رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الحادي عشر 11 بقلم وسام اسامة
الفصل الحادي عشر
ليلة عودة فـراس منزله
كانت دُنيا تحوم في المنزل الكبير تستكشفه، وكانت خطواتها تثقلها الوحشة والشعور بالحزن، كانت تسترجع حديثه الساخر لها وأنه صار يستخدمها الان بديلة لأم عبده، كانت تعلم أنه يحاول إهانتها كما يفعل دائمًا، وفي كل مره يلقي بسهام قسوته لقلبها الفتي فيزيد نزيفة المتألم.. ولكن ما حيلتها الا الصمت وحبه
سقطت على أحد المقاعد في الرواق وهي تضع وجهها بين كفيها وتذرف دموع صامتة بلا حيلة، لا تدري كيف تعبر عن ألمها منه سوى البكاء خفية.. فما عاد التراجع ضمن قراراتها المتاحة.. لقد تركت عائلتها وتبرأو منها.. وما عاد لها مكان سوى جواره حتى لو كان يكرهها.
كتمت تأوه أليم وهي تتذكر الساعات الماضية، لقد حضرت له حمامه ليتسبح، ثم جهزت له طعامه التي حضرته له أم عبده سلفًا، ووقفت جواره حتى أنهاه ولم يدعها للجلوس حتى.. وحينما ثقلت جفونه صرفها من أمامه في جفاء مؤلم لقد عاملها وكأنها حشرة.. أو شيء لا قيمة له
كتمت شهقتها الموجعة وهي تهمس في نفسها
آه يا فراس.. كيف لقلبي أن يحبك وأنت تذبحه وتُميته ألف مره في اليوم الواحد.. كيف أصمد كيف؟ يارب اجعل قلبه لين معي، يارب اهده وجعل حبي في قلبه يارب.
لم تكد تُنهي دعائها سرًا حتى سمعت زمجرته وهو يستدعيها بخشونة وصلتها
انتفضت من جلستها تذهب لغرفته بسرعة في قلق من أن يكون جرحه يؤلمه
أطلت عليه في الغرفة لتجده يجلس على فراشه ويستند بظهره في استقامة متعبة، اقتربت منه بسرعة وعلى وجهها قلق صادق:
"هل انت بخير؟.. جرحك يؤلمك؟"
نظر فـراس في وجهها للحظات يرى أثر بكائها واضح عليها، كانت فتاة صغيرة بائسة زجت نفسها في طريقه وتُصر على أخذ دور الزوجة القلقه، وهذا ما زاد نفوره منها وجعل صدره يضيق كلما نظر إليها.. تنهد في ضيق وهو يشيح بصره عنها ويتحدث في جفائه المعهود:
"أين كنتِ؟"
ارتبكت من سؤاله الجافي وتمتمت في خفوت تخفي به حزنها:
"كنت أرى المنزل، لأعلم من أين أبدأ.."
"مضى على موعد دوائي ساعة أو أكثر.. أتغفلين عن شيء تافه كهذا ؟
أي زوجة أنتِ يا صغيرة.. وتتبجحين بالحب وتراهات المشاعر وأنتِ لا تفعلين أبسط واجباتك تجاه زوجكِ؟.."
"لقد وجدتك نائم فلم أشأ إيقاظك.. كنت تبدو متعبًا و.."
"لا أريد كثرة حديث، هيا تحركي وأحضري الدواء."
زجرته جعلتها تتحرك بسرعة تبحث عن دوائه في الجارور بأنامل مرتعشة وعيون محتقنة بدموع ساخنة تهدد بالهبوط، وفـراس يحدق فيها كعين صقر ينتظر زلة لها ليكمل تقريعة.. اقتربت منه تصب الماء من الأبريق المجاور له
وتمد يدها بالحبوب بأنامل مرتعشة وصوت مخنوق:
"تفضل الدواء"
أخذه من يدها في فظاظة وألقاهم في فمه دون أن يأخذ كوب الماء المتراقص في يدها.. ولم تدري ماذا تفعل، أتضعه في مكانه أو سيأخذه منها.. وحينما طال وقوفها زمجر فيها بقسوة:
"لما تقفين كالتثمال؟.. ضعي الكوب جانبًا واستخدمي عقلك يا صغيرة"
انفلتت منها شهقة باكية رغكمًا عنها وهي تضع الكوب جانبًا وتهرول خارج الغرفة، وقبل أن تختفي من أمامه صدح صوته في تقريع:
"هل أخبرتك أن ترحلي؟ تعالي إلى هنا قفي أمامي"
أغمضت عينيها في مذلة وقد انتفخ حلقها في شهقات مكتومة، لا تتحمل شعورها الان، لا تتحمل قسوته التي فاقت كل الحدود.. عضت على شفتها تحاول كبت انفجار دموعها والتفتت له بوجه محتقن بالدماء ودموعها تكسي وجنتيها
سارت لتقف أمامه برأس مائل وعيون معلقة بالأرض.. لم تستطع النظر له كي لا تنهار باكية ترجوه أن يرحمها من العذاب النفسي الذي يمارسه عليها
سمعت صوته الغليظ يأمرها:
"هل تزوجت طفلة باكية لتركضي وتبكي كلما تحدث معكِ؟.. إن كان هذا طبعك فخذي نفسكِ وعودي لدار اخوتك إلى أن تكبري وتتصرفين على أنكِ امرأة عاقلة متزوجة، أتسمعين ما أقول؟"
حركت رأسها بإيجاب ولم تنطق بكلمة واحدة، بل ضاعفت جهدها ألا تبكي أمامه
وجزء ما في قلبها المتعب يتفتت وهي تسمعه للمره الثانية يحثها على العودة لاخوتها.. وهو يعلم أنها دفعت ثمن وجودها امامه الان بخسارة أخوتها ورضاهم عنها.. فقط لتنقذ سيف الدين وتكون جواره.
إشارة مهينة من يده يصرفها بها، قبل أن تلتفت وتغادر الغرفة بسرعة لتجد لها ملجأ لتذرف فيها دموعها وتخرج شهقاتها الحبيسة بعيدًا عنه
بينما هو مسح على جبينه في غضب منها ومن نفسه، يدري أنه يحكم الخناق عليها، يصب قسوته وغيظه من الجميع فيها.. جزء منه يكرهها، يكره وقاحتها، يكره أنها من مهد له الطريق لخطيئته، يكره أنه تزوج بطفلة لم تتجاوز الثامنة عشر لا تفعل شيء سوى البكاء والنواح كلما زجرها.
زفر في خشونه وصوت داخله يخبره
لقد زودت الأمر يا فراس، لقد أثقلت الأمر عليها.. ماذا تنتظر من أفعالك معها
أن تفر وتعود لأخوتها؟.. وإن كان هذا غرضك لما أخذتها وافتعلت حربًا مع اخوتها إن كنت لا تريد وجودها جوارك.. ما الذي تريده منها يا فـراس؟
كان يحاول الهرب من نفسه ومن الأسئلة التي تزاحمت عليه تهدد قشرة صلابته
حسنًا هو لا يطيق دُنيا لن يُنكر هذا.. ولكن هو لا يريد أن تسير حياته بهذا الشكل
نظر لساعة الحائط فكاد موعد صلاة المغرب يقترب..
وقف عن فـراشه يغالب ألم كتفه، وسار خارج الغرفة يبحث عن الصغيرة الباكية
قاوم رغبته في الزمجرة صائحًا بإسمها لتأتي له مهرولة.. أراد أن يذهب لها بنفسه.. وكما توقع كانت في أحد الغرف الجانبيه تجلس على المقعد وتضع وجهها بين كفيها تبكِ في خفوت حاولت خنقه كي لا يصل له
حار في أمره وهو ينظر لها بعيون ضائقة
ماذا فعلت في نفسك يا فـراس؟.. تقترب من منتصف الثلاثون وتتزوج من فتاة لم تبلغ العشرين حتى ؟.. أهذا نصيبك من الدنيا ؟.. تتزوج فتاة صغيرة باكية لا تطيق النظر حتى في وجهها.. أهذا ما تود أن تعيشه ؟
تمتم في جفاء يخرجها من نوبة بكائها:
"دُنيا"
انتفضت فزعه على صوته واستوت واقفة تمسح دموعها في عنف مرتعش وتهمس بصوت مبحوح:
"أنا فقط جلست، أنا..."
قاطع كلماتها المتقطعة وهو يزفر في ضيق:
"حينما أحادثكِ تقتربي وتكفي عن الحديث"
اقتربت منه في خطوات مرتعشة تقف أمامه، وكان وجهها الباكي واضح وقد بدت دموعها لامعة في خيط الشمس الشاحب الذي تسلل من النافذة
فلم يبدد العتمة رغم شحيحه، أطال فـراس النظر لها بغير رضا
كانت فتاة صغيرة بكل معنى الكلمة، جسد ضئيل، وجه صغير، من يراها يجزم أنها تركت باحة الدار واللعب توًا.. ودموعها خير دليل على عقليتها التي لم تتجاوز المراهقة.. كانت في حجم اللعبة الصغيرة.. لا تشبه فتيات عشيرته
لا في طولهن ولا ملامحهن، كانت بشرتها تميل للون القمح الذهبي، وعيون باكية بدت قريبة من عيون نُصير في لونهما المائل للأصفر بالرغم من اختلاف جيناتهما
وشعرها مختفي أسفل حجاب أسود لا يدري لما ترتديه حتى ؟
تمتم في هدوء جاف وهو يشير لحجابها:
"لما ترتدين هذا في الدار؟.. لقد رأيتك دونه أكثر من مره فلما الاحتشام الان ؟"
اهتزت حدقتيها اللامعة بالدموع وتمتمت بصوت مبحوح متعب:
"قلت لي الا أتصرف كأنني زوجتك.. فلم أرد اغضابك بتصرفي وكأنه منزلي"
طال صمته وعاد يسألها السؤال الذي لا يمل منه:
"تريدين العودة لأخوتكِ؟"
أغمضت عينيها تخفي عذابها فيهما، يعود ويسألها مجددًا وفي كل مره ينتظر اجابتها برغبتها في الرحيل، ولكنها تردد في كل مره ذات الإجابة:
"أنت لا تريدني معك، واخوتي.. أنت تعلم، غضبوا عليّ"
رفع احد حاجبيه وتمتم في جفاء ساخر:
"إذن أنتِ هنا لأنهم لن يفتحوا لكِ منزلهم ؟"
صمتت للحظات وجزء من اجابته حقيقي، هي تعلم أن اخوتها لن يتقبلوها بينهم من جديد، وإن فعلوا فأمها لا تطيق النظر لوجهها ولا تعتبرها ابنتها حتى
وها هو فـراس يود التخلص منها وإعادتها لهم.. ضاربًا بكل ما فعلته عرض الحائط.. رباه ماذا تفعل وكل الأبواب تغلق في وجهها.. لا احد يريدها
فاضت عيناها بالدمع وأشاحت وجهها عنه هامسة في ألم:
"إن كنت تريدني أن أرحل فسأفعل، ولكن لتتحسن صحتك أولا.. لن استطيع تركك هكذا"
للسخرية صدقها.. صدق كل كلمة تفوهت بها رغم حنقه منها
بدت صغيرة.. هشة.. لن يكون مصيرها معه سوى السحق تحت عجلات غضبه
مد كفه الخشنة يجذب ذقنها ببعض القوة وينظر في عمق عينيها في جفاء:
"لا أنتظر شفقتكِ يا صغيرة، إن كنتِ تودين الرحيل فالباب أمامكِ، لا شيء يمنعك.. وإن كنتِ ستبقين فتوقفي عن البكاء.. أكره الفتيات الصغيرات الباكيات"
صدح صوت الآذان يمنع استمرار الحديث الذي لا طائل منه، فالتفت يغادر من أمامها وهو يقول في جفاء:
"سأذهب لأتوضأ أعدي لي ملابس للذهاب للصلاة"
حدقت في أثره بعيون لامعة بدموع فشلت في احتوائها، وعقلها يخبرها للمره المائة أنه يكرهها، يكره وجودها جوارها وينتظر أن ترحل هي من تلقاء نفسها
ولكن كيف تفعل، كيف تتركه وهو في هذه الحالة.. كيف تنزعه من قلبها ؟
تحركت خلفه في خطوات بطيئة تحولت لأخرى واسعة وهي تسبقه للحمام تحت نظراته الواجمة فقالت في خفوت ناعم حزين:
"لأساعادك في الوضوء، كتفك سيمنعك"
ابتسم في سخرية وهو يتأمل ضألتها جواره وتمتم:
"وكأنك زوجتي حقًا الان"
كتكت تأوه حزين وهي تهمس بنبرة مهتزة وهي تشمر عن رسغيها:
"أنا زوجتك الان، حين تتعافى سأفعل ما تريد إن كنت تريدني أن أرحل عنك"
لم يجد في نفسه حاجه ليكمل حديث ميؤس منه معها، وبدأ يغسل كفيه متجاهلا وجودها، إلى أن حانت لحظة ثقل جسده اثناء الوضوء وساعدته هي في صمت بأنامل مرتعشة.. كانت تهابه، وتحبه.. وتقاوم ألم كراهيته لها
ما أصعب حربها معه وما أشد قسوته عليها..؟
***
تململت في فـراشها ناعسة وهي تتحسس مكان نومه، لتجده خاليًا باردًا دونه
عقدت حاجبيها في حنق وهي تفتح عيونها بصعوبة تبحث عنه حولها
استوت في فراشها تنظر لساعة الحائط لترى أن المساء قد حل.. وكالعادة منذ تزوجا.. تستيقظ فلا تجده جوارها بسبب انشغاله الدائم
تنهدت في غيظ وهي تلقي رأسها على الوسادة هامسة في حنق:
"سأقتلك يا رشدي أباظة"
"وماذا فعل المسكين لتقتلينه، أهذا ذنبه أنه يحبكِ يا خضراء؟"
انتفضت حينما سمعت صوته فجأة وقد خرج من الشرفة المفتوحة التي لم تنتبه لها.. جعدت جبينها وتمتمت في صوت ناعس وهي تنهدم خصلاتها المشعثة من أثر النوم:
"ذاك المسكين لم استيقظ على وجهه منذ أن تزوجته.. هل نظر أحدهم فيك وأنا اتزوجك؟.. ما هذه الزيجة المنظورة يا زيزو"
ضحك عبدالعزيز وهو يجلس جوارها وجذبها لحضنه يقبل صدغها الأحمر اثر نومها وهو يمس في شغب:
"كالقطط يا حبيبتي تنكرين، ومن كان معكِ منذ الصباح، هل هو خيالي ؟"
رفعت كفها الناعم تداعب وجنته الخشنة وهي تهمس في دلال كسول تؤثر في مشاعره وترى أثر دلالها في نظراته التي سرعان ما اشتعلت:
"ولكنك لا تكون جواري كلما استيقظت، هل عملك اهم من حبيبتك خضراء؟"
قبض على كفها يقبله في رقة ويديه تلفان حولها يجذبها لتجلس على ساقيه وهو يتأمل جمالها بين يديه، كانت فاتن لا تكف عن ابهاره بنعومتها وجمالها معه
تذيب هموم عمله في لحظة وحادة بلمسة ناعمة منها ونبرة دلالها التي تغوي القديس.. الصغيرة تحكم وثاقه حولها وتجعله منشغل بها في كل حين
تمتم وهو يطبع قبلاته على وجنتها نزولا لعنقها:
"لا شيء أهم من خضرائي الشقية، كيف أراضيكِ أخبريني يا حُلوة "
كاد يسحبها معه في نوبة شوقه ولكنها سرعان ما تداركت مقصده ووضعت كفها على فمه تمنعه وهي تهمس في لهفة ورجاء:
"أنت وعدتني أن تنتهي ازمة شقيق نُصير ونسافر شهر عسل.. انظر أنا لن أطلب شهر فعملك سيمنعك، ولكن على الأقل أسبوع واحد أنا وأنت وحدنا في أي مكان جميل.. أرجوك يا زيزو.. مللت من الجلوس وحدي، وعائلتك كل منشغل بعمله، وأنت لم تأخذ إجازة زواج حتى.. أرجوك يا حبيبي أرجوك"
كانت الماكرة تعلم أنها لا تحتاج الرجاء وهي تحك ذراعها هكذا خلف عنقه وقربها منه يكاد يكون التصاق صريح ومغوي، ضحك من اسفل كفها وهو يبعده قائلا في رقة تأسرها:
"أعلم أنني قصرت في حقكِ ولم تفرحي كأي عروس بسبب ما حدث، وقبل أن تطلبي كنت أجهز كل شيء لنسافر معًا.. لا تحتاجي الرجاء يا فاتن الحلوة، لتأمري وحبيبك ينفذ"
كانت كلماته صادقة ونظرته اللامعة تجعل قلبها يقفز كطفل سعيد..ورقته معها تجعلها تكاد تبكي من فرط سعادتها معه.
ارتمت بين ذراعيه تعانقة بقوة وتنهال عليه بقبلات متتابعة ناعمة وهي تغمغم في مشاعر عديدة وأكثرهم الساعدة فشلت في اخفائها عنه:
"حبيبي يا رشدي أباظة، أحبك.. احبك .. أحبك"
ضحك عبدالعزيز على جنونها الذي يروقه جدًا، فلم يجد نفسه إلا وهو يجاريها ويأخذ هو دفة المبادر وهو يجذبها له ويبثها أشواقه التي لا تنتهي بسبب جنونها وجمالها اللذان يشعلان الحب في قلبه كلما نظر لها..وكانت فاتن كقطعة حرير بين يديه، ناعمة، رقيقة.. يرى الحب في عينيها كشعاع الشمس في ظهيرة حارة
ورغم أن زواجهما عقبه اضطرابات كثيرة اثرت على خططهم، إلا أنه لم يجد منها سوى الصمت مراعيه ما يمر به ولم تغضب للحظة، رغم أن شعوره بالذنب نحوها كان يتضاعف بسبب تقصيره.. ولم تستقبل هذا الذنب إلا بالحب وبذراعين مفتوحتين أخر كل ليلة تحتويه وتتركه ينهل من حبها قدرما شاء.
بعد ساعات من جنونهما وجدها تغفو محتضنه ذراعها لصدرها وتستند عليه تحتمي به، ابتسم في حنان وهو يمسح على خصلاتها المتكسرة المشعثة وهو يسأل نفسه في ذهول، ماذا كان سيفعل لو أنها تزوجت غيره ؟.. فاتن الحُلوة تكون لغيره ؟.. مجرد الخيل جعله يعقد جبينه في رفض وهو يميل على فمها يقبلها بقوة اثناء نومها لتتمل بين يديه ناعسة تعترض على هذا الهجوم المفاجئ
ربت على وجنتها يعيد لها السكينة كي تنام، وفي عقله ذكرى لقاء بعيدة لفتاة ذات قناع أخضر ورداء حمام وعيون فضولية تخبره أنه وقع في مصيدة الحب..
***
عادا إلى الوطن، وشيء ما بينهما قد انكسر وتبدل.. غادرا تلك البلاد الباردة غاضبين، وعادا إليها صامتين صمتاً أثقل من الجبال.
كان غضب شهيرة يتجسد في ذاك السد المنيع الذي بنته حول نفسها؛ تجنبت النظر إليه تماماً، كأن عينيها قد عقدتا صلحاً ألا تلتقيا بعينيه ولو عن طريق الخطأ. بدأت تهرب من أي بقعة قد تجمعهما وحدهما، فقد استوطن الخوف قلبها من أن يباغتها بجرحٍ جديد، أو يرميها بكلمات قاسية تمزق ما تبقى من كبريائها. اكتفت بأسلوب مهني بحت، تتعامل معه بحذرٍ مفرط، كمن يسير على حقل ألغام، لا تتجاوز حدود الكلمة والرد كي لا تستفز وحش غضبه الكامن.
أما يحيى، فكان أكثر هدوءاً وجلادة، يتصرف ببرودٍ يوحي وكأن شيئاً لم يكن. ورغم أن نغزات الذنب كانت تلسع ضميره كلما لمح مسحة الحزن الخفي في ملامحها، إلا أنه وجد في تلك الحالة "الرسمية" ضالته؛ فقد أتت قسوته بثمارها وصارت العلاقة بينهما تقتصر على الضرورات القصوى.
كان هذا هو "الأمان" الذي ينشده؛ لا يريدها أن تحاصره بهذين العينين الجميلتين، ولا أن تربك ثباته بعفويتها التي يدرك صدقها وبراءتها، لكنه يخشى فتنتها. أراد أن تراه "حارساً" وحسب.. أو ربما كان هذا هو الوهم الذي يحاول إقناع نفسه به ليحمي قلبه من الانزلاق.
ورغم تلك الحرب الباردة، أعاد يحيى تنظيم الأوضاع كما كانت؛ أعاد السائق والحرس لمواقعهم، واكتفى بمتابعة حراستها عن بُعد عبر رجاله، مختفياً تماماً من محيطها لأيام بعد عودتهما.
لكنه فوجئ ذات صباح باتصال منها تطلب حضوره لمناقشة أمر حراستها. لم يكن تفاجؤه من الطلب بقدر ما كان من نبرتها؛ كانت نبرةً جليدية، رسمية لدرجةٍ مستفزة. لقد برعت شهيرة في قراءة "ما بين السطور"، وفهمت رسالته المبطنة بأن يوصد أبواب الود، لكنها بدت هذه المرة باردة أكثر مما توقع.
وقفت أمامه بهدوءٍ غريب، تخبره بكلماتٍ رتيبة:
"أقدر لك كل ما فعلته معي في الفترة الماضية، ولكن أظن أنني لن أحتاج حمايتك لفترة.. سأعود لبلادي، ولا أظن أن هناك خطراً يحدق بي هناك."
رتفع حاجبا يحيى في دهشةٍ لم يستطع كبتها، وسأل بحدة:
"ماذا؟ تعودين لبلادك؟ ومنذ متى اتخذتِ هذا القرار؟"
بدت حائرة من نبرته الهجومية، فقد توقع أن يتنفس الصعداء لرحيلها، فتمتمت بهدوء:
"لقد أنهيت التصوير وآن لي أن آخذ إجازة وأعود للديار.. هل هذا شيء يغضبك؟"
ضيق عينيه وسألها بنبرةٍ متشككة:
"ومتى ستعودين؟ أم أنكِ تودين صرف الحراسة لتعبّري عن غضبكِ فقط، وتعرضين نفسكِ للخطر من جديد بسبب تصرفات طفولية؟"
لمعت عيناها بومضة غضب وهي ترد:
لا أحد يتصرف بطفولية سواك الآن يا يحيى! أقول لك أود أخذ إجازة والعودة للديار. ثم إنني لست غاضبة.. أنت أخبرتني برأيك فيّ وفي حياتي، وأنا لن أحاول تغيير نظرتك تلك.. فأنت لست زوجي ولا خطيبي، وأنا لست أختك.. إن كنت تذكر."
ألقت كلماته التي رددها عليها في صدامهم الاخير في وجهه كما فعل هو، فتابع يحيى بإصرار:
"والرجل الذي يلاحقك، ألن يلاحقكِ في الديار أيضاً؟"
هزت كتفيها بلامبالاة مصطنعة:
"لا أظن، فبلادي بعيدة جداً، ولا أظنه سيقطع كل تلك المسافة خلفي. وما فعلته أنت في الحادثة الأخيرة كفيل بأن يزرع الرعب في قلبه ويتراجع عن جنونه."
سأل بوجوم:
"متى تنوين العودة؟"
"لم أقرر بعد كم سأبقى هناك. ربما حين يُعرض عليّ عمل جديد أقطع إجازتي وأعود."
هز يحيى رأسه رافضاً:
"أنا لست مطمئناً لهذا القرار المفاجئ، ولا أرى داعياً لصرف الحراسة حتى في إجازتك. فليسافروا معكِ، هذا أفضل وأضمن."
ردت بمرارة لم تستطع إخفاءها:
"لا أريد جذب الأنظار أو إشعار عائلتي بالخطر، سأكون بخير في دياري. ثم إنني ظننتك ستقفز فرحاً لأنك تخلصت من "المرأة الماجنة" التي تحرسها!"
صُدم من وقع الكلمة، وهتف بسرعة:
"أنا لم أقل ذلك عنكِ! لا تضعي على لساني ما لم أقله."
ابتسمت بسخرية حزينة:
"ولكن هذا كان مقصد حديثك، ورأيك بي لم يعد يهمني، فأنا أعلم نفسي جيداً. أظن أن حديثنا انتهى.. وداعاً."
كادت ترحل، لكنه مد يده بسرعة وأمسك رسغها في تهورٍ فاجأه هو قبل أن يفاجئها. وحين لاحظ نظرتها المستنكرة ليده، أفلتها فوراً وتحدث بحدة آمرة:
"ستأخذين الحراسة معكِ لتكوني في أمان.. كفى عناداً واسمعي حديثي."
سألت بنبرةٍ متهكمة:
"هل أخبرك أحد من قبل أنك متسلط وعنيد؟"
رد بصرامة لا تقبل النقاش:
"لقد قلت ما عندي، ستأخذين الحراسة معكِ، وأنا لا أمزح يا شهيرة."
كانت المرة الأولى التي يناديها فيها باسمها مجرداً من الألقاب، فاهتز شيء في أعماقها. لمحت في عينيه قلقاً حقيقياً لم يستطع مواراته خلف قناع الجمود، ورغم جرحها القديم، إلا أنها تهاونت أمام إصراره، وتنهدت بتعب:
"حسناً يا يحيى.. إن كان لا بد من ذلك، فسآخذ فرداً واحداً فقط، وسأخبر عائلتي أنه مدير أعمالي كي لا أثير رعبهم."
"حسناً، سأرسل معكِ أكثرهم كفاءة، وإن حدث أي شيء اخبريني فوراً."
"حسناً."
سأل مجدداً:
"متى تنوين الرحيل؟"
"صباح الغد. ولكن ليكون في علمك؛ أخبر رجلك أنه سيسافر لمنطقة ريفية نائية، الحياة هناك بدائية وتعتمد على الطبيعة، فإن كان..."
قاطعها بحسم:
أياً كان المكان، فالأولوية هي حمايتكِ، وللبقية حديث آخر."
أومأت برأسها، لكن القلق لم يبارح عينيها، بدت وكأنها تخبئ سراً تخشى عليه من الانكشاف، ثم قالت بحذر:
"حسناً، ولكن اختر أكثرهم كتماً للسر. أنا ذاهبة لمسقط رأسي، وهنا لا يعرفون شيئاً عن حياتي وعائلتي، والصحافة لا تترك أحد حولي إلا وتنتزع منه أي معلومة عني، وأنا لا أريد أن يقتحم أحد خصوصية عائلتي. أريد من يسافر معي أن يتصرف كأنه لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم."
غمغم يحيى بتفهم:
"لا بأس، رجالي مدربون على كتمان أسرار العملاء مهما كانت المغريات. لا تقلقي، المهم أن تعودي سالمة."
في تلك اللحظة، انقشعت الغمامة الباردة عن عينيها، وعاد الربيع يزهر في ملامحها الجميلة بابتسامة خفيفة. شعر يحيى بذهول وهو يرقب تبدل مشاعرها وانعكاسها على وجهها بتلك السرعة.. وأدرك يقيناً أنها ممثلة بارعة، تملك قدرة فطرية على التسلل للنفوس واستلاب الإعجاب دون عناء. طال تأمله في وجهها حتى تنحنحت بحرج، متمتمة:
"أنت.. أين ذهبت؟ لما تحدق فيّ هكذا؟"
استفاق من شروده وتمتم بارتباك:
"لا شيء.. سأغادر الآن، أراكِ لاحقاً."
كاد يلتفت، لكنها أوقفته بنبرة خافتة، حملت امتناناً وحذراً في آنٍ واحد:
"وداعاً يا يحيى.. وشكراً على حمايتك لي."
أومأ برأسه والوجوم يظلل وجهه، ثم غادر دون كلمة إضافية، تاركاً شهيرة تنظر في أثره بمزيجٍ غريب من الراحة.. والحيرة.. والارتباك.
اجتمع يحيى برجاله الثلاثة المسؤولين عن حراسة شهيرة في مكتبه الصغير، كان الجو مشحوناً بجدية يحيى المعهودة وهو يضع أمامهم تفاصيل المهمة الجديدة. تنحنح يحيى وهو يمرر بصره الصارم عليهم، وقال بنبرة تحذيرية:
"هناك مهمة سفر مفاجئة مع السيدة شهيرة.. السفر سيكون لمنطقة ريفية نائية، حياة بدائية، لا فنادق فخمة ولا أضواء، والمطلوب حماية كاملة وكتمان تام للسر.. من منكم سيسافر؟"
لم يكد ينهي جملته حتى حدث ما لم يتوقعه؛ فبمجرد نطق اسم "شهيرة"، تبدلت ملامح الرجال الجامدة إلى حماس لم يستطيعوا مواراته. سارع "فؤاد" بالقول:
"أنا جاهز يا ريس، أنت تعلم أنني أتحمل أصعب الظروف المعيشية."
ليقاطعه "محسن" بلهفة واضحة:
"بل أنا الأنسب، فخبرتي في المناطق المفتوحة والريفية أكبر بكثير."
ولم يتأخر الثالث "صلاح" عن الركب، مؤكداً استعداده للمغادرة في ذات اللحظة.
شعر يحيى بموجة من الغيظ تجتاح صدره.. كان يرى في عيونهم بريقاً لا علاقة له بشرف المهنة أو حماس الواجب. لقد كانت سعادتهم بمصاحبة "شهيرة اللامعة" تشي بأنهم يرون في هذه المهمة جائزة كبرى أو ورقة يانصيب رابحة، لا عبئاً أمنياً في منطقة معزولة.
احتقن وجه يحيى بالغضب، وضرب بيده على الطاولة بقوة جعلتهم ينتفضون في أماكنهم، وصاح فيهم بزئير مكتوم:
"انصرفوا من أمامي الآن! انصرفوا!"
خرجوا مسرعين وهم يتبادلون نظرات الحيرة، بينما بقي يحيى وحده يذرع المكتب جيئة وذهاباً، وصراخ أفكاره لا يهدأ. كان يشد شعره في حنق وهو يفكر:
"أأبعث معها أحداً ليحميها أم ليقع في حبها؟".
ورغم ثقته العمياء بكفاءة رجاله وإخلاصهم المهني، إلا أنه في تلك اللحظة لم يكن يثق في شياطينهم التي قد تستيقظ أمام سحرها، ولا في قلوبهم التي قد تضعف أمام ربيع وجهها.
أدرك يحيى في قرار نفسه أن شهيرة ليست مجرد عميلة، بل هي اختبارٌ قاسٍ لرجولة أي شخص يقترب منها، وخوفه عليها من نظرات رجاله لم يكن يقل عن خوفه عليها من ذاك المترصد المجهول. وفي لحظة تجلٍّ مشوبة بالخوف والغيرة التي أنكرها طويلاً، وجد نفسه يزمجر في حدة:
"كيف أأتمن أحداً عليهم وهم يرونها هكذا؟ هل أرسلهم ليحموها.. أم لأحرسهم هم من فتنتها؟"
انقضى اليوم ولم يهاتفها يحيى كعادته، ولم يخبرها عن هوية الحارس الذي وقع عليه الاختيار ليرافقها في رحلة العودة إلى الجذور. استيقظت في اليوم التالي وسط جلبة الحقائب؛ حيث ودعت "منة" التي قررت هي الأخرى اغتنام الفرصة لقضاء إجازتها مع عائلتها أثناء غياب شهيرة.
توجهت شهيرة إلى المطار، يحيط بها حرسها المعتاد، لكن خطواتهم توقفت فجأة عند البوابة الخارجية؛ فدروهم ينتهي هنا، ولم يتقدم أحد منهم ليرافقها إلى الداخل. التفتت إليهم في حيرة، وعيناها تبحثان عن وجهٍ جديد أو حقيبة سفر إضافية، وسألت:
"من منكم سيسافر معي؟"
رسم الصمت إجابة مخيبة على وجوههم، فالحسرة التي بدت في عيونهم كانت واضحة كشمس النهار. مرت الدقائق ثقيلة وهي تنتظر اتصالاً من يحيى أو قدوم شخص غريب لا تعرفه، حتى بدأ الوقت يفلت من بين أصابعها واقترب موعد إقلاع الطائرة.
أخرجت هاتفها وطلبت رقمه بحدة طفيفة:
"مرحباً يحيى.. الطائرة على وشك الإقلاع، أين الحارس الذي وعدت به؟"
جاء صوته هادئاً، قريباً وواقعياً لدرجة أنها شعرت بأنفاسه خلف أذنها وهو يتمتم:
"جواركِ."
التفتت بحركة فجائية، لتجده واقفاً أمامها كأنه انشق من الأرض؛ كان يرتدي ملابس عادية بسيطة، لكنها لم تنجح في إخفاء بنيته الجسدية القوية وهيبته الفطرية. كان يمسك بحقيبة سفر متوسطة الحجم بإهمال، وفي يده الأخرى هاتفه الذي كان يتحدث منه للتو.
جعدت جبينها بدهشةٍ شلت لسانها، وأخذت تتأمله وتنظر للحقيبة في ذهول:
"أنت.. أنت من سيسافر معي؟"
رد بنبرة غامضة وهو يثبت عينيه في عينيها:
"وهل كنتِ تودين شخصاً آخر؟"
ارتبكت شهيرة وحاولت استرجاع توازنها:
"أنا فقط لا أفهم.. الأمر لا يستدعي وجودك شخصياً، أي حارس منهم سيفي بالغرض.. فليأتِ صلاح أو.."
أطال النظر إليها، متفحصاً ملامحها التي حاولت إخفاءها تحت قبعة رياضية ونظارة شمسية ضخمة، وشعرها الأشقر الذي عقدته كذيل حصان يتمايل مع حركتها بنعومةٍ زادت من فتنتها في عينيه. تمتم بجفاءٍ أراد به إخفاء تأثره بها، وهو يتقدمها في السير:
"للأسف، خيار التبديل غير متاح لكِ يا سيدة شهيرة.. عليكِ الرضا بقدركِ."
بقيت واقفة في مكانها تنظر إلى ظهره العريض وهو يبتعد بخطواته الواثقة، وهمست بغير فهم:
"أشعر أن وجودك معي يجعلك غاضباً على الدوام.. لا أفهمك حقاً!"
التفت إليها دون أن يتوقف عن السير، وصاح بنبرةٍ آمرة مغلفة بتهكم خفيف:
”الطائرة ستقلع وأنتِ لا تزالين تتحدثين مع نفسك.. هيا يا فنانة!"
تحركت خلفه بخطواتٍ متعثرة، ولا زالت الصدمة تعصف بها؛ كيف تخلى يحيى عن حذره وقرر أن يخوض معها رحلة إلى أعماق ريفها البعيد؟ وكأن القدر قرر أن يضعهما وجهاً لوجه في عزلةٍ لا يقطع صمتها سوى صمت طويل ونظرات مرتبكة.
حين استقرا في مقعديهما على متن الطائرة المتجهة نحو روسيا، بدا أن السكون الذي يلف المكان لم يفلح في تهدئة عاصفة القلق التي تعصف بشهيرة. كانت تتململ في جلستها بوضوح، وعيناها تائهتان في السحب خلف النافذة، مما دفع يحيى لقطع حبل الصمت وهو يتصفح المجلة أمامه بلامبالاة مصطنعة:
"لم أعرف جذوركِ الحقيقية حتى الآن، كل ما نُقل إليّ أنكِ تنتمين لبلد مسلم بعيد.. وحسب."
أجابته بنبرة يملؤها الحنين والوجوب معاً:
"أنا من الشيشان إن كنت تعرفها.. من مدينة 'إيتوم-كالي'. منطقة ريفية غارقة في الفطرة، بعيدة كل البعد عن صخب وضجيج بلادكم هنا."
رفع يحيى بصره عن الورق، وسألها بفضولٍ حاول كبحه:
"وما الذي أتى بكِ هنا، فلا شيء يربط البلدان ببعضهما؟"
"رحلتُ مع خالتي وأنا في الخامسة عشرة من عمري، ومنذ ذلك الحين لم أعد لمسقط رأسي إلا في زيارات خاطفة لا تروي ظمأ."
صمت يحيى حين لاحظ الغصة التي اعترضت صوتها، وكأن لسانها بات يزن قنطاراً كلما اقتربت من حدود وطنها. تشاغل بالمجلة مجدداً حتى باغتته همستها المنفعلة:
"ليتكَ تركتَ صلاح أو أحداً من الحرس يرافقني.. لكان الأمر أهون عليّ كثيراً."
أغلق يحيى المجلة بحدة أحدثت صوتاً مسموعًا، ونظر إليها مليًا بعينين تشتعلان ببريقٍ غامض:
"وهل سأكلكِ أنا؟ ما الذي دهاكِ منذ علمتِ أنني سأرافقكِ؟"
ردت بيأسٍ وهي تفرك يديها:
"الاتفاق معهم كان سيكون أيسر بكثير. بقدومك وعنادك هذا.. أفسدتِ كل شيء!"
استوى في جلسته وسألها بلهجة تقطر تهكماً:
"وما الذي أفسدته بالضبط؟"
"في بلادي، لا يجوز أن أعود لعائلتي ومعي رجل غريب أدّعي أنه يخص عملي. والدي يرفض مهنتي من الأساس، ويقاطعني أغلب الوقت لهذا السبب.. والآن أعود إليه برجلٍ غريب أدخل به عليه في عقر داره؟"
رفع يحيى حاجبه في حنق وسأل ببرود:
"حقاً؟ وهل كان صلاح والبقية من 'محارمكِ' وأنا لا أعلم؟"
تنهدت بضيق وهي تشرح له:
"أياً كان من سيسافر معي، كنتُ سأتفق معه على كذبة صغيرة نخفف بها من حدة والدي وتوتر الموقف. قد تراني متحررة هنا، لكن هناك.. الموازين تختلف تماماً."
اعتدل يحيى في مقعده، وقال بنبرة لاذعة:
"أطربينا يا فنانة.. ما هو هذا الاتفاق العبقري؟"
قالت بتردد وهي تتجنب النظر إليه:
"كنتُ سأطلب منه أن يتظاهر بأنه 'خطيبي' أمام أبي.. فهذا هو العذر الوحيد الذي سيجعل وجوده مقبولاً."
أغمض يحيى عينيه لثوانٍ يكتم انفعالاً مرعباً..تخيل وجوه رجاله لو سمعوا هذا العرض.. تخيل سعادتهم الغامرة وهم يؤدون دور "الخطيب" لتلك الفاتنة. في تلك اللحظة، شعر برغبة في السجود شكراً لأنه لم يبعث أحداً غيره. فتح عينيه وحدق فيها بحدة أخافتها:
"كنتِ ستجعلين رجلاً من رجالي خطيباً لكِ أمام عائلتك؟ حسناً.. وكيف سيصدق والدكِ هذه الأكذوبة والأخبار تملأ الدنيا بأنكِ فسختِ خطبتكِ من نُصير الغانم منذ مدة؟"
أشاحت بوجهها بعيداً وتمتمت بحرج:
"عائلتي لا تتابع الصحف العربية، وحين نصل ستفهم ما أقول. حتى التلفاز هناك لا يعمل أغلب الوقت، ومحطاته الروسية محدودة جداً."
قال يحيى بنبرة جافة تحمل وعيداً مبطناً:
"أشعر أنني سأتفاهم مع والدكِ جداً."
سألته بلهفة مباغتة:
"ماذا تقصد؟ هل توافق على أن تقول إنك خطيبي أمامه؟"
بدى الرفض واضح في عينيه كما توقعت، ورد بحسم:
"أنا لا أكذب. أنتِ لستِ خطيبتي ولن أكون طرفاً في هذه الخديعة.. لربما أخبرتُ والدكِ عن استهتاركِ في التعامل مع الرجال ليقوم هو بتأديبكِ!"
"يحيى.. أنا لا أمزح في هذا الأمر!"
رد في برود غير مبال بأعصابها المشتعلة:
"ولا أنا أمزح.. إن كنتِ تخشين غضب والدكِ، فالأولى بكِ أن تخشين غضب الله. ستكذبين على والدكِ، لكن حين يسألكِ الله عما فعلتِ، فبماذا ستجيبين؟"
ثارت ثائرتها من وعظه المستمر الذي جاء على الجرح كالملح وصاحت بخفوت منفجر:
"لا تتدخل في شؤوني ودعك في شأنك! أنا المخطئة لأنني وافقتُ على مرافقتك لي."
هز رأسه ببرود مستفز، ثم أراح رأسه على المقعد وأغمض عينيه قائلاً:
وفري غضبكِ هذا لتفكري في تبريرٍ لائق لوجودي أمام عائلتكِ.. سأنام الآن لأنني لم أنل كفايتي من النوم، وإياكِ وإيقاظي."
تركها تغلي في مرجل حيرتها، أما هو فنام قرير العين وقد أصاب في قراره في السفر معها، ورغم غضبه منها ومن أسلوب حياتها الفج، إلا أن ما فهمه عن عائلتها سيجعله يراها بطباع مختلفة عن طباعها المتحررة التي تستفز غضبه.
***
ليلة عودة فـراس منزله
كانت دُنيا تحوم في المنزل الكبير تستكشفه، وكانت خطواتها تثقلها الوحشة والشعور بالحزن، كانت تسترجع حديثه الساخر لها وأنه صار يستخدمها الان بديلة لأم عبده، كانت تعلم أنه يحاول إهانتها كما يفعل دائمًا، وفي كل مره يلقي بسهام قسوته لقلبها الفتي فيزيد نزيفة المتألم.. ولكن ما حيلتها الا الصمت وحبه
سقطت على أحد المقاعد في الرواق وهي تضع وجهها بين كفيها وتذرف دموع صامتة بلا حيلة، لا تدري كيف تعبر عن ألمها منه سوى البكاء خفية.. فما عاد التراجع ضمن قراراتها المتاحة.. لقد تركت عائلتها وتبرأو منها.. وما عاد لها مكان سوى جواره حتى لو كان يكرهها.
كتمت تأوه أليم وهي تتذكر الساعات الماضية، لقد حضرت له حمامه ليتسبح، ثم جهزت له طعامه التي حضرته له أم عبده سلفًا، ووقفت جواره حتى أنهاه ولم يدعها للجلوس حتى.. وحينما ثقلت جفونه صرفها من أمامه في جفاء مؤلم لقد عاملها وكأنها حشرة.. أو شيء لا قيمة له
كتمت شهقتها الموجعة وهي تهمس في نفسها
آه يا فراس.. كيف لقلبي أن يحبك وأنت تذبحه وتُميته ألف مره في اليوم الواحد.. كيف أصمد كيف؟ يارب اجعل قلبه لين معي، يارب اهده وجعل حبي في قلبه يارب.
لم تكد تُنهي دعائها سرًا حتى سمعت زمجرته وهو يستدعيها بخشونة وصلتها
انتفضت من جلستها تذهب لغرفته بسرعة في قلق من أن يكون جرحه يؤلمه
أطلت عليه في الغرفة لتجده يجلس على فراشه ويستند بظهره في استقامة متعبة، اقتربت منه بسرعة وعلى وجهها قلق صادق:
"هل انت بخير؟.. جرحك يؤلمك؟"
نظر فـراس في وجهها للحظات يرى أثر بكائها واضح عليها، كانت فتاة صغيرة بائسة زجت نفسها في طريقه وتُصر على أخذ دور الزوجة القلقه، وهذا ما زاد نفوره منها وجعل صدره يضيق كلما نظر إليها.. تنهد في ضيق وهو يشيح بصره عنها ويتحدث في جفائه المعهود:
"أين كنتِ؟"
ارتبكت من سؤاله الجافي وتمتمت في خفوت تخفي به حزنها:
"كنت أرى المنزل، لأعلم من أين أبدأ.."
"مضى على موعد دوائي ساعة أو أكثر.. أتغفلين عن شيء تافه كهذا ؟
أي زوجة أنتِ يا صغيرة.. وتتبجحين بالحب وتراهات المشاعر وأنتِ لا تفعلين أبسط واجباتك تجاه زوجكِ؟.."
"لقد وجدتك نائم فلم أشأ إيقاظك.. كنت تبدو متعبًا و.."
"لا أريد كثرة حديث، هيا تحركي وأحضري الدواء."
زجرته جعلتها تتحرك بسرعة تبحث عن دوائه في الجارور بأنامل مرتعشة وعيون محتقنة بدموع ساخنة تهدد بالهبوط، وفـراس يحدق فيها كعين صقر ينتظر زلة لها ليكمل تقريعة.. اقتربت منه تصب الماء من الأبريق المجاور له
وتمد يدها بالحبوب بأنامل مرتعشة وصوت مخنوق:
"تفضل الدواء"
أخذه من يدها في فظاظة وألقاهم في فمه دون أن يأخذ كوب الماء المتراقص في يدها.. ولم تدري ماذا تفعل، أتضعه في مكانه أو سيأخذه منها.. وحينما طال وقوفها زمجر فيها بقسوة:
"لما تقفين كالتثمال؟.. ضعي الكوب جانبًا واستخدمي عقلك يا صغيرة"
انفلتت منها شهقة باكية رغكمًا عنها وهي تضع الكوب جانبًا وتهرول خارج الغرفة، وقبل أن تختفي من أمامه صدح صوته في تقريع:
"هل أخبرتك أن ترحلي؟ تعالي إلى هنا قفي أمامي"
أغمضت عينيها في مذلة وقد انتفخ حلقها في شهقات مكتومة، لا تتحمل شعورها الان، لا تتحمل قسوته التي فاقت كل الحدود.. عضت على شفتها تحاول كبت انفجار دموعها والتفتت له بوجه محتقن بالدماء ودموعها تكسي وجنتيها
سارت لتقف أمامه برأس مائل وعيون معلقة بالأرض.. لم تستطع النظر له كي لا تنهار باكية ترجوه أن يرحمها من العذاب النفسي الذي يمارسه عليها
سمعت صوته الغليظ يأمرها:
"هل تزوجت طفلة باكية لتركضي وتبكي كلما تحدث معكِ؟.. إن كان هذا طبعك فخذي نفسكِ وعودي لدار اخوتك إلى أن تكبري وتتصرفين على أنكِ امرأة عاقلة متزوجة، أتسمعين ما أقول؟"
حركت رأسها بإيجاب ولم تنطق بكلمة واحدة، بل ضاعفت جهدها ألا تبكي أمامه
وجزء ما في قلبها المتعب يتفتت وهي تسمعه للمره الثانية يحثها على العودة لاخوتها.. وهو يعلم أنها دفعت ثمن وجودها امامه الان بخسارة أخوتها ورضاهم عنها.. فقط لتنقذ سيف الدين وتكون جواره.
إشارة مهينة من يده يصرفها بها، قبل أن تلتفت وتغادر الغرفة بسرعة لتجد لها ملجأ لتذرف فيها دموعها وتخرج شهقاتها الحبيسة بعيدًا عنه
بينما هو مسح على جبينه في غضب منها ومن نفسه، يدري أنه يحكم الخناق عليها، يصب قسوته وغيظه من الجميع فيها.. جزء منه يكرهها، يكره وقاحتها، يكره أنها من مهد له الطريق لخطيئته، يكره أنه تزوج بطفلة لم تتجاوز الثامنة عشر لا تفعل شيء سوى البكاء والنواح كلما زجرها.
زفر في خشونه وصوت داخله يخبره
لقد زودت الأمر يا فراس، لقد أثقلت الأمر عليها.. ماذا تنتظر من أفعالك معها
أن تفر وتعود لأخوتها؟.. وإن كان هذا غرضك لما أخذتها وافتعلت حربًا مع اخوتها إن كنت لا تريد وجودها جوارك.. ما الذي تريده منها يا فـراس؟
كان يحاول الهرب من نفسه ومن الأسئلة التي تزاحمت عليه تهدد قشرة صلابته
حسنًا هو لا يطيق دُنيا لن يُنكر هذا.. ولكن هو لا يريد أن تسير حياته بهذا الشكل
نظر لساعة الحائط فكاد موعد صلاة المغرب يقترب..
وقف عن فـراشه يغالب ألم كتفه، وسار خارج الغرفة يبحث عن الصغيرة الباكية
قاوم رغبته في الزمجرة صائحًا بإسمها لتأتي له مهرولة.. أراد أن يذهب لها بنفسه.. وكما توقع كانت في أحد الغرف الجانبيه تجلس على المقعد وتضع وجهها بين كفيها تبكِ في خفوت حاولت خنقه كي لا يصل له
حار في أمره وهو ينظر لها بعيون ضائقة
ماذا فعلت في نفسك يا فـراس؟.. تقترب من منتصف الثلاثون وتتزوج من فتاة لم تبلغ العشرين حتى ؟.. أهذا نصيبك من الدنيا ؟.. تتزوج فتاة صغيرة باكية لا تطيق النظر حتى في وجهها.. أهذا ما تود أن تعيشه ؟
تمتم في جفاء يخرجها من نوبة بكائها:
"دُنيا"
انتفضت فزعه على صوته واستوت واقفة تمسح دموعها في عنف مرتعش وتهمس بصوت مبحوح:
"أنا فقط جلست، أنا..."
قاطع كلماتها المتقطعة وهو يزفر في ضيق:
"حينما أحادثكِ تقتربي وتكفي عن الحديث"
اقتربت منه في خطوات مرتعشة تقف أمامه، وكان وجهها الباكي واضح وقد بدت دموعها لامعة في خيط الشمس الشاحب الذي تسلل من النافذة
فلم يبدد العتمة رغم شحيحه، أطال فـراس النظر لها بغير رضا
كانت فتاة صغيرة بكل معنى الكلمة، جسد ضئيل، وجه صغير، من يراها يجزم أنها تركت باحة الدار واللعب توًا.. ودموعها خير دليل على عقليتها التي لم تتجاوز المراهقة.. كانت في حجم اللعبة الصغيرة.. لا تشبه فتيات عشيرته
لا في طولهن ولا ملامحهن، كانت بشرتها تميل للون القمح الذهبي، وعيون باكية بدت قريبة من عيون نُصير في لونهما المائل للأصفر بالرغم من اختلاف جيناتهما
وشعرها مختفي أسفل حجاب أسود لا يدري لما ترتديه حتى ؟
تمتم في هدوء جاف وهو يشير لحجابها:
"لما ترتدين هذا في الدار؟.. لقد رأيتك دونه أكثر من مره فلما الاحتشام الان ؟"
اهتزت حدقتيها اللامعة بالدموع وتمتمت بصوت مبحوح متعب:
"قلت لي الا أتصرف كأنني زوجتك.. فلم أرد اغضابك بتصرفي وكأنه منزلي"
طال صمته وعاد يسألها السؤال الذي لا يمل منه:
"تريدين العودة لأخوتكِ؟"
أغمضت عينيها تخفي عذابها فيهما، يعود ويسألها مجددًا وفي كل مره ينتظر اجابتها برغبتها في الرحيل، ولكنها تردد في كل مره ذات الإجابة:
"أنت لا تريدني معك، واخوتي.. أنت تعلم، غضبوا عليّ"
رفع احد حاجبيه وتمتم في جفاء ساخر:
"إذن أنتِ هنا لأنهم لن يفتحوا لكِ منزلهم ؟"
صمتت للحظات وجزء من اجابته حقيقي، هي تعلم أن اخوتها لن يتقبلوها بينهم من جديد، وإن فعلوا فأمها لا تطيق النظر لوجهها ولا تعتبرها ابنتها حتى
وها هو فـراس يود التخلص منها وإعادتها لهم.. ضاربًا بكل ما فعلته عرض الحائط.. رباه ماذا تفعل وكل الأبواب تغلق في وجهها.. لا احد يريدها
فاضت عيناها بالدمع وأشاحت وجهها عنه هامسة في ألم:
"إن كنت تريدني أن أرحل فسأفعل، ولكن لتتحسن صحتك أولا.. لن استطيع تركك هكذا"
للسخرية صدقها.. صدق كل كلمة تفوهت بها رغم حنقه منها
بدت صغيرة.. هشة.. لن يكون مصيرها معه سوى السحق تحت عجلات غضبه
مد كفه الخشنة يجذب ذقنها ببعض القوة وينظر في عمق عينيها في جفاء:
"لا أنتظر شفقتكِ يا صغيرة، إن كنتِ تودين الرحيل فالباب أمامكِ، لا شيء يمنعك.. وإن كنتِ ستبقين فتوقفي عن البكاء.. أكره الفتيات الصغيرات الباكيات"
صدح صوت الآذان يمنع استمرار الحديث الذي لا طائل منه، فالتفت يغادر من أمامها وهو يقول في جفاء:
"سأذهب لأتوضأ أعدي لي ملابس للذهاب للصلاة"
حدقت في أثره بعيون لامعة بدموع فشلت في احتوائها، وعقلها يخبرها للمره المائة أنه يكرهها، يكره وجودها جوارها وينتظر أن ترحل هي من تلقاء نفسها
ولكن كيف تفعل، كيف تتركه وهو في هذه الحالة.. كيف تنزعه من قلبها ؟
تحركت خلفه في خطوات بطيئة تحولت لأخرى واسعة وهي تسبقه للحمام تحت نظراته الواجمة فقالت في خفوت ناعم حزين:
"لأساعادك في الوضوء، كتفك سيمنعك"
ابتسم في سخرية وهو يتأمل ضألتها جواره وتمتم:
"وكأنك زوجتي حقًا الان"
كتكت تأوه حزين وهي تهمس بنبرة مهتزة وهي تشمر عن رسغيها:
"أنا زوجتك الان، حين تتعافى سأفعل ما تريد إن كنت تريدني أن أرحل عنك"
لم يجد في نفسه حاجه ليكمل حديث ميؤس منه معها، وبدأ يغسل كفيه متجاهلا وجودها، إلى أن حانت لحظة ثقل جسده اثناء الوضوء وساعدته هي في صمت بأنامل مرتعشة.. كانت تهابه، وتحبه.. وتقاوم ألم كراهيته لها
ما أصعب حربها معه وما أشد قسوته عليها..؟
***
تململت في فـراشها ناعسة وهي تتحسس مكان نومه، لتجده خاليًا باردًا دونه
عقدت حاجبيها في حنق وهي تفتح عيونها بصعوبة تبحث عنه حولها
استوت في فراشها تنظر لساعة الحائط لترى أن المساء قد حل.. وكالعادة منذ تزوجا.. تستيقظ فلا تجده جوارها بسبب انشغاله الدائم
تنهدت في غيظ وهي تلقي رأسها على الوسادة هامسة في حنق:
"سأقتلك يا رشدي أباظة"
"وماذا فعل المسكين لتقتلينه، أهذا ذنبه أنه يحبكِ يا خضراء؟"
انتفضت حينما سمعت صوته فجأة وقد خرج من الشرفة المفتوحة التي لم تنتبه لها.. جعدت جبينها وتمتمت في صوت ناعس وهي تنهدم خصلاتها المشعثة من أثر النوم:
"ذاك المسكين لم استيقظ على وجهه منذ أن تزوجته.. هل نظر أحدهم فيك وأنا اتزوجك؟.. ما هذه الزيجة المنظورة يا زيزو"
ضحك عبدالعزيز وهو يجلس جوارها وجذبها لحضنه يقبل صدغها الأحمر اثر نومها وهو يمس في شغب:
"كالقطط يا حبيبتي تنكرين، ومن كان معكِ منذ الصباح، هل هو خيالي ؟"
رفعت كفها الناعم تداعب وجنته الخشنة وهي تهمس في دلال كسول تؤثر في مشاعره وترى أثر دلالها في نظراته التي سرعان ما اشتعلت:
"ولكنك لا تكون جواري كلما استيقظت، هل عملك اهم من حبيبتك خضراء؟"
قبض على كفها يقبله في رقة ويديه تلفان حولها يجذبها لتجلس على ساقيه وهو يتأمل جمالها بين يديه، كانت فاتن لا تكف عن ابهاره بنعومتها وجمالها معه
تذيب هموم عمله في لحظة وحادة بلمسة ناعمة منها ونبرة دلالها التي تغوي القديس.. الصغيرة تحكم وثاقه حولها وتجعله منشغل بها في كل حين
تمتم وهو يطبع قبلاته على وجنتها نزولا لعنقها:
"لا شيء أهم من خضرائي الشقية، كيف أراضيكِ أخبريني يا حُلوة "
كاد يسحبها معه في نوبة شوقه ولكنها سرعان ما تداركت مقصده ووضعت كفها على فمه تمنعه وهي تهمس في لهفة ورجاء:
"أنت وعدتني أن تنتهي ازمة شقيق نُصير ونسافر شهر عسل.. انظر أنا لن أطلب شهر فعملك سيمنعك، ولكن على الأقل أسبوع واحد أنا وأنت وحدنا في أي مكان جميل.. أرجوك يا زيزو.. مللت من الجلوس وحدي، وعائلتك كل منشغل بعمله، وأنت لم تأخذ إجازة زواج حتى.. أرجوك يا حبيبي أرجوك"
كانت الماكرة تعلم أنها لا تحتاج الرجاء وهي تحك ذراعها هكذا خلف عنقه وقربها منه يكاد يكون التصاق صريح ومغوي، ضحك من اسفل كفها وهو يبعده قائلا في رقة تأسرها:
"أعلم أنني قصرت في حقكِ ولم تفرحي كأي عروس بسبب ما حدث، وقبل أن تطلبي كنت أجهز كل شيء لنسافر معًا.. لا تحتاجي الرجاء يا فاتن الحلوة، لتأمري وحبيبك ينفذ"
كانت كلماته صادقة ونظرته اللامعة تجعل قلبها يقفز كطفل سعيد..ورقته معها تجعلها تكاد تبكي من فرط سعادتها معه.
ارتمت بين ذراعيه تعانقة بقوة وتنهال عليه بقبلات متتابعة ناعمة وهي تغمغم في مشاعر عديدة وأكثرهم الساعدة فشلت في اخفائها عنه:
"حبيبي يا رشدي أباظة، أحبك.. احبك .. أحبك"
ضحك عبدالعزيز على جنونها الذي يروقه جدًا، فلم يجد نفسه إلا وهو يجاريها ويأخذ هو دفة المبادر وهو يجذبها له ويبثها أشواقه التي لا تنتهي بسبب جنونها وجمالها اللذان يشعلان الحب في قلبه كلما نظر لها..وكانت فاتن كقطعة حرير بين يديه، ناعمة، رقيقة.. يرى الحب في عينيها كشعاع الشمس في ظهيرة حارة
ورغم أن زواجهما عقبه اضطرابات كثيرة اثرت على خططهم، إلا أنه لم يجد منها سوى الصمت مراعيه ما يمر به ولم تغضب للحظة، رغم أن شعوره بالذنب نحوها كان يتضاعف بسبب تقصيره.. ولم تستقبل هذا الذنب إلا بالحب وبذراعين مفتوحتين أخر كل ليلة تحتويه وتتركه ينهل من حبها قدرما شاء.
بعد ساعات من جنونهما وجدها تغفو محتضنه ذراعها لصدرها وتستند عليه تحتمي به، ابتسم في حنان وهو يمسح على خصلاتها المتكسرة المشعثة وهو يسأل نفسه في ذهول، ماذا كان سيفعل لو أنها تزوجت غيره ؟.. فاتن الحُلوة تكون لغيره ؟.. مجرد الخيل جعله يعقد جبينه في رفض وهو يميل على فمها يقبلها بقوة اثناء نومها لتتمل بين يديه ناعسة تعترض على هذا الهجوم المفاجئ
ربت على وجنتها يعيد لها السكينة كي تنام، وفي عقله ذكرى لقاء بعيدة لفتاة ذات قناع أخضر ورداء حمام وعيون فضولية تخبره أنه وقع في مصيدة الحب..
***
عادا إلى الوطن، وشيء ما بينهما قد انكسر وتبدل.. غادرا تلك البلاد الباردة غاضبين، وعادا إليها صامتين صمتاً أثقل من الجبال.
كان غضب شهيرة يتجسد في ذاك السد المنيع الذي بنته حول نفسها؛ تجنبت النظر إليه تماماً، كأن عينيها قد عقدتا صلحاً ألا تلتقيا بعينيه ولو عن طريق الخطأ. بدأت تهرب من أي بقعة قد تجمعهما وحدهما، فقد استوطن الخوف قلبها من أن يباغتها بجرحٍ جديد، أو يرميها بكلمات قاسية تمزق ما تبقى من كبريائها. اكتفت بأسلوب مهني بحت، تتعامل معه بحذرٍ مفرط، كمن يسير على حقل ألغام، لا تتجاوز حدود الكلمة والرد كي لا تستفز وحش غضبه الكامن.
أما يحيى، فكان أكثر هدوءاً وجلادة، يتصرف ببرودٍ يوحي وكأن شيئاً لم يكن. ورغم أن نغزات الذنب كانت تلسع ضميره كلما لمح مسحة الحزن الخفي في ملامحها، إلا أنه وجد في تلك الحالة "الرسمية" ضالته؛ فقد أتت قسوته بثمارها وصارت العلاقة بينهما تقتصر على الضرورات القصوى.
كان هذا هو "الأمان" الذي ينشده؛ لا يريدها أن تحاصره بهذين العينين الجميلتين، ولا أن تربك ثباته بعفويتها التي يدرك صدقها وبراءتها، لكنه يخشى فتنتها. أراد أن تراه "حارساً" وحسب.. أو ربما كان هذا هو الوهم الذي يحاول إقناع نفسه به ليحمي قلبه من الانزلاق.
ورغم تلك الحرب الباردة، أعاد يحيى تنظيم الأوضاع كما كانت؛ أعاد السائق والحرس لمواقعهم، واكتفى بمتابعة حراستها عن بُعد عبر رجاله، مختفياً تماماً من محيطها لأيام بعد عودتهما.
لكنه فوجئ ذات صباح باتصال منها تطلب حضوره لمناقشة أمر حراستها. لم يكن تفاجؤه من الطلب بقدر ما كان من نبرتها؛ كانت نبرةً جليدية، رسمية لدرجةٍ مستفزة. لقد برعت شهيرة في قراءة "ما بين السطور"، وفهمت رسالته المبطنة بأن يوصد أبواب الود، لكنها بدت هذه المرة باردة أكثر مما توقع.
وقفت أمامه بهدوءٍ غريب، تخبره بكلماتٍ رتيبة:
"أقدر لك كل ما فعلته معي في الفترة الماضية، ولكن أظن أنني لن أحتاج حمايتك لفترة.. سأعود لبلادي، ولا أظن أن هناك خطراً يحدق بي هناك."
رتفع حاجبا يحيى في دهشةٍ لم يستطع كبتها، وسأل بحدة:
"ماذا؟ تعودين لبلادك؟ ومنذ متى اتخذتِ هذا القرار؟"
بدت حائرة من نبرته الهجومية، فقد توقع أن يتنفس الصعداء لرحيلها، فتمتمت بهدوء:
"لقد أنهيت التصوير وآن لي أن آخذ إجازة وأعود للديار.. هل هذا شيء يغضبك؟"
ضيق عينيه وسألها بنبرةٍ متشككة:
"ومتى ستعودين؟ أم أنكِ تودين صرف الحراسة لتعبّري عن غضبكِ فقط، وتعرضين نفسكِ للخطر من جديد بسبب تصرفات طفولية؟"
لمعت عيناها بومضة غضب وهي ترد:
لا أحد يتصرف بطفولية سواك الآن يا يحيى! أقول لك أود أخذ إجازة والعودة للديار. ثم إنني لست غاضبة.. أنت أخبرتني برأيك فيّ وفي حياتي، وأنا لن أحاول تغيير نظرتك تلك.. فأنت لست زوجي ولا خطيبي، وأنا لست أختك.. إن كنت تذكر."
ألقت كلماته التي رددها عليها في صدامهم الاخير في وجهه كما فعل هو، فتابع يحيى بإصرار:
"والرجل الذي يلاحقك، ألن يلاحقكِ في الديار أيضاً؟"
هزت كتفيها بلامبالاة مصطنعة:
"لا أظن، فبلادي بعيدة جداً، ولا أظنه سيقطع كل تلك المسافة خلفي. وما فعلته أنت في الحادثة الأخيرة كفيل بأن يزرع الرعب في قلبه ويتراجع عن جنونه."
سأل بوجوم:
"متى تنوين العودة؟"
"لم أقرر بعد كم سأبقى هناك. ربما حين يُعرض عليّ عمل جديد أقطع إجازتي وأعود."
هز يحيى رأسه رافضاً:
"أنا لست مطمئناً لهذا القرار المفاجئ، ولا أرى داعياً لصرف الحراسة حتى في إجازتك. فليسافروا معكِ، هذا أفضل وأضمن."
ردت بمرارة لم تستطع إخفاءها:
"لا أريد جذب الأنظار أو إشعار عائلتي بالخطر، سأكون بخير في دياري. ثم إنني ظننتك ستقفز فرحاً لأنك تخلصت من "المرأة الماجنة" التي تحرسها!"
صُدم من وقع الكلمة، وهتف بسرعة:
"أنا لم أقل ذلك عنكِ! لا تضعي على لساني ما لم أقله."
ابتسمت بسخرية حزينة:
"ولكن هذا كان مقصد حديثك، ورأيك بي لم يعد يهمني، فأنا أعلم نفسي جيداً. أظن أن حديثنا انتهى.. وداعاً."
كادت ترحل، لكنه مد يده بسرعة وأمسك رسغها في تهورٍ فاجأه هو قبل أن يفاجئها. وحين لاحظ نظرتها المستنكرة ليده، أفلتها فوراً وتحدث بحدة آمرة:
"ستأخذين الحراسة معكِ لتكوني في أمان.. كفى عناداً واسمعي حديثي."
سألت بنبرةٍ متهكمة:
"هل أخبرك أحد من قبل أنك متسلط وعنيد؟"
رد بصرامة لا تقبل النقاش:
"لقد قلت ما عندي، ستأخذين الحراسة معكِ، وأنا لا أمزح يا شهيرة."
كانت المرة الأولى التي يناديها فيها باسمها مجرداً من الألقاب، فاهتز شيء في أعماقها. لمحت في عينيه قلقاً حقيقياً لم يستطع مواراته خلف قناع الجمود، ورغم جرحها القديم، إلا أنها تهاونت أمام إصراره، وتنهدت بتعب:
"حسناً يا يحيى.. إن كان لا بد من ذلك، فسآخذ فرداً واحداً فقط، وسأخبر عائلتي أنه مدير أعمالي كي لا أثير رعبهم."
"حسناً، سأرسل معكِ أكثرهم كفاءة، وإن حدث أي شيء اخبريني فوراً."
"حسناً."
سأل مجدداً:
"متى تنوين الرحيل؟"
"صباح الغد. ولكن ليكون في علمك؛ أخبر رجلك أنه سيسافر لمنطقة ريفية نائية، الحياة هناك بدائية وتعتمد على الطبيعة، فإن كان..."
قاطعها بحسم:
أياً كان المكان، فالأولوية هي حمايتكِ، وللبقية حديث آخر."
أومأت برأسها، لكن القلق لم يبارح عينيها، بدت وكأنها تخبئ سراً تخشى عليه من الانكشاف، ثم قالت بحذر:
"حسناً، ولكن اختر أكثرهم كتماً للسر. أنا ذاهبة لمسقط رأسي، وهنا لا يعرفون شيئاً عن حياتي وعائلتي، والصحافة لا تترك أحد حولي إلا وتنتزع منه أي معلومة عني، وأنا لا أريد أن يقتحم أحد خصوصية عائلتي. أريد من يسافر معي أن يتصرف كأنه لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم."
غمغم يحيى بتفهم:
"لا بأس، رجالي مدربون على كتمان أسرار العملاء مهما كانت المغريات. لا تقلقي، المهم أن تعودي سالمة."
في تلك اللحظة، انقشعت الغمامة الباردة عن عينيها، وعاد الربيع يزهر في ملامحها الجميلة بابتسامة خفيفة. شعر يحيى بذهول وهو يرقب تبدل مشاعرها وانعكاسها على وجهها بتلك السرعة.. وأدرك يقيناً أنها ممثلة بارعة، تملك قدرة فطرية على التسلل للنفوس واستلاب الإعجاب دون عناء. طال تأمله في وجهها حتى تنحنحت بحرج، متمتمة:
"أنت.. أين ذهبت؟ لما تحدق فيّ هكذا؟"
استفاق من شروده وتمتم بارتباك:
"لا شيء.. سأغادر الآن، أراكِ لاحقاً."
كاد يلتفت، لكنها أوقفته بنبرة خافتة، حملت امتناناً وحذراً في آنٍ واحد:
"وداعاً يا يحيى.. وشكراً على حمايتك لي."
أومأ برأسه والوجوم يظلل وجهه، ثم غادر دون كلمة إضافية، تاركاً شهيرة تنظر في أثره بمزيجٍ غريب من الراحة.. والحيرة.. والارتباك.
اجتمع يحيى برجاله الثلاثة المسؤولين عن حراسة شهيرة في مكتبه الصغير، كان الجو مشحوناً بجدية يحيى المعهودة وهو يضع أمامهم تفاصيل المهمة الجديدة. تنحنح يحيى وهو يمرر بصره الصارم عليهم، وقال بنبرة تحذيرية:
"هناك مهمة سفر مفاجئة مع السيدة شهيرة.. السفر سيكون لمنطقة ريفية نائية، حياة بدائية، لا فنادق فخمة ولا أضواء، والمطلوب حماية كاملة وكتمان تام للسر.. من منكم سيسافر؟"
لم يكد ينهي جملته حتى حدث ما لم يتوقعه؛ فبمجرد نطق اسم "شهيرة"، تبدلت ملامح الرجال الجامدة إلى حماس لم يستطيعوا مواراته. سارع "فؤاد" بالقول:
"أنا جاهز يا ريس، أنت تعلم أنني أتحمل أصعب الظروف المعيشية."
ليقاطعه "محسن" بلهفة واضحة:
"بل أنا الأنسب، فخبرتي في المناطق المفتوحة والريفية أكبر بكثير."
ولم يتأخر الثالث "صلاح" عن الركب، مؤكداً استعداده للمغادرة في ذات اللحظة.
شعر يحيى بموجة من الغيظ تجتاح صدره.. كان يرى في عيونهم بريقاً لا علاقة له بشرف المهنة أو حماس الواجب. لقد كانت سعادتهم بمصاحبة "شهيرة اللامعة" تشي بأنهم يرون في هذه المهمة جائزة كبرى أو ورقة يانصيب رابحة، لا عبئاً أمنياً في منطقة معزولة.
احتقن وجه يحيى بالغضب، وضرب بيده على الطاولة بقوة جعلتهم ينتفضون في أماكنهم، وصاح فيهم بزئير مكتوم:
"انصرفوا من أمامي الآن! انصرفوا!"
خرجوا مسرعين وهم يتبادلون نظرات الحيرة، بينما بقي يحيى وحده يذرع المكتب جيئة وذهاباً، وصراخ أفكاره لا يهدأ. كان يشد شعره في حنق وهو يفكر:
"أأبعث معها أحداً ليحميها أم ليقع في حبها؟".
ورغم ثقته العمياء بكفاءة رجاله وإخلاصهم المهني، إلا أنه في تلك اللحظة لم يكن يثق في شياطينهم التي قد تستيقظ أمام سحرها، ولا في قلوبهم التي قد تضعف أمام ربيع وجهها.
أدرك يحيى في قرار نفسه أن شهيرة ليست مجرد عميلة، بل هي اختبارٌ قاسٍ لرجولة أي شخص يقترب منها، وخوفه عليها من نظرات رجاله لم يكن يقل عن خوفه عليها من ذاك المترصد المجهول. وفي لحظة تجلٍّ مشوبة بالخوف والغيرة التي أنكرها طويلاً، وجد نفسه يزمجر في حدة:
"كيف أأتمن أحداً عليهم وهم يرونها هكذا؟ هل أرسلهم ليحموها.. أم لأحرسهم هم من فتنتها؟"
انقضى اليوم ولم يهاتفها يحيى كعادته، ولم يخبرها عن هوية الحارس الذي وقع عليه الاختيار ليرافقها في رحلة العودة إلى الجذور. استيقظت في اليوم التالي وسط جلبة الحقائب؛ حيث ودعت "منة" التي قررت هي الأخرى اغتنام الفرصة لقضاء إجازتها مع عائلتها أثناء غياب شهيرة.
توجهت شهيرة إلى المطار، يحيط بها حرسها المعتاد، لكن خطواتهم توقفت فجأة عند البوابة الخارجية؛ فدروهم ينتهي هنا، ولم يتقدم أحد منهم ليرافقها إلى الداخل. التفتت إليهم في حيرة، وعيناها تبحثان عن وجهٍ جديد أو حقيبة سفر إضافية، وسألت:
"من منكم سيسافر معي؟"
رسم الصمت إجابة مخيبة على وجوههم، فالحسرة التي بدت في عيونهم كانت واضحة كشمس النهار. مرت الدقائق ثقيلة وهي تنتظر اتصالاً من يحيى أو قدوم شخص غريب لا تعرفه، حتى بدأ الوقت يفلت من بين أصابعها واقترب موعد إقلاع الطائرة.
أخرجت هاتفها وطلبت رقمه بحدة طفيفة:
"مرحباً يحيى.. الطائرة على وشك الإقلاع، أين الحارس الذي وعدت به؟"
جاء صوته هادئاً، قريباً وواقعياً لدرجة أنها شعرت بأنفاسه خلف أذنها وهو يتمتم:
"جواركِ."
التفتت بحركة فجائية، لتجده واقفاً أمامها كأنه انشق من الأرض؛ كان يرتدي ملابس عادية بسيطة، لكنها لم تنجح في إخفاء بنيته الجسدية القوية وهيبته الفطرية. كان يمسك بحقيبة سفر متوسطة الحجم بإهمال، وفي يده الأخرى هاتفه الذي كان يتحدث منه للتو.
جعدت جبينها بدهشةٍ شلت لسانها، وأخذت تتأمله وتنظر للحقيبة في ذهول:
"أنت.. أنت من سيسافر معي؟"
رد بنبرة غامضة وهو يثبت عينيه في عينيها:
"وهل كنتِ تودين شخصاً آخر؟"
ارتبكت شهيرة وحاولت استرجاع توازنها:
"أنا فقط لا أفهم.. الأمر لا يستدعي وجودك شخصياً، أي حارس منهم سيفي بالغرض.. فليأتِ صلاح أو.."
أطال النظر إليها، متفحصاً ملامحها التي حاولت إخفاءها تحت قبعة رياضية ونظارة شمسية ضخمة، وشعرها الأشقر الذي عقدته كذيل حصان يتمايل مع حركتها بنعومةٍ زادت من فتنتها في عينيه. تمتم بجفاءٍ أراد به إخفاء تأثره بها، وهو يتقدمها في السير:
"للأسف، خيار التبديل غير متاح لكِ يا سيدة شهيرة.. عليكِ الرضا بقدركِ."
بقيت واقفة في مكانها تنظر إلى ظهره العريض وهو يبتعد بخطواته الواثقة، وهمست بغير فهم:
"أشعر أن وجودك معي يجعلك غاضباً على الدوام.. لا أفهمك حقاً!"
التفت إليها دون أن يتوقف عن السير، وصاح بنبرةٍ آمرة مغلفة بتهكم خفيف:
”الطائرة ستقلع وأنتِ لا تزالين تتحدثين مع نفسك.. هيا يا فنانة!"
تحركت خلفه بخطواتٍ متعثرة، ولا زالت الصدمة تعصف بها؛ كيف تخلى يحيى عن حذره وقرر أن يخوض معها رحلة إلى أعماق ريفها البعيد؟ وكأن القدر قرر أن يضعهما وجهاً لوجه في عزلةٍ لا يقطع صمتها سوى صمت طويل ونظرات مرتبكة.
حين استقرا في مقعديهما على متن الطائرة المتجهة نحو روسيا، بدا أن السكون الذي يلف المكان لم يفلح في تهدئة عاصفة القلق التي تعصف بشهيرة. كانت تتململ في جلستها بوضوح، وعيناها تائهتان في السحب خلف النافذة، مما دفع يحيى لقطع حبل الصمت وهو يتصفح المجلة أمامه بلامبالاة مصطنعة:
"لم أعرف جذوركِ الحقيقية حتى الآن، كل ما نُقل إليّ أنكِ تنتمين لبلد مسلم بعيد.. وحسب."
أجابته بنبرة يملؤها الحنين والوجوب معاً:
"أنا من الشيشان إن كنت تعرفها.. من مدينة 'إيتوم-كالي'. منطقة ريفية غارقة في الفطرة، بعيدة كل البعد عن صخب وضجيج بلادكم هنا."
رفع يحيى بصره عن الورق، وسألها بفضولٍ حاول كبحه:
"وما الذي أتى بكِ هنا، فلا شيء يربط البلدان ببعضهما؟"
"رحلتُ مع خالتي وأنا في الخامسة عشرة من عمري، ومنذ ذلك الحين لم أعد لمسقط رأسي إلا في زيارات خاطفة لا تروي ظمأ."
صمت يحيى حين لاحظ الغصة التي اعترضت صوتها، وكأن لسانها بات يزن قنطاراً كلما اقتربت من حدود وطنها. تشاغل بالمجلة مجدداً حتى باغتته همستها المنفعلة:
"ليتكَ تركتَ صلاح أو أحداً من الحرس يرافقني.. لكان الأمر أهون عليّ كثيراً."
أغلق يحيى المجلة بحدة أحدثت صوتاً مسموعًا، ونظر إليها مليًا بعينين تشتعلان ببريقٍ غامض:
"وهل سأكلكِ أنا؟ ما الذي دهاكِ منذ علمتِ أنني سأرافقكِ؟"
ردت بيأسٍ وهي تفرك يديها:
"الاتفاق معهم كان سيكون أيسر بكثير. بقدومك وعنادك هذا.. أفسدتِ كل شيء!"
استوى في جلسته وسألها بلهجة تقطر تهكماً:
"وما الذي أفسدته بالضبط؟"
"في بلادي، لا يجوز أن أعود لعائلتي ومعي رجل غريب أدّعي أنه يخص عملي. والدي يرفض مهنتي من الأساس، ويقاطعني أغلب الوقت لهذا السبب.. والآن أعود إليه برجلٍ غريب أدخل به عليه في عقر داره؟"
رفع يحيى حاجبه في حنق وسأل ببرود:
"حقاً؟ وهل كان صلاح والبقية من 'محارمكِ' وأنا لا أعلم؟"
تنهدت بضيق وهي تشرح له:
"أياً كان من سيسافر معي، كنتُ سأتفق معه على كذبة صغيرة نخفف بها من حدة والدي وتوتر الموقف. قد تراني متحررة هنا، لكن هناك.. الموازين تختلف تماماً."
اعتدل يحيى في مقعده، وقال بنبرة لاذعة:
"أطربينا يا فنانة.. ما هو هذا الاتفاق العبقري؟"
قالت بتردد وهي تتجنب النظر إليه:
"كنتُ سأطلب منه أن يتظاهر بأنه 'خطيبي' أمام أبي.. فهذا هو العذر الوحيد الذي سيجعل وجوده مقبولاً."
أغمض يحيى عينيه لثوانٍ يكتم انفعالاً مرعباً..تخيل وجوه رجاله لو سمعوا هذا العرض.. تخيل سعادتهم الغامرة وهم يؤدون دور "الخطيب" لتلك الفاتنة. في تلك اللحظة، شعر برغبة في السجود شكراً لأنه لم يبعث أحداً غيره. فتح عينيه وحدق فيها بحدة أخافتها:
"كنتِ ستجعلين رجلاً من رجالي خطيباً لكِ أمام عائلتك؟ حسناً.. وكيف سيصدق والدكِ هذه الأكذوبة والأخبار تملأ الدنيا بأنكِ فسختِ خطبتكِ من نُصير الغانم منذ مدة؟"
أشاحت بوجهها بعيداً وتمتمت بحرج:
"عائلتي لا تتابع الصحف العربية، وحين نصل ستفهم ما أقول. حتى التلفاز هناك لا يعمل أغلب الوقت، ومحطاته الروسية محدودة جداً."
قال يحيى بنبرة جافة تحمل وعيداً مبطناً:
"أشعر أنني سأتفاهم مع والدكِ جداً."
سألته بلهفة مباغتة:
"ماذا تقصد؟ هل توافق على أن تقول إنك خطيبي أمامه؟"
بدى الرفض واضح في عينيه كما توقعت، ورد بحسم:
"أنا لا أكذب. أنتِ لستِ خطيبتي ولن أكون طرفاً في هذه الخديعة.. لربما أخبرتُ والدكِ عن استهتاركِ في التعامل مع الرجال ليقوم هو بتأديبكِ!"
"يحيى.. أنا لا أمزح في هذا الأمر!"
رد في برود غير مبال بأعصابها المشتعلة:
"ولا أنا أمزح.. إن كنتِ تخشين غضب والدكِ، فالأولى بكِ أن تخشين غضب الله. ستكذبين على والدكِ، لكن حين يسألكِ الله عما فعلتِ، فبماذا ستجيبين؟"
ثارت ثائرتها من وعظه المستمر الذي جاء على الجرح كالملح وصاحت بخفوت منفجر:
"لا تتدخل في شؤوني ودعك في شأنك! أنا المخطئة لأنني وافقتُ على مرافقتك لي."
هز رأسه ببرود مستفز، ثم أراح رأسه على المقعد وأغمض عينيه قائلاً:
وفري غضبكِ هذا لتفكري في تبريرٍ لائق لوجودي أمام عائلتكِ.. سأنام الآن لأنني لم أنل كفايتي من النوم، وإياكِ وإيقاظي."
تركها تغلي في مرجل حيرتها، أما هو فنام قرير العين وقد أصاب في قراره في السفر معها، ورغم غضبه منها ومن أسلوب حياتها الفج، إلا أن ما فهمه عن عائلتها سيجعله يراها بطباع مختلفة عن طباعها المتحررة التي تستفز غضبه.
***