📁 آخر الروايات

رواية رحي الايام كامله وحصريه بقلم عائشة حسين

رواية رحي الايام كامله وحصريه بقلم عائشة حسين




                                              
الفصل الأول
"فائض من الذكريات" 
"على حائط الأمنيات رسمتُ حلمي بطبشور الأمل" 

+


«بعد مرور خمس سنوات من تنفيذ الحكم» 

+


دفعها أحد الرجال الأشداء للداخل بعنف فصرخت غاضبة
«ما بالراحة يا عم» 
وصلها صوت تهكم أحدهم من الحجرة المدفوعة بجسدها النحيل إليها
«معلهش هنجول إيه مبيعرفوش يتعاملوا مع الجنس الناعم» 
لوت فمها الظاهر من وجهها بعدما عصبوا عينيها وأنفها بقماشة سوداء خشنة ، رائحة عطنها كادت أن تصيبها بالغثيان، نهض المتحدث واقترب منها بعدما أغلق الباب، فكّ العصابة وألقاها جانبًا وهو يسخر
«جولتلهم يغطوا عينيكي مش مناخيرك ولا أنتِ بتشوفي بالاتنين» 
تأملت الواقف أمامها عاري الصدر تحت الإضاءة الصفراء الشاحبة ، كان طويل القامة قوي البنية أسمر بأعين واسعة سوداء ورموش كثيفة طويلة ، خصلاته قصيرة ملفوفة كحبات المعكرونة، أنفه مرتفع بشموخ وشفتيه القاسيتان تحملان عبء ابتسامته الساخرة بتفاني «خلصتي» 
فاجأها بقوله وابتعد عنها عائدًا للتخت البسيط، جلس مشعلًا سيجاره 
«هو أنا مخطوفة ولا إيه؟» سألته ونظراتها تدور باشمئزاز في الحجرة البسيطة ، فسحب نفسًا طويلًا ونظر إليها قائلاً بهزة كتف مستهينة «لاه حاشا الله احنا عازمينك عالسحور » 
عقدت ساعديها أمام صدرها زافرة بقنوط وهي تتمتم
«كان قلبي مقبوض منها الطلعة دي» ثم التفتت إليه قائلة بعملية «عايز مني إيه يا بلدينا أنا جاية بلدكم فشغل والي أعرفه إن الصعايدة محترمين وجدعان» 
سألها بنبرة ساخرة «مين الكداب الي جالك كده ! أنا لا محترم ولاجدع» 
اتكأ على جنبه قائلاً وهو ينظر إليها بملل «بصي أنا زهجان وشكلي داخل على اكتئاب هتجعدي معاي شوية والله عرفتي تخرجيني منه همشيكي معرفتيش هتجعدي» 
صاحت بحنق وهي تضع علكة داخل فمها كانت تحتفظ بها في حقيبة بحجم كف اليد كانت ترتديها عكسًا «لا بقا دا فيلم هندي» 
ابتسم متجاهلًا تعليقها وبنفس النبرة الساخرة قال وهو ينظر لسيجاره المشتعل «أنتِ مش من هنا صُح؟» 
وضعت كفها على خصرها ومالت قائلة بغنج «يعني» 
سألها وهو يتأملها بنظرة غامضة لا هي مشتهية ولا جريئة تعري «بتشتغلي إيه؟» 
أجابته ونظراتها تدور في المكان مستكشفة أكثر «رقاصة» 
سألها من جديد باسترخاء مستمتعًا بهذا الحوار الطريف المسلّي وتلك الظريفة التي تقف أمامه «وواخدة المهنة عن حب ولا حوجة» 
ابتسمت قائلة وهي تدقق النظر فيه بعدما اطمأنت قليلًا وبدأ القلق بالتبخر «الاتنين» 
سخر منها بنفس الابتسامة الهازئة «سافلة بالفطرة يعني ماشاء الله مستجبلك مبهر» 
اقتربت بهدوء وجرأة بعدما تحررت من خوفها، جاورته فوق التخت قائلة «هات سيجارة»
منحها العلبة كاملة فابتسمت ،قال «بجولك إيه يا بت» 
هتفت وهي تأخذ نفسًا من سيجارتها المشتعلة بينما تنظر للكتب المرصوصة أمامها بمغزى «قول ما أنا شكلي وقعت ففيلم هندي والليلة هتبقى كلها قوالة وشكلك بتحب الكلام» 
«شوف جلة الأدب عاد! يلا ما علينا مين قالك بحب الكلام؟» 
أجابته وهي تعيد نظراتها للكتب موثقة قولها بشاهد حق على تخمينها «الي بيحبوا الكتب دول بتوع كلام وحكايات»
هز رأسه فخورًا بصيده الثمين الليلة وقال ببهجة مستخفًا بمنطقها «لاه رجاصة رجاصة يعني» 
تأففت قائلة بانزعاج «قول يلا وخلصنا يا عرب ورايا مشوار شغل» 
اعتدل قائلا بنظرة حالمة لا تليق بالمكان ولا الحدث «تعرفي ترجصي على موسيقى بيتهوفن؟» 
سألته وهي تضحك باستخفاف «مين بيتهوڤن دا كمان؟» 
مطّ شفتيه بانزعاج مسلي قبل أن يقول «وكمان جاهلة! مع إني بحب الرجاصة المثقفة بس ما علينا هبسطهالك عمر خيرت طيب؟»
سخرت بضحكة صاخبة كوجهها الملوّن بالمساحيق «دا ماله دا؟ بيغني ايه؟» 
حاورها بصبر «طيب عارفة نبيلة عبيد ففيلم الراقصة و السياسي! » 
قالت بعدم صبر وهي تنهض واقفة «مش عايزني أرقص خلاص متشغلش بالك أرقص على ايه» 
قال بسخط وضيق «خلقي ضاج منك والله ودماغي هتجفل وهجوم أطخك عيارين وأرميكي للديابة» 
هادنته بلطف متملقة صبره «خلاص يا عم شغّل الي عايزه» 
أشار لها ناحية ركن مرتب رغم بساطته «جومي اعمليلي جهوة واعملي لنفسك » 
مصمصت قائلة وهي تتجه ناحية دولاب خشبي قديم يوجد به رفان متهالكان فوقهما كل ما قد تحتاجه لصنع القهوة «قهوة كمان دا أنت حكاية» 
استهزأ من تعليقها «هما جطاعين الطرق مبيشربوش جهوة!» 
أجابته «القهوة للناس العليوي أصحاب المزاج» 
هتف قائلًا وهو يتأمل ملابسها الضيقة بانزعاج طفيف «أنا برضو صاحب مزاج بس مختلف » 
نظرت للكتب والأوراق مؤكدة «لا باين» 
تسطح فوق التخت بعدما ارتدي قميص قطني كان جواره ونظر للسقف فوقه قائلاً «ما تحكيلي حكايتك» 
أجابته بلا اهتمام وقد تأكد ظنها بأن هذا الرجل مجنون لكنه جنون من نوع آخر جديد فقررت التسلية «مفيش حكاية»
أجابها بنبرة عميقة مملؤة بالشجن والحزن «احنا حكايات ماشية عالأرض مفيش حد مننا مالوش حكاية، اسمك ايه؟» 
أجابته بسلاسة وهي تعود إليه بفنجاني القهوة «اسمي سنية وبيدلعوني بمهرة» 
ابتسم قائلاً وهو يعتدل جالساً ليتناول القهوة «وكمان طموحة ياما أنت كريم يارب» 
نظرت إليه بإعجاب وهي تقول بغنج «ما تحكيلي حكايتك أنت طيب» 
غمزها قائلا بنظرة لامعة «أمال أنا جايبك ليه و مكلف نفسي وخاطفك! عشان أحكيلك حكايتي » 
ضحكت بصخب فابتسم بسخرية وهو ينظر أمامه بينما يرتشف من القهوة بتلذذ ويهز رأسه مدندنًا بطرب فأيقنت داخلها أن هذا الرجل مجنون. 
بعد مرور مدة سئمت فيها من الجلوس جواره تستمع لصوت شخيره أيقظته بغضب «يا بلدينا» 
انتفض مستفسرًا «في إيه عمر خيرت شم خبر!» 
مصمصت زافرة بضيق فاعتدل مستفسرًا «إنتِ جاعدة ليه؟» 
أجابته بتأفف «ما أنت مقولتليش أمشي» 
ابتسم قائلاً متظاهرًا بالإعجاب «هكذا يجب أن تكون الرجاصات أصحاب مبدأ وعندهم أخلاق» 
ابتسمت لإطرائه فسحب من تحت وسادته ورقة نقود فئة المئتين ومنحها لها قائلاً «خدي تستاهلي والله» 
مصمصت قائلة بسخرية «جيب بيها معسل يا بلدينا مشيني أنت بس» 
نهض من فوق التخت ، فتح باب الحجرة ونادى أحد رجاله، همس له ببعض الكلمات وبعدها التفت مشيرًا لها بابتسامة واسعة «نورتي قنا يا سوسو» 
صححت له وهي تخطو ناحية الباب «مهرة» 
أجاب ساخرًا بسخط «مهرة إيه جاتك ستين نيلة براسك المطبطبة دي» 
حاولت الحديث فدفعها خارج الحجرة وأغلق الباب قائلاً وهو يعود للفراش «أبو الي جابك » 
**********
بعد الفجر استيقظ على صوت نواح لاعنًا، ارتدى قميصه القطني الأسود وخرج للجالسة خارج الحجرة متكومة كجبل أسود «في ايه يا خالة أم زغلول في حد يعدد عالفجر كده !طب جومي صلي الأول» 
مسحت السيدة المسنة دموعها قائلة بخشية «مفيش يا ولدي افتكرت الحبايب» 
جلس فوق دلو بلاستيكي مجاور قائلاً بغيظ «والحبايب دول متفتكريهمش غير الفجر وأنا مخمود» 
استسمحته بلطف ونبرة حنون «معلهش يا ولدي الحزن واعر» 
ضرب ركبته بكفه مغتاظًا منها «دا حزني أنا الي واعر، أنا ابن كلب إني جولتلك تعالي اخدميني» 
عادت للبكاء قائلة «آه من حرقة الجلب عالضنا يا ولدي» 
عض قبضته مسيطرًا على نفسه قبل أن يسأل «هو مفيش جنايز الأيام دي ولا ايه يا خالة أم زغلول؟» 
أجابته وهي تشهق افتتاحية لبكاء حار «يعني الحال واجف اشكملك جاعدة تطلّعي المخزون عليّ» 
اعتذرت من بين شهقاتها «معلهش يا ولدي ماليش مكان غير هنا ولا ليا غيرك ما أنت عارف» 
تخلى عن عجرفته وفظاظته وجلس قربها محاولًا تهدأتها بشفقة وتعاطف شعره ناحيتها «خلاص ليكي عليا أجتلك كل أسبوع حد ومخليش المواجب تجطع من البلد عشان تروحي وتعددي براحتك وتتفشي» 
نظرت له بحنان فلثم رأسها هامسًا «خلاص كفاية الفقرة خلصت وأنا صحيت جومي حضريلي فطور من بتاعك الي يسدّ الشرايين و يجيب جلطه في الجلب ده» 
ابتسمت على دعابته داعية «بعيد الشر عنك يا ولدي» 
هتف باستخفاف «وليه بعيد ! أنا الشر ذات نفسه يا خالة» 
نهضت وتركته بينما عاد هو لحجرته لاعنًا يحاول النوم من جديد وما إن تمدد فوق التخت حتى سمع مناديًا ينادي "يا ضبع" فنهض لاعنًا
**********
سارت سحر بخطوات واسعة قائلة في غطرسة «أنا جيت عشان معطلش مصالحكم أنت عارف بكرة كتب كتاب بتي ومشغولين» 
أجابها الرجل وهو يضرب فوق صدره شكرًا وامتنانًا وتقديرًا لتلبيتها السريعة وحضورها العاجل لإنهاء بعض الأوراق «كلك ذوق يا أم عبدالله» 
ثم أشار للسيارة السوداء حديثة الطراز قائلًا «جرّاح بيه مستني حضرتك» 
وقفت مكانها متلفتة لمحور حديثهما، رمقته بنظرة حيادية المشاعر فهز رأسه بابتسامة جانبية محييًا لها ، ذلك ما رأته منه والتقطته عدساتها سريعًا فهو يخفي ملامحه كلها خلف نظارة سوداء لا تتيح للرائي رؤيته جيدًا أو التجول فوق ملامحه لنقشها في ذاكرة الوجوه ،قبل أن تدير رأسها وتتابع الدخول بغير رضا عن غطرسته التي شعرت بها، فهو لا يأتي بنفسه بل دائمًا ما يرسل هذا الثرثار.. تذكرت ما منحه لها من أموال نظير موافقتها على تصريح البناء سريعًا فابتسمت بلا مبالاة فما حاجتها برؤيته وإثارة الشكوك بمجيئه يكفي أن يمنحها ما تريد وبعدها فليذهب للجحيم بغروره. 
بعد مرور وقتٍ منحت عامله رزمة الأوراق قائلة بنظرة متفاخرة«كدا تمام» تناولها الرجل المأجور بلهفة وهو يشكرها ثم فتحها قارئًا باهتمام قبل أن يمنحها صك الرضا ويرحل مبشرًا الآخر الذي ينتظره بالخارج. 
بعد قليل سحبت حقيبتها الفاخرة وخرجت تطرق الأرض خيلاءً بكعب حذائها العريض، لمحته من بعيد يقلّب الأوراق فجأة التقت نظراتهما لثواني اتسعت فيها ابتسامته الجانبية بانتصار قبل أن يحني رأسه مُحييًا ويغادر بسرعة . 
انشغلت طوال الطريق بتلك الابتسامة كأنها لعنة، ظلت تستحضرها كثيرًا وكأن بينهما رابطًا، كلما حاولت التملص جذبتها وأثارت داخلها التساؤلات والشكوك. 
رنين هاتفها صرف تفكيرها عن هذا المتعجرف صاحب البسمة الجانبية شديدة السخرية الذي يُدعى جراح القناوي، ذلك الغامض الذي هبط عليهم بثراء غير محدود.. يوزع الأموال وينثرها فوق رؤوس العباد بلا حساب.. حتى إذا ما جاء دورها لتيسر له تصاريح بناء القصر الذي يشيده طمعت وطلبت الكثير فأعطاها أكثر وكأن الأموال عنده لا تنفذ ولا يحسبها مما جعلها بعد ذلك تُسهّل له الكثير من المعاملات وسمسرة الأراضي والمنازل والمحلات وتأخذ عمولتها دون أن تلتقي به ولو لمرة واحدة.. فقط هي تلك المرة التي تنازل فيها وهز رأسه. 
عادت لواقعها على رنين متكرر من ابنتها التي تستعجلها القدوم وتعاتبها لمغادرتها في يومٍ كهذا وبرغم وجود أختها الكبرى جوارها والتي تبذل الجهد والوقت لمساعدتها إلا أنها تشعر بالوحدة وعدم المشاركة الوجدانية فـ ضي غائبة ،شاردة في عالمها الخاص لا تكاد تحضر إلا قليلًا... مما يثير ضجرها فيجري توبيخها على اللسان دون حاجز أو رادع فتنسحب محتمية بحجرة والدها الذي تمكث معه كل وقتها. 
تنهدت بأسف داعية بحرقة على الذي جعل من فتاتها جسدًا بلا روح وعلى والدته التي وشمتها بسحرٍ أبدي جعلها حتى الآن دون زواج.. فهاهي أختها الصغرى ستتزوج وهذا ما تبغضه ، لكنها مجبرة عليه ، فما كان لها أن تضيّع فرصة كهذه أو تُفلت من يدها عريسًا مناسبًا يعلو به شأنهما أكثر في القرية. 
هاتفت سحر أختها لائمة «فينك يا جمر متأخرة ليه؟» 
أجابتها الأخرى وهي تلملم خصلاتها السوداء الطويلة «جاية أهو رشيد هيلبس وهنطلع» 
لامتها سحر بضيق «جولتلك تعالي و بيتي امبارح» 
ابتسمت قمر مخفية ضيقها وحزنها من قرار زوجها وتعنته في هذا الأمر «ما أنتِ عارفة رشيد مبيرضاش»
كتمت سحر حنقها وقالت بهدوء «ماشي بس متتأخريش» 
أجابتها بهدوء تميزت به «حاضر مسافة السكة بإذن الله» 
أنهت قمر الاتصال متنهدة وجلست أمام مرآة الزينة تنظر لوجهها بشرود. 
**************
فتحت ضي ستائر حجرة والدها برفق خشية إصابته بصحوة ذعر أو فزع يزور قلبه الضعيف، ثم اقتربت من تخته موقظة بحنو جُبلت عليه «يا أبو ضي،يا حبيبي» 
فتح جفنيه بتعب بدأ في حفر آثاره على وجهه هالك الملامح فابتسمت بلطف لتسحره وتجذبه لعالمهما بفتنة وإغواء حنوها و دفئها، رد لها ابتسامتها وصباحها الخيري «اصباح الخير ياضيي» ساعدته في الجلوس مريحة ظهره خلف وسادة وهي تسأله «نمت زين الليلة دي؟» 
تنهد بحزن قبل أن يشيح بوجهه هاربًا من كذبه المرصود بقيود نظراتها «الحمدلله يا بتي» 
عاد ببصره مُلهيًا نفسه، يشغلها بالحدث الفريد «نور هتروح الكوافير متى تضرب وشين البويه» 
ضحكت ضي قائلة بمرح «لاه مدام سحر هتجبلها بكرة ميك اب ارتيست هنا» 
قطب بعدم فهم فابتسمت موضحة «هتجبلها كوافيرة هنا»
أمسك بذقنها المنحوت ومسده داعيًا «عقبالك يا بتي» قالها بنظرة غرقت في الأسى، فلثمت كفه قائلة «فحياتك ياحبيبي وتشيل عيالي كمان» عض شفتيه متأوهًا يقول برجاء «بس أشوفك عروسة يا بتي وكفاية» 
لثمت كفه المرتعش مرة أخرى توثق مودتها صامتة بحزن شاب نظراتها ولوّث سلامها النفسي، تهربت منه ومن الأحزان التي تسحبها لعالمها الأسود الذي تنغمس فيه
«يلا عشان تفطر وتطلع تتمشى شوية في الشمس والهوا» 
أومأ بابتسامة دافئة فساعدته على النهوض والحركة بعناية ودأب.. 
*******
دخلت قمر المنزل من بوابته الحديدية الكبيرة بخفة وخيلاء شديد، ملأ عطرها الأركان فرفعت ضي رأسها ترى تلك التي سبقها عطرها كبطاقة هوية ، المتعجرفة التي بُنيَّ بينهما سور منذ زمن يرتفع كلما تقابلا، ابتسمت لها قمر ابتسامة مترفعة كصاحبتها، حذرة لا تطالها العفوية ولا تشملها الرقة والمحبة ، فما بينها وبين ابنة أختها بحرًا ملوثًا بآثام الماضي.. ظلت ضي مكانها ثابتة لا تُبدي مودة ولا يزور ملامحها انتشاء أو بهجة بمجيئها حتى اقتربت قمر ومدت كفها بغرور «ازيك يا ضي» 
هتف فخر ببهجة حين التفت في جلوسه ورآها
«ازيك يا دكتورة جمر» 
حركت قمر كفها لزوج أختها فتلقفها بمودة وهزها بتقدير بين أنامله «ازيك يا أبو عبدالله» 
قالتها وهي تنظر لضي بنظرة متفرسة
«ازيك يا دكتورة » قالها الرجل بمحبة واحترام جعلها تحني هامتها قليلًا في تواضع وتجيبه «الله يبارك فيك يا أبو عبدالله طمني على صحتك» 
أجابها الرجل وهو يستند على عصاه الأبنوسية قائلاً «فنعمةالحمدلله» 
خرجت سحر حين لمحت أختها، هبطت السلالم الرخامية بسرعة ،تلقفت أختها الصغرى بين ذراعيها مرحبة كأنها لم ترها منذ زمن ، ثم سحبتها للداخل تاركة ضي بصحبة والدها الذي يخرج كل صباح معها ليجلس قليلًا بالحديقة حتى يأتي والده وأخيه ويشاركانه الجلسة. 
بعد قليل خرجت ضي من المطبخ ممسكة بكوب من الخزف غير عابئة بنظرات خالتها لها، متجاهلة تبادلها تعاليًا بتعالي، نادتها والدتها قائلة بمغزى«سلمتي على خالتك يا بت» 
أجابت ضي بابتسامة ساخرة «سلمت يا أما» 
لوت قمر فمها بصمت قبل أن تهتف «مشوفتش فستانك يا ضي» 
أجابتها ضي بضيق وغيظ مكتوم «لما ألبسه شوفيه» 
صرخت سحر في فتاتها رادعة «اتكلمي عدل يا بت مع خالتك» 
أمسكت قمر بكف أختها ناهية ببرود «خلاص يا سحر معاها حق لما تلبسه هيبان أكتر بس يارب ذوقه يكون حلو» 
ضحكت ضي قبل أن تغرس نظراتها بنظرات خالتها قائلة بمغزى «زي ذوقك يا خالتي» 
ابتلعت قمر ريقها وتوترت لفهمها ما ترنو إليه الصغيرة وما تقصده، استجمعت قواها وهتفت بأسى «يبجى عفش يا بت أختي» 
كادت ضي أن تتكلم لولا هبوط نور العاصف وصراخها بهم 
«أنتوا هنا وأنا فوج لوحدي يا أما! » 
نهضت سحر وخلفها قمر، بينما تحركت ضي ناحية حديقة المنزل الصغيرة تستعيد جزءًا من هدوء نفسها وبالها بعدما تشوش بمجيء خالتها.. جلست فوق العتبة الرخامية ناظرة للبعيد وأفكارها تعود لخمسة أعوام مضت متذكرة تحريض خالتها الصريح واتهامها لها الذي جلب النقمة على ابن عمها ووالدته وبثها سمومها ونفثها الحقد في أذن والدتها
«حرّصي من واد الحلبية وأمه لتسحرلها زي ما سحرت لأبوه وخدته منينا» 
«لاه لاه ضي تحت طوعي» 
«بتك بتتسحب بالليل وتروحلهم ويا عالم إيه حاصل بيناتهم» 
«يا وجعة شوم والله لأخلص عليها» 
عادت لواقعها والدموع تنساب من عينيها بهدوء واستسلام وكل قطعة من جسدها نالها الألم يومها تتذكر مثلها وتئن وجعًا.. 
انتبهت للحديث الدائر بين عمها ووالدها وجدها حين هتف والدها بصوت واهن «والضبع دِه غريب ولا من هنا؟» 
أجابه زيدان بحنكة «مؤكد من هنا دِه واحد عارف البلد وناسها ومبيسرجش غير المرتاحين» 
هتف الجد بنظرة شاردة «البلد اتملت أغراب اليومين دول كله كوم وجراح دِه كوم تاني» 
أجاب زيدان «على الأقل يا أبوي جراح بيعمر وماشي يوزع في الفلوس عالناس من غير حساب» 
سأل فخر باهتمام «حد عارفه منين؟ وتبع مين؟» 
أجابه زيدان «لاه بس باين عليه واصل مطرح ما يمشي الأرض بتتمهدله» 
قال الجد بحكمة «أبجا روح اعزمه على كتب الكتاب اهو الي منعوزش وشه بكرة نعوز لقفاه»
صدّق زيدان على قول والده «صُح يا أبوي راجل زي دِه يده طايلة لازم نقرب منه» 
صمت فخر بتفكير وحزن لا يفارقه منذ ما حدث. 

+



                                      


                
************
في الظهيرة
خرجت نور من الحجرة بخفة قابلتها ضي بابتسامتها الحنون فقالت نور وهي تعرقل خطواتها بالحديث وتقطع سيرها بجسدها «تعالي يا ضي ساعديني» 
ابتسمت ضي مرحبة بحنان «حاضر هفوت بس على أبوي أديله علاجه وأرجعلك» 
أومأت نور بصمت وقبول فهي تعرف جيدًا تعلق ضي بوالدهما وأهمية هذا المرور الدائم عليه لكليهما لذا صمتت بصبر واستسلام وعادت للحجرة، رجعت ضي بعد الكثير من الوقت مستعدة للمساعدة بحماس ،دخلت الحجرة فرأتها تفرز ملابسها، تقوم بترتيبها وإحصاء عددها، قالت ضي بنظرة لامعة «ناجصك حاجة تانية؟ كل حاجة تمام ولا أنزل قنا أجبلك» 
ابتسمت نور قائلة «لاه مفيش ناجصني بس شوية قمصان هبجى أنزل أشتريهم» 
أحمرت ضي بخجل واضح، مما جعل نور تضحك قائلة بسخرية «بتتكسفي يا دكتورة! دا أمك على آخرها منك والله» 
لوحت ضي بعدم اهتمام قائلة «أمك مش عايزة تفهم إن الجهاز ده بتاعي أنا أجيب الي عيزاه فيه ويعجبني مش يعجبها هي» 
عارضتها نور وهي تطوي الغلالات القصيرة بعناية واهتمام «عشان وشك الي بيحمر ده هي بتجيب ،وبعدين أنتِ يا ضي مبتجبيش غير عبايات بيتي» 
أشاحت بخجل واضح «أنا حرة» 
هزت نور رأسها بعدم اقتناع قائلة «متى هتشوفي حالك وتفوجي يا ضي؟» 
تأففت ضي وهي تنظر للملابس الكثيرة حول أختها بانزعاج «وماله حالي يا بت أبوي؟ فكراني زعلانة عشان هتتجوزي جبلي؟ لاه اطمني » 
تركت نور ما بيدها متنهدة بيأس وإحباط قبل أن تجلس قائلة بصرامة رغم أنها الصغرى «عارفة إنه مش في بالك وفرحنالي بزيادة بس فوجي لحالك وشوفي كام عريس رفضتيه هتترهبني ولا هتترهبني؟ أنتِ الي زيك معاه عيال» 
تأففت ضي باستياء شديد قبل أن تحني رأسها ممسكة بجبهتها في ضيق جعل نور تهزها من ركبتها تواجهها بفظاظة «مش هيرجع لو عايزك مكانش مشي وسابك» 
انتفضت ضي قائلة بهجوم «ممشيش بمزاجه ولا بكيفه كان غصب عنه؛ دا اتحبس» 
هتفت نور بغيظ «اهو جولتي اتحبس يعني بجى رد سجون هتتجوزيه كيف يا حزينة وأنتِ دكتورة؟» 
قالت برجاء حار «بس هو يرجع يا نور» 
انتفضت نور صارخة بردع «اعتبريه مش هيرجع مستنياه ليه وموجفة حياتك عشانه!! » 
وقفت ضي هاتفة بحزن عميق «عشان هو حياتي افهمي محبتش ولا هحب غيره» 
ضربت نور كفاً بكف في يأس وحزن وهي تقول «وهو؟» 
أوضحت ضي بأعين دامعة «مهما جولتلك مش هتفهمي و جفلي على الموضوع ده» 
هتفت نور بعصبية «مش هجفل ولو مبطلتيش دوّير عليه وروح وجي هجول لأمك على عمايلك» 
صرخت ضي بغضب مكتوم «جوليلها وأنا مش هبطل أدور عليه فكل مكان هتعمل ايه يعني؟ هتضربني عادي، هتحبسني متعودة»
قالت نور بكيد ونظرة متشفية «لاه هخليها تغصبك عالجواز طالما مش هتشوفي حالك» 
اندفعت ضي صارخة في وجهها «مالكيش دعوة يا نور وسبيني ولو عملتيها هيبجى الي بيني وبينك خلص» 
قالتها وخرجت من الحجرة صافقة الباب خلفها بقوة، اتجهت فوراً لحجرة والدها، طرقت مستأذنة ودخلت رامية على أعتابه ألمها، جلست على ركبتيها جواره بصمت حزين جعله يسألها بقلق«مالك يا بتي؟» 
وضعت رأسها على كفه ودموعها تتقافز فدلّك فروتها هامسًا بحنان ولطف «مين زعلك جوليلي؟أمك ولا نور» 
همست مصارحة له وهي تسترخي بتعب، مستسلمة لأنامله الحنونة التي تربت فوق رأسها «مفيش زعلانة عشان نور هتمشي وتسيبنا» 
ابتسم مجاريًا لها رغم عدم اقتناعه فهو يعرف علتها جيدًا «بكره انتي كمان تمشي وتروحي بيتك» 
دفنت وجهها في الفراش وبكت بحرقة شديدة وحسرة جعلته يتنهد داعيًا لها بحنان وعطف كبير. 
لا يعرف هل أخطأ يوم فتح لها الباب وأمرها بالولوج لعالمه أم كان على صواب وحق ، هل أرضى أخيه على حساب ابنته أم ضيّع الاثنان. 
********
هتف نبيل وهو يسير بكرسيه المعدني ناحية ليلى الواقفة تفرّش أسنانها بملل «مش هتروحي لبت عمتك؟» 
امتقع وجه ليلى بقرف وضيق قبل أن تنزع الفرشاة وتنثر المعجون مع كلماتها الغاضبة «مبطقش أختك يا نبيل شوفتها بتقلب بطني وأنا برشام القولون معادش جايب نتيجة معاي» 
ابتسم نبيل لقولها وقال مستميلًا لها يشعل رغبتها في الحضور بقوله الذي حمل الطعم كالصنارة «وهتسيبي ضي لوحدها فليلة زي دي» 
لوت فمها مفكرة في كلماته، رفعت حاجبها بنظرة مقتحمة لأفكاره فابتسم لها بوضوح يؤكد حدسها فمضمضت فمها ثم قالت بضيق «أختك بتسم بدني يا أبوي وأنا مبجدرش مردش وأنت بتزعل» 
قال بتأكيد ونظرة ثاقبة «وهتسم بدن ضي كمان اهو تتسمموا سوى بدل ما كل واحدة تتسم لوحدها» 
ختم قوله بضحكة متحشرجة فابتسمت قائلة «رايق أنت والله ،معاك أختين هيدخلوك النار وصاحي بتهزر» 
قادته حيث الصالة الواسعة فقال وهو ينظر للأعلى «اهو مرة نكون مع بعض ونتفق على حاجة أنا وهما» 
جلست متأففة تصنع لها وله كوبين من الشاي فصمت بتفكير وشجن، طال صمته فرفعت نظراتها لوجهه تستوضح السبب وتستقريء الأمر فقرأتها بوضوح جعلها تترك الشاي متعللة، هربت لحجرتها محتمية تحرر دموعها وحزنها بعيدًا حيث أنها لم تعتد مشاركة أحد وجعها أو رؤية أحد لدموعها، تختبيء دائمًا بعيدًا عن الأعين وحده "الغائب" لم تكن تقدر على فعلها بعيدًا عنه أو بدونه، يشاركها رغمًا عنها ويتودد ليعرف السبب حتى تهدأ فيقوم بالمشاركة الوجدانية بكل طاقته، يمكث قربها ولا يبرح حتى تعود إليها ابتسامتها التي يحب. 
تأوهت بضعف وهزيمة قبل أن تمسح وجهها وتعود لوالدها الذي تعرف جيدًا أنه ليس بأقل منها حزنًا. 
*********
ترجل من السيارة فاستقبلته هدير بلهفة واضحة وهي تتقدم غير منتظرة «ازيك يا جراح بيه؟» 
ابتسم لها بلطف مُجيبًا دعوة الصدق في قولها «ازيك يا هدير جاية بدري يعني!» 
تنحنحت مبررة بحرج وخجل انعكس بالحمرة على خديها «جولت نخلّص في الوجت البدري» 
سألها وهو يسير أمامها واضعًا كفه الأيمن في جيب بنطاله القماشي «جبتي الورج ودفتر الحساب» 
أجابته وهي تسير خلفه بخطوات مهرولة تجاري بها خطواته السريعة «أيوة بس أنا كنت عايزة اتكلم معاك فحاچة» 
جلس تحت مظلة خشبية فوق كرسي خشبي مستمعًا لها يفرد لها جناحي الصبر والرحمة لتستظل تحتهما «اتفضلي يا هدير» 
شجعتها ابتسامته اللطيفة فقالت «كنت عايزة نعمل جزء للأقساط» 
أشار لها بمرونة في التعامل «اجعدي الأول يا هدير» 
جلست على استحياء فابتسم قائلاً «ها جولتي نعمل جزء أقساط» 
أجابته بخجل جذبه ليطوف بنظراته على ملامحها الناعمة الرقيقة «مش كل الناس هنا تقدر على الكاش يا جراح بيه في كتير ناس على كدهم شغالين باليومية، ليه منبعلهمش الأجهزة بالجسط» 
شرد قليلًا متأملًا ملامحها المنمنمة، عينيها اللوزية وأنفها المستقيم، شفتيها، عند ذكر شفتيها تنحنح مستعيدًا صلابته فقد كانتا ورديتين ناعمتين بطريقة شهية تدعوا من هو مثله مولع بالجمال الطبيعي الملفت ،يكره مساحيق التجميل التي يضعونها، تزيدهم قبحًا في عينيه وتزيده نفورًا منهن، عدّل من جلسته يخفي توتره وانزعاجه من منحنى أفكاره ، يحاول أن يقف على أرض الثبات «هشوف يا هدير وجهة نظرك مظبوطة ، سبيني أفكر بس يومين» 
لاحظ ما حدث الواقف قريبًا، التقط بقناصتيه وفراسته ما دار في ذهن صاحبه، حدسه الممتليء بانعكاسات جراح، فهم ما يحدث فابتسم بتهكم. 
بعد قليل نهضت هدير مستأذنة بعدما انتهت مهمتها التي جاءت لأجلها فتحرّك صديقه ناحيته بنظرة غامضة يقول مستهزئًا «حلوة هدير» 
أكد جراح قول صاحبه بما لا يسمن ويغني من فضول وبنظرة غامضة «حلوة » 
جلس قباله بنظرة مستفسرة وهو يقول «بتساعدها مصلحة ليك؟» 
رمقه جراح بنظرة غامضة مازال لا يأمن لغازي، يشعر منه بالغموض والكتمان لذلك قرر ألا يفضي له بالكثير ويراوغه قدر المستطاع «يمكن»
اتكأ غازي بظهره للخلف مستفسرًا بتلك النظرة الثاقبة التي لا يرتاح لها جراح «عملت ايه؟ تصاريح البنا طلعت؟» 
أجابه جراح بنظرة شاردة وابتسامة ساخرة «طلعت، بتوع المجلس المحلي ملهمش غير فلوس ياخدوها وهيطلعوا» 
حك غازي ذقنه وهو ينظر إليه بصمت فقال جراح بغيظ «خدت مننا الي مخدوش حد بت المركوب قبل وبعد» 
قال غازي وهو ينظر للبعيد «المهم خلصت» 
نهض جراح غير مكثرٍ في الحديث مخبئًا أفكاره بعيدًا لا يعرضها حتى لا تطالها تساؤلات العابرين ولا تتلصص عليها الأعين الفضولية «أنا نازل قنا اتغدى تيجي معاي؟»
هز غازي رأسه قائلاً «لاه هلف على المحلات» 
ارتدى جراح نظارة الشمس خاصته ورحل مودعًا صاحبه وشريكه الذي استرخى فاردًا ساقيه فوق الطاولة التي أمامه. 
******** 
جلست بينهن صامتة تتجاهل غمزات والدتها لها بالانتباه ونظراتها المحذرة الرادعة كلما شردت بعيدًا، تبتسم بين الحين والآخر وحدها كأنها مجنونة وأحيانًا تتمتم كالساحرات بما لايسمعونه، بلغ غيظ والدتها أقصاه ، لكن قمر خالتها هدأت من غضب أختها وهمست لها بأن تصبر عليها فلا هو وقت فضائحهما ولا مكان مناسب لافتعال شجار، فلتحافظ على فرحة نور وتترك ضي وشأنها.. 
تحملت سحر لاعنة داعية في سرها، شعرت ضي بالملل من ثرثرة النسوة الفارغة واستعراض والدتها للذهب والملابس ثم جهرها بما تشتريه لنور وتجهيزات شقتها المكلفة باهظة الثمن، استغلت انشغال الجميع وهربت من بينهن متسللة للخارج، جلست على إحدى عتبات المنزل الرخامية للباب الخلفي تقلّب الصور داخلها هاتفها البسيط والذي ترفض تبديله لآخر، ابتسمت حين طالعت صورة الخالة صبر، حدقت فيها بشجن وشوق ثم ابتسمت حين رأت صورة أخرى لهما سويًا التقطتها بسرعة وهي تقبلها على خدها رغمًا عنها، تذكرت رفضها لتلك الصورة لكن إصرارها هي على الاحتفاظ بتلك الذكريات وتحنيطها في متحف خاص جعل صبر ترضخ بغيظ فخرجت بعض الصور مضحكة. 
مسحت دموعها بظاهر كفها وتابعت، دندنت وهي تتأمل صوره التي تحتفظ بها في ملف خاص برقم سري 
«بعدك على بالي
يا قمر الحلوين
يا سهر بتشرين
يا ذهب الغالي
بعدك على بالي
يا حلو يا مغرور
يا حبق ومنثور
على سطح العالي» 
رفعت نظراتها للبقعة المظلمة جوار قصرهم الكبير ، راودها الشوق في أن تذهب وتتفقد المكان ، أن تحيا الماضي بعبق رائحتهما، تستحضر الذكريات بعطر أنفاسهما الساكن كما الهواء هناك ربما يتجسد لها طيف الغائب فتحكي له ما شاءت. 
تذكرت المفتاح الفضي الذي تحتفظ به في سلسلة فضية حول عنقها، أخرجته وتلمست المفتاح بأناملها استعدادًا للقاء، تحركت غير متباطئة أو مترددة، تهرول كأنها ستجدهما هناك بانتظارها، دخلت المنزل وأغلقت خلفها بسرعة، تفقدت المكان غير المهجور بحنين، كيف يُهجر وروحيهما تسكنه، كل أسبوع تستغل إنشغال والدتها أو خروجها لأي سبب وتدخل لتنظيفه وترتيبه، وحين تنتهي تُشعل في حجراته البخور كما تعودت خالتها صبر وعودتها هي أن تفعل، دخلت حجرته كما تحب ،جلست حول مكتبه البسيط مبتسمة متذكرة مشاكستهما الدائمة وشجاراتهما التي تنتهي بمصالحته لها واعتذاره المرفق بقطعة شيكولاتة مما تفضله. 
__________
«بت ايه جايبك عندينا في الليل كده! » قالها حين دخل ولمحها تجلس جوار والدته ملتصقة بها في محبة ظاهرة وطمأنينة تغري بالابتسام
قالت بنظرة مغتاظة خبأت بها شوقها ولهفتها بمجيئه «أنا أجي براحتي فأي وقت» 
خبأ ابتسامته وقال متظاهرًا بالضيق «لاه متجيش ومش كل يوم أدخل الاقيكي كامشة فأمي زي الجردة» 
ذمت شفتيها بضيق من نعته الساخر لها بالقردة وقالت مستعينة بصبر تستعطفها «سامعة يا خالتي بيجول إيه» 
تركتها صبر ونهضت قائلة «اهدوا أمال ، كفاية مناقرة» 
هتف رضوان وهو يدخل حجرته «حضريلي العشا يا أما» ثم نظر للجالسة موجهًا أمره «وأنتِ أدخل أطلع ملاقكيش عشان عارفك هتجعدي تمسحي الصينية» 
أشاحت مغتاظة لاعنة فدخل وأغلق ضاحكًا، بعد قليل خرج بملابس مهندمة تفوح رائحة عطره مع كل خطوة يخطوها ناحيتهما، جلس مستنكرًا «ممشتيش بردك يلا عليه العوض فعشايا» 
ابتسمت والدته بصمت ، بينما قالت ضي لإغاظته «خالتي عاملة حسابي متخافش على منابك» 
نظر للأطباق بخيبة ثم هتف «لاه خدي منابي ومنابك»
ضحكت ضي بمتعة، وانكفأت على الأطباق ملتهمة ما فيها بشهية جعلته يتوقف مراقباً ما تفعله قائلاً «هو بس لو يطلع عليكي ياضي مش هنستخسر بس أنتِ درّاسة من غير فايدة» 
رمقته بضجر من خلف نظارتها الطبية فقهقه قائلاً «في حد يا بغلة يسيب المحمر والمشمر وياجي ياكل بصارة ومخلل وجبنة بيضة» 
قالت «مالكش دعوة ومتحسبش عليا الأكل مش باكل من جيبك» 
سخر منها وهو يواصل الأكل «أمال من جيب مين يا أختي» 
أخرجت له لسانها قائلة «خالتي صبر» 
ضحك قائلاً وهو ينهض نافضًا كفيه «كلي مخلل واشربي فالمية عشان تبقللي زي السمكة يا بغلة» 
أشاحت غير راضية، فجأة تذكرت ما جاءت لأجله فنهضت راكضة تجاهه منعته من الخروج بوقوفها أمامه «رضوان عيزاك تفهمني حاجة في الواجب» 
أجابها بابتسامته المشرقة التي قل ما يتخلى عنها «مفاضيش رايح عند ليلى» ثم مال وهمس لها بغمزة «عملالي عشوة حلوة من الي بحبهم وكمان بسبوسة بالجشطة» 
توهجت نظراتها وقالت وهي تمرر لسانها فوق شفتيها «هاتلي حتة معاك» 
وضع كفه على وجهها رافضًا بغيظ «لاه خفي هتقضي عالأخضر واليابس» 
تأففت وهي تنزع كفه من على وجهها فخرج وسحب الباب خلفه وما إن استدارات زافرة بقنوط حتى فتح الباب وأدخل رأسه قائلاً «ضي متروّحيش مش هطوّل هناك هاجي أشرحلك» 
التفتت ضاحكة تشكره «شكرًا يا أحلى ابن عم» 
لوّح مودعًا وأغلق ليعود برأسه للداخل قائلا بجدية «عايزة حاجة أجبهالك معاي؟» 
قالت بلهفة «هاتلي جلمين معاك من المكتبة» 
مدّ ذراعه وصفعها برفق على خدها بطريقة تمثيلية قائلاً «خدي آدي القلمين» قالت بغيظ «غلس» 
رفع كفه لرأسها كأنما يقبلها معتذرًا بضحكته وبعدها غادر، أغلقت ضي خلفه وعادت لتجاور والدته بعدما لملمت الأطباق وأعادت للمكان ترتيبه. 
عادت للواقع بدموع متجمدة على خديها، رشت رذاذ المعطر فوق التخت الصغير وخرجت مغلقة خلفها الباب ليصطدم جسدها بجسد رجولي جعلها تشهق برعب، على ضوء مصباح الإنارة القادم من النافذة التي دخل منها لم ترى منه سوى عينان تبتسمان بتسلية لا ترهبهما المفاجأة مثلها ولا ترتعش نظراته بالخطر والحيطة ،فقط يتأملها كأنه يستمتع باللحظة، صرخت برعب تمكن منها فاندفع ناحيتها، أحاط كتفيها لصدره في دفاع وحذر، ثم كمم فمها بكفه لاعناً بصوت خافت «حظي وعارفه وحافظه صم» صرخت بصوت مكتوم فهمس جوار أذنها بصوت خافت جدًا «اهدي امال عشان الليلة تعدي» 
*************
«رضوان 2015» 
ما إن علم بنتيجته حتى ركض ناحية منزلهم ليبشر والدته أولًا ثم يخبر جده فخورًا بصنيعه وتعبه طوال عام كامل، الآن اقترب من حلمه وحلم والده ، سيصبح طبيبًا تفتخر به والدته، دخل المنزل الكبير لأول مرة غير مهتم، عبر للداخل باحثًا عن والدته.. 
«صبر» ناداها غير مراعيًا ولا مهتمًا بسكان المنزل، وجدها في المطبخ الكبير تعجن الدقيق فجلس أمامها لاهثا «باركيلي يا أما» 
سحبت ذراعيها من العجين وخرطت ما يغطيهما بأناملها متسائلة«خير يا ضنايا؟» 
التقط أنفاسه وقال بفرحة كبيرة «جبت مجموع كبير يا أما يدخلني طب» 
صاحت صبر بفرحة «هتبجى دكتور يا رضوان! »
ضحك قائلاً بسعادة «إن شاء الله» 
نهضت لتضمه ففعل مثلها، ضمته بدموع الفرح ثم ابتعدت عنه مراعية ببساطتها «خلجاتك هيتدعكوا عجين يا دكتور» 
قبّل رأسها ضاحكًا يقول بحنو «الدكتور وخلجاته فداكي يا ست الحبايب» 
دخلت سحر المطبخ فوجدتهما على حالهما منتشيين من الفرح فتقدمت متسائلة بغيظ تكدر لحظاتهما بسخريتها «خير إن شاء الله ليه مشهد الغرام دِه عالصبح؟»
اندفعت صبر ناحيتها تخبرها بفخر «ولدي رضوان نجح» 
تخصرت متسائلة بغطرسة «وجاب مجموع زين على كده؟» 
عادت صبر لولدها الذي تغيرت ملامحه وعبس في ضيق، نظرت إليه قائلة «هيبجى دكتور بإذن الله» ثم ختمت قولها بزغروتة عالية جعلت سحر تصرخ مستوقفة بحقد واضح «بس بس» 
سكتت بطاعة بينما جز رضوان على أسنانه بحنق من سوء معاملة تلك المغطرسة لهما ، سألت سحر بشك «وعلى كده جبت كام؟» 
أجابها بنظرة كارهة رغم فخر نبرته بصنيعه يبارز غطرستها بأخرى «98ونص» 
بصقت سحر الماء من فمها حين نطق وقالت متعجبة دون مواربة «واه» 
مال فمه بابتسامة متشفية بعدما أدرك وانكشفت له دواخلها المظلمة، صاحت دون تعليق «خلصي العيش يا صبر ولا هتجعدي جصاد ولدك! منكلوش النهاردة عشان خاطركم» 
عادت صبر بصمت للعجين بينما خرجت سحر غاضبة ،جلس رضوان أمام والدته يطلب بحزن «متجيش تاني هنا يا أما تخدميهم» 
أسكتته بنظرة تتفقد الباب «ششش بس يا ولدي حد يسمعك وياخدوا على خاطرهم منك» 
أدمعت عيناه قائلاً «أنتِ زيك زيها هنا» 
نظرت إليه مبتسمة بسخرية قبل أن تتنهد قائلة «سيبك من الكلام الفاضي ده؟ نسيت أبوك قالنا إيه؟ نسيت وصانا كد ايه؟» 
قال بحزن «وصانا على أهل مش أهل يا أما بيعاملونا كننا خدامين» 
ردعته بنظراتها قائلة بابتسامة حنون تلهيه عن حزنه بفرحة النجاح «بكرة تبجى دكتور كبير الناس تشاور عليه »
أشاح بصمت فشجعته «روح بشر جدك هيفرح جوي » لكنها سرعان ما اقترحت «لاه روح بشر الأستاذ نبيل الأول واطمن على ليلى حبيبتك» 
نهض بصمت وحزن ، استدار خارجًا بينما رفعت هي ذراعيها تدعوا لله له بتضرع وابتهال. 
أثناء جلوسه بصحبة نبيل وليلى التي جاهدت لتخرجه من حزنه، جاءت الأخرى راكضة، وقفت أمام الباب لاهثة فتحولت أنظار الجالسين إليها.. وقف رضوان واندفع ناحيتها يسألها بقلق «مالك يا ضي إيه جايبك على ملا وشك كده» 
صرخت بفرحة وهي تقفز للأعلى قفزة نصر ورضا «مبروووك يارضوان» 
ضحك نبيل وليلى على فرحتها كما ضحك المقصود بهذا الفرح وسألها «عرفتي منين» 
دخلت المنزل بصمت، قبلت كف نبيل باحترام ثم التفتت له قائلة«خالتي صبر» 
سألت ليلى «عملتي إيه؟» 
رفعت ليلى حاجبها قائلة بنظرة فوقية «أنت مش جاية تباركي لسي رضوان ! خلاص» 
ضمتها ضي مقبلة رأسها بشقاوة ترجوها «خلاص متزعليش طمنيني» 
كتمت ليلى ضحكاتها وأبعدتها متظاهرة بالنفور «قرادة؟ إيه ده!» 
حرك رضوان حاجبه مغيظًا ليلى «أنا أكتر منها» 
صاحت ليلى بغيظ «هما اتنين فالمية» 
قفزت ضي مصفقة تهتف «يعني طب بإذن الله» 
شجعها نبيل بفخر ومحبة «شدي حيلك وحصليهم» 
قالت في استعداد متحمسة «ان شاء الله» 
********
في المساء
خرج من المنزل مُجيبًا زوجة عمه بابتسامة رائقة ونظرة متلاعبة تتظاهر بالوداعة «ازيك يا خالة» 
نظرت إليه بنفور شديد داعية عليه بانزعاج رسمته قسماتها «خلخل لبانك» 
ربت على صدره شاكرًا بنفس الوداعة التي تستفز كراهيتها «كتر خيرك يا خالة اتفضلي» 
رمقته باشمئزاز قائلة وهي تنظر داخل المنزل المتواضع «اتفضل فين يا نذير الشوم أنت» 
حافظ على ابتسامته قائلًا بلطف «مش بتنادي؟» 
أجابته وهي تطحن أضراسها بغيظ «بنادي على الواكلة أمها ضي» 
قلّب شفتيه قائلًا بمكر «وإيه هيجيب ضي هنا ؟ دي حتى الدنيا مضلمة» 
تأففت قائلة بنظرة مرتفعة للسماء باستغاثة وقالت «صبرني يارب» ثم توعدت فتاتها «بس أشوفك يا مجصوفة الرجبة» 
انسحبت عائدة تلعنه بينما هو يهتف خلفها «جيتي فايه وماشية فايه يا خالة استني» 
عاد للمختبئة مطمئنًا لها فقهقهت مستحسنة تثني على صنيعه «برافو شاطر كدا يا دكتور» 
حسها بحنان «يلا امشي من ورا عشان متكلمكيش ولا تشك» 
لملمت كتبها ووقفت أمامه شاكرة برقة «شكرًا يا رضوان متنساش بقا تصحيني الفجر زي ما اتفقنا» 
هتف قائلاً بعطف «حاضر مش هنسى يا ضي» 
تحركت من أمامه بعدما ألقت لوالدته المتابعة بابتسامة قبلة في الهواء لكنها توقفت مكانها بعد خطوتين وعادت إليه هامسةً «رضوان» 
نهض من جلسته مُجيبًا بتأهب «أيوة يا ضي» 
ابتسمت وخديها يزهران بالخجل «متزعلش من كلام أمي أنت مش نذير شوم ولا حاجة و في سيرتك كل الخير» 
شكرها بلطف وتقدير مانحًا لها ابتسامته و وده في نظرة دافئة «شكرًا يا ضي أنا مش زعلان ولا حاجة اتعودت» 
ضحكت مودعة له «ماشي يلا سلام يا دكتوري العزيز» 
شيعها بابتسامة حتى ابتلعها الظلام ثم عاد ليجلس مكانه هتفت والدته من داخل المنزل «ربنا يسعدها، البت بلسم والله» 
تنهد بصوت مسموع دون تعليق مكتفيًا بما يزاحم قلبه من مشاعر تجاه تلك الفراشة التي تحلّق حوله دائمًا ولا تتركه وشأنه كما إخوتها وبقية أهل والده. 
دعت والدته بما استحق سخريته وتعليقه المتهكم«ربنا يجعلها من نصيبك يا ولدي» 
ضحك قائلًا بسخرية واستخفاف « نامي يا صبر وادعيلي بنصيب من اسمك» 
سألته وهي تنفض كفيها مما تفعله «رايح فين دلوك؟» 
أجابها وهو يلف شاله حول وجهه «رايح أسهر مع عم نبيل » 
ودعته بحرارة الدعاء وصدقه «ماشي يا ولدي ربنا ينور طريقك ويجعل فآخره وأوله ضي» 
علقت دعوتها في ذهنه، التصقت في قاعه وعلى جدرانه فسار يرددها بهذيان محموم وهو يفرك كفيه باثًا في جسده الدفء «ويجعل فآخره وأوله ضي»
تسللت ضي لداخل المنزل الكبير، كادت أن تركض للأعلى هربًا من والدتها واحتماءً بحجرتها قبل أن تراها قادمة لكنها توقفت فور أن نادت والدتها عمها «زيدان» 
التفت مستفسرًا «أيوة يا مرت أخوي» 
سبقته في الجلوس قائلة بغرور «تعالى عيزاك فموضوع مهم» 
تنحنح وهو يخطو ناحيتها، جلس بالقرب منها في ركن بعيد من الصالة الفسيحة لا تطاله الآذان لكن تطالعه الأعين، ابتلعت ضي ريقها واختبأت خلف العمود القريب تسترق السمع باهتمام «عرفت إن واد الحلبية جاب مجموع كبير» 
هتف زيدان بحنق وحقد «عرفت» 
قالت من جديد بمغزى «عرفت إنه عايز يدخل طب!» 
قال وهو ينظر للبعيد «لازم مجموع زي دِه أكيد هيدخل أعلى حاجه» 
سألته بمكر «وهتسيبه؟» انتبه لها مستفسرًا باهتمام «يعني إيه؟» 
قالت سعيدة بحوزها اهتمامه وانتباهه «يعني واد الحلبية مينفعش يكون أحسن من عيالنا وعلى حد علمي ولدك فتحي مجابش مجموع» 
قال بحسرة «أيوة خيّب أملي» قالت بابتسامة ظافرة «خلاص يبجى رضوان ميدخلش طب ويدخل نفس الكلية الي هيدخلها ولدك» 
سألها باهتمام «ودي هنعملوها كيف؟» 
أجابته وهي تنظر للبعيد بتفكير «هنلاجيلها حل المهم ميبجاش أحسن من عيالنا ولا الحلبية بت الحلب يكونلها جيمة وشأن هي وولدها» 
كتمت ضي شهقات بكاءها بصعوبة بالغة حتى انتهى اللقاء، تسللت قبل أن تلاحظ والدتها وجودها مستغلة انشغالها بتدبيرها الشيطاني لا تصدق ما سمعته ولا سواد قلب والدتها ورغبتها في حرمان رضوان من حلمه. 
*****
بعد مرور يومان دخل الجد يطرق الأرض بعصاه في غضب حارق وخلفه زيدان بنفس الهيئة المظلمة، جلس البهنساوي مستريحًا ثم هتف آمرًا ولده «نادي صبر يا واد» 
نهض زيدان بابتسامة نصر مخبأة يطرق الأرض بعصاه الأبنوسية طرقات متباهية تشع فخرًا وغرورًا، وقف أمام باب المطبخ بلا تنبيه أو نحنحة تُعلم الواقفة بمجيئه ، تأملها قليلًا بنظرة وقحة قبل أن يهتف «صبر» 
توقفت عما تفعل مرتبكة، بسرعة عدلت خمارها الواسع بسحبه للأمام وبعدها أجابت بتلجلج «أيوة يا أبو فتحي» 
قال وعيناه لا تتوقفان عن النظر ولا ترتدعان بحرج أو احترام«أبوي عايزك» 
مسحت كفيها بجلبابها الأسود الفضفاض قائلة «حاضر» 
غادر منتظرًا مجيئها جاور والده بينما هبطت سحر الدرج، جاءت صبر على الفور، امتثلت أمام الرجل محيية له بلطف وابتسامة مهزوزة وقلق يتكاثف داخل صدرها من نظراته
«نبيل النهاردة كلمني على رضوان» 
قالها الجد بنظرة لائمة مملؤة بالغضب فارتبكت مستفسرة «خير؟ » 
بنظرة خبيثة تطوّع زيدان بالإجابة «روحتي اشتكتينا ليه يا صبر! »
ارتبكت أكثر وزاغت نظراتها قبل أن تتمالك نفسها وتقول موضحة موقفها تبرر «لاه مشتكتش والله» 
قال الجد بغضب «دايرة تلسني علينا وتجولي مرايدينش نعلموا ولدك عشان المصاريف» 
تبرأت بعينين ممتلئتين بالدموع «لاه أنتم أهل كرم والواد ولدكم» 
قال زيدان وهو ينظر بتشفي«ده جزاة أبوي عشان عايزه يكون دراعه اليمين وسنده فالشغل، لو عفش كان قاله متتعلمش لكن هو بيجوله خش تجارة تفيدنا وتنفعنا» 
اقتربت سحر متدخلة في الحديث «الجهل عفش يا أبو فتحي هي صبر هتعرف منين تجارة من طب» 
مسحت صبر دموعها التي تنهمر بلا هوادة وقالت بتوسل «بس أبوه كان نفسه يبجى دكتور ورضوان كمان، أمانة عليك يا أبا الحاج ما تكسر خاطره» 
طرق الجد الأرض عاصفًا «لما أجوله خليك جنبي يبجى بكسر خاطره يا مخبولة! أما إنك صُح حلبية بت حلب» 
تدخلت سحر بغطرسة «لو حد غيرنا كان رماكي أنتِ وولدك بعدما الغالي مات بس خالي يعرف ربنا» 
قالت بانكسار وهي تنظر لثلاثتهم بحسرة بعدما اجتمعوا على حزنها «ربنا يخليه لينا ، رضوان هيعمل الي عايزينه ومش هيخرج عن طوعكم» 
تدخلت ضي صارخة حين سمعت إذعان صبر ورضوخها، تدخلت بشجاعة غير عابئة بما سينالها من عقاب «لاه يا خالة صبر رضوان هيدخل الكلية الي نفسه فيها» 
انتفضت سحر ناظرة لفتاتها بشرر مهددة ومحذرة «غوري يا بت على أوضتك اجنيتي! مالك أنتِ ومال الكلام دِه؟» 
نظرت ضي لوالدتها قائلة ببسالة «رضوان واد عمي» 
اقتربت سحر منها وصفعتها بقوة جعلت توازنها يختل قليلًا لكن ضمة صبر الحنون أعادتها صلبة، واقفة ترمق والدتها بشجاعة،متحدية لا يعنيها الألم قدر اهتمامها بألا يُكسر قلبه، جذبتها والدتها من حجابها ودفعتها ناحية الدرج «غوري بدل ما أكسّر عضمك» 
تسمرت ضي مكانها بعنادٍ دليل على إصرارها وتشبثها برأيها، فخافت عليها صبر من عواقب ذلك فتوسلتها بلطف «روحي يابتي رضوان ربنا معاه» 
خافت ضي من معاقبة صبر على أفعالها وصب غضب والدتها عليها ، فامتثلت وصعدت للأعلى بينما أنهت صبر الأمر بموافقتها و وعد باقناع ولدها برغبتهم.. جرّت ساقيها جرًا ناحية المطبخ، جلست فوق الأرض الباردة تدعي بحرقة ودموعها تنهمر «حسبي الله ونعم الوكيل... يارب» 
#انتهى
#عـائــِـــ_حُسين_شـَـــة
#رحى_الأيام
#اللــــهــــــم_صــــل_وســـلم_وبــــارك_على_ســيــدنـا_مــحـــمــــد

+


تعليقات