رواية قصر آل الزيني الفصل العاشر 10 بقلم سلمي خالد
صل العاشر [ حادث ]
سلمى خالد أحمد
*************
كان جياد يقود سيارته بلا وجهة، يضغط على المقود كأنما يخشى أن يفلت منه كل شيء. الطريق يمتد أمامه طويلًا وباردًا، يشبه المسافة التي باتت تفصل بينه وبين قلب هانيا.
لم تكن تحبّه…
هذه الحقيقة كانت تطرق رأسه مع كل إشارة ضوئية، مع كل انعطافة. أحبّت غيره، واعترفت بذلك صامتةً تارة، وبعينيها ونفورها الخفيّ كلما اقترب تارةً أخرى، ثم أكّدتها اليوم بلسانها حين قالت إنها مجبورة.
1
انحرفت السيارة قليلًا، فتداركها سريعًا، قبل أن تفضحه دمعة انزلقت دون إذنه. مسح وجهه بعجلة، وكأن الطريق يراقبه، وكأن المدينة بأكملها تعلم أنه رجل حاول أن ينتزع حبًّا بالقوة… فخسر القلب والكرامة معًا.
كانت تالية تسير خلفه بالسرعة نفسها، تراقب قيادته الجنونية، حتى أخذ قلبها ينتفض خوفًا عليه. كانت تصرخ باسمه، ترجوه أن يتوقف، لكنه لم ينتبه لها، ولم يهتم.
ازدادت سرعة السيارة… وازدادت دموعه، حتى بات الطريق أمامه مشوشًا.
" جياد، أرجوك هدي شوية يا جياد!"
كانت تصرخ وهي تحاول الاقتراب بسيارتها بكل الطرق.
وفجأة، ومن العدم، ظهر أمامه شاب يقود دراجة نارية في الاتجاه المعاكس. وبسبب سرعة جياد التي تجاوزت كل حد، تجمّد الشاب في مكانه مصدومًا. حاول جياد، ما إن رآه، أن يتفادى الاصطدام، فتوقف فجأة، فاحتكّت إطارات السيارة بالأسفلت وهي تنحرف بعنف…
لكن ذلك لم يمنع الكارثة.
اصطدمت السيارة بالشاب، فسقط من فوق دراجته ملقىً على الرصيف، والدراجة فوقه.
أما سيارة جياد، فقد اندفعت جانبًا، تجرّ نفسها بعجز، حتى ارتطمت بشجرة كبيرة في الجانب الآخر من الطريق.
توقّفت سيارة تالية فجأة، كأن الزمن تعثّر معها.
اتّسعت عيناها حتى كاد الرعب ينسكب منهما، وظلّ بصرها معلّقًا بالمشهد أمامها، عاجزًا عن الاستيعاب.
السيارة المهشّمة…
الدراجة الملقاة…
وجياد.
2
صرخت باسمه، صرخة خرجت مكسورة، صرخة تكاد تُسْمِع الأصم من شدتها.
فتحت باب سيارتها بعنف، واندفعت خارجة منها، تركض نحوه منطلقة كالسهم، وكأن الأرض تُسحب من تحت قدميها.
كانت تركض، لكن الزمن من حولها كان يتحرّك ببطءٍ قاسٍ.
شَعرها يتطاير خلفها بلا نظام، وأنفاسها تتقطّع، وقلبها يخبط صدرها كأنه يحاول الهرب. كانت عيناها معلّقتين عليه وحده، مصدومتين، مرتجفتين، ترفضان تصديق ما تراهما.
" جياد… جياد!"
كانت تصرخ باسمه، واسمُه وحده يملأ رأسها، يعلو على ضجيج الطريق، على صرير الحديد، على كل شيء.
وصلت عنده وركضت جهة النافذة الخاصة بكرسيه وهي تصرخ:
" جياد...جياد....جياد رد عليا يا جياد..."
توقفت لحظة عن الصراخ وهي تبحث بعينها عنه في رعب لترى ما الذي أصابه
وكان هو محشورًا خلف المقود، رأسه مائل إلى الجانب، والدم قد انساب بخيطٍ رفيع من جبينه، يشقّ طريقه ببطء على بشرته الشاحبة. الزجاج الأمامي متشقق، والهواء من حوله مشبع برائحة حادّة لا تعرف لها اسمًا… خليطًا من المعدن والخوف.
كانت عيناه مغمضتين، وسكونه أفزعها أكثر من أي صرخة. صدره يرتفع بالكاد، وكأن كل نفسٍ معركة يخوضها وحده.
تراجعت خطوةً لا إراديًا، ثم تقدّمت ثانية، يداها ترتجفان، وركبتاها تكادان تخونانها. لم تبكِ فورًا… الصدمة سبقت الدموع.
شعرت بأن العالم قد انكمش فجأة، وأن كل ما فيه لم يعد موجودًا سوى جسده الساكن أمامها.
فتحت فمها لتناديه، لكن الصوت علق في حلقها. كانت عينها تتحرك فوقه بجنون، تبحث عن علامة حياة، أي حركة، أي دليل يُنقذ قلبها من الانهيار.
في تلك اللحظة، أدركت أن الرعب الحقيقي ليس في الحادث… بل في احتمال ألا يفتح عينيه أبدًا.
أخذت تحاول أن تفتح ذلك الباب ولكنها لم تستطع فأخذت تصرخ في انهيار وقد عادت تردد اسمه تارة أخرى:
" جياد... جياد ارجوك خليك مفتح ارجوك ارجوك يا جياد متخافش متخافش أنا أنا أنا هتصرف"
2
ثم صرخت وهي تنظر خلفها:
" اسعاف اسعاف بسرعة يا عالم يا ناس اسعاف، اتصلوا بالاسعاف"
*********
صرخت وهي تركض نحوه وفي يدها الهاتف وتحدثت في نبرة صوت يملؤها الرعب:
_ مين اللي عمل فينا كدا يا يزيد مين؟؟ بص بص منزلين إيه؟ وصلوا ازاي للفيديو دا يا يزيد ها؟
فصرخ في وجهها في غضب:
_ انتي اللي بتسألي مين دلوقتي؟ اسألي نفسك يا هانم، هيكون مين يعني؟ مين اللي هيدخل لحد الاوضة هنا عندنا وينزل فيديو من صفحتك ويعرف ان اهتماماتك تيك توك و كلام فارغ غيرك ها ردى؟؟
1
أشارت إلى نفسها وردت والدموع تنهمر على خديها:
_ يعني انت مش مصدقني؟؟ اقسم بالله العظيم ما أنا اقسم بالله العظيم ما نزلت حاجة، انت ازاي ممكن تصدق عليا حاجة زي كدا، بقا أنا هعمل عملة زي دي يا يزيد؟ يعني بالعقل كدا هتكون لسه قايلي لا على حاجة بسيطة وهي اني منزلش الميك اب اليومي ولا لبسي ولا صوري حتى هروح منزلة عادي كدا بكل بساطة رقصة لينا في اوضة النوم يا يزيد، أنا أنا اعمل كدا يا يزيد أنا؟؟؟
وقبلما يرد عليها، سمع صراخ ووالدته وعمته في الخارج، أسرع وفتح الباب فسمع أمه تصرخ:
_ ابني... ابني
وهي تركض فوق السلالم مهرولة تكاد تنكب على وجهها أثناء نزولها من هول الصدمة وخلفها تركض فاطيمة تولول و تنحب، فصرخ الشاب وهي يلحق بهما:
" في إيه يا ماما في إيه يا عمتي؟"
فردت عليه عمته:
" جياد عمل حادثة يا يزيد "
3
صرخ في فزع:
_ إيه حادثة، حادثة ازاي يعني؟؟
وركض بشكل جنوني سابقًا إياهما لا يعرف إلى أين سيذهب ولكن نيران الخوف على أخيه و صديقه اشتعلت في قلبه فجعلته يهرول كالمجنون.
وفي تلك الأثناء خرجت أسيل على ذلك الصريخ وما إن سمعت منهم ما يحدث ركضت جهة غرفتها تسحب معطفها ثم اندفعت خلفهم وكذلك فعلت روني.
أما هانيا فقد كانت في غرفتها مصدومة لا تصدق ما سمعته منهم يداها ترتجف وجسدها أيضًا ومن هول الصدمة سقطت جاثية على ركبتيها.
بمجرد خروج العائلة واتجاههم نحو السيارات، رأى عبدالله ما يحدث، أهل بيته يهرعون أمام عينه بذلك الشكل، فاندفع من سيارته وخلفه اندفع أيضًا كلًا من فاتح و حسان اللذان كانا معه في السيارة عائدون جميعهم من العمل.
وقف الرجل معترضًا طريق يزيد يصرخ:
_ في إيه يا يزيد في إيه؟
_ جياد عمل حادثة يا بابا
صرخ فاتح وهو يقول:
_ فين، فين هو فين؟
أما عبدالله فقد ظل مكانه مصدومًا وصراخ السيدات يصدح في كل أركان القصر.
كانت مايا ترتدي ملابسها في سرعة كي تلحقهم والسبب الذي منعها من الذهاب معهم هو أنها كانت تستحم وقتما اندلع الصراخ في القصر فحاولت أن تنتهي سريعًا كي تخرج لهم وتعرف ما حدث وبالفعل نزلت وقد علمت ما حدث وأخذت تسير في بهو القصر في خوف تضع الهاتف على أذنها تنتظر جواب زوجها كي يخبرها أين هم الآن لتلحق بهم.
وفي تلك الأثناء لمحت إحدى الخدمات فقالت لها:
_ هما كلهم خرجوا؟ فاتح مش بيرد، في حد ممكن اروح معاه؟
_ كلهم مشيوا ماعدا مدام هانيا هي اللي فوق
عقدت حاجبيها في استغراب ثم ركضت جهة غرفة تلك الفتاة وأخذت تدق الباب وهي تنادي عليها، وكانت هانيا تجلس على أرضية الغرفة تضم قدميها بذراعيها، وما إن سمعت صوت أختها، حتى نهضت سريعًا وفتحت لها ثم ارتمت بين ذراعيها وهي تبكي في صوت عالي تردد:
" مكانش قصدي...مكانش قصدي والله يا مايا ما كان قصدي"
1
كانت الفتاة لم تفهم ما تقصده بالظبط ولكنها ردت وهي تربت على ظهرها:
_ خلاص يا هانيا اهدي إن شاء الله هيكون بخير، ويلا تعالي معايا ماينفعش انتي بالذات متبقيش اول واحدة هناك، تمام؟ يلا بسرعة البسي عقبال ما حد يرد عليا ونعرف هما فين
ردت وهي ترتعش:
_ ماشي ماشي...
********
_ مش عارفة بجد يا منى، مش عارفة ابطل احبه ولا اعرف اسيطر على الشعور دا، وخايفة يكون مش بيحبني أو فيه واحدة غيري في دماغه
تحدثت ماهي إلى صديقتها منى وهما تجلسان في منزل منى حيث ذهبت إليها ماهي عقب الانتهاء من العمل ولم تعد إلى القصر.
وردت عليها الفتاة:
_ مش عارفة اقولك إيه يا ماهي موضوعك دا معقد جدا، انتي بتحبيه بس في نفس الوقت لازم تكوني مهنية اكتر لانك مديرته وكمان خايفة تفضلي معلقة قلبك في الهواء زي ما بيقولوا ووالدك الشيخ يرفضه
_ طب اعمل إيه يا منى؟
_ حاولي تتجاهليه بقا يا ماهي وخلاص
_ الموضوع مش بالبساطة دي يا منى
_ خلاص مشيه من الشركة علشان تبعديه عنك خالص وبالشكل دا هتبطلي تفكري فيه أعتقد دا افضل حل
_ مقدرش على خطوة زي دي، أنا بحلم بيه والله وبقيت بحب الشغل اكتر علشان عارفة اني هشوفه بكون متحمسة جدا أما اصحى وانزل الشغل علشان بس هشوفه هناك...فاهماني؟
_ للأسف فهماكي
أطرقت الفتاة برهة ثم عادت إلى الحديث قائلة:
_ حتى لو بابا رفض او فضل يقاوح معايا مش هسكت وهقنعه بكل الطرق و...
_ ماهي يا حبيبتي نحل بس مشكلة إنه هو مستر شهاب دا يعترف بس الأول او يتقدم ولا على الأقل يهتم!
سكتت الأخرى شاعرة بالخجل وردت في نبرة صوت خفيض:
_ عندك حق.... بس مش عارفة.. جايز فيه مشاعر منه تجاهي بس خايف يتكلم عنها أو كدا لاني مديرته؟ خايف ارفضه مثلا أو أقطع عيشه؟ او جاهز مش متوقع رد فعلي لو اعترف لي صح؟ صح يا منى؟ ما تنطقي يا منى!
_ جاهز يا ماهي كل شيء وارد
_ طب بردو اعمل إيه؟
اطرقت الأخرى تفكر ثم ردت :
_ جاتلي فكرة
_ الحقيني بيها
_ مش هو كان تعبان من فترة وانتي روحتي اطمنتي عليه في بيته؟
_ اه
_ حلو، وقولتي انك عرضتي عليه عرض ورفضه وكانت معاملته مش احسن حاجة وتاني يوم جيه واهتم يعتذرلك وقالك ان سبب ضيقه بعض المشاكل مع أهله وبتاع صح؟
_ ايوا اخلصي
_ اتصلي بيه دلوقتي واطلبي تقابليه و أما تتقابلوا اسأليه لو عايز تشاركني مشاكلك قولي يمكن اقدر اساعدك وارجعي اتكلمي معاه في عرضك تاني، ليه بقول كدا علشان يلاحظ انك مهتمة بيه لشخصه ولمشاكله ويبدأ لو متوتر من حتة رفضك يطمن واحدة واحدة ولو في دماغه حاجة ناحيتك يعترف أو على الأقل هتلاحظيها انتي عرفتي؟
ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ فكرة تحفة يا منى، هتصل بيه حالا اقوله واشوف رد فعله
أخرجت الهاتف من الحقيبة واتصلت عليه فلم يرد في المرة الأولى فتوترت الفتاة وقالت لصديقتها:
_ مردش يا منى
_ رني آخر مرة جايز مش سامع او مشغول بحاجة
وبالفعل اتصلت مرة أخرى فاستجاب:
_ الو
_ إيه يا شهاب ازيك
_ كويس، خير
_ إيه النبرة اللي انت بتكلمني بيها دي؟
_ عايزين إيه مني تاني؟ ناقص إيه تاني يحصل لي من وراكم يا عايلة الزيني؟!
_ شهاب انت بتتكلم معايا كدا أنا مش فاهمة حاجة!
_ اخوكي، اخوكي طردني من الشركة وكل دا علشان...علشان... علشان لاحظ اهتمامك بيا و اهتمامي بيكي
_ إيه؟؟؟؟
********
كانت تجلس معه في المطعم والصمت سيد الموقف لا أحد منهما يتحدث، كل منهما كان ينتظر الحديث من الآخر، وعقب مرور دقائق قاطعت ذلك الصمت قائلة:
_ في إيه يا أمجد؟ هتفضل ساكت كتير؟
9
انتبه إليها ورد في ابتسامة صغيرة:
_ لا ابدا، أنا بس مش عارف اقول إيه الحقيقة
سكتت برهة ثم ردت عليه في استغراب:
_ يعني إيه؟ اومال انت ليه طلبت تتكلم معايا؟
_ عادي قلت نقعد نشرب كوفي مع بعض ونتغدا وخلاص مش في دماغي موضوع معين، هو انا معطلك عن حاجة؟
_ لا لا خالص، أنا بس مستغربة سكوتك
_ طب اتكلمي انتي
_ ماشي.... هتكلم أنا، هسألك سؤال صريح حبتين
_ يلا بينا
_ إيه اللي مانعك من الارتباط الفترة دي؟
كان يود أن يخبرها بأن قلبه المعلق بأختها تلك الصغيرة التي اختلست قلبه وهربت، يأبى أن ينظر إلى غيرها ولكنه رد في ابتسامة:
_ هانت
_ هي إيه دي اللي هانت؟
_ إني ارتبط
اطرقت برهة تفكر في الأمر فمنذ متى وقد أخبرها والدها بأنه سيأتي لخطبتها؟ والان صارحته هي وفتحت الموضوع معه كي يتحدث وقلبه مرتاح ولكنه لا يزال مصرًا على استخدام الألغاز.
تجاهلت ذلك وتابعت:
_ قولي طيب إيه هي مواصفات شريكة أحلامك؟
اطرق شاردًا يتذكر ملامحها جيدًا كأنه تائهًا في عينيها يتخيل أنها تجلس أمامه تنظر إليه وتطيل النظر وتخبره أحبك. ولكنه استيقظ على حقيقة مرة وهي أن تلك التي تجلس أمامه أختها وليست هي، كانت في تعجب من أمره تشعر أنه متيم، عاشق وشارد ولكن ليس لأجلها. أهو مجرد شعور؟ تتمنى ذلك وحسب.
وتابعت ما إن أطال هو السكوت:
_ إيه؟ مش عارف ملامحها ولا إيه؟
التفت إليها وسكت.... ثم رد عقب صمت:
_ تيجي نتمشى؟
********
" ابني....ابني....جياد....جياد"
كانت تلك الكلمات تنطق على ألسن ناس مختلفة، والدته، والده، اخواته...
وهم يسرعون نحو الغرفة التي هو بها كي يطمئنون عليه
اتجهوا جميعهم نحو تالية تلك التي كانت تقف أمام غرفته تبكي، فسألوها في خوف وتوتر واضح انه ساد المكان:
" إيه اللي حصل يا تالية...جياد عامل إيه دلوقتي؟.... الدكتور قال إيه؟؟... "
كلًا منهم قد طرح عليها سؤالًا مختلفًا ولكنها ردت:
_ الدكتور معاه جوا ولسه مخرجش
بكت عبير وارتمت بين ذراعي فاطيمة والتي كانت تربت على ظهرها، أما عبدالله فقد صرخ في وجه تالية قائلًا:
_ حصل إيه؟ عمل حادثة ازاي ردي عليا انطقي
قصت عليهم ما حدث في صوت متهدج أثر البكاء، لتنتفض سريعًا قلوب أهله من مكانها كأنها ستنزع في الحال من شدة الرعب على ابنهم.
وبينما الجميع مشغول بأمر جياد، كانت روني تتخذ من دونهم جانبًا تفكر في تلك المصيبة التي وقعت فوق رأسها تمسك الهاتف وتقرأ ردود أفعال الناس على الفيديو الخاص بها في ذهول يملأه صدمة.
وفي تلك الأثناء، وصلتا الأختان مايا و هانيا وهما تجريان في سرعة جهة الواقفون أمام غرفة الشاب، وصرخت عبير ما إن رأت وجه هانيا:
_ عملتي ايه في ابني يا بنت مجدي؟ عملتي فيه إيه لدرجة تخليه يجري منهار على السلالم ويعمل حادثة ؟ وديني لاشرب من دمك و....
صرخ عبدالله مقاطعًا إياها في نبرة صوت حادة:
_ عبير، مش وقته اسكتي
_ ابني يا شيخ ابن...
_ قلت خلاص اسكتي
1
سكتت وهي ترميها بنظرات تحمل الانتقام وتدعي عليها في سرها.
وقد هلت عليهم حليمة والتي ما إن جاءت حتى أخذت تقول:
_ خير خير حصله إيه الشاب دا لسه عريس؟ إيه اللي يخرجه بكل الغضب دا من اوضته بس لدرجة يعمل حادثة!!
تحدث فاتح في نبرة صوت مهذبة:
_ عمتو بعد اذنك احنا مش فارق معانا أي حاجه دلوقتي غير اننا نطمن على جياد الأجواء مش مساعدة ولا متحملة أي كلام معلش
_ مش قصدي يا حبيبي، أنا بس قلقانة على الولد و مستغربة ليه يحصل فيه كدا!! إيه يخرجه من اوضته بس إيه ينكد عليه وهو لسه عريس إيه....
_ خلاص يا عمتو بالله عليكي خلاص
_ ماشي يا فاتح خلاص خلاص
سكتت وهي تتمتم واتجهت نحو ابنتها وهمست:
_ إيه اللي حصل يا بت يا أسيل؟
_ معرفش فجأة لقيتهم بيصرخوا وبيجروا جريت وراهم وجينا هنا، تالية قالت إن جياد كان نازل مدايق وعلى وشه غضب ربنا وبيسوق جامد واما ظهر واحد قدامه فجأة عمل حادثة وهو بيحاول يفاديه.
_ هي بنت مجدي اللي عملت فيه كدا، ياما قلت لعبدالله.
خليه يشرب هو وعياله من كأس النسب العرة دا
كان يزيد يقف أمام الغرفة التي بها أخيه مترقبًا خروج الطبيب بفارغ الصبر وقد لاحظ اختفاء روني منذ وقت طويل فأخذ ينظر حوله يبحث عنها بعينه فوجدها و التوتر يقفان في تلك الزاوية، تنظر في الهاتف تمسكه بيد مرتجفة.
زفر في ضيق وتجاهلها.
أما هانيا فقد جلست وذلك بعدما احست أنها لم تعد قادرة على الوقوف، ما كل ذلك الذي يحدث معها؟ هي أحبت، أحبت وفقط!
اتجهت مايا نحو زوجها وأخذت تربت على كتفه وتحدثت:
_ متخافش يا فاتح إن شاء الله هيكون كويس يا حبيبي وهيطلع وهتطمنوا عليه
_ ان شاء الله يا مايا إن شاء الله
خرج الطبيب فأسرع الجميع نحوه ينتظرون كلامه على أحر من الجمر، وتحدث الشيخ:
_ أنا والده خير يا دكتور طمنا؟
_ هو عنده كسر في دراعه اليمين، وبعض الكدمات في جسمه و رأسه وشرخ في رجله الشمال، لكن أقدر اقول ان الحالة ككل الحمدلله كويس
2
فرح الجميع وأخذ كلًا منهم يشكر ربه، وتحدثت تالية في سرعة:
_ أقدر ادخل اطمن عليه يا دكتور؟
_ أكيد بس مش كل العدد دا، اتنين، اتنين ماشي وبعدين هو لسه في البنج
أسرعت عبير قائلة:
_ أنا أول واحدة هدخل اطمن على ابني
تقدم يزيد خطوة ليدخل معها لكن سبقته تالية والتي أسرعت تركض نحو الغرفة سابقة عبير نفسها.
تعجب ثم ألقى نظرة إلى تلك الجالسة دون أي رد فعل سوى الصدمة، أليس من المفترض أن تكون هي أول الداخلين؟
1
اتجهت عبير نحو غرفته، وما إن دخلت حتى توقّفت عند عتبة الغرفة، وكأن جسدها أبى أن يخطو خطوةً أخرى.
وقعت عيناها عليه، فارتعشتا، ولم تحتج إلى الاقتراب لتفهم.
كان ممدّدًا فوق السرير الأبيض، تحيط به رائحة المطهّرات وصمتٌ ثقيل. ساقه اليسرى ملفوفة بالجبس، تمتدّ مستقيمة كأنها لا تنتمي إليه، وذراعه اليمنى معلّقة ومثبّتة، لا حراك فيها. أمّا رأسه، فقد لفّته الضمادات بإحكام، تخفي ملامحه التي حفظتها أمًّا عن ظهر قلب.
1
الكدمات تنتشر على جسده بظلالٍ زرقاء وبنفسجية، كخرائط لألمٍ لم تشهده، ولم يكن يفترض أن تراه عليه أبدًا.
اتّسعت عيناها، ثم انكسرت.
مدّت يدها ببطء، متردّدة، كأنها تخشى أن توقظه من وجعه، أو أن يكون هذا السكون خدعةً قاسية. لامست أطراف أصابعها السرير قبل أن تلامس جلده، وخرج نفسها مرتجفًا، محمّلًا باسمٍ واحد:
"يا ضنايا...."
3
لم تبكِ بصوت.
سقطت دموعها في صمتٍ أشدّ قسوة، وهي تدرك أن الألم الذي تراه أمامها لا يُقاس بما تمزّق داخلها في تلك اللحظة.
ثم بدأت تلمس بأطراف اصابعها ملامح وجهه التي اخفتها الكدمات وتابعت:
" جياد... ابني حبيبي رد عليا "
اتجهت نحوه تالية من الجهة الأخرى وتحدثت في بكاء:
_ كدا؟ كدا تخوفني عليك يا جياد؟ حرام عليك أنا...أنا كنت هموت من كتر الرعب عليك قلبي كان كأنه هيقف أما شفتك بتتخبط بالعربية في الشجرة بالشكل دا
وضعت يدها فوق يده وأخذت تلمس أصابعه، فخرجت كلمة من بين شفتيه، كلمة واحدة من خمسة أحرف، لم تسمعها جيدًا في المرة الأولى ولكنه عادها مرة أخرى لتصل إلى مسمعها جيدًا:
" هانيا"
4
اغتاظت بشدة وتوقفت الدموع التي كانت تسري على خديها كأنها تجمدت فجأة وتحولت نظراتها إليه من نظرات الشفقة و الرحمة إلى نظرات مليئة بالغل والغيظ وتحدثت:
_ هانيا؟؟ بعد دا كله لسه هانيا؟ انت ايه معندكش لا دم ولا كرامة؟
1
عقدت عبير حاجبيها في استغراب من تلك الفتاة وطريقة تحدثها ولما لاحظت تالية تلك النظرات، أبعدت يدها عنه ثم ابتعدت هي نفسها عنه، ولت له ظهرها ثم اتجهت نحو الخروج وتمتمت أثناء سيرها للخروج:
" كلب"
1
خرجت من الغرفة وهي ترمي نظرات نحو هانيا _والتي كانت بين ذراعي أختها مايا_ مليئة بالانتقام
وتحدثت في سخرية وبصوت عالي:
_ هانيا، كلمي جياد
ابتسم يزيد ورد في سرعة:
_ هو هو جياد بدأ يتكلم؟
_ آه بدأ....
قالتها ثم ابتعدت عن الجميع تشعر بخيبة أمل كبيرة.
خرجت عبير بينما دخلا كلًا من يزيد و هانيا كي يطمئنون عليه.
سريعًا اقترب منه يزيد وقبل رأسه ثم أمسك يده وتحدث:
_ حبيب قلبي أنا جمبك، فتح عينك يلا و اتكلم معانا يا جياد، يا جياد متقلقناش عليك يا حبيب قلب أخوك
أما هانيا فقد وقفت عند باب الغرفة، لم تتقدّم ولم ترجع. كانت يدها معلّقة في الهواء، لا تدري أتمسك المقبض أم تتركه، وكأن الباب نفسه يحاكمها.
وقع بصرها عليه، ممدّدًا على السرير، مثقلًا بالجبس والضمادات، فشعرت بثقلٍ حادّ في صدرها. لم يكن ما تشعر به حبًّا… كان ذنبًا.
ذنبًا يزحف ببطء، يلتفّ حول قلبها، ويهمس لها بأنها، بطريقةٍ ما، شريكة فيما حدث.
خطت خطوةً واحدة، ثم توقّفت.
كانت خطواتها بطيئة، محسوبة، كأن الأرض قد صارت أثقل كلما اقتربت منه. عيناها لا تثبتان عليه طويلًا؛ تفرّان منه ثم تعودان، عاجزتين عن الهروب من صورته.
قالت لنفسها إنها لم تفعل شيئًا… لم تدفعه إلى الطريق، ولم تجبره على السرعة.
ومع ذلك، كان الشعور بالذنب حاضرًا، ثقيلًا، يضغط على صدرها، كأن اعترافها بعدم حبّها كان آخر ما دفعه إلى تلك الهاوية.
اقتربت أكثر، ووقفت عند طرف السرير، صامتة.
لا تملك كلمة، ولا تملك دمعة، فقط شعورٌ خانق بأنها تقف أمام ألمٍ لم ترده… لكنها كانت جزءًا منه، كان يزيد متعجبًا من صمتها، ألن تقل له أي شيء؟ أي شيء...
ابتلعت ريقها ثم جلست جواره وتحدثت:
"قوم...قوم يا جياد...."
نطق في نبرة أقرب إلى الهمس، نبرة مجهدة متعبة:
" هانيا.... متسبنيش يا هانيا... اوعي تمشي"
2
كأنه يهذي فهو لم يكن واعي بالكامل فقد تحدث عقله الباطن نيابة عنه، نيابة عم يلوج في قلبه من شعور جهة تلك عديمة الشعور والتي تأبى أن تشعر به.
عقد يزيد حاجبيه في استغراب ما إن سمع حديث أخيه ونظر سريعًا إليها تسألها نظراته، ولكنها لم تجب و سريعًا أبعدت عينيها عنه هاربة كعادتها وأخذت الدموع تسري على خديها في صمت.
********
كانت كاميليا تجري اتصالًا هاتفيًا مع شخصًا ما بعيدًا عن أمجد والذي اتخذ لنفسه جانبًا هو الآخر ليتحدث عبر الهاتف وقال لمحدثه والتي كانت والدته حليمة:
_ مش عارف يا ماما، صدقيني بحاول، نزلت معاها النهاردة واتكلمنا وكنا بنتمشى وعمال افتح معاها أي مواضيع مفيش فايدة مش عارف اتقبلها هو القبول مش بالعافية يعني!
_ أمجد، قولتلك لازم تتقبلها لان خالك اصلا مستني ردك وزي ما قولتلك مش هيديك ماهي
تمتم ساخرًا:
" على أساس هي اللي عايزة اوي؟، مش فاهم ليه بتعاملني زي اخوها يعني ليه!"
_ بتقول حاجة؟
_ لا يا ماما مش بقول، المهم اني...
وقبلما يتابع كلامه، قاطعته كاميليا والتي كانت تركض جهته تتفوه بكلمات لم يفهمها إلا عندما اقتربت منه وهي تقول:
" جياد جياد في المستشفى يا أمجد عمل حادثة "
عقد حاجبيه في استغراب، لم تخبره والدته! ألم تعلم؟! ورد عليها في خضة:
_ إيه!
ولكنها لم تنتظر منه أي رد فعل أكثر فقد حملت نفسها و ركضت جهة سيارتها كي تذهب إلى المستشفى، و لحق الآخر بها وهو لا يزال يحدث والدته يقول:
" إيه يا ماما متعرفيش ان جياد عمل حادثة؟ "
" لا عارفة أنا عنده اهو في المستشفى "
" اومال مقولتليش ليه؟ "
" نسيت"
تنهدت ثم اضافت:
" وبعدين هو بقا كويس"
تعجب الشاب من طريقتها فكيف تنسى أن تخبره بشيء كهذا؟ ألا يهمها سوى أن تعرف هل كل الأمور مع كاميليا تسير على ما يرام وحسب؟
ولكنه لم يعلق وقد رأى كاميليا قد دخلت السيارة وفي استعداد كي تقود، فانهى المكالمة مع والدته:
" طب يا ماما سلام احنا جايين لكم دلوقتي "
2
نادى عليها كي لا تقود من دونه، ثم أسرع وفتح الباب وركب معها وانطلقت السيارة.
**********
" ها يا شهاب قولي بقا إيه اللي حصل بالظبط؟"
تحدثت ماهي والتي طلبت من شهاب أن يأتي لها في أحد الكافيهات كي تتحدث معه حول ذلك الموضوع الذي حدثها عنه عبر الهاتف، رد الفتى وهو يحتسي قهوته:
_ زي ما قولتلك دا حصل وعلشان كدا قولتلك بلاش نتقابل مش عايز اضايقك
_ تضايقني ازاي يعني؟ انت ازاي أما جياد طردك مشيت من غير ما ترجع لي؟ وبعدين إيه السبب العبيط اللي طردك علشانه دا! أنا مش فاهمة حاجة؟
_ ولا أنا فاهم
_ طب قولي بالظبط جابك المكتب عنده وقالك إيه، اتكلم بتفاصيل
_ جابني وقالي امشي و الإدارة مش عايزاك خلاص، قولتله ليه أنا عملت إيه انا شاطر في شغلي ومفيش غلط صدر مني و حتى ميس ماهي كانت عايزة تختارني امثل الشركة في حفلة الرياض تقوم انت تقولي أمشي!
قالي ميس ماهي ميس ماهي انت إيه اللي بينك وبينها انت بتستغل ماهي علشان تفضل تكبر في الشركة وانا مش فاهم إيه اللي بينكم دا، العلاقة خرجت برا اطار العمل ودا ماينفعش والموضوع مبقاش مهني وهي دايما تختارك انت وفضل يقول كلام من دا وأنا أفهمه إنه فهم غلط بس مفيش فايدة رمى الورق في وشي واطلع برا انا خلاص جبتلك مكان تاني تشتغل فيه، أنا اكتر حاجة أكره اعملها هي قطع الأرزاق...
تبسم وتابع ساخرًا:
_ على أساس أما يمشيني من الشغل هو كدا قدم لي طبق بليلة!
بس لقيت نفسي باخد ملفي وبمشي
_ وليه مرجعتليش؟
_ أكيد مش هكون عايز اعمل مشاكل بينك وبين اخوكي بسببي وماكنتش ناوي اصلا اقولك حاجة بس أنا حاسس بالظلم و مقهور فماما أما عرفت فضلت تقولي لا قولها دي بنت أصول ومتقبلش بالظلم اللي حصلك
4
كانت تكتم غيظها وغضبها من تصرفات ذلك أخيها الأحمق الذي يفسد دائمًا القرب بينها وبين حبيبها وردت عليه:
_ أنت هترجع الشغل، مامتك معاها حق أنا فعلا مقبلش بالظلم اللي انت اتعرضت له ولا أقبل إن مجتهد زيك يسيب شركتي بسبب تفاهة
ابتسم ورد:
_ لا، أنا مش بقولك كدا علشان تقوليلي ارجع الشركة، انا مش هقدر اشتغل مع جياد تاني بعد اللي عمله ولا هسمح لنفسي اكون تحت ايده علشان أكيد هيبقى عايز ينتقم مني أما انتي ترجعيني بالعافية، أنا بس حبيت اعرفك علشان تبقي فاهمة أنا مشيت ليه، لأنه أكيد هيقولك هو اللي مستهتر ومشي او هيكدب بأي شكل ولانك اخته و بتثقي فيه أكيد هتصدقيه هو
1
ظهرت تلك اللمعة في عينيها وتحدثت وهي تنظر إلى عينيه:
_ بس أنا كمان بثق فيك جدا يا شهاب
_ أكيد مش اكتر منه
لم ترد عليه بل شردت في عينيه كأنها تخبره:
" كلا، أقسم لك فأنا لا أثق ولا اهتم ولا احب غيرك"
1
ولاحظ تلك النظرات، كان يعرفها جيدًا… يعرفها حدَّ اليقين.
نظرات العشق المولع، لا تُخطئها عين، ولا يجهلها قلب خبرها من قبل. وكيف يجهلها، وهو الذي اعتاد أن يختلس مثلها طويلًا من عيني حبيبة قلبه، هانيا؟
1
تنحنحت وتابعت وهي تبعد عينيها عنه بصعوبة:
_ لا يا شهاب الحق حق، ثم إنه متخافش لو رجعت الشغل مش هخليك تحت ايده
_ هتعملي إيه؟
_ ثواني هوريك حاجة
أخذت تفتح حقيبتها و أخرجت الهاتف وما إن فتحته حتى قالت:
_ إيه كمية ال notifications اللي على فيس بوك دي؟
فتحتها لتصطدم بذلك الخبر
" حادث سير تعرض له نجل الشيخ عبدالله الزيني، جياد الزيني، أثر قيادة سيارته بشكل سريع ومفاجئ محاولًا أن يتفادى صاحب الدراجة النارية والذي اصيب بجروح بالغة هو الآخر "
وصورة اخوها و الحادث تحت الخبر، و تعليقات المتابعين لهم و الإشارات إليها وإلى عائلتهم في التعليقات كانت كثيرة، يطلبون منهم أن يطمنونهم على الشاب.
1
شهقت صارخة وتزامن مع ذلك نهوضها وهي تضع يدها على قلبها تحدق بعينيها والتي كادت تخرج من محجريها أثر الصدمة، وعليه نهض الآخر يقول في خضة:
_ ايه إيه في إيه؟
_ جياد، جياد عمل حادثة
انهت جملتها وأخذت تسير في سرعة متجهة نحو السيارة.
ابتسم الشاب و تمتم:
"يارب يموت"
1
ثم لحق بها يسير خلفها ينادي عليها:
" استني يا ماهي استني لازم اوصلك أكيد مش هسيبك تمشي وانتي بالشكل دا"
ركبت السيارة فطلب منها أن تتركه يقود هو، لذا بدلت معه المكان و جلس هو مكان السائق وتحدث:
_ اروح فين؟
صرخت في خوف:
_ أنا مش عارفة أنا ازاي محدش يتصل بيا يقولي، بقا اعرف ان اخويا عمل حادثة من تعليقات الناس؟ من الفيس؟ كأني غريبة؟
_ اهدي يا ماهي يمكن انشغلوا ومجاتش الفرصة إن حد يقولك
_ انا هعرف شغلي معاهم بس أما اروح لهم
وضعت الهاتف على اذنها بعدما طلبت رقم يزيد تنتظر رده، وما إن رد حتى صرخت:
_ هو انتوا ازاي متقولوش إن جياد عمل حادثة؟ ها، ولا أنا غربية ومش ضروري اعرف؟
_ ماهي والله كلنا مشغولين هنا معاه ومحدش مركز اصلا مين جيه ومين مجاش وبع....
_ اخلص يا يزيد أنا مش عايزة اسمع تبريرات فارغة ابعت لي لوكيشن المستشفى بسرعة يلا
انهت المكالمة وأخذت تنتظر أن يرسل لها الموقع، وجسدها يرتعش وتبكي.
تحدث شهاب:
_ اهدي يا ماهي إن شاء الله هيكون بخير ومش هيجراله حاجة
كانت دموعها تسري على خديها وبدأت اصوات شهقاتها تتعالى، ففتح لها ذراعيه، فانكبت سريعًا بينهما تكتم اصوات شهقاتها داخل حضنه كان يربت على ظهرها صامتًا لا يشعر بالشفقة ولا الرحمة بل ابتسم متيقنًا إنما هي العدالة الإلهية.
************
كان الجميع يجلس في الانتظار في الخارج بعدما اطمأنوا عليه، ها هم ينتظرون أن يفيق من البنج.
4
وعقب مرور ساعة من الانتظار، خرج لهم الطبيب وهو يقول في ابتسامة:
_ الحمدلله فاق من البنج ويقدر يرد عليكم دلوقتي
فرح الجميع وأخذوا يشكرون الله ويحضنون بعضهم البعض في سعادة عارمة، وكانت روني تشاركهم السعادة ولكنها لم تكن سعادة كاملة والسبب تلك المصيبة التي تحملها فوق رأسها.
دخلوا جميعهم غرفته والجميع ينطق اسمه في فرحة وكان هو ينظر إليهم في ابتسامة صغيرة وكان يدور بعينه بينهم يبحث عنها، ألم تأتِ؟
ولكنه لاحظ دخولها عقب ثواني من تفكيره، فأبعد سريعًا عيناه عنها كأنه غير مهتم.
اتجهت والدته منه وتحدثت تلوم عليه:
_ كدا يا جياد، كدا تخوفنا عليك؟
نظر إليها ثم سكت، فتابعت وهي تلقي نظرات نحو هانيا مليئة بالشر:
_ هي لحقت تنكد عليك! لحقت تنزلك من الأوضة معيط و منهار لدرجة تعمل حادثة!!
1
زفر عبدالله في غيظ وتمتم:
" استغفر الله العظيم يارب مش هنخلص"
نكست هانيا رأسها تشعر بالخجل ولم ترد، فرد جياد على والدته:
_ لا يا ماما هانيا معملتش حاجة ملهاش دعوة اصلا باللي حصل لي
_ اومال كنت نازل وعفاريت الدنيا بتتنطط في وشك ليه؟
اطرق يفكر في كذبة ثم قال:
_ صاحبي اوي من قطر جالي خبر إنه اتوفى جالي حالة انهيار ونزلت وحصل اللي حصل
رد والده في غضب:
_ ماكنش المفروض تسوق وانت في الحالة دي أكيد، دا غلط كبير انت عملته، الحمدلله ان ربنا سترها عليك بس شوف اديك متجبس ازاي؟ وكمان الولد اللي خبطه اتأذى
تدخل فاتح في الحديث قائلًا:
_ طب هو عامل إيه دلوقتي صح يا بابا؟
_ بعت حد يطمنا عليه وقولت اني هتكفل بكل علاجه في أحسنها مستشفى
_ طب و جياد يا بابا مش هيدخل في سين وجيم؟
_ لا لان الولد كان ماشي معاكس اصلا بس الفكرة إن كتير بيعدوا بالشكل دا بس اخوك اللي كان بيسوق بشكل مجنون، وعامة انا متكفل وأهله مش مضايقين لان عرفوا ان ابنهم غلطان وكان ماشي معاكس.
تدخلت فاطيمة قائلة:
_ يا اخويا حمد لله على سلامته دي أهم حاجه متقعدش تبكت فيه المهم إنه بخير اهو قدامنا
وفي تلك الاثناء خرجت روني من الغرفة وهي تتنفس في ضيق تشعر ان نفسها أصبح ثقيلًا، جلست على الاستراحة في الخارج، تضع يدها على قلبها تتنفس بشكل متكرر كأن نفسها سينقطع.
لحقتها مايا والتي ما إن رأتها في تلك الحالة حتى ركضت في خضة وجلست جوارها وقالت:
_ مالك يا روني؟ انتي شكلك مش مريحني من بدري في إيه مالك؟
نظرت إليها ثم تحدثت:
_ مش عارفة يا مايا مش عارفة
_ مش عارفة ايه؟
_ مش عارفة اخد نفسي
_ من إيه بس يا حبيبتي؟
قبلما ترد، لمحتا ماهي والتي كانت تركض جهتهما، فحاولت روني أن تتماسك، وقفت ماهي أمامهما وتحدثت وهي تتنفس في صوت عالي أثر الركض:
_ جياد فين؟
أشارت لها مايا جهة الغرفة، فتابعت الفتاة ركضها، ومن ثم التفتت مايا إلى روني وتابعت:
_ مالك يا بنتي بس قولي!
ارتمت بين ذراعيها تبكي في انهيار، مما جعلتها تختض وتسألها في خوف:
" في إيه في إيه؟"
وفي غرفة جياد، اقتربت ماهي منه وكذلك كاميليا واخذتا تطمئنان عليه، وتحدثت ماهي تلوم الجميع:
_ كدا محدش يكلمني يقولي انه عمل حادثة؟
وكذلك اضافت كاميليا:
_ ولا انا كلموني متأخر بالصدفة كدا تقريبا
_ أكيد مكناش عايزين نقلقكم
تحدث الشيخ ثم تابع:
_ وبعدين الموضوع اهو بسيط زي ما انتوا شايفين
_ بردو يا بابا كان لازم يكون عندنا علم
تدخل جياد يتحدث في نبرة صوت متعبة:
_ خلاص يا ماهي انا دلوقتي كويس، حصل خير، يلا شوفوا هخرج امتى من هنا انا مش بحب جو المستشفيات دا
رد والده:
_ أكيد مش هتطلع ولا هتتحرك من مكانك إلا أما الدكتور يسمح بكدا.
تدخل فاتح:
_ بابا احنا عددنا كبير اوي و الوقت اتأخر جدا و الناس عمالين يطلبوا مننا نمشي و ميقعدش معاه اكتر من مرافق
أسرعت عبير قائلة:
_ أنا اللي هكون مرافق معاه
فرد عليها عبدالله:
_ أكيد لا، انتي هترجعي البيت، اللي هيكون مرافق معاه مراته
نظرت الفتاة إليهما فهي لا تبغى ذلك ولكنها سكتت، وعلق جياد:
_ لا يا بابا خلي هانيا تروح أنا مش عايز اتعبها معايا
نظر الجميع إلى الفتاة كأنها موضع اتهام فردت في توتر:
_ لا... لا لا يا جياد ولا تعب ولا حاجة أنا.. ايه....ايه.... هفضل جمبك أكيد لحد أما تبقى أحسن
فرد الشيخ:
_ خلاص خلوني أنا اروح اسأل الدكتور هيبات كام يوم و هيتحرك امتى واجي علشان نمشي
ثم نظر إلى فاتح وتابع:
_ حاسبت يا فاتح؟
_ اه يا بابا
هز رأسه موافقًا واتجه نحو الباب وقبلما يخرج اضاف:
_ انت كلمت مجدي السَّلّاب؟
_ لا يا بابا مكلمتوش
_ يبقى علشان كدا مجاش
_ ما أنا مجاش وقت مناسب اقول كلنا كنا قلقانين و مشغولين بجياد.
هز رأسه موافقًا وخرج، وبمجرد خروجه لمح روني والتي وكانت بين احضان أختها فاقترب منهما وتحدث في قلق:
_ في إيه يا بابا؟
لم تخرج روني من بين ذراعي أختها كي لا يرى انهيارها، ولكنها شددت المسكة على خصر مايا كي تنقذ الموقف، فتحدثت مايا:
_ هي دايخة بس شوية يا شيخ وعلشان كدا ساندة عليا و...
وقبلما تتابع نادت حليمة عليه في صوت عالي:
_ يا شيخ
التفت خلفه فوجد حليمة تلك التي نادت عليه و بجوارها فاطمية، فرد:
_ نعم؟
_ تعالى عايزينك شوية
نظر إلى مايا ثم روني واضاف:
_ هنادي لدكتور يشوف اسباب الدوخة دي إيه
_ مفيش داعي ا....
_ يعني إيه مفيش داعي؟ لا طبعا فيه أكيد مش هنسبها كدا
تركهما وذهب إلى اختيه وتحدث:
_ نعم؟
تنحنحت حليمة وقالت:
_ بص هو احنا يعني مكناش عايزين نزود عليك بس...
_ تزودوا عليا إيه مش فاهم حاجة؟
اضافت فاطيمة:
_ يعني احنا عارفين اللي انت فيه وعلشان كدا مكناش عايزين نقولك انت مش ناقص، بس...بس أما فكرنا فيها لقينا انك لازم تعرف لانه...
صاح في غضب:
_ اعرف إيه وماكنش لازم اعرف إيه، ما تنطقي انتي وهي!
4
كان حسان يقف بجانب السرير الذي يرقد عليه أخيه وبجواره تقف أسيل والتي كانت تضرب الأرض برجلها اليمنى وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها مغتاظة تشعر بالضيق الشديد، وتحدثت إليه في صوت خفيض:
_ هو انت هتفضل واقف كدا زي قرد قطع؟
_ يعني إيه؟
_ يعني ملكش لازمة في اي حاجة كدا؟ فاتح و يزيد هما اللي من الصبح عمالين يشيلو و يحطوا و ينزلوا و يطلعوا و يتصرفوا تصرفات رجالة وانت قاعد هنا جنبي؟ إيه بتحرسني!
_ طب انتي عايزاني اعمل إيه يا أسيل بس؟
_ ولا حاجة يا اخويا خليك كدا واقف جمب السرير بتحرسه
1
ثم خمست في وجهها وهي تقول:
_ يخربيته حظي
3
ثم خطت خطوات سريعة نحو الخروج من تلك الغرفة.
كانت هانيا تجلس على الاريكة في غرفة زوجها، ولما لاحظت ان الحوار بينه وبين اخواته لم ينته بعد، قررت أن تدخل البلكون تشم الهواء، وبالفعل فتحت الباب ودخلت ثم أسندت ذراعيها على السور وأخذت تنظر إلى المارة تارة وإلى السماء تارة أخرى وفي المرة التي كانت تنظر فيها إلى المارة لمحت وقوف شهاب بجانب سيارة ماهي، والذي كان يعقد ذراعيه أمام صدره ينظر بضيق شديد نحو مدخل المستشفى وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانها قلبها، دقّ فجأة، دقّةً لم تطلبها ولم تستأذنها.
اشتياقٌ قديم اندفع إلى صدرها دون رحمة. شعرت به يملأها، يربك أنفاسها، ويعيد إليها إحساسًا حاولت دفنه منذ زمن. كان شهاب كما تركته… أو كما حفظه قلبها، لا فرق. ورغم المسافة، أحست بقربه أكثر من أي وقت مضى.
فرحت فرحة صغيرة، خاطفة، سرعان ما انكسرت.
تذكّرت أين تقف الآن… ولمَن تنتمي رسميًا. تذكّرت اسمًا آخر تحمله، ووضعًا لم تختره. فاختلط الفرح بالذنب، والاشتياق بالوجع، والحب بالخوف.
أدارت وجهها قليلًا، كأنها تخشى أن يفضحها النظر، وكأن قلبها لم يعد ملكها منذ أن أصبحت زوجة رجلٍ آخر. ومع ذلك، ظلّ ذلك الخفقان العنيد يذكّرها بحقيقة واحدة لم تستطع محوها، أن بعض القلوب، مهما أُجبرت، لا تنسى من أحبّت.
ولكنها لم تستطع فعادت تنظر إليه تارة أخرى ودقات قلبها تتسارع، وفي ذلك الوقت نفسه، لمحها.. رآها رفع رأسه جهتها.
2
اتجه عبدالله في سرعة يشوبها غضب شديد جهة روني والتي كانت تشرب الماء والذي احضرته لها أختها مايا، وما إن سمعته ينطق اسمها في نبرة صوت حادة جامدة، شرقت وأخذت تكح عدة مرات، واختها تربت على ظهرها، فتابع دون أن يأبى إلى ذلك:
_ ورايا على البيت
1
انصرف بمجرد ان لفظ بتلك الجملة يخطو خطوات سريعة، نهضت روني وجسدها يرتعش ولكنها حاولت الصمود و ادعاء القوة ثم ابتلعت ريقها واخذت تلحق به.
وفي تلك الأثناء، خرج يزيد وهو يحمل معطفة على ذراعه وأسرع خلفهما.
أما مايا فقد خافت كثيرًا على أختها بالأخص عندما لاحظت خروج فاطيمة و حليمة و اللاتي اصتحبتا عبير معهما واخذن يسرن خلف الشيخ و روني و يزيد لذا قررت أن تلحق بهم لتكون مع أختها.