رواية ظل البراء الفصل الثاني عشر 12 بقلم آية احمد عرفة
12 "أخوة موجوعة"
في بعض اللحظات... يكفي صمت واحد ليهزّ كل ما بنيته في داخلك.
يكفي نظرة واحدة لتكشف الحقائق التي حاولت أن تخفيها،
ويكفي أن يسمعك من كنت تثق به لتدرك أنّ كل شيء أمامك صار واضحًا، بلا رتوش، بلا أعذار.
القلوب الصغيرة تخاف، والقلوب الكبيرة تتحمّل،
لكن أصعب ما في الأمر... أن تُدرك أن الحقيقة كانت تنتظر لحظة لتخرج،
وأنت كنت تصدّق الكذبة... حتى جاء الصوت الذي أبدد كل الوهم.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
انطرق البابُ طرقًا خفيفًا، فنهضت سُكن بتوترٍ كمن يخشى مواجهة ما، وهمّت بأن تدلف إلى الغرفة، لكن مهاب أوقفها بخطوته السريعة وهو يتجه نحو الباب قائلا بهدوءٍ مطمئن:
- خليكِ... محدش غريب.
كان يعلم جيدًا أنّ القادم هو أدهم، يعلم أن أويس سيتأخّر قليلًا بحكم المسافة. فتح الباب ورحّب به، فدلف أدهم إلى الداخل، يصافح براء الذي بادره بترحيبٍ مماثل.
وما إن رفع أدهم رأسه حتى التقت عيناه بنظرة سُكن... كانت واقفة في مكانها كتمثالٍ حي، تحدّق إليه بلا أي ردّ فعل، اقترب منها قليلًا، واقفًا قبالتها، ثم أردف بنبرةٍ خافتة تحمل شيئًا من الارتباك:
- ازيك.
لم تُجب. فقط أومأت برأسها قائلة بإقتضاب:
- الحمدلله.
ثم انسحبت إلى الغرفة بخطوات سريعة، كأن الهواء يضيق عليها. تابعها أدهم بعينين امتلأتا بالحزن والندم، وشعورًا بالخزي مما فعله بها.
انتزعته يد براء الموضوعة على كتفه، ثم أضاف بمرحٍ خفيف يريد أن يخفّف من حزنه:
- عاوزه تبين إن مش فارق إنك جيت تشوفها... بس الفرحة هتنط من عينها.
رمقه أدهم بدهشة، وكأنه لا يريد تصديق ما إلقاه على مسمعه:
- بجد؟
أومأ براء بثقة، ليتدخّل مهاب وهو يومئ برأسه مؤكدًا:
- بدام قال عينها... صدقه. ده أكتر واحد بيفهم في لغة العيون.
ثم ابتسم ممازحًا وهو يسترسل حديثه:
- أما حمزة بقى... فصيلة نادرة، بيفهم في كل لغات العالم.
قهقه أدهم بصخب، فلكزه براء بخفة قائلا بضيق:
- مش تتريق على أخوك... قول الله أكبر على عينك يا حبيبي.
أرتفع احدى حاجبيه متسائلا وهو يرمق صديقه:
- وانت بتفهم في إيه يا مهاب؟
- البطيخ.
3
قالها بجدية مصطنعة وهو يفتح باب الشقة، ثم أضاف بلامبالاة يصحبها نبرتة المرحة:
- يلا بينا نطلع فوق... عشان شوية وصاحبي هييجي. كان عاوز يقعد معايا، وأنا عزمته بقلب جامد على السطح... قلت نبقى براحتنا. مكنتش أعرف إنكم هتحتلوه النهارده.
أتبعه ادهم قائلا بسخرية:
- هو احنا منشبهش إنه يقعد معانا ولا إيه؟
1
كاد مهاب أن يرد، لكنه تراجع... يعرف أن أدهم لا يفضل الهكر الذي أخذهم إليه. ذلك الشاب نفسه الذي سيصعد إليهم بعد قليل. فآثر الصمت، وترك الأمور تسير كما ستسير.
صعدوا جميعًا إلى السطح، حيث كان الهواء أكثر يلفح بهم... والسماء تتلألأ بالنجوم. كان حمزة واقفًا ينظر للأعلى بتركيز شديد، كأن العالم كله اختصر في تلك النقط الصغيرة المضاءة فوقه. تفوه براء متسائلا باستغراب ممتزج بالفضول:
- بتعمل إيه يا حمزة؟
لم يرد. فقط ظل يتابع ما يفعله، ويباشر العدّ بصوتٍ منخفض ثابت:
- ٨٤٥... ٨٤٦... ٨٤٧...
عندها قد توصلوا أنه يعدّ النجوم، هكذا هو عالمه مختلف... حساباته الدقيقة... طريقته الفطرية في التعامل مع الكون.
تنهّد أدهم بإعجابٍ:
- يارب اديني ربع صبره... بس مش عاوز أكتر من كده.
لم يلتفت، فقط قال بنبرة هادئه وهو يشير بإصبعه:
- النجمة اللي هناك... دي مش نجمة. دا كوكب.
اتسعت عينا أدهم بدهشة وهو يرفع رأسه:
- كوكب؟ وإزاي عرفته؟
تفوه ببديهه لا تليق إلا به:
- النجوم بتنور وتطفي.... لكن الكواكب نورها ثابت. لو ركزت شوية... هتشوف.
تبادلوا النظرات بدهشة، بينما هو أسترسل حديثه كأنه يشرح درسًا بسيطًا بالنسبة له:
- غالبًا دا زحل... بيبان في الوقت ده من السنة.
1
اقترب مهاب خطوة للأمام، كأنه يرى السماء لأول مرة قائلا بتساؤل:
- والتلات نجوم اللي جنب بعض دول؟ أنا دايمًا بشوفهم.
باشر حمزه حديثه وهو يرد على سؤاله:
- دا اسمه حزام الجبار. أول ما يظهر... يبقى الشتاء داخل. من زمان قوي، وبيعرفوا الفصول من النجوم.
أطلق مهاب صفيرًا خفيفًا يدل على اعجابه بأخيه وهو ينظر للأعلى أما براء قد أردف:
- يعني النجوم بتقول الجو هيبرد؟
أومأ بتأكيد وهو يتابع:
- أيوه. النجوم ليها مواعيد. بتطلع في شهور وتختفي في شهور... زي التقويم بالظبط.
صمت قليلًا، ثم أشار بإصبعه نحو نقطة لامعة جدًا:
- الضوء اللي جاي من النجمة دي... مئات السنين.
- مئات؟!
قالها أدهم بذهول يمتزجه الدهشة.
تابع حمزة بتأكيد:
- أيوه. المسافة بعيدة. النور بياخد وقت عشان يوصل. ممكن اللي إحنا شايفينه ده يكون نور خارج من نجمة ماتت من زمان... بس نورها لسه موجود.
شهق مهاب بخفة بعد ما استوعب حديثه:
- يعني... إحنا بنشوف الماضي؟
أومأ ثم أردف بخفوت:
- بالظبط. السما كلها ذكريات. ولا حاجة فيها بنشوفها في وقتها الحقيقي.
استدار قليلًا ثم أشار إلى ضوء أبيض ساطع:
- والنجمة دي... لونها الحقيقي أزرق. بس عين الإنسان ضعيفة. النجوم الكبيرة لونها أزرق لأنها سخنة جدًا... أسخن من الشمس بكتير.
قهقه مهاب عقب حديثه قائلا:
- أنا لو اللون اتغيّر في الإشارة مش باخد بالي... انت شايف ألوان النجوم ازاى، نظرك طبيعى زينا؟!
لكزه براء بخفة، ثم أضاف:
ـــ حمزة مش اى حد يا حبيبى،.خد بالك من كلامك
ابتسم حمزة ابتسامة طفيفة، ثم أردف:
- النجوم مش بس نور... كل واحدة فيهم قصة. في نجوم بتظهر مرة واحدة في العمر... وفي نجوم لو اختفت محدش هيسأل. السما واسعة... ومحدش ممكن يعدها كلها أبدا.
أدهم نظر إليه بإعجاب لم يُخفِه، ثم تفوه بصدق:
- أنا أول مره اسمع الكلام دا بس بجد شابو ليك.
أضاف مهاب مؤيداً:
ـــ لا دا ما شاء الله عليه قول فيلسوف العيلة، أينشتاين العيلة.
نظر حمزة إلى أخيه بجدية، وعيناه تزوج بتوتر، كأنه يحاول التأكد من أن كل كلمة تفهمها عقله قبل أن ينطق بها، مصححًا معلومات أخيه من وجهة نظره الخاصة، فهو لا يعرف الفرق بين المزاح والجدية. كان كل تعبير على وجهه يعكس تركيزه الشديد ورغبته في التأكد من أن المفاهيم وصلت بدقة، بدون أي لبس أو مبالغة، تمامًا كما يفعل حين يقرأ أو يحلل شيئًا جديدًا لأول مرة.
- "فيلسوف" الشخص اللي يفكر بعمق ويحاول يفهم كل حاجة حواليه. وأما "أينشتاين" فهو عالم مشهور جدًا وُلد سنة 1879، وتوفي سنة 1955. أهم حاجة عملها كانت نظرية النسبية الخاصة سنة 1905 لما كان عمره 26 سنة، ودي غيرت طريقة فهمنا للزمان والمكان والطاقة. بعد كده عمل نظرية النسبية العامة سنة 1915 وهو عنده 36 سنة، ودي عدلت فهمنا للجاذبية والكون. كمان خد جائزة نوبل سنة 1921 عن تفسيره للتأثير الكهروضوئي، مش عن النسبية.
أختم حديثه أخيرا بضيق من حديث أخاه:
ـــ أنا أسمى حمزة يا مهاب لا فيلسوف ولا أينشتاين.
فتح مهاب فهاه بصدمة، كاد أن يرد ليصدع صوت هاتفه إلقى نظرة إلى الأسفل كان قد أتى أويس يتوقف بجانب الدراجة ويضع الهاتف على إذنه، ليصفر مهاب لحتى يجذب الانتباه له إلى الأعلى، بالفعل قد رفع رأسه بيشاور إليه قائلا:
ـــ تعالا أطلع
هز رأسه بموافقة، ليدلف إلى العمارة، لينظر مهاب إلى أخيه براء:
ـــ خلونا نقعد بقى مش هنفضل واقفين كده
قال ذلك ليجلب طاولة دائرية تشبه الطبلية ليضعها بالنصف، ليضع الوسائد حولها ليجلسوا عليها، فهذه الأشياء مخصصة لجلوسهم على السطح
ليذهب ليقابل أويس، قابله على السلّم، فمدّ يده ليصافحه وهو يبتسم بترحابٍ قائلًا:
- نَوَّرت بيتنا المتواضع يا تربية المدارس الأجنبي.
ابتسم أويس بخفوت وهو يبادله المصافحة؛ كان يعلم أنّ هذا هو أسلوب مزاح صديقه المعتاد، مزاح لا يخلو من الطيبة، تبِع مهاب إلى الأعلى ليدلفوا إلى السطح قائلًا بصوتٍ هادئ:
- السلام عليكم.
التفت الجميع إليه. قال أدهم وقد بدا كأنه تذكّر شيئًا:
- أنت! هو مش دا...
ليقاطعه مهاب سريعًا:
- آه هو... أويس.
1
وجّه أويس نظرة ضيقٍ خفيفة نحو مهاب؛ فقد أخبره الأخير أنّهم سيكونون وحدهم، أمّا الآن فالوضع بدا مختلفًا تمامًا. فهم مهاب نظرته، فأردف وهو يشير له:
- تعال اقعد.
أشار براء إلى إحدى الوسائد الملقاة على الأرض:
- اقعد يلا.
جلس أويس بإحراج واضح. ثم أردف براء بهدوء:
- عامل إيه؟
فأجاب بخفوت:
- بخير... الحمدلله.
نظر إليه براء مليًّا ثم سأله:
- من إيه اللي في وشّك؟
كانت آثار طفيفة مرتسمة على وجهه، فاختلق أويس كذبة سريعة:
- عملت حادثة بسيطة.
أومأ براء في عدم اقتناع، بينما قال مهاب وهو يشير إليهم:
- أعرفك بقى... دا حمزة أخويا الصغير، وطبعًا براء وأدهم إنت عارفهم.
أومأ أويس:
- أكيد.
مال أدهم نحو مهاب هامسًا:
- عشان كده رفضت تخرج معايا؟
فأجابه مهاب بهمس مماثل:
- لا يا عم... جات صدفة.
قاطعهما براء بنبرة معاتبة:
- مادام متجمعين... مبحبش أحاديث جانبية.
قال حمزة مؤيدًا:
- صح... عندك حق.
برّر مهاب:
- مفيش حاجة... أنا بس بقول لأدهم نتقابل هنا أحسن ما نخرج. ومن ساعة اللي حصل معايا وأنا اتشأمت من الخروج.
نظر أويس إليه بفضول قائلا :
- حصل معاك إيه؟
تنفّس مهاب بعمق، ثم قال:
- أنا مقولتش ليك؟ مش اتقبض عليا من فترة صغيرة؟ فجأة الباب خبط وخدّوني وأنا مش فاهم حاجة...
ثم نظر إلى أدهم:
- وطلعوا واخدين العبد لله هو كمان، مش لوحدي. وفجأة لقينا نفسنا في أمن الدولة... ليه؟ قالوا فيه شبهة حوالينا!
تجمّد أويس لوهلة؛ انحدرت ذاكرته مباشرة إلى تحذير أيوب له، وإلى سؤاله يومها: لمَ جاء مهاب الزيني وأدهم علوان إلى بيته؟
والآن... بدت الصورة كاملة أمامه.
لقد كانوا مراقبين.
انفلتت منه جملة تلقائيه دون تفكير:
- عشان كده قالّي أبعد عنكم...
نظروا جميعًا إليه. ثم أردف مهاب مستغربا:
- هو مين؟
ارتبك أويس، وتجمد لسانه، ثم قال بتوتر:
- ولا حاجة...
جاء صوت حمزة:
- إنت كداب.
نظر إليه أويس بذهول، بينما تابع حمزة كلامه بثقة:
- عينك بتزوّغ بعيد عن اللي بيسألك... وده بيبقى لما بتكدب. غير إن التوتر باين على وشّك، وسَرَحت حوالَي دقيقة ونص كإنك بتفتكر حاجة... والحاجة دي اللي مش عاوز تقولها. وفي الآخر لما مهاب سألك قلت "ولا حاجة"... يبقى إنت كدّاب.
تساءل أويس بدهشة:
- مين دا؟
ابتسم مهاب قائلاً بفخر هادئ:
- أخويا.
حدّق فيه أويس:
- أخوك ولا محلل نفسي.
تدخل براء قائلًا:
- مادام كده... يبقى كلامه صح. إيه اللي بتخبيه؟ ومش تقولّي "ولا حاجة"... عشان حمزة مش هيسيبك في حالك.
أضاف مهاب بفضول:
- قول بقى... في إيه؟
تنهد أويس طويلًا، وكأنه يسلم نفسه، ثم قال:
- أصل الظابط اللي بيحقق معاكم... حذّرني منكم. إنت وإدهم.
قال أدهم بدهشة متوترة:
- هو يعرفنا منين؟
ابتلع أويس لعابه بتوتر، ثم أردف بصوت خافت:
- أخويا.
شهق مهاب من الصدمة، بينما انفجر أدهم غاضبًا، فاندفع نحو أويس وأمسكه من ملابسه صارخًا:
- أخوك؟! وليك عين تيجي هنا؟ بقى الظالم ده أخوك وتيجي تقعد وسطنا؟!
كان الغضب يشتعل في عينيه. تراجع حمزة سريعًا ليتجنب التلامس، بينما اقترب براء ليهدئ الموقف قائلًا:
- سيبه يا أدهم... هو ذنبه إيه؟
تركه أدهم بعنف ثم صاح:
- ذنبه إيه؟! أخوه هو اللي كان السبب في القبض عليّا أنا ومهاب! شُفنا هناك اللي محدش يتخيله... وفي الآخر يطلع أخوه!
قال آخر حديثه بنبرة مرتفعة، فنهض أويس مذعورًا:
- أنا آسف... مكنش قصدي أزعج حد. بعتذر منكم كلّكم.
استدار ليغادر، لكن صوت براء أوقفه:
- خليك! محدش يخرج من بيت الزيني وهو واخد على خاطره.
ثم وجه نظر إلى أدهم:
- الأمور مش بتتاخد كده... إيه جو البلطجة ده؟ هتضربه؟
صاح أدهم وهو يشير نحو أويس:
- لو أطول أقتله كنت عملتها! ده أخوه كفاية اللى اخوه عمله فيا؟!!
زفر براء بضيق واستغفر حتى هدأ قليلًا، ثم نظر إلى لأويس:
- تعال معايا.
وأشار لمهاب:
- خليك مع أدهم.
ابتعد براء بأويس قليلًا. ثم نادى على حمزة بصوت مرتفع:
- معلش يا حمزة... انزل اعمل شاي لينا.
أومأ حمزة وغادر.
بينما جلس مهاب بجوار أدهم يحاول تهدئته، بينما كان أدهم يلومه لأنه صادق شابًا مثل أويس، ويتهمه بأنّ معاناتهم معه اخيه تكفى لانهاء هذه الصداقة.
أما على الجانب الآخر، فوقف أويس متوترًا بينما قال له براء بنبرة هادئة:
- متزعلش... أدهم عصبي ومندفع بس قلبه طيب.
تفوه أويس بخفوت:
- ممكن أمشي؟
ابتسم براء بخفة:
- لا... أمال مين اللي هيشرب الشاي؟
وضع يده على كتف أويس ممازحًا، لكن الأخير تأوّه فجأة من الألم فأبعد براء يده سريعًا متسائلا:
- إنت كويس؟
أجاب أويس بهدوء ظاهر يخفي تحته الكثير:
- آه كويس... دا بس يمكن أثر الحادثة.
نظر أمامه محاولة لتجنب الحديث.
لكن براء حدّق فيه مطولًا، ثم قال وهو يدخل يده في جيبه لحتى يحصل على بعض الدفء:
- مين ضربك؟
ثم أضاف بدهاء:
- ومش تقولي حادثة... اللي يركز معاك يفهم إنها مش كده. ولا تحب أجيب لك حمزة يحلل بنفسه؟
ابتسم أويس بخفوت عند ذكر حمزة. تابع براء بصوت أقرب إلى الصدق:
- إنت عارف... ليك عندي جميل كبير. من ساعة ما شلت الصور ورفضت تاخد مقابل... ريحتني. حسستني إن الدنيا لسه بخير، وإن في وقت ما بعض الشباب اللى بتستغل التكنولوجيا عشان تأذي... في واحد زيّك بيعمل العكس.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان حمزة يقف في الأسفل داخل المطبخ، يُعدّ الأكواب بعناية، بينما يتصاعد بخار الماء من البرّاد وما إن دلفت أميرة إلى المطبخ حتى تساءلت بصوت خافت:
- تحب أساعدك في حاجة؟
لوّح بيده نافيًا:
- لا لا، أنا جهزت كل حاجة وحطيت الماية على النار... بس تغلي هصبّها واطلع.
ثم تابع بفضول قلِق على أخته:
- إيه اللي صحاكِ؟
تنهدت أميرة، وصوتها يحمل أثر تعبٍ لم تخفِه:
- معرفتش أنام... قلقانة على فريدة.
أومأ حمزة رأسه بتفهّم، وظلّ يتابع البرّاد منتظرًا أن يغلي الماء تمامًا.
غادرت أميرة المطبخ بخطوات بطيئة، لتخرج إلى الصالة حيث كانت سِكَن قد خرجت من غرفتها توًّا، فرفعت الأخيرة حاجبيها قائلة:
- مش جايلِك نوم إنتِ كمان؟
اقتربت سكن منها، وابتسامة باهتة تعلو وجهها:
- يعني... تقريبًا.
ثم تساءلت سكن برفق:
- إنتِ إيه اللي قلقك؟
جلست أميرة على الأريكة وكأنها تحمل فوق كتفيها ثقل العالم، بعد الذى أصاب ابنتها:
- معرفتش أنام من قلقي على فريدة...
فجلست سكن بجوارها، لتحاول أن تبث الاطمئنان لها:
- اطمني... فريدة بخير الحمدلله. بلاش تشغلي بالك وتخوفي نفسك على الفاضي.
لكن أميرة أردفت بصوت يختنق بالحزن:
- كل ما أفتكر وهي بين إيديا... والدم نازل من بوقها... بنقهر... وبخاف يحصل كده تاني معاها.
في هذه اللحظة خرج حمزة من المطبخ وهو يحمل صينية عليها أكواب الشاي، فقال وهو يتقدم نحوهما دون أن يقطع سير خطاه بتجاه الباب:
- عاوزين حاجة؟
ابتسمت أميرة:
- سلامتك يا حبيبي.
وبينما غادر حمزة، ظلّت أميرة جالسة مع زوجة أخيها، يتبادلان الأحاديث في محاولة لطرد قلق
الليل ولو قليلًا.
أحيانًا لا يوقظنا من النوم صراخُ الأشياء، بل صمتُ الخوف داخلنا.
نبدو ثابتين من الخارج، لكن قلوبنا تتهشّم على ذكرى واحدة، على لحظةٍ لم نقدر أن ننساها.
نحن لا نقلق على مَن نحب عبثًا... بل لأن وجعهم يوجعنا ضعفَين.
ولأن خسارتهم ولو في خيالنا تكفي لتفقدنا النوم، والطمأنينة، ونصف نفسنا.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
داخل شقة أل نصار، وداخل غرفته، كان متسطح على الفراش بإرهاق من أثر التفكير بعمله، صدع صوت هاتفه جذبه وفتح الاتصال، عندما شاهد
هوية المتصل، أجاب قائلا:
ـــ فى إيه؟
ليأتى صوت علي قائلا:
ـــ طبعا أنت عارف أن المراقبة مستمرة على مهاب الزيني و أدهم علوان زى ما أمرت، بس
قد استشف من هذه النبرة المترددة أنه يوجد شيئا بالتأكيد، ثم أردف بضيق:
ــــ أنجز هسحب الكلام بالعافية منك.
تابع حديثه قائلا:
ـــ عرفت أن أدهم علوان راح بيت مهاب الزيني، بس الأدهى بقى مش فى كده وبس لا.
صمت لعدة ثوانى قبل أن يفجر حديثه الذى يثق أنه سيكون مثل الصاعقة على مسمعه:
ـــ أخوك كمان عندهم.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانوا يحتسون الشاي، وقد هدأ أدهم قليلًا. أما براء، فما زال واقفًا مع أويس، يراقبه بنظراته، ثم أردف:
1
- مع إنّي ما شوفتش أخوك غير مرة واحدة بس... ساعة لما روحت أخرج، مهاب... ساعتها شوفت غروره وعنجهيته اللي هو فيها... ساعتها اتمنيت بس إني آخد أخويا وأدهم ونخرج من المكان ده،
أومأ أويس بتفهم، قائلا بهدوء:
- هو أيوب كده طبعه... قاسي شويّة.
رمقه بدهشة ثم تفوه:
- قاسي... بس... دا حسسني إنه من السهل يدوس على أقرب ما ليه... شوف... مع إنها كانت مقابلة بس دا اللي حسيته... عينه مش فيها غير الحدة وبس... ملقتش فيهم واحد في المية رفق، ولا شخصيته تعرف حاجة عن اللين... ولا عدى عليه حتى.
وضع أويس الكوب على السور، ثم تمتم بخفوت:
- عندك حق... اللي زيه فعلاً بيكون سهل يدوس على أقرب ما ليه.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ما أشدَّ وجع الأخ إذا صار هو الوجع نفسه.
أن تكبر وأنت تظنّ أن الظهر سند... فتكتشف أنه السكين.
أن يكون أول مَن يؤذيك هو أول مَن كان يجب أن يحميك.
1
لم أطلب منه حبًّا...
ولا احتضانًا يرمّم الكسور،
كنت فقط أريده أن يكون أخي.
لكن القسوة كانت لغته،
والبعد كان اختياره،
وكأن قلبي لم يخلَق ليكون قريبًا منه يومًا.
أقسى العلاقات... تلك التي تُبنى بالدم
ثم تُهدم بالوجع،
وتجعلك تتمنى قرب الغريب...
على القريب.
.