رواية لقياك لي المأوي الفصل الثاني عشر 12 بقلم اية احمد
الفصل الثاني عشر
الشمس التي داعبت عينيها جعلتها تفتحهما بتمهل... ثبتت عيناها على سقف غرفتها للحظات و ذهنها المتخم بأفكاره يلتهمها... لقد قضت وقتها منذ رسالة رامي تفكر... لم تنم سوى بعد صلاة الفجر و حتى ان اغلقت جفنيها فعقلها هرب منها غصبا لوحوش التفكير... اعتدلت في سريرها تتخلل اصابعها بنزق بين خصلات شعرها الأسود تبعثره بقلة حيلة... حسنا هذه هي النقطة التي تمنت الوصول لها مرارا منذ أحبت رامي... أو بالأدق منذ أعجبها و سحر نظرها و قلبها البكر... لكن ما بالها الآن حينما عبر أخيرا عن شعوره نحوها تشعر هي بفتور... هل تأرجحه و عدم ثباته في قرارته هما السبب... أم كثرة مقارناتها بينه و بين ابن المراكبي!!!... نفضت الغطاء عنها بحدة غير مقصودة و قلبها يعنفها بشدة... رامي و ابن المراكبي لا يجمعهما ميزان واحد... فشتان بين تذبذب أحدهما و رجولة الآخر!!!... انزلت ساقيها للأرض ترتدي خفها و تقف لتتحرك ناحية مكتبها الصغير في الغرفة... فتحت درج المكتب تتطلع في شيء ما هناك... مدت يدها تلتقطه و ترفعه امام وجهها... الورقة النقدية التي تركها ابن المراكبي يوم طببت له جرحه ... لقد دفعت حق المستلزمات البسيطة التي استخدمتها من معها و وضعت ورقته المالية جانبا لا تدري بأي نية... هل نية اعادتها له أم.... زفرت بضجر تضعها بحدة في الدرج مجددا و تغلقه... اتجهت للنافذة الصغيرة في غرفتها المطلة على الشارع... تراقب من خلف زجاجها الحركة الدائمة في الحي... اليوم هو الجمعة و صوت المؤذن يصلها و هو يلقي الخطبة... هل ظلت نائمة كل هذا الوقت؟!!!... اسدلت ستائر النافذة ثم تحركت تلتقط منشفتها و تخرج من غرفتها الى الحمام... اغلقت الباب خلفها لتقابل والدتها التي جلست تستمع لخطبة الشيخ المذاعة في التلفاز... القت تحية الصباح بينما تميل تطبع قبلة فوق خدها... ربتت أمل فوق كتفها بحنان تستمع لابنتها التي قالت بعتاب...
(لماذا تركتني غافية كل هذا الوقت أمولتي؟!!)
ابتسمت أمل بحنان تقول بنبرة دافئة أمومية...
(اليوم هو يوم اجازتك فلتنامي براحة و هدوء)
انحنت غسق تلثم وجهها بحب و شقاوة تقول...
(حبيبتي أنتِ يا أمولتي... لا حرمني الله منكِ و من أبي)
ناغشت والدتها قليلا ثم تركتها لتغتسل في الحمام... عادت لغرفتها تهندم شعرها و منامتها القطنية المريحة... استمعت لنداء والدتها لتتناول الفطور الذي اضاعته بسبب النوم... خرجت تجلس أمام مائدة الطعام تنتظر الاطباق التي قامت أمل برصها بالتتابع... عقلها لم يتوقف لوهلة عن التفكير و قلبها ينبض بقوة و شعور بالمهابة يحتلها لما هي مقدمة عليه... اوشكت أمل على الانتهاء فأمسكت ابنتها بكفها تقول بصوت متحشرج خجول...
(أمي احتاج أن اتحدث معك قبل أن يعود أبي من صلاة الجمعة)
اسرعت امل تجلس جوار ابنتها بقلب انتابه القلق... ربتت فوق كف غسق تقول بتشجيع و طمأنينة...
(اسمعك حبيبتي)
سحبت غسق نفسها بتوتر و لكن ما دام تأكد رامي من شعوره نحوها عليها وضع اهلها في الصورة... هي ابدا لن تكون هذه البنت التي تفتعل شيئا في الخفاء... و بكل أسف تنازلت معه هو بدافع من مشاعرها المتلهفة نحوه... حسمت أمرها فقالت بصوت خافت...
(أمي هناك شخصا... ما)
بفطنة الأم رجحت أمل ما تود غسق قوله لكنها ستمنحها كل الوقت لتنطقها هي... فحثتها ببسمة صغيرة تقول
(ما به هذا الشخص؟!)
رفعت غسق طرف عينيها لوالدتها فاحتلها الخجل لتهمس...
(معجب بي... هو زميل لأريج في مشفاها دكتور في نفس قسمها... تعرفنا ببعض هناك و من أيام اخبرني أنه معجب بي)
ضيقت أمل عينيها تسألها بترقب...
(و ماذا بعد الاعجاب؟!)
رفعت غسق وجهها لأمها بتيهٍ من مغزى السؤال... فهزت رأسها بلا معنى تردد بعدم فهم...
(ماذا؟!!)
تنهدت أمل لتتمسك بكف صغيرتها تقول بتفهم و نصيحة امرأة بسيطة لم تصل لمستوى التعليم الذي وصلت له ابنتها... لكنها أمها التي مهما اختلفا ستكون منارتها التي تنير في عتم الليل لترشدها الى برها...
(اسمعي غسق أنا و والدك نمحنك كل الثقة لأنك فتاة تستحق هذا و أكثر... كما أنني أعرف كيف ربيت ابنتي و اعرف اخلاقها... لكننا في مجتمع بسيط لا يستهوي معاني اعجاب او صداقة بين رجل و امرأة بلا رابط واضح أمام الله و الناس)
شعرت غسق بنفس الخزي الذي يخز قلبها كلما ظهرت أمامها حقيقة محادثتها مع رامي... ابعدت وجهها بحرج عن عين أمها فاعتقدت أمل ان ابنتها حزنت من حديثها فقالت بتوضيح...
(لا تحزني من حديثي حبيبتي فهذه الأمور لا تحتمل اللون الرمادي اما ابيض او اسود... هو معجب بك فلندعه يتأكد و يتخذ الخطوة الثانية في ارتباط رسمي امام الناس)
اومأت لها ابنتها دون ان تنظر لها فباغتتها أمل بسؤالها الذي جعلها تتلعثم...
(هل تتواصلان غسق؟!)
احمرت غسق بحرج مختلط بخزي... هزت رأسها بنعم غير قادرة على رؤية عين والدتها في هذه اللحظة... تنهدت أمل و قد لاح الرفض على محياها لكنها تريثت تقول...
(بالتأكيد لن اشرح لك كلاما تعرفينه بكون تواصلك معه غير مقبول لأنني اثق ان ابنتي لا تخون ثقتنا بها... لكنني سأطلب منك أن تتوقفي عن تواصلك هذا الى أن يقسم الله لكما نصيبا معا)
هزت غسق رأسها و الحرج يقتات عليها... هي ابدا لم توضع في موقف كهذا مع والدتها... تشعر بأنها سقطت من نظر الجميع... حطت كف أمل فوق وجهها تملس عليه برفق قائلة...
(شكرا لأنك شاركتني ما يحدث معك... هيا تناولي فطورك حبيبتي)
لو صفعتها والدتها بقسوة لكان أهون عندها مما تسمعه... أي مقدار أنزلتِ نفسك اليه غسق؟!... اين كان عقلك يوم نويت التواصل مع رجل غريب عنك؟!... ابتسمت بمرار تتلبس قناع المرح أمام والدتها و تكبح رغبة جلد الذات حتى تختلي بنفسها في غرفتها... صوت المفتاح الذي يدور في قفل الباب استرعى انتباههما فالتفتتا معا لتقابلا ثروت ببسمة حلوة جعلته يضحك قائلا بحب...
(يا لهما من بسمتين حلوتين منحني الله إياهما!)
اقترب بعدما اغلق الباب يجلس مقابل ابنته قائلا بنبرة ابوية حنونة...
(هكذا اشرقت شمس بيتنا الصغير... لا تغيبي مرة اخرى عن الفطار معنا غسق)
ضحكت تومئ برأسها موافقة بينما أمل تقول بتعجب...
(البنت تتعب طوال الاسبوع في الصيدلية فلتدعها ترتاح يوم اجازتها)
تذمر ثروت يقول برفض...
(تستيقظ تتناول الفطور معنا ثم تعود لتنام مجددا لكن لا تغيب هكذا)
تبادلت غسق و أمها الضحك لتسأله أمل بمشاغبة...
(و ماذا ستفعل لو تزوجت و ابتعدت لبيت جديد؟)
ارتسم التفكير على وجه ثروت ليقول بعدها ببساطة..
(سأذهب يوميا لأتناول فطوري معها في بيت زوجها)
اتسعت بسمة غسق المحبة لوالدها الحنون فوقفت تبتعد عن كرسيها و تتجه اليه تضمه بقوة و توزع قبلاتها الحلوة على وجهه قائلة بصدق...
(أبي حبيبي و نور عيني)
شدد ثروت من ضم ذراع ابنته حول عنقه ليقول...
(غاليتي و فخري أنتِ يا غسق... رزقني الله العمر لأزوجك و اسلمك بيدي لرجل يستحقك و أرى احفادي حولي يتمسكون بساقي كما كنتِ تفعلين)
امطرها والداها بالدعاء و التمني فمن أغلى منها عندهما...و بعدها طلب منها والدها أن تعد لهم الشاي فأسرعت غسق تلبي طلبه...و حينما انتهت و خرجت تحمل صينية الشاي لاحظت توتر والداها...ضيقت عينيها بترقب و اقتربت منهما تضع ما بيدها فوق الطاولة...جلست توزع الاكواب عليهما و قد اخافتها نظرات التردد في عيني والديها...وضعت كوبها امامها تسألهما بتوجس...
(هل هناك شيئا ما يزعجكما؟!)
تنهد ثروت لينظر لها قائلا بنبرة حزينة...
(تعرفين رغبتي انا و والدتك في حج بيت الله الحرام... و قد قدمنا قبل ثلاث سنوات في حج القرعة و لم يحدث نصيب... و قد اجلنا اعادة التقديم العام الماضي لأنها كانت سنة تخرجك من الجامعة)
وضعت غسق كفها فوق كف والدها و قد انتقل حزنه لها لتهمس بتساؤل...
(اعرف أبي كم ترغبا في قضاء فريضة الحج... لماذا لم تقدما هذه السنة؟!)
تبادلا والداها النظر ليسترسل ثروت بصوت حزين...
(لقد فعلنا و كتبها الله لنا هذه السنة)
صاحت غسق بعدم تصديق و قد ترقرقت عيناها بدموع الفرح...تعرف كم يود والداها قضاء هذه الفريضة...و قد حاولا مرارا و لكن نصيبهما لم يأت للأسف...وقفت لتتجه و تتوسط والديها ثم انحنت تضمهما معا و تهنئهما بسعادة كبيرة... ربت ثروت على كتفها يقول بنفس الحزن الذي نال تعجبها...
(اصبري غسق فنحن لن نستطيع الذهاب)
شهقت غسق بجزع تسأله بعدم فهم...
(لمَ أبي انه حلمكما و قد كتبه الله اخيرا؟!!!)
تمسك ثروت بكفها يقول بقلة حيلة...
(لا نستطيع تركك بمفردك ابنتي... حينما قدمت على حج القرعة هذه السنة لم اتوقع بأن تصيب...ظننت ستكون كالمرة السابقة و لكن الله اخلف ظني و قد قمت بالخطوات منذ اشهر حينما علمت بنتيجة القرعة على امل ان نطلب من عمتك استضافتك عندها حتى نسافر و نعود لكنها سافرت الى زوجها خارجا قبل ان نفاتحكما معا في الامر... حاولت كثيرا ان اتنازل عن فرصتنا لكنه لا يجوز التنازل في حج القرعة و لا اعرف ماذا افعل!!!)
زمت غسق شفتيها بعتاب تقول...
(كل هذا يحدث و لا ادري عنه يا ابي!!!... لماذا لم تشركاني معكما في كل هذا من البداية؟!...)
تدخلت امل و قد شعرت بحزن ابنتها توضح لها...
(حبيبتي لم يشيء والدك ان يرهق تفكيرك و كنت قد تخرجتِ للتو و بالك منشغل في البحث عن عمل)
هزت غسق رأسها برفض تقول...
(أيًا يكن امي كان يجب ان اعرف...)
اسرعت امل تقول بخفوت...
(لا بأس فنحن لن نذهب و سنرى ماذا سنفعل بشأن التنازل)
احتجت غسق و هي تقول بدهشة...
(لماذا تتنازلان لا افهم؟!... و ما بها لو بقيت بمفردي هنا هل سيتم اختطافي؟!)
اعترض ثروت برفض...
(لا يمكن ان نتركك بمفردك ابنتي!)
جلست على عاقبيها امام كرسيه تقول ببسمة حلوة...
(ابي حبيبي انا بت شابة كبيرة يعتمد علي... لا ارى بها شيء لو بقيت في البيت حتى تسافرا و تعودا...انها ايام معدودات ابي و انت تعرف انا من البيت للصيدلية و من الصيدلية للبيت... و لا تقلق ابنتك بألف رجل)
تغضنت ملامح وجهه بعدم استساغ للفكرة فقال...
(قلبي لن يكون مطمئن و نحن في بلد و انت في آخر)
اعتدلت تقبل وجهه بحنان و تهمس بصوت متأثر...
(بل ستحتل الطمأنينة قلبك و انت في بيت الله الحرام ابي... حلمك و حلم امي يكاد يتحقق فلا ترفضه يا حاج ثروت و تشعرني بالذنب)
فلتت منه كلمة معارضة لكنها اوقفتها بسرعة تقول...
(بالله عليك ابي لا تحاول التفكير في التنازل... انا سأكون بخير لا تخف)
ضمها ثروت اليه و قلبه يضج بمشاعره... فحلم زيارة بيت الله قد جاء ألا يلبي النداء؟!!... و ابنته التي يخشى عليها ان تبقى بمفردها ماذا سيفعل؟... تنهد و قلبه المضطر يدعو لبارئه ان يلهمه التصرف السديد...
اتجه ناحية بيت العم رجب بهيئته المختلفة عن المعتاد... حيث ارتدى حلة رسمية و رغم نزعه لسترتها و بقاؤه فقط بالقميص الابيض و السروال القماش إلا ان ذلك لم يبخس حق وسامته الواضحة دون تكلف...محتفظا بمظهره الرجولي و لكنه غلفه بأناقة تسلب الألباب... وقف عند باب البقالة ينادي بصوت مقتضب و ملامح متجهمة..
(يا خالة... يا خالة اين أنتِ؟!)
خرجت أم أيوب و قد ارتدت عباءة تبدو جديدة مطرزة بفصوص سوداء لها بريق... ابتسمت في وجهه بمحبة تقول...
(اهلا كرم... مبارك حبيبي لفاطمة و العقبى لك المرة القادمة نزف عروسك اليك ان شاء الله)
اومأ برأسه شاكرا ليسألها بنزق و ضجر...
(ألم يظهر أيوب بعد؟!!)
غامت عيناها بحزنها الشديد على ما اصاب ابنها منذ عرف عن زواج ابنة هيام... ما يقرب نصف شهر و هو هائم لا يدري اي الطرق يسلك... ترك نفسه كبقايا متناثرة تذروها الرياح اينما تشاء... تنهدت بوجع نابض من امومتها تقول...
(لقد خرج قبل ساعتين و قال سيلتقي بنا في قاعة العرس)
زفر كرم بحدة لاعنا تقوقع صديقه و بعده عن العالم حوله... يعترف ان ما اصابه يضرب القلب في مقتل... لكن لو تمعن في النظر حوله قليلا لوجد كل القلوب مقتولة بنفس السكين... و لكن لا تملك رفاهية الصراخ او الألم... اخرج هاتفه من جيب سرواله يبتعد عن البقالة و يتصل به... انتظر مدة اطول من الطبيعي حتى وصله صوت أيوب البائس و قد تيقن من انه عند الشاطئ بعدما سمع صوت الامواج...
(لماذا لست معنا في يوم كهذا؟!!!... أليست هذه فاطمة التي تعدها اختا صغيرة؟!!... ستزف اليوم دون وجودك أيوب!!!... متى ستخرج مما انت به؟!!... أعرف انه صعب لكنها ليست نهاية الدنيا... ليس لكما نصيبا معا و انتهى لماذا تغلظ عقلك و تمنع قلبك من قبول قدره؟!!!)
انصت بصمت مطبق و عيناه الحمراء معلقتان بهيجان الموج امامه... البحر هو الشيء الوحيد الذي يعي ما يمر به... اما البشر تجهل ما اشتعل في قلبه و روحه من حريق... كرم يعنفه على ما يمر به و انور يفعل المثل... ام ايوب تراقبه بأعين تشع حزن و ندم و عمه يستمع لصوته كل صلاة و هو يدعو له ان يلهمه الله الصبر و يخفف وطأة الامر عليه.. و عنه هو لا يعرف حياته وقفت مع رحيلها... احرقته و وقفت تشاهد النيران المشتعلة به حتى تحول لرماد لا قيمة له ثم اختفت... وهبها قلب و قتلت هي ذاك القلب... رفع كفه الحر الى فمه يلتقط بشفتيه السيجارة المعلقة بين اصبعيه السبابة و الوسطى.. سحب نفسا عميقا منها ليزفره كسراب متشكل فيه ذكرياته معها... يقسم انه منذ عاد للتدخين بعد انقطاع من ايام المراهقة و هو يرى وجه فلك في كل خيط دخان يخرج من صدره... ربما لأنها لا زالت تسكن القلب و ربما يفعلها ليطردها شر طرد... لكن على من يضحك و هي تتغلل اوردته و تسير كالدم في العروق... على من يضحك و اهون عنده ان يقتلع قلبه بين كفيه ليموت و صورتها المحفورة به لا تموت... طال صمته و شروده تواطئ مع موج البحر ليبتلعه... استمع لصوت كرم الحانق و الذي لمس به القلق و المواساة رغم حنقه...
(أيوب!!!... انت يا عمي اين ذهبت؟!!)
صوته المتحشرج وصل ببحة الحزن الى اذن كرم حينما نطق برتابة ميتة...
(حالما تصل لقاعة العرس ستجدني هناك)
و على اثرها اغلق الخط مع كرم دون ان يمنحه فرصة الرد... اعاد هاتفه في جيب بنطاله الجينز ثم انحنى يجلس على عاقبيه امام البحر... المنظر امامه كان مهيبا... الموج يتلاطم فوق بعضه القوي منه يخسف بالضعيف الارض كحال ابناء آدم... و السماء تطفئ انوارها رويدا رويدا ليحتل الليل البهيم لوحتها و يغلق القلوب معه... ناظر سيجارته التي اوشكت على الانتهاء بين اصابعه... النيران أكلتها كما أكلت قلبه و ها هو و هي يحترقان... دسها جواره في رمال الشاطئ المبللة لينهي ألمها داعيا ان ينتهي ألمه... عاود النظر للبحر مجددا ليهمس بشفاه جفت حروفها منذ نبذته فلك من فلكها... فبات شريدا في فضاء مخيف لا يظن بأنه سيجد نجمة واحدة تلمع لترشده للطريق فيه...
(لماذا ذبحتني بيدك فلك... لماذا؟!!)
بعدما اغلق في وجهه الخط دس هاتفه في جيب سرواله و توجه الى السيارة بينما تنفلت منه سبات خافتة لاعنة لحال صديقه... فتح السيارة ليجلس على مقعد القيادة ينتظر قمر و زوجتا أخويه حتى يأخذهن الى صالون التجميل حيث فاطمة... و حينما اجتمعن معه ادار المحرك ليخرج بالسيارة من الحي... توقفت عيناه عليها حينما لمحها تتجه الى بيتها بعد انتهاء دوامها... تناظره بنظرة خاطفة لمح بها عدم التصديق... لكنه اكمل قيادته بعدما غض طرفه عنها و كأنها لم تكن... اتجهت لمدخل بيتها و عيناها لا تزالان معلقتان بسيارته التي تبتعد شيئا فشيء... همهمت و هي تدخل البيت بكلمات مندهشة و ملامح غير مصدقة...
(انه يرتدي حلة رسمية!!!)
توقفت سيارته امام صالون التجميل ليترجلن منها النساء الثلاث بالزغاريد و الاغاني المشهورة في هذه المناسبة... توقفت قمر بعدما دلفتا هبه و سهر للداخل تهمس له بأمر...
(لا تقف هكذا هيا خذ سيارتك و تعال بعدما اتصل بك)
ضيق عينيه يسألها بعدم فهم...
(و هل تنوين المكوث هنا اطول؟!!... العرس سيبدأ بعد اقل من ساعة!!)
دفعته قمر لداخل السيارة حتى جلس فوق كرسيه مجددا لتميل هي تهمس له بقلق...
(لن نتأخر لا تخف و لكنني لا احبذ وقوفك هنا ستصيبك عين حاسد)
فلتت منه ضحكة خافتة صغيرة ليقول بتعجب...
(عين حاسد!!!... و من سيحسدني و على ماذا؟!!)
احتقنت عين قمر و هي تناظر مجموعة من النساء يبدو ينتظرن عروسهن لتقول بخوف... و يدها قد سكنت فوق رأسه و كأنها ترقيه!!...
(النساء عينها ستخرج من محاجرها عليك... قل اعوذ برب الفلق من شر ما خلق و من شر غاسق إذا وقب و من شر النفاثات في العقد و من شر حاسد إذا حسد... اللهم احفظه من شر النفوس و ما تخفيه و من شر العيون و ما تصيب به)
اتسعت عينا كرم بعدم تصديق... هو بالتأكيد ليس بهذه الوسامة الساحرة التي تغيب عقول النساء... اخته تبالغ بلا شك... برفق تمسك بكفها فوق رأسه يبعده قائلا...
(توقفي قمر... بالله عليك لم نكمل دقيقتين هنا و التقطي فيهما نظرة الحسد... لا و بدأت في الرقية ايضا!!!)
تغضنت ملامح قمر بالغضب من استهتار اخيها الصغير بما تقول فهمست له بتأكيد...
(أنت لا تعرف نظرات النساء فلا تستهتر بها كرم... و هيا تفضل من هنا حتى اتصل انا بك)
تكلم كرم بجدية يستغرب تصميم أخته على طلبها...
(قمر تمزحين أليس كذلك؟!!... الى أين اذهب الآن و اعود بعد دقائق!!)
اعتدلت قمر في وقفتها لتغلق باب السيارة و تضرب فوقه بأمر صارم جعلها كوالدتهم تماما...
(لف قليلا في الشوارع القريبة من هنا و ستجد الوقت مضى دون شعور)
تنهد كرم بتعب يشغل المحرك قائلا بنزق...
(لا حول و لا قوة إلا بالله... له حق زوجكِ يتهرب من توصيلكن و يلبسها لي انا)
عوجت شفتيها بلا مبالاة لتقول بعدها بتصريح و كأنه دليل سيدعم موقفها و رجاحة قرارها...
(لا تستهين بما أقول ألم ترَ نفسك في المرآة قبل أن تنزل اليوم... حتى هذه الدكتورة تجمدت نظراتها عليك حينما لمحتك في السيارة)
تقبضت كفاه فوق عجلة القيادة و قد غامت عيناه بغموضها... لم يكن يظن ان هناك من لمح نظرتها الخاطفة... هذا رد فعل طبيعي فهي دوما لا تراه سوى بملابس عادية وصفتها ذات مرة بالمقرفة... لن يُصعد الامر لما هو اعلى فبالتأكيد عيناها اعتادتا على من تليق بهم الحلات الرسمية... كصاحب السلسال و المعجب العاشق لها... همس بجمود بينما يحرك عجلة القيادة...
(سأذهب للقاعة لأرى ان كانوا يحتاجونني و حينما تتجهزون هاتفيني)
و على صوت الدفوف و المزامير من فرقة القاعة التي تحي العرس دلفت فاطمة بفستانها الأبيض و حجابها الذي منحها هالة من البراءة و النقاء... تتأبط ذراع والدها سليمان الذي تأثرت عيناه فغامتا بدموع طفيفة... جانبها وقف صالح بحلته الرسمية التي زادت من بشاشة وجهه... و على جانب سليمان وقف خالد بلمعة عين فخورة و سعيدة لأخته الصغيرة التي حملها يوما فوق كتفه... بينما خلفهم وقف كرم و قد تأبطت صفية ذراعه بأعين دامعة تتمتم بآيات قرآنية تحصن بها عائلتها الصغيرة... حولهم توزعت هبه و قمر و سهر مع اطفالهن... الفرحة تتقاسمها القلوب و حتى ان كان يحمل بعضها غصته الخاصة... و تدمع العيون مستغلة ستر الموقف لتبوح عما يجثو على النفس من ألم... دلفت العروس القاعة ليستقبلها حسام و عائلته بنظرة عين تفضح عشقا اصابها بالخجل و زاد راحة قلب والدها عليها... تقدم حسام منهم ليتسلم عروسه من يد حاوطتها منذ صغرها الى قلب سيحاوطها عمره الباقي... قبّل جبينها قبلة حارة عميقة جعلتها تسبل اهدابها بحرج مميت... مال يهمس قرب اذنها بنبرة متهدجة و لهجة اكثر دفئا و حميمية...
(مبارك فاطمة... مبارك يا عمر حسام القادم و حياته)
جلس الجميع على الطاولات المحددة لكل عائلة... الشباب يتراقصون و يهللون... الرجال يتحدثون مع بعضهم البعض و النساء منهن من تصفق و تزغرد و منهن من تلقفت أذن الاخرى تنم على غيرها... بينما في ركن هادئ نوعا ما من القاعة وقف ايوب يدخن سيجارته و قد لفت نظر انور الذي اسرع ليصل له و في نيته تقريع موجع كي يخرج من حالة البلادة هذه... لكن كرم قطع طريقه يضع يده فوق صدره هامسا بصوت جاد...
(اتركه لي انور)
جز انور فوق ضروسه يقول بصوت مكتوم ليكبح قلقه و حزنه و غضبه في آن واحد على صديقه...
(دعني كرم بالله عليك ألكمه في فكه حتى يفيق لنفسه... هو ليس اول و لا اخر واحد لن يجتمع مع الانسانة التي احبها!)
نفرت عروق جبهة كرم دليل انه بلغ من التحمل ما يكفي... ما يمر به في حياته تراكم في فترة واحدة فوق ظهره ليقصمه... و آه من انحناء ظهور الرجال آه... ربت على صدر صاحبه يقول بهدوء محنك...
(دعه ينفس عن غضبه بالطريقة التي يريد و بعدها سيعود لنا كما نريد... هو فقط يحتاج ليصدق الامر و ان فلك باتت على ذمة رجل آخر)
زفر انور زفرة غاضبة ليتركه كما يقترح كرم و يتجه ناحية الرجال يتناسى حال صاحبه... عاد كرد ببصره لأيوب الغائب الحاضر عن الواقع... و كان محق في تشبيهه فها هو يلتهم سيجارته و كأنه يخرج مكنون صدره الضائق بها... ينتقم منها و يعنفها عما يمر به... عيناه معلقتان على باب القاعة ينتظر ظهورها... ينتظر بسمتها التي تلامس جراحه فتشفيها... اسمه الذي يخرج حلو من شفتيها... عيناها و يا ويله منهما.. هل حرمته من كل هذا بلا سبب؟!... هل ذبحته بلا سبب؟!... تغضنت ملامحه و تناثر الشرر ليلوح كذرات تراب ينقلها الهواء بين جفنيه و هو يهمس بصوت مبحوح مقهور... يهمس ليعيد لنفسه مُر ما يعيش... و يخبرها بخيانة فلكه الساحر...
(هناك سبب يا غافل... هي اختارت المال وافقت لتبيع نفسها لرجل في سن والدها... مجرد خائنة)
ظهر كرم امامه ليلمح الدمع في عينيه... ناظره ايوب بتيهٍ و تحدث بحرقة قلبه المكلوم...
(هي خائنة... خانتني و باعت حبي لها كما باعت نفسها)
كور كرم كفه ليهمس بصوت متأثر لحالة صديقه...
(انسها ايوب... انسها لقد اصبحت امرأة رجل آخر و لا يجوز التفكير فيها)
كبح ايوب دمعته بصعوبة يقول بصوت متحشرج..
(حرقت قلبي بيدها... و بعد مجرد أيام ستزف لرجل غيري... سعيدة و هانئة و أنا خلفها اموت)
رفع كرم كفه يضغط على كتف صاحبه قائلا بجدية صارمة...
(افق ايوب و لا تدهور حالك اكثر... ما كل ما نتمناه ندركه يا صاحبي)
انقشع غموض عين كرم و اختنقت نبرته بغصته المريرة ليكمل...
(فكثيرة هي الاحلام التي تغرق في دوامة البحر)
القى ايوب سيجارته يدهسها بقدمه و يمسح فوق وجهه ليفيق... نظر لكرم ليبتسم بسمة منكسرة قائلا...
(ما عدت املك احلاما و لا اريد ان املك... فالأحلام ان لم تتحقق تتحول لكوابيس تقتل صاحبها)
اتجه ايوب بوجه مرح ينافي خراب روحه الى تجمع الشباب ليندس وسطهم و يرقص... كالطير ذبيح يرفرف بجناحين يطلبان العون و ما من معين...
و على طاولة جانبية جلست هدير مع والدتها و بعض الجارات... تقهقرت براءتها لتحتل ملامحها صورة من الذل... مر ما يقارب الشهر و اكثر على زواجها السري من داغر... باتت تختلق الاكاذيب و تضع الحجج و الاعذار لوالدتها... جعلها ذابلة رغم تفتح براعم انوثتها الكاملة معه... لكن ماذا تفيد انوثة طمرت لأجلها نقاء روحها... يعدها مرات و مرات بأن وقت طلبها من سليمان للزواج اصبح قريبا... لكن قريبه بعيد... بعيد جدا!!!... مسحت دمعة كادت تسقط و تكشفها من زاوية عينيها... ها هي فاطمة ترتدي فستانها الابيض و تناظر زوجها بحب يشع من عينيها... لا تخشى احدا و لا تحتاج التخفي من احد لتضم زوجها و تنعم بأحضانه كما يفعل حسام... ماذا فعلت بنفسها و كيف وافقت على مذلة كالتي تعيشها تحت مسمى الزواج؟!!!...إن صح و كان زواجها به زواجا... لم تتحمل اكثر فوقفت لتبتعد عن الطاولة متحججة بحاجتها للذهاب الى الحمام... تحمل ما تمر به من مشاعر و تختبئ عن أعين الناس...
راقبتها سهر في حركتها حتى خرجت من باب القاعة... مالت على هبه المجاورة لها تهمس بنبرة تعالي...
(لقد سمعت من خالد ان ابي الحاج يريد هدير زوجة لكرم... لا اصدق ان تنضم لنا هذه الفتاة في البيت فأنا لا اطيقها... دوما تمثل كونها طيبة و بريئة و هي خبيثة مثل السوس تنخر دون ان نشعر بها... لربما جعلت امي الحاجة تنقلب علينا و تكرهنا)
ناظرتها هبه بنظرة متعجبة لتهمس بصوت خافت...
(هذا ليس وقته يا سهر... ثم هل رأيتِ كرم وافق عليها و اصبحت زوجته لنخشى منها في البيت!!!)
تأففت سهر بانزعاج لتبتعد عن هبه بجسدها تقول بهمس خافت...
(لملمي اجنحتك عني يا ملاك الخير انا مخطئة انني تحدثت معها... ينقصني انا واحدة جديدة تأتي لتشاركني البيت الذي اعيش فيه... و الادهى انها ستكون زوجة كرم حبيب والدته و القريب من قلبها)
و بين مشاعر عديدة متباينة انتهى العرس... لتتجه فاطمة بفستانها الابيض الى بيت زوجها لتؤسس حياة جديدة بقيم و اخلاق زرعاها والداها بها منذ الصغر...
وصلت سيارات المراكبي للحي في منتصف الليل... بعدما اوصلوا ابنتهم الى بيت زوجها و اطمئنوا عليها عادوا الى بيتهم... سليمان لسانه لا ينفك عن ترديد الحمد لله و الدعاء لابنته بحياة هادئة مستقرة... اما صفية فغلبتها دموعها و هي تتخيل ان ابنتها ليست معهم من الآن... ترجلوا من السيارات ليدلفوا البيت بعد يوم طويل و مرهق رغم حلاوته... استأذن كرم والده ليبقى مع أيوب قليلا... وافقه سليمان و قد احزنه حالة ايوب و شعر بالذنب لما يمر به... فلقد كان وكيلا لفلك قبل ايام حينما عقد عليها طارق و انتظروا ليقيما العرس بعد عرس فاطمة احتراما له و لأنه محدد منذ فترة طويلة... لكن ماذا يفعل و البنت وافقت على طارق بكل رغبتها... اتجه كرم لطريق الشاطئ بعدما اخبره ايوب قبل الرحيل من القاعة انه سيكون هناك... و لكنه توقف ينظر حيث نافذتها المظلمة... في سكون الليل و خلو الشارع من ساكنيه كان صوت انفاسه مسموعا... همس بخفوت و قد تخلى عن غموض عينه ليحل عليهما الارهاق...
(لقياكِ كان مقدرا و ما بعده كان نصيبا... فلا لوم على رجل يؤمن بالقدر و المكتوب... و الله لو قلبي حكمه بيدي لأوقفته منذ زمن و لكن لله وحده تصير القلوب)
حمل اوراقه المهمة من غرفة نومه ليأخذها حيث مكتبه خوفا عليها من الضياع... فمن الغد سيأتي مهندس الديكور ليجهز الغرفة استقبالا للعروس... ابتسم طارق برزانة و رقي غير مصدق أن فلك ستدخل بيته كعروس بعد أقل من شهر... لولا تقديره لسليمان لكان تزوج قبل عرس ابنته الصغيرة لكن عزاءه كان عقد القران على فلك حتى يحين وقت الزفاف... ربما هو قلقا بأن يحدث شيء و يمنع زواجه منها خصيصا ان ميرنا اقامت الدنيا و اشعلتها منذ عقد على فلك... لقد حاولت مرارا ان تثنيه عن قراره... تارة تخبره بأنها ستشعر باليتم من جديد... تارة تهدده بأن تترك البيت و تتزوج قبل ميعاد فرحها و لن يرى وجهها ثانيةً... و تارة تشوه صورة فلك في عينيه و تذكره بأنها مجرد خادمة سارقة مكانها السجن لا القصور... يحاول بكل طاقته ان يحتوي غضبها... يعذرها مرات و لكن يغلبه حنقه منها مرات اخر... تدللت حتى باتت تظن الانانية حقا و ليست ذنبا... التفت فجأة الى باب الغرفة الذي فُتح لتدلف منه ميرنا دون استئذان... و رفقا بها لم يعلق على تصرفاتها التي تزداد سوءا مؤخرا بل ابتسم في وجهها ليتجه ناحية السرير يضع اوراقه عليه و يعتدل يستقبلها ببسمة حنونة...
(مرحبا ميرنا... سعيد انك تركتي غرفتك بعد اعتكاف دام طويلا)
حالتها كانت منفلتة و كل تصرفاتها نابعة من قلب يشعر بالخوف و التخلي... والدها اختار مصلحته و سعى خلف رغباته تاركا اياها خلفه دون سؤال... يخبرها انه مكث عمرا طويلا جوراها حتى كبرت و قريبا ستبني حياة جديدة مع باهر... حان وقته هو ليقضي بقية عمره مع فتاة شعر معها بالراحة... هراء!!!... يظنها ستصدق كل هذا الهراء... لقد اعجبته هذه الفتاة الملعونة و استهوتها نفسه كما اوضحت لها لبنى على مدار الايام الماضية... اخبرتها ان والدها يعاني كبتا عاطفيا حبسه مجبرا لسنوات طويلة لكنه بمجرد ظهور فلك في حياته اغوته و لعبت عليه لتتزوجه و تنال نصيبا من امواله... اتجهت نحوه بأعين تشع جنونا و شعر مشعث تقول بحدة باتت من صفاتها معه...
(هل أنت مرتاحا الآن ابي؟!... ستنال الفتاة التي ترغب و...)
قاطعها صوته الآمر و قد طفح الكيل منها... هذه ليست ابنته المطيعة المؤدبة... يشعر و كأن احدهم يبخ سمه في عقلها و يجعلها تتحدث بلسانه هو لا لسانها هي...
(إن كنت هنا لتقللي أدب معي فمن الافضل ان تعودي لغرفتك تعتكفي بها لان رد فعلي لن يعجبك)
غامت عيناها بالدموع من معاملته معها... لم يكن ابدا جافا هكذا او قاسيا هكذا... هذه الفتاة قلبت حياتها و هي لن تتركها تهنئ مطلقا...مسحت دموعها بحدة لتتقدم منه خطوات تهمس بصوت مختنق ملتف بالغضب...
(انا غير راضية عن هذا الزواج ابي... اخبرتك مرارا برأيّ و انت تجاهلته)
بكت بعد فشلها في السيطرة على نفسها...رفعت اصابعها المرتعشة تؤشر للخلف حيث باب الغرفة و تهمس...
(بل ذهبت و عقدت قرانك عليها... وضعتها في نفس مكانة امي... نسيتها ابي و نسيت ذكرياتك معها كما تنوي نسياني تماما)
تنهد طارق بتعب من افعال ابنته...كان يتوقع ثورة منها لكنه ابدا لم يتوقع ان يتخذ الامر منحنى خطير كما يرى اثره على ابنته... ميرنا تتعامل معه كإرث لا يحق لغيرها ان ترثه... اصابه حزنها في عمق قلبه فتقدم يلتقط ذراعيها بين كفيه و يهمس بصوت متفهم حنون...
(ميرنا حبيبتي كم مرة اخبرتك ان مكانتك لن يمسها مخلوق في قلبي... كما ان مكانة والدتك رحمها الله لن تتغير بالمرة... هل يستحق والدك منك كل هذا الرفض و العناد ميرنا؟!... ألا يحق لي الراحة مع من شعرت معها بها؟!... لا تنظري لفلك على انها تلك الخادمة او الفتاة البسيطة... اخرجيها من قالب الكره الغير مبرر هذا و ستتقبلينها)
نفضت ذراعيها من بين كفيه تهتف برفض...
(لا تحاول معي لأنني ابدا لن اتقبل هذه الفتاة... انت اخترتها ابي و فضلتها علي لذا حان وقت ان تخسرني)
زفر طارق بصوت عالٍ و قد سئم من كل هذا... لا يراها معضلة غير قابلة للحل... هو سيتزوج هل ارتكب جرما عظيما ليعاقب برفض ابنته هذا؟!.. سألها بعدم فهم مختلط بانزعاجه...
(ما معنى هذا؟!)
تقبضت تعتصر كفيها و تقول بعناد شاعرة معه بالراحة... راحة نابعة من جعل والدها يعرف فداحة ما يفعل... عليه ان يشعر بالذنب بالخسارة بالمرار لأنه فضل مجرد فتاة وضيعة على ابنته الوحيدة... همست ببسمة صغيرة متشفية...
(يعني انه من رابع المستحيلات ان اجتمع مع هذه البنت في بيت واحد... لقد اتفقت مع باهر ان اليوم الذي تعود فيه من شهر العسل معها سيكون يوم عرسي)
رفعت ذقنها عاليا تكمل بنفس التشفي و كأنها تعاقبه...
(ستحضر عرسي كغريب يا ابي... فكما اخترت انت حياتك سأختار انا حياتي)
نضحت عيناه بالألم ليهمس بصوت غير مصدق...
(تنوين حرماني من اليوم الذي حلمت به منذ حملتك بين كفي و انت رضيعة ميرنا... تعاقبين والدك لأنه سيتزوج كأبسط حق له!!!)
سالت دموعها و اختزلت كل تشفيها في حسرة عما يمران به معا...همست بصوت مهتز مختنق
(اتركها أبي و لا تكمل هذا الزواج... وقتها ستعود حياتنا لما كانت عليه)
ضيق عينيه و قد ثقلت انفاسه بإرهاق... ابنته لم تكن لتفكر بهذه الطريقة.. ماذا حدث لها لتزداد غرابة عن تلك الحلوة المرحة التي أفنى عمره عليها...همس بصوت اصابه الوهن...
(هل تساومين والدك ميرنا؟!!)
زاد غضبها فهتفت بصراخ بينما تهرول لباب الغرفة تبكي...
(كنت متأكدة انك سترفض... انت تبرهن لي كل مرة انها تساوي اكثر بكثير مني عندك)
تابع اختفائها من غرفته بأعين حزينة و قلب منفطر... ماذا يفعل لتعود له ابنته كما كانت... هو لن يتنازل عن حقه في استكمال ما تبقى من عمره مع فلك... و لا يريد خسارة ابنته الوحيدة... تنهد بصوت مثقل ليتجه يجلس على سريره و يهمس بخفوت...
(لا حول ولا قوة إلا بالله... لعل الأيام القادمة تصلح ما فسد)
اسرعت تدلف غرفتها و تصفق الباب خلفها بقوة... بحثت بهستيرية عن هاتفها بين ادوات طاولة الزينة حتى وجدته... طلبت رقم لبنى و انتظرت حتى وصلها صوت حماتها... شهقت ببكاء تهتف بأنفاس متلاحقة...
(فشلت ككل مرة لأثنيه عن قراره... انت محقة هو لن يتراجع عن الزواج من هذه الحشرة... انا فقدت ابي للأبد...)
وصلها صوت لبنى المغتاظ تسألها...
(هل هددته بميعاد زفافك؟!)
صرخت ميرنا ببكاء منهار...
(فعلت كما قلتي كل شيء... لكنه للأسف متمسك بها)
صمتت لبنى قليلا تتمالك اعصابها فالخسارة كبيرة... و ليست اي خسارة فقد أتت بعد اهانة غير متوقعة... همست بصوت خافت و لكنه يحمل في طياته الوعيد..
(لا بأس ميرنا فهي اصبحت زوجته من الاساس... دعيهما يتزوجان و بعدها نتصرف نحن على مهل معها... كما اغوت والدك لأجل المال سنبعدها عنه بالمال ايضا و لكن بعد ان نفضح امرها لطارق)
انهارت ميرنا لترتمي فوق سريرها و تلقي هاتفها غير عابئة بثرثرة لبنى... ضربت السرير بكفها المتكور مرات متعددة تصرخ بألم...
(لقد فقدت ابي و حنانه للأبد... هو سيهملني و يدللها هي بل سينساني تماما... انا اشعر باليتم و الخوف كوقت فقدت امي)
و على الجانب الآخر اغلقت لبنى هاتفها لتحتقن عيناها بالغيظ و الغضب... ضربت الهاتف في راحة يدها مرات متعددة بعصبية لتهمس بعدها بنبرة تخيف...
(امتلأت جرتك فلك حتى نضحت بما حوت... تظنين نفسك ذكية و ستملئينها بالمزيد لكنك لا تعرفين انني سأكسرها يوما فوق رأس احلامك)
سحبته من يده لتتجه تجلس معه فوق الأريكة المتواجدة في صالة الطابق الأرضي من البيت... بعدما جلسا ربتت بحب فوق كفه لتقول بنبرة حزن واضحة رغم ابتسامتها المتسعة...
(تعبني حالك هذا أيوب متى ستتخلص منه بني؟!)
ابتسم بسمة لا روح بها ليميل يقبل رأسها قائلا بمزاح فاتر...
(سلامة قلبك من التعب يا أم أيوب... ثم ما بي فأنا مثل الفل امامك)
مسحت فوق وجهه تناظره بأعين متأثرة هامسة بصوت حزين...
(الفل لا يبقى فُلا اذا فقد رائحته بني)
ابعد عينيه عنها ليخبئ حزنه و لا يزيدها عليها... حركت ذقنه ناحيتها لتعود تنظر في عينيه و تسترسل...
(حالك يصيبني بالذنب كلما نظرت لك بني... اعرف انني سبب كبير فيما حصل لكني و الله ل...)
قاطعها بصوته الراجي...
(لن نعود لنفس الموال ثانيةً يا أم أيوب... ما حصل هو النصيب الحمد لله على كل حال)
ابتسمت مجددا كمحاولة للتخفيف عنه تقول...
(لله الحمد و الشكر و صدقني سيعوضك الله خيرا)
تنهد بثقل متخفي في بسمته الباهتة ليقول بمزاح ميت...
( و هل تظنين ان في قلبي مكان امنحه للغير؟!... لقد تبت لله فبعد هذا الألم الذي اشعر به سأكون غبيا ان عدت الكرة)
اعتصر الألم قلبها عليه فهتفت بلهفة متضامنة...
(لا تقل هذا بالله عليك أيوب... هل ستترهبن و تزهد الزواج و الحياة؟!!... ليست كل الفتيات مثلها بل هناك بنات أصل تحفظن قلوب رجالهن)
ابتسم بسخرية ملتزما بالصمت فأكملت هي ما نوت اخباره به منذ فترة... لقد مر حوالي شهر على لقائه الأخير بابنة هيام سامحها الله... حياته انقلبت و حاله تبدل... بات جسدا بلا روح و هي تتجهز لعرسها دون ان تسأل عنه... ظنت ان عرس فاطمة سيغير حاله فلقد كان متحمسا له قبل ما حدث مع فلك لكنه كما هو و هذا يقتلها ببطء...
(اسمعني أيوب يقولون الأم هي من تربي و ليست من تلد و أنا أمك التي ربتك و كبرتك فهل تثق بي؟!)
انتبه لحديثها فتحركت كفه تلتقط كفها الذي انزلته من فوق وجهه قبل لحظات...قبض عليه ليتكلم بعدها بجدية لا تقبل النقاش...
(بالتأكيد أمي أثق بك)
طاف الحنان حول عينيها لتقول بصوت يحتوي الامل...
(إذًا اسمع كلامي بني و دعني اختر لك الفتاة التي تناسبك و تسعد قلبك)
سحب نفسا عميقا ليغصب بسمته على الظهور و يهمس بصوت شعرت فيه أمه بطعم المر في جوفه...
(ان حاولت هي اسعاد قلبي سأتعس قلبها انا... اخبرتك يا ام ايوب لا مكان في قلبي للغير)
تذمرت وجيدة لتهتف برفض...
(لا تفكر هكذا ايوب... صدقني لا تمحو امرأة من قلب رجل سوى امرأة غيرها... انت تتبعت قلبك و انظر ماذا فعل بنا دعني اتتبع العقل هذه المرة و صدقني لن نخسر)
ترك يدها ليقف و يتكلم بجدية...
(الامر ليس مكسب و خسارة... هذه حياة فتاة لا ذنب لها ستتدمر)
شهقت وجيدة لتقف بدورها تضرب فوق صدرها بخوف تقول...
(يا ستار يا رب... دمار ماذا الذي تحكي عنه ايوب؟!!... هل الزواج و الاستقرار دمار بني؟!)
التفت يقول بنفس نبرة الجدية...
(يبدو انك جادة في الامر أم ايوب... اخرجي الفكرة من رأسك انا لست و لن اكون جاهزا للزواج)
جذبته من ذراعه تقول بقلق و رجاء...
(حديثك هذا يوجع قلبي بني... أتريد ان تحرمني من رؤية ابنائك امام عيني؟!!!... و لا تقل سأظلمها او ادمر حياتها فالكثير حولنا تزوج من غير حب و حياتهم بُنيت على العشرة الطيبة و الرحمة... من يدري علها تشفي قلبك من سقم ابنة هيام الذي خربه)
سالت دموعها مع كلماتها الاخيرة فأشفق عليها... اتجه يقترب منها و يضم جسدها اليه هامسا بحنان...
(و لمَ البكاء يا أم ايوب؟!!...)
همست ببكاء اختنق في صدره...
(اريد ان افرح بك... اريد ألا تفني شبابك على ذكرى ابنة هيام التي باعت)
طحن ضروسه بقوة يخفي ألمه فهمس بصوت خافت لونه بمزح رتيب...
(حينما تجدين تعيسة الحظ التي توافق علي سأفكر في الامر)
خرجت من بين احضانه تمسح دموعها و تقول ببسمة مشرقة...
(موجودة بني فقط انتظر موافقتك حتى افاتح اهلها في الامر)
اتسعت عيناه بدهشة فضحك بخفوت يقول...
(كل شيء تجهز ما شاء الله... هل وقعت في شباكك يا أم ايوب؟!)
ضحكت بخجل تقول...
(ما يقع غير الشاطر يا ولد... هي من معارفنا في بلدتنا الجنوبية سأذهب مع عمك قبل العيد نطلب يدها ما رأيك؟!)
شعر بالارتباك و قد وضعته امه امام الامر الواقع... فقط كان يهادنها ليزيل حزنها لم يكن يظن ان الامر جدي و هناك فتاة بالفعل في بالها... ابتلع ريقه يقول بتريث...
(تتعجلين يا أم ايوب و انا لست في حالة جيدة لأدخل في ارتباط مع فتاة لا اعرفها من قبل)
هزت رأسها سريعا برفض تقول...
(لا اتعجل بني و حالتك هذه ستتبدل حين تتزوج و تنسى ما انت به... و الفتاة ليست غريبة بالمرة بل هي ابنة عمك شوقي جارنا القديم و كنتما تلعبان معا قبل ان نسافر لنستقر هنا)
عقد حاجبيه يقول بتعجب...
(و هل تنتظرين مني تذكر فتاة كنت العب معها و انا في سن العاشرة؟!!!... تريثي قليلا امي هذه الامور لا تأتي بالتعجل هكذا!!)
ربتت فوق كتفه تقول بيقين...
(لا تخف اخبرتني انك تثق في يا ولد... ثم اننا سنذهب في زيارة و ان اراد الله لكما نصيبا و اعجبتني الفتاة سأفاتح اهلها في امر الزواج)
انحنت رقبته يناظرها بتأنيب يقول...
(انت لا تعرفين الفتاة حتى!!!)
ضحكت مجددا بقلب يشعر بالأمل...
(بل اعرفها حينما كانت طفلة.. لا تقلق فتربية عمك شوقي لا غبار عليها لكنني سأراها اولا لربما كانت غير جميلة!)
هز ايوب رأسه بيأس ليتحرك خارجا يهمس...
(افعلي ما يحلو لك يا ام ايوب)
و حينما خرج للشارع طغى الحزن و احتلت الكسرة ملامحه ليكمل بقلب متفتت...
(ما عادت لحياة ايوب قيمة و ما عاد للقلب نفع)
بعد عدة ايام...
ترجل رجب من السيارة التي اجرها في رحلة زيارته لبلدته الجنوبية و التي طال رحيله عنها... اغلق باب السيارة و وقف يشم طيب روائح ارض بلدته... عمر بأكمله مضى و هو بعيد... عمر زرع في روحه الاشتياق و الحنين... فبعد وفاة اخيه و زوجته في حادث غرق و قد تولى هو و زوجته رعاية ايوب الذي بلغ حينها تسع سنوات... بقيا هنا حتى اتم عامه العاشر و لكن اهل والدته طلبوا ان يحتضنوه اليهم... و خوفا من فقدان ابن اخيه الوحيد و بعد تعلق وجيدة به خاصة ان والدة ايوب كانت من مدينة ساحلية و اخاه من الجنوب وافق على السفر و الاستقرار هناك... فقط كي يبقى مع ابن اخيه و يرعاه و ان يكون ايوب قريبا من جدته لأمه و التي تُوفيت بعد سنوات قلائل من استقرارهم هناك... و بعدها انقطعت صلة رحم اخواله به لكن رجب قد كان اعتاد على المدينة الساحلية و العمل بها غير ان جيرة ايوب لكرم و صداقتهما كانت سبب كبير في البقاء...صوت وجيدة جواره اخرجه من بلورة الماضي فالتفت يبتسم لها و يهمس بصوت انغمس في الحنين...
(اشتقت لأرضي و أرض اجدادي يا وجيدة)
ربتت فوق ذراعه تهيم بعينيها مثله في البيوت المتراصة و المتجاورة...في الاراضي الزراعية و النخيل الباسق... تنهدت بشوق لتهمس مثله
(و من سمعك يا رجب... القلب يحن لكل شبر في ارض بلدتنا... و الله اشعر كأني عدت صبية تلهو في حقل أبي رحمه الله بجدائل متطايرة)
ضحك رجب بخفوت ليضم كفها فوق ذراعه بكفه الحر و يهمس بكلمات غنوة اعتاد سماعها في شبابه حينما وقع في حب ذات الضفائر المرفرفة...
ضحكت بخجل تدس وجهها في ذراعه و تهمس بتوبيخ...
(ما بك هل تتغزل فيّ ام ان جو البلدة اعاد لك الذكريات؟!... اسمعني نحن هنا لأجل ايوب فلا تحاول تغيير تفكيري بحنينك هذا!)
تنهد رجب بحزن على ما اصاب ابن اخيه فهمس..
(هل تعتقدين ان ما نفعله في صالحه؟!)
اومأت بتأكيد تقول...
(بعون الله سيكون في صالحه فلن ينسى قلبه إلا لو وقع في حب غيرها... و ايضا لن نتعجل فأنا لا اعرف كيف تبدو ابنة شوقي بعد كل هذه السنوات لربما كانت متوسطة الجمال او غير جميلة!)
ضحك رجب ليهز رأسه من بساطة تفكير زوجته فسألها بتعجب...
(هل كل ما يهمك في الفتاة هو جمالها؟!)
هزت رأسها بتأكيد توضح وجهة نظرها...
(نعم فتربية شوقي و بهيرة ليس عليها غبار ان شاء الله... ابني يحتاج لزوجة جميلة تنسيه ما حصل فلا تنسى انه كان مدلها في حب ابنة هيام و جمالها)
همهم رجب بأمل في حديث زوجته بينما يتحرك بها الى بيت صديقه و جاره القديم شوقي...
(ندعو الله بالصالح له و للفتاة...)
و من الأعلى في طابق بيت شوقي الثاني كانت هناك عينان بنيتان تلتمعان في ضوء شمس النهار بوهج ساحر... متسعتان بكحل طبيعي يحددهما و يعطيهما مظهر خاطف يناسب هذان الحاجبان الطويلان المظللان بلونهما البني القاتم... تتابعان تقدم رجب و زوجته من باب البيت فتضيقان في تساؤل و ترمشان لمرات في دعوة من الذاكرة ان تسعفها و تعرض صورا من الماضي متيقنة من تواجد هذا الرجل و هذه المرأة بهما... اسدلت ستار غرفتها ذات اللون الوردي القاتم لتعود للخلف بشعرها البني الطويل فوق ظهرها... تحركت في منامتها القطنية ذات الألف لون... عديد من الدوائر الملونة تزينها و تعطيها مظهرا منعشا رغم صعوبة دمج كل هذه الالوان معا... تقدمت من السرير ذو الشرشف الاخضر لتجلس عليه برشاقة تناسب قدها النحيل بنعومة انثوية محببة لدى الرجال كما تقول اختها الصغيرة دوما... ضيقت عينيها الواسعة بتفكير في هوية الزوار بالأسفل و حينما اسعفها عقلها و ارسل معلوماته عنهما دلفت مسرة أختها الصغيرة عليها الغرفة بجلبة مرحة تهتف...
(مودة لن تصدقي من جاء لزيارتنا اليوم!)
وقفت مودة بأعين تبرق بلهفة و حنين و كل ما يحدث يرجح ما ابلغها به عقلها... تقدمت من اختها تتمسك بها و تسألها بصوت متحمس...
(الزائران هما عمي رجب و زوجته أليس كذلك؟!)
افلتت مسرة نفسها من بين يدي اختها الكبيرة لتهتف بتذمر طفولي...
(كيف عرفتي بحق الله؟!!... ظننت نفسي احمل لك خبرا طازجا سيبهج قلبك!!)
اتسعت عينا مودة بفرحة كبيرة ناسبت صافرات الاحتفال التي اطلقها قلبها المشتاق... ارتسمت بسمتها الحلوة فوق ثغرها فقضمت شفتها السفلى تتحكم في انفعالها السعيد... تقدمت من مسرة تسألها بلهفة فشلت في اخفائها...
(هل هما بمفردهما؟!)
تلونت عينا مسرة بالخبث لتتحرك حول اختها و تتكلم ببطء مشاغب...
(و من تنتظرين ليأتي معهما؟!)
تضرجت وجنتي مودة بالخجل لتهمس بصوت خافت...
(تعرفين فلا تلعبين معي العابك السخيفة هذه الآن!)
ضحكت مسرة لتتوقف عن الطوفان حول اختها و تقول...
(لم يأتي معهما...)
ارتعشت شفتا مودة كحال جسدها كله من ذكره فقط... و حينما التقطت نظرات مسرة لها المشاغبة قرصت انفها لتتوجه ناحية الخزانة تقول بخبث مشابه...
(من هو؟!!)
لحقت بها مسرة تحاوط ظهرها من الخلف و تستند برأسها عليه قائلة...
(من تنتظرينه أختي)
اتسعت بسمة مودة لتدفن وجهها بين طيات ملابسها المعلقة في الخزانة... كادت مسرة ان تقول شيئا لكن صوت والدتها المنادي لها جعلها تسرع اليها... اخرجت مودة وجهها الخجول من بين طيات ملابسها لتهمس بأعين متلألئة...
(ترى ما سبب زيارتهما؟!)
بعد قليل من الوقت...
دلفت امها غرفتها تطلب منها النزول للترحيب بالجيران القدامى... ارتدت ملابسها البسيطة المكونة من تنورة جينز و بلوزة خفيفة بلون ربيعي مبهج... تركت شعرها منسدلا فوق ظهرها و قد اضفت حمرة خديها الى بشرتها الخمرية حلاوة من نوع خاص... اتجهت بخطوات خجولة ناحية غرفة الضيوف تستقبل ضيوفا حلوا اهلا و سهلا على قلب اشتاق لمرآهم كثيرا حتى ظن ان الانتظار هو نهجه و لن يتغير...ارتفعت عين وجيدة الى الباب الذي ظهرت منه مودة لتتسع عيناها لوهلة ثم تتزينا بالنصر و الراحة... اخذت تتمتم بحمد و شكر لله فمن اجمل من هذه الخمرية ذات الأعين الساحرة زوجة لولدها... تبادلت مودة معهما التحية لتجذبها وجيدة و تجلسها جوارها... ربتت بمحبة فوق فخذها لتهبها مودة بسمة حلوة جعلت وجيدة تعتنق فكرة ان خير البر عاجله فعزمت امرها لتقول لبهيرة والدة مودة...
(لقد عزم ايوب امره و نوى على الزواج... و نحن هنا اليوم لنطلب يد مودة حفظها الله لابني ايوب... ما رأيكم؟!)
ابتهجت ملامح شوقي و زوجته بشدة...فلا يوجد افضل من جاره القديم و تربيته... استبشرت ام ايوب من ملامح الفرحة و القبول على وجه الوالدين.. مالت على مودة جوارها تهمس ببسمة سعيدة...
(ما رأيك يا عروس؟!)
ابتسمت مودة بعدم تصديق لتهب واقفة بوجنتي محمرتين كحبتي طماطم من فرط الخجل... اسرعت تخرج من الغرفة بعدما همست بصوت مختنق بخجله...
(ما يراه ابي خيرا لي سأوافق عليه)
هرولت مسرعة على الدرج لتصل الى غرفتها و تدلفها مغلقة الباب خلفها... استندت عليه بأنفاس متسارعة و قلب ينبض بعنف... لا تصدق بعد كل هذا الغياب يعودان ليرويا بكلمات قليلة عطش سنوات...رفعت كفيها على وجهها تغطيه و تضحك بقلب سعيد... انتبهت لصوت مسرة القادم من الخارج هامسا...
(مودة افتحي الباب... هل صحيح ما سمعته بالأسفل؟!... لقد ذهبت لأعد العصير فأعود لأعرف ان حلمك تحقق!!!)
ابتلعت مودة ريقها بخجل تبتعد عن الباب هامسة لأختها برجاء...
(ليس الآن مسرة... دعيني بمفردي ارجوك)
ضحكت مسرة عاليا لتعاود الهمس لأختها بمشاغبة...
(حسنا كما تريدين... لكن هدئي من صوت حماسك فالناس بالأسفل و لا نريد ان يعرفوا ان ابنتنا مجنونة)
هتفت مودة بحنق...
(مسرة هيا اذهبي...)
تابعت صوت خطوات اختها حتى اختفت فرفعت كفها فوق صدرها تتحسس نبض قلبها الهادر... دارت حول نفسها في غرفتها تهتف بصوت ينافس الطيور المغردة في صباح صافي...
(لا اصدق... لا اصدق و الله)
اتجهت نحو سريرها ترتمي عليه و تناظر السقف... يدها لا تزال فوق قلبها و بسمتها تتسع بسعادة غامرة... اغمضت عينيها و ذاكرتها تعيد لها ذكريات عديدة... ذكريات كانت سلوى لها طيلة سنوات... غمغمت بخفوت مبتهج...
(لقد عدت كما وعدت و قد ظننت انك نسيت العهد... عدت لتجعلني زوجة لك... انا و انت!!... لا اصدق)
اعتدلت من فوق سريرها تقف و تتجه ناحية النافذة التي زفت لها خبر وصول مرسال الحب... قبلت ستائرها بشغف و شكر... ثم تحركت تتجه الى طاولة الزينة تنحني تفتح درجها و تخرج دفتر قديم... فتحته بأعين تلتمع بمشاعر جياشة في منتصفه وردة حمراء بأوراق جافة متساقط معظمها فوق صفحات الدفتر... مالت تقبلها بحنين و تغلق دفترها مجددا لتعيده مكانه... استندت بظهرها على طاولة الزينة تراقب سريرها بصدر يعلو و يهبط... ثم تحركت نحوه لتنحني تزحزحه بصعوبة بعض الشيء... و حينما نجحت اسرعت الى جزء الحائط الذي ظهر لتحشر جسدها النحيل ارضا بين السرير و الحائط... تنظر اليه بحب و أعين خجولة... رفعت اصابعها تلمس هذه الرسمة التي بات عمرها اكبر من سنوات غيابه عنها... قلب مرسوم بشكل متعرج غير صحيح يحتوي على اسم أيوب بخط يد طفولي يثير الضحك... ابتسمت بخجل و وجنتاها تشتعلان بحمرتهما لتميل على الحائط تقبل اسمه و تهمس باشتياق كبير...
( لقد عدت ايوب لتمنح قلبك لمودة يا كل قلبها)