رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الثاني عشر 12 بقلم وسام اسامة
الفصل الثاني عشر
كانت تقبض على هاتفها وكأنها تمسك بخيطٍ رفيع يربطها بالواقع، بينما تاهت ملامحها في ارتباكٍ لم تفلح في مواراته. لا تدري لمَ ينعقد لسانها كلما باغتتها رؤيته أو حتى حين ينساب صوته عبر الهاتف؛ فجأة تتطاير الكلمات من مخيلتها، وتنجلي الأفكار عن عقلها، لتعود مراهقةً تختبر خفقات الحب لأول مرة، وتتعثر في صمتها بذهول.
انتشلها من لُجّة شرودها صوته الهادئ الواثق وهو يكرر تساؤله بصبرٍ:
"مها، أين ذهبتِ؟.. ما الذي كنتِ تودين إخباري به؟"
استجمعت شتات نفسها، وحاولت ضبط نبرتها وهي تتمتم بخفوتٍ يغلفه الخجل:
"أردتُ فقط إخباركِ أنني سأخرج للتسوق مع أمي لنشتري ما تبقى من أغراضي، وبعدها سنمر على منزل شقيقتي لنبقى معها قليلاً".
همهم دُريد للحظات، وكأن عقله يزن الأمور في صمت، قبل أن يسأل بتلقائية:
"هل سيوصلكم خالي؟"
أجابته بهدوءٍ حذر:
"سيوصلنا للسوق، وزوج شقيقتي سيتولى إعادتنا إلى المنزل".
ألقت بجملتها الأخيرة وهي تدرك تماماً وقعها عليه؛ فقد باتت تحفظ طباع دُريد عن ظهر قلب، وتعلم يقيناً تلك الخطوط الحمراء التي لا يقبل التهاون فيها أو تخطيها، خاصة فيما يتعلق بخصوصية نسائه. انتظرت بلهفةٍ مكتومة ذلك القرار الذي تبتغيه، ليأتيها الرد بعد ثوانٍ بكلماتٍ حاسمة لا تقبل الجدل:
"ليوصلكم خالي، وأنا سأتولى أمر عودتكم للمنزل يا مها. انتبهي لنفسكِ، وأوصلي سلامي للجميع".
اتسعت ابتسامتها رغماً عنها، وأحكمت قبضتها على الهاتف وهي تغمغم بكلماتٍ ناعمة فضحت سعادتها التي عجزت عن مواراتها خلف نبرة عاتبة:
"وهل يجب أن نذهب لمكانٍ غريب كي نراك يا دُريد؟"
كان عتاباً رقيقاً لغيابه الذي امتد لأسبوعين أو يزيد، إذ استنزفه العمل وتحضيرات الزفاف المتلاحقة. لم ينتبه دُريد لعمق ضيقها إلا الآن، فابتسم وهو يبرر موقفه بنبرةٍ لينة فتتت بقايا الحزن في قلبها:
"عذري الوحيد أنني أسابق الزمن لإنهاء كل ما يشغلني، حتى أتفرغ تماماً لزواجنا بعد أيام.. حقكِ على رأسي يا مها، وأعتذر عن طول الغياب".
اغمضت عينيها وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهها.. دُريد يراضيها
حتى بأقل كلماته يشعل مراجل الحب في قلبها ويجعلها تقف حائرة من جماح مشاعرها الي تناقض هدوء مشاعره:
"سلمتَ من كل سوء.. لا بأس، المهم أنك ستأتي. ولكن، هل تقبل أن تتعشى معنا الليلة؟ نحن.. نحن افتقدناك جداً".
اتسعت ابتسامته وظهر المكر في صوته، وهو يداعب خجلها بنبرةٍ أشعلت في نفسها مزيجاً من الغيظ المحبب والإثارة:
"وهل افتقدني خالي حقاً؟ أنا أراه خمس مرات في المسجد كل يوم".
تنهدت بعمق، واستسلمت لمشاعرها وهي تتمتم بنبرةٍ رقيقة نابعة من الوجدان:
"يا حظّ خالك!"
ضحك دُريد بصوتٍ منخفض أربك دقات قلبها وقال:
"يا فتاة، لا تجعليني آتي إليكِ الآن وأفسد كل خططكم للخروج! لأجل عينيكِ وعيني خالي، سآتي للعشاء الليلة، لعل خالي يرضى ويعذر تقصيري".
أجابته بابتسامةٍ لم تغادر وجهها:
"لا تقلق، خالك راضٍ عنك في كل الأحوال.. المهم هو حضورك يا دُريد".
أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا وهي تحاول احتواء ابتسامتها الواسعة التي غابت عنها لأيام بسبب غيابه، ورغم تصرفها الهادئ أمام عائلتها إلا أن قلبها كان يحترق شوقًا للشيخ دُريد الذي يستطيع السيطرة على مشاعره ولا يزورها لأيام طويلة... تنهدت وهي تخرج من غرفتها وتتجه نحو المطبخ لتبلغ والدتها بقدوم دُريد على العشاء معهم.
ثم سارعت في انهاء مهامها المنزلية لتستعد بعدها للتسوق
بينما والدتها فتحت باب المنزل واستقبلت الطارق بنظرة حائرة وهي ترى شابة في نفس عمر مها تقف أمامها وعلى وجهها ابتسامة متسائلة وهي تردد:
"مرحبًا خالة.. أليس هذا منزل مها ؟"
حركت أمينة رأسها في إيجاب واطالت النظر في الفتاة التي بدت مألوفة لها، فتحدثت الفتاة تنعش ذاكرتها في ابتسامة واسعة:
"أنا لُبنى أنسيتيني يا خالة؟.. كنت مع مها في المدرسة الاعدادية والثانوية.. لُبنى شاكر"
لحظات وومضت عيون أمينة في تذكر وهي تمتم باسمة وتسلم على الشابة وهي تقول في ذهول ومودة متأصلة في طباع أمينة:
"كيف حالك يا لُبنى، لم أراكِ منذ سنوات طويلة؟.. أين كنتِ يا بنت؟"
ضحكت لُبنى وهي تبادلها العناق قائلة:
"موجودة يا خالة، ولكن تعلمين اختلاف الجامعات فرق شملنا، ولكن كنت مارة من هنا وتذكرت مها فأخبرت نفسي أن أتي وأسلم عليها."
رحبت بها أمينة لغرفة الجلوس وهي تردد في امتنان لم تخفيه:
"أين اختفيتم يا ابنتي أنتِ وبقية الفتيات؟.. لم اسمع عنكم من مها.. ولم أرى لها صديقة من بعدكم.. والله أرحت قلبي بزيارتك، فزفافها بعد أيام وكنت أحمل هم ألا يكون معها رفقة في يوم كهذا"
ابتسمت لُبنى دون أن تعلق على الشق الأول من حديثها وقالت في ذهول وابتسامة فضولية:
"مها ستتزوج خلال أيام؟.. لا أعلم يا خالتي لو كنت أعلم لكنت حضرت الخطبة وساعدتها في تحضير الزواج.. ولكنني لم اسمع خبر عنها منذ الثانوية.. أين هي ؟"
" مـــهـــا يا مــها.. صديقتك لُبنى هنا"
خرجت مها على صوت والدتها ونظرت في ذهول للُبنى التي وقفت واتجهت نحوها بخطوات واسعة سعيدة، وهي تضمها لها في اشتياق قائلة:
"مـها، اشتقت لكِ جدًا.. كيف حالك؟"
بدت مها متخشبة بين ذراعي لُبنى وعقلها قد توقف عن التفكير للحظات
لُبنى؟ ما الذي ذكرها بها بعد كل هذه السنوات؟.. ألم تنقطع علاقتهما بعد ذاك اليوم المشؤوم ؟.. بدت مها باردة حذرة وهي تتلقى ترحيب لُبنى التي قالت معتذرة:
"لا تقولي أنكِ لازلتِ غاضبة مني يا مها.. كنا اطفال حينها لا أظن قلبك أسود لتكوني غاضبة مني حتى الان؟"
تدخلت أمينة تسالها في فضول مندهشة:
"أكنتما متخاصمتان ؟.. ما الذي حدث ؟"
وقبل أن تتفوه لبنى بكلمة سارعت مها تقول لوالدتها في خفوت مرتبك:
"ليس خصام يا أمي، تعلمين شجار المذاكرة وطيش المراهقة، سأخذ لبنى لغرفتي وأنتِ أكملي تحضير الغداء عني.. فأبي سيعود قريبًا"
حركت أمينة راسها في إيجاب صامت ولم يخفى عنها ارتباك الوضع بين ابنتها وصديقتها.. أما لُبنى فوجدت طريقها لغرفة مها التي كانت تحفظها منذ سنوات طويلة، وتبعتها مها بذات الدهشة من ظهورها المفاجئ.
جلست لُبنى وقد بدت هادئة وقد تبخرت عنها سعادتها باللقاء من برودة مها معها وقالت:
" لم تسعدي برؤيتي يا مها.. إن كان وجودي يزعجك سأرحل.. أنا فقط أردت القاء التحية عليكِ"
بدى الذنب واضح على وجه مها وجلست على فراشها تقول معتذرة عن فظاظتها مع لبنى وقالت في هدوء:
"اعذريني يا لبنى، لم اتوقع مجيئك، خاصة ولنا سنوات لم نتواصل"
بدى موقف مها من لبنى واضح، جعدت الصديقة جبينها في تردد للحظات وقالت في خفوت معتذر:
"مها إن كنتِ لازلت غاضبة مني لما حدث فأنا أسفة، صدقيني لا ذنب لي في كل ما حدث.. تعلمين فريال عندما تكون غاضبة لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها، وأنا كنت الحلقة الأضعف بينكم"
لاحت تلك الذكرى السيئة في أفق ذهن مها كغيومٍ سوداء ثقيلة، ملقيةً بظلالها على روحها. استرجعت، برغبةٍ عارمة في النسيان، ما حدث قبل سنوات مضت؛ تلك الكبوة الفظيعة التي كادت أن تقصف بربيع مستقبها، وتلوث شرفها الغالي في وحل القيل والقال، ولولا أن قيّض الله لها دُريد ليتدخل فوراً وبحسم، لكانت سيرتها اليوم مادةً خصبة على كل لسان.
تنهدت مها تنهيدةً طويلة صدرت من أعماق قلبها المقبوض، وهي تحمد الله في سرها على جميل ستره ورأفته بها؛ ففي وسط ذلك الضياع، كان ذاك الابتلاء هو اليقظة التي انتشلتها من الغفلة، لتعرف حدودها الصارمة، وتدرك أن أوامر دينها وضعت لتكون حصناً يحميها، لا قيداً يكبل حريتها كما كانت تتوهم في جهلها القديم.
انتبهت من لجّة ذكرياتها المريرة على صوت لبنى الذي عاد يخترق الصمت بنبرةٍ يكسوها حزن جليّ:
"صدقيني، كان ضميري يعذبني طوال تلك السنوات، ولكنكِ اختفيتِ تماماً من محيطنا. وزاد ذلك الجفاء حينما افترقت دروبنا وذهبت كل منا إلى جامعة مختلفة. ثم إن قريبكِ هذا هددنا جميعاً بالويل إن فكرنا بالاقتراب منكِ مجدداً.. كل تلك الأمور خلقت في صدري رهبة من مواجهتكِ أو حتى الحديث معكِ".
ارتجفت ملامح مها قليلاً، ورددت بنبرة هادئة مستفهمة:
"قريبي؟"
أومأت لبنى بلهفة، وتابعت مسترسلة وهي تستعيد تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم:
"نعم، ذاك الرجل الصارم المتشدد الذي انهال ضرباً مبرحاً على ثائر حينها. خشيتُ عليكِ كثيراً أن يكون قد نالكِ منه سوى، أو أن يكون قد أبلغ والدكِ بما حدث.. وغيابكِ المفاجئ وتبدلكِ الكامل بعد ذلك اليوم كانا بمثابة تأكيد لكل مخاوفي".
شخصت عينا مها بنظرة عميقة، وسألت بنبرة رصينة لا تشي بشيء:
"أكدا لكِ ماذا يا لبنى؟"
حركت لبنى يديها بارتباك، وتمتمت:
"رأيتكِ صدفة في أحد الشوارع ذات مرة، وكنتِ ترتدين ثياباً مختلفة تماماً.. أعني ذاك الشيء الذي يغطي وجهكِ. وانقطعتِ عن الجميع بلا مقدمات، فقلت في نفسي قطعاً إن قريبكِ أخبر والدكِ، وكان الأخير هو السبب في كل هذا التغيير القسري. لقد نصحتكِ وقتها ألا تخبريه، ولكنكِ.."
قاطعتها مها بنبرة حاسمة ولكنها هادئة، نبرة امرأة تجاوزت ماضيها وصنعت من حطامه حصناً لنفسها:
"لبنى، لا داعي لنبش قبور ما مضى والتحدث فيه.. لقد كنتُ مخطئة، وكانت تلك الكبوة هي صرخة اليقظة لنفسي الغافلة. الحمد لله أنني أخبرتُ دُريد حينها، والحمد لله أنني اخترتُ الابتعاد عن الجميع في ذلك الوقت. أنا الآن في أفضل حال، إن كان هذا ما يقلقكِ بشأني".
لمعت عينا لبنى ببريق غامض، وتأملت هيئة مها بفضول، ثم قالت:
"نعم، أرى هذا بوضوح.. خالتي أخبرتني أن زفافكِ سيكون خلال أيام قليلة.. مبارك لكِ يا مها".
أجابتها مها بابتسامة مجاملة رقيقة:
"الله يبارك فيكِ، والعقبى لكِ يا لبنى".
تنهدت لبنى بضيق خفي، وقالت بلا حيلة:
"أنا أيضاً كان من المفترض أن يكون زفافي بعد أيام.. ولكنه تأجل للأسف لبعض الظروف".
علقت مها بيقين المؤمن ورضاه:
"ليفعل الله لنا ما فيه الخير دائماً".
صمتت لبنى لثوانٍ، وكأنها تزن كلمات خطيرة تود إلقاءها، ثم اقتربت خطوة وسألت بنبرة تستجدي الغفران:
"مها.. هل سامحتِني حقاً؟ لقد اشتقتُ إليكِ ولأيام صداقتنا القديمة.. أرجوكِ، انسي كل ما حدث واطوي تلك الصفحة".
نظرت إليها مها بنظرة صافية خالية من أي غل، وصوت عقلها يذكرها أن ما حجث في الماضي كان خطأها هي من البداية للنهاية، فلن يُجدي أن تلقي بالذنب على غيرها.. تنفست الصعداء وهي تردد في صدق:
"أنا نسيتُ كل شيء وسامحتُ الجميع يا لبنى. عسى الله أن يسامحني أولاً ويتجاوز عن جهلي وطيشي في تلك المرحلة. فلا تحملي هماً لشيء، ما مضى قد مضى وانتهى أثره".
سكنت ملامح لبنى فجأة، وهبط صوتها إلى نبرة حذرة مشوبة بتردد مريب:
"وثائر؟"
اختفت السكينة منها وجعدت مها جبينها بريبة، وسألت ببرود:
"وما لي به؟"
استجمعت لبنى شجاعتها المرتجفة، وقالت محاولةً سبر أغوارها:
"أقصد.. هل تخطيتِ مشاعركِ القديمة نحوه؟ أقصد.. أنتِ لا تكنّين له أي.."
قاطعتها مها هذه المرة بحدة بالغة، واعتدلت في جلستها وقد تملكتها نبرة دُريد الصارمة، وقالت بعينين تشتعلان كبرياءً:
"لبنى! أنا الآن امرأة معقود قرانها على رجل آخر، وحينها كنتُ مجرد طفلة غبية لا تدرك أبعاد أفعالها. وحينما أسترجع تلك المسألة برمتها الآن، لا أشعر سوى بالندم وأحمد الله الذي نجاني مما كان ينتظرني. فأرجوكِ، انتبهي لحديثكِ واحترمي حدودي".
تراجعت لبنى للخلف قليلاً، وبدت كمن يمهد الأرض لضربة أخيرة، فتمتمت بصوت خفيض:
"لا أقصد إغضابكِ أبداً.. ولكن.. ولكنني كنتُ أريد الاطمئنان فقط، والآن تأكدتُ أنكِ لن تحملي ضغينة في قلبكِ تجاهي".
عقدت مها حاجبيها بدهشة استنكار:
"ولماذا قد أغضب منكِ الآن تحديداً؟"
هنا، التقت عينا لبنى بعيني مها، وألقت بقنبلتها الموقوتة بملامح هادئة اعتذارية:
"لأنني وثائر سنتزوج.. لقد خُطبنا منذ العام الثاني لنا في الجامعة. وكنتُ أخشى طوال الفترة الماضية أن ترفضي عودة صداقتنا بسبب ارتباطي به.. ولكنكِ الآن بحديثكِ هذا أرحتِ قلبي تماماً".
تجعد وجه مها في تلك اللحظة تعبيراً عن مزيجٍ معقد من الاستنكار الشديد والشفقة العميقة.. لم يكن استنكاراً لخطبة لبنى، بل كان شفقةً حقيقية عليها لارتِباطها برجلٍ يحمل خصال "ثائر". استرجعت مها في لمحة خاطفة ذكرى بعيدة وفظيعة لموقف جمعها به ذات يوم، ذكرى كادت تفضح معدنه الخبيث لولا ستر الله، فاقشعر بدنها من مجرد المرور بجانبها في خيالها.
تماسكت بسرعة، ونفضت عن روحها غبار الماضي، ثم أردفت بهدوء:
"لا شأن لي به.. ليوفقكما الله يا لبنى، ويكتب لكما الخير".
حينها، تهللت أسارير لبنى، ووقفت بلهفة متجهة نحوها تعانقها في سعادة غامرة، وقد انزاح عن صدرها حمل ثقيل بعد أن لمست صدق مها في نسيان الماضي وتجاوزه. انطلقت لبنى تثرثر بلا انقطاع، تقص عليها بتفصيلٍ ممل عما حدث خلال سنوات الفراق، بينما اكتفت مها بالاستماع لها ووجهها يحمل ذات الابتسامة الهادئة الصابرة.
كان جسد مها هناك معها، لكن عقلها كان في مكان آخر، يرفض أن يرحمها من ذكريات بعيدة أعادت وخز الذنب إلى نفسها.. واسترجعت نفسها القديمة حيث كانت فتاة مراهقة خجولة منطوية، حتى انتقلت للمرحلة الثانوية وتعرفت على أشهر ثلاث فتيات في المدرسة، كن الأكثر جدلا وشهرة ومرحًا بين الفتيات، وعلى رأسهم فريال القائدة، أكثرهم جرأة وتسلط، ورغم أن شخصيتها كانت مختلفة تمامًا عنهن، إلا أنهن سعين لصداقتها.. الثلاثي الذي تتمنى الكثيرات الانضمام لدائرتهن
ضموا مـها لهن دون أي جهد.. وكان هذا أخر عهدها بالخجل أو الانطواء، وتحولت لأخرى تشبههم كي لا تكون هي الشاذة من بينهم.. ولتسلم من لسان فريال الذي كان يلسها بسوط السخرية من طباعها الغربية.
وبين عشية وضحاها، تحولت مـها ذات عيون الظبيان الخجولة، إلى أخرى مهملة في دراستها، تجلس أمام المرآة لساعات تتأمل جمالها
انخرطت في أمور الحب بين الصبية والفتيات، دون أن تجرأ وتزل قدمها في بئر الحب.. إلى أن جائت فريال وأخبرتها بإعجاب ثائر بن عمها بها، وأنا خطفت انظاره حينما رأها مع فريال.
حينها ارتبكت، فرحت، وخافت.
كان مزيج مشاعر مختلف في قلب فتاة خرجت لتوها من ثوب الطفولة للمراهقة، لأول مره تكتشف أنها تعجب أحدهم.. ولم يكن أي شخص.. بل ثائر بن عم فريال، الذي يكبرهم بعامان.. والاكثر وسامة في مدرستهم.. وظلت فريال تلح فوق رأسها ألا ترفض قريبها، تحاصرها بمزياه وتعدد لها شهيدات الحب فيه.. بل وتمنن عليها أنه نظر لها بسببها.
ومن هنا بدأ التغير الحقيقي في شخصيتها وطباعها
خرجت مـها من بئر ذكرياتها لتجد لبنى مازالت تحكي بلا ملل وغفلت تماماً عن عقارب الساعة التي كانت تركض خلف بعضها سراعاً، إلى أن انتبهت فجأة على صوت النداء الحق يعلو في الآفاق؛ أذان المغرب.
وقفت مها مستأذنة لبنى في أدب لتذهب وتتهيأ للصلاة، فانتفضت لبنى هي الأخرى بسرعة، واعتذرت بحرج عن طول بقائها ومداهمة الوقت لهما، ثم لملمت أشياءها وهي تردد معتذرة:
"لقد عطلتك أكثر مما يجب، ولكن صدقيني كنت أشتاق للجلوس معكِ، أرجوكِ يا مها لنكن على تواصل، اتفقنا؟"
ودعتها مها بذات الابتسامة الهادئة حتى توارت عن الأنظار. وبمجرد أن أُغلق الباب، وقبل أن يشرد خيالها ويسحبها لدوامة الأفكار المظلمة من جديد، ارتفع صوت دُريد الرخيم عبر مكبر الصوت وهو يقيم الصلاة في المسجد المجاور، ثم شرع في تلاوة القرآن بخشوعٍ ذكرها بذاتها في هذه اللحظة.
انسابت الآيات إلى قلبها كبلسمٍ شافٍ، لتطمئن نفسها المضطربة، وكأن صوت دُريد جاء في تلك اللحظة تحديداً كرسالة ربانية تخبرها بأن الله كريم بعباده، رحيم في لطفه وكرمه.. لولا الله، ثم وجود دُريد في حياتها، لكانت هلكت وضاعت في غيابات ذلك الماضي المظلم. تنفست الصعداء، واتجهت نحو سجادتها بقلبٍ يملؤه اليقين والامتنان.
***
كان فـراس يجلس في شرفة منزله، يحدق في السماء الداكنة التي ابتلعت أفق الحديقة بالكامل ولم تترك خلفها سوى ظلام الليل الدامس. لم يكن يقطع ذلك السكون الموحش سوى النبرات الرتيبة لصوت حشرات الحقل البعيدة. مضت أيام عديدة منذ خروجه من المشفى واستقرار دُنيا معه في داره، لتبدأ معها دورة حياة جديدة لم يألفها.
كان يراقبها طوال تلك الأيام؛ تستيقظ صباحاً لتهيئ له حمامه وملابسه، ثم تعد طعامه ودواءه بانتظام، قبل أن تنخرط في أعمال المنزل الشاقة متتبعة أثر "أم عبده" في تفاصيلها. وبين الحين والآخر، كانت تأتي لتقف على عتبة بابه بجسد مرتجف كتلميذة خائفة، تسأله بنبرة مرتعشة إن كان ينقصه شيء.
ورغم أنه كان يجابه سؤالها بجفاء قاسٍ يجلب الدموع إلى عينيها، ويجعله يجزم أنها لن تعود لساحته مجدداً، إلا أنها بعد ساعة أو أقل، كانت تتخطى كبرياءها الجريح وتعود لتقف بذات الارتباك لتطمئن على حاله.
مسح فـراس جبينه وتنفس الصعداء، باحثاً عن مخرج من لوم نفسه الذي بات يطارده في كل لحظة. تساءل في سره للمرة التي لم يعد يحصيها: "لماذا انتزعتها من أمام قاعة الزفاف؟ لماذا افتعلت ذلك الجنون وجئت بها إلى هنا؟".
كان يدرك في قرارة نفسه أنه رجل تعيس، وأن وجود شخص يحمل ذات التعاسة بجواره لن يزيد الوضع إلا قتامة.
الفتاة تذبل وتزداد حالتها سوءاً وهي تعيش معه كخادمة مسكينة، وانصياعها الأعمى وضعفها المستمر باتا يثبتان له أنها لن تملك يوماً صلابة قبيلة آل غانم. حار في أمرها؛ أيعطيها الطلاق ويحررها نهائياً من تلك الزيجة البائسة، أم يتركها على حالها تواجه قدراً لم تختره؟
قطع حبل أفكاره رؤية ظلها ينعكس عبر الضوء المتسلل من الشرفة. مرة أخرى، عادت لتقف متخفية في العتمة، تسأله عن حاله بخفوت مرتبك. عقد جبينه في دهشة وسأل نفسه مستنكراً:
"ألا تمل هذه الفتاة من المحاولة؟".
أجلى صوته واستدعاها بهدوء لم تعهده منه من قبل:
"تعالي يا دُنيا".
بتردد شديد خطت نحو الضوء، ليتلاشى الظل وتظهر وقفتها المرتبكة ووجهها الشاحب. تأملها فـراس مطولاً، وشعر بمرارة وهو يرى نسخة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت تمرح في بيت عمه؛ لم تعد الفتاة الشقية المتمردة التي يلمح الدلال في عينيها، بل غدت امرأة هزيلة، بوجه ذابل وعيون أتعبتها كثرة البكاء، وكأنها مجرد طيف باهت لفتاة أخرى غادرت الحياة.
شعر فـراس بأنفاسه تتعثر داخل صدره، واجتاحه ذعر خفي وهو يسأل نفسه في ذهول: "أنا من حولها إلى هذا الحطام؟ أحقاً كنت أقتص من نُصير في هذه المراهقة الصغيرة؟".
أدرك في تلك اللحظة أن "فلك" كانت محقة حين اتهمته بفقدان عقله. انتبه من ذهوله على صوت دُنيا المهتز وهي تقول:
"أنت بخير؟ أقصد موعد الدواء قد حان.. وأنت لم تأكل شيئاً بعد و.."
مد يده نحوها، وتحدث بصوت هادئ ومنخفض لم تتبين ملامحه:
"اقتربي".
كانت تلك الكلمة الواحدة كفيلة بأن تجعل دقات قلبها تتوقف وجلاً. وزعت نظراتها الحائرة بين كفه الممدودة ووجهه الواجم، وتملكتها رغبة فطرية في الحماية جعلتها تخطو خطوة إلى الخلف، قائلة بأنفاس مقطوعة:
"أنا.. أنا لم أفعل شيئاً خاطئاً.. أنا.."
قاطعها فـراس بضيق، وقد أذهله خوفها الذي بدا واضحاً كشمس الصيف في عينيها:
"اقتربي يا بنت ما بكِ؟ من يراكِ يظن أنني أضربكِ".
كانت الحقيقة أنها لا تنال منه ضرباً، لكنه كان يعنف روحها بنظراته القاسية وتعليقاته الجافة التي تفتت أعصابها، حتى صمته الواجم كان يحكي لها كل ثانية عن مدى مقته لوجودها.
أيام وهي تتجرع طباعه الصعبة وتصمت، تتماسك بكل ما أوتيت من قوة ألا تبكي أمامه، حتى إذا أرخى الليل سدوله، وضعت رأسها على وسادتها واستسلمت لشهقاتها حتى تنام من فرط التعب والحزن.
دنت منه بخطوات بطيئة متثاقلة حتى وقفت أمامه مباشرة. كان الظلام يأتي من خلفه والضوء ينبعث من خلفها لينير ملامحه، وما بعث الهدوء المؤقت في نفسها أنه لم ينظر إليها تلك النظرة المعنفة، بل كانت عيناه أخف حدة. أشار لها نحو المقعد المجاور له يدعوها للجلوس، فأطاعته دون أن تنطق بكلمة.
غلف المكان صمت ثقيل للحظات، قبل أن يسألها فـراس بهدوء اخترق هدوء الليل:
"ألا تودين العودة لإخوتكِ؟"
أطرقت رأسها أرضاً، وقد تملكها اليأس من تكرار ذات الحديث؛ كم مرة يجب عليها أن تشرح له أنهم أوصدوا أبوابهم في وجهها ولن يقبلوها مجدداً؟ كم مرة أخبرته أنها لن تفارقه حتى تتحسن صحته ويكون قادراً على رعاية نفسه؟ طال صمتها وعادت دموعها تغالب جفونها، فسمعته يقول بضيق واضح يحاول مداراته:
"اسمعي، ما كان يجب أن أقحمكِ في كل ما حدث، أنتِ لا زلتِ صغيرة جداً، ولو كانت فلك أو فيدرا مكانكِ لما ارتضيتُ لهما ما حدث معكِ. سأمنحكِ الطلاق وتعودين لإخوتكِ، وأنا من سيتولى إخبارهم بأنني من ضغط عليكِ وأجبركِ على العودة معي. أعلم أن هذا لن يعوضكِ عما عانيتِ منه، ولكن هذا الحل أفضل بكثير مما ينتظركِ من حياة هنا".
رفعت عينيها إليه وسألته بنبرة ضائعة:
"وماذا سأفعل بعد ذلك؟ وأنت.. ماذا ستفعل؟"
أجابها مستغرباً:
"ماذا سأفعل في ماذا؟ أنتِ ستعودين لحياتكِ السابقة، تكملين دراستكِ أو تتزوجين، افعلي ما يحلو لكِ. وأنا سأتفاهم مع إخوتكِ وننهي هذا الأمر تماماً".
غلبتها موجة ألم وهي تسمعه يتحدث عن حياتها وكأنه غريب لت يهتم لما ستفعله بعد فراقهما.. ولكنها لم تستطع فعل المثل وسألته بقلب يرتجف:
"وأنت ماذا ستفعل في حياتك؟ هل ستتزوج؟"
رد بتلقائية وجفاء:
"نعم سأفعل، ما الذي يمنعني من ذلك؟"
نزلت كلماته كالصاعقة على قلبها، فهتفت بمرارة غلبت حذرها:
"ألهذا الحد تكرهني؟ أنا ماذا فعلت لك لتمقتني هكذا؟ أنا أحاول إرضاءك بكل طاقتي، ولكنك تريد التخلص مني فوراً. أهذا لأنني لا أحمل دماء آل غانم في عروقي؟ هل يشكل نسبي عائقاً يمنعني من أن أكون زوجة لك؟"
زفر فـراس بحدة وقال:
"هل أنتِ غبية يا فتاة.. أقول لكِ ستعودين لحياتكِ الطبيعية وتتحدثين عن النسب وتلك الترهات؟ أخبريني ماذا تريدين لننهي هذه القصة الحزينة؟"
مسحت دمعة فرت من عينيها وقالت بيأس:
"لا شيء، سأفعل ما تريده أنت، ولكن لننتظر حتى يتم شفاؤك وأطمئن عليك أولاً، وبعدها أرجعني كيفما شئت".
استند بجسده إلى الخلف وقال بصوت حاسم:
"اجلسي واسمعيني جيداً يا دُنيا".
نظرت إليه فتابع يحلل الموقف بعقلانية جافة وهو يتأمل دموعها:
"لا أعلم ما الذي يدور في رأسكِ لتكوني بهذا العناد، ولكن لتعقلي ما يحدث؛ أنتِ فتاة صغيرة لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، وأنا تخطيت الثلاثين بكثير، وإخوتكِ بيني وبينهم مصانع الحداد، وفوق كل هذا لا أظنكِ زوجة تناسبني أو تنفعني في حياتي. فلماذا التشبث بزواج محكوم عليه بالفشل؟ أخبريني بسب واحد يدفعكِ للتمسك بوجودكِ هنا؟"
بلعت ريقها بغصة مريرة وهتفت في يأس:
"لن تصدقني مهما قلت، لذا سأفعل ما تريده مني".
ضيق عينيه وسألها بنبرة متشككة:
"ما الذي لن أصدقه؟"
جمعت شجاعتها المبعثرة وقالت بصوت نابع من أعماق وجعها:
"أنني أحبك، وأنني أعلم أنك شخص صالح في باطنك. صدقني، أنا أريد أن أكون زوجتك حقاً، ولكنك تراني لا أرقى لهذا المنصب لمجرد أنني لست من العائلة، وهذا أمر لا أملك القدرة على تغييره".
علت وجه فـراس ابتسامة ساخرة، ونطق بتهكم آلمها:
"عدنا لقصة الحب من جديد؟ يا ابنتي افتحي عينيكِ جيداً؛ أي حب هذا؟ ما الذي قد يعجب فتاة صغيرة مثلكِ برجل بعين واحدة ولسان سليط؟"
كانت أسئلته الساخرة تزيد من تدفق دموعها وشهقاتها المتألمة. كانت تعلم أنه لن يصدقها، تماماً كما فعل في الماضي؛ لن يصدق أن كل ما احتملته كان لأجل حبها له، وأن كل تضحياتها وهوانها كانا لأجل عينه الواحدة التي يسخر منها الآن أمامها.
انتبهت على زفرته الحادة وهو يعتدل في جلسته، ليعود ويتحدث بهدوء قاطع وضع به النقاط فوق الحروف:
"اسمعي، أنا الآن أتحدث معكِ وكأنكِ واحدة من أخواتي، وسأعطيكِ فرصة أخيرة لتعودي لإخوتكِ. ستخرجين من الشرفة الآن وتتجهزين لأوصلكِ لدار عائلتكِ."
صمت لحظات يتأمل ملامحها الباكية ونظرة الألم التي تطل من عينيها وتابع في حذر وشيء ما في نفسه أراد تخويفها من الاختيار الثاني علها ترجع لعقلها:
"وإن لم تفعلي واخترتِ البقاء، ستكونين زوجتي حقاً أمام الله والناس. ولأكون صادقاً ومعادلاً معكِ؛ أنا لا أحبكِ، ولن أحبكِ يوماً. وإن صرتِ زوجتي سأعاملكِ بما يرضي الله فقط، فلا تنتظري مني حباً أو كلمات غزل. ستكونين زوجة، وربة منزل، وأماً لأولادي، لن أرأف بكِ ولن أنظر لصغر عمركِ.. لذا، الخيار أمامكِ الآن".
تركها فراس تحت تأثير كلماتها الأخيرة التي ألقتها كحكم إعدام على أحلامها الوردية، ونهض ببطء، مستنداً على جدار الشرفة .
ترك مساحة الصمت تتسع بينهما، ليعطيها مهلة أخيرة للاستفاقة والنجاة بنفسها، بينما بقيت هي في مجلسها كعصفور بلله المطر، تجتر غصاتها المتلاحقة.
كان الخيار المتاح أمامها يجلد روحها.. إما العودة لذل النبذ من أهلها الذين نفضوها عن ثيابهم، أو البقاء هنا لتذوق صقيع حياة زوجية بلا حب، مع رجل أعلن صراحة أنه لن يرى فيها سوى آلة لإدارة منزله وإنجاب أطفاله. تطلعت إلى ظهره العريض وهو يبتعد بضع خطوات، ورغم العلقم الذي ملأ جوفها، كان هناك صوت خفي في أعماقها يرفض الهزيمة، ويرفض التخلي عن بقايا الأمل في أن يلين هذا الحصن يوماً.
استجمعت دُنيا شتات نفسها، ومسحت دموعها بظهر كفيها في حركة طفولية عفوية تنم عن حسم مفاجئ، ثم وقفت بثبات هزيل، وقالت بصوت خافت ولكنه حمل نبرة تحدٍ لم يعهدها فيها من قبل:
"لن أذهب إلى أي مكان يا فـراس.. سأبقى هنا، وسأكون الزوجة وربة المنزل والأم التي تريدها.. سأتحمل معاملتك، ولن أطلب منك حباً لا تملكه لي.. ولكنني لن أتخلى عنك."
التفت إليها فـراس ببطء، وشغلت ملامحه دهشة صامتة تداركها سريعاً بجحود مصطنع. حدق في عينيها اللامعتين بالعناد خلف بقايا الدموع، وكأنه يرى للمرة الأولى وميض قوة في تلك المراهقة الضعيفة. أدرك في تلك اللحظة أن الحرب بينهما قد بدأت بالفعل، وأن عنادها قد يفوق قسوته بمراحل.
أشاح بوجهه عنها مجدداً، وتحرك نحو الداخل وهو يغمغم بصوت جاف أجش:
"أنتِ من اخترتِ يا دُنيا.. فلا تبكي غداً إن وجدتِ من العيش معي ما لا تتمنين.. اذهبي وأعدي ملابس الصلاة، فالوقت يمر."
تحركت خلفه على الفور مطيعة، والقلب يرتجف خوفاً وشوقاً لما هو آتٍ، مستعدة لخوض غمار هذه الرحلة المجهولة بجوار رجل يملك قلبها.. ويملك سحقها في آن واحد.
انسحب فـراس من أمامها متوجهاً إلى المسجد ليؤدي صلاته، تاركاً إياها في جوف الدار تواجه وحشة المكان وثقل الأفكار التي خلفها حديثه القاسي. تنفست الصعداء وذهبت لتتوضأ، علّ الماء البارد يطفئ بعض الحريق المشتعل في صدرها. فرشت سجادتها واستقبلت القبلة، ومع أول سجدة تهاوت حصونها تماماً، فانسابت دموعها كالنهر الجاري دون انقطاع. امتزج بكاؤها بدعاء حار تضرعت به إلى السماء؛ كانت تسأل الله بقلب منكسر أن يرق قلب زوجها لأجلها، وأن يلين قسوته، ويزرع مودتها وحبها في قلبه الجافي، فما عادت تملك في هذه الدنيا ملاذاً ولا سنداً سواه.
مضت الدقائق بطيئة ثقيلة، حتى تحولت إلى ساعات، وفي أثنائها رتبت دُنيا هندامها وحاولت إخفاء آثار البكاء عن وجهها الشاحب. قطع سكون البيت صوت فتح الباب الخارجي معلناً عودة فـراس، وما إن خطت قدماه الرواق حتى شعرت دُنيا بانقباض في صدرها؛ فقد عاد واجماً، وعيناه تشتعلان ببريق غضب حارق يتقافز من حوله وكأنه يحمل حرباً خرج بها من المسجد.
تلقائياً، وانصياعاً لخوفها الفطري منه، انكمشت على نفسها من جديد، وهبطت دقات قلبها وهي تحضر نفسها لنوبة تقريع قاسية اعتادت أن يفرغ فيها غيظه وحنقه من الدنيا.
ولكنه على غير العادة، تخطاها بجفاء مطبق، ولم يلتفت نحوها أو يلقِ بكلمة واحدة، بل توجه مباشرة إلى غرفته واختفى خلف بابها الموصد.
أثار صمته الغريب ريبتها، واندفع القلق سريعاً لينهش قلبها؛ فالغضب الصامت من فـراس كان يبدو لها أكثر رعباً من زجره العالي. تحركت نحو المطبخ بأنامل متعرقة من فرط التوتر، وجهزت له صينية العشاء بما استطاعت من سرعة ترقباً لحاجته. حملت الصينية الثقيلة وتوجهت صوب غرفته بخطوات وئيدة، ووقفت أمام الباب تطرقه في تردد شديد وخوف يسبق يدها، لثوانٍ حبست فيها أنفاسها، قبل أن يأتيها صوته الأجش الصارم يأذن لها بالدخول.
أسندت صينية الطعام بيد واحدة بصعوبة بالغة بينما فتحت الباب بالأخرى، ودلفت إلى الغرفة وهي ترمقه بنظرات حذرة متوجسة، تستشف من ملامحه ما يخبئه لها خلف هذا الصمت المريب. رأته قد بدل ملابس الخروج ودخل فراشه، يستند بظهره إلى الفراش في وضع جلوس متصلب وعيناه معلقتان بالفراغ. اقتربت من السرير بخطوات مرتجفة، ووضعت الطعام أمامه ثم تراجعت خطوة للخلف، وتمتمت بصوت خافت يكاد لا يُسمع من فرط ارتباكها:
"العشاء".
وضعته أمامه متحاشية نظراته الثاقبة، ووقفت للحظات لا تدري ما تقول، ثم التفتت لتغادر ولكنه أوقفها بصوته الجاف:
"هل تناولتِ عشائكِ؟"
التفتت له في حيرة لا تدري بما تجيب، منذ جائت تتناول طعامها منفردة، لا يسألها إن أكلت أو لا.. لا تدري أتخبره أنها لم تفعل لزهدها عن الطعام؟.. أم تقول أنها أكلت كي لا يوبخها؟.
طال صمتها ففهم وهو يتنهد ويشير لها بالجلوس أمامه:
"لنأكل سويًا.. اجلسي"
كانت المفاجأت لا تنتهي اليوم..هل دعاها للأكل معه ؟
كانت تقف كالصنم وملامح البلاهة تسيطر عليها، فتأفأف منها وهو يجذب ذراعها ببعض القوة ويجلسها أمامه قائلا في ضيق:
"تحركي يابنت، ما هذه البلاهة ؟"
جلست متململة في حرج مما نعتها به وظهر ضيقها في عينيها، فلم تمد يدها للطعام واكتفت بالنظر له وهو يقطع الخبز ويشرع في الأكل
كانت اللحظة غريبة عليها، لها رهبة لا تفهمها
تجلس أمام فـراس في غرفته، بينهما العشاء، تراه يأمل في هدوء.. لا زجر ولا تعنيف.. ولا نظرات قاسية ؟
وقبلها اتفاقهم الأخير أن تكون زوجته حقًا بلا رجعة ؟
ما الذي حدث له فجأة ؟
رفعت عينيها الحذرة له لتجده يحدق فيها بنظر طويلة أربكتها هربت بعينيها بسرعة تتشاغل في تطيع الخبز دون أن تأكل.. وقلبها يخفق في سرعة تؤلمها.. كل شيء سببها فـراس يؤلمها.. أيجلب الحب الألأم للقلوب بدل من اسعادها ؟
وما كادت تنخرط في افكارها من جديد حتى تفاجأت بيده الممتدة لفمها بلقمة يحشرها فيه ببعض القوة التي ألمتها، حتى شكت أن شفتها جرحت من خشونته.
رفعت عينها الحائرة له وهي تمضغ اللقمة بعد لفتتة الخالية من الرقة
لتجده يقطع لقمة أخرى ويغمسها في الصحن قائلا في جفاء:
"صرتِ جلد على عظام، لو رأكِ أخوتكِ سيظنون أنني أعذبكِ جوعًا"
لم تستطع الرد عليه وهي تراه يضع لقمة أخرى في فمها بذات الخشونة
لقمة بعد اخرى بعد أخرى حتى كادت تغص بطعامها ورفعت كفها امام فمها تهمس من ورائه:
" أنا شبعت.. أنت لم تأكل شيء "
اتبهت أنه جعلها تأكل أغلب الطعام دون أن تشعر، ورغم خشونته الغريبة في اطعامها إلا أن عينيها لمعت بلمعان غريب، وقد شعرت أن صبرها عليه يمكن أن يثمر يومًا.
نفض يده من فُتات الخبز وهو يردد في تهكم:
"لقد أشبعوني اخوتكِ.. خذي هذا الطعام من هنا وتعالي"
بدت حائرة من ذكر اخوتها.. هل لعودته غاضبًا علاقة باخوتها؟
هل تشاجر مع أحد منهم مره أخرى ؟
لم تجرؤ على السؤال، فحملت الطعام للمطبخ بذهن شارد ثم عادت له مره أخرى لتجده قد تسطح على الفراش، وقفت أمام الباب تساله في قلق:
" هل أنت بخير؟.. هل اخذت دوائك ؟"
"كفى اسأله وأغلق الضوء وتعالي لتنامي جواري"
اتسعت حدقتيها مما قاله؟.. هل حقًا أخبرها أن تأتي لتنام جواره ؟
لقد قضيت لياليها في غرفة فيدرا.. ما الجديد الان.. هل هو اتفاقهم؟
"دُنيـــا"
زمجرته باسمها انتشلتها من شرودها، فبدت حائرة مرتبكة وهي تتحرك نحو الفراش الكبير تدور حوله وتجلس جواره، وبأنامل مرتبكة أغلقت المصباح الجانبي لتسبح الغرفة في ظلام دامس.
لفّ الظلام أرجاء الغرفة، ومعه تضاعفت رهبة الموقف في نفس دُنيا؛ فبقيت متيبسة على حافة الفراش الكبير، لا تجرؤ حتى على سحب أنفاسها كاملة كأنها تخشى أن تخدش هدوءه. كان صمت فـراس بجوارها يبدو أثقل من العتمة نفسها، يملأ الفراغ بينهما بتساؤلات جعلت أطرافها باردة كالثلج.
تحرك فـراس في مضجعه، وأحدثت حركة جسده على الفراش صوتاً جعل قلبها يقفز في صدرها . وقبل أن تستوعب ما يحدث، امتدت كفه الخشنة في العتمة تقبض على رسغها الغض؛ كان تلامس كفه لبشرتها مفاجئاً ومباشراً، فسرى خدر غريب ورعشة عنيفة في جسدها جعلتها تحبس أنفاسها. جذبها إليه ببطء ولكن بحسم، لتتحرك رغماً عنها وتقترب من جسده الممدد. حاولت المقاومة بضعف وهي تفرك يدها المحبوسة بين كفه، وهمست بنبرة متقطعة يملؤها الارتجاف:
"فـراس.. أنا.."
قاطع لجلجتها وهو يضع ذراعه السليمة خلف ظهرها، ليجذبها أكثر حتى التصق جسدها الضئيل ببنيته القوية.
أجبر رأسها على الاستقرار فوق صدره العريض بعدما جذب حجابها بحنق، جاعلاً من ذراعه وسادة لخصلاتها ، وتمتم بصوت منخفض خرج من عتمة صدره هادئاً كجريان النهر:
"نامي يا دُنيا.. وكفي عن الارتجاف، صدعتِ رأسي بأنكِ زوجتي، والان نامي وكفى تململ".
تسمرت دُنيا في وضعيتها، وكل إنش في جسدها يشتعل بارتباك لم تعرفه من قبل. كانت أنفاسها الدافئة تضرب عنقه في قربهما اللصيق، بينما كان صوت دقات قلبه القوية والمنتظمة يصل لسمعها بوضوح.. ذاك القلب الذي طالما تمنت أن يلين لها. لم يكن تلامسهما يحمل رقة الغزل، بل كان احتواءً خشناً ومباشراً فرض عليها أن تشعر بكل عضلة في جسده، وبثقل ذراعه التي طوقتها لتمنعها من الهرب... ومن قال له أنها تريد الهرب منه ؟
شعرت بنفضة في خلجاتها ألح عليها سؤال يحمل بادرة أمل.. هل بقربها منه الان سيصبح وضعهم أفضل؟
هل تقبلها أخيرًا وسلّم بها كزوجة ؟
ومع مرور الدقائق، وتحت تأثير الحرارة المنبعثة من جسده، بدأت أناملها المتعرقة تسترخي تدريجياً فوق ثوبه، مستسلمة للأمان الخفي الذي يغلف جموده.
مال فـراس برأسه قليلاً حتى لامست لحيته الخشنة جبينها، وزفر خشونة أنفاسه فوق بشرتها، وكأنه يثبت لنفسه ولها أن الأمر قد حُسم، وأنها باتت جزءاً من ليله ونهاره كزوجة كما أرادت.. رغماً عن أنف آل غانم، ورغماً عن عناد إخوتها الذين أشبعوه غضباً قبل ساعات. وفي تلك العتمة المطبقة، غفت دُنيا لأول مرة دون أن تبلل وسادتها بالدموع، بعد أن روّض قربه ارتباك روحها.
أما فـراس مكان يربت على كتفها ربتات بطيئة رتيبة وعيونه شاخصة في الظلام في شرود.. لا يدري أما يفعله خطأ جديد يضاف لأخطائه.. أم بداية لتصويبها.
***
كانت تقبض على هاتفها وكأنها تمسك بخيطٍ رفيع يربطها بالواقع، بينما تاهت ملامحها في ارتباكٍ لم تفلح في مواراته. لا تدري لمَ ينعقد لسانها كلما باغتتها رؤيته أو حتى حين ينساب صوته عبر الهاتف؛ فجأة تتطاير الكلمات من مخيلتها، وتنجلي الأفكار عن عقلها، لتعود مراهقةً تختبر خفقات الحب لأول مرة، وتتعثر في صمتها بذهول.
انتشلها من لُجّة شرودها صوته الهادئ الواثق وهو يكرر تساؤله بصبرٍ:
"مها، أين ذهبتِ؟.. ما الذي كنتِ تودين إخباري به؟"
استجمعت شتات نفسها، وحاولت ضبط نبرتها وهي تتمتم بخفوتٍ يغلفه الخجل:
"أردتُ فقط إخباركِ أنني سأخرج للتسوق مع أمي لنشتري ما تبقى من أغراضي، وبعدها سنمر على منزل شقيقتي لنبقى معها قليلاً".
همهم دُريد للحظات، وكأن عقله يزن الأمور في صمت، قبل أن يسأل بتلقائية:
"هل سيوصلكم خالي؟"
أجابته بهدوءٍ حذر:
"سيوصلنا للسوق، وزوج شقيقتي سيتولى إعادتنا إلى المنزل".
ألقت بجملتها الأخيرة وهي تدرك تماماً وقعها عليه؛ فقد باتت تحفظ طباع دُريد عن ظهر قلب، وتعلم يقيناً تلك الخطوط الحمراء التي لا يقبل التهاون فيها أو تخطيها، خاصة فيما يتعلق بخصوصية نسائه. انتظرت بلهفةٍ مكتومة ذلك القرار الذي تبتغيه، ليأتيها الرد بعد ثوانٍ بكلماتٍ حاسمة لا تقبل الجدل:
"ليوصلكم خالي، وأنا سأتولى أمر عودتكم للمنزل يا مها. انتبهي لنفسكِ، وأوصلي سلامي للجميع".
اتسعت ابتسامتها رغماً عنها، وأحكمت قبضتها على الهاتف وهي تغمغم بكلماتٍ ناعمة فضحت سعادتها التي عجزت عن مواراتها خلف نبرة عاتبة:
"وهل يجب أن نذهب لمكانٍ غريب كي نراك يا دُريد؟"
كان عتاباً رقيقاً لغيابه الذي امتد لأسبوعين أو يزيد، إذ استنزفه العمل وتحضيرات الزفاف المتلاحقة. لم ينتبه دُريد لعمق ضيقها إلا الآن، فابتسم وهو يبرر موقفه بنبرةٍ لينة فتتت بقايا الحزن في قلبها:
"عذري الوحيد أنني أسابق الزمن لإنهاء كل ما يشغلني، حتى أتفرغ تماماً لزواجنا بعد أيام.. حقكِ على رأسي يا مها، وأعتذر عن طول الغياب".
اغمضت عينيها وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهها.. دُريد يراضيها
حتى بأقل كلماته يشعل مراجل الحب في قلبها ويجعلها تقف حائرة من جماح مشاعرها الي تناقض هدوء مشاعره:
"سلمتَ من كل سوء.. لا بأس، المهم أنك ستأتي. ولكن، هل تقبل أن تتعشى معنا الليلة؟ نحن.. نحن افتقدناك جداً".
اتسعت ابتسامته وظهر المكر في صوته، وهو يداعب خجلها بنبرةٍ أشعلت في نفسها مزيجاً من الغيظ المحبب والإثارة:
"وهل افتقدني خالي حقاً؟ أنا أراه خمس مرات في المسجد كل يوم".
تنهدت بعمق، واستسلمت لمشاعرها وهي تتمتم بنبرةٍ رقيقة نابعة من الوجدان:
"يا حظّ خالك!"
ضحك دُريد بصوتٍ منخفض أربك دقات قلبها وقال:
"يا فتاة، لا تجعليني آتي إليكِ الآن وأفسد كل خططكم للخروج! لأجل عينيكِ وعيني خالي، سآتي للعشاء الليلة، لعل خالي يرضى ويعذر تقصيري".
أجابته بابتسامةٍ لم تغادر وجهها:
"لا تقلق، خالك راضٍ عنك في كل الأحوال.. المهم هو حضورك يا دُريد".
أغلقت الهاتف ووضعته جانبًا وهي تحاول احتواء ابتسامتها الواسعة التي غابت عنها لأيام بسبب غيابه، ورغم تصرفها الهادئ أمام عائلتها إلا أن قلبها كان يحترق شوقًا للشيخ دُريد الذي يستطيع السيطرة على مشاعره ولا يزورها لأيام طويلة... تنهدت وهي تخرج من غرفتها وتتجه نحو المطبخ لتبلغ والدتها بقدوم دُريد على العشاء معهم.
ثم سارعت في انهاء مهامها المنزلية لتستعد بعدها للتسوق
بينما والدتها فتحت باب المنزل واستقبلت الطارق بنظرة حائرة وهي ترى شابة في نفس عمر مها تقف أمامها وعلى وجهها ابتسامة متسائلة وهي تردد:
"مرحبًا خالة.. أليس هذا منزل مها ؟"
حركت أمينة رأسها في إيجاب واطالت النظر في الفتاة التي بدت مألوفة لها، فتحدثت الفتاة تنعش ذاكرتها في ابتسامة واسعة:
"أنا لُبنى أنسيتيني يا خالة؟.. كنت مع مها في المدرسة الاعدادية والثانوية.. لُبنى شاكر"
لحظات وومضت عيون أمينة في تذكر وهي تمتم باسمة وتسلم على الشابة وهي تقول في ذهول ومودة متأصلة في طباع أمينة:
"كيف حالك يا لُبنى، لم أراكِ منذ سنوات طويلة؟.. أين كنتِ يا بنت؟"
ضحكت لُبنى وهي تبادلها العناق قائلة:
"موجودة يا خالة، ولكن تعلمين اختلاف الجامعات فرق شملنا، ولكن كنت مارة من هنا وتذكرت مها فأخبرت نفسي أن أتي وأسلم عليها."
رحبت بها أمينة لغرفة الجلوس وهي تردد في امتنان لم تخفيه:
"أين اختفيتم يا ابنتي أنتِ وبقية الفتيات؟.. لم اسمع عنكم من مها.. ولم أرى لها صديقة من بعدكم.. والله أرحت قلبي بزيارتك، فزفافها بعد أيام وكنت أحمل هم ألا يكون معها رفقة في يوم كهذا"
ابتسمت لُبنى دون أن تعلق على الشق الأول من حديثها وقالت في ذهول وابتسامة فضولية:
"مها ستتزوج خلال أيام؟.. لا أعلم يا خالتي لو كنت أعلم لكنت حضرت الخطبة وساعدتها في تحضير الزواج.. ولكنني لم اسمع خبر عنها منذ الثانوية.. أين هي ؟"
" مـــهـــا يا مــها.. صديقتك لُبنى هنا"
خرجت مها على صوت والدتها ونظرت في ذهول للُبنى التي وقفت واتجهت نحوها بخطوات واسعة سعيدة، وهي تضمها لها في اشتياق قائلة:
"مـها، اشتقت لكِ جدًا.. كيف حالك؟"
بدت مها متخشبة بين ذراعي لُبنى وعقلها قد توقف عن التفكير للحظات
لُبنى؟ ما الذي ذكرها بها بعد كل هذه السنوات؟.. ألم تنقطع علاقتهما بعد ذاك اليوم المشؤوم ؟.. بدت مها باردة حذرة وهي تتلقى ترحيب لُبنى التي قالت معتذرة:
"لا تقولي أنكِ لازلتِ غاضبة مني يا مها.. كنا اطفال حينها لا أظن قلبك أسود لتكوني غاضبة مني حتى الان؟"
تدخلت أمينة تسالها في فضول مندهشة:
"أكنتما متخاصمتان ؟.. ما الذي حدث ؟"
وقبل أن تتفوه لبنى بكلمة سارعت مها تقول لوالدتها في خفوت مرتبك:
"ليس خصام يا أمي، تعلمين شجار المذاكرة وطيش المراهقة، سأخذ لبنى لغرفتي وأنتِ أكملي تحضير الغداء عني.. فأبي سيعود قريبًا"
حركت أمينة راسها في إيجاب صامت ولم يخفى عنها ارتباك الوضع بين ابنتها وصديقتها.. أما لُبنى فوجدت طريقها لغرفة مها التي كانت تحفظها منذ سنوات طويلة، وتبعتها مها بذات الدهشة من ظهورها المفاجئ.
جلست لُبنى وقد بدت هادئة وقد تبخرت عنها سعادتها باللقاء من برودة مها معها وقالت:
" لم تسعدي برؤيتي يا مها.. إن كان وجودي يزعجك سأرحل.. أنا فقط أردت القاء التحية عليكِ"
بدى الذنب واضح على وجه مها وجلست على فراشها تقول معتذرة عن فظاظتها مع لبنى وقالت في هدوء:
"اعذريني يا لبنى، لم اتوقع مجيئك، خاصة ولنا سنوات لم نتواصل"
بدى موقف مها من لبنى واضح، جعدت الصديقة جبينها في تردد للحظات وقالت في خفوت معتذر:
"مها إن كنتِ لازلت غاضبة مني لما حدث فأنا أسفة، صدقيني لا ذنب لي في كل ما حدث.. تعلمين فريال عندما تكون غاضبة لا أحد يستطيع الوقوف بوجهها، وأنا كنت الحلقة الأضعف بينكم"
لاحت تلك الذكرى السيئة في أفق ذهن مها كغيومٍ سوداء ثقيلة، ملقيةً بظلالها على روحها. استرجعت، برغبةٍ عارمة في النسيان، ما حدث قبل سنوات مضت؛ تلك الكبوة الفظيعة التي كادت أن تقصف بربيع مستقبها، وتلوث شرفها الغالي في وحل القيل والقال، ولولا أن قيّض الله لها دُريد ليتدخل فوراً وبحسم، لكانت سيرتها اليوم مادةً خصبة على كل لسان.
تنهدت مها تنهيدةً طويلة صدرت من أعماق قلبها المقبوض، وهي تحمد الله في سرها على جميل ستره ورأفته بها؛ ففي وسط ذلك الضياع، كان ذاك الابتلاء هو اليقظة التي انتشلتها من الغفلة، لتعرف حدودها الصارمة، وتدرك أن أوامر دينها وضعت لتكون حصناً يحميها، لا قيداً يكبل حريتها كما كانت تتوهم في جهلها القديم.
انتبهت من لجّة ذكرياتها المريرة على صوت لبنى الذي عاد يخترق الصمت بنبرةٍ يكسوها حزن جليّ:
"صدقيني، كان ضميري يعذبني طوال تلك السنوات، ولكنكِ اختفيتِ تماماً من محيطنا. وزاد ذلك الجفاء حينما افترقت دروبنا وذهبت كل منا إلى جامعة مختلفة. ثم إن قريبكِ هذا هددنا جميعاً بالويل إن فكرنا بالاقتراب منكِ مجدداً.. كل تلك الأمور خلقت في صدري رهبة من مواجهتكِ أو حتى الحديث معكِ".
ارتجفت ملامح مها قليلاً، ورددت بنبرة هادئة مستفهمة:
"قريبي؟"
أومأت لبنى بلهفة، وتابعت مسترسلة وهي تستعيد تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم:
"نعم، ذاك الرجل الصارم المتشدد الذي انهال ضرباً مبرحاً على ثائر حينها. خشيتُ عليكِ كثيراً أن يكون قد نالكِ منه سوى، أو أن يكون قد أبلغ والدكِ بما حدث.. وغيابكِ المفاجئ وتبدلكِ الكامل بعد ذلك اليوم كانا بمثابة تأكيد لكل مخاوفي".
شخصت عينا مها بنظرة عميقة، وسألت بنبرة رصينة لا تشي بشيء:
"أكدا لكِ ماذا يا لبنى؟"
حركت لبنى يديها بارتباك، وتمتمت:
"رأيتكِ صدفة في أحد الشوارع ذات مرة، وكنتِ ترتدين ثياباً مختلفة تماماً.. أعني ذاك الشيء الذي يغطي وجهكِ. وانقطعتِ عن الجميع بلا مقدمات، فقلت في نفسي قطعاً إن قريبكِ أخبر والدكِ، وكان الأخير هو السبب في كل هذا التغيير القسري. لقد نصحتكِ وقتها ألا تخبريه، ولكنكِ.."
قاطعتها مها بنبرة حاسمة ولكنها هادئة، نبرة امرأة تجاوزت ماضيها وصنعت من حطامه حصناً لنفسها:
"لبنى، لا داعي لنبش قبور ما مضى والتحدث فيه.. لقد كنتُ مخطئة، وكانت تلك الكبوة هي صرخة اليقظة لنفسي الغافلة. الحمد لله أنني أخبرتُ دُريد حينها، والحمد لله أنني اخترتُ الابتعاد عن الجميع في ذلك الوقت. أنا الآن في أفضل حال، إن كان هذا ما يقلقكِ بشأني".
لمعت عينا لبنى ببريق غامض، وتأملت هيئة مها بفضول، ثم قالت:
"نعم، أرى هذا بوضوح.. خالتي أخبرتني أن زفافكِ سيكون خلال أيام قليلة.. مبارك لكِ يا مها".
أجابتها مها بابتسامة مجاملة رقيقة:
"الله يبارك فيكِ، والعقبى لكِ يا لبنى".
تنهدت لبنى بضيق خفي، وقالت بلا حيلة:
"أنا أيضاً كان من المفترض أن يكون زفافي بعد أيام.. ولكنه تأجل للأسف لبعض الظروف".
علقت مها بيقين المؤمن ورضاه:
"ليفعل الله لنا ما فيه الخير دائماً".
صمتت لبنى لثوانٍ، وكأنها تزن كلمات خطيرة تود إلقاءها، ثم اقتربت خطوة وسألت بنبرة تستجدي الغفران:
"مها.. هل سامحتِني حقاً؟ لقد اشتقتُ إليكِ ولأيام صداقتنا القديمة.. أرجوكِ، انسي كل ما حدث واطوي تلك الصفحة".
نظرت إليها مها بنظرة صافية خالية من أي غل، وصوت عقلها يذكرها أن ما حجث في الماضي كان خطأها هي من البداية للنهاية، فلن يُجدي أن تلقي بالذنب على غيرها.. تنفست الصعداء وهي تردد في صدق:
"أنا نسيتُ كل شيء وسامحتُ الجميع يا لبنى. عسى الله أن يسامحني أولاً ويتجاوز عن جهلي وطيشي في تلك المرحلة. فلا تحملي هماً لشيء، ما مضى قد مضى وانتهى أثره".
سكنت ملامح لبنى فجأة، وهبط صوتها إلى نبرة حذرة مشوبة بتردد مريب:
"وثائر؟"
اختفت السكينة منها وجعدت مها جبينها بريبة، وسألت ببرود:
"وما لي به؟"
استجمعت لبنى شجاعتها المرتجفة، وقالت محاولةً سبر أغوارها:
"أقصد.. هل تخطيتِ مشاعركِ القديمة نحوه؟ أقصد.. أنتِ لا تكنّين له أي.."
قاطعتها مها هذه المرة بحدة بالغة، واعتدلت في جلستها وقد تملكتها نبرة دُريد الصارمة، وقالت بعينين تشتعلان كبرياءً:
"لبنى! أنا الآن امرأة معقود قرانها على رجل آخر، وحينها كنتُ مجرد طفلة غبية لا تدرك أبعاد أفعالها. وحينما أسترجع تلك المسألة برمتها الآن، لا أشعر سوى بالندم وأحمد الله الذي نجاني مما كان ينتظرني. فأرجوكِ، انتبهي لحديثكِ واحترمي حدودي".
تراجعت لبنى للخلف قليلاً، وبدت كمن يمهد الأرض لضربة أخيرة، فتمتمت بصوت خفيض:
"لا أقصد إغضابكِ أبداً.. ولكن.. ولكنني كنتُ أريد الاطمئنان فقط، والآن تأكدتُ أنكِ لن تحملي ضغينة في قلبكِ تجاهي".
عقدت مها حاجبيها بدهشة استنكار:
"ولماذا قد أغضب منكِ الآن تحديداً؟"
هنا، التقت عينا لبنى بعيني مها، وألقت بقنبلتها الموقوتة بملامح هادئة اعتذارية:
"لأنني وثائر سنتزوج.. لقد خُطبنا منذ العام الثاني لنا في الجامعة. وكنتُ أخشى طوال الفترة الماضية أن ترفضي عودة صداقتنا بسبب ارتباطي به.. ولكنكِ الآن بحديثكِ هذا أرحتِ قلبي تماماً".
تجعد وجه مها في تلك اللحظة تعبيراً عن مزيجٍ معقد من الاستنكار الشديد والشفقة العميقة.. لم يكن استنكاراً لخطبة لبنى، بل كان شفقةً حقيقية عليها لارتِباطها برجلٍ يحمل خصال "ثائر". استرجعت مها في لمحة خاطفة ذكرى بعيدة وفظيعة لموقف جمعها به ذات يوم، ذكرى كادت تفضح معدنه الخبيث لولا ستر الله، فاقشعر بدنها من مجرد المرور بجانبها في خيالها.
تماسكت بسرعة، ونفضت عن روحها غبار الماضي، ثم أردفت بهدوء:
"لا شأن لي به.. ليوفقكما الله يا لبنى، ويكتب لكما الخير".
حينها، تهللت أسارير لبنى، ووقفت بلهفة متجهة نحوها تعانقها في سعادة غامرة، وقد انزاح عن صدرها حمل ثقيل بعد أن لمست صدق مها في نسيان الماضي وتجاوزه. انطلقت لبنى تثرثر بلا انقطاع، تقص عليها بتفصيلٍ ممل عما حدث خلال سنوات الفراق، بينما اكتفت مها بالاستماع لها ووجهها يحمل ذات الابتسامة الهادئة الصابرة.
كان جسد مها هناك معها، لكن عقلها كان في مكان آخر، يرفض أن يرحمها من ذكريات بعيدة أعادت وخز الذنب إلى نفسها.. واسترجعت نفسها القديمة حيث كانت فتاة مراهقة خجولة منطوية، حتى انتقلت للمرحلة الثانوية وتعرفت على أشهر ثلاث فتيات في المدرسة، كن الأكثر جدلا وشهرة ومرحًا بين الفتيات، وعلى رأسهم فريال القائدة، أكثرهم جرأة وتسلط، ورغم أن شخصيتها كانت مختلفة تمامًا عنهن، إلا أنهن سعين لصداقتها.. الثلاثي الذي تتمنى الكثيرات الانضمام لدائرتهن
ضموا مـها لهن دون أي جهد.. وكان هذا أخر عهدها بالخجل أو الانطواء، وتحولت لأخرى تشبههم كي لا تكون هي الشاذة من بينهم.. ولتسلم من لسان فريال الذي كان يلسها بسوط السخرية من طباعها الغربية.
وبين عشية وضحاها، تحولت مـها ذات عيون الظبيان الخجولة، إلى أخرى مهملة في دراستها، تجلس أمام المرآة لساعات تتأمل جمالها
انخرطت في أمور الحب بين الصبية والفتيات، دون أن تجرأ وتزل قدمها في بئر الحب.. إلى أن جائت فريال وأخبرتها بإعجاب ثائر بن عمها بها، وأنا خطفت انظاره حينما رأها مع فريال.
حينها ارتبكت، فرحت، وخافت.
كان مزيج مشاعر مختلف في قلب فتاة خرجت لتوها من ثوب الطفولة للمراهقة، لأول مره تكتشف أنها تعجب أحدهم.. ولم يكن أي شخص.. بل ثائر بن عم فريال، الذي يكبرهم بعامان.. والاكثر وسامة في مدرستهم.. وظلت فريال تلح فوق رأسها ألا ترفض قريبها، تحاصرها بمزياه وتعدد لها شهيدات الحب فيه.. بل وتمنن عليها أنه نظر لها بسببها.
ومن هنا بدأ التغير الحقيقي في شخصيتها وطباعها
خرجت مـها من بئر ذكرياتها لتجد لبنى مازالت تحكي بلا ملل وغفلت تماماً عن عقارب الساعة التي كانت تركض خلف بعضها سراعاً، إلى أن انتبهت فجأة على صوت النداء الحق يعلو في الآفاق؛ أذان المغرب.
وقفت مها مستأذنة لبنى في أدب لتذهب وتتهيأ للصلاة، فانتفضت لبنى هي الأخرى بسرعة، واعتذرت بحرج عن طول بقائها ومداهمة الوقت لهما، ثم لملمت أشياءها وهي تردد معتذرة:
"لقد عطلتك أكثر مما يجب، ولكن صدقيني كنت أشتاق للجلوس معكِ، أرجوكِ يا مها لنكن على تواصل، اتفقنا؟"
ودعتها مها بذات الابتسامة الهادئة حتى توارت عن الأنظار. وبمجرد أن أُغلق الباب، وقبل أن يشرد خيالها ويسحبها لدوامة الأفكار المظلمة من جديد، ارتفع صوت دُريد الرخيم عبر مكبر الصوت وهو يقيم الصلاة في المسجد المجاور، ثم شرع في تلاوة القرآن بخشوعٍ ذكرها بذاتها في هذه اللحظة.
انسابت الآيات إلى قلبها كبلسمٍ شافٍ، لتطمئن نفسها المضطربة، وكأن صوت دُريد جاء في تلك اللحظة تحديداً كرسالة ربانية تخبرها بأن الله كريم بعباده، رحيم في لطفه وكرمه.. لولا الله، ثم وجود دُريد في حياتها، لكانت هلكت وضاعت في غيابات ذلك الماضي المظلم. تنفست الصعداء، واتجهت نحو سجادتها بقلبٍ يملؤه اليقين والامتنان.
***
كان فـراس يجلس في شرفة منزله، يحدق في السماء الداكنة التي ابتلعت أفق الحديقة بالكامل ولم تترك خلفها سوى ظلام الليل الدامس. لم يكن يقطع ذلك السكون الموحش سوى النبرات الرتيبة لصوت حشرات الحقل البعيدة. مضت أيام عديدة منذ خروجه من المشفى واستقرار دُنيا معه في داره، لتبدأ معها دورة حياة جديدة لم يألفها.
كان يراقبها طوال تلك الأيام؛ تستيقظ صباحاً لتهيئ له حمامه وملابسه، ثم تعد طعامه ودواءه بانتظام، قبل أن تنخرط في أعمال المنزل الشاقة متتبعة أثر "أم عبده" في تفاصيلها. وبين الحين والآخر، كانت تأتي لتقف على عتبة بابه بجسد مرتجف كتلميذة خائفة، تسأله بنبرة مرتعشة إن كان ينقصه شيء.
ورغم أنه كان يجابه سؤالها بجفاء قاسٍ يجلب الدموع إلى عينيها، ويجعله يجزم أنها لن تعود لساحته مجدداً، إلا أنها بعد ساعة أو أقل، كانت تتخطى كبرياءها الجريح وتعود لتقف بذات الارتباك لتطمئن على حاله.
مسح فـراس جبينه وتنفس الصعداء، باحثاً عن مخرج من لوم نفسه الذي بات يطارده في كل لحظة. تساءل في سره للمرة التي لم يعد يحصيها: "لماذا انتزعتها من أمام قاعة الزفاف؟ لماذا افتعلت ذلك الجنون وجئت بها إلى هنا؟".
كان يدرك في قرارة نفسه أنه رجل تعيس، وأن وجود شخص يحمل ذات التعاسة بجواره لن يزيد الوضع إلا قتامة.
الفتاة تذبل وتزداد حالتها سوءاً وهي تعيش معه كخادمة مسكينة، وانصياعها الأعمى وضعفها المستمر باتا يثبتان له أنها لن تملك يوماً صلابة قبيلة آل غانم. حار في أمرها؛ أيعطيها الطلاق ويحررها نهائياً من تلك الزيجة البائسة، أم يتركها على حالها تواجه قدراً لم تختره؟
قطع حبل أفكاره رؤية ظلها ينعكس عبر الضوء المتسلل من الشرفة. مرة أخرى، عادت لتقف متخفية في العتمة، تسأله عن حاله بخفوت مرتبك. عقد جبينه في دهشة وسأل نفسه مستنكراً:
"ألا تمل هذه الفتاة من المحاولة؟".
أجلى صوته واستدعاها بهدوء لم تعهده منه من قبل:
"تعالي يا دُنيا".
بتردد شديد خطت نحو الضوء، ليتلاشى الظل وتظهر وقفتها المرتبكة ووجهها الشاحب. تأملها فـراس مطولاً، وشعر بمرارة وهو يرى نسخة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت تمرح في بيت عمه؛ لم تعد الفتاة الشقية المتمردة التي يلمح الدلال في عينيها، بل غدت امرأة هزيلة، بوجه ذابل وعيون أتعبتها كثرة البكاء، وكأنها مجرد طيف باهت لفتاة أخرى غادرت الحياة.
شعر فـراس بأنفاسه تتعثر داخل صدره، واجتاحه ذعر خفي وهو يسأل نفسه في ذهول: "أنا من حولها إلى هذا الحطام؟ أحقاً كنت أقتص من نُصير في هذه المراهقة الصغيرة؟".
أدرك في تلك اللحظة أن "فلك" كانت محقة حين اتهمته بفقدان عقله. انتبه من ذهوله على صوت دُنيا المهتز وهي تقول:
"أنت بخير؟ أقصد موعد الدواء قد حان.. وأنت لم تأكل شيئاً بعد و.."
مد يده نحوها، وتحدث بصوت هادئ ومنخفض لم تتبين ملامحه:
"اقتربي".
كانت تلك الكلمة الواحدة كفيلة بأن تجعل دقات قلبها تتوقف وجلاً. وزعت نظراتها الحائرة بين كفه الممدودة ووجهه الواجم، وتملكتها رغبة فطرية في الحماية جعلتها تخطو خطوة إلى الخلف، قائلة بأنفاس مقطوعة:
"أنا.. أنا لم أفعل شيئاً خاطئاً.. أنا.."
قاطعها فـراس بضيق، وقد أذهله خوفها الذي بدا واضحاً كشمس الصيف في عينيها:
"اقتربي يا بنت ما بكِ؟ من يراكِ يظن أنني أضربكِ".
كانت الحقيقة أنها لا تنال منه ضرباً، لكنه كان يعنف روحها بنظراته القاسية وتعليقاته الجافة التي تفتت أعصابها، حتى صمته الواجم كان يحكي لها كل ثانية عن مدى مقته لوجودها.
أيام وهي تتجرع طباعه الصعبة وتصمت، تتماسك بكل ما أوتيت من قوة ألا تبكي أمامه، حتى إذا أرخى الليل سدوله، وضعت رأسها على وسادتها واستسلمت لشهقاتها حتى تنام من فرط التعب والحزن.
دنت منه بخطوات بطيئة متثاقلة حتى وقفت أمامه مباشرة. كان الظلام يأتي من خلفه والضوء ينبعث من خلفها لينير ملامحه، وما بعث الهدوء المؤقت في نفسها أنه لم ينظر إليها تلك النظرة المعنفة، بل كانت عيناه أخف حدة. أشار لها نحو المقعد المجاور له يدعوها للجلوس، فأطاعته دون أن تنطق بكلمة.
غلف المكان صمت ثقيل للحظات، قبل أن يسألها فـراس بهدوء اخترق هدوء الليل:
"ألا تودين العودة لإخوتكِ؟"
أطرقت رأسها أرضاً، وقد تملكها اليأس من تكرار ذات الحديث؛ كم مرة يجب عليها أن تشرح له أنهم أوصدوا أبوابهم في وجهها ولن يقبلوها مجدداً؟ كم مرة أخبرته أنها لن تفارقه حتى تتحسن صحته ويكون قادراً على رعاية نفسه؟ طال صمتها وعادت دموعها تغالب جفونها، فسمعته يقول بضيق واضح يحاول مداراته:
"اسمعي، ما كان يجب أن أقحمكِ في كل ما حدث، أنتِ لا زلتِ صغيرة جداً، ولو كانت فلك أو فيدرا مكانكِ لما ارتضيتُ لهما ما حدث معكِ. سأمنحكِ الطلاق وتعودين لإخوتكِ، وأنا من سيتولى إخبارهم بأنني من ضغط عليكِ وأجبركِ على العودة معي. أعلم أن هذا لن يعوضكِ عما عانيتِ منه، ولكن هذا الحل أفضل بكثير مما ينتظركِ من حياة هنا".
رفعت عينيها إليه وسألته بنبرة ضائعة:
"وماذا سأفعل بعد ذلك؟ وأنت.. ماذا ستفعل؟"
أجابها مستغرباً:
"ماذا سأفعل في ماذا؟ أنتِ ستعودين لحياتكِ السابقة، تكملين دراستكِ أو تتزوجين، افعلي ما يحلو لكِ. وأنا سأتفاهم مع إخوتكِ وننهي هذا الأمر تماماً".
غلبتها موجة ألم وهي تسمعه يتحدث عن حياتها وكأنه غريب لت يهتم لما ستفعله بعد فراقهما.. ولكنها لم تستطع فعل المثل وسألته بقلب يرتجف:
"وأنت ماذا ستفعل في حياتك؟ هل ستتزوج؟"
رد بتلقائية وجفاء:
"نعم سأفعل، ما الذي يمنعني من ذلك؟"
نزلت كلماته كالصاعقة على قلبها، فهتفت بمرارة غلبت حذرها:
"ألهذا الحد تكرهني؟ أنا ماذا فعلت لك لتمقتني هكذا؟ أنا أحاول إرضاءك بكل طاقتي، ولكنك تريد التخلص مني فوراً. أهذا لأنني لا أحمل دماء آل غانم في عروقي؟ هل يشكل نسبي عائقاً يمنعني من أن أكون زوجة لك؟"
زفر فـراس بحدة وقال:
"هل أنتِ غبية يا فتاة.. أقول لكِ ستعودين لحياتكِ الطبيعية وتتحدثين عن النسب وتلك الترهات؟ أخبريني ماذا تريدين لننهي هذه القصة الحزينة؟"
مسحت دمعة فرت من عينيها وقالت بيأس:
"لا شيء، سأفعل ما تريده أنت، ولكن لننتظر حتى يتم شفاؤك وأطمئن عليك أولاً، وبعدها أرجعني كيفما شئت".
استند بجسده إلى الخلف وقال بصوت حاسم:
"اجلسي واسمعيني جيداً يا دُنيا".
نظرت إليه فتابع يحلل الموقف بعقلانية جافة وهو يتأمل دموعها:
"لا أعلم ما الذي يدور في رأسكِ لتكوني بهذا العناد، ولكن لتعقلي ما يحدث؛ أنتِ فتاة صغيرة لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، وأنا تخطيت الثلاثين بكثير، وإخوتكِ بيني وبينهم مصانع الحداد، وفوق كل هذا لا أظنكِ زوجة تناسبني أو تنفعني في حياتي. فلماذا التشبث بزواج محكوم عليه بالفشل؟ أخبريني بسب واحد يدفعكِ للتمسك بوجودكِ هنا؟"
بلعت ريقها بغصة مريرة وهتفت في يأس:
"لن تصدقني مهما قلت، لذا سأفعل ما تريده مني".
ضيق عينيه وسألها بنبرة متشككة:
"ما الذي لن أصدقه؟"
جمعت شجاعتها المبعثرة وقالت بصوت نابع من أعماق وجعها:
"أنني أحبك، وأنني أعلم أنك شخص صالح في باطنك. صدقني، أنا أريد أن أكون زوجتك حقاً، ولكنك تراني لا أرقى لهذا المنصب لمجرد أنني لست من العائلة، وهذا أمر لا أملك القدرة على تغييره".
علت وجه فـراس ابتسامة ساخرة، ونطق بتهكم آلمها:
"عدنا لقصة الحب من جديد؟ يا ابنتي افتحي عينيكِ جيداً؛ أي حب هذا؟ ما الذي قد يعجب فتاة صغيرة مثلكِ برجل بعين واحدة ولسان سليط؟"
كانت أسئلته الساخرة تزيد من تدفق دموعها وشهقاتها المتألمة. كانت تعلم أنه لن يصدقها، تماماً كما فعل في الماضي؛ لن يصدق أن كل ما احتملته كان لأجل حبها له، وأن كل تضحياتها وهوانها كانا لأجل عينه الواحدة التي يسخر منها الآن أمامها.
انتبهت على زفرته الحادة وهو يعتدل في جلسته، ليعود ويتحدث بهدوء قاطع وضع به النقاط فوق الحروف:
"اسمعي، أنا الآن أتحدث معكِ وكأنكِ واحدة من أخواتي، وسأعطيكِ فرصة أخيرة لتعودي لإخوتكِ. ستخرجين من الشرفة الآن وتتجهزين لأوصلكِ لدار عائلتكِ."
صمت لحظات يتأمل ملامحها الباكية ونظرة الألم التي تطل من عينيها وتابع في حذر وشيء ما في نفسه أراد تخويفها من الاختيار الثاني علها ترجع لعقلها:
"وإن لم تفعلي واخترتِ البقاء، ستكونين زوجتي حقاً أمام الله والناس. ولأكون صادقاً ومعادلاً معكِ؛ أنا لا أحبكِ، ولن أحبكِ يوماً. وإن صرتِ زوجتي سأعاملكِ بما يرضي الله فقط، فلا تنتظري مني حباً أو كلمات غزل. ستكونين زوجة، وربة منزل، وأماً لأولادي، لن أرأف بكِ ولن أنظر لصغر عمركِ.. لذا، الخيار أمامكِ الآن".
تركها فراس تحت تأثير كلماتها الأخيرة التي ألقتها كحكم إعدام على أحلامها الوردية، ونهض ببطء، مستنداً على جدار الشرفة .
ترك مساحة الصمت تتسع بينهما، ليعطيها مهلة أخيرة للاستفاقة والنجاة بنفسها، بينما بقيت هي في مجلسها كعصفور بلله المطر، تجتر غصاتها المتلاحقة.
كان الخيار المتاح أمامها يجلد روحها.. إما العودة لذل النبذ من أهلها الذين نفضوها عن ثيابهم، أو البقاء هنا لتذوق صقيع حياة زوجية بلا حب، مع رجل أعلن صراحة أنه لن يرى فيها سوى آلة لإدارة منزله وإنجاب أطفاله. تطلعت إلى ظهره العريض وهو يبتعد بضع خطوات، ورغم العلقم الذي ملأ جوفها، كان هناك صوت خفي في أعماقها يرفض الهزيمة، ويرفض التخلي عن بقايا الأمل في أن يلين هذا الحصن يوماً.
استجمعت دُنيا شتات نفسها، ومسحت دموعها بظهر كفيها في حركة طفولية عفوية تنم عن حسم مفاجئ، ثم وقفت بثبات هزيل، وقالت بصوت خافت ولكنه حمل نبرة تحدٍ لم يعهدها فيها من قبل:
"لن أذهب إلى أي مكان يا فـراس.. سأبقى هنا، وسأكون الزوجة وربة المنزل والأم التي تريدها.. سأتحمل معاملتك، ولن أطلب منك حباً لا تملكه لي.. ولكنني لن أتخلى عنك."
التفت إليها فـراس ببطء، وشغلت ملامحه دهشة صامتة تداركها سريعاً بجحود مصطنع. حدق في عينيها اللامعتين بالعناد خلف بقايا الدموع، وكأنه يرى للمرة الأولى وميض قوة في تلك المراهقة الضعيفة. أدرك في تلك اللحظة أن الحرب بينهما قد بدأت بالفعل، وأن عنادها قد يفوق قسوته بمراحل.
أشاح بوجهه عنها مجدداً، وتحرك نحو الداخل وهو يغمغم بصوت جاف أجش:
"أنتِ من اخترتِ يا دُنيا.. فلا تبكي غداً إن وجدتِ من العيش معي ما لا تتمنين.. اذهبي وأعدي ملابس الصلاة، فالوقت يمر."
تحركت خلفه على الفور مطيعة، والقلب يرتجف خوفاً وشوقاً لما هو آتٍ، مستعدة لخوض غمار هذه الرحلة المجهولة بجوار رجل يملك قلبها.. ويملك سحقها في آن واحد.
انسحب فـراس من أمامها متوجهاً إلى المسجد ليؤدي صلاته، تاركاً إياها في جوف الدار تواجه وحشة المكان وثقل الأفكار التي خلفها حديثه القاسي. تنفست الصعداء وذهبت لتتوضأ، علّ الماء البارد يطفئ بعض الحريق المشتعل في صدرها. فرشت سجادتها واستقبلت القبلة، ومع أول سجدة تهاوت حصونها تماماً، فانسابت دموعها كالنهر الجاري دون انقطاع. امتزج بكاؤها بدعاء حار تضرعت به إلى السماء؛ كانت تسأل الله بقلب منكسر أن يرق قلب زوجها لأجلها، وأن يلين قسوته، ويزرع مودتها وحبها في قلبه الجافي، فما عادت تملك في هذه الدنيا ملاذاً ولا سنداً سواه.
مضت الدقائق بطيئة ثقيلة، حتى تحولت إلى ساعات، وفي أثنائها رتبت دُنيا هندامها وحاولت إخفاء آثار البكاء عن وجهها الشاحب. قطع سكون البيت صوت فتح الباب الخارجي معلناً عودة فـراس، وما إن خطت قدماه الرواق حتى شعرت دُنيا بانقباض في صدرها؛ فقد عاد واجماً، وعيناه تشتعلان ببريق غضب حارق يتقافز من حوله وكأنه يحمل حرباً خرج بها من المسجد.
تلقائياً، وانصياعاً لخوفها الفطري منه، انكمشت على نفسها من جديد، وهبطت دقات قلبها وهي تحضر نفسها لنوبة تقريع قاسية اعتادت أن يفرغ فيها غيظه وحنقه من الدنيا.
ولكنه على غير العادة، تخطاها بجفاء مطبق، ولم يلتفت نحوها أو يلقِ بكلمة واحدة، بل توجه مباشرة إلى غرفته واختفى خلف بابها الموصد.
أثار صمته الغريب ريبتها، واندفع القلق سريعاً لينهش قلبها؛ فالغضب الصامت من فـراس كان يبدو لها أكثر رعباً من زجره العالي. تحركت نحو المطبخ بأنامل متعرقة من فرط التوتر، وجهزت له صينية العشاء بما استطاعت من سرعة ترقباً لحاجته. حملت الصينية الثقيلة وتوجهت صوب غرفته بخطوات وئيدة، ووقفت أمام الباب تطرقه في تردد شديد وخوف يسبق يدها، لثوانٍ حبست فيها أنفاسها، قبل أن يأتيها صوته الأجش الصارم يأذن لها بالدخول.
أسندت صينية الطعام بيد واحدة بصعوبة بالغة بينما فتحت الباب بالأخرى، ودلفت إلى الغرفة وهي ترمقه بنظرات حذرة متوجسة، تستشف من ملامحه ما يخبئه لها خلف هذا الصمت المريب. رأته قد بدل ملابس الخروج ودخل فراشه، يستند بظهره إلى الفراش في وضع جلوس متصلب وعيناه معلقتان بالفراغ. اقتربت من السرير بخطوات مرتجفة، ووضعت الطعام أمامه ثم تراجعت خطوة للخلف، وتمتمت بصوت خافت يكاد لا يُسمع من فرط ارتباكها:
"العشاء".
وضعته أمامه متحاشية نظراته الثاقبة، ووقفت للحظات لا تدري ما تقول، ثم التفتت لتغادر ولكنه أوقفها بصوته الجاف:
"هل تناولتِ عشائكِ؟"
التفتت له في حيرة لا تدري بما تجيب، منذ جائت تتناول طعامها منفردة، لا يسألها إن أكلت أو لا.. لا تدري أتخبره أنها لم تفعل لزهدها عن الطعام؟.. أم تقول أنها أكلت كي لا يوبخها؟.
طال صمتها ففهم وهو يتنهد ويشير لها بالجلوس أمامه:
"لنأكل سويًا.. اجلسي"
كانت المفاجأت لا تنتهي اليوم..هل دعاها للأكل معه ؟
كانت تقف كالصنم وملامح البلاهة تسيطر عليها، فتأفأف منها وهو يجذب ذراعها ببعض القوة ويجلسها أمامه قائلا في ضيق:
"تحركي يابنت، ما هذه البلاهة ؟"
جلست متململة في حرج مما نعتها به وظهر ضيقها في عينيها، فلم تمد يدها للطعام واكتفت بالنظر له وهو يقطع الخبز ويشرع في الأكل
كانت اللحظة غريبة عليها، لها رهبة لا تفهمها
تجلس أمام فـراس في غرفته، بينهما العشاء، تراه يأمل في هدوء.. لا زجر ولا تعنيف.. ولا نظرات قاسية ؟
وقبلها اتفاقهم الأخير أن تكون زوجته حقًا بلا رجعة ؟
ما الذي حدث له فجأة ؟
رفعت عينيها الحذرة له لتجده يحدق فيها بنظر طويلة أربكتها هربت بعينيها بسرعة تتشاغل في تطيع الخبز دون أن تأكل.. وقلبها يخفق في سرعة تؤلمها.. كل شيء سببها فـراس يؤلمها.. أيجلب الحب الألأم للقلوب بدل من اسعادها ؟
وما كادت تنخرط في افكارها من جديد حتى تفاجأت بيده الممتدة لفمها بلقمة يحشرها فيه ببعض القوة التي ألمتها، حتى شكت أن شفتها جرحت من خشونته.
رفعت عينها الحائرة له وهي تمضغ اللقمة بعد لفتتة الخالية من الرقة
لتجده يقطع لقمة أخرى ويغمسها في الصحن قائلا في جفاء:
"صرتِ جلد على عظام، لو رأكِ أخوتكِ سيظنون أنني أعذبكِ جوعًا"
لم تستطع الرد عليه وهي تراه يضع لقمة أخرى في فمها بذات الخشونة
لقمة بعد اخرى بعد أخرى حتى كادت تغص بطعامها ورفعت كفها امام فمها تهمس من ورائه:
" أنا شبعت.. أنت لم تأكل شيء "
اتبهت أنه جعلها تأكل أغلب الطعام دون أن تشعر، ورغم خشونته الغريبة في اطعامها إلا أن عينيها لمعت بلمعان غريب، وقد شعرت أن صبرها عليه يمكن أن يثمر يومًا.
نفض يده من فُتات الخبز وهو يردد في تهكم:
"لقد أشبعوني اخوتكِ.. خذي هذا الطعام من هنا وتعالي"
بدت حائرة من ذكر اخوتها.. هل لعودته غاضبًا علاقة باخوتها؟
هل تشاجر مع أحد منهم مره أخرى ؟
لم تجرؤ على السؤال، فحملت الطعام للمطبخ بذهن شارد ثم عادت له مره أخرى لتجده قد تسطح على الفراش، وقفت أمام الباب تساله في قلق:
" هل أنت بخير؟.. هل اخذت دوائك ؟"
"كفى اسأله وأغلق الضوء وتعالي لتنامي جواري"
اتسعت حدقتيها مما قاله؟.. هل حقًا أخبرها أن تأتي لتنام جواره ؟
لقد قضيت لياليها في غرفة فيدرا.. ما الجديد الان.. هل هو اتفاقهم؟
"دُنيـــا"
زمجرته باسمها انتشلتها من شرودها، فبدت حائرة مرتبكة وهي تتحرك نحو الفراش الكبير تدور حوله وتجلس جواره، وبأنامل مرتبكة أغلقت المصباح الجانبي لتسبح الغرفة في ظلام دامس.
لفّ الظلام أرجاء الغرفة، ومعه تضاعفت رهبة الموقف في نفس دُنيا؛ فبقيت متيبسة على حافة الفراش الكبير، لا تجرؤ حتى على سحب أنفاسها كاملة كأنها تخشى أن تخدش هدوءه. كان صمت فـراس بجوارها يبدو أثقل من العتمة نفسها، يملأ الفراغ بينهما بتساؤلات جعلت أطرافها باردة كالثلج.
تحرك فـراس في مضجعه، وأحدثت حركة جسده على الفراش صوتاً جعل قلبها يقفز في صدرها . وقبل أن تستوعب ما يحدث، امتدت كفه الخشنة في العتمة تقبض على رسغها الغض؛ كان تلامس كفه لبشرتها مفاجئاً ومباشراً، فسرى خدر غريب ورعشة عنيفة في جسدها جعلتها تحبس أنفاسها. جذبها إليه ببطء ولكن بحسم، لتتحرك رغماً عنها وتقترب من جسده الممدد. حاولت المقاومة بضعف وهي تفرك يدها المحبوسة بين كفه، وهمست بنبرة متقطعة يملؤها الارتجاف:
"فـراس.. أنا.."
قاطع لجلجتها وهو يضع ذراعه السليمة خلف ظهرها، ليجذبها أكثر حتى التصق جسدها الضئيل ببنيته القوية.
أجبر رأسها على الاستقرار فوق صدره العريض بعدما جذب حجابها بحنق، جاعلاً من ذراعه وسادة لخصلاتها ، وتمتم بصوت منخفض خرج من عتمة صدره هادئاً كجريان النهر:
"نامي يا دُنيا.. وكفي عن الارتجاف، صدعتِ رأسي بأنكِ زوجتي، والان نامي وكفى تململ".
تسمرت دُنيا في وضعيتها، وكل إنش في جسدها يشتعل بارتباك لم تعرفه من قبل. كانت أنفاسها الدافئة تضرب عنقه في قربهما اللصيق، بينما كان صوت دقات قلبه القوية والمنتظمة يصل لسمعها بوضوح.. ذاك القلب الذي طالما تمنت أن يلين لها. لم يكن تلامسهما يحمل رقة الغزل، بل كان احتواءً خشناً ومباشراً فرض عليها أن تشعر بكل عضلة في جسده، وبثقل ذراعه التي طوقتها لتمنعها من الهرب... ومن قال له أنها تريد الهرب منه ؟
شعرت بنفضة في خلجاتها ألح عليها سؤال يحمل بادرة أمل.. هل بقربها منه الان سيصبح وضعهم أفضل؟
هل تقبلها أخيرًا وسلّم بها كزوجة ؟
ومع مرور الدقائق، وتحت تأثير الحرارة المنبعثة من جسده، بدأت أناملها المتعرقة تسترخي تدريجياً فوق ثوبه، مستسلمة للأمان الخفي الذي يغلف جموده.
مال فـراس برأسه قليلاً حتى لامست لحيته الخشنة جبينها، وزفر خشونة أنفاسه فوق بشرتها، وكأنه يثبت لنفسه ولها أن الأمر قد حُسم، وأنها باتت جزءاً من ليله ونهاره كزوجة كما أرادت.. رغماً عن أنف آل غانم، ورغماً عن عناد إخوتها الذين أشبعوه غضباً قبل ساعات. وفي تلك العتمة المطبقة، غفت دُنيا لأول مرة دون أن تبلل وسادتها بالدموع، بعد أن روّض قربه ارتباك روحها.
أما فـراس مكان يربت على كتفها ربتات بطيئة رتيبة وعيونه شاخصة في الظلام في شرود.. لا يدري أما يفعله خطأ جديد يضاف لأخطائه.. أم بداية لتصويبها.
***
الثالث عشر من هنا