رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الحادي عشر 11 بقلم هالة محمد
11 = عودة 11 /
للجميع@
في منزل زهراء، لم تجد زهراء مفرًا من لقاء طلعت. كانت تجلس وهي يكسو وجهها الهموم والحزن مثل المسجون الذي ينتظر حكم الإعدام. ولقد نطق القاضي بحكم الإعدام وتم تحديد زواج زهرة بعد أسبوع فقط. لم تقدر زهراء على حبس دموعها فامتلأت عيونها بالدموع رغم محاولتها أن تحبس تلك الدموع.
نظرت لها نعمة بغضب وتحدثت وقالت لها "
مين مات علشان كده بتبكي عليه يا بنت نادية؟"
نظرت نادية لابنتها وحاولت أن تنقذ الموقف وقالت وهي ترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة "
معلش يا أم طلعت، أنت عارفة يا أختي إن بنت صغيرة يعني هي خايفة من الجواز وكده".
نظرت نعمة باستهزاء وأقامت بتحريك شفتيها يمين ويسار ثم قالت بسخرية
"ولما هي صغيرة بتجوزيها ليه؟"
هنا تدخل طلعت في الحديث سريعًا خوفًا من أن تقوم أمها بتخريب هذه العلاقة، فهو يعلم أن أمه غير راضية على هذا الزواج. ابتسم وقال
"زهراء مش صغيرة، دي ست البنات انا كمان هحطها في عيني".
ابتسمت نادية على حديث طلعت وهي تشعر بالرضا، ثم نظرت لنعمة بشماتة وتحدثت بخبث وهي ترسم على وجهها ابتسامة انتصار وقالت "
تسلم يا زوج بنتي، ما أنا عارفة إنك هتحبها وهتموت في التراب اللي هتمشي عليه، لولا كده ما كنتش وافقت إنها تتجوز دلوقتي" وتبطل" من" المدرسه أبدًا". لقد أصابت الهدف وجعلت نعمة تشعر بالغضب الشديد والانزعاج.
لم تستطع نعمة الجلوس بعد هذا الحديث وقامت وهي غاضبة وقالت
"يلا يا طلعت".
حاول طلعت أن يجعل أمه تجلس مرة أخرى، فهو كان يريد الانفراد بزهراء التي لم تتحدث معه كلمة واحدة مهما حاول التحدث، كانت لا تجيب. رفضت نعمة كل محاولات ابنها، فاضطر طلعت الإستماع لكلام أمه.
ولكن قبل أن تخرج نعمة نظرت لنادية وقالت وهي تبتسم "صح يا أم زهراء، يا ريت تجيب جهاز يشرف قدام الناس، أنتي حبيبتي وأخدا فلوس قد كده كمان، ما تنسيش عشاء العروسة: ثلاث ذكور ملط 100 جوز حمام وبط والمحاشي حبيبتي والطواجن والحلويات، يا ريت تكون كل حاجة تشرف".
ارتسم على وجه نادية الغضب والانزعاج من ما تطلب نعمة. فرحت نعمة حين رأت الازعاج والغضب على وجه نادية ثم ابتسمت بشماتة وخرجت مع طلعت الذي حاول أن يهدي الأوضاع فور خروجهما.
ركضت زهراء على غرفتها تبكي بحرقة وتصرخ بصوت مكتوم خوفًا من والدها. ظلت تبكي وتصرخ وتتألم دون أن تصدر صوتًا. وحين تذكرت ما فعلته في معلمتها ازداد بكاؤها ونحيبها، فالشخص الوحيد الذي كان من الممكن أن ينجدها من هذا الجحيم لقد غدرت بها وطعنتها بخنجر الخيانة.
بكت زهراء حتى أصبحت زهرة ذابلة أو شكت على الموت والانطفاء.
****************
كان كل أفراد عائلة العامري جلسوا دخلوا المشفى من أجل الاطمئنان على نسمه. كانت أمينة تجلس وتبكي على بنتها، تحاول الاتصال بيحيى ولكن كل مرة الهاتف مغلق. كان قلب أمينة يشعر بالقلق على يحيى. حاولت الاقتراب من عمر حتى تسأل عن يحيى، فوجدت شعورًا داخلها يقول لها إن ابنها ليس بخير، ولكن تراجعت حين رأت عمر بهذه الحالة.
كان عمر ينظر لجده وأبي وأخيه بغضب، فجميعهم يجلس في المشفى ويرسم على وجوههم الخوف والحزن من أجل الصغير الذي يسكن أحشاء نسمه ولم يأتِ للحياة بعد. فنظر عمر لهم بنفور وكره، وتذكر أن لم يذهب أحد منهم من أجل شقيقته التي بين الحياة والموت بسبب تلك العائلة التي تحمل قلوب من حجر. يعود عمر ولا يستطيع الجلوس مع تلك العائلة صاحبة القلوب السوداء؟
تحرك عمر للذهاب من هذا المكان، ولكن قبل التحرك خرج الطبيب وهو على وجهه علامات الحزن والأسف وتحدث وقال
"مع الأسف يا جماعة، خسرنا الجنين".
قال تلك الكلمات وذهب وترك تلك العائلة يخيم عليها الحزن الشديد.
حزن عمر على هذا الجنين الذي لم يأتِ للحياة بعد. شعر عمر بالذنب الشديد تجاه هذا الطفل، شعر أنه أصبح قاتلًا مثل شقيقه. كانت ملامح عمر يخيم عليها الحزن والشعور بالذنب الذي بات يخنقه.
أما نوار كان يشعر أن هذا ذنب شقيقته الذي غدر بها وصدق كذبة الناس ولم يثق فيها. شعر نوار أنه هو الذي قتل هذا الجنين وأن هذا عقاب الله له. أصبح شعوره بالذنب أكبر، ولكن ارتدى قناع القوة ".لا أن ملامح الحزن والخزي تليق به ولا بعائلته، فقانون عائلة العامري لا يسمح للرجل أن يكون بهذا الضعف.
رفع نوار رأسه فوجده عمر يتحدث في الهاتف وعلي وجهه الخوف والتوتر ثم ركض للخارج. ركض نوار خلف شقيقه، كان قلبه يسكنه الرعب أن تكون شقيقته قد فارقت الحياة، فما زال لديه أمل أنها تعود مرة أخرى، فلا يريد خسارة هذا الأمل.
:**********
رفض عمر أن يذهب شقيقته معه، وظهر الغضب على وجهه. حاول نوار يعرف ماذا يجري من عمر، ولكن كان عمر يشعر بالنفور من شقيقه وانعكس ذلك في نظراته الباردة. انطلق عمر لقسم الشرطة، وانطلق نوار خلف شقيقه بسيارة أخرى، وملأ القلق قلبه.
وقف الاثنان أمام مركز الشرطة، فنظر عمر لشقيقه وغضب، وظهرت علامات الغضب على وجهه، ولكن لم يهتم نوار وأتبع أخيه الصغير بحرص. تفاجأ نوار حين علم أن ابن عمه في قسم الشرطة متهم بجريمة قتل، وشعر بصدمة كبيرة. غضب نوار وكان سوف يفتعل مشكلة في مركز الشرطة، ولكن اقترب منه عامر الذي يتحدث معه وقال له
"نوار، احنا مش ناقصين، يا ريت تمسك أعصابك علشان نعرف نطلع يحيى من المصيبة دي".
كان عمر يضع رأسه أرضًا ويحاول يستوعب ماذا يجري لعائلته، فجميع النكبات تأتي فوق رؤوسهم مثل حبات المطر، وملأ الحزن قلبه. تحدث نوار بغضب
وقال "هو يحيى هيقتل الواد الشمام ده ليه؟ ده عيل بايظ، المخدرات لحست مخه"، وظهرت علامات الاستياء على وجهه.
هنا نظر كل من عمر وعامر و تحدثا في صوت واحد وقالوا
"انت عارف دا مين؟"
نظر لهم نوار بسخرية وتحدث وقال "
أكيد أعرف، البلد هنا كل واحد مش بس يعرف التاني، لا دا كل واحد يعرف إيه في بيت التاني"، وظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه.
اقترب عامر من نوار وتحدث له وقال
"طيب أنت تعرف تجيب أي معلومة عن الولد، يعني ليه أعداء، عمل مشاكل مع حد؟"
ظل نوار صامتًا ثم سقط قليلًا كأنه يفكر في شيء ما، ثم قال
"أنا هروح ألف لفة في البلد كده وهجيب لك كل حاجة"، وظهرت علامات العزم على وجهه.
ترك هم نوار وذهب، وجلس كل من عمر وعامر ينتظرون السماح لهم برؤية يحيى، وملأ القلق قلوبهم.
في القاهرة، كانت مديحة تقوم بتجهيز حقيبة صغيرة تضع فيها بعض الأغراض لها ولابنها. رفضت مديحة الجلوس ورفضت كل محاولات عامر حتى لا تأتي للصعيد، ولكن أصرت مديحة على السفر. كانت مديحة تعرف هالة جيدًا وتحبها كثيرًا، فقد قضت هالة جميع سنوات الدراسة الجامعية في منزل مديحة مع عمها سليم، في إحدى الشقق السكنية التابعة للمنزل. تكونت خلال تلك السنوات علاقة قوية بين هالة ومديحة، جمعتهم المحبة والرحمة والمودة. على الرغم من تخرج هالة منذ سنوات، إلا أنها كانت حريصة على علاقتها بمديحة، ومديحة كذلك كانت تحبها وتعتبرها ابنتها. كانت مديحة تبكي كلما تذكرت ما حدث لهم، وقررت السفر إليهم.
****************
خرجت مديحة من منزلها، وأثناء نزولها من على السلم وجدت أحمد كان ذاهبًا لها. ابتسم أحمد ابتسامة بشوشة في وجه مديحة وتحدث معها برفق، وهو يسأل عن صحتها وكيف حالها اليوم. تحدثت مديحة بصوت مهموم وقلب مكسور وقالت
"الحمدلله بخير يا دكتور".
رد أحمد "الحمدلله إنك بخير يا مدام مديحة". نظرت له مديحة بغضب واستغراب، وسأل أحمد نفسه ماذا فعل لها حتى تغضب بهذا الشكل.
اقتربت منه مديحة بشكل غاضب وقالت له
"اسمع يا دكتور، أنا أكتر حاجة بكرهها هي كلمة مدام".
ثم صرخت في وجهه، مما جعله يرتجع إلى الخلف وهو يضم حاجبيه استغرابًا منها. واقتربت منه مرة أخرى وقالت له بصوت مخيف "
عارف ليه؟ عشان كنت متجوزة واحد واطي، و الحاجة الوحيدة الحلوه اللي حصلت لي من الجواز، العِره ده "هو اخرة صبري ولدي عامر "
" بعدكده" لما تنادي علي قول يا أم عامر أو أستاذة مديحه"
خرجت مريم فجأة ونظرت لكل من والدها ومديحة بنظرات استغراب، فقد كان أحمد ومديحة مقربان من بعضهما كثيرًا. ارتجعت مديحة إلى الخلف ثم نظرت إلى الأرض حين وجدت مريم تنظر لها بهذه النظرات، واكتسى وجهها بالاحمرار. تفاجأ أحمد بتحول مديحة من امرأة قوية وشرسة إلى سيدة هادئة وخجولة، فابتسم على تلك المرأة.
**************
في منزل العامري كانت أمينة في حالة من الانهيار التام تصرخ وتلطم على خديها وهي تبكي وتنحب وتنادي على ابنها بحزن عميق وقلب محطّم من الخوف على فلذة كبدها وابنها الوحيد وسندها في تلك الحياة. كانت تنادي باسم ابنها ودموعها تنزل مثل المطر الجارف. اقتربت نعمة شقيقتها وحضنتها وتحاول مواستها في تلك المحنة الصعبة التي حلت على أبنائها واحدً تلو الآخر. حزن نعمة على ما أصاب أبناء شقيقتها يحيى ونسمه.
كان هناك العديد من النساء يملأن المنزل، منهن من أتت حتى تشمت، ومنهن من أتت حتى تعرف ماذا يحدث، ومنهن من أتت محبة وحزينة على هذه العائلة. تهامست بعض النساء وهن يبحثن بعيونهن عن تلك الضحية التي تسببت في آلامها، وكانت سوف تزهق روحها من هذه الحياة بسبب أكاذيبهم وظلمهم.
دخل المنزل جابر الذي كان يحاول إسناد ولده الذي لم يستطع السير من كثرة الهموم التي أصابته هذه العائلة. نظر جابر للنساء اللاتي يتهامسون ويبحثن على ابنته حتى يقوم بإيذائها مرة أخرى، تحدث بصوت غاضب عاجل الرعب يسكن قلوبهن وقال "
كل مرة على بيتها وكل واحدة تخرس أحسن ما أقطع لسانكم كلكم حريم عاوزة حش رقبتها يلا كل برا".
**********************
في قسم الشرطة، دخل يحيى وكان يكسو وجهه علامات الحزن الشديد واليأس، لا يفهم ماذا جرى وكيف وصل به الحال إلى هنا. اقترب عمر وعامر من يحيى وقاموا باحتضانه ومواساته، وتحدثوا معه حتى يفهموا ماذا جرى وكيف وصل به الحال إلى هنا. قام يحيى بقص لهم كل شيء. حاول عمر ضبط أعصابه حتى لا يرتكب جريمة بعد ما قص يحيى له، كل " ما؟ حدث ثم تحدث وقال:
طيب يا يحيى فين حمدي؟
" تنهد يحيى وقام بمسح وجهه بكفيه وهو يضغط على شفتيه من كثرة الغضب، كان يضم حاجبيه بعضهم البعض، حطت لتلصقان في بعض، وتحدث وقال
"مش عارف، أنا برن عليه كأنه اختفي كأنه مش موجود أصلاً".
تحدث عمر وقال
"يحيى، أنا هلف البلد على حمدي، وكمان هدور على المنشاوي، ده ما تخافيش، كل حاجة هترجع زي الأول إن شاء الله".
كان عمر يحاول أن يطمئن يحيى، ولكن في الحقيقة هو يحاول أن يطمئن نفسه أن هذا الكابوس المزعج سوف يذهب ويعود كل شيء بخير. نظر يحيى لابن عمه فوجد ينظر أرضًا خجلاً من يحيى على ما حدث له. قام يحيى بلكمة عمر في وجه وتحدث وقال له
"انت يا د، أول مرة أشوفك حاطط رأسك في الأرض". رفع عمر رأسه "انت ولد العامري، ولا كلام جدك صح، وهتطلع عيل طري".
ابتسم عمر على ابن عمه في هذه هي طريقة يحيى في المواسة. قام عمر باحتضان يحيى حضن مليء بالمحبة والأخوة. قام يحيى بازاحة عمر وقال
"اوعى يا د، 100 مرة أقولك أنا مش بحب حضن الحاجات الناشفة دي، أنا عاوز حضن من حاجة طرية"
. ضحك عمر وعامر بصوت مرتفع على يحيى، وتحدث عمر وهو يضحك "خلاص أروح أجيب لك نسوان في الزنزانة".
تحدث عامر وهو ينظر لهم بغضب وقال
"هي"فين النسوان دي؟ أنا من ساعة ما جيت ما شفتش أي نسوان عندكم".
اقترب كل من يحيى وعمر وأقاموا بضرب عامر ضربات خفيفة، ثم قام يحيى بوضع رأس عامر تحت زراعه وهو يقول له
"انت جاي تبص على حريمنا؟ طيب ايه رأيك لما أقول لمديحة دلوقتي؟" حاول عامر التحدث فكان يحيى يضغط عليه بقوة، قال عامر وهو لا يستطيع التحدث "وقال بصعوبة
يا عم، غرضي شريف، عاوز أشوف عروسة من عندكم"
. ابتسم عمر بخبث وقال
"خلاص يا عامر، وافق على زواجي من مديحة، وأنا أشوف لك عروسة".
لقد أصاب عمر الأهداف ونجح في إغضاب عامر، كان وجه عامر غضب جدًا ويحاول التخلص من قبضة يحيى حتى يضرب عمر الذي كان يضحك حتى يستفز عامر أكثر.
******************
من داخل العيادة الخاصة بهشام، كانت تجلس فاطمة جنب ابنتها بعد ما فاقت من تلك الأزمة الصحية التي أصابتها نتيجة ما حدث معها، فلزت كبدها وقطع من روحها. بكت فاطمة بحرقة وأسى شديدة، وسألت بقلب محطّم "ماذا فعلنا حتى تنزل على رؤوسنا كل تلك النكبات؟" نظرت إلى ابنتها التي ترفض العودة للحياة مرة أخرى، وكأنها وجدت مفرًا في الهروب من هذا العالم القاسي.
ازداد بكاء فاطمة حين علمت ماذا حدث ليحيى، فهي تحب هذا الشاب مثل أبنائها وتدعو الله أن يطلعه من تلك المحنة على خير. شعرت بقلبها يدمي على ما حدث "ابنها" نوار، ونسمه "رغم الغضب الذي يسكن قلبها من فعل ابنها الشنيع الذي فعله في شقيقته، ولكن هذا هو قلب الأم الحنون الذي يغمره الحب والشوق.
كانت هالة نائمة مستسلمة، ولكن تسلل لها أحدهم حتى يجعلها تعود من تلك الرحلة التي ترفض العودة منها. كانت تمسك في يدها طفلًا صغيرًا، ولكن هذا الطفل ترك يدها وذهب بعيدًا، تاركًا لها شعورًا بالوحدة والضياع. ركضت خلف هذا الطفل، وكانت تبكي وتنادي باسم هذا الطفل، ولكنه يرفض العودة معها، مما زاد من حزنها وألمها.
نظرت خلفها ووجدت عمها الحبيب الذي تحبه كثيرًا. ركضت له وهي تبتسم، ولكن فجأة رأت عمها ينظر لها بحزن وكأنه يعاتبها. تحدثت وقالت وهي الدموع تملأ عيونها
"يا عمي، يحيى مش بيسمع الكلام، كل مرة يسيب إيدي ويمشي".
حاولت الاقتراب من عمها وهي تقول
"أنا عاوزة أجي معاك، هنا كلهم بيكرهوني، شفت نوار عامل فيا إيه؟"
كانت هالة تبكي بحرقة، ازداد نحيبها وهي تشكو لعمها من قسوة الأيام وقسوة عائلتها الذي جعلتها تريد ترك الحياة كلها.
انتظر هالة جوابًا من عمها، لكنه كان ينظر لها بعتب. نظرت له هالة وقالت
"أنت كمان مش هتحبني زيهم؟"
اقترب منها عمها ثم حضنها، وهنا كان أحدهم منحها أن تخرج كل ما في داخلها من الألم وحزن وأوجاع وكسرة وخذلان من الأهل.
اقترب عمها ومسح دموعها وقال لها "
دوري على يحيى، دوري على يحيى"
ثم اختفى عمها. حاولت اللحاق بعمها ولكن اختفى من أمامها. ظلت تنادي عليه ولكن دون جدوى. ولكن تفاجأت بظهور ابن عمها يحيى وهو طفل صغير. ركضت هالة عليه وهي تبتسم وتحدث بصوت مرتفع
"لقيت يحيى يا عمي، تعالى خدني معاك". ظلت تركض خلف الطفل، ولكن فجأة تحول الطفل لشاب يلبس أسود، ولكن كان حوله الكثير من الذئاب التي تحاول النيل منه.
نظرت هالة بملامح الشاب ووجدته يحيى ابن عمها، ولكن هو شاب كبير ليس هو طفل صغير. وهنا صرخت هالة، وكان يحيى يمد يده لها حتى تنجد من هذه الذئاب المفترسة.
نظرت فاطمة لابنتها وجدتها تصب عرقًا وتتحرك بعنف، وكانت في معركة شرسة. نادت فاطمة على هشام، أتى هشام سريعًا، حاول يفهم ما الذي يجري، ولكنه لم يفهم شيئًا. لحظة واحدة وفتحت عينيها على مصراعيها، فقالت شيء واحد فقط "يحيى".
***************
في أحد منازل القرية، كان المنزل مليئة بالنساء اللواتي يلبسن الأسود ويصرخن بصوت مرتفع ويلطمن على وجوههن ويقولن بعض الكلمات التي تُسمى عديدة. إحدى النساء تقول "
وأنا عامل إيه يا بنت في بختك المايل راح منك جدع حلو كان يعدلك المايل".
والآخر تقول "يا مي تعالي بيتي خربان يحزني على قلبي اللي اتكسر ولدي خدو الأموات في التراب اندفن".
في هذه الأجواء التي خيم عليها الحزن الشديد واليأس، كانت تجلس امرأة تصرخ بقلب محطّم تصرخ حتى تجعل حيطان هذا المنزل تصرخ معها من الألم، وهي تقول
"أمان عليك يا قبر ما يكون فيك حصا ولا طوب جايلك جدع زين من ملت الزمان معطوب اخذك الموت مني يا ضي عيني قتلك ولد العامري يا ولد يا قلبي يا واد".
وفي ركن بعيد عن الجميع تجلس سمر وهي في حالة من السكوت التام، ملامحها جامدة مثل الصخر، فقط تهزّي بعض الكلمات وتقول "أنا قولتلك بلاش منها يا علي قولتلك أحنا مش قد بيت العامري".
*************************
في سكون الليل، في الأرض الزراعية، كان نوار يمشي بحذر حتى لا يسمعه أحد، ولكن تفاجأ حين وصل لوجهته، ضحك بسخرية، فمن سوف يسمعه وجميعهم لا يشعرون بشيء، فقط يشربون تلك السموم البيضاء التي تدمرهم كل يوم. حزن نوار على حال تلك القرية التي كانت من اهدى القرى، ولكن منذ سنوات انتشر فيها الإدمان والجريمة من تحت تلك السموم البيضاء التي دمرت القرية وشبابها.
التفت أحد الشباب وحسّ بوجود نوار، كان يمد يده حتى يسحب تلك العصا ويضرب بها نوار، ولكن رفع نوار سلاحًا في وجهه فقال
"نزل ياد بدل ما أفرغ السلاح فيك". حاول جميع الشباب الفرار، ولكن تحدث نوار ونادى على الشاب الذي أتى من أجل مساعدتها وقال
"لم كل العيال دي في العربية بس من غير صوت، لو واحد فيهم اتكلم أفرغ في السلاح وقول حرامي، كان عايز يسرق ماكينة الأرض الزراعية".
**********************
وفي مكان آخر على طريق مدخل محافظة سوهاج، كان ينظر أحمد بغضب لكل من مديحة ومريم، ولقد حاول مع الاثنين أن يجالسا في المنزل وهو سوف يأتي للصعيد، ولكن الاثنين رفضوا بشدة. كانت مريم يغلب عليها النوم، فقامت مديحة باخذها في حضنها حتى تستريح في النوم. حين أخذت مديحة مريم في حضنها، بكت مريم بصمت وتذكرت حضن والدتها التي فارقت الحياة وهي في حضنها دون وداع أو سلام.
كان أحمد ينظر إلى الطريق التي من سنوات لم يأتِ لها، فمنذ وفاة سليم لم يأتِ أحمد هذه القرية ولم يأتِ الصعيد كله حزنًا على صديقه ورفيق عمره. فكل مكان في الصعيد كان يذكره بصديقه العزيز الغالي صاحب القلب الطيب سليم العمري. فرت دمعة من عين أحمد حزنًا على صديقه.
أما عن مديحة، فكانت تشعر بدموع مريم، ولكن فضلت الصمت وتركت مساحة لمريم حتى تخرج ما بداخلها من الألم والحزن. حزنت مديحة على تلك الصغيرة وأيضًا بكت هي بالصمت وتألمت من أجلها.
*****************
وأخيرًا استطاع كل من عمر وعامر الوصول لحمدي الذي كان يختبئ عند أحد أقاربهم. قام عمر بضرب حمدي حتى جعله ينزف دماء من كل مكان. تحدث حمدي وهو يتألم ويقول
"والله ما أعرف إيه حصل، أنا كنت رايح أعمل زي الناس، فجأة أحد ضربني على رأسي ضربة جامدة زي ما أنت شايف اهو".
كانت رأس حمدي ملفوفة بالشاش الأبيض ويوجد فيها بعض الغرز التي كانت نتيجة ضربة قوية تلقاها حمدي على رأسه.
ابتسم عمر سخرية وقترب من حمدي مرة أخرى حتى يقوم بضربه، ولكن تلك المرة أمسك به عامر وتحدث معه بغضب وهو يقول "
بعدين معاك، كده انت هتدخل السجن بدل ما تطلع يحيى"
. ثم وجه الحديث لحمدي وقال له بغضب
"وأنت لم مش عامل حاجة له؟ هارب"
. تحدث حمدي بصعوبة، ولكن يلتقط أنفاسه الآخر ويقول "خفت، لما شفت الولد ميت ومرمي في الأرض، كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ افضل جنبه لغاية ما يتلف حولي حبل المشنقة".
تحدث عمر بغضب وهو يحاول إبعاد عامر عنه حتى يقوم بضرب حمدي مرة أخرى، ولكن كان عامر يمسك به جدًا. تحدث حمدي سريعًا خوفًا منه وقال
"هو ما فيش أحد يعملها غير المنشاوي، وأنا أعرف ناس تجيبه الغاية عندكم". وفجأة قام كل من عمر وعامر بسحب حمدي للخارج حتى يذهبوا إلى البحث عن المنشاوي.
********************
... في سكون الليل، كانت تجلس شاحبة كالأموات، يكسو وجهها الهموم والحزن. كانت تسأل نفسها لماذا عدت لتلك الحياة مرة أخرى. يا ريتني لم أعد، فكم كنت أتمنى أن أفرق هذه الحياة وأرحل بسلام. يا الله، لماذا لم تأخذني عندك؟ لم أعد لدي طاقة ولا صبر على إيذاء عبادك وقسوة قلوبهم وكلماتهم الجارحة التي أسمعها منهم ليلًا ونهارًا دون أن يكون لي ذنب في هذا. فقط كل ذنبي أني فتاة لم أتزوج وخطيت الثلاثين، أصبحت عانس مثل ما يقولون. لم يكفي جرح الناس وقسوتهم، ولكن قسوة عائلتي أكبر من قسوة الناس.
ثم نظرت لجرحها الذي لم يشفى بعد وابتسمت بسخرية. وضعت يدها على قلبها وقالت "الجرح هنا، هنا خنجر مسمومًا يجرحني كل يوم وكل ساعة وكل ثانية". ثم تنهدت بحزن ويأس، ونزلت دموعها تجري على وجنتيها.
وفجأة شعرت بوجود أحد داخل الغرفة. كانت امرأة تلبس الثوب الأسود وتلبس على وجهها قماشة سوداء، لا يظهر منها شيء غير عيونها. تفاجأت بها ودخل الرعب إلى قلبها.
ووويتبع
للجميع@
في منزل زهراء، لم تجد زهراء مفرًا من لقاء طلعت. كانت تجلس وهي يكسو وجهها الهموم والحزن مثل المسجون الذي ينتظر حكم الإعدام. ولقد نطق القاضي بحكم الإعدام وتم تحديد زواج زهرة بعد أسبوع فقط. لم تقدر زهراء على حبس دموعها فامتلأت عيونها بالدموع رغم محاولتها أن تحبس تلك الدموع.
نظرت لها نعمة بغضب وتحدثت وقالت لها "
مين مات علشان كده بتبكي عليه يا بنت نادية؟"
نظرت نادية لابنتها وحاولت أن تنقذ الموقف وقالت وهي ترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة "
معلش يا أم طلعت، أنت عارفة يا أختي إن بنت صغيرة يعني هي خايفة من الجواز وكده".
نظرت نعمة باستهزاء وأقامت بتحريك شفتيها يمين ويسار ثم قالت بسخرية
"ولما هي صغيرة بتجوزيها ليه؟"
هنا تدخل طلعت في الحديث سريعًا خوفًا من أن تقوم أمها بتخريب هذه العلاقة، فهو يعلم أن أمه غير راضية على هذا الزواج. ابتسم وقال
"زهراء مش صغيرة، دي ست البنات انا كمان هحطها في عيني".
ابتسمت نادية على حديث طلعت وهي تشعر بالرضا، ثم نظرت لنعمة بشماتة وتحدثت بخبث وهي ترسم على وجهها ابتسامة انتصار وقالت "
تسلم يا زوج بنتي، ما أنا عارفة إنك هتحبها وهتموت في التراب اللي هتمشي عليه، لولا كده ما كنتش وافقت إنها تتجوز دلوقتي" وتبطل" من" المدرسه أبدًا". لقد أصابت الهدف وجعلت نعمة تشعر بالغضب الشديد والانزعاج.
لم تستطع نعمة الجلوس بعد هذا الحديث وقامت وهي غاضبة وقالت
"يلا يا طلعت".
حاول طلعت أن يجعل أمه تجلس مرة أخرى، فهو كان يريد الانفراد بزهراء التي لم تتحدث معه كلمة واحدة مهما حاول التحدث، كانت لا تجيب. رفضت نعمة كل محاولات ابنها، فاضطر طلعت الإستماع لكلام أمه.
ولكن قبل أن تخرج نعمة نظرت لنادية وقالت وهي تبتسم "صح يا أم زهراء، يا ريت تجيب جهاز يشرف قدام الناس، أنتي حبيبتي وأخدا فلوس قد كده كمان، ما تنسيش عشاء العروسة: ثلاث ذكور ملط 100 جوز حمام وبط والمحاشي حبيبتي والطواجن والحلويات، يا ريت تكون كل حاجة تشرف".
ارتسم على وجه نادية الغضب والانزعاج من ما تطلب نعمة. فرحت نعمة حين رأت الازعاج والغضب على وجه نادية ثم ابتسمت بشماتة وخرجت مع طلعت الذي حاول أن يهدي الأوضاع فور خروجهما.
ركضت زهراء على غرفتها تبكي بحرقة وتصرخ بصوت مكتوم خوفًا من والدها. ظلت تبكي وتصرخ وتتألم دون أن تصدر صوتًا. وحين تذكرت ما فعلته في معلمتها ازداد بكاؤها ونحيبها، فالشخص الوحيد الذي كان من الممكن أن ينجدها من هذا الجحيم لقد غدرت بها وطعنتها بخنجر الخيانة.
بكت زهراء حتى أصبحت زهرة ذابلة أو شكت على الموت والانطفاء.
****************
كان كل أفراد عائلة العامري جلسوا دخلوا المشفى من أجل الاطمئنان على نسمه. كانت أمينة تجلس وتبكي على بنتها، تحاول الاتصال بيحيى ولكن كل مرة الهاتف مغلق. كان قلب أمينة يشعر بالقلق على يحيى. حاولت الاقتراب من عمر حتى تسأل عن يحيى، فوجدت شعورًا داخلها يقول لها إن ابنها ليس بخير، ولكن تراجعت حين رأت عمر بهذه الحالة.
كان عمر ينظر لجده وأبي وأخيه بغضب، فجميعهم يجلس في المشفى ويرسم على وجوههم الخوف والحزن من أجل الصغير الذي يسكن أحشاء نسمه ولم يأتِ للحياة بعد. فنظر عمر لهم بنفور وكره، وتذكر أن لم يذهب أحد منهم من أجل شقيقته التي بين الحياة والموت بسبب تلك العائلة التي تحمل قلوب من حجر. يعود عمر ولا يستطيع الجلوس مع تلك العائلة صاحبة القلوب السوداء؟
تحرك عمر للذهاب من هذا المكان، ولكن قبل التحرك خرج الطبيب وهو على وجهه علامات الحزن والأسف وتحدث وقال
"مع الأسف يا جماعة، خسرنا الجنين".
قال تلك الكلمات وذهب وترك تلك العائلة يخيم عليها الحزن الشديد.
حزن عمر على هذا الجنين الذي لم يأتِ للحياة بعد. شعر عمر بالذنب الشديد تجاه هذا الطفل، شعر أنه أصبح قاتلًا مثل شقيقه. كانت ملامح عمر يخيم عليها الحزن والشعور بالذنب الذي بات يخنقه.
أما نوار كان يشعر أن هذا ذنب شقيقته الذي غدر بها وصدق كذبة الناس ولم يثق فيها. شعر نوار أنه هو الذي قتل هذا الجنين وأن هذا عقاب الله له. أصبح شعوره بالذنب أكبر، ولكن ارتدى قناع القوة ".لا أن ملامح الحزن والخزي تليق به ولا بعائلته، فقانون عائلة العامري لا يسمح للرجل أن يكون بهذا الضعف.
رفع نوار رأسه فوجده عمر يتحدث في الهاتف وعلي وجهه الخوف والتوتر ثم ركض للخارج. ركض نوار خلف شقيقه، كان قلبه يسكنه الرعب أن تكون شقيقته قد فارقت الحياة، فما زال لديه أمل أنها تعود مرة أخرى، فلا يريد خسارة هذا الأمل.
:**********
رفض عمر أن يذهب شقيقته معه، وظهر الغضب على وجهه. حاول نوار يعرف ماذا يجري من عمر، ولكن كان عمر يشعر بالنفور من شقيقه وانعكس ذلك في نظراته الباردة. انطلق عمر لقسم الشرطة، وانطلق نوار خلف شقيقه بسيارة أخرى، وملأ القلق قلبه.
وقف الاثنان أمام مركز الشرطة، فنظر عمر لشقيقه وغضب، وظهرت علامات الغضب على وجهه، ولكن لم يهتم نوار وأتبع أخيه الصغير بحرص. تفاجأ نوار حين علم أن ابن عمه في قسم الشرطة متهم بجريمة قتل، وشعر بصدمة كبيرة. غضب نوار وكان سوف يفتعل مشكلة في مركز الشرطة، ولكن اقترب منه عامر الذي يتحدث معه وقال له
"نوار، احنا مش ناقصين، يا ريت تمسك أعصابك علشان نعرف نطلع يحيى من المصيبة دي".
كان عمر يضع رأسه أرضًا ويحاول يستوعب ماذا يجري لعائلته، فجميع النكبات تأتي فوق رؤوسهم مثل حبات المطر، وملأ الحزن قلبه. تحدث نوار بغضب
وقال "هو يحيى هيقتل الواد الشمام ده ليه؟ ده عيل بايظ، المخدرات لحست مخه"، وظهرت علامات الاستياء على وجهه.
هنا نظر كل من عمر وعامر و تحدثا في صوت واحد وقالوا
"انت عارف دا مين؟"
نظر لهم نوار بسخرية وتحدث وقال "
أكيد أعرف، البلد هنا كل واحد مش بس يعرف التاني، لا دا كل واحد يعرف إيه في بيت التاني"، وظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه.
اقترب عامر من نوار وتحدث له وقال
"طيب أنت تعرف تجيب أي معلومة عن الولد، يعني ليه أعداء، عمل مشاكل مع حد؟"
ظل نوار صامتًا ثم سقط قليلًا كأنه يفكر في شيء ما، ثم قال
"أنا هروح ألف لفة في البلد كده وهجيب لك كل حاجة"، وظهرت علامات العزم على وجهه.
ترك هم نوار وذهب، وجلس كل من عمر وعامر ينتظرون السماح لهم برؤية يحيى، وملأ القلق قلوبهم.
في القاهرة، كانت مديحة تقوم بتجهيز حقيبة صغيرة تضع فيها بعض الأغراض لها ولابنها. رفضت مديحة الجلوس ورفضت كل محاولات عامر حتى لا تأتي للصعيد، ولكن أصرت مديحة على السفر. كانت مديحة تعرف هالة جيدًا وتحبها كثيرًا، فقد قضت هالة جميع سنوات الدراسة الجامعية في منزل مديحة مع عمها سليم، في إحدى الشقق السكنية التابعة للمنزل. تكونت خلال تلك السنوات علاقة قوية بين هالة ومديحة، جمعتهم المحبة والرحمة والمودة. على الرغم من تخرج هالة منذ سنوات، إلا أنها كانت حريصة على علاقتها بمديحة، ومديحة كذلك كانت تحبها وتعتبرها ابنتها. كانت مديحة تبكي كلما تذكرت ما حدث لهم، وقررت السفر إليهم.
****************
خرجت مديحة من منزلها، وأثناء نزولها من على السلم وجدت أحمد كان ذاهبًا لها. ابتسم أحمد ابتسامة بشوشة في وجه مديحة وتحدث معها برفق، وهو يسأل عن صحتها وكيف حالها اليوم. تحدثت مديحة بصوت مهموم وقلب مكسور وقالت
"الحمدلله بخير يا دكتور".
رد أحمد "الحمدلله إنك بخير يا مدام مديحة". نظرت له مديحة بغضب واستغراب، وسأل أحمد نفسه ماذا فعل لها حتى تغضب بهذا الشكل.
اقتربت منه مديحة بشكل غاضب وقالت له
"اسمع يا دكتور، أنا أكتر حاجة بكرهها هي كلمة مدام".
ثم صرخت في وجهه، مما جعله يرتجع إلى الخلف وهو يضم حاجبيه استغرابًا منها. واقتربت منه مرة أخرى وقالت له بصوت مخيف "
عارف ليه؟ عشان كنت متجوزة واحد واطي، و الحاجة الوحيدة الحلوه اللي حصلت لي من الجواز، العِره ده "هو اخرة صبري ولدي عامر "
" بعدكده" لما تنادي علي قول يا أم عامر أو أستاذة مديحه"
خرجت مريم فجأة ونظرت لكل من والدها ومديحة بنظرات استغراب، فقد كان أحمد ومديحة مقربان من بعضهما كثيرًا. ارتجعت مديحة إلى الخلف ثم نظرت إلى الأرض حين وجدت مريم تنظر لها بهذه النظرات، واكتسى وجهها بالاحمرار. تفاجأ أحمد بتحول مديحة من امرأة قوية وشرسة إلى سيدة هادئة وخجولة، فابتسم على تلك المرأة.
**************
في منزل العامري كانت أمينة في حالة من الانهيار التام تصرخ وتلطم على خديها وهي تبكي وتنحب وتنادي على ابنها بحزن عميق وقلب محطّم من الخوف على فلذة كبدها وابنها الوحيد وسندها في تلك الحياة. كانت تنادي باسم ابنها ودموعها تنزل مثل المطر الجارف. اقتربت نعمة شقيقتها وحضنتها وتحاول مواستها في تلك المحنة الصعبة التي حلت على أبنائها واحدً تلو الآخر. حزن نعمة على ما أصاب أبناء شقيقتها يحيى ونسمه.
كان هناك العديد من النساء يملأن المنزل، منهن من أتت حتى تشمت، ومنهن من أتت حتى تعرف ماذا يحدث، ومنهن من أتت محبة وحزينة على هذه العائلة. تهامست بعض النساء وهن يبحثن بعيونهن عن تلك الضحية التي تسببت في آلامها، وكانت سوف تزهق روحها من هذه الحياة بسبب أكاذيبهم وظلمهم.
دخل المنزل جابر الذي كان يحاول إسناد ولده الذي لم يستطع السير من كثرة الهموم التي أصابته هذه العائلة. نظر جابر للنساء اللاتي يتهامسون ويبحثن على ابنته حتى يقوم بإيذائها مرة أخرى، تحدث بصوت غاضب عاجل الرعب يسكن قلوبهن وقال "
كل مرة على بيتها وكل واحدة تخرس أحسن ما أقطع لسانكم كلكم حريم عاوزة حش رقبتها يلا كل برا".
**********************
في قسم الشرطة، دخل يحيى وكان يكسو وجهه علامات الحزن الشديد واليأس، لا يفهم ماذا جرى وكيف وصل به الحال إلى هنا. اقترب عمر وعامر من يحيى وقاموا باحتضانه ومواساته، وتحدثوا معه حتى يفهموا ماذا جرى وكيف وصل به الحال إلى هنا. قام يحيى بقص لهم كل شيء. حاول عمر ضبط أعصابه حتى لا يرتكب جريمة بعد ما قص يحيى له، كل " ما؟ حدث ثم تحدث وقال:
طيب يا يحيى فين حمدي؟
" تنهد يحيى وقام بمسح وجهه بكفيه وهو يضغط على شفتيه من كثرة الغضب، كان يضم حاجبيه بعضهم البعض، حطت لتلصقان في بعض، وتحدث وقال
"مش عارف، أنا برن عليه كأنه اختفي كأنه مش موجود أصلاً".
تحدث عمر وقال
"يحيى، أنا هلف البلد على حمدي، وكمان هدور على المنشاوي، ده ما تخافيش، كل حاجة هترجع زي الأول إن شاء الله".
كان عمر يحاول أن يطمئن يحيى، ولكن في الحقيقة هو يحاول أن يطمئن نفسه أن هذا الكابوس المزعج سوف يذهب ويعود كل شيء بخير. نظر يحيى لابن عمه فوجد ينظر أرضًا خجلاً من يحيى على ما حدث له. قام يحيى بلكمة عمر في وجه وتحدث وقال له
"انت يا د، أول مرة أشوفك حاطط رأسك في الأرض". رفع عمر رأسه "انت ولد العامري، ولا كلام جدك صح، وهتطلع عيل طري".
ابتسم عمر على ابن عمه في هذه هي طريقة يحيى في المواسة. قام عمر باحتضان يحيى حضن مليء بالمحبة والأخوة. قام يحيى بازاحة عمر وقال
"اوعى يا د، 100 مرة أقولك أنا مش بحب حضن الحاجات الناشفة دي، أنا عاوز حضن من حاجة طرية"
. ضحك عمر وعامر بصوت مرتفع على يحيى، وتحدث عمر وهو يضحك "خلاص أروح أجيب لك نسوان في الزنزانة".
تحدث عامر وهو ينظر لهم بغضب وقال
"هي"فين النسوان دي؟ أنا من ساعة ما جيت ما شفتش أي نسوان عندكم".
اقترب كل من يحيى وعمر وأقاموا بضرب عامر ضربات خفيفة، ثم قام يحيى بوضع رأس عامر تحت زراعه وهو يقول له
"انت جاي تبص على حريمنا؟ طيب ايه رأيك لما أقول لمديحة دلوقتي؟" حاول عامر التحدث فكان يحيى يضغط عليه بقوة، قال عامر وهو لا يستطيع التحدث "وقال بصعوبة
يا عم، غرضي شريف، عاوز أشوف عروسة من عندكم"
. ابتسم عمر بخبث وقال
"خلاص يا عامر، وافق على زواجي من مديحة، وأنا أشوف لك عروسة".
لقد أصاب عمر الأهداف ونجح في إغضاب عامر، كان وجه عامر غضب جدًا ويحاول التخلص من قبضة يحيى حتى يضرب عمر الذي كان يضحك حتى يستفز عامر أكثر.
******************
من داخل العيادة الخاصة بهشام، كانت تجلس فاطمة جنب ابنتها بعد ما فاقت من تلك الأزمة الصحية التي أصابتها نتيجة ما حدث معها، فلزت كبدها وقطع من روحها. بكت فاطمة بحرقة وأسى شديدة، وسألت بقلب محطّم "ماذا فعلنا حتى تنزل على رؤوسنا كل تلك النكبات؟" نظرت إلى ابنتها التي ترفض العودة للحياة مرة أخرى، وكأنها وجدت مفرًا في الهروب من هذا العالم القاسي.
ازداد بكاء فاطمة حين علمت ماذا حدث ليحيى، فهي تحب هذا الشاب مثل أبنائها وتدعو الله أن يطلعه من تلك المحنة على خير. شعرت بقلبها يدمي على ما حدث "ابنها" نوار، ونسمه "رغم الغضب الذي يسكن قلبها من فعل ابنها الشنيع الذي فعله في شقيقته، ولكن هذا هو قلب الأم الحنون الذي يغمره الحب والشوق.
كانت هالة نائمة مستسلمة، ولكن تسلل لها أحدهم حتى يجعلها تعود من تلك الرحلة التي ترفض العودة منها. كانت تمسك في يدها طفلًا صغيرًا، ولكن هذا الطفل ترك يدها وذهب بعيدًا، تاركًا لها شعورًا بالوحدة والضياع. ركضت خلف هذا الطفل، وكانت تبكي وتنادي باسم هذا الطفل، ولكنه يرفض العودة معها، مما زاد من حزنها وألمها.
نظرت خلفها ووجدت عمها الحبيب الذي تحبه كثيرًا. ركضت له وهي تبتسم، ولكن فجأة رأت عمها ينظر لها بحزن وكأنه يعاتبها. تحدثت وقالت وهي الدموع تملأ عيونها
"يا عمي، يحيى مش بيسمع الكلام، كل مرة يسيب إيدي ويمشي".
حاولت الاقتراب من عمها وهي تقول
"أنا عاوزة أجي معاك، هنا كلهم بيكرهوني، شفت نوار عامل فيا إيه؟"
كانت هالة تبكي بحرقة، ازداد نحيبها وهي تشكو لعمها من قسوة الأيام وقسوة عائلتها الذي جعلتها تريد ترك الحياة كلها.
انتظر هالة جوابًا من عمها، لكنه كان ينظر لها بعتب. نظرت له هالة وقالت
"أنت كمان مش هتحبني زيهم؟"
اقترب منها عمها ثم حضنها، وهنا كان أحدهم منحها أن تخرج كل ما في داخلها من الألم وحزن وأوجاع وكسرة وخذلان من الأهل.
اقترب عمها ومسح دموعها وقال لها "
دوري على يحيى، دوري على يحيى"
ثم اختفى عمها. حاولت اللحاق بعمها ولكن اختفى من أمامها. ظلت تنادي عليه ولكن دون جدوى. ولكن تفاجأت بظهور ابن عمها يحيى وهو طفل صغير. ركضت هالة عليه وهي تبتسم وتحدث بصوت مرتفع
"لقيت يحيى يا عمي، تعالى خدني معاك". ظلت تركض خلف الطفل، ولكن فجأة تحول الطفل لشاب يلبس أسود، ولكن كان حوله الكثير من الذئاب التي تحاول النيل منه.
نظرت هالة بملامح الشاب ووجدته يحيى ابن عمها، ولكن هو شاب كبير ليس هو طفل صغير. وهنا صرخت هالة، وكان يحيى يمد يده لها حتى تنجد من هذه الذئاب المفترسة.
نظرت فاطمة لابنتها وجدتها تصب عرقًا وتتحرك بعنف، وكانت في معركة شرسة. نادت فاطمة على هشام، أتى هشام سريعًا، حاول يفهم ما الذي يجري، ولكنه لم يفهم شيئًا. لحظة واحدة وفتحت عينيها على مصراعيها، فقالت شيء واحد فقط "يحيى".
***************
في أحد منازل القرية، كان المنزل مليئة بالنساء اللواتي يلبسن الأسود ويصرخن بصوت مرتفع ويلطمن على وجوههن ويقولن بعض الكلمات التي تُسمى عديدة. إحدى النساء تقول "
وأنا عامل إيه يا بنت في بختك المايل راح منك جدع حلو كان يعدلك المايل".
والآخر تقول "يا مي تعالي بيتي خربان يحزني على قلبي اللي اتكسر ولدي خدو الأموات في التراب اندفن".
في هذه الأجواء التي خيم عليها الحزن الشديد واليأس، كانت تجلس امرأة تصرخ بقلب محطّم تصرخ حتى تجعل حيطان هذا المنزل تصرخ معها من الألم، وهي تقول
"أمان عليك يا قبر ما يكون فيك حصا ولا طوب جايلك جدع زين من ملت الزمان معطوب اخذك الموت مني يا ضي عيني قتلك ولد العامري يا ولد يا قلبي يا واد".
وفي ركن بعيد عن الجميع تجلس سمر وهي في حالة من السكوت التام، ملامحها جامدة مثل الصخر، فقط تهزّي بعض الكلمات وتقول "أنا قولتلك بلاش منها يا علي قولتلك أحنا مش قد بيت العامري".
*************************
في سكون الليل، في الأرض الزراعية، كان نوار يمشي بحذر حتى لا يسمعه أحد، ولكن تفاجأ حين وصل لوجهته، ضحك بسخرية، فمن سوف يسمعه وجميعهم لا يشعرون بشيء، فقط يشربون تلك السموم البيضاء التي تدمرهم كل يوم. حزن نوار على حال تلك القرية التي كانت من اهدى القرى، ولكن منذ سنوات انتشر فيها الإدمان والجريمة من تحت تلك السموم البيضاء التي دمرت القرية وشبابها.
التفت أحد الشباب وحسّ بوجود نوار، كان يمد يده حتى يسحب تلك العصا ويضرب بها نوار، ولكن رفع نوار سلاحًا في وجهه فقال
"نزل ياد بدل ما أفرغ السلاح فيك". حاول جميع الشباب الفرار، ولكن تحدث نوار ونادى على الشاب الذي أتى من أجل مساعدتها وقال
"لم كل العيال دي في العربية بس من غير صوت، لو واحد فيهم اتكلم أفرغ في السلاح وقول حرامي، كان عايز يسرق ماكينة الأرض الزراعية".
**********************
وفي مكان آخر على طريق مدخل محافظة سوهاج، كان ينظر أحمد بغضب لكل من مديحة ومريم، ولقد حاول مع الاثنين أن يجالسا في المنزل وهو سوف يأتي للصعيد، ولكن الاثنين رفضوا بشدة. كانت مريم يغلب عليها النوم، فقامت مديحة باخذها في حضنها حتى تستريح في النوم. حين أخذت مديحة مريم في حضنها، بكت مريم بصمت وتذكرت حضن والدتها التي فارقت الحياة وهي في حضنها دون وداع أو سلام.
كان أحمد ينظر إلى الطريق التي من سنوات لم يأتِ لها، فمنذ وفاة سليم لم يأتِ أحمد هذه القرية ولم يأتِ الصعيد كله حزنًا على صديقه ورفيق عمره. فكل مكان في الصعيد كان يذكره بصديقه العزيز الغالي صاحب القلب الطيب سليم العمري. فرت دمعة من عين أحمد حزنًا على صديقه.
أما عن مديحة، فكانت تشعر بدموع مريم، ولكن فضلت الصمت وتركت مساحة لمريم حتى تخرج ما بداخلها من الألم والحزن. حزنت مديحة على تلك الصغيرة وأيضًا بكت هي بالصمت وتألمت من أجلها.
*****************
وأخيرًا استطاع كل من عمر وعامر الوصول لحمدي الذي كان يختبئ عند أحد أقاربهم. قام عمر بضرب حمدي حتى جعله ينزف دماء من كل مكان. تحدث حمدي وهو يتألم ويقول
"والله ما أعرف إيه حصل، أنا كنت رايح أعمل زي الناس، فجأة أحد ضربني على رأسي ضربة جامدة زي ما أنت شايف اهو".
كانت رأس حمدي ملفوفة بالشاش الأبيض ويوجد فيها بعض الغرز التي كانت نتيجة ضربة قوية تلقاها حمدي على رأسه.
ابتسم عمر سخرية وقترب من حمدي مرة أخرى حتى يقوم بضربه، ولكن تلك المرة أمسك به عامر وتحدث معه بغضب وهو يقول "
بعدين معاك، كده انت هتدخل السجن بدل ما تطلع يحيى"
. ثم وجه الحديث لحمدي وقال له بغضب
"وأنت لم مش عامل حاجة له؟ هارب"
. تحدث حمدي بصعوبة، ولكن يلتقط أنفاسه الآخر ويقول "خفت، لما شفت الولد ميت ومرمي في الأرض، كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ افضل جنبه لغاية ما يتلف حولي حبل المشنقة".
تحدث عمر بغضب وهو يحاول إبعاد عامر عنه حتى يقوم بضرب حمدي مرة أخرى، ولكن كان عامر يمسك به جدًا. تحدث حمدي سريعًا خوفًا منه وقال
"هو ما فيش أحد يعملها غير المنشاوي، وأنا أعرف ناس تجيبه الغاية عندكم". وفجأة قام كل من عمر وعامر بسحب حمدي للخارج حتى يذهبوا إلى البحث عن المنشاوي.
********************
... في سكون الليل، كانت تجلس شاحبة كالأموات، يكسو وجهها الهموم والحزن. كانت تسأل نفسها لماذا عدت لتلك الحياة مرة أخرى. يا ريتني لم أعد، فكم كنت أتمنى أن أفرق هذه الحياة وأرحل بسلام. يا الله، لماذا لم تأخذني عندك؟ لم أعد لدي طاقة ولا صبر على إيذاء عبادك وقسوة قلوبهم وكلماتهم الجارحة التي أسمعها منهم ليلًا ونهارًا دون أن يكون لي ذنب في هذا. فقط كل ذنبي أني فتاة لم أتزوج وخطيت الثلاثين، أصبحت عانس مثل ما يقولون. لم يكفي جرح الناس وقسوتهم، ولكن قسوة عائلتي أكبر من قسوة الناس.
ثم نظرت لجرحها الذي لم يشفى بعد وابتسمت بسخرية. وضعت يدها على قلبها وقالت "الجرح هنا، هنا خنجر مسمومًا يجرحني كل يوم وكل ساعة وكل ثانية". ثم تنهدت بحزن ويأس، ونزلت دموعها تجري على وجنتيها.
وفجأة شعرت بوجود أحد داخل الغرفة. كانت امرأة تلبس الثوب الأسود وتلبس على وجهها قماشة سوداء، لا يظهر منها شيء غير عيونها. تفاجأت بها ودخل الرعب إلى قلبها.
ووويتبع