رواية ست قوارير الفصل الحادي عشر 11 بقلم امينة محمد
الفصل الحادي عشر
ست قوارير
|بلا حياة|
لا أعلم أيهما اقصى
حياة بلا أحبة
أو أحبة بلا حياة!
يقفان هنا منذ دقائق تتنفس هي الصعداء بينما هو كان يطالع المياه بتركيزٍ واضح، مياه النهر التي تحمل أسرارًا تشبهه فيقرئها، غير مكترثٍ تمامًا بذاك الأجيج العالي الذي أشعله في روحها بكلماته الأخيرة.
وحينما تملكتها الصدمة، واهتز كيانها أمام منطقه الغريب، لم يفعل شيئًا سوى أن نظر إليها بتلك النظرة التي تخلط بين الحنان والسيطرة، وقال بنبرة هادئة تفتقر لأي ذرة من التوتر:
"اهدي.. مش كنتِ عايزة تتنفسي شوية هوا نضيف؟"
يا له من حنون!
هكذا فكرت بمرارة، حنانٌ يشبه ملمس الحرير فوق قفصٍ حديدي محبوس به طائر مقصوص الجناح
نظرت إليه، وعيناها تلمعان ببريقٍ تائه، وقالت بصوتٍ متهدج يحاول استجماع شتاته:
"أنا بس مكنتش أعرف إن الموضوع هيجي بالسرعة دي وإنه هيكون كدا يعني.. بس أنا أهلي مش هيوافقوا خالص!"
أهلها؟
هل هذه ساذجة حقاً أم أنها تدعي السذاجة؟ هكذا تساءل فيصل في سره وهو ينفض رماد سيجارته في النهر.
من قال لها إنه يود إخبار أهلها بشيء بالأساس؟ هو لم يخطط يومًا ليدخل من أبواب البيوت، بل كان يود الحصول عليها كقطعة فنية نادرة يضيفها لمجموعته الخاصة، فابتكر لها هذا العرض المغري المغلف بورق الحلال..
نعم بالطبع هو لن يفعل هكذا شيء محرم بينما حياته مليئة بالمحرمات..
ولكن هو بالتأكيد ليس ذلك الزوج المثالي الذي سيفتح بيتًا أو حتى الأب الرائع لينجب أطفال، وبالتأكيد سيكون ذلك مطلوبًا منه إن حول هذه الزيجة لتكون رسمية!!
اقترب منها خطوة، فاصطدمت رائحة التبغ بعطرها الرقيق، وقال وهو يميل برأسه قليلاً ليرغمها على النظر في عينيه:
"وأنتِ تعرفي أهلك ليه دلوقتي؟ أنتِ مش صغيرة يا سيادة المحامية، وتقدري تاخدي قراراتك لوحدك.. وبعدين إحنا هنتجوز فترة كدا بحلال ربنا برضو، وشهود من صحابك عادي ومأذون، وهتاخدي كل حقوقك، ولما ربنا يحين الوقت نشهره أكتر ويتحول لرسمي"
يا لك من وغدٍ مقنع يا فيصل!
كنت تتحدث وكأنك تعرض عليها صفقة تجارية رابحة، مستخدمًا الدين كستار والحرية كفخ.
كان يراقب ارتعاشة شفتيها برضا تام، هو يعلم أن الأهل هم القيد الوحيد الذي يمنعها من السقوط في مدار كوكبه، لذا كان عليه أن يقص هذا القيد أولًا، كان يقدم لها زواجًا في الخفاء، يسميه حلالاً ليُسكت ضميرها، ويسميه فترة ليغريها بالبداية.
فيصل لا يؤمن بالارتباط... هو يؤمن بالامتلاك
يود أن يطوي صفحات حياتها كما يطوي أوراق العقود، ويجعلها ملكه دون أن يضطر لمواجهة قبيلة تطالب بحق أو تسأل عن نسب. بالنسبة له هي الآن في مرحلة التدجين، والسكوت الذي يراه في عينيها هو أولى خطوات الاستسلام.
كانت تنظر له ببلاهة، عاجزة عن الرد صدقًا
تلك الكلمات ترن في أذنيها "مأذون"، "شهود"، "حقوق"، كطنين مزعج لا تستطيع فك شفرته.
هل هذا هو الحب الذي حلمت به؟
زواجٌ في الخفاء كأنه جريمة يجب التستر عليها؟
حاولت استعادة كبريائها المهتز فخرجت كلماتها واهنة:
"طيب خليني أفكر بس الأول.. وهبقى أرد عليك"
وبكل أدبٍ وأخلاق تلك التي لم تتواجد يومًا في قاموسه الحقيقي بل كان يرتديها كبدلة رسمية أمامها
مؤدب وغد!
أومأ برأسه بإيجاب ورسم ابتسامة وقورة وهو يقول:
"تؤمريني طبعًا.. براحتك خالص مفيش أي ضغط يلا عشان أوصلك"
تحركا بالفعل مجددًا للسيارة وحين أغلق الباب عليهما، حلّ الصمت هذه المرة ولم تنظر إليه طوال الطريق، بل أسندت رأسها إلى الزجاج البارد، تتابع بجمود تلك المباني التي تمر سريعًا، والطرق الفارغة التي تشبه حياتها الآن.. خالية من الوضوح، وموحشة رغم الأضواء.
تشعر به يجلس جواره ليس كعريسٍ لها إنما كصياد ينتظر الانقضاض على فريسته
أما هو فقد كان يراقب الطريق ببرود وعقله يضع لمساته الأخيرة على المرحلة القادمة، مدركًا أن التفكير"الذي طلبته ليس إلا وقتًا مستقطعًا ستقضيه في إقناع نفسها بأن ما عرضه هو المنفذ الوحيد لقلبها المحاصر.
توقفت السيارة أمام منزلها وقبل أن تترجل، وضع يده على مقبض الباب ليمنعها لثانية، ونظر إليها نظرة أخيرة كانت أثقل من كل الكلمات التي قيلت:
"متغيبيش عليا في الرد.. عشان المكان اللي أنا شايلهولك في حياتي، ميركبش فيه حد غيرك"
نزلت هي ودقات قلبها تقرع كطبول الحرب، بينما انطلق هو بسيارته، مخلفًا وراءه دخان سيجارته الذي ظل عالقًا في الهواء كذكرى سيئة لليلة لن تُنسى.
____________________________
هذا صباح ثقيل على الجميع هنا حقًا
لا يعلم الجميع كيف تسير الأيام في هذا العمل الثقيل بعد كل تلك المشاكل الثقيلة!
وسط هذا الجو المشحون، وقف تميم بطلته الحازمة المعتادة، ممسكًا بدفتر الحضور وإلى جواره وقفت سجى
ولم ينظرا لبعضهما، ولم تتبادل الشفاه أي كلمة منذ خناقة المكتب، كان بينهما جدار من الجليد لا تذيبه إلا نيران الغضب المكتوم.
قطع هذا الصمت وصول أربعة عُمال، يرتدون ملابس العمل الرسمية الجديدة، ويقفون بصفٍ واحد بابتسامات عريضة، وكأنهم في انتظار صورة تذكارية
نظر إليهم تميم بضيق، وسأل باقتضاب وهو يجهز قلمه:
"اساميكم إيه؟"
تقدم الأول وكان يبدو وكأنه النسخة الأصلية التي طُبعت منها بقية الإخوة، وقال ببلاهة منقطعة النظير:
"أنا الكبير يابيه"
لم تميم يرفع عينه عن الدفتر وزفر بضيق:
"مبسألكش على ترتيبك في أخواتك.. عارف إنكم أخوات"
"لا يابيه أنا اسمي الكبير"
قالها بكل ثقة فطرية مؤكدًا حديثه، توقف قلم تميم ثم رفع رأسه ببطء، ونظر للعامل ليتأكد إن كان يمزح، لكنه وجد وجهًا يشع صدقًا ريفيًا.
هز تميم رأسه بيأس ونظر للذي يليه فابتسم الآخر بنفس الطابع الوراثي وقال:
"انا خميس يابيه"
وتلاه الأخ الثالث قائلًا بسرعة مُكملًا بحماسٍ:
"وأنا جمعة"
هنا لم يستطع تميم كبح جماح سخريته المعهودة، فنظر إليه بجمود وقال:
"ألف سلامة، وده من إيه إن شاء الله"
ثم نظر للأخ الرابع الذي كان قصيرًا بعض الشيء وضيق العينين، فحاول تميم أن يخمن الكارثة القادمة، لكن الأخ لحقه بابتسامة نصر:
"انا الصغير يابيه"
انفجر تميم وألقى بالقلم فوق الدفتر وصاح بغضب مكتوم:
"يحرق البيه أنت وهو هتشتغلوني، دي أساميكم بجد؟"
كيف تكون تلك اسامي بشر!
بينما كانت سجى تقف بجانبه، تضغط على شفتيها بقوة وتكتم ضحكة كادت أن تخرج رغمًا عنها، بينما تقدم الكبير ليشرح المنطق العبقري وراء هذه التسميات:
"أنا هقولك يابيه.. أنا عشان أكبر واحد سموني الكبير"
قال تميم ساخرًا:
"شيء متوقع متقوليش بقى إن خميس اسمه كدا عشان اتولد الخميس وجمعة عشان اتولد الجمعة والصغير عشان طبعًا طبعًا اتولد الأخير!"
اتسعت ابتسامة خميس بإعجاب شديد بالـ بيه، والتفت لإخوته وقال بفخر:
"الله ينور عليك يابيه شايفين النباهة يا ولاد"
لم تستطع سجى الصمود أكثر فانفلتت منها ضحكة مجلجلة، ضحكة رنت في أرجاء الموقع لتكسر كل ذاك الثقل الصباحي، التفت إليها تميم ولأول مرة منذ أيام وجد نفسه يبتسم لضحكتها، متناسيًا غضبه من العمال ومنها قائلًا:
"واضح إن الحج والحجة مكلفوش نفسهم يفكرولكم في اسامي وزي ما جيتوا سموكم بعلامة مميزة"
ثم أشار لهم ليتحركوا نحو العمل وقال بمزاحٍ ساخر:
"ياخوفي يجيلنا السبت والحد كمان تبقى كارثة"
تبادلا النظرات لثواني ثم تحولت الضحكات لصمت مجددًا ليزفر هو بضيق وصوت
ثم علقت قائلة:
"بتنفخ ليه؟"
"الهوا وقف كان محتاج يخرج!"
قالها باقتضاب وهو يتلاعب بالقلم بين يديه لتجيبه ساخرة:
"ولا وجودي تقيل! على العموم خلصت معاك هنا اللي مكنش مطلوب مني وهروح أشوف الجدول بتاعي وأكمل كتابة الحاجات اللي عايزاها تتجاب عشان نلحق حجزها"
كادت أن تلتفت فسمعته يناديها بذاك اللقب الذي قاله لها مرارًا من قبل:
"سنيورة!"
التفتت له ببطء ورفعت عينيها تطالعه وتبادله نظراته المتفحصة لها ولشعرها قائلًا:
"هو لون شعرك ده حقيقي؟"
قوست حاجبيها باستغراب!
هل يمزح؟
أجابته بنبرة تحمل التساؤل في ذات الوقت هي إجابة:
"اه.. مش فاهمة سؤالك؟"
كانت عيونه مصوبة على شعرها ليجيب بلا وعي، حيث استحوذ عليه ذلك الشخص الوقح منه:
"أصله هابلني من يوم ماشوفته.. زي سواد الليل الساحر"
أحمرت وجنتيها بخجل وأبعدت نظرها عنه دون كلمة منها، كيف استطاع أن يخرسها هكذا، علق هو نيابة عنها قائلًا:
"بالتوفيق في الشغل، لو احتجتي حاجة كلميني"
ثم تركها وغادر يستكمل عمله بينما هي وقفت هنا شاردة لا تعلم ماذا تقول أو فيما تُفكر، في الحقيقة هي فقط متخبطة من الداخل، ترى الجميع خارجيًا فقط، المظاهر تخدعها دون أن تهتم يومًا لمعرفة البواطن ظنًا منها أن كل شيء كما تراه عينيها المسكينة، هي فقط تخشى أن يكون الجميع ذا مصائب مثلها من الداخل ويحملون جروحًا دُفنت دون مداوة، تكتفي بلمعان الخارجية وتخشى الغوص في الاعماق لئلا تغرق
وصل حينها بسيارته قاطعًا حبل تفكيرها، ذلك الذي وجدت فيه فتى أحلامها فجأة
في هيئته وشخصيته وطريقته، تراه كما تمنت تمامًا؛ رجلًا تراه الأعين فتُعجب به، له هيبة وظهور مميز
يطغي عليها بوجوده، بكلماتً ساحرة
وبالتأكيد جميل المظهر!!
"صباح الخير"
استفاقت من شرودها فيه على صوته الرخيم حينما وقف بطلته أمامها فأجابت بخفوت:
"صباح النور يارائد بيه"
"إيه منزلك من بدري كدا الشغل، لسه معاد شغلك مجاش"
سألها باستغراب وهو يتفحص المكان حولها ثم اعاد نظره لها ينتظر أجابتها
_"مستر تميم كان محتاجني في شغل فـ رن عليا"
_"مستر تميم ميعرفش إن لكل شخص شغل مسئول عنه ولا إيه.."
ثم اقترب خطوة كانت كافية لتجعل نبضات قلبها تتسارع، وأردف برقة:
"طيب.. فطرتي؟"
هزت سجى رأسها يمينًا ويسارًا في صمت وكأن الكلمات تبخرت من حلقها.
أومأ رائد برأسه وكأنه كان يتوقع هذه الإجابة، وقال بنبرة آمرة لكنها مغلفة بحنانٍ:
"طب تعالي.. أنا جعان بصراحة فنروح نفطر ونشرب كوفي، ونرتب أفكارنا بعيد عن دوشة العمال دي شوية"
سارت بجانبه كالمسحورة كانت تشعر أن رائد هو الملاذ الذي سيخرجها من واقع حياتها المؤلم والمغفلة صدقًا لا تعرف عن حياته شيء، هو فقط يمثل لها الرفاهية التي تفتقدها روحها، ذلك النوع من الرجال الذي لا يطلب منك أن تشقى، بل يدعوك لتشاركيه فنجان قهوة في هدوء، لم تكن تدرك أن هذا الهدوء قد يكون هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن انجذابها للمظهر قد يجعلها تغفل عن الفخ الذي يُنصب لها بعناية خلف تلك الكلمات الساحرة.
صعدت بجانبه في السيارة، وفاحت رائحة القهوة المركزة لتمتزج برائحة عطره الخاص انطلقت السيارة بهدوء نحو منطقة بعيدة قليلاً عن ضجيج الموقع، بينما ظلت سجى تطالع المباني والطرق الفارغة عبر النافذة، تشعر بأنها في حلمٍ جميل تخشى أن يقطعه صوت تميم أو نداء أختها تسبيح.
"ساكتة ليه؟"
سألها رائد وهو يلتفت إليها بابتسامة جذابة.
ردت بخجل:
"مفيش.. بس المكان هنا بيبقى له رهبة الصبح وفاضي أغلب الوقت"
ابتسم بخفة وأردف قائلًا:
"متخافيش من حاجة أنا معاكِ، وبعدين هو فيه أجمل من أجواء ريحة بحر وبحر وجو جميل حد... مع حد جميل"
أخجلها بكلماته لكنها لا تعلم لماذا تذكرت غزل تميم بها الذي ترك بداخلها تأثيرًا قويًا، فحاولت نفض كلمات تميم والاستمتاع بكلمات رائد بشكل أكبر..
بينما كان يقدم لها القهوة بعد فطارهما كانت هيتشعر أنها تبتعد أكثر فأكثر عن الواقع، وتقترب من سراب قد يكون أجمل ما رأت عيناها.. أو أخطر ما واجهت روحها.
ساد صمت مريح لم يقطعه سوى صوت امواج البحر جوار المقهى الذي يجلسان به، حتى نظر لها بنظرة هادئة مبتسمًا وحرك فنجان قهوته ببطء قائلاً بنبرة مهتمة:
"قوليلي يا سجى.. الساحل وشغل المخططات والديكور أخدك مننا، بس إيه اللي ورا المصممةالشاطرة دي؟ كلميني عن بيتك، أهلك.. مين اللي بيستناكي لما بترجعي من يوم طويل زي ده؟"
ابتسمت سجى بمرارة طفيفة ونظرت للأفق البعيد وهي تمسك كوب القهوة بين يديها وكأنها تستمد منه الدفء:
"أهلي هما حياتي... بابا هو السند الحقيقي، راجل طيب أوي وشقي طول عمره عشان يشوفنا في أحسن حال، هو اللي زرع فينا إن كرامتنا فوق كل شيء، وإن البنت لازم يكون لها كيانها"
أومأ رائد برأسه مشجعًا إياها على الاستمرار، فأكملت بخفوت:
"وعندي إخواتي.. إحنا مترابطين جدًا رغم اختلاف شخصياتنا.. إحنا ست بنات وعلى رأي بابا الست قوارير بتوعه؛ تسبيح مثلاً أنت أكيد شفتها في الموقع، دي السترونج وقدوتنا في تحقيق أحلامنا، قوية وشايلة مسؤولية أكبر من سنها بكتير، وبعد تسبيح أنا وبعدين ترتيل فنانة ورسامة جميلة وبعدين سجود لسه بتدرس واخر اتنين أشقيا أفنان وسلسبيل، إحنا بيت هادي بنحب بعض وبنخاف على بعض، بس الظروف أحيانًا بتخلي الواحد يحس إنه عايز يثبت نفسه بعيد عن حضن العيلة شوية"
صمتت للحظة ثم أضافت بنبرة حملت مسحة من الشجن:
"الحياة في بيتنا بسيطة، مفهاش التعقيدات اللي بشوفها هنا، مفيش المصالح والشد والجذب ده.. عشان كدة ساعات بحس إني غريبة وسط الأجواء دي"
صحح مفهومها قائلًا بابتسامة خفيفة:
"عشان ده الطبيعي أصلا يا سجى، مافيش بين الأخوات مصالح ولا شد وجذب، ممكن أنتِ لسه بتتعرفي على الحياة برا بيتك ,اسرتك بس هي دي الحياة"
صمت للحظة وأكمل:
"بالمناسبة أنا مبهور باسمائكم جدًا، شابوه بجد.. تسبيح، سجي، ترتيل، سجود، أفنان، سلسبيل.. بجد عظيم جدًا"
ابتسمت بخجل وهي تقول بفخر عن والدها:
"بابا حبيبي اللي سمانا كدا"
رد رائد بصوت دافئ:
"واضح إن والدك عرف يربي جوهرة يا سجى.. والبيوت اللي بتتبني على الحب والترابط ده بتبقى أصعب في كسرها، بس الحياة مش بس بساطة، الحياة محتاجة شوية طموح وشوية ذكاء عشان تعرفي تعيشي وسط الوحوش اللي برا"
نظرت إليه سجى بإعجاب، حيث أن كلماته لمست وترًا حساسًا بداخلها، كانت ترى فيه النموذج الذي يجمع بين القوة والرقي، الرجل الذي يستطيع أن يفهم هشاشتها وفي نفس الوقت يقوي عزيمتها.
وضع رائد يده على طرف الطاولة الصغيرة بينهما وقال بابتسامة غامضة:
"المهم دلوقتي إنك تركزي في سجى.. وتعرفي إن المكان اللي إنتِ فيه ده مجرد بداية لحاجات تانية أكبر بكتير إنتِ تستحقيها"
أومأت برأسها مع ابتسامة خفيفة على ثغرها، ثم شربت سجى رشفة من قهوتها، وشعرت أن طعم الحياة بدأ يتغير في فمها، وأن كلام رائد بدأ ينسج في خيالها أحلامًا لم تكن تجرؤ على الحلم بها وهي تقف وسط العمل وتحت عيني تميم المراقبة.
__________________
"سامعني يا بابا كدا؟ معلش المكان هنا الشبكة فيه ضعيفة شوية ياحبيبي وأنا وسجى بخير والله متقلقش!"
قالتها تسبيح متحدثة لوالدها الذي كان قلقًا عليهما، وسمعت صوته يجيبها:
"طيب ياحبيبتي هتيجوا امتى، بقالكم هنا 3 أيام أهو مش قولتيلي مش هتتأخروا كدا؟"
تنهدت وهي تجيبه:
"أيوا ياحبيبي إن شاء الله يومين وهنكون قدامك فترة الاجازة بتاعتنا ونرجع وكدا، ده شغل العمر بالنسبالنا يابابا، ومتقلقش على سجى هي في عيني وأنا أكيد هراقبها وأخد بالي منها"
قطعها صوت تنهيدة قوية من والده تنهيدة حملت مرارة الأب الذي يشعر بخطرٍ لا يراه، ثم قال بصوتٍ متهدج:
"بس أنا مش خايف على سجى بس ياتسبيح، أنا خايف عليكِ كمان ومهما كنتِ كبيرة هتفضلي بنتي اللي كبرت في حضني وقدام عيني"
شعرت بغصة في حلقها سدت مجرى الكلمات، هي التي اعتادت أن تكون الدرع للجميع، وجدت نفسها الآن في أمسّ الحاجة لأن تُحمى، لكنها وبكل أسف أوضحت للجميع أنها لا تحتاج لشخص وأنها قوية كفاية لتكون قوة نفسها
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوتٍ مرتعش حاولت جاهدة أن تخفيه:
"دعواتك بس يا حبيبي.. هي اللي ساندانا هنا، هقفل دلوقتي عشان الشغل، وهكلمك بالليل أول ما نرجع الشقة لا إله إلا الله"
أغلقت الخط وظلت شاخصة ببصرها نحو الأرض، تجمع شتات نفسها وتمسح دمعة متمردة كادت أن تسقط، كانت تشعر أن أثقالها زادت لدرجة الانحناء.
استدارت لتعود لمكان عملها فوجدته يقف خلفها واضعًا يده في جيب سترته يطالعها بعينين تحملان مشاعر فهمتها فورًا، تلك التي تخبرك أنني أفهمك وأتفهم ما تمر به جيدًا، تلك التي تعريك من ثوب القوة لأن الذي أمامك أيضًا يرتدي نفس الثوب بتصنع!
تطلعت إليه بعينين لا تزالان تلمعان بآثار المكالمة، وقالت بصوتٍ خفيض:
"واقف بقالك كتير"
هز رأسه بنفي هادئ، وخطا نحوها خطوة واحدة كانت كفيلة بأن تشعر بدفء حضوره الذي لا تعرف كيف خرج لها لكنها تشعر به منذ تلك اللحظة التي دافع عنها أمام نورهان
قال بصوته الرصين:
"لا مش كتير، لو والدك قلقان أوي عليكم ومحتاجين تاخدوا يوم صد رد روحوا"
هزت رأسها بالنفي قائلة:
"ده القلق الطبيعي متقلقش، وبعدين المشوار تقيل أوي ليوم صد رد.. خلاص الأجازة قربت!"
صمت للحظة ثم أسند ظهره إلى سياجٍ حديدي قريب، ونظر إلى العمال في الأفق بنظرة شاردة، وعلق بصوتٍ أجش:
"الأهل مبيكبروناش يا تسبيح.. بيفضلوا شايفينا مهما عجزنا مجرد عيال بتعافر في الدنيا، والدي بيعمل كدة برضه، يكلمني يسألني كلت ولا لسه، وأنا بكون ماسك ميزانية شركة بملايين.. كنت بضايق وقتها من كتر السؤال بس وقعت في فترة مكنتش ألطف حاجة بسبب حد وكنت كل يوم بستنى منه الرسالة ومن أمي وأختي، وكانت قدامي النعمة قبلها بس مقدرتهاش بس بحمد ربنا إنه كان ليا فرصة أحمدها"
نظرت إليه تسبيح بدهشة طفيفة؛ فكانت هذه المرة الأولى التي يفتح فيها ماجد نافذة على ماضيه الشخصي، شعرت أن هناك خيوطًا خفية من الفقد والمسؤولية تربطهما ببعض.
_"بسبب.. امم"
حاولت أن تسأله إن كان ذلك بسبب نورهان أم لا لكنها خجلت كثيرًا من ذلك فخمن هو ما الذي تود سؤاله فقال بابتسامة لطيفة يهون عنها لحظة خجلها:
"اه.. بسببها"
همهمت بهدوء غير محاولة التطفل لتفاصيله لذلك غيرت الموضوع قائلة:
"أنت حد شاطر جدًا وشايل مسؤولية كبيرة، وشلت مسؤولية الحديد ومسؤوليتي كمان معاه إن ممكن نترفد سوا"
كانت نظراته تحمل تقديرًا صادقًا لها وقال:
""أنا مش شايل حد يا تسبيح.. إنتي اللي فرضتي وجودك بضميرك، ونضافتك في الشغل هي اللي خلتني أحس إن لسه فيه أمل في المهنة دي، بس نصيحة.. متخليش الشغل ياخدك من الحياة، الأيام اللي بتعدي وإنتِ بعيدة عن أهلك مبتتعوضش"
تنهد وأكمل بتأثير:
"تعرفي إن شغلنا شبه الواقع بتاعنا، بنفضل نبني في بيوت فاضية عشان تتملي بأسر وبرغم ده إحنا أغلب وقتنا بعيد عن أسرتنا، والحقيقة إن والبيوت اللي بنبنيها دي في الآخر مجرد حيطان، لكن البيوت الحقيقية هي الناس اللي بتستنانا، وهما أهلنا بجد"
تأثرت تسبيح بكلامه، وشعرت أن هناك ترميمًا داخليًا يحدث في روحها.
ثم قالت بلهجة واقعية حاولت فيها العودة لجو العمل لتخفي تأثرها:
"عندك حق.. عشان كدة أنا لازم أخلص شغل النهاردة بدري، عشان ألحق أكلم بابا فيديو كول وأوريه البحر، يمكن يهدى شوية ويصدق إننا بخير... الحديد الجديد هيوصل الساعة كام؟"
"الحديد وصل متقلقيش، روحي بس اشربي حاجة ترد روحك وهنبدأ شغل علطول يكونوا العمال خلصوا الحاجات الأساسية المطلوبة وبعدين هنراجع كل حاجة"
أومأت له شاكرة ثم غادرته ليظل واقفًا متنهدًا، يراقب أثر خطواتها في الرمل، وشعر بشيء في صدره يتزحزح لحظة ولطالما أوقفه عن أي أعمال أخرى سوى النبض فقط، كان يظن أن قلبه قد تحجر بعد نورهان، لكنه اكتشف أن هناك زوايا لا تزال تنبض، وأنها لن تكون مجرد زميلة عمل أو حتى فتاة عابرة سبيل ستمر بحياته!
تنهد بعمقٍ ثم أخرج هاتفه يرى ما الرسائل التي لم يراها منذ أمس ليجد أكثر من رسالة من أخته ليلى:
"نورهان جت هنا امبارح"
"ماما من ساعة ما شافتها وهي مش بخير وخايفة عليك"
"بتقول لماما إنها بتشتغل معاك في السفرية دي وهتاخد بالها منك"
"حاولت تستفزنا كتير امبارح.. أنت كويس؟"
هكذا فقط قرأ الرسائل وتطاير الغضب بعينه من تلك الملعونة التي تدعى نورهان!
__________________
وفي جانب اخر من البلد حيث موطنهم الأصلي وبذلك المنزل الكبير الذي لطالما حاولت صاحبته الحفاظ على المثالية الكبيرة به فقط، فهي متطوعة لدى مجالس نسائية كثيرة تظهر أمامهم بصورة سيدة أعمال زوجة رجل أعمال وابنائها مثاليين تمامًا
"عزيز هو تميم ناوي يعمل إيه في الشركة بعد ما رجعها، مش حاسس إنه رجعته غريبة ودخوله أغرب؟"
كان يتابع هاتفه بشيء ما يجذبه به ولم ينتبه لكلماتها فنغزته بقدمه:
"عزيز أنا بكلمك"
"في إيه دلوقتي هو كتر زن وخلاص"
قالها متأففًا لتسأله مددًا ببرود نفس السؤال:
"لا متقلقيش منه، فيصل متابعه كويس جدًا ومش هيسمح لحاجة تحصل بسببه وبعدين وقتها أكسرله رقبته ورجله لو قدر يبوظ شغلنا أصلًا"
_"لا طبعًا عاوز الناس تاكل وشنا، وقتها حاول تتصرف بأي شكل هتكسره إزاي إلا إننا يطلع علينا كلام وسمعتنا تبوظ، ده ولد متمرد جدًا أنا مش عارفة بليتنا بيه ليـــ......"
أخرسها هذه المرة بصوته الحاد:
"ابننا ومضطرين نستحمله فاهمة، وخلاص قفلي عالسيرة دي مش عايز اسمع فيها كلام تاني فاهمة"
ثم تركها وتحرك للحديقة بينما كان هنالك أعين تراقب وآذان تسمع كل تفصيلة قيلت، وعقل ليس بالسهل يحلل تلك الكلمات!!
_________________________