📁 آخر الروايات

رواية لقياك لي المأوي الفصل الحادي عشر 11 بقلم اية احمد

رواية لقياك لي المأوي الفصل الحادي عشر 11 بقلم اية احمد



الفصل الحادي عشر


صوت فتح باب الشقة استرعى مسامع هيام... هرولت نحوه بوجه قلق لتستقبل ابنتها... جذبتها من يدها بحدة تسحبها للداخل و هي تهتف بصوت حاد...
(أين ذهبتِ في هذا الوقت المبكر دون  علمي؟!)
ناظرتها ابنتها بجمود و شبح قسوة يطوف بين جفنيها... سحبت يدها بعنف من يد والدتها ثم تحركت تاركة إياها لتتجه نحو غرفتها... بهتت هيام من رد فعل ابنتها لتعاود السؤال بصوت خفتت حدته بعض الشيء... فالتفتت لها فلك بنظرة عين ميتة تهمس بصوت مبحوح من فرط البكاء الذي غرقت فيه أمسا...
(كنت أحقق لكِ حلم حياتكِ)
ضيقت هيام عينيها تتأرجح بين شعورين... احدهما يرفرف قلبها له رغم يقينها بأن فلك لن تلين و تقبل... و الآخر متوجس من أن تفتعل شيئا يورطهما بحماقتها... همست بترقب تسأل
(ماذا يعني؟!)
بسمة شاحبة مذبوحة ارتسمت على ثغرها لتهمس بصوت خاوٍ...
(قبلت عرض طارق طلال)
لم تتمكن هيام من السيطرة على نفسها فاقتربت في لحظة سعادة تحاوط ابنتها بين ذراعيها... تهتف بصوت مهلل مبارك تؤيد خطوتها الرابحة بكل روحها...
(هذه ابنتي... مبارك يا فلك... مبارك علينا النعيم)
خرجت فلك من بين ذراعيها ترمقها بنظرة محتقرة هامسة...
(مبارك عليكِ... لقد فزتِ هيام)
تركتها لتدلف غرفتها و تغلقها خلفها غير عابئة بما ستفعل امها حقا... بينما هيام اتسعت بسمتها و هي تحلم بأي غد ستعيش و أي نعيم سيعوضها عن سنوات جدباء...
نزعت وشاح رأسها تلقيه فوق الكرسي القريب من سريرها الذي جلست عليه... خلعت نعلها و ارتفعتا ساقاها فوق السرير تريح جسدها المتعب... عيناها تجمدتا على سقف غرفتها البالي... قلبها يتوسلها أن تصرخ.. تبكي.. تنتحب.. لكن عقلها يأمرها بقسوة أن كُفِ عن البكاء... دموعكِ غالية و لا يستحقها أي أحد... قضمت شفتها السفلية بعنف تكبح ارتعاشها و صورة أيوب الغاضب بالأمس لا تتركها... اغمضت عينيها عنوة لتمحي كل أثر لأيوب من مخيلتها... لا تريد أن تتذكره بهذا الوجه القاسي... لا تريد أن تحرق بيدها آخر ما تبقى من صفاء روحها... و قد نجحت و تبدلت صورته بصورة أخرى احتلت ذاكرتها... صورة طارق بوجهه البشوش المرتاح بعدما أبلغته موافقتها... كان سعيدا... لا فالسعادة أقل بكثير مما رأته منه في ذاك الوقت... فتحت عينيها فجأة تهمس بصوت جاف و كأنها تؤنب نفسها على طيبتها و تبرير مواقف غيرها
(لا يهم من سيكون سعيدا و من سيحزن... لقد اتخذت قراري و انتهى الأمر... فلك ستنهل من الدنيا فرحتها و لن تبالي بأحد)
عادت ملامحها للهدوء تتذكر كيف كان لقاؤها مع طارق صباحا... كيف كانت قوية واثقة و ذات شأن و قرار... هذه هي نسختها التي يجب أن تتمسك بها بكل طاقتها... هي لن تضعف و لن تخضع بعد اليوم...

(أنتِ حقا موافقة فلك!)
صوته المندهش جعلها تشعر بالقوة... هنا من يريدها كما هي بصورتها الضعيفة الذليلة بل و غير مصدق بأنها وافقت عليه... اتشحت عيناها بقوة جديدة عليها لتومئ برأسها قليلا ثم يصدر صوتها القاطع بصلابة تلألأت عينا طارق لها...
(لكن هناك شروط... تقبلها يكمل زواجنا ترفضها لا...)
قاطعها طارق بلهجة محنكة اعتاد عليها من سنوات عمره...
(أملي شروطكِ علي و دعِ أمر القبول و الرفض لي)
قست عيناها بنظرة دفاعية فامتص كل ما تمر به بخبرة هامسا بحنان غير مصطنع... فكل ما يشعره نحوها نابع من قلبه الذي بُعث من جديد معها
(و تأكدي بأن سيوازي قبولكِ لعرضي قبولا)
رفعت رأسها عاليا باعتداد متنافي مع ملامحها الذابلة الباكية تقول...
(لا أعرف سبب رغبتكِ في زواجي أنا تحديدا لكنني متيقنة من سبب قبولي لك... أنا احتاج لحنان أب افتقدته عمرا كاملا و سأجد معك هذا الحنان لذا... زواجنا مبني على منفعة متبادلة بيننا فلا تطالبني بأكثر من هذا)
عيناه تطوفان على وجهها الجميل بتمهل... يتمهل ليعرف من أين ينبع سبب الوجع الظاهر في عينيها المميزتين... من زاد كسر جديد في كسور روحها فجعلها حادة كنصل سكين قاتل... الصغيرة تكشف أوراقها بكل نزاهة أمامه و تخبره أنه مجرد مصدر للطمأنينة لها... كلامها لا يحمل سوى معنى واحد... حياتهما لن تكون كحياة زوجين عاديين!! أم هو اختلط عليه الامر و فهمه بشكل آخر!!!...حسنا فليسايرها قليلا مراعيا حالتها أمامه... ابتسم بسمته الحانية يلتقف منها سهام القسوة المشتعلة و يبردها في قلبه... راقب توتر حدقتيها فهمس بصوته الراقي الحنون و قد لاحظت من نبرته نغمة جديدة خشيت من تفسيرها الصحيح...
(سبب رغبتي في زواجكِ أنتِ تحديدا ستعرفينه يوم تصبحين زوجتي فلك... و عندها صدقيني من تلقاء نفسكِ ستغيرين هذا الشرط)
احتدت نظرتها برفض فصاحت بصوت معتدٍ...
(ماذا يعني هل ترفض شرطي؟!!!)
لم تتغير بسمته مطلقا لكن عيناه فاض منهما الأمان و شعوره نحوها يتضخم فقال...
(لم أقل هذا أبدا... قلت أنتِ من سيغيره)
صدرت منها بسمة قاسية صغيرة تقول...
(لا تخف شروطي ابدا لن تتغير... يكفي خنوعا)
توجعه قسوتها الغير لائقة عليها بالمرة... تجعله يريد سبر اغوارها ليعرف من تجرأ و أوجعها... نبرته خرجت بتأكيد متضامن رغم كونها وعد متيقن من تحقيقه...
(الأيام بيننا خير شاهد... أسمعيني باقي شروطكِ فلك)
الرفض الذي لاح على ملامحها بددته سريعا... يظن أنه بقادر على ثنيها عن احلامها مخطئ... فهي من اليوم لن تحيا سوى لتعزز من نفسها و تحاوطها بما تشاء و تشتهي... ارتعش صوتها قليلا بتأثر لكنها تمكنت من السيطرة على صورتها الجديدة...
(شرطي الثاني ابنتك... بالتأكيد ستعارض زواجنا و ربما سترفضه تماما... لكن في حين تم هذا الزواج لن أتقبل منها حرفا واحدا يجرحني)
اومأ بهدوء ليقول بصدق اشعرها بالقوة...
(ان كتب الله لنا حياة جديدة معا تأكدي بأن كرامتكِ ستكون من كرامتي... لا تقلقي)
زفرت نفسا مرتاحا لتكمل بصوت اكتسب الثقة و الرضا...
(ثالثا و هذا الأهم...عليك طلب يدي من كبير منطقتنا الحاج سليمان المراكبي... و ايضا)
صمتت ليلاحظ ترقرق الدمع في عينيها... تقدم منها بوجه قلق يهمس بصوته المتسلل في عتمة ذكرياتها... لينتشل تلك الطفلة الباكية التي تؤشر عليها اصابع الجارات... يحمي تلك المراهقة التي احرقتها نظرات الرجال... يقطع بعنف كل يد امتدت تلامس جسدها من قبل... فرفعت عينيها الملبدة بالدموع و كأنها تتوسل أن يوافق... أن يرفع هامتها بين سكان حيّها الذين أبخسوها حقها عمرا طويلا...
(و ايضا يقام عرسنا هناك في حيّ... ليرى الجميع فلك ابنة هيام و هي عروس)
لو هذه كل أحلامكِ يا صغيرة فلكِ ما تشائين و فوقها قلبي الذي يهفو لضمكِ قربه... كم هي مسكينة حتى في قسوتها... حالها هذا ينخر في روحه... يجعله يتمنى ألف مرة لو وجدها باكرا عن هذا في عمره... و الله لزين لها حياتها بكل ألوان الفرح فهي تستحق... تنهد ببسمة متضامنة حنونة يهمس...
(هل هناك المزيد؟!)
أسبلت اهدابها تخفي دموعها عنه بحرج و تهز رأسها نافية... فلت منه زفير مرتاح ليقول بعدها بصوت رجولي واعدا بكل ذرة في كيانه...
(كل شروطكِ نالت الموافقة فلك... و لو تمنيتِ المزيد تأكدي بكونه مقبولا ايضا)
رفعت عينيها اليه تسأله بعدم تصديق زاد من صورتها المنكسرة في نظره...
(حقا... وافقت عليهم كلهم؟!!!)
حاوطها بنظرة ظنتها دوما أبوية لكن الآن لا ترى فيها غير نظرة رجل لامرأته... نظرة تخبرها بألا تخافي و لا تجزعي فمن اليوم أصبح لكِ من الدنيا مأوى يحميكِ بكل ما به... هز رأسه مؤكدا لكنه ابتسم بعبث تراه لمراتها الأولى جعله يبدو أصغر سنا بكثير ليقول..
(لكن أول شرط لم نغلق قضيته بعد... سأنتظر منكِ أنتِ تغييره وقتما تشعرين برغبتكِ في التغيير)
هتفت بحدة و كأنها تحتمي في حدتها من العودة للضعف و التخلي عن قوتها الجديدة...
(يخيل لك هذا... أنا أبدا لن أغير نفسي التي تراها الآن سيد طارق)
اتسعت بسمته بحنان يومئ رأسه بوسامة فضية العمر كحال شعرات رأسه يقول بتأكيد...
(سنرى... يا فلك)
اسمها خرج منه وقتها بوقع خاص جدا... كأنه يتذوق حروفه بطعم دوّن تحته جملة هذه من أحيت قلبي ستصبح زوجتي... فغصبا أحمرت خجلا متوترا لتبتعد عنه خوفا من أن تضعف بعدما فهمت مغزى نطقه لاسمها بهذه النبرة... خافت أن تنفر منه و هي تراه رجلا مثل بقية نوعه يلهث خلف أنثى... غير آبها بسنها أو طبقتها الاجتماعية فالأهم لديه أنها ستصبح له...



عادت من ذكرياتها و قد سمحت لعينيها أن تفرط في دمعة وحيدة ساخنة... حسنا ستكون هذه الأخيرة فهي لن تبكي بعد.... لن تنحني بعد... لن تفكر فيما سيفعل أيوب إذا  علم بالأمر بعد... فالجميع حولها يسعى لينقذ نفسه من براثن الدنيا... و هي ليست بأقل منهم جميعا






وقف عند عتبة الباب الصغير المتصل بالطابق الأرضي من البيت و البقالة... يراقب زوجته التي لم تغفل عيناها منذ شجار الأمس... تجلس أمام بوابة البقالة تراقب مداخل الحي كلها و قلبها يدعو بتضرع أن يظهر أيوب... دلف رجب البقالة متجها حيث بوابتها الخارجية المطلة على الشارع حيث تجلس زوجته... تنحنح يقول برفق...
(جلستكِ هذه لن تنفعنا بشيء يا وجيدة... أدخلي و ارتاحي قليلا و لا تقلقي أيوب بخير إن شاء الله)
التفتت تواجهه بأعين دامعة تهمس بتصميم و عناد...
(لن أدخل يا رجب و لن ارتاح حتى يطمئن قلبي على ابني)
تنهد رجب بحزن دفين على حال زوجته... منذ عرفا في بداية زواجهما بأنها عاقر و قد تقبلت حالتها بشق الأنفس... و بعد حادثة أخيه و زوجته تولى تربية ابن أخيه أيوب ذو التسع سنوات... و كأن الله أراد أن يعوض فقد وجيدة بابن أخيه الذي اتخذته كابن حقيقي لها حتى نسي الجميع أنه ليس ابنها الحقيقي... دنى منها يربت فوق كتفها بحب لم تطمسه السنون رغم بساطة عيشهما و كبر سنهما إلا انه لم يبخس قدر حبه لها بمثقال ذرة...
(لا تحزني يا وجيدة مما صار بالأمس...لقد كان خطأ منذ البداية و قد وقعتما فيه أنتِ و فلك)
سالت دموعها المقهورة تتمسك بكفه الحر و تهمس بحرقة قلبها...
(كنت خائفة عليه من علاقة لن تدوم... لقد جرحته قبل الشجار حتى بكلماتي الرافضة لابنة هيام... لكن يشهد الله يا رجب لم افعلها سوى لخوفي عليه... على ابني الذي ربيته و كبر أمام عينيّ... أيوب قطعة من قلبي و لا أريد له الحزن و الضيق و رغبته في الزواج منها كانت ستسبب له كل هذا...)
شدد من تمسكه بكتفها يضمها اليه مواسيا فأكملت بصوت باكٍ...
(لكن لو هذا ما يريحه سأوافق عليها... فليعد لي و وقتها و الله لن أقف في طريقه... لعل الله يخيب ظنوني تجاهها و تصبح خير زوجة له... سأنسى كل ما حصل بيننا فقط لأجله... سأقبلها كزوجة ابني فقط يعد الى حضني و يطمئن قلبي الملتاع عليه)
لثم رأسها بشفتيه و قد أخافه بكاؤها بشده... همس جوار أذنها بنبرة طمأنينة
(سلامة قلبكِ يا حبة القلب... ألم يخبرنا كرم أنه بخير و سيعود)
لامستها جملته التي يدللها بها منذ كانا شابين... فوجهت جسدها تندس في حضنه تغمض عينيها هامسة ببكاء يخفت مع الوقت...
(مهما طمأنني الكل أنه بخير لن ارتاح سوى برؤيته... غصبا عني رجب قلب الأم بداخلي يلهث بخوف لملء عيني بوجهه الحبيب مرتاحا باسما)
ربت على كتفها يهدهدها بكلمات مراعية و مطمئنة... الشارع كان فارغا تماما في هذا الوقت من الصباح فلم يكن في الحسبان مرور سوسكا الذي وقف محرجا قرب البقالة... تنحنح بحشرجة رجولية يولي وجهه للجانب لعدم جرح خصوصيتهما مناديا...
(السلام عليكم عم رجب...)
خرجت وجيدة من احضان زوجها بسرعة تقف و تتجه لسوسكا... امسكته من ذراعيه تسأله بلهفة...
(هل عرفتم جديد يا سوسكا؟!)
ربت على ذراعها يقول بوجه يبث الأمان...
(لا تقلقي يا خالة... أخي أيوب بخير و قال لن يطيل الوقت و سيظهر)
سالت دموعها تهمس بتعب...
(ألم يخبركم أين هو؟!)
حزن لأجلها فابتسم في محاولة لإزاحة حزنها قائلا...
(لقد رفض البوح لأخي كرم... لكنه أخبره بأنه بخير و علينا طمأنتكِ)
هزت رأسها بإرهاق تهمس بخفوت...
(لله الأمر... احفظه لي يا رب و رده لي سالما)
اتجهت عائدة لبوابة البقالة تختفي في الداخل... وقف سوسكا أمام رجب يقول بجدية صادقة...
(هل تأمرني بشيء عمي رجب؟!)
ابتسم رجب في وجهه ببشاشة يقول بنبرة حانية...
(لا يأمر عليك ظالم يا ولدي... سلمت و سلم كل الشباب فلم تناموا من الأمس و ظللتم تبحثون عن أيوب)
أسرع سوسكا يقول بحشرجة رجولية...
(رقبتي فداء لأخي أيوب يا عم رجب... و الرجال إن لم تقف مع بعضها وقت الشدة متى تقف)
امتدت كف رجب يربت على جانب عنق سوسكا قائلا بفخر...
(أجاد كرم تربيتك يا سيد... نعم الرجال أنتم)
أحمرت أنف سوسكا بحرج من ثناء رجب عليه... لكنه هز رأسه شاكرا و قد تركه بعد فترة قصيرة متجها ناحية المقهى منتظرا كرم الذي هاتفه قبل قليل و سأله المرور على أم أيوب ليطمئنها بعدما فعلها بنفسه فور اتصال أيوب به قبل ساعات... لكنه يريد من الجميع تأكيد خبر أن أيوب بخير كي ترتاح هي و تستكين... ثم أخبره بأن ينتظره على المقهى كي يذهبا معا للميناء ليتابعا سير العمل في الشوادر بعدما تم الانتهاء من اصلاحها بعد الحريق الذي قيدته الحكومة ضد مجهول... جلس فوق كرسي المقهى و دمائه الحرة المراهقة تثور... أصغر ولد في الحي يتيقن من أن داغر هو الفاعل... لكنهم امتثالا لسليمان صمتوا... فهو كبيرهم و عليهم الطاعة حقنا للدماء... تنهد بتعب ينادي على صبي المقهى حتى ظهر له...
(حمو كوب شاي وصاية هنا فرأسي سينفجر من الصداع)
أشر صبي المقهى على عينيه الاثنتين بالتتابع يقول...
(من عيني سوسكا... اعانكم الله فجميعكم لم تناموا من الأمس... رد الله لنا أيوب سالما)
هز سوسكا رأسه متمتما بالدعاء خلفه حتى اختفى الصبي يجلب طلبه... رفع راحتي كفيه يفرك عينيه بقوة فقد حرقتاه بشدة من التعب و السهر... فلم يلحظ كرم الذي خرج من بيته للتو و توجه اليه... في نفس اللحظة التي خرجت غسق من بيتها تتجه نحو الصيدلية لتبدأ يوم عمل جديد... الأثنان توجها ناحية سوسكا حينما لمحاه و قد تلاقت نظراتهما معا عندما اقتربا من كرسي سوسكا الغافل عنهما كليا... عينان متشحتان بالغموض رغم صراخهما بالإرهاق و التعب... و عينان بلون الليل تلمع بداخله مئات نجمات الفضول و التساؤل... صوتها خرج متوجها لكرم الذي لم تفلته عيناها كما لم تفلتها عيناه...
(صباح الخير...)
ابعد سوسكا كفيه عن عينيه حينما ميز صوتها... رفع رأسه بسرعة ليصطدم بمرأى كرم واقفا قبالتها... هب واقفا من مجلسه يرد بحرج من غفلته...
(صباح الورد و الياسمين يا ست غسق)
بينما كرم رمقها بنظرته الغامضة التي لم تتغير... هز رأسه يحيها دون رد ثم اشاح نظره عنها ليوجه كلامه لسوسكا...
(سأسبقك الى الميناء... انهي ما تفعله على المقهى و انظر ماذا تريد منك الدكتورة و بعدها تعال لأنني احتاجك)
اومأ له سوسكا بطاعة و كاد يلتفت ليسأل غسق عما تريد لكن صوتها الغاضب خرج ليصمت تماما...
(لا احتاج لشيء فقط أتيت أعطيه هذا...)
أخرجت من حقيبتها علب عديدة من دواء السُكري الذي تحتاجه والدة سيد... وضعتهم بحدة فوق الطاولة الصغيرة التابعة للمقهى تقول باقتضاب و قد ضايقها تعامل كرم معها بشدة... من يظن نفسه هذا الفظ كي يعاملها بهذا التجاهل و التكبر...
(هذا دواء والدتك سيد لقد كنت تبحث عنه منذ أيام و لأنه نقص من السوق دبرت لك عددا لا بأس به من العلب... لكن نصيحتي على طبيب والدتك المتابع حالتها أن يغيره لنوع آخر لأنه سيظل ناقصا لفترة طويلة كما وصلني)
عادت تضع حقيبتها فوق ذراعها بحدة و قد قصدت أن تختص سيد بالسلام وحده كتصغير لشأن كرم... الفظ الذي لا يستحق أن تتعامل معه بآدمية... كلما ظنت أنها ستغير فكرتها عنه يعاكس كل توقعاتها بقوة... اولتهما ظهرها متجهة ناحية الصيدلية بحركات غاضبة... أوقفها صوت كرم المرهق...
(انتظري..)
توقفت لتلتفت و تواجهه بنزق متضايق... حانت منه نظرة خلفها يتأكد من ذهاب رجل داغر الذي شاهده قبل قليل… و حينما تأكد عاود النظر لعينيها الثائرة فقال بلهجة آمرة...
(لا تحكمي غضبكِ ليصبح سيدا لكل ردود افعالكِ... ثم لا تقفي مع أي رجل في الشارع لتصبحا عرضة للرائح و الغادي و تتيحا للناس مجالا للحديث)
اتسعت عيناها بحدة فتراقص الشرر فيهما لتهتف بدهشة...
(هل تعي ما تقوله حقا؟!!!... أنا صيدلانية أعمل في صيدلية داخل هذا الشارع و وارد أن يوقفني بعض المرضى يسألونني عن شيء)
ملامحه زادت ارهاقا لكنه اتشح بغموضه يقول بثبات تام على رأيه...
(أنتِ قلتها تعملين في صيدلية في نفس الشارع لذا من يريد استشارتكِ يأتيكِ حيث أنتِ... ترتدين معطفكِ الطبي و تقفين خلف باب يفصل بينكما... باب يفرض مكانتكِ و مكانة من أمامكِ)
رغم أن لكلامه وجهة نظر صحيحة لكنها رفضت أن يُنظِر عليها...لذا هتفت بسخرية و هي تنظر في عمق عينيه الغامضة التي لا يتيح لها قراءتها...
(و ماذا تسمي وقفتك هذه الآن؟!...أنت تعاود العيب في تربيتي و هذا غير مقبول بالمرة)
ارتفعت يده تمسح فوق وجهه المتعب يتمتم بصوت خافت مرهق من قلة النوم والقلق على صاحبه...
(لا حول و لا قوة إلا بالله... يا ابنة الناس لا تجادلين لأجل المجادلة فقط... و لا تكرري اتهامكِ هذا ثانيةً)
لاحظت ملامحه المرهقة بشدة فجزعت نفسها بأن يكون كل هذا بسبب جرحه...رغم كونه ازال اللاصق و يبدو أن الجرح التئم لكنها سألته بنبرة قلق...
(تبدو متعبا هل أنت بخير؟!)
تزعزع الجمود لوهلة لمحت في حدقتيه خلالها اهتزاز صدمة...فاقتربت دون شعور من وجهه تنغمس في مقلتيه تحاول سبر أغواره...لكنه ادرك نفسه ليسدل ستار غموضه عليهما و يقترب مثلها قائلا بجمود...
(عليكِ تأدية دور الصيدلانية داخل صيدليتكِ يا دكتورة)
ركنت فضولها جانبا لتثور عيناها و تشتعل شهب ليلها باحتراق مدمر...تكورت يدها جوارها بقوة تحاول ابتلاع حرجها و حفظ ماء وجهها... اعتدلت في وقفتها تقول بتأكيد معتدة بنفسها بثقة...
(تعرف مهما حاولت تصحيح الصورة ستبقى مجرد ذاك الشاب الذي قابلته بحظي العسر في زقاق مظلم...مجرد صورة متكررة لرجل يستخدم عضلاته بدلا من عقله و يفتخر بتناحره بدلا من التفكير و ايجاد حلول...أنت مجرد شخص فظ)
لو حسبت بأن ما القته في وجهه من كلمات مهينة سيمر مرور الكرام فقد اخطأت و بشدة...لقد تحول وجهه لكتلة من الغضب...تلاشى الارهاق و تبدد التعب ليحتله زئير رجل يرفض بكل كينونته أن يهان من امرأة...و الأدهى منها هي و زورا ايضا...اقترب منها متماسكا بكل تعقله كي لا يجذبها من ذراعها يعتصره في قبضته نكالا لما فعلت...ثم ينظر كما يشاء في عينيها ليمحي صورة ليست له و يرسم صورته الحقيقة...و بعدها يقربها منه قدر ما استطاع ليسقي روحه المعذبة...
(لا تحسبين أن كل ما تتفوهين به مقبولا...فإذا تغاضيت و مررتها مرة لن اتغاضى كل مرة غسق)
انكمشت في وقفتها قلقا من انقلابه عليها...لقد زادتها؟!...ربما لكنه يستحقها...لا لم يكن يستحق كل هذه الكلمات القاسية و خصيصا بعدما جمعتهما عدة مواقف تبين أنه مختلف عن فكرتها الماضية عنه...لكنه استفزها بشدة فلم تقوى على الصمت... كله غير اسمها الذي خرج مجردا من بين شفتيه...خرج بصوت غاضب يحذرها من غضبه و يزجرها من فعلتها... تماسكت بفتات قوتها التي تناثرت خشية منه تقول بتحدٍ مرتعش...
(لا تمررها و أريني ماذا...)
قاطعها بصوته الغاضب يأمرها بحدة و قد تغضنت ملامحه لسبب مجهول...
(انهي الحديث هنا و لا تزيدين...لا تجعلِ وجهي "الفظ" يظهر لكِ أنتِ بالذات)
انهى جملته الآمرة و أشار لسوسكا المتوتر خلفه ليتحركا متجهين لطريق الميناء...بينما هي وقفت بكتفي متهدلين تراقب ابتعاده الذي اشعرها بالذنب...لا تعرف من أين قفزت كلماتها الجارحة له و هو الذي كان ينصحها لمصلحتها...لماذا دوما تتخذ وضع الدفاع معه و هو المدافع عنها دوما؟!... زفرت بضيق تهمس بتأنيب...
(لماذا فعلت ذلك به؟!... كان يبدو متعبا و كنت قليلة الذوق معه!!!... هل سأدين له باعتذار؟!)


حينما وصل الى شوادر والده كانت ملامحه لا تنم على خير... اتجه أنور اليه فور رؤيته بقلب وجل يسأله
(ما بك كرم هل جد جديد في أمر أيوب؟!)
هز رأسه نفيا دون أن ينظر له... بداخله رغبة همجية في تكسير أي شيء أمامه... انها تتعدى حدودها دوما معه و حفاظا لجميلها قبل سنوات و مساعدتها له يبتلع مُر ما يسمع... و لأجل ما يسكن روحه ايضا!... لكنها تتهمه زورا بكونه رجل فاسد و تتعامل على هذا النحو لكن يكفي هو لن يصمت مجددا... عقد أنور حاجبيه بتعجب يراقب جسد كرم الذي اسرع في الاختفاء حيث مكتب سليمان... فامسك ذراع سوسكا يسأله بتوجس...
(ولد يا سوسكا ما به كرم؟!)
ابتلع سيد ريقه بحرج من الموقف فهذه ثاني مرة يشاهد مشادة كلامية بين غسق و كرم... حك عنقه من الخلف يقول بنبرة متهربة...
(لا شيء أخي أنور... تعرف باله مشغول على أيوب)
فلت من تحت كفه يسرع في الاختباء بالداخل مع العمال قائلا...
(سأسرع للعمل أنا)
تخصر أنور يناظر الفراغ المتروك منهما... زفر زفرة قلقة عليهم جميعا هامسا بحنق...
(اقلقتم فكري عليكم يا اغبياء)
بالداخل...
كعادته مؤخرا كان خالد هائجا يناقش صالح في شيء ما لم يلتقط كرم فحواه فعقد حاجبيه يهم بالدخول ملقيا السلام بترقب...
(السلام عليكم... ماذا يحدث؟!)
استقبله صالح بوجه ممتقع يرد السلام قائلا...
(و عليكم السلام... تعال كرم لا يوجد شيء)
صاح خالد بعصبية هائجة في أخيه الاوسط...
(كيف لا شيء صالح كيف... هل تتغافل أم تخاف؟!)
احتدت ملامح صالح بغضب ليهتف بصوت عالٍ رافض...
(أخي أنا احترم كونك الكبير لكن تقليل شأني لن اصمت فيه)
تكورت كفي خالد جواره و احمرت عيناه بحدة ناويا الرد على أخيه ليفرغ فيه كل الغضب المتراكم بداخله... لكن كرم اسرع يقف حائلا بينهما و يصيح بتعجب مما تنحني اليه الامور...
(توقفا رجاء... ماذا يحدث هنا هل ستتقاتلان في مكتب والدنا؟!!!)
شرارات الغضب المتبادلة بين الاخوين كانت حارقة فشعر كرم بعظم ما اصابهما... و قبل ان يستفهم اكثر كان صوت سليمان مع عكازه يصدحان عاليا بتوبيخ...
(يا له من تكاتف أخوي يطمئن قلبي عليكم بعد موتي!!)
اسرع الثلاثة يعتدلون في وقفتهم في ادب و طاعة... رؤوسهم انحنت في تقدير لوالدهم و خزي مما صار امامه... هم رجال المراكبي مهما علت هامتهم سيظلون مجرد صغار سليمان و في وجوده يلتزم الصغير بما يمليه الكبير... ليس خوفا او ترهيبا بل حبا و اجلالا...
دلف سليمان بوجه اصابه الحزن الحقيقي... وقف امام ابنائه يضرب بعصاه الارض متسائلا بخشونة...
(ألن تكفوا عن المجادلة في أمر ابن السمري؟!... هل سنترك اشغالنا و مصالحنا و نهتم بتتبع خطواته؟!)
تحرك يقف امام خالد مباشرةً يقول بتأنيب...
(هل يستحق ولد كداغر ان يفقد ابن سليمان الكبير اعصابه ليناطح أخيه بدلا من أن يقفا يدا بيد؟!!)
اشاح خالد وجهه جانبا متحاشيا النظر لوالده يقول بحشرجة...
(تعرف أني أجن من ذكر اسم هذه العائلة يا حاج... و هذا الفتى داغر يأتي يفرد جناحيه و ينفش ريشه متفاخرا بنفسه و مستغلا لصمتنا عما يفعله)
احتدت نظرته بغضب ليرفع وجهه لوالده قائلا بأعين تشع انتقاما...
(لقد ظن أنه كسر انفنا في حرق الشوادر و تبجح ليأتي معلنا أنه يريد شراء شادر ابناء العزبي المقابل للشادر الغربي... جاء يقلل من شأننا يا حاج و نحن نصمت و كأننا نخشاه لماذا؟!!)
ضربة عكاز سليمان زامنت صوته الآمر...
(صه.... خالد لا تجعل نيران الانتقام تشتعل في صدرك فدخانها سيعمي بصيرتك و يدفعك للهلاك... كن حليما حكيما ولدي لا متهورا متكلا على قوته... الحلم و الحكمة ليسا ضعفا خالد بل هما كل القوة بني)
دوما والده من يملك هذا الخليط من قوة الأمر المطلق و عتاب أبوي حنون مع صرامة شخصية يقيم لها القريب و البعيد شأنا...يعترف أن صالح اكثرهم شبها بوالده و أن كرم يجمع من صفاتهم جميعا و يضع لمسة غموض رجولي تخصه لكنه ورث منه هو الغضب الشديد...غضب حينما يشتعل بداخلهما ينسيهما أي شيء سوى الثأر... زفر بصوت مختنق ليضع رأسه ارضا معتذرا بأدب...
(اخطأت و منك السماح أبي)
تنهد سليمان ليقترب يضغط بكفه فوق كتف ابنه قائلا بتقدير و عزة نفس...
(يا خالدا رزقني ربي بك ليشتد ظهري و تصبح عوني بعد الله... فكن سندا لي و لأخوتك)
هزه كلام والده و لامس صميم رجولته فرفع عينين واعدتين مقسمتين ليقول بخشونة رجولية...
(اعتبرني عكازا لك أبي و لأخوتي وقت الحاجة)
ابتسم سليمان برضا يربت فوق كتف ابنه بشكر غير منطوق... اتجه نحو مكتبه يجلس عليه ليتابع سير العمل بينما رمق كرم صالح راغبا في معرفة ماذا فعل داغر ليقلب الدنيا هكذا و ما أمر شراء شادر العزبي...لكن صوت رنين هاتف المكتب الارضي استرعى انتباههم...رفع سليمان السماعة يلقي السلام و قد صمت يستمع فقال بهدوء...
(نعم أنا سليمان المراكبي من معي؟!)
انتظر ليصله الرد ثم عقد حاجبيه بصورة طفيفة مندهشة ليقول بعدها بترحيب مضياف...
(اهلا سيد طارق... لم يجمعنا لقاء من قبل و لكني بالطبع اعرفك... تنير بيت المراكبي وقتما تشاء... حسنا و عليكم السلام و رحمة الله)
وضع السماعة ليتدخل خالد متسائلا...
(من طارق يا حاج؟!)
نظر له سليمان ليظهر دهشته في ملامحه و كلماته...
(انه رجل الاعمال طارق طلال قال يريد شرب القهوة معي في البيت)
رغم تجهم ملامح صالح منذ اشتد الجدال بينه و بين خالد إلا انه تدخل يسأل بعدم فهم...
(هل يريدنا في عمل مثلا؟!!)
هز كرم رأسه نفيا يقول بتفكير...
(لا اعتقد فهو ليس له علاقة من قريب او بعيد بالأسماك... كما انه قال البيت لو اراد العمل لقال المكتب!!)
نطق سليمان بهدوء...
(بيت المراكبي مفتوحا في اي وقت لأي شخص... و حينما يحين اللقاء سنعرف ما يريده)
خرج صالح أولا من مكتب والده فلحقه خالد ليحاوط عنقه بذراعه قائلا بمشاغبة معتذرة....
(دعني اكسر رأسك الذي فكر بأن يتشاجر معي)
حاوط صالح ذراع أخيه بكفيه يحاول الفكاك من قبضته قائلا بعتاب...
(ظننت أن أخي سيتفهم رأيّ كما كان في الماضي)
خفف خالد قبضته فوق عنق أخيه لينزلها الى كتفه يربت عليه قائلا...
(أخاك كما هو صالح...سامحني أخي لم أقصد تقليل شأنك و ربي شاهد)
التمس صالح له العذر فابتسم ببشاشة يقول...
(ليس بيننا سوء الفهم يا أبا مازن...)
اتسعت ابتسامة خالد لطيب نفس أخيه فقال بنبرة حنين...
(تعرف تذكرت يوم اقحموك في شجار رغما عنك و أنت في سن الخامسة عشر... يومها وصلني الخبر فكدت أجن جمعت كل الشباب و حملت عصاي و هرولت اليك دون تفكير)
بادله صالح بالبسمة مسترسلا...
(لقد احتمى فيّ يومها ابن العم عبد السلام المراكبي و لم أقوى على خذله...لكنني لم أحسب حساب ذاك العدد من الشباب و ظننت أنني هالك يومها لولاك أخي...ظهرت فجأة أمامي لتقف و تفديني بنفسك)
هذا الموقف كان كفيلا بدحر الغضب الذي شعرا به قبل قليل...هم هكذا يدا واحدة كما قال سليمان و سيظلون مهما صار... تشاركا حنين الذكرى و طعم الأخوة فطاف الترابط يرأب صدع ما كان بينهما... ابتسم كرم بفخر حقيقي بأخويه و هو يراقب و يستمع لهما عند باب المكتب... و بعدما ذهبا خرج ليقابل أنور الذي أسرع يسأله بعدوانية تسيطر عليه كلما ذكر داغر...
(ماذا فعل داغر قبل مجيئ؟!)
زفر أنور بتعب يقول...
(اهدأ يا عمي و صلِّ على النبي... الحاج أمر بألا يتدخل أحد الأمر بين داغر و ابناء العزبي فلندعهم يفعلون ما يريدون... و كي تطمئن ابن العزبي الكبير جاء بعدها يخبر والدك أنه يشتري خاطره و لن يبع لداغر شبرا واحدا من شوادره... هلا اطفأت نيران غضبك هذه!)
رمقه كرم بنظرة مشتعلة لكنها خبت متذكرا جملته لغسق قبل أن يأتي هنا...لقد أمرها ألا يتسيّد ردود افعالها الغضب...غامت عيناه بالغموض لتحجب عن الجميع تفكيره لكنه أمام نفسه يعرف فيما يفكر و في من... و من يشغل باله و نفسه غيرها؟!!!
تركه أنور بعدما استدعاه سليمان و تحرك كرم نحو الشادر المجاور للمكتب لكنه توقف على صوت الصبي الذي بعثه صباحا خلف فلك...توقف يسمعه يقول بصدر يلهث...
(أخي كرم بحثت عنك في الحي فقالوا أنك هنا... لقد تابعت ابنة هيام حتى توقفت عند قصر رجل الاعمال طارق طلال ثم خرجت بعد قليل و عادت للبيت)
عقد كرم حاجبيه بقوة يفكر ما الذي قد يجمع فلك مع هذا الرجل... ربت على كتف الصبي يشكره ثم اعتدل و عقله لا يزال يعمل...حتى اتسعت عيناه بصدمة ليهمس بصوت قلق...
(أيوب!!!)
*************
اليوم التالي بيت المراكبي مساءً....
في غرفة الضيوف جلس سليمان بعباءته السوداء اسفلها جلباب أبيض يستند على عكازه بيده مرحبا ببشاشة مضيافة لطارق الجالس أمامه بحلته الرسمية الأنيقة و هيئته الراقية...
(حللت أهلا و وطئت سهلا أنارتنا سيد طارق...)
وضع طارق فنجان قهوته فوق المائدة يرد التحية بقلب يستشعر معه مكانة سليمان الذي عرف عنه كل الخير يوم سأل عن رقمه ليتواصل معه... رجل مثله يعد كبير المنطقة هنا بسجل عملي مشرف في مهنة الصيد المتوارثة أبا عن جد... سيرته و سيرة ابنائه دفعت فيه اليقين بأن فلك احسنت اختيار وكيلها...
(أكرمك الله يا حاج سليمان...سعيد بتعارفنا هذا)
اومأ سليمان رأسه موافقا بنفس الملامح البشوشة... ليقول بلهجة ابن بلد كريم...
(شرف لي يا سيد طارق فرجل طيب السمعة و الأصل مثلك معرفته مكسب...)
شكره طارق و قد انزوى حديثهما للعمل قليلا كتمهيد لما يود طارق طرحه... و بعد فترة تنحنح طارق ليدخل في صلب الموضوع...
(لقد جئتك يا حاج سليمان بحكم انك كبير المنطقة و كأب للجميع لأعرض عليك رغبتي في الزواج من فلك)
ضيق سليمان عينيه لوهلة يرتب فيها ما قاله طارق... لا يوجد في حيّهم سوى فلك ابنة هيام هداها الله... كم مرة تكلم معها بشأن زيجاتها الكثيرة بل و عرض عليها العمل لتعول نفسها و ابنتها لكنها تعللت بأنها لا تفقه شيئا سوى خدمة البيوت... ففوض امره لله ناحيتها و صبر نفسه على افعالها بأنها تتزوج على سنة الله و رسوله... لكن أن تعيد ابنتها نفس ما تفعله لهو شيء لن يصبر عليه... الفتاة في عمر فاطمة ابنته تقريبا و طارق يبدو في سن والدها... سأله بوجه لم يتزحزح عنه الترحاب...
(قدومك الي اقدره سيد طارق لكن اعذرني من اين عرفت فلك؟!)
تكلم طارق برقي و احترام...
(هي و أمها تعملان في قصري... و لما عرضت الأمر عليهما ابديا موافقة لكن فلك اختارتك وكيلا لها)
هز سليمان رأسه بصمت متفهم ما صار... ها هي الفتاة تسلك نفس الدرب لكنها مختلفة عن والدتها... فهي مسكينة هادئة و طيبة فهل ستقوى على درب أمها... و هل سيرميها هذا الرجل بعدما يقضي معها وقتا و يدفع ثمنه؟!... عاد برأسه للخلف ينظر لوجه طارق... يبدو عليه الاحترام و صدق القول ليس كالرجال الذين يسعون خلف جسد امرأة... لكنه ايضا ليس بشاب يناسب فتاة في عمرها... قرر سليمان أن يبرئ ذمته أمام الله فقال...
(سيد طارق نحن رجال مر علينا الكثير و تعاملنا مع مواقف منحتنا خبرة نستند عليها لنواجه الدنيا... هل تعتقد بأن فارق العمر و الحالة المادية لن يشكل عائقا بينكما؟!)
تنحنح طارق بحرج من ذكر هذا الأمر... لقد جهز نفسه جيدا ليجيب بصدق و يوضح نيته و مشاعره تجاه فلك... هو يؤمن أن الحب لا سن له و لا قوانين اجتماعية... فقط هو تآلف و التحام قلبين حتى ان كان قلب فلك لم يشعر بحبه بعد... لكنه يعرف كيف الطريق لها و سيسلكه...
(كما قلت حاج سليمان نحن رجال مررنا بالكثير... و تأكد أنني لم لأكن أتخذ خطوة واحدة في أمر زواجي الذي عزفت عنه طيلة هذه السنين جزافا... لن أظلم فلك أو اظلم نفسي لقد درست الأمر جيدا... أنا اريد المودة و الرحمة بيننا)
تنهد سليمان يقول بقلق...
(هذه الأمور ليست صفقات تحتاج لدراسة يا سيد طارق... هي قبول و تعقل)
عقد طارق حاجبيه بتفكير و قد شعر بالقلق فسأله بهدوء...
(هل أفهم أنك تمانع حاج سليمان؟!!)
تقدم سليمان بجذعه من طارق يقول...
(دعنا نسأل فلك مجددا و نستخير الله و الباقي عليه)






بعد رحيل طارق القلِق دلف ابناء سليمان يستفهمون منه عما حدث... و لما عرض عليهم رغبة طارق في الزواج من فلك لم يتمالك كرم نفسه و قرر الاستئذان ليقابل رجاله بالأسفل...خرج من بيته يجول بعينيه في الشارع و كأنه يرتجي ظهور أيوب...الأمر كما ظنه و طارق يبدو صادق النية في زواج فلك و إلا ما جاء الى هنا...و الأدهى موافقة فلك المبدئية لهذا الزواج الغير متكافئ... زفر بضيق يشعر به منذ الأمس...اختفاء أيوب و ما سمعه من غسق و رغبة داغر في التوغل الى السوق ليقف ندا لهم... كل شيء يجثو على صدره بثقل كبير... لمح سوسكا يتخذ خطواته نحو الصيدلية ممسكا بكيس صغير بلاستيكي...اتجه نحوه يصفر حتى توقف سوسكا بوجه متعب...عقد كرم ما بين حاجبيه يسأله بترقب...
(اين كنت و ما هذا في يدك؟!)
لهث سيد قليلا يقول...
(كنت مع أمي عند الدكتور و قد طلبت منه تغيير نوع الدواء كما اقترحت الست غسق)
نظر كرم للكيس الصغير يسأله باهتمام...
(و هل حصلت عليه؟!)
تجهمت ملامح سوسكا يقول بنزق مرهق...
(أبحث عنه منذ ساعتين و لم أجده متوفرا... سأسأل ست غسق لربما ساعدتني)
عيناه ارتفعتا بغموضها نحو الصيدلية... بقي لها القليل و ينتهي دوامها...لم يرها منذ احتدام الأمس و في الواقع لا يريد رؤيتها حاليا لأنه من الممكن أن تشعل فتيل جدال آخر هو في غنى عنه بحالته المزاجية المتعكرة هذه... لكن والدة سيد يتحمل مسؤوليتها منذ فترة طويلة... منذ سافر زوجها لبلد خليجي بغرض العمل و لم يعد و انقطعت اخباره لسنوات... تكفل هو ببيت أم سوسكا كما تربى على يده... و حينما اكتشفوا مرضها بالسُكري قد رفضت الخضوع لعلاج حتى كادوا يفقدوها ذات مرة في غيبوبة سكر... و من وقتها سيد يهتم بها كعينيه و هو يستخدم طاعتها له كي تواظب على دوائها... تنهد بخفوت يقول
(حسنا تعال...)
تحركا معا ناحية الصيدلية ليقف كرم خارجها منتظرا معرفة ان كان الدواء متوفر هنا ام يأخذ سيد و يبحثان عنه خارج الحي ففي النهاية سيد و امه مسئوليته... و قد دلف سوسكا آملا أن يجد ضالته هنا لأنه قد تعب...
قبل دقائق...
و كمرة من المرات القليلة جدا بدأ رامي معها الحديث...أرسل لها رسالة يسألها عن حالها و عملها... و بعدما شعرت بأنه يركنها جانبا و قد قررت أن تتخذ معه خطوات حاسمة لتحديد ماهية علاقتهما إلا ان حديثه معها يداعب جزء من انوثتها رغم كونه لم يتخطى حدوده و لو لمرة... لكن شعورها بأن هناك من يفكر بها يحلم بها يسأل عنها يفرحها لن تنكر...لكن باقي انوثتها وضعتها تحت الحصار لتكبلها كي لا تنساق كليا و تتهافت على ما هو أكثر منه... حتى انه قد لاحظ هذا في مراسلتهما اليوم... و هي تتخذ وضع اعادة الحدود بينهما مجددا...تجاوبه و تحادثه لكن بتعقل و رسمية... رفعت رأسها لتجد سوسكا يقف عند طاولة العرض الزجاجية يحيها ببسمة مرهقة... علقت محادثتها مع رامي لأول مرة متعللة بأن هناك مريض يحتاجها... اتجهت نحوه ببسمة مشعة و تعترف بأنها افتقدت هذا المراهق الرجولي الوسيم على رأي ديما...
(اهلا وسهلا بك سيد كيف حالك؟!)
رفع سيد الكيس يضعه فوق الطاولة قائلا بصوت متعب...
(كنت بخير قبل ساعتين فقط... الآن أنا مرهق)
ضحكت بخفوت تقول بمواساة...
(ألف لا بأس عليك... ما بك؟!)
فتح الكيس يخرج ورقة الطبيب المدون عليها اسم الدواء و شرح لها الأمر... التقطت منه الورقة تقرأ الاسم من عليها ثم قالت...
(هذا النوع غاليا بعض الشيء لذا لن تجده متوفرا في الاماكن ميسورة الحال مثل هنا...)
فلتت تنهيدة متعبة منه ليتخصر و ينظر للخارج حيث كرم... تابعت نظرته لتقع عيناها على ظهره... يقف بالخارج منتظرا و كأنه يعاقبها بتقليل قدرها!!...نفضت رأسها من نمط التفكير هذا تعترف بأنها زادتها معه بالأمس... تنحنحت بحرج كبير تقول...
(لماذا يقف بالخارج هكذا؟!)
عقد سيد حاجبيه لكنه قال بتفهم...
(أخي كرم ينتظرني..)
ابتلعت ريقها بحرج و قد نوت بأن تعتذر عما بدر منها... فهي لا تتعالى وقت تقع في الخطأ...عليها بالتأسف له و لجرح كرامته... عدلت من حجابها بتوتر فقالت...
(هلا ناديته من فضلك سيد؟!!!... يعني وقوفه بالخارج هكذا ليس جيدا لربما أرادت سيدة الولوج و تحرجت من وقوف رجل على باب الصيدلية)
تفهم سيد وجهة نظرها و قد أسرع يطلب من كرم الولوج... لاحظت رفضه التام لكنها لا تعرف ماذا اخبره سيد ليرفع بصره اليها فجأة فأنزلت بصرها بحرج تتمنى بألا يكون نقل له سيد طلبها كاملا... شعرت به يدخل من باب الصيدلية بطلته الغامضة و يقترب ليستند على طاولة العرض تاركا دفة الحديث معها... و لكنها شعرت بالتوتر و الحرج من أن تعتذر منه أمام سيد كما أنها لا بد من أن تنهي عملها اولا... لذا اولت اهتمامها لسيد تقول...
(سأبحث في الداخل عن مثيل لهذا الدواء أظن هناك نوعا يحمل نفس المادة الفعالة هنا... و سأعطيك عنوان صيدلية قريبة من هنا ستجده بها ان شاء الله)
تلجلج سيد قليلا ليقول بحرج...
(اعطني العنوان ست غسق و لا تتعبي نفسك في البحث عن بديل له... فالطبيب أكد ألا نأخذ بديلا)
قلبت غسق عينيها بغضب و قد تحولت ملامح وجهها لقنبلة اقتربت على الانفجار لتقول...
(لا بالله عليك لا تكن مثل البقية المتعلقة بثقافة البديل الدوائي المميت... انظر سيد الصيدلي هو أعلم الناس بالدواء و حينما يخبرك بأنه سيجد لك مثيلا لا يعني بأنه سيجلب لك دواء للقلب و أنت تريد آخر للكُلى... المثيل هو دواء يحمل نفس المادة الفعالة و نفس التأثير لكنه منتج من شركتين مختلفتين...كمثال حينما تشتري رقائق البطاطا من شركة معينة و تجربها من شركة أخرى هل ستختلف البطاطا حينها بالطبع لا هكذا هو المثيل سيد... الطبيب ينبه عليك بألا تقبل البديل لأن في ايامنا الحالية بكل أسف ليس كل من يقف في الصيدلية هو صيدلي و بذلك ستزداد نسب الكوارث... و هناك حوادث تمت بالفعل حينما صرف غير المختصين في الدواء أدوية منافية للحالة)
انهت محاضرتها التفصيلية لتتمسك بطرفي المعطف تضمه على بطنها و تقول ببسمة حلوة...
(ألست صيدلانية تملأ العين أمامك؟!... فلا تقلق لن أضحي بحياة المرضى الذين أديت قسمي من أجلهم)
عيناه تراقبها في وقفتها المعتدة بنفسها...تسأل ان كانت تملأ العين... و من غيرها يملأها و يملأ النفس...من غيرها تتميز بالذكاء و الشجاعة... من غيرك يا ليلا طويلا تهت فيه و تاه مني؟!... انتبه لضحكة سيد الذي صاحبت قوله....
(تملئين عين السمين يا ست غسق...)
ضحكت بحرج لون وجنتيها بلون الورد الندي... فأسرعت تخرج هاتفها من جيب معطفها تعطيه له قائلة بعملية...
(حسنا خذ سجل رقمك هنا و أذهب الى هذا العنوان "..." و أنا سأبحث عن مثيله هنا و من يجده يتصل بالآخر اتفقنا؟!)
التقط هاتفها يسجل رقمه عندها و يرن عليه ليسجل رقمها عنده ثم اسرع يضع الهاتف فوق الطاولة و يخرج فالعنوان بعيد بعض الشيء... و هكذا خلت الصيدلية عليهما و حان وقت اعتذارها المتأخر... ظلت حدقتاها معلقتان بباب الصيدلية و حدقتاه المنغمستان في غموضهما معلقتان بها... يراقب توتر ملامحها و قد شعر بنيتها في قول شيء لكنها تتراجع... صبر و من غيره يعرف الصبر... حتى تزحزح وجهها لتحط عيناها الكحيلة بسواد طبيعي على وجهه و تهمس بصوت متهدج كلمتها بسرعة...
(آسفة...)
شرد في عينيها يراقب فيهما لمعان النجوم المترقبة... و صفاء سماء ليلها تعكس ما يجول بروحها بشفافية... ضيق عينيه و كأنه التقط اسفها للتو فنطق بهدوء مستفهم...
(علام؟!)
زاد توترها بشدة و ظنت أنه يقصد تقليل اعتذارها بفظاظته... فركن للنسيان ليخبرها بقلة ذوق أنه نسي اصلا ما صار بينهما أمسا... ودت لو تصرخ به و تعنفه بل و تلقي كلمات ثقال عليه لكنها تريثت لتقول برأس مرتفع شامخ...
(لقد اخطأت بالأمس و وجهت لك كلمات جارحة... و قد اعتدت حينما أخطأ اعتذر لذا آسفة)
طال صمته مجددا و طالت نظرته و تعمقت...لأول مرة يرى فيها شخص يتأسف بكل هذا الكبرياء و التفاخر بالنفس... يليق بها؟!... نعم يليق و من غيرها يليق بها كل عزيز؟!... ابعد كفيه من فوق طاولة العرض ليدخلهما في جيبي بنطاله ببطء دون أن يفلت وجهها من ناظريه... ليهمس بعدها بصوت مفخم و قد لقطت منه صحة مخارج حروفه بطريقة عجيبة...
(قدركِ عندي غاليا فلا يهم كم مرة اخطئتِ فصدري متسع و لكِ يغفر الزلات)
سماؤها الصافية تعكرت بنظرات التعجب الممتزجة بالخجل... فتوردت وجنتاها كرد فعل طبيعي لما سمعته بهذه النبرة العجيبة... فاتسعت لتناظر وجهه ثابت الملامح و المراقب لها بنظرة غموض تعاني من فهمها... فلم تجد بد غير أن تتحرك بعشوائية تقول بصوت متلعثم...
(سأبحث عن الدواء بالداخل...)
راقب حركتها المتعثرة للداخل فتقدم من الطاولة يراقب خطواتها... عيناه تزحزح غموضهما لتحتلهما نظرة بألف معنى... فويل له من نظرات تقيدت سنوات حتى بات دفنها تحت ثرى غموضه فشل... همس بصوته الأجش ما جال في خاطره حينها... ما يوازي كل ما يعتمل نفسه الآن...

"كعصفورة في كف طفلٍ يُهينُها،، تُعَانِي عَذابَ المَوتِ والطِفلُ يلعبُ،، فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها،، ولا الطيرُ مطلوقُ الجناحينِ فيذهبُ"


اخرجه من شروده في كلمات "ابن الملوح" رنين هاتفها الذي تركه سوسكا فوق الطاولة قبل خروجه... اضاءته استرعت نظرته لتتشح عيناه بغموض اسود يتقطر العذاب من حلكته... صورة رامي ظهرت بشكل دائري في جانب شاشة هاتفها مصحوبة بجملة ظهرت لتلمحها عيناه و اختفت فجأة و كأنها لم تكن... تراجع للخلف خطوات ينوي الرحيل لكن صوتها اوقفه حينما قالت بعفوية...
(الى أين ألن تنتظر سيد؟... لم أجد الدواء هنا فأتمنى أن يجده حيث بعثته)
هز رأسه دون أن ينظر لها ليقول بصوت رغم هدوئه لمحت به الغضب...
(حينما يأتي أخبريه بنفسك... لدي عمل و يجب أن أذهب)
ضيقت عينيها بعدم فهم لحالته... حسنا لقد خرج من طور الفظاظة ليحتل طور الغموض بجدارة... اقتربت تحمل هاتفها فلمحت رسالة رامي المعلقة... ضربت فوق جبهتها بتأنيب... لقد نسيته تماما اثناء حديثها مع سيد و ابن المراكبي... فتحت الرسالة لتتسع عيناها بصدمة... نعم رغم حلمها بأن تصل معه الى هنا لكنها الآن تشعر بصدمة... و كأنها كانت ترغب في ألا يصلا الى هنا رغم اعجابها به الكبير و الذي تظنه منذ زمن تحول لحب!!!... و كأنها تهرب من علاقة مع رجل متذبذب مثله لا يستقر و لا يعرف ماذا يريد... ابتلعت ريقها بعدما جف حلقها لتتجه تجلس على كرسيها و عيناها تمران أكثر من مرة على جملته...في هذه اللحظة حقا عمل العقل و ركن القلب للهدوء فأوجست خيفة من مستقبل قادم قد يجمعها به...

« أنا معجب بكِ»








(السلام عليكم يا أم أيوب...)
صوته الحبيب الذي صدح خلفها من عند بوابة البقالة جعلها تلتفت في لحظة غير مصدقة... راقبت جسده العريض يقف على بعد خطوات منها... فأسرعت تقطع هذه الخطوات لتحتل صدره و تبكي بصوت مرتفع كطفلة فقدت والدها... ضمها أيوب اليه بقوة هامسا بصوت متحشرج...
(لا تبكي أمي أرجوك)
هزت رأسها رفضا داخل احضانه تؤنبه بقولها...
(هانت عليك أم أيوب تحرق قلبها هكذا؟!)
رفع كفه يحاوط رأسها فوق صدره و يضمها اكثر اليه هامسا بصدق...
(بعيد الشر عنك يا أم أيوب... بالله عليك يكفي بكاء لقد عدت و بخير كما ترين)
اخرجت رأسها من احضانه تلتقط وجهه بين كفيها و تتفحص كل أنش فيه...اشتاقت له كثيرا و ما اصعب ان يقترن الاشتياق بالذنب و القلق... همست ببكاء غير قادرة على السيطرة عليه...
(الحمد لله الذي اعادك الي سالما بني... سامحني أيوب و الله لم أكن أقصد أن تدهور علاقتك معها... كنت قلقة عليك و على مستقبلك ابني)
اوقفها أيوب عن الاسترسال يقبل أعلى رأسها بحب صادق قائلا...
(لا عاش و لا كان من يجعلك تعتذرين يا أم أيوب... أنا ابنك المعدول كما تقولين دائما... و يحق لك ضربي بنعلك وسط الشارع دون حمل هم الاعتذار)
زادت دموعها لتسبل اهدابها للأسفل تبكي وسط كلماتها...
(أنت سيد الرجال بني و أنا سبب الشجار)
اجهشت في البكاء حينما تذكرت كلمات فلك القاسية لها... فتمالك أيوب نفسه بصعوبة ليقبل رأسها عدة مرات هامسا مع كل مرة...
(لا تحملي نفسك الذنب يا أم أيوب... اعرف انك تخشين علي كما أعرف كم أن قلبك ابيضا لا يقصد جرح الناس)
تعكرت نظرته بالحدة متذكرا موقف فلك معها ليقول بجمود...
(هي من يجب عليها أن تعتذر لك حتى تغفري..)
اسرعت وجيدة تقول برفض...
(لا أيوب لا أريد منها اي شيء... دعنا ننسى ذاك اليوم)
ضغطت على نفسها بصعوبة لتكمل بروح ممزقة...
(و لو تريد الارتباط بها بني ليس... لدي مانع)
كم هو صعب أن يقرأ رفضها في عينيها... أن يلمح تكبيلها لكرامتها التي دهستها فلك بقسوة... فقط كي يسعد هو و يرتاح معها هي فلك ذات العينين المعذبتين له و لقلبه... حبيبته التي تذوق معها الحب منذ كبر... لكنه على مدار سنوات معرفته بها لم يسمع منها كلمة تؤكد حبها له... و لم يهتم وقتها ألم يعد قولها بأنه ملاذها و سندها حبا؟!!... لكن هل يجرح الحبيب بهذه القسوة و هل ينفلت زمام الأمر منه هو ايضا لحد ضربها؟!... لقد اختار العزلة عن الجميع ليومين يصفي فيهما ذهنه...و يحدد ملامح علاقته التي تشوهت مع فلك... و للعجب قلبه مال و حن لها رغم كل شيء... اخطأت نعم لكنها تظل فلك بعد كل شيء... سيعاقبها نعم لكنها حبيبته في النهاية... سيخاصمها و يجعلها تشعر بفداحة ما فعلته نعم لكنه سيعود ليضمها لقلبه حتى دون الحاجة للمسها...عاد ليُسمعها قصائد حبه لها...تنهد بتعب يهمس لأمه
(لا تكلفي نفسك إلا وسعها يا أم أيوب... دعيها تسير كما يريد الله)
(و أخيرا ظهرت يا عمي)
صوت أنور من خارج البقالة جعله يلتفت ليبتسم بسمة خافتة... ربتت وجيدة على صدره تقول باعتراف بالجميل...
(لم ينم اصحابك منذ اختفيت و يبحثون عنك في كل مكان...)
ارسلت عينا أيوب امتنانه لصاحبه لكنه استحضر جزءا من مزاجه المشاغب قائلا...
(لو فعلها الكل لن يفعلها أنور يا أم أيوب... فدوما يريد التخلص مني...بالتأكيد كان نائما هانئا البال و يشخر طوال غيابي)
زمجر أنور بغضب مصطنع ليدلف البقالة و يسحب أيوب من ياقة قميصه للخارج قائلا بتهديد...
(من الذي كان يشخر يا رأس البغل أنت... تعال معي حتى أتخلص منك حقا)
مسحت وجيدة دموعها بطرف وشاحها لتضحك بسعادة حقيقية... ابنها امام عينيها و اطمئن قلبها عليه... هتفت بخوف من مزاحهما الخشن
(على مهلك عليه أنور... ألا ترى كم هو ذابلا؟!)
دون أن يترك ياقة قميص صاحبه تطلع فيه من أعلى الى أسفل قائلا بسخرية...
(هل هذا الجاموس في يدي ذابلا؟!!!... يا خالة وجيدة أنت تعلفينه طعاما مطبوخا بالسمن البلدي منذ الأزل لذا ستجدينه كالبغل دوما)
ضحكت وجيدة عاليا بينما أيوب يحاول فك نفسه منه يردف بعض السبات العالية... هتفت وجيدة بحماس دب فيها مع رؤيتها لضحكة ابنها...
(بدلا من حسد ابني سأدعوك الليلة على العشاء و سأعد لك الأرز المعمر الذي تحبه)
ابتسم أنور بشكر لها ثم سألها يناكفها...
(و طاجن بامية باللحم الضأن)
ضحكت وجيدة لتومئ له موافقة... بينما نجح أيوب في فك نفسه من قبضته ليقول معترضا...
(و حياة والدتك!!!... ستخرب بيت أبي أيوب و ستجعلنا نفلس قبل نهاية الشهر كي لا تحسدني)
ثم أشار لوالدته قائلا بوجه جاد...
(هاتِ علبة الملح من الداخل يا أم أيوب فلنحشو عينيه بالملح لنقطع الحسد و نخلص منه أوفر لنا)
وسط مرحهم و غلاظة أنور و أيوب في المزاح ظهر كرم ينادي عليه... التفت له أيوب بوجه سمح بأن يقع عنه قناع اللهو ليُري صديقه الأقرب كم يعاني... و لصدفة الأقدار بادله كرم نظرة مشابهة و قبل أن يتأكد منها ظن بأنه يتخيل لغموض كرم الذي سيطر مجددا على عينيه... توجه كرم نحوه يجذبه الى احضانه و كأنه يواسيه... كرم ليس عاطفيا أو بالأصح لا يظهر عاطفته علنا لذا فأن يضمه هكذا لهو أمر غريب عنه... نعم تغيب يومين لكنه يعرف صاحبه خصوصا بعدما هاتفه و طمأنه عنه... هل يود كرم ارسال شيئا ما له عبر ضمه هكذا؟!... ضيق أيوب عينيه بعدم فهم يسأله بتوجس...
(ما الأمر كرم؟!)
ابعده كرم عنه ينظر في عينيه نظرة تضامن قائلا...
(حمدا لله على سلامتك لا تعيدها مجددا و تقلقنا عليك)
كرر أيوب سؤاله بقلب وجل و كأنه لم يستمع لجملة صاحبه الفائتة...
(ما بك كرم؟!... هل هناك ما تود قوله لي؟!!)
تغضنت ملامح كرم و قد لمحها أيوب بسهولة ليقول بعدها بملامح جامدة...
(رغم ان غيابك لم يدم غير يومين لكنه تبدل فيهما الكثير)
(كرم لا تزيد قلقي ماذا هناك؟!)
راقب كرم ارهاق ملامح صاحبه لكنه سيعلم... الآن أو بعد ساعات سيعلم فعليه أن يضعه في بؤرة النور و يجعله يرى الصورة كاملة...
(اعتقد عليك مقابلة فلك... و الآن خير من بعد قليل)
ما عبرت عنه ملامح كرم و هو ينطق بهذه الكلمات جعل أيوب يهرع راكضا نحو بيت فلك... هل تأذت بسبب بعده عنها... هل أقبلت على شيئا يضرها... قلبه يؤلمه لما حدث لهما قبل يومين... سيندم أشد ندم لو اصابها مكروه...نفسه تهفو اليها برجاء كبير فكوني بخير يا فلكي أرجوكِ
زفر كرم بغضب يتابع هرولة صديقة ناحية بيتها... ستقتله في لقائهما... ستذبحه و هو المذبوح بما صار قبلا... لماذا فعلت به ما فعلت و لماذا تسرعت في الموافقة قبل ساعات فقط...

قبل ساعات....
بعدما أرسل سليمان لها بأن تأتي بدون أمها لبيته وصلت... و ها هي تجلس معه و مع زوجته صفية في صالة البيت... لقد قرر اقصاء أمها بعيدا عنها ظنا بأنها تؤثر على قرارات ابنتها... تمهل في حديثه فقال
(لقد طلب يدك مني طارق طلال ابنتي... هلا عرفت رأيك؟!)
الحرج يكبلها و هي تقرأ الشفقة في أعين صفية و الرفض من سليمان... لكنها تماسكت بيقين أن خطوتها رابحة و تعويضا مناسبا لها فهمست...
(أنا موافقة يا حاج سليمان)
تدخلت صفية تتحدث بنبرة أمومية حنونة و ناصحة...
(يا فلك تمهلي حبيبتي فهذا زواج و ليس لعبة... هل تعين أنك ستتزوجين من رجل يكبرك ببعض و ثلاثين سنة!!!... ستعانين فيما بعد و ربما تندمين لعدم الزواج من شاب يقارب عمرك)
ترقرقت الدموع في عيني فلك رغما عنها... في هذه اللحظة بالذات تأكدت بأنها ليست يتيمة الأب فقط بل و الأم ايضا... ماذا لو جلست معها هيام تنصحها بألا تبيع شبابها... لكنها هيام فمن تعاتب فهي من يشجعها لتفعل... كبحت دموعها لتهز رأسها بحرج تقول
(سيد طارق رجل لا يعيبه سنه... فهو حنون و يحسن التعامل معي و هذا كافي)
سألها سليمان بترقب حينما لمح في نيتها القبول...
(لقد أخبرني أنك و أمك موافقتان يا ابنتي... هل استخرتِ ربك فيما أنتِ مقدمة عليه؟!)
اومأت بنفس الهدوء و الحرج فتنهد سليمان يقول...
(لا حول ولا قوة إلا بالله... هل تحتاجين وقتا أكثر لتفكري على مهل ابنتي؟!)
هزت رأسها نفيا تهمس...
(الأمر محسوم يا حاج... أنا موافقة و قلبي مستريح)
بادل سليمان زوجته بنظرة مشفقة فهزت كتفيها بقلة حيلة ليقول سليمان بصدق...
(يشهد ربي أنني حاولت معك كثيرا و أدعوه أن يخيب ظني و يصبح طارق هذا خير زوجا لك... سأهاتفه و أبلغه موافقتك ابنتي و ان احتاجتِ للوقت نحن بها)
وقفت تتشبث بعباءتها و تهمس...
(لا يا حاج أنا متيقنة من قراري... شاكرة موافقتك بأن تكون وكيلي و هذا جميل سأحمله عمري كله فوق رأسي)
وقف سليمان و زوجته ليقول بعطف حاني...
(لا تشكريني ابنتي أنتِ مثل بناتي... مبارك فلك)
استقبلت مباركاتهما لتسرع في الخروج من البيت... لن تعيد التفكير هي أكيدة من قرارها... وقف كرم قرب المطبخ و قد سمع كل ما حدث ليتقبض بقوة فوق زجاجة المياه التي أخذها من البراد... وصله صوت والده الذي هاتف طارق يبلغه موافقة فلك...
(السلام عليكم سيد طارق... بخير الحمد لله شكرا لك... اهاتفك لأبلغك بموافقة فلك فلتتوكل على الله في أمر الزواج... لا تشكرني أنا لم أفعل شيئا فهي تبدو متخذة قرارها من قبل... لكن هذا الوقت قريب جدا من عرس ابنتي الصغيرة هي ايضا ستتزوج قبل عيد الأضحى ... بارك الله فيك سلمت... لا بأس سأبلغ العروس بهذا التاريخ و لنرى رأيها... لا يوجد تعب فلك مثل ابنتاي و ما أسعد أن يزف أب ابنتيه وراء بعضهما... ان شاء الله و عليكم السلام)




عاد كرم من هذه الذكرى القريبة و الحارقة... أيوب سيتعذب حينما يعرف... عيناه لمحتها و هي تتحرك عائدة من الصيدلية بعد انتهاء دوامها... ترى هل تقبلت اعجاب هذا الرجل الذي منحها السلسال الملاصق لعنقها حتى الآن... شعر بنيران تحرق صدره فرفع كفه يمسد عليه دون وعي... و حينما وعى لحركته أنزل كفه ببطء يهمس برفض لما يتحول اليه أمره مؤخرا...
(باتت ردود افعالك واضحة يا ابن المراكبي... فما خبأته لسنين يصارع ليخرج من مخبئه ليصرخ في وجهك... و يلطم قلبك بقسوة)




تحركت بقدم تشعر بها رخوية نحوه... يقف يوليها ظهره و يقابل البحر الذي يبتلع شمس المغيب خلفه بلا رحمة... راقبت ظهره المتشنج و وقفته المتوجسة... لقد أوشك كل شيء على الانتهاء فلك... ها أنت ستهجرين مأواك الأمين بعد سنوات من اللجوء و السكينة... لكن هل هي من هجرت أم هو من أطاح و لفظ... هي ليست البادئة أو هي فلم يعد يفرق... هي ستبني مأوى جديد عنفا و قسرا... كما سلبتها الدنيا و الظروف سكينة ستصنع هي سكينة... و طارق جدير بكل ما تتمناه... سيحقق لها كل شيء و يمحو من قلبها الحزن القابع فيه... توقفت فجأة حينما التفت فجأة يبدو شعر بخطواتها القريبة منه... و آه من نظرة عينيه وقتها... تذبح ببطء و قسوة رغم أنهما لا يحملان سوى كل الحب و الحنان... تقدم منها بوجه قلق يسألها بملامح متفحصة...
(هل أنتِ بخير فلك؟!!!... هل آذيتِ حالك؟!)
تعلقت عيناها بعينيه تتوسل في دموعها المسكوبة... ترجوه في صوت شهقاتها المصاحبة لهز رأسها الرافض... وضعت وجهها أرضا بضعف تهمس ببكاء يؤلمه...
(لا بالله عليك لا تريني فيهما حبك الآن بعدما أريتني فيهما القسوة... لا تتلهف علي و تشعرني بأنني في مأواي بعدما طردتني منه... لا تكن خبيثا معي أيوب... دعني أكمل ما بدأته بلا ذنب... دعني أعطي دورك لغيرك دون ذنب)
تهذي و هو لا يفهم... ماذا تقصد بكل ما تنطق به... ما معنى أن تعطي دوره لغيره... لم يشعر بنفسه و هو يمسكها من ذراعيها يهزها برفق متسائلا...
(لا أفهم يا فلك حرفا واحدا... ماذا تعنين يا بنت؟!!!)
رفعت له عينيها حبيبتيه... فلكها الخاص الساحر... روحه تموج بين موج زرقتها و ترتاح بعد رحلة طويلة على خضار أرضها الناعم... فسبحان المعبود الذي صور لها هاتين العينين... و ها هي تغرقهما بالدموع الملتهبة و تنظر له بقسوة مختلطة بأسف... باعتذار مختلط بوعيد... بوعد مختلط بكلمة رحيل!!!
(أنا... قريبا... سأتزوج)
ضيق عينيه بعدم فهم... فرغم أنها نطقت كلماتها المتفرقة بوضوح إلا انه لم يسمعها... او لم يشيء ان يسمعها... و هل يستمع المرء لما يؤذيه... لما يعذبه... لما يذبحه ببطء... لما يسلب روحه بقسوة... لا فليمنع حاسة السمع من العمل و يلجأ للوهم فهو خير بديل...
(ماذا تقصدين؟!!!)
زادت شهقاتها بعنف فخارت قوتها و كادت تسقط ارضا لولا تمسكه بها... هزها بعنف و عقله يحترق بين نيران الفهم و بطء الاستيعاب... هزها بكل قسوة كما ذبحته بكل قسوة... صرخ فيها بحدة دامية ردا على شهقاتها العالية...
(ماذا تقصدين يا بنت؟!... ما معنى سأتزوج هذه؟!... ممن ها؟!... من جعلك تبيعين يا فلك؟!!... من سرق قلبك مني يا فلك؟!!... من لأجله حملت سكينك و غرسته في عنقي يا فلك؟!!!!.... من؟!!!!)
يصرخ... و تصرخ... تبكي... و يبكي... يموت... و تموت... تسطر نهاية بدمه... و يقطر هو المزيد منه... ألا يوجد نهاية أرحم من هذه يستحقها منها؟!.. ألا تشفق عليه و هي تقتله؟!... كيف تخون؟!... و لم تخون؟!... لأجل غضبه عليها مرة و ماذا من أجل ألف مرة ضمها بلا لمس واساها بلا صوت حمل تعبها بلا كلل... أهذه نهايتي معك يا فلك... كيف؟!!!!
(أنت... تستحق... الأفضل و أنا... لست الأفضل... حررني أيوب من ذنبك... حررني لأتخلص من وجعي)
هدر بها بحدة باكية لاعنة غير مصدقة...
(و ماذا عن وجعي أنا؟!!!...ماذا عما أشعر به الآن؟!!!... بيدك أحرقتني فلك... بيدك أحرقتني)
لا تتحمل كل هذا...ظنت أنها قست على أيوب لكنها تموت و هي تراقب حالته...أيوب سيظل ذو المكانة التي لم و لن يخطو اليها غيره...صرخت بدموعها تقول بتوسل....
(اقسم لك فعلتها لأجل كلينا...سنغرق معا أيوب لن تتمكن من مساعدتي و لن أزيدك سوى وهنا...أنا اخترت من يعوضني عن دنياي و أنت اختر...من تسعد قلبك الغالي)
تراخت يده من فوق ذراعها بتيه...ما يسمعه ليس حقيقيا...هو كابوس سيصحو منه قريبا...رفعت فلك كفيها تمسح دموعها و تهمس بنشيج مميت...
(العلاقات خلقت لتخفف عنا عبء الحياة... كل طرف فيها يكمل الآخر و يطمئنه...لا لأن نرهق بها بعضا و نزيد من ألمنا...أنت رجل افتخر بحبه لي رغم فشلي في منحه حبي...في الواقع لا اعتقد أنني فتاة خلقت للحب...أنا سأعيش عمري كله محرومة منه و لكنني لا أريد لك المثل...أنت تستحق فتاة تبادلك شعورك بل و تحبك فوق حبك حبين)
اتجهت نحوه و قد اخافتها حالته الصامتة...عيناه متسعتان تتفحصا ملامحها و جسده تخشب أمامها.. تقدمت لترفع كفها المرتعش فوق قلبه و تكمل ببكاء...
(حب تستحقه... و حب يليق بقلبك الذي... لا استحقه أنا)
امتدت كفه تلتقط كفها فوق صدره و تعتصره بقسوة جعلتها تتألم بصوت مسموع...سألها بأعين محتجز الدمع في زواياها...
(من هو؟!... من سلبني إياكِ؟!)
اغمضت عينيها تبكي بألم نابع من قلبها لما تسببت فيه له... و من قسوته في عصر أصابعها بين كفه...همست بصوت هامس خافت...
(سيد طارق طلال...الذي نعمل في قصره)
ثبتت عينه عليها للحظات دون أن ينطق...ثم أفلت كفها من كفه...ليضحك بعدها عاليا و دموعه تتساقط بوجع قائلا...
(يا لي من مغفل كبير!!!... أحمق عاش قصة حبه الوحيدة مع فتاة رخيصة... تبيع لمن يدفع أكثر كوالدتها تماما)
هالها ما تسمعه منه هو بالذات...هزت رأسها بعنف تتوسل بضعف...
(أعرف أنك مجروح مني لكن ارجوك لا تقل هذا عني...أنت بالذات أيوب لا تقلها بالله عليك!!)
احتلت عينيه القسوة ليصرخ فيها مخرسا إياها...
(اخرسي...خائنة مثلكِ لا يحق لها الكلام... مثلكِ تقف هكذا و تبكي حسرةً على رجل احبها من قلبه و باعته)
خفتت نبرة صوته لتتحرر دموعه قائلا بضعف...ليزيد من ذل نفسه أمامها... ليمسك سكينها و يعمق غرسه في عنقه...
(لقد أحببتك فلك من قلبي...وقفت ضد أمي و صرخت بحبكِ...وعدتكِ بأن اتحدى الكل لأجلكِ... فماذا ربحت سوى خيانتكِ)
همست بضعف يوازي ضعفه تقول...
(لم أرغب بأن أخدعك أيوب... في علاقتنا كنت أنا الطرف المستفيد دوما و غصبا لم أقوى على منحك ما تريد... أنا دوما احتاج و أنت دوما تعطي... أنا لم أحبك كما تريد أنت بل أحببتك كما أريد أنا... أحببت سكينتي معك و حمايتك لي... ظلمتك يا أيوب و لكن ما أفعله الآن ليس ظلما... ستجد من تحبك و تستحقك غيري و حينما تقع في حبها ستتأكد بأن ما شعرته نحوي لم يكن حبا...فالحب نبتة تحتاج للماء و الهواء لن تنمو بواحد فقط دون الآخر... نبتتنا كانت ذابلة تلتقط انفاسها الأخيرة فمهما حاولنا نهايتها هي الموت)
ارتسمت بسمة جانبية ساخرة احرقت قلبها مع دموع عينيه ليهمس بصوت مبحوح مرهق...
(لن اسامحكِ ابدا فلك... لن انسى غدركِ بي ما حييت)
رفعت اصابعها فوق فمها بصدمة و همت بقول شيء...لكنه اوقفها بقوله الذي زامن حركة قدمه التي رسمت خطا طويلا بينهما...
(ما بيننا انهيته بيدكِ اليوم... و هذا الخط سيفصلنا للأبد... اذهبي و اهنئي مع أموال زوجكِ الذي اخترته... لكن تأكدي بأنكِ اليوم قتلتني و ما سأحياه في عمري سأحياه ميتا...رمادا لا روح به)
ابتلعت غصتها بألم لتهمس ببكاء...
(ستأتي من تعيد لرمادك الروح وقتها سيبعث قلبك من جديد...)
ناظرها نظرة مذبوحة ليوليها ظهره ناظرا للبحر...فهمست هي مجددا بأسف
(سامحني... وداعا أيوب)



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات