رواية بوتقة الحب كامله وحصريه بقلم هدير الصعيدي
المقدمة :
" ما هو مفهومك عن الحب .. دعنى أترك كل مفاهيم الحب لديك وتعال لترى معي ما لم أراه يومًا سوى في بعض القلائل .. دعني أُريك مفهوم الحب من وجهة نظر أخرى مختلفة عن المألوف .. اقرأ وتمعن وبالنهاية نلتقي لِتخبرني بمفهومك عن الحب حينئذن "
" ما هو مفهومك عن الحب .. دعنى أترك كل مفاهيم الحب لديك وتعال لترى معي ما لم أراه يومًا سوى في بعض القلائل .. دعني أُريك مفهوم الحب من وجهة نظر أخرى مختلفة عن المألوف .. اقرأ وتمعن وبالنهاية نلتقي لِتخبرني بمفهومك عن الحب حينئذن "
الفصل الأول
فى إحدى الليالى الشتوية قارسة البرودة ووسط قطرات المطر المنهمرة بقوة كانت تقود سيارتها بسرعة جنونية تشبه جنون تطاير خصلات شعرها القصيرة - التى تصل لبداية أكتافها - بفعل الهواء الغير عابئة بغلق النافذة لردعه عن العبث بشعرها , تحولت عينيها الزيتونتين لكتلة من اللهب بسبب دموعها التى لم تتوقف لحظة تكاد تسابق تلك القطرات وكأنهما بسباق !!
مرت بسيارتها دون الالتفات لمن يشير لها على الطريق فأطلق سبة وهو يتابع سيارتها بغيظ , ضغطت على الزامور بقوة دون توقف فور وصولها أمام البوابة الحديدية إلى أن لمحت الحارس وهو يهرول مبتلًا وسط الأمطار قائلًا
- حاضر .. حاضر
فتح البوابة سريعًا فدلفت بسيارتها وهى تجفف دموعها , بحثت عنه بعينيها فلم تجده بالأنحاء , تطلعت إلى غرفة المكتب فوجدت إضاءتها مشتعلة فأوقفت السيارة مترجلة منها وهى تضبط ملابسها ووشاحها الذى يغطى عنقها , همت بالتحرك فأوقفها الحارس قائلًا
- سأبلغ السيد تميم بوصولك
أوقفته بيدها قائلة وهى تخطو تجاه الفيلا
- سأُبلغه أنا
طرقت الباب ففتح لها بهيئته الضخمة - التى طالما تشعرها بصغر حجمها بجانبه وهو ممسك بفنجان قهوته , اتسعت عينيه ليظهر لونهما العسلى بوضوح وهو يرى حالتها التى يرثي لها , أما هى فعاودت البكاء مجددًا دون أن تقوى على التحدث مما أوجثه خيفة فتساءل برعب
- هل أصاب عمى مكروه ؟
هزت رأسها بلا فعقد حاجبيه الكثين باستغراب متسائلًا
- إذن ما الأمر ؟!
لم تجيبه وأجهشت فى البكاء أكثر فصرخ بوجهها بعصبية
- تحدثى ولا تتركينى هكذا فريسة للأفكار
أجابته ببكاء أدى إلى اتساع عينيه إثر سماعه لحديثها
- فادى رحل للخارج ولن يعود هنا من جديد
*******
وسط الزغاريد التى علت بالمكان صعدا لغرفتهما التى تحتل مساحة واسعة من الطابق الثانى والتى خصصها جدهما كى يقيما بها عوضًا عن السكن بعيدًا عنه , دلفا للغرفة لتصرخ كلثم فجأة وهى تتراجع برأسها للخلف قائلة
- انتبه معتصم .. سيتمزق شعرى
انتبه لوقوفه على نهاية الطرحة التى تضعها بعناية فوق شعرها قائلًا بنزق
- لا أعلم من أين أتيتى بتلك الطرحة التى يكاد طولها يفوق طولك بعدة أمتار .. كل لحظة تصرخين بي من أجلها
استدارت تضع يدها بخصرها قائلة
- تلك الطرحة التى تسخر منها لم يتوقف الجميع عن التحديق بها والتهامس بروعتها
ابتسم بسخرية متسائلًا
- ومن أخبرك بهذا ؟ .. هل كنتِ تتلصصين على المدعوين ؟!
هزت كتفيها قائلة
- بالطبع لا ولكن زينة من أخبرتني قبل قليل
لم يعلق فتوجهت لمنضدة الزينة تنزع الدبابيس التى تثبت الطرحة بشعرها لتنزع عنه هو الأخر بعض الدبابيس ليسقط بنعومة فوق كتفيها ثم توجهت للحمام كى تبدل ثيابها ..
خرجت بعد عدة دقائق فلم تجده بالغرفة أو بالمطبخ الصغير الملحق بغرفتهما , بحثت عنه فوجدته واقفًا بالشرفة ينقر بأصابعه فوق السور المعدنى فتوجهت بخيلاء إلى الفراش ولكنها ما لبث أن صرخت فجأة فانتفض على أثرها ودلف سريعًا إلى الغرفة قائلًا بقلق
- ما الأمر ؟
جلست على الفراش تتأوه ممسكة باصبع قدمها قائلة
- ارتطم اصبعي بالفراش
نظر لها قليلًا قبل أن ينفجر ضاحكًا فنظرت له بغيظ قائلة
- علام تضحك ؟!
جاورها قائلًا
- على صراخك المستمر .. قبل قليل الطرحة التى ستمزق شعرك والآن اصبعك .. ماذا بعد إذن !!
نظرت له بضيق قائلة
- ابتعد إذن لتكمل ضحكاتك بعيدًا عني
حاوط كتفيها بذراعه قائلًا
- هل سنستمر بالمشاجرة كلثم ؟
أبعدت ذراعه عنها قائلة بحنق
- بلى .. إن ظللت تسخر منى كل لحظة هكذا
هم بالتحدث ولكن قاطعه صوت طرقات عالية على باب الغرفة ممزوجة بصوت بكاء ميزاه على الفور فارتعبا
- معتصم .. جدى سقط أرضًا ولا يجيب
******
صعد درجات السلم بشرود كعادته , يشعر بها تخطو كل خطوة معه كما كانا من قبل , تحسس الدرابزين بيده وهو يتذكر تمسكها به وهى تبتسم وتخبره أنها كانت تتزحلق فوقه بصغرها وتود لو تعيد فعل ذلك ولكنها تخشي أن يراها أحد الجيران فتفقد هيبتها أمامهم , حينها كان يضحك عاليًا وهو يسألها عن أى هيبة تتحدث !! , فكانت تضع يدها بخصرها وهى تخبره بأنه معروف عنها بين الناس الجدية والحزم , كما أنها شخصية مرموقة بينهم فهى قد نُشر لها ثلاثة مقالات بجريدة الأهرام وأربعة روايات حققوا نجاح كبير , كما أنها لا تكاد تخطو مكان إلا ويلتف حولها العديد من الأشخاص ممن يرغبوا بتوقيعها أو التقاط إحدى الصور معها , حينها كان يبتسم بحب ويضمها إلى صدره ويكملا صعود السلم حتى شقته التى يقطن بها هو وهى ووالدته ..
توقف فجأة بذعر وهو يراها أمامه , اتسعت عينيه بغير تصديق وهو يكاد لا يستوعب ما يرى !! , حرك رأسه بقوة لعله يفيق ولكنها ظلت كما هى بل وابتسمت بود !! , هل عادت من جديد ؟! , هل عادت لأجله أم أنه يتوهم ؟! , بالتأكيد يتوهم , حاول إقناع نفسه بذلك فأكمل صعود الدرج متجاهلًا النظر تجاهها ولكنه توقف وهو يستمع لصوتها والذى كان للأسف يخالف الأخر تمامًا فذاك أكثر رقة عما يسمعه الآن أو ربما هو يعتقد ذلك !! , أليس المحب يرى كل ما بحبيبه رائعًا , حتى أنه يكاد يتخيل صوته لحنًا يُعزف على أوتار قلبه
- أستاذ زين
استدار يطالعها بذهول فابتسمت بارتباك حاولت إخفاؤه قدر استطاعتها ثم هتفت بتوتر بعض الشىء
- أنتظرك منذ ما يقرب النصف ساعة .. حارس البناية أخبرنى أنك ستصل خلال دقائق .. ولكنى لا أتذكر أى طابق تحديدًا أخبرنى به وحينما عاودت البحث عنه لم أجده بالأسفل فقررت أن أنتظر هنا
صمتت تبتلع ريقها بتوتر ثم هتفت بإحراج
- أعتذر .. أتحدث بكثرة ولكني وددت توضيح الأمر فقط
تحدث أخيرًا وهو عاقد حاجبيه باستغراب
- من أنتِ ؟! .. هل تعرفى منال ؟
أجابته باستغراب مصطنع وقد بدا الارتباك جليًا على وجهها
- منال !! .. من منال تلك ؟!
بدت العصبية على وجهه من إجابتها فهتف بانفعال
- من أنتِ ؟
ارتعبت من نبرته الصارخة فأجابت بتوتر
- أنا مزاهر .. المستأجرة الجديدة .. هاتفتك قبل يومين .. ألا تتذك.......
قاطعها وهو يمرر يده في شعره قائلًا بأسف
- بلى أتذكر .. أعتذر على انفعالى .. ولكنك تشبهينها بدرجة كبيرة .. فقط الصوت هو المختلف
- ماذا !!
هتفت بها بعدم فهم فأشار بيده لأعلى قائلًا
- تفضلى .. أسكن بالطابق العلوى .. العقود جاهزة لا ينقصها سوى التوقيع وينتهى الأمر .. والدتى تقيم معى فلا داعى للقلق
دلف إلى الشقة فوجد والدته جالسة على الأريكة تُقطع حبات البطاطس , اقترب منها مقبلًا يدها ومن ثم اعتدل قائلًا وهو يشير إلى الفتاة
- أمى .. أستاذة مزاهر .. المستأجرة الجديدة
نظرت لها والدته بذهول كبير ثم نظرت له قائلة
- بسم الله الرحمن الرحيم .. سبحان الله .. كأنها صورة متطابقة منها
عاود النظر إليها مما أربكها ثم نظر لوالدته قائلًا وهو يشدد على حروفه
- عدا الصوت أمى .. صوتها مختلف عن صوت منال .. منال مختلفة .. منال غَير
قطعت تأملهما قائلة باستغراب
- من منال تلك التى تتحدثا عنها ؟! .. على ما يبدو تشبهنى
أجابها بجمود تحول إليه وجهه قبل صوته
- زوجتي .. توفت قبل خمسة أشهر
******
جلست بالشرفة على الأرض بجواره تتابع ما يفعله باهتمام , لاحظ نظراتها فهتف بجدية
- لا تنظرى هكذا فهذا من الممنوعات .. عم رشدى سيقذف بى للخارج إن علم
هتفت بلهفة مؤكدة
- أقسم لك ألا أخبره .. فقط دعني أُجرب
نظر لها بتفكير فاستغلت صمته وسحبتها منه قائلة بحماس
- هيا أخبرنى ماذا أفعل ؟! .. أشاهدهم بالأفلام يغلقوا إحدى فتحات أنفهم ويستنشقوا بالأخرى
لم يجيبها فنظرت له قائلة بضيق وهى تلكزه بكوعها
- لمَ لا تجيب ؟!
هم بسحبه منها قائلًا قبل أن تمسكه جيدًا وتركض به بعيدًا كعادتها الطفولية التى لا تتوقف عنها على الرغم من كبر عمرها
- اتركيه رجاءً دليلة .. تلك الأشياء شديدة الخطورة ولن أتحمل تلك المجازفة على الإطلاق .. يكفى لفافات التبغ التى أعطيها لكِ دون علمه
هتفت بعند
- سأجربه فقط .. ثم لمَ تحاولى إثنائى عن الأمر ولا تثنى نفسك .. إن علم أُبى أيضًا بما تفعله ستحدث كارثة
مرر يده فى شعره وهو يتابعها دون أن يتحدث , اقتربت منه قائلة برجاء
- رجاءً مزمل .. فقط تلك المرة
زفر بضيق قبل أن يهتف باستسلام وهو يسحبها لتجاوره
- موافق .. ولكن تلك المرة فقط
*******
على طاولة العشاء جلس مزمل وما إن لمح دليلة حتى غمز لها بعينه فابتسمت بخجل تحت نظرات والدتها التى هتفت بتهكم
- مزمل .. ألا تخجل ولو قليلًا من تواجدى برفقتكما
ضحك قائلًا
- هل تغارين خالتى ؟!
ابتسمت ناهد ولم تعلق فهتف وهو يغمز لدليلة من جديد
- ثم أنكِ من أنجبتِ تلك الوردة الصغيرة التى تزدهر يومًا بعد يوم .. كيف إذن .....
ابتلع باقى عبارته وهو يلمح عمه قادمًا ؛ يخشاه كثيرًا ويكاد لا يُسمع صوته فى وجوده , أما دليلة فعضت على شفتيها كى تكتم ضحكاتها من هيئته المضحكة فنظر لها بتوعد فوضعت رأسها بصحنها كى تنشغل بالأكل بدلًا من أن تفلت منها إحدى الضحكات فينهرها والدها فهى الأخرى تخشاه ولكنها بالنهاية مدللته وطفلته الوحيدة فيسامحها على الفور ما إن تخطىء بشىء ..
انتهوا من تناول الطعام فوقفت دليلة تشير برأسها لمزمل كى يلحق بها إلى الخارج فلم يعيرها اهتمامًا مما أغضبها فجلست من جديد بعد أن ضربت بقدميها الأرض فى غضب , حينها نظر لها والدها قائلًا بمزاح
- هل قررتى العودة لتناول المزيد والتخلى عن النظام الغذائى الذى تتبعينه تلك الفترة دليلة ؟!
أجابته بارتباك بعض الشىء وهى تنقر بأصابعها على الطاولة
- كلا .. فقط سأتناول بعض ثمار الفاكهة التى لن تؤذى بإذن الله
نظر لها والدها باستغراب يشوبه الشك ثم نظر لمزمل الذى انشغل بتناول طعامه كى يوهمه بعدم اهتمامه بالأمر فربتت ناهد على يده قائلة بهمس
- اتركها تفعل ما تريده وعاود تناول طعامك
أومأ إيجابًا وهو يوجه نظراته لها قبل أن يعاود تناول طعامه بالفعل مختلسًا بعض النظرات لمزمل فقد لمح النظرات المتبادلة بينه وبين دليلة قبل قليل .
..
كانت تستشيط غضبًا منه لذلك انشغلت بمتابعة المارة بالطريق الذى تُطل عليه شرفتها غير عابئة بحديثه , وعى لذلك فأمسك بذراعها يديرها إليه قائلًا بضيق
- هل أُحادث الحائط ؟!
أجابته بنزق وهى تحرر ذراعها منه
- لن أتحدث معك بعد ما فعلته .. هل تعتقد أننى سأتغافل عن إهانتك لى قبل قليل
هتف بغضب وهو يحاول قدر استطاعته إخفاض صوته
- إهانتكِ !! .. هل تمزحين دليلة !!! .. عم رشدى كان برفقتنا وأنتِ تشيرين إلى كى ألحق بكِ خارجًا .. هل فقدتِ عقلك ؟!!
أجابته بضيق
- إذن أخبره لننتهى من كل هذا .. اذهب وأخبره برغبتك فى الزواج بى
هتف بحنق
- هذا ليس وقتًا مناسبًا للمزاح دليلة .. ثم إننى مازالت أدرس بالجامعة ولم يمضى سوى يومين على استلامى العمل بالشركة .. كيف أُخبره برغبتى فى الزواج الآن ؟!!
همت بالتحدث فقاطعها وقد تذكر شيئًا فهتف بسخرية
- ثم إنكِ مازالتى بالتاسعة عشر من عمرك .. ألستِ صغيرة على الزواج !
وضعت يدها بخصرها قائلة بخيلاء وهى ترفع قامتها قليلًا
- توقف كل لحظة عن إخبارى بتلك العبارة .. أنا لست صغيرة كما تقول .. هناك الكثير من رفيقاتى متزوجات .. كما أنك قد أتممت عامك الثامن والعشرين وكل عام ترسب بالامتحانات فكم من الوقت سأنتظر كى تتخرج .. حتى تصل للأربعين !! .. ثم إنك تعمل مع والدى بالشركة ولست موظفًا ستخجل من إخباره برغبتك فى الزواج منى .. هذا شقيق والدك
لوى فمه بسخرية قائلًا
- حقًا !! .. شكرًا لكِ على تلك المعلومة التى لا أعلم إن لم تخبرينى بها ماذا كان سيحدث !!
نظرت له بضيق فأكمل بسخرية أغضبتها أكثر
- هل كنت طوال حياتى سأظل غافلًا عن كونه شقيق أبى !! .. حقًا أشكرك دليلة
ضغطت بكعب حذاءها فوق قدمه بقوة فتأوه صارخًا لتهتف بغضب قبل أن تدلف للداخل تتطاير خصلات شعرها البنى الطويلة خلفها تاركة إياه يقفز من شدة الألم
- كف عن استفزازى .. لقد سئمت من مزاحك القمىء هذا
خرج عقبها بعدة دقائق فوجدها واقفة برفقة والدها الذى ما إن رأه حتى هتف متسائلًا
- ماذا تريد مزمل .. أخبرتنى دليلة أنك تريد إخبارى بشىء ولكنك تخجل ..هل تود استبدال سيارتك من جديد ؟!
ارتبك فنظرت له نيروز بابتسامة شامتة ليتنحنح قائلًا
- كلا .. فلقد قمت باستبدالها قبل عدة أسابيع فقط عمى
عقد رشدى حاجبيه قائلًا
- إذن ما الأمر ؟
عقدت دليلة ساعديها وهى تشير برأسها تجاه والدها قائلة دون أن يخرج صوتها , فقط شفتيها تتحرك , وقرأها على الفور مزمل " هيا أخبره الآن "
ولكنه رغم ذلك ظل صامتًا ليهتف رشدى ببعض الضيق
- تحدث مزمل وقل ما تريد مباشرةً فلدى الكثير من الأعمال علىّ القيام بها
ابتلع مزمل ريقه قائلًا
- عمى
تحفزت دليلة حتى أنها فكت ساعديها مما زاده ارتباكًا ليهتف وقد وجد أنه لا مفر من ذلك
- أريد الزواج من دليلة
*****
وقفت أمام المرآة تضبط ملابسها ومن ثم بدأت بوضع أحمر الشفاة الذى تتقن وضعه , وضعت القليل من الكحل كى توسع عينيها الضيقتين ومن ثم توجهت كى ترتدى حذائها الرياضى بعد أن أطلقت لشعرها الأسود القصير العنان , تابعت شقيقتها التى تدهورت حالتها كثيرًا على مدار الأسبوع الماضى , لا تعلم سبب حالتها تلك , تسمعها تبكى بالليل وتصلى وتدعو الله بصمت , تسمع كلمة " يارب " تخرج منها مصحوبة بنوبة كبيرة من البكاء الذى يؤلم القلب , حاولت محادثتها مرارًا ولكنها كانت تأبى التحدث آثرة الصمت والذى كان على غير عادتها مما جعل الجميع يتوجس خيفة من أن تكون مريضة حيث أنها كانت ترفض الطعام أيضًا , ودعتها بنظرة حزينة قبل أن تخرج متوجهة إلى المطبخ كى ترى والدتها مثلما أمرتها قبل قليل , حملت صينية المشروبات من والدتها ومن ثم دلفت إلى الداخل ووضعتها على الطاولة وجلست واضعة ساقًا فوق الأخرى فنهرها والدها بغضب
- بنت .. ألا تمتلكين ولو قليلًا من الذوق كى تقدمى الكوب لابن عمك .. كيف تزوجتى إذن .. بل وكيف يتحملك زوجك !!
عاودت النهوض بتذمر وفعلت ما أمرها به والدها ومن ثم عاودت الجلوس حينما دلفت والدتها قائلة وهى تحمل صينية الحلوى
- أنرت البيت تميم .. لمَ لم تعد تأتى لترانا ؟!
أجابها بابتسامة هادئة
- اعذرينى زوجة عمى على تقصيرى بحقكم .. ولكن يشهد الله أننى لا أجد وقتًا كى أغفو براحة كبقية البشر من كثرة العمل
ابتسمت مرددة بحب
- زادك الله يا بنى من نعمة ورزقك بالمزيد .. ولكن صحتك أهم .. الأموال لن تفيد إذا خسرت صحتك لا قدر الله
ابتسم قائلًا وهو يومىء برأسه مؤيدًا حديثها
- حديثكِ صائب زوجة عمي .. الحمد لله أنعم الله على بالرزق الوفير ولكن كما تقولى صحتى يجب علىّ مراعاتها فلم أعد صغيرًا
ضحكت لتهتف موضحة
- مازلت صغيرًا يا بنى والعمر أمامك .. أنت لم تتعدى الثالثة والثلاثين بعد .. لم أقصد أبدًا التحدث عن العمر
ابتسم بود قائلًا
- أعلم زوجة عمى بمقصدك .. وأعدك أن تزيد زيارتى الفترة القادمة إن شاء الله تعالى حتى أنكِ ستملين من كثرة رؤيتى
نظرت إلى زوجها وقد ارتسم على ثغرها ابتسامة واسعة وحينها دلفت فيروز بوجه شاحب كالموتى لتقاطع والدتها التى كانت تهم بالتحدث , تابعها تميم بعينيه فى صمت ثم حياها فابتسمت له بوهن قائلة
- أهلًا بك تميم .. كيف حالك ؟
أجابها بابتسامة هادئة
- الحمد لله بصحة جيدة كما ترين على عكسكِ تمامًا
هتفت زوجة عمه بغير رضا
- أخبرها تميم كى تهتم بطعامها قليلًا .. فلم تعد تأكل شيئًا حتى بات وجهها كرغيف الخبز الصغير .. أعلم أنها لا تستمع لأحد سوى منك إن كانت هى أم نهال .. الإثنين ما شاء الله سيصيبونى عما قريب بإذن الله بالجنون
اعتدلت نهال فى جلستها قائلة بحنق
- أراكِ تُلقين بهمومك الآن إليه عوضًا عن والدى فى الصباح .. ألن تكفى عن الشكوى منى أمى
نظرت لها والدتها بتحديز من التمادى فى الحديث أكثر فصمتت على مضض , أما تميم فابتسم قائلًا وهو ينظر لعمه
- أريد التحدث معك فى أمر هام عمى
ابتسم عمه قائلًا
- خيرًا يا بنى
اعتدل تميم فى جلسته قائلًا بجدية تحت نظرات فيروز التى كانت تتابعه باهتمام كبير وفضول
- أطلب منك يد فيروز
اتسعت ابتسامة عمه وكذلك زوجته , أما هو فنظر لفيروز التى نظرت له بغير فهم بالبداية ممزوج بالصدمة ثم غادرت الغرفة بخطوات غاضبة
******
كان واقفًا بقامته الطويلة في الظلام بغرفة المكتب يتابعها بعينيه في الخارج , يشرد أحيانًا بها وبذكرياتهما سويًا ليعود من جديد فيتابعها , واقفة برفقة بنات أعمامهما " هبة , زينة " تواسيهما وتواسى نفسها , يراها دومًا قوية حتى فى أشد المواقف تقف شامخة كجبل يأبى السقوط أو التخاذل على الرغم من عمرها الصغير والذى لم يتعدى السادسة والعشرين , يعلم أنها تبكى بداخلها ولكن تظهر أمام الجميع قوية قادرة على مواجهة الأصعب بإذن الله , توقع صمودها ولكنه بات لا يعلم هل ستصمد فى القادم أم لا ؟! , تابعها تحتضن زينة وتربت على كتفها بحنان وحزن ففقدان جدهم لم يكن بالشىء الهين على أى منهم خصوصًا أنه كان كل ما لديهم بالحياة بعد وفاة والديهم , سمع طرقات على باب المكتب عقبها دلفت الخادمة تنير الإضاءة وتخبره بوصول المحامى ..
دلف المحامى بهدوء قائلًا وهو يتابع بنظراته الورقة التى يمسك بها معتصم بيده
- على ما يبدو قرأت الوصية .. كان من الضرورى أن أقوم بتنفيذها وجعلك أول من يطلع عليها قبل البقية .. الآن هل ستخبرهم أنت أم أتولى أنا الأمر ؟!
نظر له معتصم دون أن يتفوه بكلمة , ملامحه كانت تائهة وكأنه بعالم آخر حتى ظن المحامى أنه لم يستمع له من الأساس فاقترب منه يربت على كتفه مواسيًا ليرمش بعينيه وكأنه أعاده لأرض الواقع بلمسته ليمررعقبها يده بشعره قائلًا بانفعال غاضب
- كيف فعل ذلك ؟ .. فيمَ كان يُفكر حينها وما الغرض من كل هذا ؟! .. كان برفقتى دومًا لمَ لم يخبرنى بالأمر؟! .. هل كان يتركها لى كمفاجأة سارة عقب زواجى ؟! .. أم أنه كان يود مكافأتى على كل ما فعلته
كان المحامى يعلم أن الوضع لن يمر مرور الكرام ولكنه لم يتوقع انفعال معتصم بتلك الطريقة , كان يقدر موقفه ويتفهم صدمته لذا تنحنح قائلًا وهو يضع حقيبته الجلدية على المقعد
- اهدأ أستاذ معتصم .. جدك شرح الأمر كاملًا بالوصية .. على ما يبدو لم تقرأها جيدًا
وكأن حديثه أشعل النيران أكثر بداخله فقذف بالورقة بعيدًا قبل أن يصرخ بانفعال غاضب
- قرأتها أكثر من عشرة مرات ولم أفهم المغزى وراء كل هذا .. ألا يوجد طريقة أخرى أحافظ بها عليهن غير تلك !! .. كان يجب أن يخبرنى بهذا من قبل ولا يجبرنى بمثل هذة الطريقة .. كيف فعلها .. كيف ؟!
هم المحامى بالرد ولكن قاطعه دخول كلثم المفاجىء , والتى نظرت لمعتصم بخوف لتهتف بتوتر بعد أن رأت هيئته
- ما الأمر معتصم ؟! .. لمَ تصرخ هكذا ؟!
استدار المحامى يطالعها قائلًا بابتسامة هادئة
- كيف حالك أستاذة كلثم ؟ .. أتمنى أن تجمعى بنات عمك من أجل قراءة الوصية
نظرت له كلثم ببلاهة ثم نظرت لمعتصم لعله يجيبها ولكنه لم يتفوه بكلمة , بينما استدار المحامى ونظر لمعتصم متسائلًا بهدوء
- هل أنت مستعد ؟
لم يجيبه بل زفر بضيق وضرب بيده فى غضب فوق سطح المكتب قبل أن ينتبه لكلثم التى تطالعه بوجه شاحب لملامحه تلك الغير مُطَمْئنة وقد تيقنت من وجود كارثة !!
...
بعد مرور فترة قصيرة
وقفت مزاهر أمام المرآة تتطلع إلى ملامحها التى تتفنن بتغييرها , تحسست وجهها ببطء قبل أن تسحب وشاحها لتلف به رأسها ومن ثم خرجت من الغرفة بل الشقة بأكملها , وصلت إلى الطابق الخاص بزين ووالدته , ضبطت من وقفتها وثيابها قبل أن تضغط على جرس الباب ومن ثم ابتعدت فى انتظارهما ...
طالت وقفتها فنظرت بساعة معصمها فى استغراب فأين ذهبوا فى مثل هذا التوقيت !!!
استمعت لصوت خطوات على الدرج خلفها فاستدارت تتابعها بفضول حتى اتسعت ابتسامتها وهى ترى زين ووالدته , ظلت ابتسامتها مرتسمة فوق وجهها حتى التقت عينيها بأعينهما لتتساءل بهدوء
- هل كنتما بالخارج ؟
نظرت هيام ( والدة زين ) إلي زين ببعض الاستغراب قبل أن توجه نظراتها لها قائلة
- هل هناك شىء ابنتى ؟
أجابتها مزاهر بابتسامة واسعة
- كنت أشعر بالملل ففكرت أن أنزل كي أجلس برفقتكما قليلًا
نظرت لها هيام ولم تعلق لتهتف مزاهر بتساؤل
- تعجبت من عدم تواجدكما فى هذا الوقت ! .. هل هناك أمر ما أدى لخروجكما الآن ؟!
رفعت هيام حاجبها لأعلى فى ذهول تام مما يحدث , بينما هتف زين ببعض الضيق
- أستاذة مزاهر .. نحن نشعر ببعض التعب جراء الطريق ونرغب فى الحصول على قسط من الراحة
تلاشت ابتسامتها وقد ظهر الإحراج جليًا على ملامحها , بينما نظرت له والدته ببعض العتاب قبل أن تهتف بحرج
- زين يقصد .......
قاطعتها مزاهر قائلة بملامح جامدة وهى تخص زين بنظرة غاضبة أثارت حنقه واستنكاره
- كلا يقصد ما تفوه به .. على كل حال أنا من أخطأت بمجيئى .. أعتذر منكما
أنهت حديثها وصعدت سريعًا تأكل الدرجات حتى وصلت إلى شقتها تحت نظراتهما ليهتف زين باستياء ما إن سمع الباب يُصفع بشدة
- هيا أمى .. على ما يبدو تلك المرأة مصابة بالجنون
هتفت هيام بعتاب
- لقد أحرجتها زين .. تبدو فتاة رقيقة وطيبة و ....
قاطعها قائلًا ببعض الضيق وهو يقترب من الباب كى يفتحه بمفاتيحه الخاصة
- أمى نحن لا نعلم أى شىء عنها سوى بضعة بيانات .. ليست من أقاربنا حتى تأتى لتسألنا عن سبب خروجنا بمثل هذا التوقيت ؟! .. وعن أى توقيت تتحدث فمازالت العشاء لم تُأذِن بعد
..
أما مزاهر فما إن دلفت إلى شقتها حتى ركلت الحائط بقدمها بقوة , شعرت بألم شديد فجلست أرضًا تبكى ماحدث , رفعت رأسها فجأة وقد تذكرت شيئًا فنهضت سريعًا تركض تجاه غرفتها , فتحت درج الكومود بلهفة تُخرج منه مفكرتها ..
قلبت أوراقها سريعًا بعصبية حتى وقعت عينيها على الورقة المنشودة فقرأت محتواها لتهتف بغضب قبل أن تقذف بها بعيدًا
- سأظل حمقاء للأبد
........ .
يتبع
فى إحدى الليالى الشتوية قارسة البرودة ووسط قطرات المطر المنهمرة بقوة كانت تقود سيارتها بسرعة جنونية تشبه جنون تطاير خصلات شعرها القصيرة - التى تصل لبداية أكتافها - بفعل الهواء الغير عابئة بغلق النافذة لردعه عن العبث بشعرها , تحولت عينيها الزيتونتين لكتلة من اللهب بسبب دموعها التى لم تتوقف لحظة تكاد تسابق تلك القطرات وكأنهما بسباق !!
مرت بسيارتها دون الالتفات لمن يشير لها على الطريق فأطلق سبة وهو يتابع سيارتها بغيظ , ضغطت على الزامور بقوة دون توقف فور وصولها أمام البوابة الحديدية إلى أن لمحت الحارس وهو يهرول مبتلًا وسط الأمطار قائلًا
- حاضر .. حاضر
فتح البوابة سريعًا فدلفت بسيارتها وهى تجفف دموعها , بحثت عنه بعينيها فلم تجده بالأنحاء , تطلعت إلى غرفة المكتب فوجدت إضاءتها مشتعلة فأوقفت السيارة مترجلة منها وهى تضبط ملابسها ووشاحها الذى يغطى عنقها , همت بالتحرك فأوقفها الحارس قائلًا
- سأبلغ السيد تميم بوصولك
أوقفته بيدها قائلة وهى تخطو تجاه الفيلا
- سأُبلغه أنا
طرقت الباب ففتح لها بهيئته الضخمة - التى طالما تشعرها بصغر حجمها بجانبه وهو ممسك بفنجان قهوته , اتسعت عينيه ليظهر لونهما العسلى بوضوح وهو يرى حالتها التى يرثي لها , أما هى فعاودت البكاء مجددًا دون أن تقوى على التحدث مما أوجثه خيفة فتساءل برعب
- هل أصاب عمى مكروه ؟
هزت رأسها بلا فعقد حاجبيه الكثين باستغراب متسائلًا
- إذن ما الأمر ؟!
لم تجيبه وأجهشت فى البكاء أكثر فصرخ بوجهها بعصبية
- تحدثى ولا تتركينى هكذا فريسة للأفكار
أجابته ببكاء أدى إلى اتساع عينيه إثر سماعه لحديثها
- فادى رحل للخارج ولن يعود هنا من جديد
*******
وسط الزغاريد التى علت بالمكان صعدا لغرفتهما التى تحتل مساحة واسعة من الطابق الثانى والتى خصصها جدهما كى يقيما بها عوضًا عن السكن بعيدًا عنه , دلفا للغرفة لتصرخ كلثم فجأة وهى تتراجع برأسها للخلف قائلة
- انتبه معتصم .. سيتمزق شعرى
انتبه لوقوفه على نهاية الطرحة التى تضعها بعناية فوق شعرها قائلًا بنزق
- لا أعلم من أين أتيتى بتلك الطرحة التى يكاد طولها يفوق طولك بعدة أمتار .. كل لحظة تصرخين بي من أجلها
استدارت تضع يدها بخصرها قائلة
- تلك الطرحة التى تسخر منها لم يتوقف الجميع عن التحديق بها والتهامس بروعتها
ابتسم بسخرية متسائلًا
- ومن أخبرك بهذا ؟ .. هل كنتِ تتلصصين على المدعوين ؟!
هزت كتفيها قائلة
- بالطبع لا ولكن زينة من أخبرتني قبل قليل
لم يعلق فتوجهت لمنضدة الزينة تنزع الدبابيس التى تثبت الطرحة بشعرها لتنزع عنه هو الأخر بعض الدبابيس ليسقط بنعومة فوق كتفيها ثم توجهت للحمام كى تبدل ثيابها ..
خرجت بعد عدة دقائق فلم تجده بالغرفة أو بالمطبخ الصغير الملحق بغرفتهما , بحثت عنه فوجدته واقفًا بالشرفة ينقر بأصابعه فوق السور المعدنى فتوجهت بخيلاء إلى الفراش ولكنها ما لبث أن صرخت فجأة فانتفض على أثرها ودلف سريعًا إلى الغرفة قائلًا بقلق
- ما الأمر ؟
جلست على الفراش تتأوه ممسكة باصبع قدمها قائلة
- ارتطم اصبعي بالفراش
نظر لها قليلًا قبل أن ينفجر ضاحكًا فنظرت له بغيظ قائلة
- علام تضحك ؟!
جاورها قائلًا
- على صراخك المستمر .. قبل قليل الطرحة التى ستمزق شعرك والآن اصبعك .. ماذا بعد إذن !!
نظرت له بضيق قائلة
- ابتعد إذن لتكمل ضحكاتك بعيدًا عني
حاوط كتفيها بذراعه قائلًا
- هل سنستمر بالمشاجرة كلثم ؟
أبعدت ذراعه عنها قائلة بحنق
- بلى .. إن ظللت تسخر منى كل لحظة هكذا
هم بالتحدث ولكن قاطعه صوت طرقات عالية على باب الغرفة ممزوجة بصوت بكاء ميزاه على الفور فارتعبا
- معتصم .. جدى سقط أرضًا ولا يجيب
******
صعد درجات السلم بشرود كعادته , يشعر بها تخطو كل خطوة معه كما كانا من قبل , تحسس الدرابزين بيده وهو يتذكر تمسكها به وهى تبتسم وتخبره أنها كانت تتزحلق فوقه بصغرها وتود لو تعيد فعل ذلك ولكنها تخشي أن يراها أحد الجيران فتفقد هيبتها أمامهم , حينها كان يضحك عاليًا وهو يسألها عن أى هيبة تتحدث !! , فكانت تضع يدها بخصرها وهى تخبره بأنه معروف عنها بين الناس الجدية والحزم , كما أنها شخصية مرموقة بينهم فهى قد نُشر لها ثلاثة مقالات بجريدة الأهرام وأربعة روايات حققوا نجاح كبير , كما أنها لا تكاد تخطو مكان إلا ويلتف حولها العديد من الأشخاص ممن يرغبوا بتوقيعها أو التقاط إحدى الصور معها , حينها كان يبتسم بحب ويضمها إلى صدره ويكملا صعود السلم حتى شقته التى يقطن بها هو وهى ووالدته ..
توقف فجأة بذعر وهو يراها أمامه , اتسعت عينيه بغير تصديق وهو يكاد لا يستوعب ما يرى !! , حرك رأسه بقوة لعله يفيق ولكنها ظلت كما هى بل وابتسمت بود !! , هل عادت من جديد ؟! , هل عادت لأجله أم أنه يتوهم ؟! , بالتأكيد يتوهم , حاول إقناع نفسه بذلك فأكمل صعود الدرج متجاهلًا النظر تجاهها ولكنه توقف وهو يستمع لصوتها والذى كان للأسف يخالف الأخر تمامًا فذاك أكثر رقة عما يسمعه الآن أو ربما هو يعتقد ذلك !! , أليس المحب يرى كل ما بحبيبه رائعًا , حتى أنه يكاد يتخيل صوته لحنًا يُعزف على أوتار قلبه
- أستاذ زين
استدار يطالعها بذهول فابتسمت بارتباك حاولت إخفاؤه قدر استطاعتها ثم هتفت بتوتر بعض الشىء
- أنتظرك منذ ما يقرب النصف ساعة .. حارس البناية أخبرنى أنك ستصل خلال دقائق .. ولكنى لا أتذكر أى طابق تحديدًا أخبرنى به وحينما عاودت البحث عنه لم أجده بالأسفل فقررت أن أنتظر هنا
صمتت تبتلع ريقها بتوتر ثم هتفت بإحراج
- أعتذر .. أتحدث بكثرة ولكني وددت توضيح الأمر فقط
تحدث أخيرًا وهو عاقد حاجبيه باستغراب
- من أنتِ ؟! .. هل تعرفى منال ؟
أجابته باستغراب مصطنع وقد بدا الارتباك جليًا على وجهها
- منال !! .. من منال تلك ؟!
بدت العصبية على وجهه من إجابتها فهتف بانفعال
- من أنتِ ؟
ارتعبت من نبرته الصارخة فأجابت بتوتر
- أنا مزاهر .. المستأجرة الجديدة .. هاتفتك قبل يومين .. ألا تتذك.......
قاطعها وهو يمرر يده في شعره قائلًا بأسف
- بلى أتذكر .. أعتذر على انفعالى .. ولكنك تشبهينها بدرجة كبيرة .. فقط الصوت هو المختلف
- ماذا !!
هتفت بها بعدم فهم فأشار بيده لأعلى قائلًا
- تفضلى .. أسكن بالطابق العلوى .. العقود جاهزة لا ينقصها سوى التوقيع وينتهى الأمر .. والدتى تقيم معى فلا داعى للقلق
دلف إلى الشقة فوجد والدته جالسة على الأريكة تُقطع حبات البطاطس , اقترب منها مقبلًا يدها ومن ثم اعتدل قائلًا وهو يشير إلى الفتاة
- أمى .. أستاذة مزاهر .. المستأجرة الجديدة
نظرت لها والدته بذهول كبير ثم نظرت له قائلة
- بسم الله الرحمن الرحيم .. سبحان الله .. كأنها صورة متطابقة منها
عاود النظر إليها مما أربكها ثم نظر لوالدته قائلًا وهو يشدد على حروفه
- عدا الصوت أمى .. صوتها مختلف عن صوت منال .. منال مختلفة .. منال غَير
قطعت تأملهما قائلة باستغراب
- من منال تلك التى تتحدثا عنها ؟! .. على ما يبدو تشبهنى
أجابها بجمود تحول إليه وجهه قبل صوته
- زوجتي .. توفت قبل خمسة أشهر
******
جلست بالشرفة على الأرض بجواره تتابع ما يفعله باهتمام , لاحظ نظراتها فهتف بجدية
- لا تنظرى هكذا فهذا من الممنوعات .. عم رشدى سيقذف بى للخارج إن علم
هتفت بلهفة مؤكدة
- أقسم لك ألا أخبره .. فقط دعني أُجرب
نظر لها بتفكير فاستغلت صمته وسحبتها منه قائلة بحماس
- هيا أخبرنى ماذا أفعل ؟! .. أشاهدهم بالأفلام يغلقوا إحدى فتحات أنفهم ويستنشقوا بالأخرى
لم يجيبها فنظرت له قائلة بضيق وهى تلكزه بكوعها
- لمَ لا تجيب ؟!
هم بسحبه منها قائلًا قبل أن تمسكه جيدًا وتركض به بعيدًا كعادتها الطفولية التى لا تتوقف عنها على الرغم من كبر عمرها
- اتركيه رجاءً دليلة .. تلك الأشياء شديدة الخطورة ولن أتحمل تلك المجازفة على الإطلاق .. يكفى لفافات التبغ التى أعطيها لكِ دون علمه
هتفت بعند
- سأجربه فقط .. ثم لمَ تحاولى إثنائى عن الأمر ولا تثنى نفسك .. إن علم أُبى أيضًا بما تفعله ستحدث كارثة
مرر يده فى شعره وهو يتابعها دون أن يتحدث , اقتربت منه قائلة برجاء
- رجاءً مزمل .. فقط تلك المرة
زفر بضيق قبل أن يهتف باستسلام وهو يسحبها لتجاوره
- موافق .. ولكن تلك المرة فقط
*******
على طاولة العشاء جلس مزمل وما إن لمح دليلة حتى غمز لها بعينه فابتسمت بخجل تحت نظرات والدتها التى هتفت بتهكم
- مزمل .. ألا تخجل ولو قليلًا من تواجدى برفقتكما
ضحك قائلًا
- هل تغارين خالتى ؟!
ابتسمت ناهد ولم تعلق فهتف وهو يغمز لدليلة من جديد
- ثم أنكِ من أنجبتِ تلك الوردة الصغيرة التى تزدهر يومًا بعد يوم .. كيف إذن .....
ابتلع باقى عبارته وهو يلمح عمه قادمًا ؛ يخشاه كثيرًا ويكاد لا يُسمع صوته فى وجوده , أما دليلة فعضت على شفتيها كى تكتم ضحكاتها من هيئته المضحكة فنظر لها بتوعد فوضعت رأسها بصحنها كى تنشغل بالأكل بدلًا من أن تفلت منها إحدى الضحكات فينهرها والدها فهى الأخرى تخشاه ولكنها بالنهاية مدللته وطفلته الوحيدة فيسامحها على الفور ما إن تخطىء بشىء ..
انتهوا من تناول الطعام فوقفت دليلة تشير برأسها لمزمل كى يلحق بها إلى الخارج فلم يعيرها اهتمامًا مما أغضبها فجلست من جديد بعد أن ضربت بقدميها الأرض فى غضب , حينها نظر لها والدها قائلًا بمزاح
- هل قررتى العودة لتناول المزيد والتخلى عن النظام الغذائى الذى تتبعينه تلك الفترة دليلة ؟!
أجابته بارتباك بعض الشىء وهى تنقر بأصابعها على الطاولة
- كلا .. فقط سأتناول بعض ثمار الفاكهة التى لن تؤذى بإذن الله
نظر لها والدها باستغراب يشوبه الشك ثم نظر لمزمل الذى انشغل بتناول طعامه كى يوهمه بعدم اهتمامه بالأمر فربتت ناهد على يده قائلة بهمس
- اتركها تفعل ما تريده وعاود تناول طعامك
أومأ إيجابًا وهو يوجه نظراته لها قبل أن يعاود تناول طعامه بالفعل مختلسًا بعض النظرات لمزمل فقد لمح النظرات المتبادلة بينه وبين دليلة قبل قليل .
..
كانت تستشيط غضبًا منه لذلك انشغلت بمتابعة المارة بالطريق الذى تُطل عليه شرفتها غير عابئة بحديثه , وعى لذلك فأمسك بذراعها يديرها إليه قائلًا بضيق
- هل أُحادث الحائط ؟!
أجابته بنزق وهى تحرر ذراعها منه
- لن أتحدث معك بعد ما فعلته .. هل تعتقد أننى سأتغافل عن إهانتك لى قبل قليل
هتف بغضب وهو يحاول قدر استطاعته إخفاض صوته
- إهانتكِ !! .. هل تمزحين دليلة !!! .. عم رشدى كان برفقتنا وأنتِ تشيرين إلى كى ألحق بكِ خارجًا .. هل فقدتِ عقلك ؟!!
أجابته بضيق
- إذن أخبره لننتهى من كل هذا .. اذهب وأخبره برغبتك فى الزواج بى
هتف بحنق
- هذا ليس وقتًا مناسبًا للمزاح دليلة .. ثم إننى مازالت أدرس بالجامعة ولم يمضى سوى يومين على استلامى العمل بالشركة .. كيف أُخبره برغبتى فى الزواج الآن ؟!!
همت بالتحدث فقاطعها وقد تذكر شيئًا فهتف بسخرية
- ثم إنكِ مازالتى بالتاسعة عشر من عمرك .. ألستِ صغيرة على الزواج !
وضعت يدها بخصرها قائلة بخيلاء وهى ترفع قامتها قليلًا
- توقف كل لحظة عن إخبارى بتلك العبارة .. أنا لست صغيرة كما تقول .. هناك الكثير من رفيقاتى متزوجات .. كما أنك قد أتممت عامك الثامن والعشرين وكل عام ترسب بالامتحانات فكم من الوقت سأنتظر كى تتخرج .. حتى تصل للأربعين !! .. ثم إنك تعمل مع والدى بالشركة ولست موظفًا ستخجل من إخباره برغبتك فى الزواج منى .. هذا شقيق والدك
لوى فمه بسخرية قائلًا
- حقًا !! .. شكرًا لكِ على تلك المعلومة التى لا أعلم إن لم تخبرينى بها ماذا كان سيحدث !!
نظرت له بضيق فأكمل بسخرية أغضبتها أكثر
- هل كنت طوال حياتى سأظل غافلًا عن كونه شقيق أبى !! .. حقًا أشكرك دليلة
ضغطت بكعب حذاءها فوق قدمه بقوة فتأوه صارخًا لتهتف بغضب قبل أن تدلف للداخل تتطاير خصلات شعرها البنى الطويلة خلفها تاركة إياه يقفز من شدة الألم
- كف عن استفزازى .. لقد سئمت من مزاحك القمىء هذا
خرج عقبها بعدة دقائق فوجدها واقفة برفقة والدها الذى ما إن رأه حتى هتف متسائلًا
- ماذا تريد مزمل .. أخبرتنى دليلة أنك تريد إخبارى بشىء ولكنك تخجل ..هل تود استبدال سيارتك من جديد ؟!
ارتبك فنظرت له نيروز بابتسامة شامتة ليتنحنح قائلًا
- كلا .. فلقد قمت باستبدالها قبل عدة أسابيع فقط عمى
عقد رشدى حاجبيه قائلًا
- إذن ما الأمر ؟
عقدت دليلة ساعديها وهى تشير برأسها تجاه والدها قائلة دون أن يخرج صوتها , فقط شفتيها تتحرك , وقرأها على الفور مزمل " هيا أخبره الآن "
ولكنه رغم ذلك ظل صامتًا ليهتف رشدى ببعض الضيق
- تحدث مزمل وقل ما تريد مباشرةً فلدى الكثير من الأعمال علىّ القيام بها
ابتلع مزمل ريقه قائلًا
- عمى
تحفزت دليلة حتى أنها فكت ساعديها مما زاده ارتباكًا ليهتف وقد وجد أنه لا مفر من ذلك
- أريد الزواج من دليلة
*****
وقفت أمام المرآة تضبط ملابسها ومن ثم بدأت بوضع أحمر الشفاة الذى تتقن وضعه , وضعت القليل من الكحل كى توسع عينيها الضيقتين ومن ثم توجهت كى ترتدى حذائها الرياضى بعد أن أطلقت لشعرها الأسود القصير العنان , تابعت شقيقتها التى تدهورت حالتها كثيرًا على مدار الأسبوع الماضى , لا تعلم سبب حالتها تلك , تسمعها تبكى بالليل وتصلى وتدعو الله بصمت , تسمع كلمة " يارب " تخرج منها مصحوبة بنوبة كبيرة من البكاء الذى يؤلم القلب , حاولت محادثتها مرارًا ولكنها كانت تأبى التحدث آثرة الصمت والذى كان على غير عادتها مما جعل الجميع يتوجس خيفة من أن تكون مريضة حيث أنها كانت ترفض الطعام أيضًا , ودعتها بنظرة حزينة قبل أن تخرج متوجهة إلى المطبخ كى ترى والدتها مثلما أمرتها قبل قليل , حملت صينية المشروبات من والدتها ومن ثم دلفت إلى الداخل ووضعتها على الطاولة وجلست واضعة ساقًا فوق الأخرى فنهرها والدها بغضب
- بنت .. ألا تمتلكين ولو قليلًا من الذوق كى تقدمى الكوب لابن عمك .. كيف تزوجتى إذن .. بل وكيف يتحملك زوجك !!
عاودت النهوض بتذمر وفعلت ما أمرها به والدها ومن ثم عاودت الجلوس حينما دلفت والدتها قائلة وهى تحمل صينية الحلوى
- أنرت البيت تميم .. لمَ لم تعد تأتى لترانا ؟!
أجابها بابتسامة هادئة
- اعذرينى زوجة عمى على تقصيرى بحقكم .. ولكن يشهد الله أننى لا أجد وقتًا كى أغفو براحة كبقية البشر من كثرة العمل
ابتسمت مرددة بحب
- زادك الله يا بنى من نعمة ورزقك بالمزيد .. ولكن صحتك أهم .. الأموال لن تفيد إذا خسرت صحتك لا قدر الله
ابتسم قائلًا وهو يومىء برأسه مؤيدًا حديثها
- حديثكِ صائب زوجة عمي .. الحمد لله أنعم الله على بالرزق الوفير ولكن كما تقولى صحتى يجب علىّ مراعاتها فلم أعد صغيرًا
ضحكت لتهتف موضحة
- مازلت صغيرًا يا بنى والعمر أمامك .. أنت لم تتعدى الثالثة والثلاثين بعد .. لم أقصد أبدًا التحدث عن العمر
ابتسم بود قائلًا
- أعلم زوجة عمى بمقصدك .. وأعدك أن تزيد زيارتى الفترة القادمة إن شاء الله تعالى حتى أنكِ ستملين من كثرة رؤيتى
نظرت إلى زوجها وقد ارتسم على ثغرها ابتسامة واسعة وحينها دلفت فيروز بوجه شاحب كالموتى لتقاطع والدتها التى كانت تهم بالتحدث , تابعها تميم بعينيه فى صمت ثم حياها فابتسمت له بوهن قائلة
- أهلًا بك تميم .. كيف حالك ؟
أجابها بابتسامة هادئة
- الحمد لله بصحة جيدة كما ترين على عكسكِ تمامًا
هتفت زوجة عمه بغير رضا
- أخبرها تميم كى تهتم بطعامها قليلًا .. فلم تعد تأكل شيئًا حتى بات وجهها كرغيف الخبز الصغير .. أعلم أنها لا تستمع لأحد سوى منك إن كانت هى أم نهال .. الإثنين ما شاء الله سيصيبونى عما قريب بإذن الله بالجنون
اعتدلت نهال فى جلستها قائلة بحنق
- أراكِ تُلقين بهمومك الآن إليه عوضًا عن والدى فى الصباح .. ألن تكفى عن الشكوى منى أمى
نظرت لها والدتها بتحديز من التمادى فى الحديث أكثر فصمتت على مضض , أما تميم فابتسم قائلًا وهو ينظر لعمه
- أريد التحدث معك فى أمر هام عمى
ابتسم عمه قائلًا
- خيرًا يا بنى
اعتدل تميم فى جلسته قائلًا بجدية تحت نظرات فيروز التى كانت تتابعه باهتمام كبير وفضول
- أطلب منك يد فيروز
اتسعت ابتسامة عمه وكذلك زوجته , أما هو فنظر لفيروز التى نظرت له بغير فهم بالبداية ممزوج بالصدمة ثم غادرت الغرفة بخطوات غاضبة
******
كان واقفًا بقامته الطويلة في الظلام بغرفة المكتب يتابعها بعينيه في الخارج , يشرد أحيانًا بها وبذكرياتهما سويًا ليعود من جديد فيتابعها , واقفة برفقة بنات أعمامهما " هبة , زينة " تواسيهما وتواسى نفسها , يراها دومًا قوية حتى فى أشد المواقف تقف شامخة كجبل يأبى السقوط أو التخاذل على الرغم من عمرها الصغير والذى لم يتعدى السادسة والعشرين , يعلم أنها تبكى بداخلها ولكن تظهر أمام الجميع قوية قادرة على مواجهة الأصعب بإذن الله , توقع صمودها ولكنه بات لا يعلم هل ستصمد فى القادم أم لا ؟! , تابعها تحتضن زينة وتربت على كتفها بحنان وحزن ففقدان جدهم لم يكن بالشىء الهين على أى منهم خصوصًا أنه كان كل ما لديهم بالحياة بعد وفاة والديهم , سمع طرقات على باب المكتب عقبها دلفت الخادمة تنير الإضاءة وتخبره بوصول المحامى ..
دلف المحامى بهدوء قائلًا وهو يتابع بنظراته الورقة التى يمسك بها معتصم بيده
- على ما يبدو قرأت الوصية .. كان من الضرورى أن أقوم بتنفيذها وجعلك أول من يطلع عليها قبل البقية .. الآن هل ستخبرهم أنت أم أتولى أنا الأمر ؟!
نظر له معتصم دون أن يتفوه بكلمة , ملامحه كانت تائهة وكأنه بعالم آخر حتى ظن المحامى أنه لم يستمع له من الأساس فاقترب منه يربت على كتفه مواسيًا ليرمش بعينيه وكأنه أعاده لأرض الواقع بلمسته ليمررعقبها يده بشعره قائلًا بانفعال غاضب
- كيف فعل ذلك ؟ .. فيمَ كان يُفكر حينها وما الغرض من كل هذا ؟! .. كان برفقتى دومًا لمَ لم يخبرنى بالأمر؟! .. هل كان يتركها لى كمفاجأة سارة عقب زواجى ؟! .. أم أنه كان يود مكافأتى على كل ما فعلته
كان المحامى يعلم أن الوضع لن يمر مرور الكرام ولكنه لم يتوقع انفعال معتصم بتلك الطريقة , كان يقدر موقفه ويتفهم صدمته لذا تنحنح قائلًا وهو يضع حقيبته الجلدية على المقعد
- اهدأ أستاذ معتصم .. جدك شرح الأمر كاملًا بالوصية .. على ما يبدو لم تقرأها جيدًا
وكأن حديثه أشعل النيران أكثر بداخله فقذف بالورقة بعيدًا قبل أن يصرخ بانفعال غاضب
- قرأتها أكثر من عشرة مرات ولم أفهم المغزى وراء كل هذا .. ألا يوجد طريقة أخرى أحافظ بها عليهن غير تلك !! .. كان يجب أن يخبرنى بهذا من قبل ولا يجبرنى بمثل هذة الطريقة .. كيف فعلها .. كيف ؟!
هم المحامى بالرد ولكن قاطعه دخول كلثم المفاجىء , والتى نظرت لمعتصم بخوف لتهتف بتوتر بعد أن رأت هيئته
- ما الأمر معتصم ؟! .. لمَ تصرخ هكذا ؟!
استدار المحامى يطالعها قائلًا بابتسامة هادئة
- كيف حالك أستاذة كلثم ؟ .. أتمنى أن تجمعى بنات عمك من أجل قراءة الوصية
نظرت له كلثم ببلاهة ثم نظرت لمعتصم لعله يجيبها ولكنه لم يتفوه بكلمة , بينما استدار المحامى ونظر لمعتصم متسائلًا بهدوء
- هل أنت مستعد ؟
لم يجيبه بل زفر بضيق وضرب بيده فى غضب فوق سطح المكتب قبل أن ينتبه لكلثم التى تطالعه بوجه شاحب لملامحه تلك الغير مُطَمْئنة وقد تيقنت من وجود كارثة !!
...
بعد مرور فترة قصيرة
وقفت مزاهر أمام المرآة تتطلع إلى ملامحها التى تتفنن بتغييرها , تحسست وجهها ببطء قبل أن تسحب وشاحها لتلف به رأسها ومن ثم خرجت من الغرفة بل الشقة بأكملها , وصلت إلى الطابق الخاص بزين ووالدته , ضبطت من وقفتها وثيابها قبل أن تضغط على جرس الباب ومن ثم ابتعدت فى انتظارهما ...
طالت وقفتها فنظرت بساعة معصمها فى استغراب فأين ذهبوا فى مثل هذا التوقيت !!!
استمعت لصوت خطوات على الدرج خلفها فاستدارت تتابعها بفضول حتى اتسعت ابتسامتها وهى ترى زين ووالدته , ظلت ابتسامتها مرتسمة فوق وجهها حتى التقت عينيها بأعينهما لتتساءل بهدوء
- هل كنتما بالخارج ؟
نظرت هيام ( والدة زين ) إلي زين ببعض الاستغراب قبل أن توجه نظراتها لها قائلة
- هل هناك شىء ابنتى ؟
أجابتها مزاهر بابتسامة واسعة
- كنت أشعر بالملل ففكرت أن أنزل كي أجلس برفقتكما قليلًا
نظرت لها هيام ولم تعلق لتهتف مزاهر بتساؤل
- تعجبت من عدم تواجدكما فى هذا الوقت ! .. هل هناك أمر ما أدى لخروجكما الآن ؟!
رفعت هيام حاجبها لأعلى فى ذهول تام مما يحدث , بينما هتف زين ببعض الضيق
- أستاذة مزاهر .. نحن نشعر ببعض التعب جراء الطريق ونرغب فى الحصول على قسط من الراحة
تلاشت ابتسامتها وقد ظهر الإحراج جليًا على ملامحها , بينما نظرت له والدته ببعض العتاب قبل أن تهتف بحرج
- زين يقصد .......
قاطعتها مزاهر قائلة بملامح جامدة وهى تخص زين بنظرة غاضبة أثارت حنقه واستنكاره
- كلا يقصد ما تفوه به .. على كل حال أنا من أخطأت بمجيئى .. أعتذر منكما
أنهت حديثها وصعدت سريعًا تأكل الدرجات حتى وصلت إلى شقتها تحت نظراتهما ليهتف زين باستياء ما إن سمع الباب يُصفع بشدة
- هيا أمى .. على ما يبدو تلك المرأة مصابة بالجنون
هتفت هيام بعتاب
- لقد أحرجتها زين .. تبدو فتاة رقيقة وطيبة و ....
قاطعها قائلًا ببعض الضيق وهو يقترب من الباب كى يفتحه بمفاتيحه الخاصة
- أمى نحن لا نعلم أى شىء عنها سوى بضعة بيانات .. ليست من أقاربنا حتى تأتى لتسألنا عن سبب خروجنا بمثل هذا التوقيت ؟! .. وعن أى توقيت تتحدث فمازالت العشاء لم تُأذِن بعد
..
أما مزاهر فما إن دلفت إلى شقتها حتى ركلت الحائط بقدمها بقوة , شعرت بألم شديد فجلست أرضًا تبكى ماحدث , رفعت رأسها فجأة وقد تذكرت شيئًا فنهضت سريعًا تركض تجاه غرفتها , فتحت درج الكومود بلهفة تُخرج منه مفكرتها ..
قلبت أوراقها سريعًا بعصبية حتى وقعت عينيها على الورقة المنشودة فقرأت محتواها لتهتف بغضب قبل أن تقذف بها بعيدًا
- سأظل حمقاء للأبد
........ .
يتبع