رواية رحي الايام الفصل الثاني 2 بقلم عائشة حسين
«الفصل الثاني»
««حين يختصر الهوى تنهيد
والشوق دعاء، والحنين ابتسامة ، نهمس أيها المشتاق صبرًا»»
******
«نعود لمكانٍ يعرفنا ونعرفه بقبلة حنين، فيمنحنا كل ما شعرنا به فيه يومًا مكافأةً.»
+
رغم تلك المفاجأة كان هادئًا، بارد الأعصاب، أنفاسه تخرج بانتظام عكس أنفاسها الثائرة وعقلها الذي يجوب بقاع الأفكار مخمنًا هوية هذا المعتدي ، همس بصوت يملؤه الشجن رغم عدم وضوحه جيدًا «جارة الجمر»
هزت رأسها بعدم بفهم وتساؤل، مندهشة من هذا اللقب، فألقى على مسامعها المزيد من الحزن الممتزج بالشجن العتيق «كنا وكانوا على عهدٍ فقد ظعنوا»
زادت دهشتها أطنانًا و اعتملت الحيرة قلبها، يبدو أنه ليس سارقًا أو معتدي مقتحم ، بل حزين أتى على موعد مع الشوق مثلها، متربصًا يترصد الحنين الذي يطهّر القلب من الشوق
«هسيبك متصرخيش أنا مجييش أسرج ولا آذي متجبرنيش على حاجة محببهاش»
صوته مكتوم، لا تتبين نبرته بوضوح ولا تستشف من شفرتها هوية صاحبها، لكنها أومأت تمنحه الوعد والالتزام فهمس «عارفك مش هتخيبي ظني يا داكتورة»
تركها فورًا بعدها فاستدارت متقهقرة خوفًا من تراجعه، تحاول تدقيق النظر فيه، نظر إليها باستهزاء قبل أن يركض ويقفز للخارج من النافذة المفتوحة، ركضت خلفه علها تلتقط صورته لكنه كان أسرع من البرق ، ابتلعه الظلام المحيط بالمكان كما يبتلع البحر الأسرار.
أغلقت النافذة ورحلت عائدة للمنزل
**************
في إحدى شقق محافظة قنا
وقفت نهلة متأففة تقول بضيق واضح «هو لازم يا فتحي نروح دلوقت؟»
أجابها وهو يستعد مثلها في تجهيز الحقيبة ووضع ما يلزمه فيها «بدل ما نصحى بدري يا نهلة والوقت يضيع، نروح ونبيّت هناك»
نفخت بسأم قائلة «مبحبش القعدة هناك»
حاول تهدأتها وامتصاص ضيقها بحنانه «معلش يا نهولة يومين ويتقضوا»
جلست على طرف الفِراش مصارحة له «مبحبش مرات عمك سحر دي ولا طريقتها وكمان بنتها ضي بحسها مش طيقاني»
جلس جوارها ممسكًا بكفها يضمه قائلًا وهو ينظر لعينيها «ميهمكيش منهم ملهمش حاجة عندك هنروح نعمل الواجب ونرجع معايزش جدي وعمامي يزعلوا»
نهضت محاولة إثنائه والتهرب من الذهاب تقترح بحذر «طيب روح أنت وأنا هروح عند بابا أقضي معاه الأجازة»
زفر قائلاً بحدة ينهي بها الجدال «مينفعش يا نهلة أنا معايزش كلام وحديت»
عضت باطن شفتيها بغيظ قبل أن ترضخ مستسلمة لقراره وتواصل تجهيز الحقيبة كما يلزم»
أثناء سحبها لأحدى قطع الملابس من الخزانة سقطت ورقة أرضًا جذبت انتباهه فقرر التقاطها بسرعة قبل أن تنتبه لها، فتحها فسألته بلا اهتمام «بتقرأ إيه دلوك يا دكتور؟»
رفع نظراته المتقدة بالغضب من فوق الورقة مُجيبًا «تعالي شوفي يا هانم»
تعجبت من لهجته الحادة ونظراته التي صفعتها بالغضب، فاقتربت تقرأ معه مستشفة، حين قفزت نظراتها فوق السطور ملتهمة الكلمات بشهية لبراءة الذكرى ابتسمت وكلما قرأت سطرًا تنغمس في قراءة الآخر مستعذبة الأمر، هزّ الورق مغتاظًا يسألها «ايه ده يا دكتورة»
خبأت ابتسامتها في طيات الذكرى وقالت وهي تسحب الورقة «إيه قصيدة»
هتف بعصبية وهو يستعيدها منها مجددًا«عارف إنها قصيدة إيه مخليها معاكي لغاية دلوك؟»
سألته بعناد وشراسة «وليه مخلياش حضرتك في ما يمنع إني أحتفظ بذكرى لطيفة»
هتف بغضب وهو يثبت نظارته الطبية على عينيه جيدًا «لما تكون عادية مش قصيدة كتبهالك واحد وادهالك فعيد ميلادك»
تأففت قائلة بإنزعاج «أهو قولت هدية ومحتفظة بيها عادي إيه المشكلة؟»
ارتفع صوته «أنتِ هتجننيني ولا إيه إيه هو الي عادي ومفيهاش مشكلة»
عقدت ساعديها ملتقطة أنفاسها بتفكير قبل أن تهتف بهدوء «فتحي متعملش مشكلة على الفاضي، تزعل لو كان بيني وبينه قصة حب بس أنا ورضوان كنا زمايل وبس»
حملق فيها مندهشًا من تبريرها وتفسيرها للأمر وعدم احترامها لمشاعره، برد فعل سريع عكس عضبه مزّق الورقة تحت عينيها المتوسعة استنكارًا ورفضا ثم ألقاها وخرج من الحجرة... شيعته بغضب حارق رافضة فعلته قبل أن تجلس على ركبتها اليمنى وتلملم الورق المتناثر لاعنة متوعدة له.
***********
طرقت ليلى باب حجرتها بقلق، فأذنت لها تلك الغائبة بالمشاعر عن الدنيا، فتحت الباب واندفعت تسألها بقلق «بقالي ساعة بدوّر عليكي»
رمقتها ضي بنظرة مليئة بالحزن في صمت مشحون بالمشاعر فخلعت ليلى حجابها وجلست قربها متربعة تسألها بلطف «مالك فيكي ايه يا جارة القمر»
عقدت ضي حاجبيها بتساؤل أجابت عليه ليلى فورًا مشيرة للنغمات الصادحة من الهاتف وهي تغني خلف فيروز «أنا لحبيبي وحبيبي إلي» ما أثار تساؤلها ليس الاسم بقدر اندهاشها من أن تُنادى به الليلة مرتين وكأنهما اتفقا على ذلك، سألتها ضي بنبرة مبحوحة «ليلى أنتِ موصلتيش لمكان رضوان ومخبية عليّ صُح»
انحشرت ابتسامة ليلى الرائقة في سوء الظن فتفتتت على صخره القاسي، أجابت بثبات وتنهيدة ضجر مكتومة«لاه يا ضي»
اقتربت منها ضي زاحفة تتوسلها «وحياة أبوكي يا ليلى تجولي الحقيقة»
هتفت ليلى بحدة متعجبة من كلماتها، لا تصدق هواجسها الملقاة في وجهها «ضي اعقلي أنا هخبي عليكي ليه من الأساس؟» ثم واجهتها بقوة «صدجي ومتعكريش الي بينا»
بكت ضي قائلة «عارفة إنك شايلة منه وزعلانة من بعد الي حصل ومبقاش هامك رجعته ولا بتدوري عليه»
انتفضت ليلى تهتف بغضب «هتسكتي ولا أمشي خالص شكل الحب تلف مخك»
وضعت ضي كفها على فمها بنظرة متراجعة داحضة بالاعتذار تعدها بالصمت، لفت ليلى حجابها مقررة داخلها المغادرة، شعرت ضي ببادرتها فأمسكت بتنورتها ترجوها بنظراتها العدول عن قرارها والبقاء واعدة لها «خلاص متمشيش يا ليلى عشان خاطري»
تأففت ليلى راضخة، جلست رغمًا عنها مترددة بضيق ، دقائق من الصمت غلبت فيها ليلى قوتها وجمودها واقتربت تضمها بحنان جعل الأخرى تنفجر ببكاء محموم ليس له داعي وفيروز من خلفهما تهتف
"سألوني الناس عنك سألوني
قلتلن راجع أوعى تلوموني
غمضت عيوني خوفي للناس
يشوفوك مخبى بعيوني"
بعد مرور وقت وقفتا الفتاتين في الشرفة يتأملان المكان بثرثرة لطيفة عن تجهيزات سحر واستعداداتها المبالغ فيها، طرقت قمر الحجرة وحينما لم يأتيها الرد اقتحمتها مفتشة وباحثة عن الفتاتين اللتان التفتتا على ندائها «يا بنته»
نظرتا لبعضيهما باندهاش قبل أن تلتقي نظراتهما على صفحة وجه قمر الباسمة بأنفة كعادتها، وضعت قمر ما بيدها فوق التخت قائلة «ازيك يا ليلى أخبارك ايه؟»
أجابتها ليلى بضيق وانزعاج بانية بينهما سور الرسمية العالي مُذكرة تلك الواقفة بموقعها «ازيك يا دكتورة»
هتفت قمر «جبتلك فستان على ذوقي للفرح»
نظرت ليلى لضي قبل أن تقول بحدة «ليه؟»
أجابت قمر بنظراتها المتغطرسة «عادي هدية و عارفة انك مش هتجيبي»
عضت ليلى باطن شفتيها في محاولة لتحجيم غضبها والسيطرة على انفعالها من عود ثقاب تلك المغرورة وأجابت «لاه كتر خيرك أنا جبت »
لوت قمر فمها بتهكم قبل أن تقيّم ملابس ليلى بنظرة سريعة وتقول بتحقير «جبتي إيه وحلو ولا عفش؟ »
تدخلت ضي بغيظ «هي حرة يا دكتورة مش مطالبة تجولك ولا توريكي»
قالت قمر بحدة «لاه مطالبة عشان أنا عرفاها وعارفة لبسها زين واحنا مش عايزينها تطلع ولا تطلعنا بمنظر مش حلو ولا قليل»
اندفعت ليلى تسأل بهجوم «وماله لبسي؟»
تأملتها قمر قليلًا بنفور قبل أن تجيبها «ليه مبتبصيش في المراية؟ إنتِ بتلبسي جيبات أمك وبلوزاتها الجديمة الي خلاص عفى عليها الزمن، ده منظر دكتورة!»
ترقرقت الدموع في عيني ليلى قبل أن تحبسها وتقيدها بالكبرياء وتهتف «ماهي مش بالشكل يا عمتي يا ما ناس جواهم أعفش من براهم ومهما لبسوا ونضفوا مبيتداروش » قالتها ليلى واندفعت مهرولة لا تعبأ بنداءات ضي ولا منعها لها بل دفعت جسدها الضئيل من أمامها وغادرت عاصفة، أغلقت ضي الباب واستدارت متوعدة لخالتها «أنتِ عايزة إيه مننا ! سبناكي فحالك وبعدنا عنك مبتسبيناش ليه فحالنا»
عقدت قمر ساعديها أمام صدرها قائلة بتهكم «أنا متلزمونيش أنتم الاتنين بس أجول ايه مش عايزة فضايح»
أطبقت ضي شفتيها بغيظ قبل أن تهتف «دكتورة أنتِ لا تطاقي شوفيلك دكتور قبل ما الموضوع يتطور»
فغرت قمر فمها ولم تنطق بينما انسحبت ضي بنظرة محتقرة كارهة.
*******
وقف واضعًا كفه فوق فرع شجرة عتيقة، ينظر للنافذة المضيئة أعلى منه بأسى ينتظر بصبر خروجها وهو يدندن
+
"يا فرحة طلي
من الشباك وهلي
تعب القلب بكا
واتكوى بنار الفراق"
+
ظل دقائق ينظر للأعلى حتى غلبه اليأس من ذلك فهمس بلوعة «حتى الصدف معنداني كيف الدنيا يا بت، أجف كد ما أجف متطليش برضك»
تأوه بحزن يعتصر الفؤاد قبل أن يهمس «آه يا حتة مني»
تدخل أحد رجاله الملازم له دائمًا مقترحًا بشفقة «ما تنط وتدخل تشوفها يا كبير بدل وجفتك دي كل ليلة»
أغمض عينيه سابحًا في أفكاره قبل أن يصارحه بلا تحفظ «لاه الشوق قدري ونصيبي ، استاهل يلازمني ويستاهل يسكن جلبي العاصي ويتحرق بناره »
أُطفأ مصباح الحجرة وأُغلقت النافذة فتنهد مودعًا بنظراته قبل أن يأخذ رجله تحت ذراعه ويسير به في الظلام الذي يألفه، سأله الرجل بحذر «أبو الحب الي مبهدل الرجالة»
نظر إليه ضبع باستحفاف قبل أن يصفع له رقبته ويهتف «وأبو الغشامة الي تجيب الفقر»
ضحك الرجل بلطف وحذر قبل أن يسأله بنفس الحذر والترقب «حبيت كم مرة قبل كده يا كبير؟»
أجابه ضبع وهو يصدر تنهيدة طويلة من صدره «جيت عالجرح يا واكلهم»
ضحك الرجل مستمعًا ومستمتعًا ليُخرج ضبع سيجار ويشعله مجاريًا له«تلاتة والتلاتة طلعوا أبهاتهم ولاد كلب جولت بما إن البلد بجى نصها كلاب خلاص بلاها حب»
سأله بذكاء محدود ونظرة لامعة بالتفاؤل «يعني على كده مناويش تخش دنيا»
تهكم ضبع «لاه أنا ندرت نفسي للسرجة خلاص منها للآخرة»
سأله بريزة ببعض الضيق «وهنسرجوا لغاية متى يا كبير؟»
أجابه ضبع وهو ينظر أمامه بنظرة حكيمة «حتى تصبح هناك عدالة اجتماعية»
صمت بريزة بحيرة دائماً لا يفهم مصطلحاته ولا كلماته «ها»
ليخرج ضبع عن طور الحكمة المتظاهر به ويركله بساقه في جنبه قائلاً «سرجة ايه الي نبطلها يا عديم المنفعة يا عالة على المجتمع دا أنت لوحدك بتاكل تلت السريجة لو مسرجناش هتدور علينا تاكل فينا واحد واحد» ضحك بسماجة وصمتا بعدها بتفكير قطعه ضبع بسؤال جدي «تفتكر ربك هيأذن بالصلاح والمغفرة يا بريزة»
سأله الرجل بشفقة حنون «عايز تتوب يا كبير؟»
أجابه وهو ينظر إليه بابتسامة دافئة «ياريت يا بريزة بس تفتكر ربنا هيجبلها؟ ولا عاد ينفع؟»
سكت بريزة مفكرًا لا يجد ما يرد به داخل منطقه، ولا في أفكاره المتلاطمة بالدهشة والذهول فقال ضبع بنظرة جانبية «آه مني لله أنا»
مرّ من أمام المقابر فهتف لرجله متهكمًا كعادته«ارجع أنت وأنا هجلع براسي في الجبانة وأدعي على ولاد الكلب»
ضحك بريزة قبل أن ينسحب تاركًا له .
وقف أمام القبر واضعًا كفيه بجيب بنطاله القماشي الذي يعلوه تيشرت أسود ثقيل بأكمام مرفوعة قليلًا، بينما يلف رأسه بشال بني قاتم، كل ما فيه جامد لا يتحرك حتى مشاعره، يمنعها من التحرك، يقيدها ولا يفك وثاقها وهذا عهد أخذه على نفسه والتزم به، وحدها عينيه لم يقدر على تقييدها، لم يتحكم في تلك النظرة الحزينة والدموع المتحجرة، صلب العود لا تكسره إنحناءة حزن، ولا تغلبه أعاصير الفقد، حتى رآه من بعيد بعرج قدميه يسير بين القبور، حينها فقط ابتلع دموعه وابتسم بتسلية، غطى وجهها جيدًا محافظًا على خصوصية هويته الحقيقية التي لا يعرفها حتى رجاله وملامحه التي نسي هو نفسه كيف أصبحت بعد أعوام الحزن الثقيلة.
تحوّل فور أن رآه، أصبح النقيضين في آن واحد ، المهزوم والفائز، الضحية والجلاد.. ضدان يتنازعان وهو بينهما كجمود الصخر..
«لسه برضك؟ حبيت أنت الحرام وحبك»
انتفض الأعرج منتبهًا لمحدثه بريبة، تأمله الضبع بهدوء ونظرة تحفها السخرية بينما قال الرجل المغدور بالمفاجأة الذي يتصبب عرق الذعر في هذا البرد القارس «مين؟»
قال الضبع مستهزئًا« أنا بتاع الملامين»
اقترب الرجل وهو يشهر الضوء في وجهه، يكشف ستر هويته بمصباح ضعيف فتح إضاءته بارتعاش، واجهت عينيه الضوء بصلابة، حدق فيه متحديًا لا يهابه قبل أن يركل كف الآخر الحاملة الهاتف بقدمه فيسقط الهاتف ومعها كلماته المستهزئة «مش كل النور الي يتخاف منه يا أعرج ولا يتعمله حساب، نورك ضعيف بيرعش»
أمسك الأعرج بكفه متألمًا يسأل بنبرة مرتعشة «مين أنت وعايز إيه؟»
أجابه بسخرية وهو يقترب منه «جن أرضي حالف براس جده ليلخبط حياتك ومش هيطلع من صباع رجلك عشان مبحبش النتانة لاه هطلع من زورك »
تراجع الأعرج خطوتين للخلف بفزع بينما واصل ضبع التقدم ناحيته فاستدار الأعرج وركض جارًا ساقه ، تساقطت الأعمال والأحجبة من خرجه القماشي فتركها ضبع وواصل السير خلفه على مهل يخطو فوقها بلا اهتمام..
«عايز ايه مني! » قالها الأعرج حين تعثر وسقط كالشاه مذبوحًا بعجزه ونقصه أمامه، فقال ضبع وهو ينظر حوله «ايه الجبّانة الي مفهاش نخل دي!»
قال الأعرج بخوف«ايه هتربطني عليها ولا ايه؟»
عارضه ضبع بتهكم «لاه ده تخصص الكبير وأنا متعداش على تخصصه أنا ليا تخصصي»
زحف الأعرج متسائلًا «مين الكبير دِه؟»
أجابه ضبع متظاهرًا بالدهشة والرفض «واه معارفش عمي وعمك وعم الناس كلها حامد الحفناوي يا خسيس»
حدق الرجل فيه مرتعبًا يرتعش بذعر «عارفه، أنت هو؟»
فرك ضبع كفيه ببعضهما موضحًا بملل «جولتلك لاه إيه مش مصدجني! بعدين فيني أنا من الحفناوي ده راجل بيسعى في الخير لكن أنا بسعى في الشر»
هتف الأعرج وذعره يتضاعف «ابعد عني بدل ما أسلط عليك العفاريت»
قهقه ضبع باستهزاء قبل أن يقول وهو يقبض على حفنة من التراب جواره «عفاريتك دي تخوفك أنت مش أنا»
قالها وهو يكتم فمه المفغور بحفنة التراب، تململ الأعرج صارخًا فنهض ضبع واقترب من نخلة كانت ترقد تحتها أحد فروعها الجافة اليابسة، التقطها ولحق بالذي يزحف أرضًا، وقف أمامه متأملاً قبل أن ينهال على ساقه ضربًا تضامنت فيها شتى المشاعر الغضب مع الحزن والقهر لنيل انتقامًا يليق باللحظة.
********
جلس فوق مقدمة سيارته شارد الذهن ينظر للمنزل المضيء باغتراب شديد، رمى بعض شطائر اللحم لصديقه الجالس أمامه في استعداد وتأهب،راقبه وهو يلتهمها بشهية ونهم حتى انتهى ، بعدها أمسك الطرد الموضوع جواره متأملا قبل أن يقفز من فوق السيارة بخفة ومرونة ويقترب من صديقه مداعبًا بحنو شديد قائلاً «هتعرف البيت أنا عارفك، الهدية لازم توصل للأستاذ فميعادها »
قرّب شيئًا من أنفه وبعدها منحه ربطة الطرد وعقدته قائلاً «سلملي عليه»
تناول الكلب الطرد وركض به ناحية المنزل المقصود متتبعًا الرائحة العالقة بأنفه في همة ونشاط.
أحسّ نبيل بطرقات عشوائية على باب منزله ، ترك الكتاب الذي يقرأه جواره واقترب بكرسيه من الباب يسأل «مين»
نبح الكلب مجيبًا له يُعلمه بهويته، فتجاهل نبيل الأمر وعاد لمكانه لكن العبث بالباب ازداد مع نبحاته فقرر فتح الباب واستطلاع الأمر رغم قلقه،استوقفته ليلى التي خرجت على صوت النباح «في إيه يا أبوي؟»
أجاب وهو يلتف بكرسيه «معارفش»
قالت بحنو وهي تتقدم «طيب استنى هفتح أنا» قالتها وهي تمسك بعصى المكنسة في يدها استعداداً لأي طاريء أو هجوم.. ما إن فتحت الباب حتى وجدت كلبًا يجلس أمامه ممسكًا بطرد، رآها فتحت فدخل المنزل سريعًا متجهًا ناحية والدها، وضع الطرد فوق فخذيه مما آثار دهشتهما، وبعدها مسح على ذراع نبيل وساقه كأنه يبلغه سلام صاحبه وبعدها ركض للخارج بسرعة..
أغلقت ليلى الباب مندهشة مما رأت بينما سارع نبيل بفتح الطرد ليبتسم قائلاً بدهشة «كتب»
تناولت ليلى الكتابين من يده متفحصة تهتف بدهشة مماثلة «مين جابهم دول!»
أجابها نبيل بفرحة غامرة «الي جابهم واحد منهم يا ليلى جلبي حاسس»
قالت وقلبها ينتفض «معقول؟ بس يا ترى مين فيهم رضوان ولا فاروق؟»
تنهد نبيل بتفكير قبل أن يجيبها بأمل «بشرة خير لو رجع واحد هيرجع التاني، الي هيرجع فيهم هيدور عالتاني»
صمتت ليلى تقلّب الكلمات في ذهنها مع تقليبها للكتب السياسية التي بين يديها متذكرة نقاشاتهما السياسية مع والدها وولعهما بتلك الكتب وحبهما الشديد لها، شعرت بالشتات والحيرة فتركتهما وهزت رأسها نافضة الأفكار متذكرة ما سمعته مؤخرًا والخبر المتداول همسًا عن عودة أحد الغائبين ورؤية البعض له .
عاد بصاحبه الوفي للمكان الذي تلفه الظلمة ، استحسن الأمر ولقي نوم غازي رضاه ، لا يريد تساؤلاته الكثيرة ولا الاجتماع بعينيه الصقريتين اللتان تخترقان حواجزه، ولا محاصرة تبدد أمان قلبه، استلقى فوق الأريكة الخشبية الموجودة بالخارج وجواره صاحبه يجلس متأهبًا لأي عمل يرضيه أو فعل .
ربت فوق رأس كلبه بحنو قبل أن يتثاءب ويغمض عينيه..
بعد مرور وقت خرج غازي من الكارفان المخصص لهما ، نظر حوله متثاءبًا يستقبل نسمات الفجر بود، توضأ وغادر لأداة صلاة الفجر في المسجد القريب، عاد بعد مدة فوجده نائمًا بالخارج وفوقه غطاء خفيف وكلبه جواره اندهش مما رآه في صمت قبل أن يقترب ويوقظه في شفقة قليلًا ما يتحلى بها «جرّاح»
فتح الأخير عينيه ثم اعتدل جالسًا يمسح وجهه مزيلًا آثار النوم، سأله غازي بقلق غريب عليه وهو اللامبالي دائماً «نايم هنا ليه؟»
أجابه جرّاح وهو يهرش فروة رأسه «كنت قاعد هنا ونمت من غير ما أحس»
شكّ غازي في قوله لكنه آثر الصمت، ليقول جراح وهو ينهض واثبًا بخفة «وأنت صاحي ليه دلوك؟»
أجابه غازي بثبات وبلا ذرة ارتباك «عادي قولت أكلّم العمال وارتب الدنيا»
منحه جرّاح نظرة الشك المتبادلة بينهما مرفقة بابتسامة ساخرة وبعدها رحل، تبعه كلبه فورًا مرافقًا له، يجاري خطواته بخفّة.
*********
في اليوم التالي ظهرًا
دخلت حجرته باندفاع اللهفة، يسبقها القلق ويسلبها الإنشغال عليه راحة عقلها «كده تروح من غيري يا فخر»
ضحك فخر وهو يجلس فوق التخت مستقبلًا لها بود ولهفة وقال مشاكسًا «أمي أنتِ مثلا! مروحش من غيرك يعني»
جلست كما اعتادت على ركبتيها عند التخت قائلة «أيوة متروحش من غيري يا فخر»
وضع فخر كفه فوق رأسها قائلاً «ليلى راحت معاي ومسابتنيش كمان هي كده كده معيزاش تاجي عشان سحر فجولت استغلها»
قالت باهتمام «والدكتور غيّر علاج المرة دي ولا قال إيه؟»
قال بلا اهتمام «مفاكرش اسألي ليلى»
ابتسمت مداعبة بلطف «جولي عملت إيه فقنا أنا عارفة ليلى زين؟»
ابتسم بحنو وهمس لها بسره كطفل مشاكس «خلتني أصلي فمسجد سيدي عبد الرحيم القناوي وجابتلي الجلاب الي بحبه»
ابتسمت شاكرة بنظرة ممتنة «كتر خيرها»
قال داعيًا بصدق ونقاء قلب «ربنا يراضيكم ويسعدكم»
سألته بشقاوة «ودعيتلي ولا لاه؟»
همس بصدق «دعيتلك كتير ياضي يريح جلبك، وجبتلك كمان حاجة بتحبيها»
بشت قائلة بلهفة كطفلة صغيرة «كمان! جبتلي ايه؟»
أخرج لفافة من تحت الغطاء ومنحها لها فصاحت بفرحة «غزل بنات»
أجابها بنظرة راضية «أول ما وعتله اشتريته علطول»
التهمت القطع بشهية قائلة «ربنا يخليك ليا يا حبيبي من زمان مجبتوش»
قال بأسى وتنهيدة حزن عميقة «عارف»
قالت دون وعي وهي تنظر للغمامة الوردية «نسيت حاجات كتيرة جوي كنت بحبها.. ساعات مبعرفش إني كنت بحبها غير لما أشوفها، الأيام عدت وكنها ما عدت يا أبوي معرفش الأيام مالها كده»
تغاضى عن حزنها، تجاهله وابتدر بالتغيير لينهاها برفقة عن الحزن الذي لا يتحمله وقال بحماس «جهزتي فستانك؟»
نهضت واقفة تخبره بحماس «ايه رأيك ألبسه وأوريهولك وتجولي أنت؟ » ثم تأففت قائلة بانزعاج «أمي بتجول غامج وحزايني»
هتف باستنكار ونظرة تعاطف «والله أمك دي ما عارفة حاجة، لو بتفهم كانت عرفت إن ضي لما تلبس الحزايني تفرحه وتنوره بضيّها»
ضحكت سعيدة بإطرائه الحنون قبل أن تلتهم الحلوى كلها وتركض لحجرتها بسرعة.
*******
«فاروق 2015»
وضع الفأس والقفة البلاستيكية جانبًا بغضب ثم جلس ملتقطًا أنفاسه جوار والدته التي كانت تفترش الأرض بأوانيها «يديك العافية يا فاروق»
قالتها والدته ببسمة حانية تربت بها على روحه الغاضبة فأشاح بصمت متمتمًا بضيق «أبو دي شغلانة»
سمعه والده الذي وقف جوار زير المياه يلتقط في كوبه البلاستيكي بعض الماء
«اهي الشغلانة الي مش عجباك دي يا حضرة البيه هي الي كبرتك وعلمتك ولسه بتاخد منها مصروف»
تأفف فاروق بضجر فتابع والده بنظرة أسى«جولت تكبر وتشيل معايا الهم بس كبرت وشيلتني»
نهض فاروق منتفضًا يهتف بعصبية وكبرياء ذبيح «وهو كان ذنبي يا أبوي؟ ما على يدك مسبتش باب إلا وخبطت عليه بس ده حال البلد»
ارتشف والده القليل من الماء ثم قال بحزم وغلظة «خلاص يبجى تشتغل وأنت ساكت»
زفر فاروق بضجر قبل أن ينسحب للحجرة المجاورة ويغلق بابه عليه بقوة.
تركت زوجته الفول الذي تفرمه ونهضت قائلة بعتب ولوم «ليه كده يا أبو فاروق، بالراحة عليه»
ناقشها بحدة «مشيفاهوش يعني، لا شغلة ولا مشغلة ولما أقوله ساعدني ينفخ.. دلوك جاي يستعرّ من شغلانتنا! من يومنا حفارين وعشنا واتربينا وكبرنا وسط القبور والميتين»
ربتت السيدة السمينة فوق كتفه بأناملها القصيرة البيضاء مواسية بلطف وابتسامة حنون «صبرك عليه الواد الدنيا جاية عليه والناس مبترحمش بره»
تهكم بغلظة «اهو الناس دول هما الي بياجوا يخبطوا علينا فعز الليل ندفنلهم ميتينهم»
خرج الرجل بعدما رمى عقب سيجار كلمات صدره المحترقة بينما عزمت هي على فعل شيء لترضية ولدها، نظرت لجوال القمح المتواري بعزم قبل أن تسحبه مخبئه بأنفاس لاهثة، خرجت فتاتها الصغيرة متسائلة «ايه ده يا أما؟»
أجابتها المرأة وهي تمسح حبات العرق عن جبينها «دي كيلة الغلة الي ادتهاني أم وردة هبيعها وأدي فلوسها لفاروق»
قالتها بحنوٍ ومحبة، انحنت الفتاة تحاول مساعدتها سائلة «وأبوي عارف؟»
انتصبت السيدة محذرة بلطف «أوعاكي تجوليله يا صفية أنا جبتهم وداريتهم ورا الطشت وأنا فنيتي أبيعهم وأديه تمنهم يطلع مع أصحابه يفك على نفسه ولا حتى يجبله بنطلون وجميص جداد»
ربتت الفتاة على كتف والدتها مشجعة«جومي يا أما عشان تروحي وتاجي قبل ما يرجع أبوي»
مسحت السيدة وجهها بطرحتها السوداء الناعمة ثم نهضت لتبديل ملابسها. وضعت شال أسود فوق رأسها ثم خرجت مشيرة لفتاتها الجالسة في انتظارها «همي يا بتي شيلهوني على راسي»
فعلت الفتاة ما طلبت والدتها، قبل أن تخرج السيدة أوصتها «طقري عليه يا صفية وشوفيه ياكل ولا لاه لو رضي سخنيله يا بتي دِه من عشية مداقش الزاد»
ابتسمت الفتاة مطمئنة لها «ماشي يا أما»
خرجت السيدة مبسملة متوكلة، سارت بين القبور متمتمة بالأدعية ثم بدأت بالحديث مع هؤلاء الصامتين ومشاركتهم أحزانها وهمومها.
بالداخل وقف فاروق أمام النافذة، دفع ضلفتيها للخارج واتكأ بساعديه على حافتها ينظر للقبور أمامه بصمت، فجأة سمع نداءً باسمه «فاروق أنت يا زفت»
ابتسم حين عرف هوية المنادي، أخرج نصفه العلوي من النافذة مُجيبًا بفرحة «تعالى يا رضوان»
نظر رضوان للنافذة فرآه، تقدم ناحيته حتى وقف أمامه قائلاً «فينك مختفي كده؟»
تجاهل فاروق سؤال صديقه ولم يخبره بما فعل حتى لا يغتم أو يتشائم «طمني عملت إيه الأول؟»
أجابه رضوان بشرود «لسه دعواتك»
شجعه فاروق بحنو حينما لمح طيف حزن في نظراته «طب لفّ وتعالى الڤيو من هنا روعة يا رضوان حاجة متشوفهاش فأحسن كوابيسك»
ضحك رضوان على مزحتة رغم المرارة القابعة في نفس صاحبه
«هتجولي عليه!»
هتف فاروق بنبرة أرّقت صديقه بالحيرة لشدة جديتها رغم ما في الاعتراف من سخرية «عارف دول هما الي بيسمعوني والله وحاسين بي»
صحح له رضوان بضحكة «جصدك مسمعينكش»
طرقت صفية باب الحجرة فأذن لها فاروق «ادخلي يا صفصف»
دخلت بالصينية قائلة بفخر «عملتلك سندوتشات كبدة شرشار يا فاروق إنما إيه؟»
أشار فاروق لصديقه «يلا حماتك هتحبك تعالى»
ما إن رأته الصغيرة أمامها حتى اندفعت ناحية النافذة مرحبة «رضوان ازيك»
ابتسم رضوان وأجابها بلطف ومودة «ازيك أنتِ يا صفية»
تفرست الصغيرة ملامحه ببراءة فخفض بصره بحياء وأدب، مما جعل فاروق يصرفها ضاحكًا على خجل صديقه«روحي يا صفية ذاكري وشكرًا على الوكل»
هتفت صفية بطاعة «ماشي لو احتجتوا حاجة نادولي»
قبّل فاروق رأسها بحنان قبل أن تخرج وتفتح الباب مستقبلة رضوان بترحاب، دخل رضوان الحجرة فأغلق فاروق بابها وهمّ بإغلاق النافذة لولا أن رأى أحد أهل القرية يقترب ويهتف بالسلام في سماجة «ازيك يا حزِّين»
حك فاروق ذقنه واقترب يسأله «ايه جايبك دلوك يا عارف أبو سميح؟»
أجابه عارف وهو يرمي بنظراته داخل الحجرة «جاي أزور أبوي وأزرعله شوية ريحان»
سخر فاروق منه منتقمًا لأنه دعاه بما لا يحب «أبوك مين الي تزرعله ريحان عليا الطلاق لو زرعتله فدان ما هتطرّي عليه»
سأله عارف ببعض الغضب «ليه بجى يا واد حزِّين؟»
شحذ فاروق ابتسامة يستقوى بها على غيظه من هذا الغليظ وأجابه «يا راجل دا كان آية في الكفر بالنعمة والباطل يا أخي ياريت جنهم تكفيه»
فغر عارف فمه وهتف باصقًا كلمات مع بعض الرذاذ المتطاير الذي تفاداه فاروق «به به به كد الكلام دِه أنت!»
أجاب فاروق باستهانة «كده يا راجل غور قال يزرع ريحان قال دا أبوك ده هيعلجوه بين الجنة والنار من عمايله»
تدخل رضوان ضاحكًا يفض الاشتباك محاولاً السيطرة قدر استطاعته «خلاص استهدوا بالله»
رحل عارف لاعنًا يتوعد فاروق بينما مدّ فاروق عنقه من النافذة مشيّعًا له بالسخرية،يرشقه بحجارة الاستهزاء في ظهر كبريائه «هاتلك شوية شوك ازرعهم يا أبو ريحان دا أبوك كان ياكل مال اليتيم ويحلي بمال النبي لو لقيه»
هدأه رضوان وهو يضحك «خلاص مالك هو كان قال ايه لده كله»
أجابه فاروق وهو يغلق شراع النافذة ويسحب الستائر المهترئة«أسكت يا راجل كل يومين ينطلي هنا هات مية هات قدومة ويصحيني من أحلاها نومه عشان يزرع لأبوه، أبو أبوه ابن كلب»
انفجر رضوان ضاحكًا فضحك فاروق مثله قبل أن يجلسا ويتناولان الطعام وهما يثرثران في كل شيء وأي شيء.
سأله فاروق باهتمام«هتيجي الليلة عند الأستاذ نبيل بعتلي إنه جابلنا كتب جديدة ؟»
هتف رضوان وعينيه تلمعان «عارف عايز أروح فين الليلة؟»
سأله فاروق باهتمام ونظرة حانية «فين يا صاحبي»
قال رضوان بلهفة ضاعفت حنان فاروق وظهرت لها ابتسامته حاضنة الألم في عيني صاحبه «في ليلة إنشاد وذكر عند بيت نعمان عايز أروح»
قال فاروق بحماس مماثل وإصرار على ترضية صديقه لمعرفته بحب رضوان وعشقه لحلقات الذكر «نروح منروحش ليه صغيرين؟»
هتف رضوان بحماس وشغف «يعني هتاجي معاي»
أجابه فاروق «امال أسيبك لوحدك! رجلي على رجلك»
هتف رضوان راضيًا متنعمًا بظل الأخوة بينه وبين فاروق «ربنا يخليك يا فاروق»
ربت فاروق بنظرته الحنون الدافئة على كتف رضوان بصمت وابتسامة أكثر دفئًا من قلبه الودود الصافي.
*********
ما إن خرجت صبر من قصرهم بعد انتهاء عملها ولفها الأمان بعيدًا عنهم بذراعيه، حتى عرجت ناحية بيت نبيل تبلل الحصى بدموعها الغزيرة ولسانها الثقيل بالبكاء يلومه مع كل خطوة «كده يا أستاذ برضك»
ثم توقفت في منتصف الطريق مستندة على أحد البيوت، تمسح دموعها بطرف خمارها الواسع الكبير وتلتقط أنفاسها في محاولة بائسة للهدوء والتريث، لكن هيهات فلا تعرف سبيلاً للراحة والتوقف، انفجرت في البكاء متوجعة تلفظ أنات الوجع من صدرها مع الشهقات... مسحت دموعها وتابعت السير تحكي بذل وانكسار «توبت يارب، متاخدهوش بذنبي أنا... أنا بحبك يارب وماليش غيرك هروح لمين؟ أجف معايا المرة دي انچد ضنايا وارميني أنا فالنار أستاهل»
توقفت ملتقطة أنفاسها تنزع قدميها التي غرست في الوحل بخفة وبلا اهتمام قبل أن تواصل السير متخبطة تتوسل «طيب دلني يارب أعمل ايه»
ما إن وقفت أمام باب المنزل حتى طرقت الباب كمستغيثة تائهة تسأل العون، فتحت ليلى الباب فوجدتها أمامها بعينين محتقنتين ووجه منتفخ، ملابسها السوداء يلطخها الوحل من أطرافها، سحبتها ليلى فورًا للداخل وهي تسأل «خير يا حبيبتي مالك؟»
تجاهلت السؤال وقالت بلهفة «فين الأستاذ»
ما إن رأته قادمًا بكرسيه حتى اندفعت ناحيته، جلست متربعة أمام كرسيه في صمت ، جاورتها ليلى لا تتوقف عن السؤال لكن صبر تجاهلت وقالت لنبيل الذي استنبط ما حدث «اتهموني إني بقوّم الناس عليهم ودايرة أشتكي يا أستاذ جالولي چاهلة مخبراش الزين من الشين ومعرفش حاچة، جالولي مصلحة ولدي معاهم»
صمت نبيل مستمعًا منصتًا بأسى بينما تابعت صبر الشكوى بمذلة «ريت يا أستاذ قال خايفين على مصلحته وهو ليلة عشية مكالش معاهم ومسابولوش منابه بعد ما اتجطع نفسه في مخزن الغلّة يشيل ويحط »
هدأتها ليلى مواسية بحنان «اطمني خير والله»
تابعت صبر كمن يحدّث نفسه «كل حاچة على يدك يا أستاذ شاهد عليها يرضي ربنا دِه؟»
بكت بحرقة شديدة ثم قالت «راح ولا جه ولدهم ومن لحمهم ودمهم، لو كان عليا أفارق أنا وأمشي لو هياخدوه تحت جناحهم ويعاملوه زين»
ضربت فخديها بكفيها صارخة بانهيار «اتحملت كتير أنا يا أستاذ ومكانتش غلطتي لوحدي، رضيت عشانه واتحملت لچل خاطر الي كسروه دلوك بجسوتهم بس، دول ناس زينا ولا كلاب بتنهش من غير رحمة»
حاول نبيل تهدأتها وضمتها ليلى باكية بجزع«اهدي يا أم رضوان استغفري ربك»
لكنها ضربت وجهها وقالت صارخة بحسرة «مين فينا بيختار يا أستاذ يكون ايه وأبوه مين وأمه مين؟ ليه الظلم ليه محدش بيغفر يا أستاذ»
خرج صوته أقوى ليردعها «خلاص اهدي ليها حل»
قالت وهي تواصل البكاء «أخده وأمشي؟ أجطعه من جدوره وأمشي بيه زي ما عملها أبوه زمان، أتوّهه في الدنيا الواسعة من غير لا أهل ولا سند.. طيب هنا أنت معاه وليلى جاره وأنا،طب لو مشيت يا أستاذ هيبجاله مين وهيجدر يكمل كليته دي واحنا محلتناش اللجمة»
انخرطت في البكاء بلا هوادة، باءت محاولتهما في اسكاتها بالفشل حتى انتهى مخزون قهرها ونفذت خزائن حزنها فصمتت وحدها، مسحت لها ليلى وجهها وكفيها بمنشفة مبللة بالماء ثم أطعمتها القليل من شرائح الفاكهة التي تحبها وبعدها جلست تهوّن عليها وتعدها بالكثير..
دخلت سحر المنزل مندفعة حين رأت الباب مفتوحًا «سلام عليكم فاتحين الباب ليه خي...»
صمتت بغيظ حين وقعت نظراتها على صبر الجالسة بحزن، ابتلعت الأحرف والحقد يتطاير من نظراتها كالشرر ثم قالت «أنتِ هنا ليه يا بت؟»
اعتدلت صبر بنظرات زائغة تفتش عن العون والمدد، ربتت ليلى على كتفها مطمئنة لها قبل أن تنهض مواجهة عمتها «أما صبر تيجي وجت ما تحب يا عمتي البيت بيتها»
رمقتها سحر بنظرة مستهجنة قبل أن تقترب من صبر وتركلها بقدمها مكررة سؤالها «جاية ليه يا وش النصايب»
فجأة هجمت ليلى عليها بلا تعقل أو حكمة، باندفاع الشباب وفورة غضب دفعتها بقوة ردًا على صنيعها المهين وهي تصرخ «متجيش جنبها فاهمة»
شهقت سحر متفاجئة بفعلة ابنة أخيها وتجرأها عليها لهذا الحد، مما جعلها تتمالك نفسها وتقترب صافعة ليلى بقوة ارتد لها جسدها وتأرجح، بينما قالت سحر بأعين تنضح غل وكراهية «هجول إيه؟ العيب على أبوكي الي سابك تتربي على يد الحلبية جليلة الأصل والتربية»
لكن ليلى لم تنهزم، بل انتصبت بصلابة وجمود تهتف بكراهية «جلة الأصل طبع والتربية شبع ودول لا بالغنا ولا الفلوس »
اندفعت سحر ناحيتها بقهر لتُبقي كلمات أخيها يدها مرفوعة لا تجرؤ على السقوط «سحر! بتتهجمي على بتي فبيتي؟»
استدارت سحر بنظرة متوهجة بالشر تخبره بغضب «بتك دي قلت أدبها على عمتها عشان الحلبية»
دافع عن ابنته بحزم وانصاف «بتي متربية أحسن تربية وكلمة زيادة منك فحجها هيبجى الي بيني وبينك خلاص ويحرم عليكي بيتي»
حملقت في وجهه معاتبة «كده يا أخوي بتهددني وعايز تجطع الدم»
تقدم بكرسيه قائلاً بحدة «عمايلك وجبروتك هما السبب»
ضربت سحر بكفها على صدرها مستنكرة «بتعادوني أنا عشان واحدة زي دي، بتخسر أختك وناسك عشانها زي ما عمل واد خالك زمان»
ضرب نبيل بكفه حافة كرسية ناهيًا الأمر «احنا مبنعاديش حد يا سحر وراعي لكلامك معاي احنا مع الحق»
سألته سحر بغضب «وأنا الباطل؟»
أجابها بحدة «أيوة باطل واتجي الله فاليتيم وأمه عشان ربنا يكرمك فعيالك خافي الله يا سحر عشان مهما اتأخر الحساب برضو جاي»
نظرت سحر له مستنكرة لا تصدق تراهاته ولا سخطه لكنها وقفت بصلابة قائلة بتصميم «اسمع يا نبيل حياتك حرّ فيها لكن متدخلش فالي ملكش فيه وتعادي خالك وعيال خالك»
هتف بانفعال «استغفر الله، لاه أتدخل يا سحر ومتفرجش وأنا ساكت عالظلم»
هتفت بغضب «ظلم ايه؟ دا هي تحمد ربنا اننا لسه مخلينها وباقين على ولدها وسطنا مرمنهمش في الشارع»
هتف نبيل بسخرية «لا كتر خيركم والله! وهما كده مش فالشارع يا بنت أبوي! »
زفرت بملل قبل أن تهتف محذرة «أنا أهو جيت وجولتلك وخلاص عشان بعد كده مش هدافع عنك»
اندفعت صبر ناحيتهما، تعثرت في ذيل ثوبها وكادت أن تسقط لولا يد ليلى ودعمها ثم بعدها وقفت بينهما متوسلة «خلاص يا أستاذ خلاص، خلاص يا أم عبدالله متخسروش بعض عشاني»
دفعتها سحر صارخة «غوري يا جلابة المصايب من وشي»
قالتها سحر وخرجت بعدها من المنزل بينما جلست صبر باكية تعتذر عما حدث بندم.
**********
عاد رضوان من سهرته متأبطًا ذراع فاروق ينشد بصوتٍ عذب بينما يستمع له فاروق مشجعًا بحنان يستشعره دائمًا تجاه صاحبه ،يشعر أن هذا الصغير مسئول منه،يحتاج دومًا لحمايته ودعمه فلا يبخل، رضوان الذي يصغره بعامين فقط، جمعتهما المحبة ووحدتهما الأخوّة
«تنفع يا رضوان هيمشي حالك»
قالها فاروق بحنانه المعهود ودعمه الوفير ونظراته الدافئة التي تمنحه الأمان، ضحك رضوان قائلًا «عشان الإسناوي يمشوني خالص من البلد»
هتف فاروق بحماية متعصبًا «وماله عشان أولع فيهم واحد واحد»
هتف رضوان بنظرة ممتنة «عارف يا واد يا فاروف من غيرك مش عارف كنت هعيش كيف واستحمل ازاي العيشة دي»
نظر فاروق أمامه قائلاً «ما هو ده نفس السبب الي مخليني جاعد فالبلد المعفنة دي»
توقف فاروق عن السير وهتف بنظرة لامعة «اسكت مش البت أم عنين خضرا جات كلمتني السبوع الي فات لما روحت الجامعة»
هتف رضوان متحمسًا يسأل باهتمام «وحصل ايه؟»
أجابه فاروق بغطرسة «جالتلي إني بفكرها بأحمد ذكي وإني شبهه»
هتف رضوان بضحكة مرحة يتهكم من الحدث «أهلاً بلا أكذب ولكني أتجمل»
شاركه فاروق الضحك وهما يضربا كفيهما بحماس مؤكدًا تخمين صاحبه وتعليقه على الأمر ثم تابعا السير حتى انفضا في نهاية الطريق ،وأثناء سير رضوان ناحية منزله لمح عمه زيدان يسير بعدم اتزان قليلًا فتقدم مستفسرًا بقلق «عمي أنت كويس»
انتفض زيدان من المباغتة والتفت له يهتف بصلابة «أنا كويس»
استعاد توازنه قليلًا شاعرًا ببعض الحرج والضيق فقال رضوان بعفوية وبراءة «محتاج حاجة ؟ أنت تعبان؟»
فكّر زيدان قليلًا وهو يلعنه في نفسه ويلعن تلك الصدفة فقال متهربًا من مخلب تساؤله ونظراته الصقرية «شايفني مالي غور من وشي يلا»
مطّ رضوان شفتيه بتعجب قبل أن يرمي تحية المساء ويسبقه بخطوة، ظل زيدان يسير ببطء مفكرًا حتى ناداه «واد يا رضوان خد هنا»
رجع رضوان ما قطعه مُجيبًا «أيوة يا عمي»
أشار زيدان بغضب «جاي من فين السعادي يا واد»
ارتبك رضوان قليلًا وتوتر قبل أن يجيبه متلجلجًا «كنت عند فاروق»
هتف زيدان مستغلاً الأمر لصالحه يسبقه بخطوة حتى لا يشي به «فاروق واد الحفار؟»
هز رضوان رأسه بتأكيد قلق، فهتف زيدان بغضب «وكنت سهران معاه لدلوك ليه؟» تململ رضوان مفكرًا كارهًا المحاصرة فسبقه زيدان مستغلاً صمته لصالحه «أوعاك تكون بتشرب يا واد فالجبانة ولا بتلعب ورق»
أنكر رضوان قوله وتبرأ من ظلمه «لاه والله يا عمي كنا بنتكلم عادي»
سخر زيدان من قوله «بتتكلموا عادي للفجر»
ابتلع رضوان ريقه حائرًا في أمره فدفعه زيدان أمامه قائلاً «ماشي يا واد الحلبية حسابك معايا الصبح عشان منصحيش حد وهجول لجدك يشوفله حل معاك»
كتم رضوان غيظه منه وقهره وانصاع له حتى وصل للمنزل، ما إن بلغ بابه حتى وجد والدته تفتح الباب وتتلقفه بين ذراعيها بحنو ثم تسأل «في حاچة يا أبو فتحي»
أجابها بغضب «سيباه سهران فين لدلوك؟ هي دي ربايتك»
نظرت لولدها لا تعرف بما تجيبه ليهتف زيدان بنظرة انتصار «اجفلي الباب يلا غورو وبكره نشوف أخرتها معاكم»
أغلقت صبر الباب والتفتت لصغيرها الذي صاح منفسًا عن غضبه «بيجولي أنا بشرب وبلعب ورق وعهد الله هو الي جاي شارب وما ماسك نفسه »
كتمت صبر فمه مهدئة «عيب يا رضوان عمك يسمعك»
دفع رضوان كفها وتأفف قائلا «بلا عمي بلا زفت أنا غاير اتخمد»
تنهدت صبر بحسرة وهي تشيّع ذهابه العاصف بأسى ثم عادت لسجادتها داعية له بتضرع وخشوع.
*********
طرق فاروق المنزل ثلاث طرقات منبهًا أخته لحضوره، بعدما اتفق معها على ذلك قبل المغادرة، بعد قليل من الانتظار فتحت له بضعف ووهن شديد ظاهر على ملامحها، دخل فاروق شاكرًا لها «ربنا ما يحرمني منك يا صفصف»
أحاطت جسدها الضعيف بذراعيها المرتعشتين متسائلة «اتأخرت جوي يا فاروق»
استدار معتذرًا فلاحظ جفاف شفتيها ووهنها وارتعاشة جسدها فسألها بقلق مشوب باللهفة «مالك يا صفية فيكي ايه؟»
أجابته وهي تمرر كفها على جبهتها البيضاء الناصعة«معرفش يا فاروق بطني وجعاني وراسي كمان وبردانه»
قال وهو يقترب متلمسًا جبهتها «كل ده؟»
ثم أشار لها ناحية حجرته «روحي طيب اتلكلكي تحت الغطا وأنا هعملك كوباية ينسون وأشوفلك برشامة خضرا في درج المطبخ مطرح ما بتشيلهم أمي»
هزت رأسها بتعب فدخل المطبخ سريعًا وبدأ في البحث عن ما يحتاجه، بعد قليل كان يجلس جوارها مشجعًا بحنان «خلصيه كله »
فقالت بضجر «كتير يا فاروق»
أومأت بإرهاق فقال بحماس «خلصيه وهحكيلك الجصة الجديدة الي كتبتها»
ابتسمت راضية بالمكافأة وحين انتهت أخذ الكوب مبتسمًا ودثرها جيدًا ثم بدأ يحكي لها عن القصة التي كتبها ولا يعرف لها نهاية، وحين انشغلت بالقصة وثقل جفنيها وضع القماشة المبللة بالماء فوق جبهتها برفق داعيًا لها، ثم دثرها بما يملك في حجرته من دثار.
#انتهى
#رحى_الأيام
#عائشہ _حسين
#اللهم_صل_وسلم_وبارك_على_سيدنا_محمد
متنيش الفوت الله يجبر خاطرك وخاطري 🌷
+
