📁 آخر الروايات

رواية جنتي علي الارض كامله وحصريه بقلم Fallen angel

رواية جنتي علي الارض كامله وحصريه بقلم Fallen angel



الفصل الاول

" الصدمه الأولى ...هي دوماً الأشد قساوه"
-------------------------------------------------------------------------------

(جنه ...قبل سبع سنوات)

في إحدى المستشفيات المتواضعه بمحافظة القاهره ترقد علياء الرفاعي و قد أنهكها المرض و بدل ملامحها من امرأه في منتصف الثلاثينيات، مليئة بالحيويه و ذات جمال يضاهي جمال نجمات السينما إلى امرأه تبدو في الخمسينات من عمرها ، و قد نحل جسدها و سقط شعرها البني الجميل ، لكن ما زالت تحتفظ بتلك العينين الساحرتين بلون الشيوكولا أو كما اعتاد زوجها الراحل أن يصفهما كعيون غزال بري شارد.
كانت ترقد منتظره مجيء ابنتها الحبيبه جنه ، جنتها الصغيره ، فوجودها يخفف عنها قليلاً من ذلك الملل القاتل على مدار ساعتين و هو مقدار طول جلسة العلاج الكيميائي .

و لكن هذه الجلسه مختلفه عن غيرها ، فالجلسات الماضيه كان لديها أمل كبير بأن تُشفى و تسترد عافيتها ، أما اليوم و بعد أن أخبرها الطبيب بنتائج الأشعه و التي أظهرت أن المرض تقدم جداً و لم تفلح جلسات العلاج الكيميائي في دحر المرض عن جسدها الشاب.
لذا فاليوم ستخبرابنتها بالحقيقه فلا داعي للتسويف أكثر من ذلك ... جففت دموعها فالحزن ليس له مكان الآن عليها أن تكون قويه من أجل مستقبل جنه ، فاليوم أيضاً ستخبرها بقرارها الذي اتخذته لتضمن لجنه عيشه كريمه بعد وفاتها.
فوالدها توفي قبل حتى أن يرى ابنته لتعيش يتميه الأب كما عاش والدها يتنقل من منزل لأخر بين أقاربه .. ذائقا مرارة اليتم.
حسنا.. جنتها ستحظي بالبيت الذي تستحقه و هذا ما فعلته.

يأتي صوت جنه من بعيد ليقطع عليها حبل أفكارها ، ها هي جنتها ذات الثلاثة عشر ربيعاً تركض في الرواق باتجاه غرفتها ، و حالما دلفت جنه داخل الغرفه جلست على المقعد بجوار سريرها لتنفجر في بكاء شديد.

قالت علياء بحزم : جنه .. احنا اتفقنا على ايه .. مش عايزه اشوفك بتعيطي .

قالت جنه بصوت حزين : سماح ياماما .. خلاص هتسافر الاسبوع الجاي .. مبقاليش حد فالدنيا غيرك يا ماما

سألت علياء باستغراب : هتسافر فين و ليه ؟؟؟

ردت جنه بأسى : ما هو ده اللي هيقهرني، مش عايزه تقولي هتسافر فين و لا ايه السبب ، سماح اللي لو كحت لازم تقولي ..دي مش بتخبي عني فتفوته بقى لما تسافر مش عايزاني اعرف ليه.

قالت علياء محاولة التخفيف عن ابنتها : اهدي يا جنه مش يمكن أهلها محرجين عليها متجبش سيره لحد.

قالت جنه : بس أنا مش أي حد ، و ياما حكتلي عن أهلها و ياما اشتكتلي منهم ..اشمعنى دلوقتي.

تنهدت علياء و قالت : و الله مش عارفه أقلك ايه... يمكن ده مقلب من اللي بتعملهم معاكي.

قالت جنه نافيه : لا يا ماما مستحيل..دي اتغيرت خالص.. عندك انهارده جيت أسألها هتسافر امتى عشان اجي اودعها قامت اتعصبت عليا و قالتلي ملكيش دعوه.

قالت علياء بعد تفكير : ايه رأيك ابقى اكلم مامتها و أفهم ايه أصل الموضوع ده

و قبل أن تنهي حديثها انهالت عليها جنه بالقبلات و الشكر قائلة : متشكره اوي ياماما... ميرسي يا أحن أم فالكون.. ربنا ما يحرمني منك ، و على فكره انا انهارده عملالك أكله من كتر طعامتها هتاكلي صوابعك وراها...اكله تقيله هتاكليها من هنا و مش هتقدري تتحركي من مكانك.
ابتسمت علياء و ربتت على يد أبنتها ..طفلتها الناضجه..فعقلها أكبر من عمرها بسنوات ، فقد كانت تعرف تماما ما ترمي إليها ابنتها بحديثها عن تلك الاكله، فمنذ بدء العلاج الكيميائي فقدت شهيتها تماماً ، و إن غالبت نفسها لتأكل شيئاً ينتهي بها المطاف مهرولةً إلى دورة المياه لتستفرغ ما أكلته مما جعل جسدها هزيلاً جداً.

عادت الابتسامه لشفتي ابنتها و فكرت ربما الوقت ليس مناسب لاخبارها بحالتها الصحيه المتدهوره، خاصةً بعد رؤيتها لتكدرها بسبب صديقتها سماح ، ربما ستتخبرها فقط بقرارها العوده للعيش في بيت والدها حسين الرفاعي فقد حادثته الليله الماضيه و أخبرته عن حالتها الصحيه، و كما كانت تأمل رق قلب والدها و أخبرها بأنه ينتظر قدومها هي و صغيرتها للعيش في بيته من جديد.
تنهدت علياء و عادت لتصغي إلى ثرثرة ابنتها.

قالت جنه بحماسها الطفولي : أنا جبت معايا الكتاب اللي قولتي لازم اقراه .. كتاب "لا تحزن" ..بقالي اسبوعين مستنيه عشان استعيره مالمكتبه.

قالت علياء مبتسمه : طب يلا اقريلي شويه منه.
قالت جنه : حاضر يا ماما.

جلست علياء مع ابنتها بعد عودتهن من المشفى لتخبرها عن انتقالهم للعيش في بيت جدها، أخبرتها عن سبب القطيعه الذي دام لأكثر من خمسة عشر عاماً، فوالدها حسين الرفاعي ذو الغنى و الصيت كان معارضاً لزواجها من والد جنه و كأي فتاه لم تكمل العشرين من عمرها رضخت لرغبة والدها التي أدت الى ارتباطها بابن شريكه في العمل و الذي أجبرها على ترك دراستها و لم يعترض والدها ، و للأسف زيجه كما بدأت بالمصالح انتهت أيضاً بسبب تلك المصالح ، بعد خلاف والدها مع والد زوجها قام زوجها بتطليقها و الهجره للخارج حارماً إياها من ابنها الذي لم يكمل ثلاث سنوات من عمره... و كم عانت من قسوة والدها فما زالت تتذكر كلامته المعتاده كلما طالبته بأن يفعل شيئاً ما ليعيد إليها ابنها.

حسين الرفاعي : ده ابنه و ملزوم منه ، و بعدين مين اللي هيتقدملك و إنتي مربوطه بعيل من راجل تاني ، أنا عايزلك جوازه تشرف و تشفي غليلي من الندل ده و أبوه.

لتعيش بعد طلاقها في بيت يخلو من المشاعر فلا أحد يفهمها أو يشعر بحالها.. فزوجة أبيها لا تهمها سوى مصلحة ابنها.. وأخاها قد شرب من والدته كرهها و الحقد عليها دون أن تفهم سبباً لذلك.

و في ذلك الوقت عاد والد جنه ليتقدم بطلب يدها من والدها و كما كانت علياء تتوقع رفض والدها مرة أخرى ... و كانت تلك نقطة التحول في حياة علياء فلقد خالفت رأي والدها و تزوجت بوالد جنه دون موافقته على هذا الزواج ..زواج أدى إلى تبرئه منها و قطيعه دامت سنوات ..سنوات حاولت إعادة الوصل بينهما لتلقى مع كل محاولة فشل ذريع إلى أن يأست .. و لكن الله استجاب لدعائها الليله الماضيه عندما حادثت والدها و أخبرته بمرضها...رق قلبه ..لذا عليها انتهاز هذه الفرصه بأسرع وقت.

قالت علياء بتصميم : احنا لازم بكره نكون عند جدك فالبيت .
قالت جنه بفتور : كده بسرعه و مدرستي و مذاكرتي و سماح ياماما أنا لسه معرفتش هتسافر فين.

قالت علياء: جنه حبيبتي إنتي متعرفيش جدك و لا اللي حواليه..أنا خايفه حد يأثر عليه تاني و يقسي قلبه عليا، لكن لما يشوفك أنا متأكده إن قلبه عمره ما يقسى عليكي...عارفه لما حكتله عنك بكى يا جنه عارفه يعني ايه حسين الرفاعي يعيط ..عايز يشوفك ياجنه.. ضروري بكره نكون هناك.

سألت جنه : طب و سماح.

قالت علياء مطمئنة ابنتها : هاكلم والدتها بكره من بيت جدك ، متقلقيش احنا مش رايحين حته مقطوعه، يلا يا حبيبتي احنا دلوقتي لازم نوضب حاجتنا و الأشياءالمهمه.

و مع إشراقة صباح اليوم التالي كانت علياء و ابنتها جنه على بوابة البنايه ينتظرن السائق الذي كلفه حسين الرفاعي بإحضارهما إلى بيته.
و بالفعل لم تمض دقيقة على انتظارهن حتى حضر السائق..و استقلا السياره التي من وجهة نظر علياء ستوصل ابنتها إلى بر الأمان.
قالت جنه متوسلة : معلش ياماما لو تقولي للسواق يمشي من طريق بيت سماح، عايزه اطلع أودعها حتى لو هي مش عايزه تودعني أنا مقدرش اختفي كده من غير ما أقولها.

ربتت علياء على يد ابنتها قائلةً : بس كده حاضر يا حبيبتي.. المهم مش عايزاكي ترجعي معيطه.. اتفقنا

ابتسمت جنه و قالت : اتفقنا يا أحن قلب فالدنيا.

أخبرت علياء السائق بالمرور من الشارع الذي تقطن به سماح، و ما إن توقفت السياره أمام بيتها حتى انطلقت جنه مهروله، دخلت البوابه لتصعد الدرجات قفزاًو عندما وصلت إلى الشقه التي تقطن بها سماح..دقت جرس الباب لتفتح لها والدة سماح.

حيتها والدة صديقتها قائلة : أهلاً يا جنه.

ردت جنه : ازاي حضرتك يا طنط.. ممكن أدخل أشوف سماح ؟

قالت والدت سماح بامتعاض : اتفضلي يا حبيبتي.

دخلت جنه الشقه و جلست في الصالة تنتظر قدوم سماح ، بعد دقائق خرجت سماح لتسلم عليها ببرود شديد.

قالت جنه برقه : أنا عارفه إنك زعلانه ، و يمكن مخصماني و مش طايقاني و الحقيقه أنا مش فاهمه ليه و مش عايزه أزعجك و أقلك مالك و ايه سبب التغيير اللي حصللك، أنا بس جايه عشان أودعك يمكن دي آخر مره أشوفك فيها ...ماما خلاص قررت أننا نروح نعيش مع جدي.

توقفت جنه عن الحديث ، منتظره رد فعل صديقتها، ولكن لم تسمع سوى السكوت المطبق جواباً لها.

مسحت جنه بيدها دمعه سقطت من عينها نتيجه لهذه اللامبالاه من صديقتها الصدوقه ، ثم قالت : عموماً أنا هحاول إني مزعلش منك و أول ما استقر فبيت جدي هاكلمك من هناك يمكن تكون صفيتي من ناحيتي ده لو كان سبب اللي إنتي فيه حاجه عملتها و زعلتك مني بدون ما أقصد ..

نهضت جنه من مقعدها و قالت : مش هتسلمي عليا قبل ما امشي !!!

مدت سماح يدها و صافحت جنه بنفس البرود الذي استقبلتها به.

لم تعد جنه تحتمل المزيد من جفاء صديقتها و في غضون ثوان كانت أمام البنايه تستعد مره أخرى للركوب بجوار والدتها في السياره... ولكن أوقفها صوت سماح التي نادتها : جنه...جنه...

استدارت لترى سماح تهرول باتجاهها، و مما زاد دهشتها عندما عانقتها سماح بشده و قالت بصوت يشوبه الكثير من الحزن : أنا بحبك اوي يا جنه....أرجوكي متزعليش مني...غصب عني.

قالت تلك الكلمات بسرعه شديده و بنفس السرعه هرولت عائدة إلى بيتها ..دون أن تسمع ما قالته جنه أو ترى الدموع التي ملأت عينيها.
ظلت جنه شارده محتاره من تصرفات صديقتها حتى أوقظها صوت والدتها التي نادت قائلة: جنه يلا اركبي مش عايزين نتأخر على جدك..زمانه قاعد مستنينا.

و بالفعل كان في الانتظار على بوابة الفيلا ، و عندما نزلت جنه من السياره ظن لثوان أنها علياء ابنته و قد عادت طفلة صغيره فالشبه بينهما كبير فقد ورثت جنه جمال والدتها الخلاب ، كلتاهما تتمع ببشره بيضاء صافيه، ووجه بيضاوي تحتل الجزء الأكبر منه عينان بنيتان كبيرتان، مع أنف دقيق، وفم مكتنز، و يتوج هذا الوجه شعر بني متموج تموجات رقيقه .

ولكن لم تدم فرحة جنه بالبيت و الجد و الأقارب فقد توفيت والدتها بعد فترة وجيزه من انتقالهم للعيش مع جدها ، ليتبعها جدها حزناً على ابنته و عدم مقدرته على تعويض قسوته عليها السنوات الماضيه.

و تُركت في بيت يحمل لها الكثير من الكراهيه، كراهيه كما حدث مع والدتها لا تعلم لها سبباً، و تغيرت حياتها جذرياً فمن حضن والدتها الدافىء انتقلت الى حضن خالها القاسي أو بالأصح كرباج خالها المسنون سناً على كل صغيره و كبيره تفعلها، فلا حوار و حديث كما اعتادت مع والدتها بل أوامر و إن لم تنفذ تلقى ضرباً مبرحاً، و بعد الضرب يأتي العقاب المعنوي.
لتتوالي صدماتها صدمه تلو الأخرى .. و لكن أقساهن كانت و ستظل هو وفاة صخرتها و حضنها الدافىء..والدتها الحبيبه.

***********************************************

(إياد...قبل ثلاث سنوات)

في إحدى المقاهي الشهيره بمدينة المنصوره، جلس إياد الحداد رئيس مجلس إداره شركات الحداد للبناء و المقاولات و التي ورث إداراتها بعد رحيل والده تاركاً تلك الامبراطوريه مسئولية على عاتقه فهو ما زال في الرابعه و العشرين من عمره و لكن بمساعدة عمه المهندس عامر الحداد استطاع أن يكسب ثقة الجميع بجديته و مثابرته على إبقاء هذه الامبراطوريه مثلما كانت في عهد والده، و لم تكن تلك الثروه هي موروثه الوحيد من والده فلقد ورث ملامحه الرجوليه ووسامته الشديده، نفس البينه القويه و الطول الفارع وعينان بلون الذهب و شعر بني داكن، أما البشره البرونزيه فهذه ورثها من والدته المحبه.

جلس غير مصدق لما تقوله ساره ، ابنة عمه عامر، و التي طوال سنوات أحبها في صمت، فقط لغة العيون من كانت تتكلم بينهما حتى صارحها بعد تخرجها من الكليه بحقيقة مشاعره ليلقى حباً نقياً تكنه هي الأخرى له منذ نعومة أظفارها.

قالت ساره بأسى : أنا اسفه اوي يا إياد مقدرش اكسر قلب أختي .

قال إياد مندهشاً : ايه الجنان اللي بتقوليه ده . .ايه دخل اختك ماهيتاب فخطوبتنا؟

قالت ساره موضحة : دي بتحبك يا إياد.. و لما قرت المسج اللي بعتهالي بتباركلي على التخرج و إنك هتيجي و تطلب إيدي من بابا ... مش عارفه حصلها ايه.. قفلت على نفسها الحمام و بعد كده سمعت صوت صريخها، حاولت افتح الباب مقدرتش جريت انادي بابا ..كسر الباب و لاقينها قطعت شرايينها و غرقانه فدمها.

متتصورش الخضه اللي حصلتلنا و ماما اتحجزت معاها في المستشفى أعصابها انهارت.. لكن الحمد لله الدكتور قال إن الجرح سطحي جداً.. و بعد ما اطمنا عليها بابا كان مُصر يعرف السبب اللي خلاها تحاول تنتحر.. وقتها قالتله إنها سمعت إنك هتخطب قريب بس مقلتش عن الرساله و لا قالت إنك هتخطبني.. بابا رجع هزقها تاني و قالها إن الكلام ده مش صحيح و إنك كنت لمحتله إنك ناوي تخطبها أول ما تخلص كليتها.
أصاب حديث ساره عن ماهيتاب إياد بالذهول فقال محاولاً تفسير موقف عمه : أنا فعلا كنت لمحتله.. بس أنا كنت أقصدك انتي مش ماهيتاب.
قالت ساره : مش مهم كنت تقصد ايه.. بعد اللي حصل بابا بقى متأكد انك تقصد ماهيتاب.

قال إياد منزعجاً : يعني ايه مش مهم.. هو انتي مش مصدقاني.

قالت ساره : كمان مش مهم اصدق ايه..احنا خلاص معدش ينفع نبقى لبعض ..أنا مقدرتش اتحمل نظرة اللوم و العتاب اللي في عينيها ليا.. مقدرش أكون السبب فحزنها .. أنا اسفه يا إياد اسفه اوي.. أنا فهمتها أن طلبك ده فاجئني و اني بشوفك كأخ مش أكتر.

قال إياد بحده : انتي بتهزري ..صح!!!!!!!

قالت ساره بأسى : أنا فعلا عملت كده .

حاول إياد التقاط أنفاسه و تهدئة ضربات قلبه المتسارعه فمن المستحيل أن يخسر ساره .. عليه فقط اقناعها بأن مشكلة أختها لن تحل بتلك الطريقه.

قال إياد بهدوء لا يعكس ما بداخله من توتر : طيب افرضي إني وافقت على قرارك ده ..ايه اللي هيحصل لماهيتاب ما أنا أكيد مش هتجوزها.. افرضي لثانيه إني سبتك و هارتبط بواحده غيرك برضو هتفضل نفس المشكله...أنا مش عارف ايه اللي خلاها تتعلق بيا لكن صدقيني مع الوقت هتقدر تنسى و هي ألف شاب يتمناها و بكره كلنا نقعد سوا و نضحك عالموقف ده.

قالت ساره غاضبه : إنت مش فاهم..بابا مستني تيجي و تطلب ايدها.

قال إياد بعنف : وانتي عارفه ان ده مستحيل هيحصل.. وانهارده هاجي عندكم البيت و اكلم عمي و اطلب ايدك و اصلح سوء الفهم اللي حصل.. وممكن نستنى شوية لحد ما تتأقلم ماهي ع الوضع.

قالت ساره بحزم : و انا من دلوقتي بقولك مش موافقه..أنا طلبت اقابلك عشان ابلغك قراري.. احنا خلاص يا إياد معدناش لبعض ..أنا مستحيل ابني سعادتي على تعاسة أختي، ازاي هابص فوشها و فرضاً وافقت و استنينا اما هي تتأقلم عالوضع ..ازاي اتأكد ان من جواها مش تعيسه ..ازاي اضمن إنها مش هترجع و تعمل فنفسها حاجه و يمكن ساعتها مكنش موجوده عشان أساعدها.

قالت كلمتها تلك و نهضت لتغادر... أمسك إياد مرفقها محاولاً اقناعها بالبقاء.

نزعت ساره يدها بعنف و قالت : لو سمحت متضغطش عليا أكتر من كده..ارجوك.

قال إياد : انتي كده بدل ما تحلي المشكله بتهربي منها، لو عايزه تساعديها يبقى تاخدي بايدها عشان تنسى الوهم ده، تفهمي عمي الحقيقه بدل ما هو مستنى حاجه مش هتحصل.

قاطعته ساره قائله : ارجوك انا مش عايز اجرحك او اقول حاجه تزعلك بس ايه الحقيقه اللي هافهمها لبابا.. انا مكنتش عايزه اتكلم بس انت اللي اجبرتني... ماهيتاب قالتلي انك يعني كنت....

قال اياد بعنف : كنت ايه معشمها بحاجه... و انتي صدقتي؟

قالت ساره باستسلام: اانا مش عارفه اصدق ايه و لا مين.. عشان كده بلاش نخسر بعض انت مهما كان هتفضل ابن عمي و بينا عيش و ملح ...متخليناش نقول كلام و نزعل بعض لانه لا هيقدم و لا هيأخر احنا خلاص ولاد عم و بس.

و غادرت تاركه إياد غارقاً في صدمته .. أمن المعقول أن تشك باخلاصه لها، و بهذه البساطه تنهي ما بينهما.

لا لم ينتهيا بعد .. ربما ما زالت تحت تأثير صدمة ما فعلته أختها .. فقلب ساره رقيق و محب للجميع و لا يقوى على إيذاء أحد .. سيعطيها بعض الوقت لتفكر و تعدل عن قرارها الاحمق هذا.

و كم طال هذا الوقت فرغم كل محاولاته لاقناعها بقيت ثابته على موقفها ، لم يكن لييأس أو يمل من محاولاته و لكنها طعنته طعنه أخرى بموافقتها على الزواج من رجل آخر.. لم يصدق عندما عَلِمً بأمر الخطوبه و لم يستطع الذهاب للحفل ..... ولكن اليوم بالتأكيد سيحضر حفل زفافها ..يريد أن يتأكد أنها باعته لذنب لم يكن له يد فيه.. يريد أن يراها مع رجل آخر علَ ذلك يقتل مشاعره تجاهها.
ترجل من سيارته ليدخل بهو الفندق الذي سيُقام فيه الحفل و بصحبته كلاً من والدته و أخته الصغرى.

تقدمت فرقة الدبكه اللبنانيه معلنةً وصول العروسين وسط تصفيق الحضور.. طلت العروس متأبطةً ذراع عريسها...و ابتسامه عريضه مرسومه على شفتيها.. التقت نظراتها بعينيه الغاضبتين لتشيح بوجهها بعيداً عنه.. ثم اقتربت من عريسها تهمس له شيئاً أضحكه.
نعم.. كان هذا كافياً ليقتل مشاعره تجاهها أو هذا ما أقنع نفسه به.. فلقد خبأها تحت ستار آخر.. و مشاعر أخرى.. عنوانها الانتقام.. في هذه اللحظه رغب و بشده أن يُذيقها من نفس الكأس الذي أسقته منه علقماً مرا.

************************************************** ***

انتهت الزفه و تقدم العروسان للمسرح ليؤديا الرقصه الأولى و توالت الرقصات و ساد الهرج و المرج كما يحدث في كل زفاف... و لكن لم تكن العروس هي أسعد امرأه في هذه الليله كما هو المعتاد.. بل كانت امرأه أخرى قريبه كل القرب من عروس الليله...

قالت مهنئه نفسها : أخيراً يا ماهيتاب ..نجحتي.. دلوقت هيخلالك الجو .. و كل ده مكلفكيش غير خدش بسيط فايدك و شوية حبر أحمر....ياه يا ساره ده انتي طلعتي ساذجه اوي .. مكنتش متخيله انك هتصدقيني و بالسهوله دي تتنازلي عنه...

قطع عليها حبل أفكارها صوت أحدهم يطلب منها أن ترقص معه.. استدارت لتفاجأ بإياد ... أحقاً هو من طلب منها ذلك.. وقفت لثوان لا تجيب ..أبهذه السرعه نجحت خطتها.

قال إياد بخفه : هي الرقصه محتاجه كل التفكير ده.

تداركت ماهيتاب نفسها و قالت : اسفه.. بس انت فاجئتني.

عقد إياد حاجبيه فأكملت : يلا بينا أنا بحب الأغنيه دي أوي.

اقتادها ليرقصا و عينيه لا تفارق ساره.. أراد أن يقهرها و لكن ما زالت الابستامه مرسومه على شفتيها كأنه لا يعنيها بشيء ..كأنهما لم يكونا...!

لا مبالاتها فجرت غضبه..ليُمسك ماهيتاب من خصرها و يحملها و دار بها عدة مرات مسترعياً انتباه الحاضرين الذين بدأوا بالتصفيق و التصفير ... و ما إن وضعها أرضاً حتى التقت عيناه بعيني ساره... وكم كانت صدمته عندما رآها مبتسمه تصفق مع الحضور..

لم تطل تلك اللحظه فقد اقترب عمه و قال موبخاً : ايه اللي انت عملته ده!!! كده ميصحش أبداً.

قاطع إياد عمه قائلاً : ثوان من فضلك يا عمي.

و اتجه الى منصة ال دي جي و طلب منه إيقاف الموسيقى و أمسك الميكروفون وقال : من فضلكم يا جماعه .. و انتظر حتى هدأ الجميع .. ثم قال : باختصار يا عمي أنا يشرفني إني اطلب ايد بنتك ماهيتاب.

طلب يدها ثم بحث عن الاخرى.. عن عينيها.. عيني ساره .. و أخيرا استطاع ان أن يشفي غليله فعيناها مليئتان بالالم، ظل ينظر إليها لم ينتبه كثيراً لما حدث بعد ذلك من مصافحة عمه له و تظاهر ماهيتاب بالخجل و توالي المهنئين ...و لم يلحظ دهشة والدته و امتعاض أخته نسرين...فقط شعر بلذة الانتقام ..و في غمرة تلك اللذه لم يلحظ مراقبة عيني ماهيتاب له و لساره...فقد كانت حواسها حاضره جدا لما دار بينهما من حديث صامت.. حديث أدمى قلبها .. فكيف ما زال يفكر بأختها التي لا تقارن شكلا بها.. فماهيتاب رائعة الجمال تمتلك شعراً ذهبياً و عينان زروقان بلون البحر..و لطالما انتشت بنظرات المعجبين بها.. لم تقابل رجلاً قط و لم يبهره جمالها ما عدا إياد... الذي أشعل فيها روح المنافسه لتلعب على كل الاوتار لتظفر بإعجابه.. و لكن ما زال متعلقاً بأختها ساره.. ها هو يجرح كبرياؤها مره أخرى و لكن ليست ماهيتاب من ترضى بأن تكون رقم اثنان حتماً ستمتلك إياد ثم عندما تمل منه تتركه و ليس العكس.. فلا أحد يترك ماهيتاب الجميله.

و كانت الصدمه الثانيه لإياد من صنع يده فارتباطه بماهيتاب كان كارثياً... و في النهايه اضطر إلى فسخ الخطوبه مسبباً شرخاً بينه و بين عمه... و لكن فتاه كماهيتاب لن يستأمنها أبداً أن تكون أماً لأبناءه.

فكان القرار... عليه أن ينسى التفكير بعواطفه و فقط بالعقل .. بالعقل يعمل و بالعقل سيتزوج.

************************************************** *****

29-11-2014

(جنه..الآن)

أغلقت جنه شاشه الحاسوب و أعادته سريعاً إلى غرفة ابنة خالها عبير، ثم عادت إلى غرفتها التي سكنتها طوال السنوات الماضيه غرفه متواضعه مقارنة بغرف الفيلا الكثيره و لكن لا يهم.. الان قد حصلت على وظيفة أمينة مكتبه بمدينه المنصوره، فلتوها أنهت المقابله مع صاحبة المكتبه الدكتوره نوال الحداد، و التي ما إن علمت بمدى احتياجها للوظيفه قامت فوراً بعمل استثناء لها و إجراء المقابله على أحد برامج الدردشة على الانترنت، لتنهي المقابله بوعد أكيد لها باستلام الوظيفه و أيضاً مكان شاغر في سكن الطالبات الذي تمتلكه... و تذكرت حسن حظها تلك الليله عندما شاهدت أحد البرامج التلفزيونيه و التي استضافت الدكتوره نوال الحداد لما لها من باع في مساعدة الفتيات ذوات الحاجه و خاصه اللواتي فقدن ابآءهن و أصبحن يتجرعن مرارة العيش مع أقارب بلا رحمه... و عندما راسلتها لم تسألها عن أي تفاصيل فقط طلبت شهادة التخرج من الكليه و اثبات أنها يتمية الابوين.. ولكن الشيء السيء هو أن عليها الانتظار شهر كامل حتى تستطيع استلام تلك الوظيفه و المكان الشاغر فالسكن.

شهر واحد ليس بالكثير..هذا ما أقنعت جنه نفسها به.. بإمكانها احتمال الذل لشهر إضافي.
و لكن ........

أفزعها طرقاً عنيفاً على باب غرفتها... قامت بسرعه و أدارت المفتاح ليفتح الباب و تجده خالها جميل الرفاعي واقفاً و علامات الغضب باديه على وجهه.

صاح فيها بحده : انتي ازاي متنزليش تقابلي خطيبك و أتبع صياحه بصفعه على وجهها تلتها صفعه أخرى ثم قام بإمساكها من شعرها بقوه و قال : لو الحكايه دي اتكررت تاني مش حيصلك طيب انتي فاهمه، و عشان غباوتك دي الراجل افتكر انك مش عايزاه و فضلت احايل و ادادي فيه ساعه لحد ما رضي اعملي حسابك بكره هيكون كتب الكتاب.

هتفت جنه من بين آلامها : مش حضرتك قلت على اول السنه.

قال جميل : ما هو انا مش هاضمن تعملي ايه من هنا لاول السنه مش عايزينه يطفش من عمايلك.

أفلت شعرها و غادر مغلقاً الباب خلفه بعنف لا داعٍ له .. و ترك جنه مدمره فا هي فرصتها للخلاص من هذا البؤس قد ضاعت.. فهي لا تستطيع الوقوف ضد خالها فحتماً سيضربها إن عارضته ثم كعادته سيحبسها.. كانت تخطط للهرب و استلام تلك الوظيفه قبل أن يحين موعد كتب الكتاب..لكن غداً أين عساها تهرب فلا مأوى تلجأ إليه و لا مصدر للرزق تعيش منه.

ربما تلك هي مشيئة الله أن تتزوج بذلك الرجل الخمسيني المزواج عوض الدسوقي و الذي لديه أبناء أكبر من عمرها..جففت دموعها ..توضأت و صلت داعيه ربها أن يريحها من هذه الحياه إن الكون فالموت راحه لها.

و في اليوم التالي

لبست جنه الفستان الذي أحضرته لها زوجة خالها و نزلت الدرجات لمصيرها المحتوم.. كان المأذون في انتظار أن تحضر و تبدي موافقتها على هذه الزيجه... تقدمت و بالكاد قدماها تحملانها .. قدمان اعتادتا اللهو و العدو فرحاً عندما كانت والدتها على قيد الحياه .. و هما نفس القدمان اللتان سارت بهم لتقف على قبر والدتها و قبر جدها طفله حزينه تبكي و لا تجد من يواسيها..لا أحد يواسيها فجميع أحبتها يرحلون...نعم رحلوا و تركوها لهذا المصير البائس.. اه كم بإمكان قلبها أن يتحمل بعد..أبإمكانه احتمال هذا الرجل السوقي .. أبإمكانه احتمال نظراته المقززه و لمساته المنفره عندما يُقفل عليهم باب واحد.. أبإمكانه أن يصحو صباحاً ليُقابل برائحة فمه الكريهه و أنفاسه النتنه... لا لن يستطيع .. إذن ما الذي يجعله يستمر بالخفقان .. لماذا يخفق بشده أهو الخوف من يُحركه... هل يحاول أن يقول لي شيئاً و عقلي غير مدركاً بعدُ مبتغاه.. اه يا قلبي كم أتمنى في هذه اللحظه أن تُنقذني من هذا المصير حتى و إن اضُطررت أن تتوقف عن الخفقان.

قال جميل : ما كفايه دلع .. اقعدي و امضي هنا.

اقتربت جنه من المقعد الذي أشار إليه خالها.. و لكن شيء ما يحدث لها فقد أصبحت تتنفس بصعوبه و تشعر بالدوار..ونغزات في صدرها جعلته يخفق بشده بشده حتى هدأ شيئاً فشيئاً.... اه شكراً يا قلبي هل استمعت إليَ و بالفعل توقفت عن الخفقان؟

وقعت جنه على الأرض فاقدةً وعيها ليصيح الجميع.. و يقول عوض الدوسوقي : هاتوا كالونيا يا جماعه و لا فحل بصل نفوقها.

قامت ابنة خالها باحضار زجاجه من العطر و قربتها من أنفها و لكن دون جدوى لم تستفق جنه .. حملها عوض الدسوقي و ومددها على الاريكه موجها الحديث لخالها : احنا لازم نطلب الاسعاف دي وشها أزرق ازرق...و قام بالاتصال بالاسعاف الذي حضر و نقلها إلى المشفى.

في المشفى التف الطبيب و المسعفون حول جسد جنه الضئيل فما زالت شابه.. فكيف يتوقف قلبها عن النبض.

قال الطبيب لمساعده الطبيب الشاب : لسه في نبض خلينا ننقلها لغرفة الانعاش.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات