📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الحادي عشر 11 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الحادي عشر 11 بقلم آية احمد عرفة


11 "كُون عونًا"
 

الحياةُ تضعُنا أحيانًا في مواقفَ لا مهرب منها، مواقف لا تمنحنا سوى خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن نكون عونًا لمن لا ذنب له، وإمّا أن نخذل قلبًا لا يستحق الخذلان. يبقى الاختيار هو الطوق الأخير للنجاة، خصيصاً حين يكون القرار بيد مَن يفترض به أن يكون السند… ومن عنده فقط يتحدد أي طريق سيسلكه مع نصفه الآخر.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

كانت تُمسك الزجاجة بين يديها بصدمةٍ جعلت عينيها تتسعان، تحدّقان إليها كأنهما ترفضان التصديق. وما إن دلف "الآخر" إلى الغرفة حتى توجهت أنظارها نحوه.
توقّف لحظة، يحدّق بها… وقد جاء ليتحدث معها، لكن ما ظهر على وجهها من ارتباك كان واضحًا كضوء النهار. تقدّم بخطواتٍ هادئة، وعيناه تتنقلان بين ملامحها والزجاجة التي بين أناملها.

وقف أمامها، عقد حاجبيه، وارتسمت على وجهه تساؤلات كثيرة لم ينطق بها. مدّ يده، سحب الزجاجة منها، قلبها بين يديه، ثم قرأ المكتوب بصوتٍ منخفض:

ــــ «صودا كاوية…!»

قالها بنبرةٍ امتزج فيها الذهول مع عدم التصديق، كأن الكلمات خانته، وكأن الموقف أثقل من أن يُحتمل. رفع بصره ليلتقي نظراتها، ينتظر أي كلمة تبرر، أي دفاع… وهذا ما حدث بالفعل، فقد انفجرت تقول بصدقٍ مرتجف:

ــــ "أنا معرفش دي وصلت هنا إزاي… والله أول مرة أشوفها!"
1

تلاحقت أنفاسها، واسترسلت محاولة نفي التهمة عن نفسها، تطرد من فوق صدرها ثقل نظراته وصمته:

ــــ "أنا أكيد مش هأذي طفلة… أنا لقيتها هنا وأنا باخد هدومي، صدقني."

أومأ برأسه ببطء، دون أن يتفوه بجملة واحدة تريّحها أو تزيد خوفها. وضع الزجاجة في جيب جاكيتِه، ثم غادر بخطواتٍ هادئة.

تنفست الصعداء، لكنها لم تكن تعرف شيئًا عن العاصفة التي خلفها صمته وراءه. فهو قد رآها تحمل الزجاجة، لكنه ما. بدر اى رد فعل، هي لا تفهمه… لا تعرف ما الذي يدور داخل رأسه.

جلست على طرف الفراش، أثقلت أنفاسها المخاوف. سؤال واحد ظل يرنّ داخلها: من الذي يريد تدبير هذه المكيدة لها؟ من يريد أن يزرعها متهمة بفعل بشع كهذا؟
لكن الإجابة لم تكن بعيدة… فهي تعرف من قد يفعل.

جدتها؟ أحد أخوالها؟ لا… هناك شخص واحد فقط يشتعل الشكّ حوله، تدور حوله كل الظنون: ضرتها.
إن كانت قد آذت طفلة صغيرة دون رحمة، فماذا قد تفعل بها هي؟

لم تستوعب بعد كيف قادها القدر لحفرة كهذه… أن تُزف إلى رجل متزوج، هذا آخر ما يمكن لعقلها أن يتخيله، لكنه حدث. وعليها الآن أن تتعامل مع واقعٍ فرض عليها قسرًا. ستُكمل الطريق… لكن بطريقتها هي، لا حسبما يريدون هما.

كانت "سكن علوان" تفكر في كل هذا، والاسم الذي يجول في ذهنها: هند الزيني.
ظنّت هند أنها ستسقط بهذه السهولة، وأنها ستورطها بفعلٍ شنيع. لكنها لا تعلم أنها أمام تربية أدهم علوان.
إن كانت صمتت ليلة البارحة… فبدءًا من الآن ستعرف هند الزيني جيدًا مَن هي الدكتورة سكن علوان… وأيّ مكيدة تفعلها لحتى تحاول العبث معها.
1


ما أثقلَ الحيرة حين تحاصر القلب بلا ذنب،
وما أشدَّ مرارةَ الظلم حين يأتيك من حيث لا تحتسب.
أتمسّك بطمأنينتي، وأخبر نفسي أن الحقّ لا يضيع،
وأن الله يرى ما يخفى عن العيون…
فإن خانني الصوت، فلن تخونني السماء،
وإن طال الطريق، فاليقينُ بي قادِرٌ أن ينجيني.
.
.
.
.
.
.
.

في أعلى البيت، كان يقف فوق السطح، يسند كلتا يديه على السور، والزجاجة بجواره، وعيناه ثابتتان عليها وكأنها لغزٌ يحاول فكّه.
لقد علّمته الحياة الكثير… منذ كان طفلًا في الرابعة عشرة، عرف كل أنواع البشر: من يتصنّع، من يكدب، من يصدق، ومن يجرؤ على قول الحقيقة.
الحياة لم تكن رحيمة معه، جعلته يجتاز سنواته بالصبر. تعلم ألا يأخذ بردة فعل قبل أن يبحث بنفسه عن الحقيقة، وألا يصدر حكمًا قبل أن يتأكد من الفاعل حقًا.

وقد صعد إلى السطح لعل الهواء يخفف ما به… فهو لا ينكر أنه غضب حين رآها تحمل تلك الزجاجة، لكنه ما زال وفيًّا لوعدٍ قطعه على نفسه منذ صغره ألا يظلم أحدًا… مهما كان.

قطع شروده صوت خطوات تقترب. التقط الزجاجة بسرعة ووضعها داخل جيبه، وأدخل يديه في الجاكت بحثًا عن بعض الدفء، فالخريف يودّعهم، وديسمبر يقترب ببرودته.
وقف "مهاب" إلى جواره وقال بتساؤلٍ ساخر قليلًا:

ــــ "بتعمل إيه هنا؟ الجو ساقعة يا جدع!"

التفت إليه وهو يتنفس بعمق:
ــــ "عادي… طلعت أشم هوا."

ضحك مهاب بخفة:
ــــ "كفاية عليك هواء المستشفى يا راجل!"

ثم غيّر نبرة صوته للأسف:
ــــ "مش عارف أقولك إيه… أنت مش لاحق تفرح بجوازك. صحيت الفجر على خوفك على حمزة… وبالليل فريدة تعبت!"

صمت كأن حديثه قد لخّص الفوضى التي تحيط بهم جميعًا.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان المكان شبه معتم، تكسوه أضواء خافتة تتراقص على جدران داكنة اللون. في الهواء، امتزجت رائحة الخمور الثقيلة مع دخان السجائر، فخيمت على المكان هالة من الضباب الرمادي الخفيف. من الزوايا، تنبعث نغمات الموسيقى الصاخبة، تداعب أذن كل من فيه، فتجعل الجالسين يهزون أكتافهم مع الإيقاع. على الطاولات، تنتشر كؤوس نصفها ممتلئ بالخمور، وبعضها فارغ، تعكس الألوان الداكنة للأضواء الخافتة. ضحكات عابرة، همسات وأحاديث متشابكة، كلها تندمج مع موسيقى المكان، فتصنع شعورًا بالضياع والحرية، وكأن الزمن توقف عند هذا المزيج من الأصوات والروائح.
1

كانت الفتاة تتمايل في قلب الملهى الليلي، وقد خفَّ وعيُها حتى بدت خطواتها كأنها تُقاد لا تقود. تتراقص على أنغام الموسيقى الصاخبة بعينين نصف مُطفأتين، يلمع فيهما أثرُ ما أحتسته قبل قليل، فتفقد الحركة اتّزانها شيئًا فشيئًا.
ضحكات أصدقائها كانت تحيط بها، يدفعونها إلى مركز الدائرة، بينما الأضواء الملوّنة تنعكس على وجهها الذي غاب عنه الوعى،  وكأنها ترقص داخل عالمٍ ضبابي لا ترى حدوده.
كانت تتحرّك بلا وعيٍ حقيقي، كمن سُلِبت منه القدرة على التمييز، فتتخبط خطواتها بين نشوةٍ زائفة وضجيجٍ يمحو ما تبقّى من إدراكها.


«وما كانت تلك الراقصة إلّا نور أل نصار… الفتاة التي صاحبت أهل السوء، وأطلقت عليهم مسمى أصدقاءها، وهم في حقيقتهم عتمةٌ تسحبها إلى الهاوية، حتى تُصبح نسخةً مُشوَّهة منهم.»
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
داخل بيت الزيني، دلف براء إلى غرفة والدته، فوجدها جالسة فوق المصلية، تمسك المسبحة وتحرك حباتها بين أصابعها، تردد الذكر بخشوع وطمأنينة. جلس هو على طرف الفراش، ينتظر أن تنتهي، لكن لحظة إحساسها بدخوله جعلتها ترفع رأسها، تلتفت إليه بعينين هادئه يشعر بها قلبها تجاه ابنها، ثم أردفت بنبرة دافئه:
— مالك يا براء؟ حاسة إنك عاوز تقول حاجة... وانا كنت عاوزة اتكلم معاك برضو.
3

اقتربت لتجلس بجانبه، وأومأ برأسه بحذر:
— أنا فعلا عاوز اتكلم معاكي يا أمي.

بدأ حديثه بتساؤل متردد، ممزوج بالفضول والقلق:
— هو العصير اللي فريدة شربت منه كان فين يعني؟ اشتريتيه منين؟

نفت والدته ذلك بابتسامة هادئة، محاولة طمأنته:
— لا طبعا يا ابني، أنا اللي بعمل العصير هنا. من امتى وانا بجيب العصير الجاهز؟ أنا اللي فصصت الرمان بأيدي، وضربته في الخلاط، وعبيته في الإزازة.

أومأ برأسه بهدوء، لكن عقله كان يضج بالكثير من الأسئلة، فتابع بحذر:
— "يعني الإزازة دي من امبارح في الثلاجة صح؟"

نفت والدته حديثه بابتسامة مختلطة بعفوية الأمومة:
— "لا، كنت حطاها مع العشاء بتاعك إنت وسكن."

ثم أضافت بعتاب خفيف، محاولة لزرع الانتباه في قلبه:
— "بقي كده يا براء، تسيب مراتك ليلة دخلتكم؟ هو ده الصح يا ابني؟ أنا كنت عاوزة اكلمك في الموضوع ده من الصبح. بس الحمد اللي حصل لفريدة، خلانى أتلهيت ربنا ما يعيد اللي حصل."

توقف عقله عند جملة أنها كانت بالغرفة الخاصة به هو وسكن، فغضب بداخله وقد توقع الفاعل على الفور. نهض على عجل، ونظر إلى والدته:
ــــ "حاضر يا أمي، أنا هراضي سكن، متقلقيش."
3

ابتسمت له والدته، ودعت له من قلبها:
— "روح يا حبيبي، ربنا يراضي قلبك زي ما بتحاول ترضينا كلنا... ويبعد عنك أي شر، وأشيلك عيالك قريب يا رب."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان يسير في مكان يملؤه الأشجار الذابلة، أشبه بغابة فقدت روحها، تتمايل أغصانها مع الريح كأنها تئن تحت وطأة العزلة. كان الضباب يزحف حوله بكثافة، يُربك الرؤية ويُثقل خطاه، حتى بدا كأنه يتحرك في عالم لا ينتمي إليه.
وفجأة، اخترق الصمت صوت مألوف يهتف باسمه… صوت بدا كأنه طوق نجاة يُنتشل به من هذا الفراغ.

التفت حول نفسه، يبحث بين الضباب عن مصدر النداء، يحاول التقاط أي ظل يدل على صاحبه. وما هي إلا لحظات، حتى ظهر ظلّ قادم من بعيد، يمشي بخطى بطيئة متعثرة، والضباب يبتلعه نصفًا ويكشف نصفًا.

شيئًا فشيئًا تبيّنت ملامحه…
كان يعرج على ساقه، وقميصه مشبّع بالدماء، ووجهه مغطّى بالكدمات كأن المعركة التي خاضها لم تنتهِ بعد، إلا أنّ حالته كانت كحال من خرج منها خاسرًا، محطمًا.

اقترب الظل حتى اتضحت ملامحه تمامًا…
كان “أويس نصّار”، أخاه الأصغر.

توقف أمامه بخطوات مترددة وعينين مذعورتين، يحدّق في حالة أخيه كأنه لا يصدق ما يراه. مدّ يده نحوه ليسنده، لكن جسد أويس خذله تهاوى فسقط، فانحنى أيوب معه مسرعا، ووضع يدَه تحت رأسه ليمنعها من الارتطام بالأرض، ثم أسنده بين ذراعيه، والدهشة لا تزال تعلو قسمات وجهوا.

حاول أويس أن يتحدث، لكن صوته خرج متكسرا، مختنق وكأنه يُصارع آخر أنفاسه:

– ق… قتلــــــوني يا أيوب… قـتلونـي… قـتلوني…

انتفض أيوب بذعر وهو يشاهد أنفاس أخيه تتسارع:
– مين اللي عمل فيك كده؟ رد عليا يا أويس!

– أيوب… أيوب… أيـــــــــوب

فتح أيوب عينيه بحدّة، يتنفس بثقل كمن خرج لتوّه من الغرق.
كان صوت “علي” هو ما أعاده إلى الواقع:

– مالك؟ شكلك كنت بتحلم.

جلس أيوب معتدلًا على الأريكة، يمرر يده على جبينه، ثم تفوه بنبرة متضايقة:
– كان كابوس…
ثم أردف زافرًا:
– كابوس غريب أوي يا علي.

ابتسم علي وهو يجلس على المقعد المقابل:
– يا عم ده انت نايم في أمن الدولة ومش عاوز يجيلك كوابيس؟ ده كفاية اللي بنشوفه في التحقيقات… وانت بسم الله ما شاء الله عليك مش بتتوصّى أصلاً، ولا بترحم حد.

ثم قهقه علي بصوت عالٍ، فرماه أيوب بنظرة جانبية:
– هو ده اللي إنت فالح فيه؟
ثم تابع بجدية:
– عملت إيه في اللي قولتلك عليه؟

ما إن أنهى جملته حتى نهض علي بحماس وهو يملأ عليه إنجازاته:
– توقعك صح يا سيادة المقدم… ما هو مفيش جديد! طلع فعلًا اللي بيحاول يخترق السيستم بتاعنا… يهود. تقريبًا عاوزين يحصلوا على معلومات تخص الوطن… بس فى أحلامهم طبعًا.
أنا رسيت المسؤول عن السيستم على الوضع، وقلتله لو اتهكرت أي معلومة… هو المسؤول قدامي.
أومأ أيوب رأسه برضا:
– على كده بقى المنظمة اليهودية بدأت تاخد رد فعل.

تفوه علي وهو يقطم قطعة بسكويت التقطها من المكتب:
– ومش بس كده… جالي تقرير من جهة سرية بيقول إن دافيد آرون في مصر.
بس فين؟ محدش عارف.
جاي ليه؟ برضه محدش عارف…
والمصيبة إنه مش لوحده، معاه عملاء كمان، وواضح إنهم بيخططوا لِحاجة كبيرة.

ثم نظر إلى أيوب نظرة ممتزجة بالفخر والقلق معًا:
– بس أنا خايف عليك… إنت الوحيد اللي مكشوف بالنسبة لهم. عارفين إنك حاططهم في دماغك.

نهض أيوب وهو يرتدي جاكيته:
– وهفضل حاططهم في دماغي… لحد ما دافيد يشرف.
وساعتها… هطلّع فيه كل اللي كبته.
ثم قال بضيق:
– مش كفاية اللي بيعملوه في غزة؟ والوزرا اللي بيستهدفوهم من إيران عشان بيساعدوهم؟ يا أخي ده حتى المساعدة صعبوها… مستني إيه من ناس بلا رحمة؟

ثم التقط متعلقاته وهو يختم حديثه أخيرا:
– هي حرب… وهنشوف مين اللي هيضحك في الآخر. ولا انت خِبت يا سيادة الرائد؟

ابتسم علي الفور:
– لا طبعًا… بس الاحتياط واجب برضه.
ثم سأله بخفوت:
– إلا صحيح… إيه الحلم اللي كنت بتحلمه؟

صمت أيوب لثوانٍ، ثم قال:
– كان… خاص با أويس.

ثم تابع محاولًا إخفاء اضطرابه:
– سيبك انت من كل ده… المهم السيستم يفضل متأمّن يا علي. إحنا مش هنخيب معاهم.

قال ذلك وغادر المكتب، يسير في الممر الطويل حيث يقف الرجال بثبات، لا تهتز لهم رموش، ولا يوجد تعبير على وجوههم.
غادر من مبنى الجهاز، واتجه إلى سيارته.
أدار المحرك، وانطلق في الطريق المؤدي إلى منزله، بينما ظلّ أثر الكابوس يلاحقه… وصوت أويس يرنّ في أذنيه كأنه نبوءة قادمة، لكنه لم يهتم.
1

"أحيانًا لا يأتى الخوفُ من واقعٍ نعيشه، بل من ظلٍّ ينهض في أعماقنا…
ظلّ يحمل هيئة من نُحبّ، ينادينا بصوتٍ مألوف، لكنه مشحونٌ بالرحيل.
الكابوسُ ليس حلمًا عابرًا… بل رسالةٌ مبهمة،
وكأنّ الروح تُلوّح لنا بأن القادم أخطر،
فما أبشع أن تستيقظ،
وتترك خلفك نصف قلبٍ ما زال ينزف في حلمٍ لم يكتمل…عجيبٌ أمرُ القلب…
أتحلِّقُ به المخاوف حول من نُحبّ،
ومع ذلك نمضي فى دُروبنا كأنّ شيئًا لا يقترب؟
وكان الخطر يحفر خطاه نحو روحه
لكنّه رغم كل شيء لم يعطى أى أهمية
كان غارقًا في صراعاته،
مشغولًا بقتالٍ آخر،
حتى فاته أن يرى ألم أخاه وهو يستغيث به…
وكأنّ القدر أراد أن يلقّنني درسًا:
أحيانًا نهمل أغلى ما نملك،
ليس لأننا لا نحبّه…
بل لأن الدنيا تُعمينا عن صوته حين يحتاجنا."
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
داخل بيت الزيني نظرت أميرة إلى براء الذي خرج لتوّه من غرفة والدتهم، وقالت وهي توضّب المائدة:

– أنا بحضّر العشاء عشان ماما تعبت من اللي حصل… وكمان محدّش فيكم أكل حاجة من ساعة الفطار.

أومأ برأسه قائلاً:

– وفريدة عاملة إيه؟

أردفت بارتياح:

– الحمد لله… أكلت وخدت الأدوية ونامت.

أومأ بهدوء ثم دلف إلى غرفته، لتستقبله هند بابتسامة قائلة:

– طمني… فريدة بقت كويسة؟ قلبي أكلني عليها من الخوف أوي يا براء، الحمد لله إنها عدّت على خير.

كان يرمقها بنظرات غريبة عليها حتى إنها قد تخطبت مشاعرها للحظة، فحاولت تغيير مجرى الحديث:

– غير هدومك وارتاح… فضلت واقف على رجلك في المستشفى.

كادت أن تغادر، لكنه قبض على ذراعها ليوقفها، ثم أخرج الزجاجة من جيبه قائلاً بتساؤل:

– إيه رأيك في دي؟

صُعقت، لكنها حاولت الثبات وادّعت عدم المعرفة:

– إيه دي؟

أردف بضيق:

– يعني انتي متعرفيش إيه دي؟ صودا كاوية! اللي انتي حطيتي منها في العصير امبارح ليا أنا وسكن، والنهارده فريدة اللي شربت منها… ومع كده مش حاولتي توقفيها!

صاحت باستنكار وهي ترفض تمامًا الاعتراف:

– إيه اللي بتقوله ده؟! أنا أحاول أذيك يا براء؟! ده انت عارف أنا بحبك قد إيه… ورضيت بجوازك عليّا وسكت وفضلت معاك! وفي الآخر تقول كده؟! تلاقي الحية اللي اسمها سكن هي اللي عملت كده عشان تلبّسني عملتها بدلها!
1

نفد صبره، فهو ليس بالشخص الذي يُستهان به، ولا يسمح لأحد بالتلاعب بعقله. أردف بغضب:

– بطّلي كدب بقى… انتي مش بتزهقي؟ سكن مش بقالها يومين على بعض! هتلحق تعمل المكيدة دي كلها؟! وكمان ليه تأذي عيلة صغيرة؟ الأولَى ليها تأذيني أنا!

ثم أضاف بحدة:

– انتي اللي حطيتي منها امبارح في العصير عشان تأذيها… وأكبر دليل إنك عارفة إني مش هشرب منه لأني مش بحب الرمان! كان قصدِك سكن وبس يا هند… وبلاش تنكري. انتي عارفة كويس… وجهة نظري مش هتتغير.

كانت تعلم أنه من المستحيل إقناعه بشيء آخر، لكنه يعيد حديثه مرارًا كأنه يريد أن يصل لها ألا تعبث معه أو تحاول تشتيت حديثه.

أومأت برأسها أخيرًا قائلة:

– أيوه… أنا اللي عملت كده… وأه، أنا قصدي سكن وبس. مكنتش أعرف إنها مش هتشربه… وإن فريدة تشرب منه.

وانهمرت عباراتها وهي تضع يدها على ذراعه ترجوه:

– عشان خاطري سامحني… أنا بقالي معاك سبع سنين، عمرك ما شوفت مني حاجة وحشة! بلاش تزعل من أول غلطة… حط نفسك مكاني!

وتابعت بنحيب:

– انت روّحت اتجوزت عليّا فجأة… وجبت مراتك هنا كمان! أنا معايا عذري… قلبي اتحرق من الغيرة! صدقني الشيطان لعب بعقلي… ومش هيتكرر تاني، وحياتك عندي! أنا مكنش في نيتي أذي فريدة… دي عيلة صغيرة!

ثم استرسلت كاذبة:

– ولو كنت شوفتها… أكيد كنت همنعها إنها تشربه.

كان يرمقها بنظرات غاضبة، تنتظر رد فعله، تتمنّى أن يتأثر ويعفو عنها. لكنه قال أخيرًا:

– انتي كنتي السبب في اللي حصل… وجيتي المستشفى وحطيتي عينِك في عين أختي ودعّيتي لبنتها… وانتي كنتي السبب! إزاي عملتي كده؟!

وأضاف بمرارة:

– جوزها كان عنده حق… بدام الأذية طلعت جت ليهم من أهل بيتي يبقى كان واجبي أحافظ عليهم فعلاً.

تفوهت مسرعة:

– صدقني مش هعمل كده تاني يا براء! دي أول مرة… وانت السبب! عشان روّحت اتجوزت عليّا، ودخلت واحدة تانية حياتك! انت ازاي مش قادر تحس بالحُرقة اللي أنا فيها؟! ده إحنا عشرة سبع سنين!

رمقها وهو يسير في الغرفة بهدوء كأنه يتّخذ قرارًا، أما هي فكانت تترقّب كمن ينتظر حكمًا أخيرًا.

توقف مقابلها ثم تفوّه أخيرًا:

– اطلعي عند أبوكي.

قال ذلك ثم التفت ليخرج، لكنها وقفت أمامه قائلة بصدمة:

– انت بتقول إيه؟ لا يا براء… أنا مش هسيب البيت! صدقني كل حاجة هتتحل. طيب… أنا مستعدة أروح أعتذر لأميرة، بس بلاش تخليني أمشي!

صاح بغضب:

– انتي فاكرة إني هعرّف أميرة بحاجة زي دي؟! أحط وِشي في وِشّها إزاي؟! انتي حطّيتيني في موقف زي الزفت! ويا ريت على قد كده… لا كمان روحتى حطيتي الأزازة في حاجة سكن! أنا مش عارف عقلك كان فين… وفي الآخر تقولي شيطان!

ثم تابع بنبرة منخفضة:

– الشيطان كلمة بتضحّكي بيها على نفسك… اتفضّلي اطلعي عند أبوكي لغاية ما أهدى… وأشوف هعمل إيه. ولولا إني باقي على العِشرة… كنت رميت يمين الطلاق دلوقتي!
7

وغادر الغرفة وصفع الباب خلفه، أما هي فجلست على طرف الفراش تبكي.
كانت تعتقد أن وضع الزجاجة عند سكن سيجعل الشك يتجه إليها، لكنها لم تحسب أن خطتها ستنقلب عليها.
لو كانت تخلّصت من الزجاجة لكان الوضع أفضل بكثير مما عليه الآن… لكن هذه هي الحياة: يظلّ الإنسان يخطئ حتى تأتي اللحظة التي يوقع فيها نفسه بيده.

الشرّ لا يبدأ بخطوةٍ كبيرة…
بل بزلة صغيرة يظنّ صاحبها أنّها لن تُرى،
وبقلبٍ يُبرّر لنفسه ما لا يُبرَّر.

من يُخفي الشرّ ظنًّا أنه لن يُكتشف…
هو أوّل من يسقط حين تنكشف الحقيقة.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
توقّفت السيارة أسفل العمارة، فمال الشاب بنظره نحوها قائلاً بنبرة عاتبة:
– مش كنا فضلنا شوية كمان يا نور؟

لكنها هزّت رأسها سريعًا، وكأن الخوف يسبق الكلمات من بين شفتيها:
– لا طبعًا… أخويا زمانه جاي. يا لؤي، لو عرف إني برا البيت لحد دلوقتي… مش قادرة أتخيّل هيعمل فيّا إيه.

ارتفع حاجباه فى دهشة، ثم أردف باستنكار خفيف:
– الدنيا اتغيّرت يا نور! أخوكي ده دِقّة قديمة أوي… لازم يبقى كول كده ويمشي مع الموضة.

أومأت بهدوء، وكأنها اعتادت الدفاع عن غياب اختياراتها:
– هو كده… دا لو عرف إني بروح أماكن زي دي يقتلني فيها. دا عاوزني أتحجب كمان! حاجة تزهّق.

فتحت باب السيارة وهي تستعد للنزول:
– باي بقى قبل ما ييجي…

ترجلت بخطوات مسرعة، بينما قام هو بتدوير السيارة والابتعاد عنها. صعدت إلى داخل العمارة، واستقلت المصعد، تشعر بأن دقّات قلبها أعلى من صوت حركته. وحين توقّف في الطابق المطلوب، خرجت بسرعة، وأخرجت المفتاح لتفتح الباب بخفة.

دلفت وأغلقته خلفها، تتحرك بخفة لئلّا تُحس بها والدتها. اتجهت مباشرة إلى غرفتها، وكادت أن تغلق الباب… لكن صوتًا ثابتًا وحازمًا أوقفها. كانت والدتها تقف أمامها، وملامح وجهها تحمل عشرات الأسئلة.

قالت بحدة مكتومة:

– كل ده بتذاكري مع صاحبتك؟

أومأت نور بقليل من الثبات، محاولة ألا يُفضَح ارتباكها:

– الوقت سرقنا…

تنهدت والدتها، ثم أضافت بنفاد صبر :

– مش تتأخّري تاني كده. أيوب لو عرف مش هيسكت. ولولا إني بحبك… ما كنتش هسكت أنا كمان. بس لو اتكررت تاني يا نور… هقوله.
1

ثم أضافت بصرامة:

– غيري هدومك قبل ما ييجي. كام مرّة أيوب قالك متلبسيش لبس ملفت؟ بس مفيش فايدة!

أردفت كلماتها وغادرت.

أغلقت نور الباب خلفها بضيق، واتكأت عليه وهي تزفر بشدة، سارت نحو الدُلفة، وأخذت ملابس أخرى لتبدّل بها قبل وصول أخيها.
كانت تعلم يقينًا أنه سيغضب إن رآها بتلك الملابس، لكنها في النهاية تُريحه با الانصياع المزيف… وتفعل ما تريد من خلف الجميع.

لم تكن تعرف أي درب تخطو إليه، ولا حجم الهاوية التي تصنعها بقدميها. عقلها يصوّر لها أن ما تفعله "حريّة"، بينما تغفل عن المجازفة التي تُلقي بنفسها فيها… وعن الثقة التي يضعها بها أخوها، تلك الثقة التي تحطّمها بأفعالها شيئًا فشيئًا دون أن تشعر.
لكنها تجهل أن الحرية الحقيقية لا تُقاس بالتمرد، بل بالوعي والاحتشام وحفظ النفس وليست مخالفة دينها وأخلاقها بأفعالها."

لا تجعلي خوفك من القيود يدفعك لطرقٍ تُفقدك قيمتك أو تعرضك للخطر. أحيانًا قد تشعرين برغبة في الهروب أو الاختباء عن الأهل لتشعري بالحرية، لكن الحرية الحقيقية ليست في الاختباء أو كسر القوانين، ولا بالعري أو أي تصرف يسيء لك أو يقلل من قيمتك.
الحرية الحقيقية هي اختيار ما يحفظ قلبك وعقلك، والتمسّك بكرامتك، وأمور دينك واتخاذ القرارات بحذر ووعي، مع تذكّر قول الله عز وجل:
"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ"

إذا تخبئين عن أهلك لأنك خائفة منهم، فتذكّري أن الله عز وجل طالع كل أعمالك… فهل تخافين البشر أكثر من خالقك، الذي يعلم سرّك وجهرك، ويراقب خطواتك، ويحاسبك على كل اختيار؟ لا تدعي خوفك من الناس يزيّن لك ما يخالف رضا الله، فكل خطوة تتخذينها في الخفاء يجب أن تكون بعقل وحذر ووعي، لا بمخاطرة تجرّ لك الضرر فقط.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

داخل بيت الزيني، كانوا يجتمعون حول المائدة، أما عن هند قد انصاعت لأمره وصعدت إلى الأعلى حيث أهلها، أردف مهاب بتساؤل:
ـــ أمال هند فين؟

فوق عند أهلها، هتقعد معاهم كام يوم.

فقط تفوه بهذا دون أن يبرر السبب، ليصمت بعد أن استشف أن أخاه لا يريد الحديث أكثر من هذا فقط.

أما عن سكن كانت تستغرب كثيرا هذا الهدوء الذى عليه، ولا تنكر الفضول الذى بداخلها لمعرفة ما خلف صمته، ولكن قد وضح لها أنه شخصاً غامضا، دليلاً على عدم إلقائه أى رد فعل.

انتهى الإخوة من تناول العشاء، ثم اجتمعوا أمام الشاشة في صالة المنزل الهادئة، بينما كانت والدتهم قد خلدت إلى النوم بعد يومٍ طويل. جلس كلٌّ منهم منشغلًا بعالمه الصغير؛ فمنهم من كان يتابع ما يُعرض على الشاشة بتركيزٍ متقطع، ومنهم من غرق في هاتفه يتصفح دون اهتمام، وآخرون شردت أبصارهم في مستقبلٍ مجهول لا يعلم أحدٌ ما يخبئه لهم القدر.

ساد الصمت لبرهة، حتى قطعه مهاب بضيقٍ واضح، وهو يتنهد بحرقة:

– استغفر الله العظيم يا رب...

انتبه براء لانقباض ملامحه، فالتفت إليه متسائلًا بنبرة قلق:

– في إيه؟

رفع مهاب نظره عن الهاتف، وقد ارتسم الغضب على ملامحه، وتسللت حدته إلى كل كلمة يتفوه بها:

– "طفلة عندها سبع سنين يا براء... متخيل يعني إيه سبعة؟ شاب منحط عنده ١٧ سنة… شحط! اعتدى على البنت في البيسين! أنت متخيل الانحطاط الأخلاقي اللي الناس وصلت له؟ الطفلة ماتت… وفوق دا كله قال إيه؟ يتحاكم عليه بقانون الطفل! خد ١٥ سنة! يعني الفعل الشنيع دا يبقى عقابه كده؟ دا يستاهل الإعدام… عشان يكون عبرة للي زيه، ولا هنبقى في غابة، وكل واحد عارف إن تحت السن القانوني يعني "عادي"!
1

شاركهم حمزة الرأي، وقال وقد ازدادت ملامحه ضيقاً:

– "يعني هيتحبس ١٧… يخرج ٣٢! وهيكمّل حياته عادي، قصاد إن عيلة طفلة ماتت وأهلها اتدمروا نفسيًا! أنا شايف إن دا ظلم… وظلم أوي كمان."

هزّت أميرة رأسها بتأكيد وهي تقول:

– "طبعًا ظلم! إنتوا واخدين بالكم إن الحوادث دي زادت بطريقة مرعبة؟ والأغرب بقى إن الموضوع مبقاش بس على البنات الصغيرة… دا الأطفال كمان! مدرس يعتدي على طفل في مدرسة! وآخرهم سواق ميكروباص عمل كده في طفلة كان المفروض يوصلها بيتها بأمان! هو فعلاً قانون الطفل مش ينفع مع الأشكال دي. هنأمن على عيالنا إزاي بعد كده؟"

وأخيرًا، قطعت سكن الصمت الذي خيّم عليهم، وقالت بنبرة جادة وهى تشاركهم حديثهم لأول مرة:

– "واجبنا ننبه الأطفال… عشان هما صغيرين وفي أطفال مش بتفهم اللي بيحصل فيها، ولا يعرفوا اسمه إيه. وفي ناس بتكون فاكرة إن اللي بيحصل لعبة! عشان كده لازم أول ما الطفل يبقى مهيّأ وبيستوعب، نفهمه إن في حاجات مينفعش حد يلمسه فيها… ونعلمه الأساسيات. ولو حس even بنسبة واحد في المية إن حد بيعمل حاجة أهله نبهوه منها، يقول فورًا."

توقفت لحظة ثم تابعت:

– "العامل الأكبر على الأهل… لازم يوعّوا أولادهم اللي بيروحوا حضانة ومدارس. بجد… الوضع اللي بقينا فيه غريب، وكل يوم في مصيبة جديدة. وقضية الطفلة دي مش آخرهم. عشان كده لازم يتحطّ قانون يوقف المتوحشين دول عند حدّهم. مش نضحك على نفسنا ونقول قانون طفل! هما مش بيعملوا الفعل دا إلا وهما مدركين وواعين… يبقى يتحاكموا بالإعدام!"

تربية الوعي أول منجاة.
لا تنتظروا حتى يقع الطفل في الخطر ثم تبحثوا عن علاج؛ بل ازرعوا في قلوبهم منذ الصغر معرفة حدود أجسادهم، وحرمة لمسها، وكيف يقولون "لا" دون خوف.
علّموهم أن الأمان يبدأ من كلمة يقولونها لكم بلا تردد، وأن السرّ الذي يُطلب منهم إخفاؤه عنكم… ليس سرًا بل خطرًا.
اقتربوا منهم، اسمعوا لهم، وافتحوا لهم بابًا لا يُغلق، فالأطفال لا يحتاجون للحماية بقدر ما يحتاجون إلى قلبٍ يفهمهم، وعينٍ تراهم قبل أن تراهم قساوة هذا العالم الخارجى.

أردف براء أخيرا وهو يفك حدة الحديث:

– "قلبتوها غم عليّا! حسستوني إني قاعد في المحكمة العليا! بس… بصراحة، عندكم حق في كل كلمة قولتوها. التوعية لازم تبدأ من البيت، ومعاها متابعة الطفل برا… وفوق دا كله لازم القانون يتغير. النطع اللي فاكر نفسه راجل… ياخد حكم الرجالة اللي يليق بيه، ويتحكم بالاعدام عشان يكون عبرة."

صدع صوت هاتف مهاب، نهض من مكانه متثاقلًا
من الصداع الذي يطرق رأسه بعد هذه المناقشة، واتجه صوب الشرفة، فتح الاتصال قائلا:

— "ازيك يا أويس؟ عامل إيه؟ معلش… كنت فعلًا على بالي أكلمك بس حصل شوية مشاكل كده."

جاءه رد أويس هادئًا:

— "عادي ولا يهمك… بقولك إيه؟ ما تيجي نخرج"

ساد صمت قصير، كأن مهاب يبحث عن خيار أنسب، ثم قال:

— "لا أقولك الأحلى… ما تيجي عندي ونطلع نقعد على السطح"

اعترض أويس فورًا، وقد بدا عليه التردد:

— "لا لا… هتحرج يا عم. بلاش. أنا معرفش غيرك هناك ومش عاوز أعمل قلق لأهلك."
1

تفوه مهاب باستنكار خفيف، ممزوج بسخرية محبّة:

— "إحراج من إيه؟ وكمان مفيش قلق ولا حاجة! هاخدك ونطلع السطح نقعد براحتنا… ولا إحنا مش قدّ المقام يا تربية الزمالك؟"

صمت أويس كأنه يفكر مليًّا، ثم قال أخيرًا:

— "خلاص ماشي… هجيلك. ومش موضوع زمالك، مش فارقة والله… بس بتحرج."

ابتسم مهاب، فهو يعلم طباع صديقه جيدًا:

— "لا تعالَ، مفيهاش إحراج. هبعتلك اللوكيشن… مع إنك مش هتحتاجه. ادخل بس السيدة زينب وقول بيت عيلة الزيني اللي فوق محل العطارة."

جاءه صوت أويس موافقًا:

— "خلاص ماشي… مسافة السكة. سلام"

أغلق مهاب الهاتف، وهمّ بالدلوف، حين صدع هاتفه مرة أخرى. هذه المرة كان المتصل أدهم. فتح الاتصال قائلًا:

— "إيه يا دومي، عامل إيه؟"

جاءه صوت أدهم هذه المرة محبطًا، غارقًا في ضيقه:

— "مخنوق كالعادة… بقولك ما تنزل؟ خلّينا نتقابل".
1

تردد مهاب للحظة، فهو الآن في مأزق بين صديقين. ثم قال بعدما حسم أمره:

— "أقولك الأحلى؟ تعالَ انت… واهو بالمرة تشوف أختك. مش وحشتك؟"
6

ساد صمت قصير، ثم جاء صوت أدهم يحمل حزنًا واضحًا:

— "أكيد وحشتني… بس مش عارف أحط وشي في وشها إزاي"

قال مهاب بنبرة جادّة، محاولًا دفعه إلى القرار الصحيح:

— "البُعد بيعلم الجفا… تعالَ سلّم عليها وشوفها. وبعد كده آخدك نطلع نقعد على السطح. أنا أساسًا اتشأمت أخرج معاك من بعد ما دخلنا أمن الدولة. تعالَ البيت… أأمن، واهو لا يقولوا شبهه ولا مش شبهه."

رد أدهم سريعًا وقد اقتنع:

— "خلاص ماشي… جاي. سلام"

أغلق مهاب الهاتف للمرة الثانية، ودلف إلى الداخل. كان براء وسِكن فقط هم من يجلسان، تساءل باستغراب:

— "أمال حمزة وأميرة فين؟"

أجاب براء، وهو يتفحص الهاتف:

— "أميرة دخلت تنام… وحمزة طلع على السطح، وانا طالع ليه دلوقتى"

ابتسم مهاب وقد بدأ المرح يعلو قسمات وجهه:

— "بجد؟… على كده بقى السطح النهارده هيشوف ليلة عنب على الآخر."
1

وكم هو جميل أن تجمعنا الصدفة لحظة، تهمس لنا بأن بعض اللقاءات تكفي لتبقى في القلب، وأنها قد تفتح أبواب علاقات جديدة كليًا.
ومن هنا أعلن بداية هذا اللقاء الصدفي، الذي سيكون أثره لطيفًا على الجميع… ليلة على السطح، ضحك، حكايات، وربما بداية لذكريات لا تُنسى.
.
.
.
.
.
.
.
أشوفكم البارت الجاي بإذن الله ونعرف أدهم هيعمل إيه في أويس لما يعرف أن أخوه هو نفسه اللي كان بيحقق معاهم في أمن الدولة.
13

ــ هنتظر رأيكم وأى حد عنده انتقاد للبارت يقول ؟

قولت أقفل البارت بحاجة هادية، بدل ما كل مرة أقفل قفلات محمد سامى.
1

ــ ظِل البراء

ــ أية أحمد عرفة




مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات