له العصا دي؟ كانت هديه من جدي"
. كان يضغط على شفتيه وعروقه بارزة من كثرة الغضب. نظر لهم بغيظ وقال وهو يضربهم بقدميه
"يوم ما تتكسر العصاية، تتكسر على شوية شمامين زيكم".
ثم قال بصوت أكثر غضبًا :
مين قال ليكم إنكم تروحوا المركز وتشهدوا على يحيى أنو ضرب الواد الشمام علي؟ الهي يحصلوا كلكم زي ما حصله خلي البلد تنظف منكم".
كان الشباب يرتجفون من الخوف، ووجوههم أصبحت شاحبة.
ثم تحدث نوار بصوت غاضب وقال "انطق يا ياد
تكلم". أحد الشباب الذي كان يبكي من الألم وقال بصوت باكٍ "
أنا هقولك يا عمي نوار".
قال نوار بحماس شديد :
قول يا طه، أنت عيل جدع.
تحدث طه وقال رغم اعتراض باقي الشباب الذين كانوا يرفضون التحدث، ولكن كان طه تمكن منه الرعب مما فعله نوار بهم تحدث وقال :
إحنا في واحد جي عطانى شابو كتير وقال كل يوم هيعطينا زيه واكتر كمان، وأدينا فلوس وقال لينا نروح المركز ونقول أن إحنا شوفنا يحيى ولد العامري وهو بيضرب علي ماهربس هو ده اللي حصل.
صمت نوار قليلًا ثم خرج للخارج وقام بالإتصال على عمر الذي رد عليه سريعًا، فكان عمر وعامر ينتظران هذا الاتصال من نوار. قال لهم نوار أن يأتوا له وشرح لهم كيف يأتون إلى هذا المكان، ثم غلق الهاتف. وثواني ووجد اتصال من والده الذي كان غاضبًا وقص له ما كانت تنوي فعله نسمه. غضب نوار كثيرًا من زوجته، ولكن حاول أن يهدئ، الأهم في هذا الوقت هو إخراج يحيى من تلك الأزمة.
************************
كان يجلس كل من عمر وعامر ونوار، قص نوار كل ما قصه طه له، وكان نوار متحمسًا وهو يتحدث، وظهرت على وجهه علامات الأمل والرغبة في إنقاذ يحيى. ثم وجه الحديث لعامر وقال له
"كده يحيى يخرج صح؟".
كان عمر ونوار ينتظران إجابة عامر بإعصاب مشدودة وتوتر كبير، وكأنهم يعيشون في لحظة حاسمة من حياتهم.
تنهد عامر، ويرسم على وجهه ملامح اليأس، ثم تحدث بصوت مهموم
"مع الأسف، يحيى مش هنعرف نخرجه، حتى لو الشهود غيروا أقوالهم، لأنهم ببساطة ممكن يقولوا إنكم هددتوهم أو إنهم تعرضوا للأذى عشان يغيروا أقوالهم"
. كانت كلماته تملأ المكان بالحزن واليأس.
تحدث نوار وقال
"خلي عيل فيهم يتكلم، وأنا أخلص عليه"
. كان يتحدث بجدية وغضب، وظهرت على وجهه علامات الاستياء. تحدث عامر مرة أخرى وقال
"المشكلة مش بس في الشهادة، لا المشكلة الأكبر في التقرير الطبي اللي هيثبت أني فعلا يحيى تعدي على الشخص وضربه، لأن أكيد بصمات يحيى موجودة، وده طبعًا بيخلي الموقف صعب جدًا. وبعدين على مات آثار ضربة قوية على الرأس، دا غير آثار التعذيب الي على جسمه"
. كانت كلماته تزيد من حزن وتوتر الجميع.
تملك اليأس من وجوه الجميع، لم يعودوا يعرفوا ماذا يفعلون. تحدث نوار وقال
"طيب، أنتم ما عرفتوش طريقه الزفت اللي اسمه المنشاوي؟".
رد عمر "لا، أحنا لفينا البلد حتة حتة، حتى البلاد اللي حواليها، اختفى كأنه شخص مش موجود"
. كانت كلماته تزيد من شعور اليأس والإحباط.
تمكن منهم اليأس الشديد، ولكن في هذا الوقت ارتفع صوت آذان الفجر، فارتسمت على وجه عامر ابتسامة أمل. وتحدث وقال
"دي بشرى خير يا جماعة، أنا دايمًا بتفائل بصوت الآذان. أحنا نروح نصلي الفجر وندعي ربنا إنه يوفقني، ونقدر نطلع يحيى. كمان نخلص ونروح ندور على المنشاوي، علشان من الواضح أن اختفائه ورا حاجة
. كانت كلماته تملأ المكان بالأمل والتفاؤل.
ذهب عمر وعامر، لكن توقف نوار لا يقدر على الذهاب للمسجد، فكيف يذهب الي بيت الله بعد ما تمكن منه الشيطان وجعله يرتكب ما حرم الله. وقتل شقيقته لم يتذكر قالوا الله سبحانه وتعالى "من قتل نفسًا بغير ذنب فقد قتل الناس جميعًا".
نظر عمر إلى أخيه بسخرية، ولكن في هذا الأثناء رن هاتف عمر باسم هشام. شعر عمر بالخوف الشديد أن يكون قد حصل مكروه لشقيقته، فهو من الأمس لم يذهب لها. تحدث بقلب يقتله القلق والخوف، لكن سرعان ما تحول الخوف إلى فرح وابتسامة ارتسمت على وجه عمر.
نظر له نوار الذي كان يشعر بالقلق أيضًا، وكان يخاف أن يسأل عمر فيستمع إلى خبر لا يريد سماعه. ولكن فور وجد الابتسامه تشق وجه اخيه بدأ نوار الاقتراب من عمر وتحدث بلهفة وشوق أن يسمع الأخبار المفرحة. وقال
"هي قامت بالسلامة؟ هالة بخير صح يا عمر؟".
رد عمر وهو يركض ذاهبًا لشقيقته "
روح صلي واحمد ربك إنها قامت، عشان كنت هدفنك قبلها لو حصل ليها حاجة. بس حسابنا لسه ما خلصش، هنتحاسب يا ولد أبوي
". ابتسم نوار برغم تهديد شقيقه، ولكن المهم أن شقيقته بخير.
ثم تحدث نوار بصوت مفرح وهو ينادي على أحد الشباب ويطلع جميع المال الذي في جيبه ويقوم بإعطائه للشاب، وهو يقول
له "خذ ياد كل الفلوس دي، أنت والرجاله عقبال الحلاوة الكبيرة. لم يخرج يحيى بالسلامة؟".
كان نوار سعيدًا ومتفائلًا، ويشعر بالامتنان للشاب الذي سيقوم بمساعدتهم.
رد أحد الشباب وقال بغضب "
خبرك يا أبو عمو، هو احنا في بينا الكلام ده؟ وحد الله يا راجل". ورجع الفلوس.
ابتسم نوار بود وهو يقول
"عارف والله يا ولد عمي، أنتم مقامكم عالي، واللي بينا
مش فلوس بس، دي حاجة تانية. يلا هروح أصلي ورجع".
ثم ذهب هو وعامر للمسجد، وهم يشعرون بالأمل والتفاؤل في إنقاذ يحيى.
**************************
دخل عمر العيادة يركض، فهو لا يصدق أن شقيقته عادت للحياة مرة أخرى. كان قلبه يطير من الفرح والسعادة، وشعر وكأنه يحلق في السماء. فتح عمر باب الغرفة بحماس، وهو يرسم على وجهه علامات السعادة والفرح. وقف عمر ونظر لشقيقته، ثم هربت منه دمعة فرح. اقترب منها وقام بحضنها بقوة وحب، وكأنه يخشى أن يفقدها مرة أخرى.
ظل يملأ وجهها بسيل من القبلات الأخوية الحنونة التي عبر بها عمر عن سعادته وفرحته بعودة شقيقته للحياة. كان عمر مع كل قبل على رأسها وجنتيها، يردد ألف من الكلمات المليئة بالاعتذار على ما حدث لها. كانت هالة تشعر بالأمان في حضن شقيقها الذي فقدته في تلك الأيام القاسية التي عاشتها.
لم تكن هالة تريد ترك حضن شقيقها، ولكن تذكرت يحيى، وهنا تركت هالة حضن شقيقها ونظرت له بخوف ورعب من أن يكون حديث زهراء حقيقة. فهي مازالت ترفض أن تصدق هذا الحديث. ولكن تأكيد أن الحديث حقيقة حين رأت في عيون شقيقها الحزن ورسم على وجهه علامات اليأس.
قص عمر كل شيء وكل ما حدث ليحيى، بكت هالة وشعرت بالذنب الشديد اتجاه ابن عمها وما حصل له. لامت نفسها وحملتها نتيجة كل شيء، وتحولت نظرتها من يأس وحزن وشعور بالذنب إلى عزم. وعزمت هالة على أن تخرج ابن عمها من تلك المحنة، مثل ما كانت هي سبب كل هذا.
فضلت هالة أن لا تقول لشقيقها على ما سوف تفعل حتى لا يتعرض أحد من عائلتها لمكروه بسببها مرة أخرى. طلبت هالة من عمر الذهاب للمنزل حتى يرتاح قليلاً، فمنذ أن أتى لم يتذوق عينه النوم. رفض عمر أن يذهب ويتركها، لكن أصرت هالة بشدة، فاضطر عمر للذهاب.
بعد خروج عمر، قامت هالة بالاتصال بأحدهم وقالت
"عاوزة الأمانة اللي عندك". على الجانب الآخر رد وقال
"هي معايا، أنا جبتها وأنا جاي". كان قلبي حاسس أن هو وراء كل ده. تفاجأت
هالة بوجود هذا الشخص في الصعيد، ولكن سرعان ما ارتسم على وجهها علامة الفرح والارتياح، فهي تشعر أن عمها ما زال موجود في وجود هذا الشخص.
تحدثت معه وطلبت منه أن يأتي بهذه الأشياء، ولكن دون أن أحد من عائلتها يشعر بشيء، ثم أغلقت الهاتف، وبدأت تفكر في الخطوة القادمة التي ستتخذها لإنقاذ يحيى.
ووويتبع