رواية لمن يهتف القلب الفصل الحادي عشر 11 بقلم داليا الكومي
11- مشاعر مهلكة
هناك لحظات قاسية تمرعلينا نعتقد فيها أن الحياة ستتوقف وأن الوقت الحالي الذى يشيب خلايا ارواحنا هو الأسوء علي الاطلاق .. في هذه اللحظات احساس بالكآبة يغمر الروح ويجعلها خاوية كساق نخرها السوس ونري المستقبل بلون السواد ..
هكذا كانت تشعر بالتحديد حينما اخبرها باسم عن اقامتها مع عائلته ..
لا هذا ظلم بين وسببًا كافيًا للانتحار .. لكنها ليست بهذا الضعف لتخسر اخرتها متعمدة لكن في الواقع سيكون ذلك سببًا للموت البطىء ..
كعادته يلعب بمشاعرها ككرة من الجوارب .. من لحظات اختطفها بصورة رومانسية حالمة تسبب لها الموت من شدة الاثارة ويغلق عليهما الباب بمفردهما للحظات ظنت فيها أنها كل دنيته ثم لم تمر لحظات حتى يخبرها بخبر يسبب لها الموت ايضًا لكن من شدة الحزن ..
ماذا عليها أن تقول أو تفعل ..؟؟ الحزن الذى تشعر به يمنعها حتى عن الرد ولو بوقاحة أو تحفظ كما كانت تفعل منذ قليل ..
الطفلة الصغيرة التى كانت تتعثر في خطواتها وتقفز بمرح رائعة الجمال بفستانها الأحمر وشعرها الطويل رائعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ليتها ابنتها هى .. لكن كيف لطفلة ربما لم تتخطى الثالثة تمتلك مثل هذا الشعر الطويل ..؟؟
بالتأكيد رائعة الجمال كوالدتها .. اشاحت بوجهها بعيدًا لتخفي دموع القهر التى كانت تعلم أنها واضحة ولا يمكن اخفائها ..
لكنها رغمًا عنها عادت مرغمة لحيث تقفز الفتاة حينما صاحت الطفلة بجذل وهى تشير لباسم عبر النافذة ..
- أبي ..
وعلي الرغم من تمنيها أن تكرهها إلا أن تلك الطفلة غزت قلبها علي الفور .. كيف تكره جزء من باسم حتى لو كانت تحمل لبنى في جزئها الأخر ..
لكن الحق يقال تلك الطفلة استثنائية .. ولمست دواخل قلبها علي الفور ..
مشاعرها المضطربة ستجعلها ضعيفة وستكون فرصة لبنى القصوى للنيل منها لكنها استسلمت .. كلي لكِ الآن لبنى دمرينى مجددًا كما تشائين لكن لدهشتها لبنى لم تكن ضمن القادمين ..
وسط دموعها لمحت فقط شقيقة باسم ماذا كانت تسمى ..؟؟
" نسمة " ؟؟؟
نعم نسمة وابنتها الملائكية ملاك والتى مازالت قعيدة المقعد المتحرك وتدفعها والدتها برفق ويرافقهم ثلاثة افراد من الحراسة يحملون حقائبهم ليشير لهم باسم بالتقدم حتى المكتب ..
كانت كتمثال من الشمع تعرض للحرارة وعلي وشك الذوبان وهى تقف متصلبة في انتظار دخول عائلته للمكتب ..
كانت ملاك هى أول من صاحت بحماس ..
- انها هنا فعلًا يا خالي شكرًا لك .. أنا احبك, أنت أفضل خال علي وجه الأرض ..
قطبت حاجبيها بدهشة .. عما تتحدث ملاك ؟؟!!
ولشدة دهشتها وجدت باسم يقول ..
- ألم اعدكِ برؤيتها ..؟؟ سدرة هل تتذكرين ملاك ووالدتها ؟؟ لقد شاهدتيهما من قبل منذ سنوات ..
وهل ذلك اليوم ينسى أو قد تمحيه مئات السنوات من ذاكرتها .. كان يوم تحول حياتها ويوم تعرفها به .. اليوم الأهم علي الاطلاق في حياتها يوم أن احتضنها الأمير الضفدع ..
كانت ملاك مازالت في حالة من الحماس تجعلها تصيح بصوت ممتلىء بالسعادة والاثارة ..
- لقد شاهدت كل افلامك .. خالي كان يأخذنى لمشاهدتها في دار العرض علي الدوام بل ويحتفظ بكل الشرائط في مكتبه ليشاهدها مرارًا وتكرارًا .. بل ووعدنى بمشاهدة المسرحية الجديدة التى تعرضنيها علي المسرح ..
- ومن المقصورة حبيبتى ستكونين ضيفة الشرف للعرض .. هل خلفت وعدى لكِ من قبل ؟؟
- مطلقًا ..
ثم وجهت حديثها لسدرة ..
- المشاهدة علي الحقيقة تمنح شعورًا رائعًا .. مازلت اتذكر عرض الضفدع .. هل تتذكرينه يا أمى ..؟؟ حفل مولدى العاشر كان بداية اكتشاف سدرة كما اخبرنى خالي ..
كان هذا دور نسمة لتحيها بلطف بالغ ..- بالطبع اتذكره .. مرحبًا سدرة .. اتمنى أن تعجبك الاقامة معنا وتليق بمكانتك الكبيرة .. ملاك من اشد معجبينك وستكون سعيدة للغاية ولذلك أنا ايضًا سأكون سعيدة .. شكرًا لك لجعلها سعيدة هكذا ..
المفاجاة حبست انفاسها .. نسمة وابنتها يعاملونها بطريقة غاية في الروعة والاحترام ..
الصغيرة كانت تتعلق بسروال والدها وتراقبها بعينين مفتوحتين علي اخرهما بطريقة جعلت الضحكة تغزو شفتيها من لطافة منظرها الغريب وكانت تدير رأسها بين والدها وبينها بحيرة لا تفهم سببها ..
وأمام طوفان المشاعر الذى تشعر به لم تستطيع سوى الاستسلام ووجدت نفسها تركع علي ركبتيها أمامها وتمد كفها لها بحنان بالغ ..
- مرحبًا أنا سدرة .. لدى العديد من الأشقاء والشقيقات وربما تستطيعون اللعب سويًا ..
مازالت الحيرة تبدو جلية علي الصغيرة وهى تقول بصوت متقطع ..
- أنا سدرة ..
يبدو أنها تردد الكلام كشأن الأطفال الظرفاء ..
لكن لدهشتها انضم باسم لجلستهم ليركع هو الأخر ويوجه حديثه لطفلته بحب واضح ..
- حبيبتى هى الأخري تسمى سدرة لذلك سنفرق بينكما .. أنتِ ستكونين سدرة الصغيرة وهى سدرة فقط لأنها هى الأخري صغيرة ربما اكبر منكِ بقليل فقط لذلك لن نسميها سدرة الكبيرة ..
لو كان مسموح لها بفقدان الوعى لكانت فعلتها بكل سرور .. باسم اسمى ابنته " سدرة " هذا يفوق احتمالها بمراحل .. تماسكت وصوت باسم يرن في اذنيها ..- هيا سدرة قولي مرحبًا للخالة سدرة ..
**
عائلة لكن اكبر قليلًا من عائلتها شعرت بينهم بألفة .. جو الغذاء كان وديًا بامتياز ذكرها بالعشاء الملكى ليلة عرض الضفدع .. هناك لحظات لا تعوض تترك اثرًا يدوم إلي الأبد .. الصغيرة سحرت الجميع بجمالها حتى محمود عاملها بطريقة استثنائية تليق بسحرها الطاغى وعاد جميع الأطفال للمسبح بما فيهم ملاك وسدرة تحت اشراف باسم ولاحظت علي الفور الصداقة التى نشئت بين علي وملاك كانا وكأنهما صديقان منذ بدء الخليقة وتناغمت حركاتهم سويًا حتى في السباحة .. ماذا لديها لتفعله سوى الجلوس لتراقبهم بكل تلك المشاعر المضطربة التى تعصف بسلامها الداخلي و بكل تلك الأفكار التى لا ترحمها ولا تترك لها فرصة للاستمتاع .. أين زوجته ؟؟ هل ستأتى ..؟؟
اكثر ما كان يؤلمها هو شعورها بالخيانة .. لم تكن يومًا خائنة ورغمًا عنها باسم يحولها لواحدة,, إن لم تخن منير بجسدها لكنها تفعل في افكارها ..
في تصلب جسدها وهى تراقبه وهو يرتدى سروال السباحة القصير .. في النار التى تشتعل بداخلها كلما تخيلته يلمس زوجته أو يهبها علاقة زوجية ..
في افكارها التى تقتلها حنينًا واشتياقًا للمسة منه أو كلمة يقولها لها ..
رحلت بنظراتها لحيث يجلس مهمومًا بالتأكيد بدء يشك فيها .. اختفائها المريع مع باسم في مكتبه منذ قليل سيدخل الشك في قلبه وأه لو فقط يعلم عن حمله لها علي كتفه ..
لسنوات دعمها بكل اخلاص وحب, كان سندًا وعونًا وهى في النهاية لا تستطيع التخلص من حب شخص يتلاعب بها وسيختفي قريبًا من حياتها كما فعل سابقًا لكن بعدما يدمرها بالكامل هذه المرة ..
ربما يكسر بها الملل الزوجى لبعض الوقت لكن اكتشافها لتسميته ابنته سدرة جعلتها علي وشك الجنون التام ..
لحظات النشوة العابرة التى مرت جعلتها انانية لبعض الوقت فلم تلاحظ الألم المرتسم علي وجهى سمر ومنير ..
سمر بحاجة لاستشارة طبية عاجلة حتى وإن كابرت واعلنت انها بخيرومنير بحاجة لاخلاصها التام .. لا يمكن أن تهمل اصدقائها المخلصين لأجل منافق سيتخلي عنها في اقل من الثانية ..
أصدقاء !! منير مازال صديقًا ؟؟!! اذا متى سيرتقي لمنزلة الحبيب ؟؟
هل سيفعلها ابدًا ؟؟!!
من المحزن أن يظل منير في خانة الصديق علي الرغم من خاتمه الذى يسبب التورم لاصبعها ..
وفي هدوء غيرت مكانها لتجلس إلي جوار منير .. ورغمًا عنها وعلي الرغم من كل تحفظها وخجلها وجدت يدها تمتد لتربت علي كفه وتسأله باهتمام .. - منير هل أنت بخير ..؟؟
كانت مدركة لنظرات باسم التى اخترقت جلدها من موقعه .. كان يركز نظراته بغضب مشتعل علي كفها التى تربت بها علي كف منير .. ربما سيتصاعد الدخان من المسبح في أي لحظة الآن ..
كلمات عجزت عن الخروج من حلقه .. ماذا سيخبرها ..؟؟!! " لا سدرة لست بخير " .. هل تعلمين لماذا ؟؟؟ لأننى منافق .. لا اعلم لماذا اهتم بأخري وأنا احبك ..؟؟ لا اعلم لماذا اشعر بالغضب من باسم واريد تمزيق وجهه ..؟؟
من الواضح أنه يعرف سمر من الماضى ويريد الارتباط بها وزواجه يمنعه من ذلك .. هى اخبرتنى أن لها حبيب لكن لديه ظروف تؤجل ارتباطهما ..
باسم يحب .. ولأجل حبها انتج العرض ولأجل حبها نقله للأسكندرية ليكون إلي جوارها .. ليراها بصورة مستمرة ..
وفي النهاية ستسألينى ما دخلي أنا ..؟؟ وسأجيبك بلا اعلم ولا املك أي اجابة منطقية فقط أغلي من الغضب ويحترق قلبي بلهب لا افهمه ..
- فقط اشعر بصداع ..
اهتمامها يقتله .. نظرات القلق التى ظهرت علي وجهها عبرت عن مقدار اهتمامها به وحبها له .. قلق ينبع من الأعماق ..
- ربما عليك رؤية طبيب ..
- لا سدرة فقط نوبة صداع نصفي,, لا تحملي همًا ..
كان يحدثها ونظراته ترتكز علي سمر التى نهضت مستندة علي عكازها وتنوى الاختفاء من أمامه .. ربما سيلحقها باسم الآن .. لا لن يعطيه الفرصة ..
انتهز حجة الصداع النصفي ليلحق بها ..
- ربما علي النوم لبعض الوقت .. سأصعد لغرفتى ..
- بالتأكيد سيفيدك النوم خصوصًا بعد ارهاق السفر والجلوس حول المسبح .. "مسكينة أنتِ يا سدرة .. سامحينى حبيبتى لكن اعدك بحسم هذا الأمر سريعًا"
**
فور مغادرة منير لجوارها حاولت شغل نفسها وازاحة تفكيرها عن باسم وملابسه التى تسبب لها ألمًا في البطن .. ضخمًا رائعًا قويًا .. لديه حضور طاغي يملىء المسبح به .. قوة وسلطة ووسامة ..
ليتها كانت جميلة لكانت جذبته إليها منذ البداية .. من المؤسف أن يراها الجميع جميلة ماعداه .. ربما ادارة حديث مهذب مع نسمة تلهيها عن التفكير فيه...
حقًا؟؟!! كونى صادقة مع نفسك سدرة أنتِ تريدين سؤالها عن لبنى ..
- الهواء هنا رائع يفتح الرئة .. شكرًا لدعوتنا للاقامة فيه ..
كان يبدو علي نسمة الحنين والشجن وهى تتحدث .. ربما ارادت الكلام فقط فاجابتها لم تكن تلك المنطقية التى ترد بها علي شكر بسيط الهدف منه ادارة حديث مهذب مع مضيفتها ..
- تلك القلعة هى كل ما تبقي لنا من امجاد الأجداد والباقي صنعه باسم بعرقه .. حينما صدر قرار التأميم خسر جدى كل املاكه ولم يتبقي له سوى تلك القلعة التى حرص علي الاحتفاظ بها هى وبعض المجوهرات التى كانت تقدر بثروة حتى وقتها .. لكن حينما بدءت حملة التطهير العرقية والتى دخلت فيها المصالح والقوى السياسية و سيطرت مراكز القوة علي البلد وحادت الثورة عن مسارها الأصلي تم اضهاد افراد الأسرة المالكة خوفًا من عودة نفوذهم فاضطر جدى " سعيد الشايب " لبيع تلك القلعة صوريًا للبستانى لديه في هذا الوقت لثقته الكبيرة فيه ونقل المجوهرات التى سمح له الاحتفاظ بها من قبل للخارج .. لفرنسا بالتحديد وهناك ترعرع أبي وفي عام الف وتسعمائة وسبعين عاد أبي للقاهرة وبعدها بفترة تزوج من والدتى ووجد هذه القلعة في انتظاره .. حفظها له عم درديري البستانى الذى اصبح ذلك لقب عائلته فيما بعد واوصى ابنائه واحفاده باعادتها لأصحابها حال وفاته .. وحينما عاد أبي كان عم درديري قد توفي واعادها لنا ابنه الذى يكون في نفس الوقت والد زوجى رحمة الله عليه ,,
صدمة اخري .. نسمة الارستقراطية تزوجت حفيد البستانى ..
- لا تتعجبي سدرة .. صحيح أن اشرف رحمة الله عليه كان حفيد البستانى لكنه كان رجل يعتمد عليه ويشرف أي فتاة الارتباط به ..
حينما اعاد والده القلعة لوالدى اتفقا علي شراكة .. لم يكن والدى يملك سوى مبلغ ضئيل من المال واحوال الحرب كانت لا تشجع علي المعيشة لكنه كان قد تزوج بوالدتى التى رفضت تمامًا المعيشة في المهجر واصرت علي العيش في مصر رغم كل الظروف ..
كانت الفيلا تحتوى العديد من التحف الأصلية وفساتين للأميرات التى كن يرتدينها أثناء اقامة الحفلات في هذه القلعة .. فاقترح والد زوجى علي والدى اقامة معرض لعرض التراث الملكى في الفيلا برسوم دخول ضئيلة وفي الدعايا التى كانت تروج للحفل كانت تنسب الفيلا للبستانى لا لوالدى وهذا ربما ما جذب الناس للحضور ..
ولم يكتفي بذلك بل استغل حتى البحر فكان يصطاد الأسماك في مراكب بدائية وأنشأ اول مطعم من سلسلة مطاعم البستانى للمأكولات البحرية ..
كانت تستمتع لنسمة في انبهار .. يبدو أن مساعدة البسطاء علي التطور تجري في دمائهم .. جد باسم بدء بوضع الأساس وسار ابنه وحفيده علي نهجه ..
الاستماع لحديثها شيق لكن لا يشفي غليلها .. عليها الصبر حتى تصل لمرحلة باسم ودوره في التطور ..
- اذدهرت احوالهم كثيرًا وتحولوا لشركة كبيرة برأس مال ضخم وتزوجت أنا واشرف في سن صغير ..
الدموع غزت عينيها وهى تكمل ..- عشت اجمل قصة حب في التاريخ حتى كان يوم الحادث المشؤم الذى قتل فيه اشرف وترك ملاك قعيدة وهى فقط في الثامنة من عمرها ..
الدموع انسالت وتركتها تسقط بحرية وانسيابية وكأنها تعرف طريقها ..
- أنا كنت اقود السيارة يومها سدرة .. أنا قتلت اشرف ودمرت حياة ابنتى ..
يا الهى .. ما تقوله مريع ويهدم اشد الجبال صلابة لتعيش هى بوزر ذلك اليوم..
لذلك الحزن متغلغل في ملامحها .. حادث تعتبر نفسها مسؤلة عنه قتل فيها زوجها واصاب ابنتها بالشلل .. الكلمات لن تواسيها أو تخفف من حزنها لكنها مجبرة علي الحديث .. علي مشاركتها لألم يشقق روحها ..
- ربما لو كان يقود هو لكانت ملاك توفت في الحادث .. قضاء الله كله خير تذكري ذلك ..
- ونعم بالله أنا لا اعترض .. لكن ..
- لكن ملاك بخير .. تحسد علي ارتفاع روحها المعنوية وذكائها واشراقها .. انظري لها أنها تسبح,, في البداية لم اصدق عيني لكن مع ارادة كالتى تملكها الصغيرة اقتنعت .. انها مميزة صدقينى ..
تحشرج صوتها وخرج ممزوجًا بغصة الدموع ..- الفضل في ذلك لباسم .. دعمها منذ اللحظة الأولي لمرضها .. ينفق علي علاجها ملايين الجنهيات في اكثر المصحات العالمية المشهورة .. لولاه لكانت ضمرت عضلاتها منذ زمن لكنه لا يعرف اليأس .. يدربها علي السباحة ويحافظ علي قوة عضلاتها علي أمل أن يأتى اليوم الذى تصبح فيه امكانية الجراحة لحالات مثل حالتها متاحة فتستعيد قدرتها علي المشي .. باسم اخبرنى عن مساعدتك له في استعادة مجوهرات العائلة من رباب .. لكن هل اخبرك لماذا فعل ذلك ...؟؟
تلبكت بشدة ..- بالطبع لأنها حقه ..
- لا سدرة ليس لأجل ذلك .. هو فعلها لأجل ملاك ..
هتفت بتعجب ..- ملاك ؟؟!!
- نعم ملاك طلبت منه رؤية تلك الجواهر وارتدائها .. في هذه الفترة كانت بدءت تتجاوز صدمتها وحسرتها .. صنعت لنفسها عالمًا وهميًا وتخيلت نفسها فيه أميرة سليمة الجسد .. الطبيب النفسي الذى كان يتابع حالتها امرنا بالاستجابة لكل طلباتها التى تمكنها من صنع بيئة مبهجة بدلا من تلك الكئيبة التى كانت من المفترض أن تعيش فيها بعد اعاقتها ووفاة والدها الحبيب .. فكان عرض الضفدع ومحاولة استعادة الجواهر التى كنتِ أنتِ بطلتها .. شكرًا لكِ سدرة بفضلك وبفضل باسم بعد الله عز وجل تجاوزت ملاك محنتها وتقبلت اعاقتها واليوم هى تسبح وتستطيع التنقل بين فراشها والمقعد بمفردها بل وتستطيع استخدام الحمام ايضًا بمفردها .. ملاك مزيج عجيب ونتاج اغرب نتج من دمج الجينات.. ورثت ميلها لمساعدة الناس من عائلة الشايب وورثت الاصرار والرغبة في النجاح من عائلة البستانى ..
شغلتك بمشاكلنا لكن اردت أن اشكرك علي ما فعلتيه من اجلها ..
كادت تبكى هى الأخري من شدة تأثرها .. - أنا لم افعل شيئًا يستحق الشكر ..
نهرتها نسمة بقوة ..
- كيف تقولين ذلك ؟؟ يكفي موافقتك علي الاقامة معنا هنا .. أنت اصبحتِ مثلًا اعلي لملاك وتتمنى أن تصبح مثلك يومًا وتنشط قدميها في انتظار ذلك اليوم ..
فضولها الذى يكاد يقتلها وصل لمرحلة الانفجار ورغمًا عنها انطلقت الكلمات التى حاولت حبسها منذ بداية حديثها معها ..
- الاقامة هنا تسعدنى أنا ايضًا لكن أين والدة سدرة لماذا لم تأتى معكم ..؟؟
الارتباك الشديد الذى احتل ملامحها لا يمكن اخفائه برد تقليدى .. كانت تجاهد ليبدو صوتها طبيعى وهى تتجنب اجابتها باجابة ترضى فضولها,, لتقول بتوتر ..
- ربما ستأتى لاحقًا .. اعتقد أن الأطفال اكتفوا من الماء اليوم .. درية .. اعدى المناشف للأطفال ..
**
- توقف عن مضايقتى ماذا تريد منى ؟؟
كانت قد توقفت في منتصف الطريق لغرفتها لتصرخ فيه بعصبية لم تستطع السيطرة عليها .. لكنه لم يتراجع وواصل الالحاح ببرود ..
- اجابة لسؤالي .. هل تعرفين باسم من قبل ..؟؟
- وما شأنك أنت ..؟؟هاه اخبرنى لماذا تريد أن تعرف ؟؟
- هذا شأنى وحدى .. فقط اجبينى ..
- حسنًا اعرفه من قبل .. هل ارتحت الآن ..
ارتاح ؟؟!! لا بل اصبح شبه اكيد من نظريته ..
- اذًا هو حبيبك المجهول ..؟؟
هل تبكى أم تضحك .. بكل سهولة منحها شخصًا تستطيع الاختباء تحت مظلته اجابته بتحدى ..
- وإن كان هو هل ستتركنى لحالي ..؟؟
الصمت .. لم تجد منه سوى الصمت ..
كادت تنتصر ووصلت لباب غرفتها بأمان بعيدًا عن الحاحه لكن لصدمتها دفعها برفق لتدخل ثم لحقها للداخل .. - منير .. هل جننت ماذا تفعل ..؟؟
كان يتصرف بغرابة وهو يحك شعره بيده في حركة عصبية .. - اضع حدًا لحيرتى يا سمر ..
وبدون ادنى توقع لما ينتويه كانت تضم لجسده بقوة ويطبق عليها بكل قوته في حركة افقدتها عقلها ..
الصدمة كانت أقوى من تحملها .. أن تجد نفسها بين ذراعيه ليبثها مشاعر غريبة عنيفة وكأنه كان يحارب لا يعانق اربكتها بزيادة .. من المفترض أن تصفعه .. هذا هو التصرف اللائق الوحيد الذى يستحقه لكن الخدر الذى اصاب جسدها منعها من فعل ذلك وظل عقلها يعمل بكل قوته ويستنكر فعلته أنها بذلك تخون سدرة وترتكب المحرمات وتغضب الله عز وجل هذا يجب أن يتوقف فورًا ..
وبفعلته المتهورة كان ينتهك مشاعرها البريئة ومشاعرها المحبة علي حد سواء .. ينتهك روحها ويعبث في جسدها كيفما يشاء .. ابعدها فجأة قبلما تستجمع قواه وتدفعه هى ليقول بصوت اجش ..- أنا اريدك .. تزوجينى ..
كانت مازالت متخشبة تحاول السيطرة علي جسدها الخائن المرتعش وعرضه بالزواج قلب عقلها وقلبها وعلي الرغم من احتياجها له كاحتياجها للهواء لكنها سترفض لأجل سدرة حتى لو انتزعت قلبها من صدرها انتزاعًا لكن قبل أن تنطقها فوجئت به يكمل بنبرة هامسة ..
- تزوجينى عرفيًا يا سمر فأنا لا استطيع خسارة سدرة .. زواجنا سيكون سرًا بيننا فقط ..
الصفعة التى اجلتها حان وقتها لتعلم اصابعها علي وجنته وتترك اثرًا ربما لن يزول حتى مع الوقت
هناك لحظات قاسية تمرعلينا نعتقد فيها أن الحياة ستتوقف وأن الوقت الحالي الذى يشيب خلايا ارواحنا هو الأسوء علي الاطلاق .. في هذه اللحظات احساس بالكآبة يغمر الروح ويجعلها خاوية كساق نخرها السوس ونري المستقبل بلون السواد ..
هكذا كانت تشعر بالتحديد حينما اخبرها باسم عن اقامتها مع عائلته ..
لا هذا ظلم بين وسببًا كافيًا للانتحار .. لكنها ليست بهذا الضعف لتخسر اخرتها متعمدة لكن في الواقع سيكون ذلك سببًا للموت البطىء ..
كعادته يلعب بمشاعرها ككرة من الجوارب .. من لحظات اختطفها بصورة رومانسية حالمة تسبب لها الموت من شدة الاثارة ويغلق عليهما الباب بمفردهما للحظات ظنت فيها أنها كل دنيته ثم لم تمر لحظات حتى يخبرها بخبر يسبب لها الموت ايضًا لكن من شدة الحزن ..
ماذا عليها أن تقول أو تفعل ..؟؟ الحزن الذى تشعر به يمنعها حتى عن الرد ولو بوقاحة أو تحفظ كما كانت تفعل منذ قليل ..
الطفلة الصغيرة التى كانت تتعثر في خطواتها وتقفز بمرح رائعة الجمال بفستانها الأحمر وشعرها الطويل رائعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ليتها ابنتها هى .. لكن كيف لطفلة ربما لم تتخطى الثالثة تمتلك مثل هذا الشعر الطويل ..؟؟
بالتأكيد رائعة الجمال كوالدتها .. اشاحت بوجهها بعيدًا لتخفي دموع القهر التى كانت تعلم أنها واضحة ولا يمكن اخفائها ..
لكنها رغمًا عنها عادت مرغمة لحيث تقفز الفتاة حينما صاحت الطفلة بجذل وهى تشير لباسم عبر النافذة ..
- أبي ..
وعلي الرغم من تمنيها أن تكرهها إلا أن تلك الطفلة غزت قلبها علي الفور .. كيف تكره جزء من باسم حتى لو كانت تحمل لبنى في جزئها الأخر ..
لكن الحق يقال تلك الطفلة استثنائية .. ولمست دواخل قلبها علي الفور ..
مشاعرها المضطربة ستجعلها ضعيفة وستكون فرصة لبنى القصوى للنيل منها لكنها استسلمت .. كلي لكِ الآن لبنى دمرينى مجددًا كما تشائين لكن لدهشتها لبنى لم تكن ضمن القادمين ..
وسط دموعها لمحت فقط شقيقة باسم ماذا كانت تسمى ..؟؟
" نسمة " ؟؟؟
نعم نسمة وابنتها الملائكية ملاك والتى مازالت قعيدة المقعد المتحرك وتدفعها والدتها برفق ويرافقهم ثلاثة افراد من الحراسة يحملون حقائبهم ليشير لهم باسم بالتقدم حتى المكتب ..
كانت كتمثال من الشمع تعرض للحرارة وعلي وشك الذوبان وهى تقف متصلبة في انتظار دخول عائلته للمكتب ..
كانت ملاك هى أول من صاحت بحماس ..
- انها هنا فعلًا يا خالي شكرًا لك .. أنا احبك, أنت أفضل خال علي وجه الأرض ..
قطبت حاجبيها بدهشة .. عما تتحدث ملاك ؟؟!!
ولشدة دهشتها وجدت باسم يقول ..
- ألم اعدكِ برؤيتها ..؟؟ سدرة هل تتذكرين ملاك ووالدتها ؟؟ لقد شاهدتيهما من قبل منذ سنوات ..
وهل ذلك اليوم ينسى أو قد تمحيه مئات السنوات من ذاكرتها .. كان يوم تحول حياتها ويوم تعرفها به .. اليوم الأهم علي الاطلاق في حياتها يوم أن احتضنها الأمير الضفدع ..
كانت ملاك مازالت في حالة من الحماس تجعلها تصيح بصوت ممتلىء بالسعادة والاثارة ..
- لقد شاهدت كل افلامك .. خالي كان يأخذنى لمشاهدتها في دار العرض علي الدوام بل ويحتفظ بكل الشرائط في مكتبه ليشاهدها مرارًا وتكرارًا .. بل ووعدنى بمشاهدة المسرحية الجديدة التى تعرضنيها علي المسرح ..
- ومن المقصورة حبيبتى ستكونين ضيفة الشرف للعرض .. هل خلفت وعدى لكِ من قبل ؟؟
- مطلقًا ..
ثم وجهت حديثها لسدرة ..
- المشاهدة علي الحقيقة تمنح شعورًا رائعًا .. مازلت اتذكر عرض الضفدع .. هل تتذكرينه يا أمى ..؟؟ حفل مولدى العاشر كان بداية اكتشاف سدرة كما اخبرنى خالي ..
كان هذا دور نسمة لتحيها بلطف بالغ ..- بالطبع اتذكره .. مرحبًا سدرة .. اتمنى أن تعجبك الاقامة معنا وتليق بمكانتك الكبيرة .. ملاك من اشد معجبينك وستكون سعيدة للغاية ولذلك أنا ايضًا سأكون سعيدة .. شكرًا لك لجعلها سعيدة هكذا ..
المفاجاة حبست انفاسها .. نسمة وابنتها يعاملونها بطريقة غاية في الروعة والاحترام ..
الصغيرة كانت تتعلق بسروال والدها وتراقبها بعينين مفتوحتين علي اخرهما بطريقة جعلت الضحكة تغزو شفتيها من لطافة منظرها الغريب وكانت تدير رأسها بين والدها وبينها بحيرة لا تفهم سببها ..
وأمام طوفان المشاعر الذى تشعر به لم تستطيع سوى الاستسلام ووجدت نفسها تركع علي ركبتيها أمامها وتمد كفها لها بحنان بالغ ..
- مرحبًا أنا سدرة .. لدى العديد من الأشقاء والشقيقات وربما تستطيعون اللعب سويًا ..
مازالت الحيرة تبدو جلية علي الصغيرة وهى تقول بصوت متقطع ..
- أنا سدرة ..
يبدو أنها تردد الكلام كشأن الأطفال الظرفاء ..
لكن لدهشتها انضم باسم لجلستهم ليركع هو الأخر ويوجه حديثه لطفلته بحب واضح ..
- حبيبتى هى الأخري تسمى سدرة لذلك سنفرق بينكما .. أنتِ ستكونين سدرة الصغيرة وهى سدرة فقط لأنها هى الأخري صغيرة ربما اكبر منكِ بقليل فقط لذلك لن نسميها سدرة الكبيرة ..
لو كان مسموح لها بفقدان الوعى لكانت فعلتها بكل سرور .. باسم اسمى ابنته " سدرة " هذا يفوق احتمالها بمراحل .. تماسكت وصوت باسم يرن في اذنيها ..- هيا سدرة قولي مرحبًا للخالة سدرة ..
**
عائلة لكن اكبر قليلًا من عائلتها شعرت بينهم بألفة .. جو الغذاء كان وديًا بامتياز ذكرها بالعشاء الملكى ليلة عرض الضفدع .. هناك لحظات لا تعوض تترك اثرًا يدوم إلي الأبد .. الصغيرة سحرت الجميع بجمالها حتى محمود عاملها بطريقة استثنائية تليق بسحرها الطاغى وعاد جميع الأطفال للمسبح بما فيهم ملاك وسدرة تحت اشراف باسم ولاحظت علي الفور الصداقة التى نشئت بين علي وملاك كانا وكأنهما صديقان منذ بدء الخليقة وتناغمت حركاتهم سويًا حتى في السباحة .. ماذا لديها لتفعله سوى الجلوس لتراقبهم بكل تلك المشاعر المضطربة التى تعصف بسلامها الداخلي و بكل تلك الأفكار التى لا ترحمها ولا تترك لها فرصة للاستمتاع .. أين زوجته ؟؟ هل ستأتى ..؟؟
اكثر ما كان يؤلمها هو شعورها بالخيانة .. لم تكن يومًا خائنة ورغمًا عنها باسم يحولها لواحدة,, إن لم تخن منير بجسدها لكنها تفعل في افكارها ..
في تصلب جسدها وهى تراقبه وهو يرتدى سروال السباحة القصير .. في النار التى تشتعل بداخلها كلما تخيلته يلمس زوجته أو يهبها علاقة زوجية ..
في افكارها التى تقتلها حنينًا واشتياقًا للمسة منه أو كلمة يقولها لها ..
رحلت بنظراتها لحيث يجلس مهمومًا بالتأكيد بدء يشك فيها .. اختفائها المريع مع باسم في مكتبه منذ قليل سيدخل الشك في قلبه وأه لو فقط يعلم عن حمله لها علي كتفه ..
لسنوات دعمها بكل اخلاص وحب, كان سندًا وعونًا وهى في النهاية لا تستطيع التخلص من حب شخص يتلاعب بها وسيختفي قريبًا من حياتها كما فعل سابقًا لكن بعدما يدمرها بالكامل هذه المرة ..
ربما يكسر بها الملل الزوجى لبعض الوقت لكن اكتشافها لتسميته ابنته سدرة جعلتها علي وشك الجنون التام ..
لحظات النشوة العابرة التى مرت جعلتها انانية لبعض الوقت فلم تلاحظ الألم المرتسم علي وجهى سمر ومنير ..
سمر بحاجة لاستشارة طبية عاجلة حتى وإن كابرت واعلنت انها بخيرومنير بحاجة لاخلاصها التام .. لا يمكن أن تهمل اصدقائها المخلصين لأجل منافق سيتخلي عنها في اقل من الثانية ..
أصدقاء !! منير مازال صديقًا ؟؟!! اذا متى سيرتقي لمنزلة الحبيب ؟؟
هل سيفعلها ابدًا ؟؟!!
من المحزن أن يظل منير في خانة الصديق علي الرغم من خاتمه الذى يسبب التورم لاصبعها ..
وفي هدوء غيرت مكانها لتجلس إلي جوار منير .. ورغمًا عنها وعلي الرغم من كل تحفظها وخجلها وجدت يدها تمتد لتربت علي كفه وتسأله باهتمام .. - منير هل أنت بخير ..؟؟
كانت مدركة لنظرات باسم التى اخترقت جلدها من موقعه .. كان يركز نظراته بغضب مشتعل علي كفها التى تربت بها علي كف منير .. ربما سيتصاعد الدخان من المسبح في أي لحظة الآن ..
كلمات عجزت عن الخروج من حلقه .. ماذا سيخبرها ..؟؟!! " لا سدرة لست بخير " .. هل تعلمين لماذا ؟؟؟ لأننى منافق .. لا اعلم لماذا اهتم بأخري وأنا احبك ..؟؟ لا اعلم لماذا اشعر بالغضب من باسم واريد تمزيق وجهه ..؟؟
من الواضح أنه يعرف سمر من الماضى ويريد الارتباط بها وزواجه يمنعه من ذلك .. هى اخبرتنى أن لها حبيب لكن لديه ظروف تؤجل ارتباطهما ..
باسم يحب .. ولأجل حبها انتج العرض ولأجل حبها نقله للأسكندرية ليكون إلي جوارها .. ليراها بصورة مستمرة ..
وفي النهاية ستسألينى ما دخلي أنا ..؟؟ وسأجيبك بلا اعلم ولا املك أي اجابة منطقية فقط أغلي من الغضب ويحترق قلبي بلهب لا افهمه ..
- فقط اشعر بصداع ..
اهتمامها يقتله .. نظرات القلق التى ظهرت علي وجهها عبرت عن مقدار اهتمامها به وحبها له .. قلق ينبع من الأعماق ..
- ربما عليك رؤية طبيب ..
- لا سدرة فقط نوبة صداع نصفي,, لا تحملي همًا ..
كان يحدثها ونظراته ترتكز علي سمر التى نهضت مستندة علي عكازها وتنوى الاختفاء من أمامه .. ربما سيلحقها باسم الآن .. لا لن يعطيه الفرصة ..
انتهز حجة الصداع النصفي ليلحق بها ..
- ربما علي النوم لبعض الوقت .. سأصعد لغرفتى ..
- بالتأكيد سيفيدك النوم خصوصًا بعد ارهاق السفر والجلوس حول المسبح .. "مسكينة أنتِ يا سدرة .. سامحينى حبيبتى لكن اعدك بحسم هذا الأمر سريعًا"
**
فور مغادرة منير لجوارها حاولت شغل نفسها وازاحة تفكيرها عن باسم وملابسه التى تسبب لها ألمًا في البطن .. ضخمًا رائعًا قويًا .. لديه حضور طاغي يملىء المسبح به .. قوة وسلطة ووسامة ..
ليتها كانت جميلة لكانت جذبته إليها منذ البداية .. من المؤسف أن يراها الجميع جميلة ماعداه .. ربما ادارة حديث مهذب مع نسمة تلهيها عن التفكير فيه...
حقًا؟؟!! كونى صادقة مع نفسك سدرة أنتِ تريدين سؤالها عن لبنى ..
- الهواء هنا رائع يفتح الرئة .. شكرًا لدعوتنا للاقامة فيه ..
كان يبدو علي نسمة الحنين والشجن وهى تتحدث .. ربما ارادت الكلام فقط فاجابتها لم تكن تلك المنطقية التى ترد بها علي شكر بسيط الهدف منه ادارة حديث مهذب مع مضيفتها ..
- تلك القلعة هى كل ما تبقي لنا من امجاد الأجداد والباقي صنعه باسم بعرقه .. حينما صدر قرار التأميم خسر جدى كل املاكه ولم يتبقي له سوى تلك القلعة التى حرص علي الاحتفاظ بها هى وبعض المجوهرات التى كانت تقدر بثروة حتى وقتها .. لكن حينما بدءت حملة التطهير العرقية والتى دخلت فيها المصالح والقوى السياسية و سيطرت مراكز القوة علي البلد وحادت الثورة عن مسارها الأصلي تم اضهاد افراد الأسرة المالكة خوفًا من عودة نفوذهم فاضطر جدى " سعيد الشايب " لبيع تلك القلعة صوريًا للبستانى لديه في هذا الوقت لثقته الكبيرة فيه ونقل المجوهرات التى سمح له الاحتفاظ بها من قبل للخارج .. لفرنسا بالتحديد وهناك ترعرع أبي وفي عام الف وتسعمائة وسبعين عاد أبي للقاهرة وبعدها بفترة تزوج من والدتى ووجد هذه القلعة في انتظاره .. حفظها له عم درديري البستانى الذى اصبح ذلك لقب عائلته فيما بعد واوصى ابنائه واحفاده باعادتها لأصحابها حال وفاته .. وحينما عاد أبي كان عم درديري قد توفي واعادها لنا ابنه الذى يكون في نفس الوقت والد زوجى رحمة الله عليه ,,
صدمة اخري .. نسمة الارستقراطية تزوجت حفيد البستانى ..
- لا تتعجبي سدرة .. صحيح أن اشرف رحمة الله عليه كان حفيد البستانى لكنه كان رجل يعتمد عليه ويشرف أي فتاة الارتباط به ..
حينما اعاد والده القلعة لوالدى اتفقا علي شراكة .. لم يكن والدى يملك سوى مبلغ ضئيل من المال واحوال الحرب كانت لا تشجع علي المعيشة لكنه كان قد تزوج بوالدتى التى رفضت تمامًا المعيشة في المهجر واصرت علي العيش في مصر رغم كل الظروف ..
كانت الفيلا تحتوى العديد من التحف الأصلية وفساتين للأميرات التى كن يرتدينها أثناء اقامة الحفلات في هذه القلعة .. فاقترح والد زوجى علي والدى اقامة معرض لعرض التراث الملكى في الفيلا برسوم دخول ضئيلة وفي الدعايا التى كانت تروج للحفل كانت تنسب الفيلا للبستانى لا لوالدى وهذا ربما ما جذب الناس للحضور ..
ولم يكتفي بذلك بل استغل حتى البحر فكان يصطاد الأسماك في مراكب بدائية وأنشأ اول مطعم من سلسلة مطاعم البستانى للمأكولات البحرية ..
كانت تستمتع لنسمة في انبهار .. يبدو أن مساعدة البسطاء علي التطور تجري في دمائهم .. جد باسم بدء بوضع الأساس وسار ابنه وحفيده علي نهجه ..
الاستماع لحديثها شيق لكن لا يشفي غليلها .. عليها الصبر حتى تصل لمرحلة باسم ودوره في التطور ..
- اذدهرت احوالهم كثيرًا وتحولوا لشركة كبيرة برأس مال ضخم وتزوجت أنا واشرف في سن صغير ..
الدموع غزت عينيها وهى تكمل ..- عشت اجمل قصة حب في التاريخ حتى كان يوم الحادث المشؤم الذى قتل فيه اشرف وترك ملاك قعيدة وهى فقط في الثامنة من عمرها ..
الدموع انسالت وتركتها تسقط بحرية وانسيابية وكأنها تعرف طريقها ..
- أنا كنت اقود السيارة يومها سدرة .. أنا قتلت اشرف ودمرت حياة ابنتى ..
يا الهى .. ما تقوله مريع ويهدم اشد الجبال صلابة لتعيش هى بوزر ذلك اليوم..
لذلك الحزن متغلغل في ملامحها .. حادث تعتبر نفسها مسؤلة عنه قتل فيها زوجها واصاب ابنتها بالشلل .. الكلمات لن تواسيها أو تخفف من حزنها لكنها مجبرة علي الحديث .. علي مشاركتها لألم يشقق روحها ..
- ربما لو كان يقود هو لكانت ملاك توفت في الحادث .. قضاء الله كله خير تذكري ذلك ..
- ونعم بالله أنا لا اعترض .. لكن ..
- لكن ملاك بخير .. تحسد علي ارتفاع روحها المعنوية وذكائها واشراقها .. انظري لها أنها تسبح,, في البداية لم اصدق عيني لكن مع ارادة كالتى تملكها الصغيرة اقتنعت .. انها مميزة صدقينى ..
تحشرج صوتها وخرج ممزوجًا بغصة الدموع ..- الفضل في ذلك لباسم .. دعمها منذ اللحظة الأولي لمرضها .. ينفق علي علاجها ملايين الجنهيات في اكثر المصحات العالمية المشهورة .. لولاه لكانت ضمرت عضلاتها منذ زمن لكنه لا يعرف اليأس .. يدربها علي السباحة ويحافظ علي قوة عضلاتها علي أمل أن يأتى اليوم الذى تصبح فيه امكانية الجراحة لحالات مثل حالتها متاحة فتستعيد قدرتها علي المشي .. باسم اخبرنى عن مساعدتك له في استعادة مجوهرات العائلة من رباب .. لكن هل اخبرك لماذا فعل ذلك ...؟؟
تلبكت بشدة ..- بالطبع لأنها حقه ..
- لا سدرة ليس لأجل ذلك .. هو فعلها لأجل ملاك ..
هتفت بتعجب ..- ملاك ؟؟!!
- نعم ملاك طلبت منه رؤية تلك الجواهر وارتدائها .. في هذه الفترة كانت بدءت تتجاوز صدمتها وحسرتها .. صنعت لنفسها عالمًا وهميًا وتخيلت نفسها فيه أميرة سليمة الجسد .. الطبيب النفسي الذى كان يتابع حالتها امرنا بالاستجابة لكل طلباتها التى تمكنها من صنع بيئة مبهجة بدلا من تلك الكئيبة التى كانت من المفترض أن تعيش فيها بعد اعاقتها ووفاة والدها الحبيب .. فكان عرض الضفدع ومحاولة استعادة الجواهر التى كنتِ أنتِ بطلتها .. شكرًا لكِ سدرة بفضلك وبفضل باسم بعد الله عز وجل تجاوزت ملاك محنتها وتقبلت اعاقتها واليوم هى تسبح وتستطيع التنقل بين فراشها والمقعد بمفردها بل وتستطيع استخدام الحمام ايضًا بمفردها .. ملاك مزيج عجيب ونتاج اغرب نتج من دمج الجينات.. ورثت ميلها لمساعدة الناس من عائلة الشايب وورثت الاصرار والرغبة في النجاح من عائلة البستانى ..
شغلتك بمشاكلنا لكن اردت أن اشكرك علي ما فعلتيه من اجلها ..
كادت تبكى هى الأخري من شدة تأثرها .. - أنا لم افعل شيئًا يستحق الشكر ..
نهرتها نسمة بقوة ..
- كيف تقولين ذلك ؟؟ يكفي موافقتك علي الاقامة معنا هنا .. أنت اصبحتِ مثلًا اعلي لملاك وتتمنى أن تصبح مثلك يومًا وتنشط قدميها في انتظار ذلك اليوم ..
فضولها الذى يكاد يقتلها وصل لمرحلة الانفجار ورغمًا عنها انطلقت الكلمات التى حاولت حبسها منذ بداية حديثها معها ..
- الاقامة هنا تسعدنى أنا ايضًا لكن أين والدة سدرة لماذا لم تأتى معكم ..؟؟
الارتباك الشديد الذى احتل ملامحها لا يمكن اخفائه برد تقليدى .. كانت تجاهد ليبدو صوتها طبيعى وهى تتجنب اجابتها باجابة ترضى فضولها,, لتقول بتوتر ..
- ربما ستأتى لاحقًا .. اعتقد أن الأطفال اكتفوا من الماء اليوم .. درية .. اعدى المناشف للأطفال ..
**
- توقف عن مضايقتى ماذا تريد منى ؟؟
كانت قد توقفت في منتصف الطريق لغرفتها لتصرخ فيه بعصبية لم تستطع السيطرة عليها .. لكنه لم يتراجع وواصل الالحاح ببرود ..
- اجابة لسؤالي .. هل تعرفين باسم من قبل ..؟؟
- وما شأنك أنت ..؟؟هاه اخبرنى لماذا تريد أن تعرف ؟؟
- هذا شأنى وحدى .. فقط اجبينى ..
- حسنًا اعرفه من قبل .. هل ارتحت الآن ..
ارتاح ؟؟!! لا بل اصبح شبه اكيد من نظريته ..
- اذًا هو حبيبك المجهول ..؟؟
هل تبكى أم تضحك .. بكل سهولة منحها شخصًا تستطيع الاختباء تحت مظلته اجابته بتحدى ..
- وإن كان هو هل ستتركنى لحالي ..؟؟
الصمت .. لم تجد منه سوى الصمت ..
كادت تنتصر ووصلت لباب غرفتها بأمان بعيدًا عن الحاحه لكن لصدمتها دفعها برفق لتدخل ثم لحقها للداخل .. - منير .. هل جننت ماذا تفعل ..؟؟
كان يتصرف بغرابة وهو يحك شعره بيده في حركة عصبية .. - اضع حدًا لحيرتى يا سمر ..
وبدون ادنى توقع لما ينتويه كانت تضم لجسده بقوة ويطبق عليها بكل قوته في حركة افقدتها عقلها ..
الصدمة كانت أقوى من تحملها .. أن تجد نفسها بين ذراعيه ليبثها مشاعر غريبة عنيفة وكأنه كان يحارب لا يعانق اربكتها بزيادة .. من المفترض أن تصفعه .. هذا هو التصرف اللائق الوحيد الذى يستحقه لكن الخدر الذى اصاب جسدها منعها من فعل ذلك وظل عقلها يعمل بكل قوته ويستنكر فعلته أنها بذلك تخون سدرة وترتكب المحرمات وتغضب الله عز وجل هذا يجب أن يتوقف فورًا ..
وبفعلته المتهورة كان ينتهك مشاعرها البريئة ومشاعرها المحبة علي حد سواء .. ينتهك روحها ويعبث في جسدها كيفما يشاء .. ابعدها فجأة قبلما تستجمع قواه وتدفعه هى ليقول بصوت اجش ..- أنا اريدك .. تزوجينى ..
كانت مازالت متخشبة تحاول السيطرة علي جسدها الخائن المرتعش وعرضه بالزواج قلب عقلها وقلبها وعلي الرغم من احتياجها له كاحتياجها للهواء لكنها سترفض لأجل سدرة حتى لو انتزعت قلبها من صدرها انتزاعًا لكن قبل أن تنطقها فوجئت به يكمل بنبرة هامسة ..
- تزوجينى عرفيًا يا سمر فأنا لا استطيع خسارة سدرة .. زواجنا سيكون سرًا بيننا فقط ..
الصفعة التى اجلتها حان وقتها لتعلم اصابعها علي وجنته وتترك اثرًا ربما لن يزول حتى مع الوقت