📁 آخر الروايات

رواية قصر آل الزيني الفصل الحادي عشر 11 بقلم سلمي خالد

رواية قصر آل الزيني الفصل الحادي عشر 11 بقلم سلمي خالد


دأ

الحادي عشر[ عرض زواج]
سلمى خالد احمد
*************

وما إن لمحها وعرفها جيدًا، حتى أخذ يقترب نحوها و عيناه معلقتين جهتها، أما هي فأخذت تبتلع ريقها ما إن تراه يقترب نحو البلكون، تبتسم في تلقائية، تتمنى أن تنزل وتهرب معه إلى بعيد، إلى آخر العالم، لو كان بإمكانها لقفزت إلى أسفل تمسك بيده وتركض... تركض وفقط، وفجأة شعرت بيد أحدهم توضع على كتفها، شهقت في خضة ونظرت إلى الخلف فوجدتها ماهي والتي تعجبت قليلًا من رد فعلها وعليه سألتها:
_ إيه يا هانيا مالك اتخضيتي كدا ليه؟
1

وتزامن مع نطقها لتلك الكلمة، تطلعها إلى ذلك المكان الذي كانت الفتاة تشرد به، فرأته فارعًا، أما شهاب فلازل كما هو يقف بجانب سيارتها.
وردت هانيا في توتر:
_ متخضتش ولا حاجة،كنت سرحانة بس وانتي حطيتي ايدك عليا فجأة فاتخضيت بس كدا
_ معلش لو خضيتك، بس أنا ناديت عليكي كتير وانتي مردتيش علشان كدا قلت اجي اشوفك
_ معلش ماخدتش بالي، مسمعتكيش
_ ولا يهمك، أنا بس كنت عايزة اقولك اننا ماشيين خلي بالك بقا من جياد

هزت رأسها موافقة، فابتسمت لها ماهي ثم انصرفت.

أما هانيا فلم تنظر نحو شهاب مرة أخرى بل في سرعة اتجهت نحو الخروج ثم غلقت باب البلكون وانتظرت حتى انصرف الجميع ثم اقتربت من زوجها وتحدثت في ابتسامة:
_ حمد لله على السلامة

أخذ نفسًا طويلًا ورد:
_ حمد لله على سلامتي! على اساس قلقانة عليا؟ تلقاكي كان نفسك اموت اهو فرصة تخلصي مني
_ ليه يا جياد بتقول كدا؟ انا مش بكرهك ولا بتمنالك الموت ابدا يا جياد حرام عليك تظلمني بالشكل دا
1

ابتسم ابتسامة في باطنها السخرية ولم يرد، فتابعت:
_ هروح اشوف علشان لو فيه علاج محتاج تاخده ولا حاجة

وما إن نهضت، حتى دخلت الممرضة وتحدثت في ابتسامة:
_ مدام هانيا، دي مجموعة المراهم اللي المفروض تتحط على جسمه، مضاد حيوي ودا الدوا

اعطتها العلاج، ثم بدأت تطمئن عليه وهي تتابع في نفس الابتسامة:
_ اعتقد اننا بقينا كويسين اهو وان شاء الله الدكتور يكتب لك على خروج بكرة
_ ياريت

ابتعدت عنه ثم وقفت أمام هانيا وتابعت:
_ لو احتاج أي حاجه او انتي احتاجتي أي حاجه أنا برا

كانت تود أن تطلب منها بأن تضع له هي المرهم ولكنها لم تجرؤ على طلب ذلك.
خرجت الممرضة، بينما هانيا اقتربت منه وقالت:
_ دا المرهم، مضاد حيوي هحطه في أماكن الجروح اللي في جسمك
_ مش عايز اتعبك معايا، ممكن هي تعمل كدا، اطلبي منها عادي

وقفت قليلًا تفكر، هل تفعل أم ماذا؟
أما هو فترددها ضايقه بشدة وجعله يشعر بالغضب.
ولما لاحظت ذلك، اقتربت منه وردت:
_ عادي مش هكون تعبانة ولا حاجة ممكن

اقتربت منه وكشفت عن بطنه وهي تمسك بأنبوب المرهم بين أصابعها، مترددة لحظة قبل أن تلمس جلده، فتحت الأنبوب ووضعت منه على اصبعها وما إن لامست جلده حتى ارتجف جسده ارتجافة خفيفة، لم تكن من الألم... بل من القرب.
كانت حركاتها بطيئة، حذِرة، تمرّر المرهم على بطنه برفقٍ زائد، كأنها تخشى أن تترك أثرًا أعمق من اللمس نفسه. أما هو، فكان يراقبها بصمت، يتتبّع انحناءة رأسها، وتركيز عينيها، وأنفاسها القريبة التي لم يعتدها بعد.
شعر بدفء يسري فيه مع كل لمسة، دفءٍ طال انتظاره. لم يجرؤ على الكلام، خاف أن يبدّد اللحظة، أن تُفلت منه كما من قبل. كانت هذه القُربة الصغيرة بالنسبة إليه عالمًا كاملًا، وعدًا مؤجّلًا، وحلمًا يجرؤ أخيرًا على الاقتراب.
رفع عينيه إليها.
كانت نظرته مغمورة بالحب والاشتياق، نظرة رجل وجد ما تمنّاه بين يديه، ولو للحظات. أراد أن يقول لها الكثير، أن يعترف بكل ما تراكم في صدره، لكنه اكتفى بالصمت، لأن الصمت وحده كان قادرًا على احتواء هذا الفيض.
وحين سحبت يدها أخيرًا، أحسّ بالفقد قبل أن يغادر الدفء جلده. ظلّت عيناه معلّقتين بها، كأنهما تتشبّثان بما تبقّى من تلك اللحظة... لحظةٍ صدّق فيها، ولو لوهلة، أن القرب قد يكون بداية.
1

مسحت يدها بالمنديل ثم كشفت عن صدره واقتربت منه أكثر، وعادت تفتح الأنبوب تارة أخرى تضع منه على أصبعها، ثم بدأت تضعه على أماكن الجروح و الكدمات على صدره، كان جسده ساكنًا، لكن قلبه لم يكن كذلك؛ كان يضرب بعنف، كأنه يسبق يدها إلى اللمسة.
وضعت المرهم ببطء، تمرره على صدره بحركات دائرية هادئة. لمستها كانت خفيفة، لكن أثرها كان عميقًا، يتسلل إلى ما هو أبعد من الجرح. شعر بأنفاسها قريبة أكثر، بدفء يدها، بقربٍ انتظره طويلًا حتى صار يشبه الحلم.
رفع عينيه إليها.
كانت ملامحها قريبة، أقرب مما يحتمل، تركيزها منصبّ على ما تفعل، لكن قلبه كان منشغلًا بها وحدها. نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب، بالاشتياق، برجاء صامت ألا تنتهي اللحظة سريعًا. كان في نظرته امتنان، وكأنها تمنحه شيئًا ثمينًا دون أن تدري.
أما هي، فشعرت بنظرته، لم ترفع رأسها فورًا. أحست بها تسكن صدرها، تربكها، تجعل يدها أبطأ. وحين التقت عيناهما أخيرًا، ساد صمت ثقيل، صمت يحمل أكثر مما يمكن للكلمات قوله.
لم يتكلم.
واكتفت هي بأن تُكمل ما بدأت، كأنها تهرب من تلك النظرة، بينما هو ظلّ يحدّق فيها، يحفظ تفاصيلها، ويعيش قربها بكل ما أوتي من صبر... رجلٌ أحبّ من طرف واحد.

ابتسمت وقالت:
_ بس كدا بالشفا

ثم أخذت تنظر إلى ادويته كي تعرف مواعيدها و تناوله إياها في المواعيد بالضبط.

ابتسم ورد:
_ شكرا
_ على إيه! العفو

كان ينظر إليها صامتًا لمدة طويلة من الوقت حتى قال أخيرًا:
_ هانيا
_ نعم؟

ابتلع ريقه ثم رد:
_ ممكن...ممكن....

اطرق....كان يود أن يطلب منها أن تضمه إلى صدرها، يشعر أنه في حاجة إلى ذلك وبشدة، يشعر أن رغم ذلك الألم الشديد الذي يَسْكُن جسده بالكامل أثر الحادث، حضنها وحده قادرًا على أن يُسكنّه، ولكن عزة نفسه منعته فسكت...
ولم تطلب منه هي ولم تصر عليه كي يخبرها ماذا كان سيقول ثم سكت فجأة.


أحضرت له الدواء و الماء وقالت:
_ يلا دا وقت الدوا دا، خده ونام شوية انت تعبان وبعد ساعتين هصحيك علشان تاخد الدوا التاني

هز رأسه موافقًا وبدأ يفعل ما طلبت، وبدأت هي بتعديل الوسادة التي سيضع عليها رأسه وبمجرد أن تسطح، وضعت الغطاء عليه، ثم اتجهت نحو الكرسي وجلست عليه.
لم ينم بل كان يراقبها بعينيه من تحت الغطاء، كان بارعًا في كتم أوجاعه النفسية و الجسدية في ذلك الوقت، كم يحتاجها بجانبه! كم يحتاجها تضمه إليها لا تجلس بعيدة عنه بذلك الشكل!

فتحت هاتفها وبدأت تقلب فيه، فجأة ساقها الحنين و الفضول فدفعاها نحو حجرة الدردشة الخاصة بشهاب، لتجد رسائله والتي كان يكتبها لها منذ ذلك اليوم، اليوم الذي كان من المفترض أن يتقدم لها فيه، بداية من ذلك اليوم حتى يومنا هذا، فكان يرسل لها على ايام متباعدة:
" هانيا، انتي مش بتردي عليا ليه؟"
" هانيا أنا عمال اتصل هو فيه إيه؟"
" هانيا هو انتي مجتيش الشغل ليه؟"
" هانيا، ردي عليا بعد اذنك "
" هو انا عملت إيه طيب؟"
" هانيا والله روني اختك اللي اتصلت عليا وقالتلي ان باباكي مسافر ومتجيش، مش انا اللي عملت كدا من عندي"
4

توقفت لحظة عندما قرأت عيناها تلك الرسالة تتسع عيناها في صدمة، ثم بدأت في تلقائية تكمل قراءة باقي الرسائل :
" على فكرة ماينفعش كدا والله انتي مش بتردي ليه يعني! "
" انتي حتى مش بتيجي الشغل؟"
" طيب أنا هاجي البيت النهاردة على فكرة ابقي شوفي هتمنعيني إزاي مادام مش هتردي"
" هانيا هو الكلام دا حقيقي؟ اجيلك البيت الاقي مايا بتقولي انك هتتجوزي جياد؟؟؟ هانيا انتي للدرجادي شايفة الفلوس وانا لا؟
هانيا إزاي ممكن تعملي فيا كدا إزاي؟ هانيا ردي ردي ردي هموت بالله عليكي ردي هتجنن ردي ردي ردي
2

لاحظت من بعد آخر رسالة له لم يرسل لها أي رسائل أخرى لمدة ايام متتالية غير تلك الرسالة التي ارسلها لها يوم زفافها:
" جياد جالي النهاردة ولسه ماشي، هو جالي ليه؟ انتي فين؟ انتي قولتيله حاجة؟ انتي هربتي منه طيب؟ انا برن ردي عليا بقا ردي"

واخر رسالة له :
" ماشي مش هبعت حاجة تاني، مش هقولك غير منك لله وربنا يحرق قلبك زي ما حرقتي قلبي انتي وابوكي، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم"
2

ظلّ الهاتف بين يديها، لكن ثِقله ازداد فجأة، كأن الكلمات التي تقرؤها تحوّلت إلى أحجار.
كانت عيناها تتحرّكان فوق السطور ببطءٍ متردّد، ومع كل رسالة كان صدرها يضيق أكثر، وأنفاسها تتعثر دون أن تنتبه.
حين وصلت إلى تلك الرسالة، اتّسعت عيناها في صدمةٍ صامتة. توقّفت.
لم ترَ الحروف بوضوح للحظة، كأن بصرها خانها عمدًا، ثم عادت تقرأ... لا لتتأكّد، بل كأن قلبها يأبى التصديق.
تسلّل الذنب إليها دفعةً واحدة، حادًّا، لاذعًا. شعرت بوخزة في قلبها، وجفافٍ مفاجئ في حلقها. لم تكن الرسائل مجرّد كلمات؛ كانت أيامًا كاملة من الانتظار، ومحاولاتٍ يائسة، وقلقٍ لم تكن حاضرته لتراه من قبل.
واصلت القراءة تلقائيًا، بلا وعي.
كانت ملامحها جامدة، لكن داخلها كان ينهار. فرحتها القديمة به ارتدّت الآن وجعًا، واشتياقها تحوّل إلى خيبةٍ ثقيلة. أحسّت بأن قلبها ينقبض كلما قرأت سطرًا جديدًا، وكلما ازداد توسلُه ازداد صمتُها قسوة في عينيها.
عند آخر رسالة، ارتجفت يدها قليلًا.
لم تبكِ فورًا. بقيت تحدّق في الشاشة، ساكنة، كأنها تتلقّى حكمًا لا طعن فيه. شعرت بمرارةٍ حارقة، ليس لأن كلماته كانت قاسية، بل لأنها كانت صادقة... وصادقة أكثر مما تحتمل.
أغلقت الهاتف ببطء، وأسندته إلى صدرها.
كان الحنين يضغط عليها من جهة، والذنب من جهة أخرى، وبينهما حبٌّ لم يمت، لكنه صار محرّمًا. أدركت في تلك اللحظة أن ما يؤلم حقًا ليس الفقد... بل العجز عن الرد، والعجز عن الاعتراف، والعجز عن العودة.
انحنت قليلًا، وأسندت جبينها إلى كفّها، وانهارت الدموع أخيرًا... صامتة، ثقيلة، تنساب واحدة تلو الأخرى بلا رحمة. كانت كل رسالة قرأتها تعود إليها الآن، تضرب قلبها من جديد، وتذكّرها بكل ما لم تستطع قوله، وبكل ما أُجبرت على تركه خلفها.
وضعت الهاتف على صدرها، وكأنها تحاول أن تحبس الوجع في مكانه.
حبٌّ قديم يخنقها، وذنبٌ لا تعرف كيف تتخلّص منه، وزواجٌ تقف داخله صامتة، تؤدّي دور الزوجة بينما قلبها في مكانٍ آخر.
حبست نفسها أكثر، كتمت بكاءها، كتمت صوتها، كتمت حتى شهقاتها، خوفًا من أن يسمعها جياد فيسأل...
وهي لا تملك إجابة.
كانت تلك اللحظة وحدها، لحظة انهيار بلا شهود، حيث سمحت لنفسها أن تبكي كما تشاء، بشرطٍ واحد فقط:
ألا يسمعها أحد، كأن الألم و البكاء حُرِّم عليها.
***********
كان الشيخ قد سبقها إلى مكتبه، تعرف جيدًا إلى أين ستأتي فهو قد داخل أمامها.
طرقت الباب ثم دخلت عندما سمح لها.
كانت تقترب في هدوء شيئًا فشيئًا وتحدثت في صوت خفيض:
_ نعم

لم ينطق بل فتح هاتفه ليريها العرض الرائع الخاص بها والذي انتشر كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي،لم تتفاجأ فهي كانت تعلم لذا سيطرت على نفسها و اجمعت قوتها واستحضرت شجاعتها، ثم أخذت نفسًا طويلًا وردت في ثقة و في نبرة صوت مهذبة:
_ انا كمان زيي زي حضرتك بالظبط، كنت بسكرول على فيس بوك فجأة طلع لي الفيديو دا
_ والله؟
_ والله العظيم، أقسم لك بالله

وفي تلك الاثناء دخلت كلًا من فاطيمة و حليمة و عبير والتي كانت تصرخ:
_ شفت يا شيخ المصيبة اللي وقعت على نفوخنا؟ شفت البت عملت إيه!

رد عبدالله معلقًا على حديث روني:
_ مش فاهم بردو الحتة دي، يعني فيديو ليكي في اوضتك ونازل على صفحتك وانتي في الآخر تقوليلي مش أنا؟! على كدا بقا الجن الأزرق هو اللي نزله صح؟

_ صدقني يا بابا، أنا عمري ما اعمل كدا مستحيل، أنا فاهمة كويس اوي قواعد القصر دا و فاهمة ازاي احترم جوزي و عايلته واحطهم فوق رأسي كأنهم عايلتي الأولى بالظبط، وانا عارفة ان حاجة زي كدا هتعمل مشكلة كبيرة اوي وانا و يزيد متفاهمين جدا في النقطة دي، هو وضح لي قوانين القصر وانا فهمتها، وكمان من غير أي قوانين قصر ولا غيره دا بديهي أنا عمري ما نزلت فيديو زي دا لان بابا نفسه مش هيسمح... فبعد اذنك يا بابا أنا بطلب منك بكل هدوء بأنك تجيب لي حقي

عقد حاجبيه في استغراب ثم رد:
_ اجبلك حقك؟ اجبلك حقك ازاي؟ بقا بعد دا كله لسه ليكي حق؟ انتي اللي ليكي حق؟

ردت في هدوء و ثقة:
_ ايوا يا بابا، لأن انا حصل تعدي على خصوصيتي وانا جوا قصرك اللي المفروض انه مكان آمن بالنسبالي.
اوضة نومي دي بتجمعني انا و جوزي و بيحصل فيها كل حاجة وانا وهو رقصنا يوم صباحيتنا واكيد حضرتك فهمت أنا أقصد إيه.
واما اكون واثقة و متأكدة إني معملتش حاجة ولا حتى صورت اللحظات دي فيديو، يبقى حصل تعدي على خصوصيتي، حد حط لي كاميرا، حد عمل حاجة وبعدها نزل الفيديو من على صفحتي، في مؤامرة بتتعملي في قصرك جوا اوضة نومي

صرخت حليمة في غيظ:
_ هو انتي تروحي ترقصي و تصوري فيديو وفي الآخر تقولي مش أنا علشان تطلعي منها؟
طبعا لعبيتها صح، عملتي اللي انتي عايزاه وبقيتي ترند و صفحتك زاد ليها متابعين وفي الاخر تيجي تقولي هنا بكل بجاحة، دي مؤامرة يا بابا، حد حط لي كاميرا يا بابا، جتك بو يا حبيبتي.
مين مصلحته يعمل كدا يعني؟ مين هنا في قصر الزيني اصلا يستجرأ يعمل كدا يعني يا محور الكون!

ردت الفتاة في صوت هادئ:
_ من فضلك، أنا بكلم حمايا واللي هو والدي يعتبر وعايزة الكلام يبقى بينا
1

ثم التفتت إلى الشيخ وتابعت:
_ أما كنت بغلط أو بمعنى أصح بتحط موضع اتهام بابا كان بيناقشني و بيتكلم معايا لوحدي، وكدا كدا لو كدابة هيبان لان ببساطة الحقيقة مش بستخبى وحبل الكدب قصير، وبابا بجلالة قدره أكيد هيعرف إني بكدب أو لا مش محتاج لوسيط.. واظن حضرتك بردو كدا، لو بكذب هتعرف لوحدك و هتكتشف وساعتها أنا مستعدة اتحمل كل العواقب.

حاولت فاطيمة أن تتدخل ولكن اخوها منعها وذلك عندما صدر لها يده طالبًا منها أن تصمت، ثم قال:
_ سبوني معاها لوحدنا

ابتسمت الفتاة في انتصار بينما الثلاث سيدات كن يحترقن بغيظهن وتحدثت عبير في غضب:
_يا شيخ البت دي ملوعة و بتستغل ثقتك و مكانتك علشان تصدق كلامها التافهة، فارجوك خلينا واقفين عايزين نعرف التحاوير اللي هتعملها، كدا كدا ما يكشف ست إلا ست زيها
_ وانا مش عاجبك بقا ولا إيه؟ عيب أما تقولي لواحد زيي شعره كله ابيض بعدد سنين عمره وخبراته، انت محتاج واسطة علشان تعرف اللي قدامك دا كداب ولا لا!
انك تشككي في ان بنت في سن ولادي تعرف تكذب عليا انا و تلاوع من غير ما كشفها!
دي تبقى عيبة في وشي.
انا راجل بيدير شركات و بقف قصاد رجالة و مناصب وشنبات وعندي من الخبرات اللي تخليني اكشف كداب في اقل من دقايق، علشان كدا سبونا لوحدنا، هسمع منها وبعد كدا هسمع منكم.

شعرن بالضيق ولكن بلا جدوى الكلام مع ذلك الرجل إذا أراد شيئًا وعليه خرجن، وتابعت روني وهي لا تزال تتكلم في هدوء و ثقة:
_ أنا واثقة كويس في عدالة حضرتك وعارفة انك قبل ما تصدر عليا أي حكم أو تتهمني بأي اتهام انك هدور لحد أما تتأكد بنفسك.

اطرق يفكر في كلامها، وهو يسير جهة اليسار تارة و جهة اليمين تارة أخرى.
ثم اقترب نحو الكرسي الخاص به وجلس ورد:
_ وإيه اللي يخليني اصدقك؟ رغم ان الأدلة ضدك، وكلام حليمة منطقي

ابتسمت الفتاة وردت:
_ يا بابا، خلينا نتكلم بالمنطق، هو اللي بيرقص او بينزل فيديوهات ترند تعمل ضجة بيكون هدفه إيه؟

رد في سرعة ودون تفكير:
_ هدفه، شهرة أو فلوس أو الاتنين فيه ناس مجنونة شهرة و لقطة

_ صح كلامك، وانا عندي الاتنين يبقى مش مضطرة ابدا لفيديو زي دا ممكن يخرب بيتي، دا مش ممكن دا أكيد.
لاني عارفة إزاي وقد إيه حضرتك بتقدس النظام و القوانين و الممنوع عندك ممنوع لا جدال فيه.
علشان كدا أنا خايفة و قلقانة جدا معرفش مين عمل كدا و اتجرأ يصور لي فيديو زي دا و ينزله كمان، خايفة انام في اوضتي والله دا هو اللي كان قلقني، طبعا مش عارفة مين عمل كدا فبطبيعة الحال معرفش غرضه إيه أو عايز إيه مني، فعلشان كدا خايفة ينزلي أي حاجه تانيه كدا ولا كدا، أنا كنت في اوضة نومي واكيد واخدة راحتي أنا و جوزي، فلو سمحت بطلب منك تاني تشوف لي الموضوع دا في أسرع وقت وتلاقي اللي عمل كدا لاني مش هنام في اوضتي إلا أما اطمن ان كل حاجة تمام فيها.
حضرتك مش متصور أنا منهارة إزاي من ساعة ما عرفت بالفيديو دا مش بس علشان نزل، لا علشان خصوصيتي اتذاعت و اتشافت بالشكل دا في اكتر مكان المفروض يكون آمن ليا وهو قصرك يا بابا.
2

سكت الشيخ برهةً طويلة، خيّم خلالها صمتٌ ثقيل على أرجاء المكتب، لا يقطعه سوى وقع أنفاسه المنتظمة. كان يُحدّق أمامه بعينين غائرتين، كأنّه يُعيد ترتيب كلماتها في ذهنه، ويفكّكها واحدةً تلو الأخرى. انقبضت أصابعه حول مسند الكرسي، وارتسم على ملامحه ـ التي طالما أخفت انفعالاته ـ تبدّلٌ واضح؛ لم يكن غضبًا خالصًا، بل قلقًا عميقًا مسَّ صميم هيبته وحرمة بيته.
رفع بصره إليها ببطء، وقد غدت نظرته أكثر حدّة وتمعّنًا، وقال بصوتٍ خفيض يحمل ثقل المسؤولية:
- اللي بتقوليه دا خطير... وخطورته مش مقتصرة عليكي لوحدك..

سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر صرامة:
- لو كلامك دا صح ، فدي طبعا مصيبة مش مجرد حاجة كدا هتعدي بالساهل ابدا ، دا اعتداء صريح عليكي، وعلى القصر دا، وعلى اسمي قبل كل شيء.

نهض من مكانه، وخطى بضع
خطوات في أرجاء المكتب، كأنّه يرى القصر بأكمله ماثلًا أمام عينيه. استقام ظهره، وتجسّد في وقفته شعور الرجل الذي اعتاد أن يتحمّل تبعات كل ما يحدث تحت سقفه، ثم قال بصوتٍ حاسم لا يقبل المساومة:
- مش هسمح ابدا لاي مخلوق خلقه ربنا ينتهك حرمة بيتي وأنا حيّ. الموضوع دا هيتفتح، والحقيقة هتظهر، واللي هيتثبت تورّطه هيدفع التمن غالي أوي تقريبا هيكون عمره لان دي خيانة صريحة ليا و لثقتي في كل واحد قاعد تحت سقف القصر دا.

عاد ينظر إليها، وقد لانت نظرته قليلًا، لكنّها ظلّت مشبعة بالوقار والجدّ:
- روحي نامي الوقت اتأخر اوي، ومش هتنامي في اوضتك النهاردة، هتنامي انتي و يزيد في اوضته القديمة لان اوضتك هتتعرض لتفتيش تام وبصمات وحوارات وكل دا هتابعه بنفسي مش هنام إلا أما افهم إيه دا وإيه اللي بيحصل في قصري.
وهعتبرك مش متهمة قدامي لحد أما أتأكد وساعتها العقاب هيكون وخيم، ومش هسكت إلا أما اوصل في الموضوع دا ليقين لا شكّ فيه.

كان واضحًا أنّ الشيخ لم يعد يستمع إلى دفاع، بل شرع يبحث عن حقيقة، حقيقةٍ مستعدّ لأن يقلب القصر رأسًا على عقب من أجلها.

ابتسمت و امالت برأسها تعني السمع و الطاعة ثم ردت:
_ وانا واثقة في عدالتك وواثقة ان حقي هيجي و هحاول اطمن بعد ما الأمن انتزع من قلبي ان مفيش حاجة تاني اتشافت وكأنها جت على قد الفيديو دا بس ان شاء الله

كان يشعر بالعجز و الاحراج من كلامها و بالغضب أيضًا، أن تتعرض زوجة ابنه وابنة صاحبه لمثل ذلك الموقف إنها لاهانة كبيرة في حقه قبل كل شيء، واستطاعت هي بمنتهى السهولة أن تلقي الذنب كله عليه وعلى الأهمال ثم الخيانة التي تعرضت لها في القصر.

وقبل أن تنصرف قال:
_ روني
_ نعم؟
_ اطلعي لايف بكرة قولي إنك صورتي فيديو عادي ليكي انتي وجوزك وطفل من أطفال العايلة لعب بالتليفون ونزل الفيديو بالغلط و أمسحيه من كل حتة وانا هعمل اتصالاتي وهحاول الغي نشره من على كل الصفحات على قد ما أقدر

_ تفتكر هيصدقوا؟
_ يصدقوا أو لا، كدا كدا الناس عمرها ما هتصدق حاجة واحدة وتتفق عليها ودايما هيختلفوا، وهي دي طبيعة السوشيال ميديا.
هتطلعي علشان نعمل اللي علينا وشوية وهما هيتخرسوا لوحدهم

هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ حاضر

وبمجرد أن التفتت خلفها، وجدت زوجها يقف في الخلف، يبتسم لها ثم صفق وهو يقول:
_ أنا حقيقي فخور بيكي جدا

كان معحبًا بتصرفها بذكاء و دفاعها عن نفسها باحترام وقوة تحدثها و ثقة استقامتها.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة وردت:
_ شكرا

ثم انصرفت في الحال فهي منزعجة منه. لم يعقب فهو يعلم جيدًا ما فعله معها وما كانت تعاني منه طوال وجودها في المستشفى.
اقترب من والده وتحدث في غضب ونبرة صوت حادة كان يخفيهما عنها:
_ مين ابن ال******* اللي اتجرأ وعمل كدا؟ مين اللي أمه هتودعه وهتلبس عليه الأسود و جات له الجراءة يحط كاميرا في اوضتي و يصور مراتي وهي بالشكل دا! وديني و إيماناتي إلا أما اعرفه هدوس على وشه بجذمتي الوسخ النجس دا، وخليه يندم على اليوم اللي أمه حملت فيه فيه.

_ روح يا يزيد نام و...
_ اقسم بالله ما هنام ولا هيغمض لي جفن إلا أما ادخل اوضتي وافتشها واوصل على الأقل لحاجة تخليني اعرف الوسخ ابن الوسخ دا
5

_ الأول بس عايزين نفكر، مين ممكن يكون ليه يد في الموضوع دا؟ مين يعني من مصلحته يعمل كدا علشان نكون بندور على الاتجاه الصح

اطرق يزيد يفكر في الأمر وهو يسير جهة اليسار تارة و جهة اليمين تارة أخرى في سرعة كأنه يقف على جمر من نار من شدة الغضب و العصبية.
*********
كانت ترقد على سريرها تتذكر كيف ظل معها طوال اليوم وكيف وقف بجانبها و ساندها عندما وقعت مصيبة حادث أخيها على رأسها، تبتسم بلا داعي كلما تذكرت وتتقلب على السرير ذات اليمين تارة وذات اليسار تارة أخرى في فرحة.
فتحت هاتفها ثم غرفة الدردشة الخاصة به وكتبت له:
" روحت؟"

لم تمر إلا دقيقة وقد قرأ رسالتها وعليه رن عليها، ابتسمت وهي تستقبل المكالمة في فرحة تقول:
_ ايه
_ إيه يا ماهي، عاملة إيه؟
_ تمام، هو الحمدلله زي ما قولتلك جياد بقى احسن علشان كدا أنا تمام يعني مش قلقانة من حاجة

فرك جانب ذقنه ورد عليها:
_ مين معاه؟
_ مراته أكيد

ابتلع تلك الغصة وشعر بالغضب و الغيظ الممزوج بمرارة الغيرة ولم يرد، فتابعت:
_ عايزة اشكرك على وقفتك جمبي بجد يا شهاب يكفي اننا بقينا خمسة الفجر وانت معايا ودتني لحد المستشفى وفضلت واقف برا لحد ما خرجت واطمنت عليا كمان وعلى اخويا، بجد بجد تعبتك معايا، كل مدى عمال تثبت لي انك شهم وراجل بكل ما تحمله الكلمة

ابتسم ورد:
_ شكر على واجب يا ماهي دا واجبي
_ بس انا سهرتك جامد صح؟
_ ولا يهمك عادي النهاردة الجمعة ومفيش شغل هنام براحتي

ضحكت ثم ردت:
_ ماشي يا عم

كانت تود أن تتكلم أكثر تفتح مواضيع أكثر فأكثر كي لا ينهي المكالمة معها ولكنه تحدث:
_ بما ان بكرة الجمعة، ينفع اشوفك بعيد عن الشغل بقا؟

ابتسمت ابتسامة عريضة وأخذت تتنفس في سرعة ودقات قلبها تتسارع من شدة الفرح وردت وقد ظهر كل ما تشعر به جليًا على نبرة صوتها:
_ اه طبعا ممكن، تحب نتقابل فين؟
_ ممكن في نفس الكافية اللي اتقابلنا فيه النهاردة
_ اتفقتا، الساعة كام؟
_ اصحي بس و بعدها نتفق.

ضحكت وردت:
_ اتفقتا
_ ولا لو سبتلك حرية الاختيار هلاقيكي صاحية المغرب؟

ضحكت في صوت أعلى ثم ردت:
_ واي يعني لو صحيت المغرب ونزلنا؟
_ لا لا عايز ننزل بدري عن كدا، عايز اليوم من أوله... خلينا ننزل الساعة ٣ كويس

كانت تبتسم بشكل لا إراديًا فا هو يعرض عليها مقابلات و أصبح هناك محادثات لربما أيامها القادمة كلها ستكون مليئة بالفرحة وهي بجواره، ثم ردت :
_ ماشي يا عم اللي تشوفه
_ اتفقنا، يلا تصبحي على خير
_ وانت من أهل الخير

انهت المكالمة وأخذت تقفز فوق سريرها أثر الفرحة العارمة التي أخذت تطرق قلبها، ثم ارتمت على سريرها في فرحة تحتضن وسادتها تبتسم ابتسامة عريضة تحدث نفسها:
" اخيرا يا ماهي اخيرا الدنيا هتضحكلك اخيرا"
*********
مرت ساعتان ونصف ولم تعطه الدواء والسبب أنها قد نامت على الكرسي الذي كانت تجلس عليه اثر التعب و الإرهاق.
أما هو على النقيض فالألم هو الذي ايقظه من نومه وجعله يتأوه من شدته، ولكنه ما إن رآها نائمة حتى تحامل على نفسه كي لا يوقظها.
استيقظت في خضة وذلك عندما سقط الهاتف من يدها، وبمجرد أن فتحت عيناها حتى وجدته يتأوه، لذا أسرعت جهته وهي تفرك عيناها وأخذت تفتح الأكياس تخرج الدواء وتحدثت:
_ يالهوي عدى نص ساعة على معاد العلاج، طب انت مصحتنيش ليه؟
1

رد في نبرة صوت خفيض متعب:
_ عادي يا هانيا مش مشكلة حصل خير

أخذت تتثاوب وهي تفتح له العلاج ثم أحضرت الماء كان متعبًا لا يستطيع أن ينهض، فاقتربت منه وأخذت ترفع رأسه شيئًا فشيئًا. وقبلما تضع الوسادة خلفه تسندها على خشبة السرير كي تضع رأسه عليها، أسند رأسه هو على كتفها مدعيًا أنه متألم وغير منتبه.
وضعت البرشام داخل فمه ثم اعطته الماء في يده كي يشرب، شرب رشفة و التالية ثم اخذتها منه، وأخذت رأسه تتسلل حتى اسندها إلى صدرها واستقر هناك شاعرًا بالراحة.
استقر رأسه على صدرها كطفلٍ أرهقته الحياة قبل أوانه، فشعر بنبضات قلبها تتسارع تحت أذنه، واضحةً كأنها تفضح ارتباكها. كانت أنفاسها غير منتظمة، قصيرةً متلاحقة، وارتجافة خفيفة تسري في جسدها رغم محاولتها التماسك.
لأول مرة منذ زمن طويل، شعر بالأمان... أمانٍ لم يعرفه في البيوت ولا في الكلمات ولا في الوعود. كان حضنها ضيقًا بعض الشيء، مرتبكًا، لكنه صادق على نحوٍ موجع. ترددت يدها في الهواء لحظة، ثم استقرت على كتفه في حركة خجولة، كأنها لا تعرف إن كان يحق لها هذا القرب أم لا.
أما هو، فكان قلبه يضج بما عجز لسانه عن قوله. شعر برجفتها، وفهمها دون أن تسأل؛ فهي لا تحتضنه حبًا، بل شفقةً وإحساسًا بالمسؤولية، ومع ذلك... كان ذلك كافيًا ليذيب ما تبقى من صلابته. أغلق عينيه ببطء، لا هروبًا من الألم، بل خوفًا من أن يفضحه دمعٌ كاد أن ينسلّ.
تمنى في تلك اللحظة أن يطول الوجع، فقط ليبقى هكذا، مستندًا إليها، قريبًا إلى هذا الحد، يسمع قلبها قبل أن يسمع صوته، ويقتنص من هذا الحضن المرتبك ما يكفيه عمرًا كاملًا من الحرمان.
********
في صباح اليوم التالي، استيقظت أسيل من نومها، وما إن فتحت عيناها حتى تفاجأت بوجود حسان يقف وهو يبتسم وما إن رآها استيقظت حتى قال:
_ صباح الخير على مراتي القمر
2

أخذت تتثاوب ثم ردت:
_ صباح النور، خير واقف لي كدا خضتني!
_ محضرلك مفاجأة كدا صغيرة وماكنتش عايز اقلقك أو اصحيكي من النوم فاستنيت لحد اما تصحي علشان اقولك، وحرفيا كنت مستنيكي تصحي بفارغ الصبر

_ خير مفاجأة إيه؟
_ قومي اغسلي وشك و البسي
_ ألبس إيه؟
_ لبس خروج عادي
_ احنا هنخرج؟
_ اه
_ هنروح فين على الصبح يا حسان؟
انا لسه مش شبعانة نوم، كلنا نمنا امبارح متأخر اوي وانا مش قادرة اصلا افتح عيني سبني أنام
_ معلش يا أسيل قومي بقا وبطلي كسل، انا عامل مفاجأة ومش عايزها تبوظ، اصلا كنت محضرها من اول الاسبوع ومستني يوم الجمعة بفارغ الصبر علشان ننزل، وكويس ان جياد اتحسن والا كنت هضطر الغيها
1

ردت ساخرة:
_ وكنت مستني يوم الجمعة ليه يا حسرة، عندك طول الاسبوع شغل زي باقي العالم يعني اسم الله!
2

انهت جملتها ثم أبعدت عنها الغطاء وبدأت تقوم شيئًا فشيئًا متجهة نحو الخلاء. أما هو فقد ضل يفكر فيما قالته، يفكر في ذلك الأسلوب القذر الذي دائمًا ما تتعامل به معه، ورد:
_ هشتغل قريب يا أسيل، طلبت من بابا يشوفلي شغل و هيشغلني ومش هقعدلك تاني، ثم اني المفروض اني لسه عريس جديد يعني المفروض علشان كدا المفروض بردو منزلش شغل دلوقتي
1

نظرت إليه في قرف يشوبه استهان بما يقول ثم دخلت المرحاض.
بينما هو تمتم في خيبة أمل:
" حقيقي مش عارف اعمل إيه في نفسي علشان اعجبها"
*********
استيقظت روني من نومها تشعر بالتعب، تشعر أنها لا تزال تريد المزيد من النوم، ولكنها ما إن رأت أنها الثانية عشر ظهرًا حتى تركت الهاتف و اتجهت نحو المرحاض فشعر بها يزيد لذا فتح عيناه وأخذ يفيق ثم جلس على السرير في انتظارها.
عقب مرور دقائق خرجت وما إن رآها حتى قال:
_ صباح الفل، او خلينا مساء الفل بقا
_ صباح الخير
ردت في لا مبالاة، ثم اتجهت نحو المرآة وأخذت تمشط شعرها.
نهض من مكانه ووقف خلفها ينظر إليها في المرآة وتحدث:
_ روني
_ نعم
ردت وهي تمشط شعرها كما هي، فتابع:
_ انا مش عارف انتي ليه زعلانة مني بجد؟
_ مش عارف أنا ليه زعلانة منك بجد! مش مثلا لانك صدقت عليا ببساطة حاجة كبيرة زي دي، وبتتهمني وبتصرخ في وشي كمان!
1

_ ما يا روني عايزاني اعمل إيه؟ انا فجأة لقيتك منزلة من على صفحتك على تيك توك دي الفيديو و التعليقات و قلة الأدب شغالة و الفيديو جايب ملايين المشاهدات وهو نازل على صفحتك انتي، يبقى طبيعي يجي في دماغي انك اللي عملتي كدا، أكيد مخي مش هيجيب ان فيه كاميرا اتحطت وكل الحوارات دي الأول!

_ طب وبعد ما قولتلك إيه رأيك؟
_ مصدقك أكيد بس مستغرب اوي بجد هيكون مين ابن***** اللي عمل كدا وليه اصلا يعمل كدا! الموضوع غريب اوي

ابتسمت ابتسامة صغيرة وسكتت، فهي تعلم جيدًا من فعل ذلك ولكن مجرد لفظها لاسمائهما سيكلفها الأمر كثيرًا لذا فضلت السكوت، يكفي ان تكون بريئة وحسب، غير ان لا دليل معها.
تابع:
_ امبارح مانمتش إلا الساعة ٩ الصبح، فضلت صاحي براجع الكاميرات و بفكر بصوت عالي انا وبابا فمين ممكن يكون عمل كدا وايه هدفه، فتشت الاوضة حرفيا خربتها كان ناقص افتح ادور جوا الحيطان علشان لو فيه اي حاجة تظهر بس ملقتش اي حاجة حاجة لا كاميرا ولا مسجل ولا حاجة
2

_ أكيد شالها، اللي عمل كدا أكيد شالها
_ روني الموضوع كبير فعلا فوق فوق ما تتصوري، القصر دا بابا مش مقعد فيه غير الناس اللي بيثق فيهم وبس هنجنن كلنا يا ترى مين مصلحته يعمل كدا؟ مين اصلا! القصر دا عبارة عن عماتي واحنا، أهلنا يعني!
لو الخدم فكرنا هيكون إيه مصلحتهم طيب؟

_ المشاكل و المصايب كلها مش بتيجي غير من ورى الاهل يا يزيد.. متثقش اوي علشان متتوجعش اوي لان شكلك بتحبهم وحاطط فيهم كامل الثقة

عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ ليه بتقولي كدا؟ شفتي عليهم حاجة؟ فيه غلط جيه منهم؟ او ادلة؟
_ لا بس اسلوبهم مش كويس خالص و....
_ روني، انهم يدايقوا منك او يقولولك كلام يزعلك حاجة وانهم يعملوا جريمة زي دي في حق بابا اولا اللي هو اخوهم وكل ما ليهم حاجة تانية خالص
1

هزت رأسها موافقة ميقنة أنه لا فائدة من ذلك على الأقل في ذلك الوقت لحين ما يكتشفون بأنفسهم ثم ردت:
_ ماشي فكك اعتبرني مقولتش حاجه، بعد ما فتشت انت و بابا ها وصلتوا لايه؟
_ ملقناش حاجة في الاوضة، لقينا اللي دخل الاوضة و خرج الخدم بس وبالاخص مديحة ودي من اوفى الخدم عندنا، الفكرة بقا ان الكاميرات اللي في القصر مش في الطرق ولا قدام الأبواب بس لقينا الخدامة دي بالذات اكتر واحدة مترددة على الاوضة وبعدين دخلت ومرة غابت شوية

_ وبعدين؟
_ بابا هيتكلم معاها النهاردة طبعا و يشوف هتقول إيه، هي اكتر واحدة مشكوك فيها لأنها اكتر واحدة كانت بتحوم حوالين الاوضة من مدة
_ عايزة اكون موجودة

وفي ذلك الوقت سمعا صوت ضجيج في الأسفل مصدره بهو القصر، فأسرع يزيد وفتح الباب ناظرًا إلى الأسفل ليجد عمته فاطيمة تهلل و تصرخ:
" تعالى يا شيخ تعالى لقيتلك اللي عمل كدا عرفنا مين اللي فضح روني ونزل الفيديو "
*********
دخلت عبير غرفة ابنها جياد بعدما ذهبت هي و كاميليا إليه في المستشفى كي تطمئنان عليه، وما إن دخلت حتى وجدت هانيا نائمة على الأريكة الجزء العلوي من جسدها على الاريكة بينما ساقاها كانتا على الأرض.
أسرعت عبير جهة ابنها واحتضنته وهي تقول:
_ حبيب قلبي الف سلامة عليك، شكلك النهاردة بقيت احسن اهو

ابتسم وهز رأسه مؤكدًا، فتابعت أخته:
_ طب الحمدلله انك اتحسنت يا بطل، سألنا برا وقالوا نقدر ناخدك فيلا بينا بقا

ألقت عبير بصرها جهة هانيا تلك التي كانت تفتح فمها أثناء نومها اثر التعب و الإرهاق وتكلمت ساخرة:
_ ودي بقا قاعدة مرافق ليك علشان تنام؟
_ حرام يا ماما دي لسه نايمة من مفيش هي كانت سهرانة معايا وكل ساعتين بتصحى تديني علاج شكل
_ نفسي تبطل تدافع عنها، أنا قلبي بيقولي انك مش مبسوط في الجوازة دي وقلب الأم عمره ما يخيب أبدا

تدخلت كاميليا قائلة:
_ خلاص يا ماما بقا مش وقته، اهم حاجة حمد لله على سلامة جياد ولازم نفرح إنه بقا الحمدلله أحسن و هيروح معانا
_ والله يا كاميليا احساسي في محله، حاسة ان البت دي هتجلط ابني قريب، روني أختها الزفتة دي رغم اني لا بطيقها ولا بطيق سيرتها بس انا متأكدة ان ابني مبسوط معاها وطاير من الفرحة

زفر جياد في ضيق ثم رد:
_ خلاص يا ماما بقا بالله عليكي انا مش قادر

فتحت هانيا عينيها اثر الأضواء التي احدثوها هولاء أثناء نومها، أخذت تفرك في عينيها ثم قالت في عدم انتباه:
_ احنا خلاص هنروح؟
_ اه يا ختي هنروح ماصدقتي انتي طبعا عايزة تجري على البيت بسرعة، ماكنتش ليلة يعني!

كانت هانيا تفتح وتغلق عينيها أثر النعس الشديد فهي لا تستوعب ما يقال حتى وحاولت النهوض ولكنها وقعت تارة أخرى جالسة على الأريكة حتى اقتربت منها كاميليا وقالت:
_ تعالي خليني اساعدك تدخلي الحمام وتغسلي وشك علشان تفوقي
1

وكان باسم ينتظر في الخارج حتى يساعدهم في نقل جياد إلى البيت، ينظر إليهم من بعد واضعًا الهاتف على أذنه يسمع....يسمع وفقط حتى قال:
"ايوا....ايوا بالظبط.... يزيد الزيني..."
*******
كانت تتأفف من آن إلى آخر كأنه أتى بها إلى مكان مهجور وليس مطعم كبير ومكان مشهور ومعروف، وتحدث ما إن رآها في ذلك الغضب:
_ في إيه يا أسيل؟ مش طايقة نفسك ليه؟ من ساعة ما كنا في العربية، محسساني إني جايبك مكان وحش و مش مقبول!

أطلقت زفيرًا طويلًا ثم ردت:
_ حسان شوف هتطلب لنا إيه ناكله علشان نقوم نروح أنا جعانة

_ هو انتي الكراسي بتشوكك طيب!
_ اخلص يا حسان هتاكل إيه؟
_ انتي هتاكلي إيه؟
_ أنا هطلب وجبة فراخ، هجيب اتنين
_ لا لا لا، أنا virgin
2

فتحت فمها قليلًا تستوعب ما قاله توًا، ثم ردت:
_ انت إيه يا خويا؟ virgin ؟ يعوض عليا عوض الصابرين
_ اومال هي اسمها ايه دايما بنساها، اللي هي شخص خضرواتي دي كانت إيه؟
_ شخص خضرواتي! دا اللي بيقى واقف في السوق بيبيع خضرة دا ولا إيه!
_ لا لا اقصد شخص نباتي اه صح دي اللي اقصدها
_ اقولك على حاجة، انت virgin يا حسان انت معاك حق، انت زيك زيي احنا الاتنين virgin
_ لا بس انتي طلبتي فراخ كدة متبقيش virgin
7

عضت على اناملها من الغيظ ثم ردت:
_ اسمها vegetarian يا حسان وارحمني علشان انا مش هتشل منك من فراغ
_ اه صح، اصلهم قريبين اوي
_ ياخسارة فلوسك يا خالي اللي دفعتها في تعليم الكائن دا، هو انت شكلك كنت هتيجي virgin فعلا بس ربنا مأردش

كان يسمعها شاعرًا بالسخرية منه ولكنه ابتسم ولم يعلق وأخذ الموضوع في منطلق الهزل ثم قال:
_ خليني طيب اشوف اكل مناسب مفيهوش لحوم خالص لاني نباتي

بعد قليل، جاء النادل ثم أخذ طلبهما وانصرف، وتحدثت هي:
_ و هتشتغل إيه بقا في الشركة؟ هتمسك انهي إدارة؟

تنحنح ورد:
_ بابا قالي استنى مجدي السَّلّاب هيقولك وانا فعلا قعدت معاه ولسه مقاليش هبقى إيه ولا همسك إيه

_ وهو مجدي دا ماله؟ ليه هو اللي يشوف يعني؟
_ بابا قالي علشان هو اللي عارف مين قاعد ومين ماشي وهكذا فالامور في ايده
_ آه...
_ بس علشان كدا بقا انا مستني

أمالت برأسها قليلًا جهته ثم تحدثت في نبرة صوت جادة:
_ طب اسمع يا حسان اللي هقولك عليه وروح يوم الحد سمعه لخالي بالمللي، أنا هعرفك انت المفروض تمسك إيه في الشركة و المفروض تكون مسؤول عن إيه
*********
قابلت ماهي، الشاب وها هما جلسان معًا في ذلك الكافية، وبعدما طلبا المشروبات وغيره، تحدثت ماهي:
_ مستنياك بقا يوم الاحد تيجي الشركة
1

هز رأسه رافضًا وهو يحتسي قهوته، فتعجبت وسألته:
_ ليه؟
_ ما انا قولتلك مش هشتغل مع جياد تاني
_ ما انا نسيت اقولك حاجة وهي دي اللي كنت عايزة اقولك عليها امبارح بس بسبب حادثة جياد مقولتش
_ إيه هي؟
_ بابا عمل اجتماع من فترة ولاقى ان القسم بتاعنا بيكبر وعدد الموظفين كتروا، وشاف اني باخد قرارات ممكن تضايق جياد وهكذا وانا طلبت اني انفصل عنه اصلا للسبب دا.
فبابا اقترح إن هانيا هي اللي تكون مكاني مساعد اول لجياد أما تنزل الشغل لانه مش عايز يسويها بالموظفين العاديين وهي بقت مرات جياد فلازم تمسك حاجة في الإدارة.
وطبعا أنا كدا منصبي هي خدته، فقالي اننا هنقسم القسم دا جزئين الجزء الخاص بالاعلانات على السوشيال ميديا و تنظيم الحفلات و كل الكلام دا انا المسؤولة عنه وكان لسه بيقولي شوفي انسب حد واكفأ حد في القسم وخليه تحت ايدك مساعد ليكي، وانا اختارتك، فأنت كدا هتكون مني انا مباشر ملكش دعوة بجياد خالص ولا هو ليه دعوة بيك

فرك جانب ذقنه وهو يحرك لسانه داخل فمه ذات اليمين تارة وذات اليسار تارة أخرى يفكر في كلامها... ثم رد:
_ حلو دا... ماشي الكلام بس لو دايقني؟
_ هو عموما في اجازة ومطول انه يرجع بالأخص بعد الحادثة اللي عملها أكيد عايز راحة، فانت هتكون نزلت و استلمت الشغل و اثبت نفسك وهو ميقدرش يتكلم معاك ولا هيقدر متخافش وان عمل كدا ارجع لي فورا
1

هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ سيبك بقا من جياد ومن الشغل ومن كل الكلام دا وقوليلي
_ نعم

ابتسم وتابع:
_ هو انتي ليه مهتمة بيا كل دا ؟ حاسس اني مهم اوي بالنسبالك

لمعت عيناها وردت:
_ حاسس بس؟ يعني مش متأكد! شهاب انت فعلا مهم بالنسبالي وجدا

ابتسم ورد:
_ ليه بقا انا مهم وجدا؟

ابتلعت ريقها وردت:
_ ايه مش عايز تبقى مهم ولا إيه؟
_ أكيد عايز طبعا، بس.... مش عارف حاسس باحساس غريب وخايف شوية و...

_ ارجوك متخافش قولي انت حاسس بإيه من ناحيتي ولو صح هأكدلك ولا غلط هصححلك وخلاص
_ يعني إيه؟
_ يعني خليك جريء يا شهاب وقولي حاسس بإيه، حاسس ان اهتمامي بيك ليه؟ قولي وانا اقولك غلط ولا صح
_ بس....
_ من غير بس، اتكلم وبدون خوف اوعدك اللي حاسس بيه هيطلع صح
2

اطرق.... ثم رد في ابتسامة:
_ يعني انتي بتحبيني؟ او أو اقصد معحبة بيا؟ ولا انا مجرد صديق عزيز او مقرب بالنسبالك؟

هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ التلاتة يا شهاب

ابتسم ابتسامة عريضة ثم قال:
_ يعني احساسي كان صح؟
_ ايوة صح، وانا متعودش اخبي مشاعري ولا اكبتها لان دا مش صحي لا ليا ولا لمشاعري، أنا فعلا معجبة بيك و اوي وشايفاك اكتر من مجرد صديق كمان
_ اكتر من صديق؟
1

هزت رأسها مؤكدة في ابتسامة، فاطرق.... ثم عاد إلى الحديث قائلًا:
_ تتجوزيني يا ماهي؟
*********



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات