رواية بوتقة الحب الفصل الثاني 2 بقلم هدير الصعيدي
الفصل الثانى
جلس معتصم على يمين المحامى الذى ترأس الطاولة وجاورته كلثم وأمامهما جلستا هبة وزينة , نظرن لبعضهن البعض بتوتر قبل أن تتنحنح كلثم قائلة ما إن هزت هبة رأسها وهى تشير لمعتصم كى تسأله عما يحدث
- ألن تفتحوا الوصية ؟! .. لقد زاد توترنا من صمتكما
نكس معتصم رأسه ولم يعلق مما زاد القلق بداخلهن أضعافًا , بينما هتف المحامى بهدوء وهو يعتدل بجلسته ويفتح الورقة أمامه
- لقد طلب جدكم قبل وفاته أن يقرأ معتصم الوصية أولاً وهذا ما حدث
نظرت كلثم لمعتصم وقد عقدت حاجبيها باستغراب من حالته وتوتره الملحوظ والذى بدا واضحًا من حركة أصابعه فوق الطاولة , أما زينة وهبة فنظرتا إلى بعضهما البعض باستغراب قبل أن تهتف زينة بتساؤل
- هل هناك شىء سىء بالوصية ؟
نظرت لها كلثم بقلق قبل أن تهز معتصم بيدها قائلة ببعض العصبية
- ما الأمر معتصم ؟ .. وما تلك الحالة ؟!
لم يجيبها بل زادت ملامحه توترًا قبل أن يقبض على يده بقوة فهتف المحامى بهدوء
- من فضلكن اهدأن قليلًا وأنا سأشرح كل شىء
نظرت له الثلاثة فتايات باهتمام وبداخل كل منهن تدور أسوء التوقعات ليهتف بهدوء غاب عن الأجواء تمامًا
" أحفادى الأعزاء .. وددت أن ألقبكم بهذا اللقب كما كنت أفعل أثناء تواجدى معكم .. رغبت ألا يحدث أى تغيير بعد رحيلى وما سأخبركم به الآن هو أكبر دليل على رغبتى فى جمع شمل تلك العائلة دومًا .. أرغب ألا تفترقوا أبدًا .. أن يظل اسم عائلة الجندى عاليًا وقوته ستظل فى تجمعكم سويًا فأرجو منكم أن تتفهموا رغبتى التى سألقيها عليكم وأن تعلموا أن تلك وصيتى ويجب عليكم تنفيذها وإلا ستتوقف كل الشركات التى تحت إدارة معتصم وكذلك كلثم وزينة , أما هبة فلن تستطع تسلم مقعدها فى الشركة كما وعدتها قبل وفاتى وبالتالى ستتوقف كل الحسابات البنكية والمحامى يعلم جيدًا ما عليه فعله فى حالة رفضكم فأرجو ألا تضطروه لفعل شىء كهذا .. رغبتى هى تجميع شمل تلك العائلة وإبقاء اسمها عاليًا ولن يحدث ذلك إلا بضمان تواجدكم جميعًا تحت سقف هذا البيت ..
وعليه فوصيتى لكم أن يتم عقد قران هبة وزينة على معتصم و .......
انتفضت كلثم تضرب الطاولة بيدها صارخة بانفعال
- ماذا ؟!! .. أى هراء هذا ؟!
أما زينة فاتسعت عينيها بذهول تام وكذلك هبة التى هتفت بغير استيعاب وهى تتطلع للمحامى
- هل ما ذكرته قبل قليل صحيح أم أن أُذناي أخطأتا بسماع هذا ؟!
أومأ المحامى إيجابًا لتهتف كلثم بعصبية
- لقد فقد جدى عقله بكل تأكيد حين فكر بهذا وأنا لن أوافق على هذا الهراء
نظر لها معتصم بغضب لتلفظها بذلك عن جدهم , بينما هتف المحامى بهدوء حاول أن يظل متحليًا به رغم زيادة التوتر بمرور الوقت
- من فضلك أستاذة كلثم اهدئى قليلًا ودعينا نكمل
نظرت له بغضب ثم جلست على مضض ليهتف المحامى مكملًا الوصية
" أعلم أن وصيتى تلك ربما ستجدون بها الكثير من الغرابة ولكن يعلم الله صدق نيتى من وراء ذلك .. تلك العائلة عملت جاهدًا على علو شأنها بين الجميع وبتفرقكم الآن سيزول كل هذا .. إذا تزوجت هبة وزينة من أخرين خارج العائلة والتى لإرادة الله ليس بها سوى معتصم ستتحول أموالهما إلى أزواجهما بكل الأحوال وستتفرق العائلة ويدخلها الأغراب وهذا ما لم أرغب به أبدًا ولن أقبل به لذا عند رفضكم سيفعل المحامى ما أخبرته به .. وإن رفضت إحداكن الأمر ستُعتبر خارج العائلة تمامًا وسيؤل نصيبها إلى البقية ولن يكون لها الحق بأى شىء وليس هناك أى طريقة للتلاعب بحديثى فى الزواج صوريًا ومن ثم الطلاق ..
وعند تلك النقطة انتفضت كلثم من جديد وغادرت الغرفة بعصبية فنظرت هبة وزينة فى أثرها بتوتر قبل أن تنظر كلتاهما لبعضهما البعض ومن ثم لمعتصم !!!
أما المحامى فهتف بهدوء وهو يطوى الورقة
- أستاذ معتصم كما أخبرتك من قبل لابد أن تُنفذ الوصية فى أقرب وقت وإلا سأضطر آسفًا إلى تنفيذ ما أخبرنى به جدكم رحمه الله
انصرف المحامى بهدوء بينما مرر معتصم كلتا يديه بشعره ومن ثم نهض يدور بغضب فى الغرفة تحت نظرات هبة وزينة قبل أن يدفع بقدمه مقعد المكتب بقوة تجاه الحائط صارخًا بغضب !!
******
سمعت طرقات على باب المنزل فوضعت حجابها فوق رأسها وخطت تجاه الباب بهدوء , فتحته ولكنها لم تجد أى شخص بالخارج , عقدت حاجبيها باستغراب فهى لم تتأخر كى يرحل الطارق , خطت بضع خطوات للخارج تنظر يمينًا ويسارًا ولكن الطريق أمامها كان خاويًا فهمت بالدخول ولكن قدمها اصطدمت بحجر صغير , مالت تنظر إليه باستغراب , حملته لتجد ورقة مطوية أسفلة وهو مربوط بها !
دلفت بها للداخل بعد أن ألقت الحجر بعيدًا , فتحتها سريعًا بفضول لتجدها جوابًا مكتوبًا بخط اليد
جلست على الأريكة الخشبية القديمة وبدأت فى قراءته ومع كل كلمة كانت تتسع عينيها أكثر وأكثر !!
" لم أكن أعرف الحب يومًا سوى على يداكِ .. أنتِ من أنرتِ حياتى ببسمتك , عيناكِ وأه من عيناكِ , عيناكِ التى حينما تلتقى بعيناى تشرق شمس يومى فأبيتُ بحالة من السعادة ليس لها مثيل
أُحبك ثويبة كما لم أُحبُ إمرأة من قبل ؛ فأنا لم أعرف الحب سوى على يداكِ .. أُحبك حتى نهاية العمر "
منتصر
انتفضت على صرخة زوجة عمها " قدرية "
- هل غفوتِ وأنتِ تطهين ؟
نظرت لها ثويبة بهلع لترفع الطنجرة عن الموقد سريعًا قائلة بتلعثم
- أعتذر .. شردت قليلًا
رمقتها قدرية شرذًا قبل أن تتساءل بحدة
- وفيمَ شردتى إذن ؟!
ابتلعت ريقها قائلة بتوتر
- شردت ببعض الذكريات
رفعت قدرية حاجبها قائلة باستنكار وحدة
- وأى ذكريات تلك ؟!
نكست رأسها ولم تجيب لتهتف زوجة عمها قبل أن تخرج من المطبخ
- أريد أن ينتهى الطعام قبل وصولهما .. لا أريد أى تأخير وإلا سترى وجهى الآخر والذى أعدك ألا تتحملينه
نظرت ثويبة فى أثرها بحزن لتهتف بهمس حزين
- وهل هناك أكثر من هذا !!
*******
دلف يدفع عربة التسوق أمامه فى ملل ؛ يكره الزحام ويكره التواجد فى مثل تلك الأماكن ولكن والدته من أصرت على ذهابه فهى مريضة ولم تستطع النزول ولا تحبذ سوى ما تنتقيه يداها من خضروات وغيره لذا لا تقتنع بفكرة توصيل المشتريات للمنزل ..
مال يضع أكياس الخضراوات التى تم وزنها بالعربة , وما إن اعتدل حتى لمح مزاهر تقف على مقربة منه , كانت منشغلة مع أحد البائعين تنتقى أحد أنواع الجبن من الثلاجة أمامها , ظل يتابعها وهى تلتهم قطعة الجبن الصغيرة التى أعطاها لها البائع ومن ثم تشير له بأنه يضع لها من هذا النوع , حرك رأسه ودفع العربة قليلًا ليتوقف ما إن التقت نظراته بنظراتها !!
وجدها تأخذ الجبن من البائع وتضعه بالعربة سريعًا وومن ثم تدفعها بعيدًا فتذكر حديث والدته معه عما فعله بها وما أشعره بالضيق هو رؤيتها وكأنها مريضة ؛ كانت ذابلة حتى أن نظرتها له كانت مُنكسرة وليست مشرقة كما كانت ذاك اليوم !!
مرر يده فى شعره بضيق فما شأنه بها أو بمظهرها الآن , أغمض عينيه يستغفر ربه قبل أن يعاود دفع العربة فى اتجاه معاكس , خرج من المتجر يسبق العامل الذى يحمل الحقائب البلاستيكية ببضع خطوات , فتح الحقيبة الخلفية للسيارة ومن ثم أعطى العامل بضعة وريقات مالية وشكره ليغلق الحقيبة وحينها لمحها من جديد ؛ كانت واقفة على مقربة منه تحمل بيدها بعض الحقائب وعلى ما يبدو تبحث عن سيارة أجرة ..
اقترب منها بهدوء , وما إن استوعبت وجوده حتى همت بالابتعاد ليوقفها هاتفًا باسمها فتوقفت على مضض , وقف أمامها فنكست رأسها بتوتر ليهتف بهدوء
- كيف حالك أستاذة مزاهر ؟
أجابته باقتضاب
- الحمد لله
عقد حاجبيه من إجابتها الجامدة وملامحها التى يبدو عليها التوتر الشديد ليتساءل بهدوء
- هل ستعودى للمنزل ؟
أومأت إيجابًا وهى مازالت تتحاشى النظر له فهتف بابتسامة هادئة
- إذن تفضلى كى أوصلك .. أنا أيضًا عائد للمنزل
رفعت رأسها تنظر له قبل أن تتساءل بذهول
- هل ستوصلنى حقًا ؟!
أومأ إيجابًا ليتساءل باستغراب بعد أن لمح الذهول بعينيها
- ما الأمر .. هل أخطأت بشىء ؟!
ابتسمت قائلة
- كلا
رفع حاجبيه بذهول تام من تبدل حالتها ولكنه سيطر على ملامحه سريعًا ليهتف بهدوء وهو يشير تجاه السيارة
- تفضلى
تقدمته وقد علت البسمة وجهها لتقف أمام باب السيارة فنظر لها باستغراب فى البداية قبل أن يفتحه لها لتهتف بابتسامة خجول وهى تستقلها
- شكرًا لك
أغلق بابها وجاورها لينطلق بالسيارة فى صمت ؛ شعر وكأنه فقد القدرة على التحدث , ولكنه لاحظ نظراتها التى تختلسها تجاهه بين الحين والآخر , ما بالها تلك المرأة !!!
قطعت صمته تتساءل بابتسامة
- كيف حال السيدة هيام ؟
نظر لها باستغراب قبل أن يتساءل باستنكار
- كيف عرفتى اسمها ؟!
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تجيبه سريعًا بما جال بخاطرها حينها
- سمعت حارس البناية يقول ذات مرة الحاجة هيام والأستاذ زين .. كان يتحدث مع أحد الجيران
رفع حاجبه باستغراب ولم يعلق بل أكمل متابعة الطريق أمامه واستمر الصمت بينهما حتى وصلا أمام البناية لتهتف بابتسامة
- شكرًا لك أستاذ زين .. أتمنى ألا تكون رفقتى أزعجتك
هتف بهدوء
- نحن جيران أستاذة مزاهر .. ليس هناك أى إزعاج
ابتسمت وهمت بالترجل ليوقفها قائلًا بتردد
- أعتذر منكِ على ما حدث قبل عدة أيام .. كنت أمر بظروف نفسية سيئة للغاية .. كنت قد عُدت للتو من المقابر .. وما إن أعود أكون فى غير حالتى الطبيعية فأتمنى ألا تكونى غاضبة
لم تتوقع منه أن يعتذر ؛ لذا كانت المفاجأة تظهر بوضوح على ملامحها التى أشرقت , ابتسمت قائلة بهدوء
- أقدر هذا أستاذ زين .. الذهاب للمقابر يُرهق المرء حقًا .. وأنت لست بزائر عادى بل تزور قطعة من قلبك زوجتك رحمها الله .. وحقًا المداومة على زيارتها كل أسبوع أمر رائع
عقد حاجبيه باستغراب ليهتف بعدم فهم
- زوجتى !! .. وكيف عرفتى أننى كنت أزورها .. بل تقولين أداوم على زيارتها كل أسبوع !! .. هل أيضًا تحدث حارس البناية عن هذا الأمر مع أحدهما !!
شحب وجهها لثوانى قبل أن تتمالك نفسها قائلة بهدوء
- أنت من أخبرتنى أن زوجتك قد توفت منذ عدة أشهر .. تحديدًا يوم أتيت البناية لأول مرة وكتبنا عقد الشقة .. ومن الطبيعى كنت بالمقابر تزور زوجتك .. وأيضًا لاشك في ذهابك لها بانتظام فالكثير يفعل هذا
نظر لها ولم يعلق فابتسمت بهدوء قبل أن تستأذن وتخرج سريعًا تتبعها نظراته المتسائلة عما بتلك المرأة !!!
*******
هناك صدمات من شدتها تمحى ما يسبقها وإن كانت الأولى صدمة الفقد !! ؛ فقدانه كان بمثابة صدمة للجميع , لم يكن مريض , كان بينهما مبتسمًا , حتى أنه من أوصى معتصم بها وبلحظة رحل بعيدًا عن عالمهم دون وداع !!
وها هى لم تستوعب بعد رحيله لتتفاجىء بتلك الوصية !! , التى قضت على المتبقى من قوتها ..
ألم يكن شاهدًا على ذلك الحب بينهما ؟! , إذن كيف سعى ليفرق بينهما بتلك الطريقة !!
كيف له أن يُفكر بأنها سترضخ لما يطلبه منهم , بل وكيف له ألا يخبر أحدهم بذلك مسبقًا ؟!!
مالت برأسها تستند على زجاج النافذة لتنتفض ما إن شعرت بيد أحدهم فوق كتفها , استدارت برأسها فلمحته ؛ معتصم بملامحه المتوترة وإن كان الغضب قد توارى بعيدًا , أو ربما تلاشى الغضب لتحمله هى عوضًا عنه !!
ابتعدت عن يده بأعين اشتد بهما الغضب ليعقد حاجبيه قائلًا باستغراب
- ماذا ؟! .. لمَ تطالعينى بتلك الطريقة ؟!
رفعت حاجبها قبل أن تبتسم بقسوة قائلة بسخرية لاذعة
- هل تتساءل حقًا ؟! .. ألم تعى بعد لسبب غضبى ؟! .. أم تراك قد استوعبت الأمر بل ووافقت علي تلك المهزلة !!
كان حديثها يظهر أثره فوق ملامحه التى بدأت نيران الغضب تتأجج فوقها , وعلى غير عادتها لم تخشى منه بل أكملت حتى انتهت لتعقد ساعديها فى تحدى فهتف بانفعال
- على ما يبدو قد أثر توالى الصدمات على تعقلك فبتِ تتحدثي بلا وعى .. سأتركِ الآن كى ترتاحى وربما تفكرين بما تفوهت به كى ترى مدى فداحة كلماتك .. ولنكمل حديثنا بوقت آخر
أنهى حديثه واستدار ينوى الخروج لتوقفه قائلة بغضب
- أريد الطلاق معتصم
استدار يطالعها وقد لاحت على شفتيه ابتسامة أثارت حنقها لتهتف بانفعال
- الآن معتصم
ابتسم قائلًا
- على ما يبدو لم تستمعى لحديث المحامى جيدًا بخصوص الوصية .. أرى أن تراجعى بعض النقاط معه كى لا تتسرعى كلثم
خرج من الغرفة وقد تلاشت ابتسامته وظهر محلها الغضب من جديد , توقف وهو يلمح أحدهما يركض على الدرج الداخلى فمال برأسه كى يرى هويته لتظهر أمامه زينة قبل أن تختفى سريعًا خلف أحد الأبواب وعلى ما يبدو كانت تتنصت على حديثهما !!!
*******
أنهت ثويبة اللمسات الأخيرة بالطعام ثم غسلت يديها وجففتهما بالمنشفة القطنية المعلقة على الحائط لتستدير مبتسمة لعمها الذى دلف للمطبخ قائلًا بابتسامة
- بسم الله ما شاء الله .. سلمت يداكِ ابنتى .. الأكل يبدو شهيًا
ابتسمت بخجل قائلة وقد توردت وجنتيها مما زادها جمالًا فوق جمالها
- هذا من ذوقك عمى .. أرجو أن يكون طعمه جيدًا كشكله
ربت على كتفها قائلًا بجدية
- هل تريدين الحقيقة ؟!
أومأت إيجابًا ليهتف بصدق
- لا أتذوق طعامًا كطعامك .. أعطاكِ الله موهبة كبيرة فى إعداد الطعام لم أرى مثلها من قبل
ابتسمت قائلة بامتنان
- كلامك هو ما يدفعنى لتعلم المزيد .. أدامك الله لى عمى
هم بالتحدث لتقاطعه قدرية التى دلفت للمطبخ قائلة وهى تتطلع إلى ما أعدته ثويبة من طعام
- هل انتهيتِ ثويبة ؟
تابعتها ثويبة بتوتر وهى تتفحص أنواع الطعام لتومىء إيجابًا قائلة
- نعم .. الطعام جاهز .. والحلو أيضًا أعددت كعكة كبيرة وزينتها بقطع الشيكولاتة ووضعتها بالثلاجة
فتحت الثلاجة تتطلع إلى الكعك وكأنها تتأكد من صحة حديثها , هزت رأسها قائلة
- حسنًا ثويبة .. ارحلى أنتِ الأن
همت ثويبة بالرد ليقاطعها عمها قائلًا
- دعيها قدرية تتناول الطعام معنا .. هل يُعقل بعد ما أعدته من طعام أن ترحل هكذا دون تذوقه
نظرت له قدرية بغضب فصمت على مضض لتهتف وهى تضغط على حروفها موجهة حديثها لثويبة
- هيا ثويبة ستتأخرين ولن تجدى ما تستقليه خلال عودتك لبيتك
أومأت ثويبة برأسها وقد شحب وجهها قليلًا , سحبت حقيبتها وخرجت بحرج لتلتقط أُذنها حديث قدرية الغاضب فركضت للخارج دامعة العينين
- كيف تفكر بدعوتك لها كى تجلس برفقتنا .. أتريده أن يراها بعد كل ما حدث .. هل تريد هدم كل ما كنت أسعى جاهدة لبناءه بعيدًا عنها .. كما أن نهال قد تفتعل كارثة إن رأتها هنا .. دع تلك الفترة تمضى دون أن يروها صالح .. لا أريد أي تواجد لثويبة هنا
*******
وإن ضاقت بك السُبل وأنّ قلبك من الهوى , قف بين يدى الرحمن واسأله الدوا
رقص فؤاده فرحًا وسجد للمولى عز وجل وهو يرى كل شىء أمامه قد يُسر بطريقه لم يتخيلها يومًا ..
ها هو يحصل على ما تمنى نيله طويلًا , ولكن عيناها هى ما تؤرق سعادته , يعلم أنه تسرع فى طلبه ولكن ألا يجبرك قلبك على خوض صراعات يرفضها عقلك !!
عاد برأسه للخلف وبقدمه بدأ فى هز الأرجوحة لينتفض فجأة على صوت زامور مرتفع , نظر تجاه البوابة حيث أسرع الحارس بفتحها لتدلف السيارة الخاصة بفيروز , والتى توقفت على بُعد خطوات منه !!
لم تترجل منها بل أطفأت محركها , وعينيها مسلطة عليه وقد لمح الغضب بهما !!
كان يعلم أنها ستأتى ولكنه لم يتوقع أن تأتى بتلك السرعة !!
نهض من فوق الأرجوحة ما إن طالت جلستها داخل السيارة , اقترب من بابها ثم فتحه متسائلًا باستغراب
- هل أتيتِ كى تجلسى داخل السيارة هكذا ؟!
نظرت له بأعين غاضبة , كانت تود لو تصرخ بوجهه ما إن تصل ولكنها لا تعلم لمَ شعرت وكأنها متيبسة داخل السيارة , بل لم تجد بداخلها القدرة على الصراخ كما كانت تأمل !!
لم تجد بدًا من جلوسها بتلك الطريقة فترجلت من السيارة بغضب وهى ترى هدوءة ونظراته البريئة التى زادت من غضبها , تراجع خطوة للخلف لتتساءل بانفعال
- كيف تجرؤ على فعل هذا دون إخبارى ؟! .. هل تعتقد أننى سأوافق ؟!
عقد ساعديه قائلًا بهدوء
- أنا أحاول مساعدتك فيروز .. لذا اهدئى قليلًا كى نتحدث
زادها حديثه انفعالًا فصرخت بغضب قائلة
- لم أتى كى أتحدث معك
رفع حاجبه متسائلًا بهدوء أغضبها
- لمَ أتيتِ إذن ؟!
لمح الغضب يتأجج أكثر على صفحة وجهها قبل أن تهتف بانفعال
- ستهاتف أبى وتُخبره بأنك تراجعت عن رغبتك بالزواج منى
هتف بهدوء
- كلا لن أفعل
صرخت بوجهه قائلة
- تبًا لك تميم أكرهك
لم يعلق بل لمحت توتر داخل مقلتيه ولكنها تجاهلته قائلة برجاء وهدوء حاولت التحلى به
- رجاءً تميم .. تلك اللعبة التى تخوضها معى ستنقلب لحقيقة وسيوافق أبى .. بل هو بالفعل وافق .. أنت لا تعلم كيف يبدو البيت منذ أن فجرت تلك القنبلة .. أقسم بالله سأجن
ابتسم متسائلًا وقد عقد ساعديه
- كيف يبدو ؟!
هزت ساقها بعصبية من بروده لتهتف بغضب وهى تلوح بكفها فى وجهه
- أى برود هذا الذى تتحدث به !! .. أمى بدأت فى التحضير للزفاف متجاهلة فترة الخطبة تمامًا وكأننى وافقت
هتف بهدوء
- وافقى إذن
نظرت له بغير تصديق , وكأن من أمامها شخص آخر لا تعلم عنه شيئًا , استقلت السيارة بغضب وأدارت محركها لتبتعد بها , توقفت قبل خروجها من البوابة لتهتف بصراخ غاضب وقد أخرجت رأسها من النافذة
- لن أتزوجك تميم .. لن أتزوجك
*******
يختلف تأثير الصدمة على متلقيه فهناك من تأتى الصدمة لتقضى على سعادته فيظل داخل بؤرة الحزن إلى أن يشاء الله له بالخروج منها , وهناك من تمر الصدمة مرور الكرام على روحه على الرغم من قوتها , وهناك من تقف حياته تأثرًا بها ويأبى المرور قدمًا نحو مستقبله فيحيا كجسد بلا روح ؛ روح توقفت عند تلقى الصدمة وجسد أُجبر على المُضى !!
أما القلب فبات ينزف ألمًا وباتت نبضاته أشد إيلامًا
وكعادته منذ وفاتها يجلس بالشرفة يوم إجازته صباحًا يقرأ الجريدة , يريد تمضيه الوقت بأقصى سرعة ؛ يستيقظ صباحًا وهو يأمل أن يحل المساء سريعًا لينتهى اليوم حتى أنه أغلب الأوقات يعاون والدته بترتيب المنزل رغم معارضتها ولكنها بالنهاية تتركه فلا حيلة لديها ولا تريد غضبه وثورته فيكفيها تواجده أمامها بعد عُزلة فرضها على نفسه طويلًا قبل أن يقرر تمضيه حياته ولو بشكل صورى فقط !!
استدار برأسه فور سماعه لرنين جرس الباب , نهض يطوى الجريدة , وضعها على طاولة الطعام فى طريقه للباب , فتحه لتظهر أمامه مزاهر بابتسامتها الواسعة ليهتف باستغراب
- أستاذة مزاهر !!
هتفت دون أن تتخلى عن ابتسامتها وهى ترفع يديها قليلًا كى يرى ما تحمله
- فكرت أن نتناول فطورنا سويًا
رفع حاجبه مستنكرًا حديثها فهتفت بتوضيح ومازالت ابتسامتها كما هى
- أقصد ثلاثتنا .. أنا وأنت وخالة هيام
رفع حاجبيه لأعلى قائلًا
- خالة هيام !!!
لم تعلق بل تساءلت وهى تنظر لما خلفه
- ألن تدعنى أدلف ؟!
تنحى جانبًا وقد تراخت ملامحه ليهتف بهدوء
- اعتذر .. تفضلى
دلفت مبتسمة ليغلق الباب قائلًا
- والدتى بالمطبخ تُعد الفطور .. سأذهب لأُخبرها بمجيئك
أوقفته قائلة وهى تتقدمه
- انتظر سأخبرها أنا .. فقط أخبرنى كيف أصل
أشار لها يوضح لها الطريق للمطبخ بعد صمت طال لدقيقة كاملة ؛ كان يقف بها مشدوهًا من حديثها !!
مرت دقائق قبل أن يجدها تخرج من المطبخ مع والدته حاملة لصينية فوقها ثلاث أكواب من الشاى بالحليب وثلاث أطباق فارغة ..
فتحت ما تركته قبل قليل على الطاولة ما إن دلفت للشقة تحت نظرات زين ووالدته , نظر زين لوالدته يسألها عما يحدث لترفع كتفيها ما إن قرأت سؤاله دليل على عدم فهمها .
اقتربت منهما مزاهر قائلة بابتسامة
- أعددت بعض المعجنات الطازجة ورغبتُ أن تشاركانى بتناولها .. هيا تفضلا
نظر لها زين ثم نظر للصحن لتهتف بابتسامة
- أعددت أيضًا كعك البرتقال .. آمل أن تُحبه
هتفت هيام بتلقائية
- زين لا يأكل سوى كعك البرتقال
ابتسمت مزاهر قائلة بثقة
- جيد .. إذن هيا تناول ما أعددته بيداى
ظلت نظراته مسلطة على الصحن بيدها لتهتف وهى ترفعه أمامه قليلًا
- هيا .. أنتظر رأيك
أخذه منها لتعطى الصحن الآخر لوالدته , انتقلت بعينيها بينهما لتهتف بتشجيع
- هيا .. أنتظر رأيكما
قضم كلاهما بعض القطع لتتساءل هيام باستغراب
- هذا الكعك بدون بيض .. أليس كذلك ؟!
نظرت لها مزاهر لتهتف بغير تصديق
- كيف علمتى ؟!
ابتسمت هيام قائلة
- أعلم ابنتى وأستطيع التفريق بينهما جيدًا .. جيد أنكِ أعددتيه دون بيض فزين لا يحبذ كعك البرتقال بالبيض
استدارت مزاهر تنظر لزين متسائلة بدهشة
- حقًا ؟!
لم يجيبها زين بل ترك الصحن على الطاولة ودلف للشرفة تحت نظراتها التى تبعته حتى اختفى لتنظر لوالدته قائلة
- هل لى أن ألحق به ؟
لم تجيبها والدته , وهى لم تنتظر إجابتها بل دلفت مباشرةً , دلفت للشرفة لتجده يفتح علبة التبغ الخاصة به فى عصبية , وما إن شعر بها خلفه حتى سقطت منه العلبة أرضًا لتنزل بتلقائية تحملها عنه , أعطتها له ليتساءل بتوتر
- من أنتِ ؟!
ضحكت بخفوت قبل أن تجيبه بابتسامة
- أنا مزاهر
لم يعلق , بل ظلت نظراته مثبتة على ملامحها , مرر يده على وجهه قبل أن يتساءل باستغراب
- كيف علمتى أننى أُحبها ؟!
عقدت حاجبيها قائلة بعدم فهم
- عفوًا .. عما تتحدث ؟!
ابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يهتف ببعض الانفعال
- الكعك .. كعك البرتقال
ابتسمت قائلة
- لم أكن أعلم حتى أخبرتنى خالة هيام
انفعل قائلًا
- خالة هيام مجددًا !
عقدت حاجبيها قبل أن تهتف وهى تهم بالمغادرة
- أعتذر عن مجيئى .. يبدو أن وجودى غير مرغوب به
أوقفها قائلًا بتوتر
- انتظرى
استدارت تنظر له , بداخلها يتراقص فرحًا , ولكنها آثرت أن تُظهر له حزنها , تابع الحزن الذى ارتسم بوضوح فوق ملامحها ليتساءل بضياع
- هل من الممكن أن تُعاد أحداث الماضى من جديد ؟! .. هل سبق لكِ أن تشعرى بنفس الشىء مرتين ؟!!
رفعت كتفيها قائلة
- لا أفهمك أستاذ زين
مرر يده فى شعره بقوة كاد بها أن يقتلعه ليهتف عقبها بغضب
- أشعر أنكِ هى .. كل شىء .. كل تصرف .. ملامحك
نكس رأسه يحاول التنفس بهدوء بعدما شعر ببعض الاختناق من شدة الغضب لتقع عينيه على علامة بكفها , أمسك كفها بانفعال أخافها ليتساءل بغضب
- ما هذا ؟!
نظرت له بخوف , لا تعلم بمَ تجيبه , توترت ملامحها فسحبت يدها منه وهمت بالمغادرة ليوقفها وهو يمسك بيدها مرة أخرى بقسوة قائلًا
- من أنتِ ؟! .. وما علاقتك بمنال ؟!
............
يتبع
جلس معتصم على يمين المحامى الذى ترأس الطاولة وجاورته كلثم وأمامهما جلستا هبة وزينة , نظرن لبعضهن البعض بتوتر قبل أن تتنحنح كلثم قائلة ما إن هزت هبة رأسها وهى تشير لمعتصم كى تسأله عما يحدث
- ألن تفتحوا الوصية ؟! .. لقد زاد توترنا من صمتكما
نكس معتصم رأسه ولم يعلق مما زاد القلق بداخلهن أضعافًا , بينما هتف المحامى بهدوء وهو يعتدل بجلسته ويفتح الورقة أمامه
- لقد طلب جدكم قبل وفاته أن يقرأ معتصم الوصية أولاً وهذا ما حدث
نظرت كلثم لمعتصم وقد عقدت حاجبيها باستغراب من حالته وتوتره الملحوظ والذى بدا واضحًا من حركة أصابعه فوق الطاولة , أما زينة وهبة فنظرتا إلى بعضهما البعض باستغراب قبل أن تهتف زينة بتساؤل
- هل هناك شىء سىء بالوصية ؟
نظرت لها كلثم بقلق قبل أن تهز معتصم بيدها قائلة ببعض العصبية
- ما الأمر معتصم ؟ .. وما تلك الحالة ؟!
لم يجيبها بل زادت ملامحه توترًا قبل أن يقبض على يده بقوة فهتف المحامى بهدوء
- من فضلكن اهدأن قليلًا وأنا سأشرح كل شىء
نظرت له الثلاثة فتايات باهتمام وبداخل كل منهن تدور أسوء التوقعات ليهتف بهدوء غاب عن الأجواء تمامًا
" أحفادى الأعزاء .. وددت أن ألقبكم بهذا اللقب كما كنت أفعل أثناء تواجدى معكم .. رغبت ألا يحدث أى تغيير بعد رحيلى وما سأخبركم به الآن هو أكبر دليل على رغبتى فى جمع شمل تلك العائلة دومًا .. أرغب ألا تفترقوا أبدًا .. أن يظل اسم عائلة الجندى عاليًا وقوته ستظل فى تجمعكم سويًا فأرجو منكم أن تتفهموا رغبتى التى سألقيها عليكم وأن تعلموا أن تلك وصيتى ويجب عليكم تنفيذها وإلا ستتوقف كل الشركات التى تحت إدارة معتصم وكذلك كلثم وزينة , أما هبة فلن تستطع تسلم مقعدها فى الشركة كما وعدتها قبل وفاتى وبالتالى ستتوقف كل الحسابات البنكية والمحامى يعلم جيدًا ما عليه فعله فى حالة رفضكم فأرجو ألا تضطروه لفعل شىء كهذا .. رغبتى هى تجميع شمل تلك العائلة وإبقاء اسمها عاليًا ولن يحدث ذلك إلا بضمان تواجدكم جميعًا تحت سقف هذا البيت ..
وعليه فوصيتى لكم أن يتم عقد قران هبة وزينة على معتصم و .......
انتفضت كلثم تضرب الطاولة بيدها صارخة بانفعال
- ماذا ؟!! .. أى هراء هذا ؟!
أما زينة فاتسعت عينيها بذهول تام وكذلك هبة التى هتفت بغير استيعاب وهى تتطلع للمحامى
- هل ما ذكرته قبل قليل صحيح أم أن أُذناي أخطأتا بسماع هذا ؟!
أومأ المحامى إيجابًا لتهتف كلثم بعصبية
- لقد فقد جدى عقله بكل تأكيد حين فكر بهذا وأنا لن أوافق على هذا الهراء
نظر لها معتصم بغضب لتلفظها بذلك عن جدهم , بينما هتف المحامى بهدوء حاول أن يظل متحليًا به رغم زيادة التوتر بمرور الوقت
- من فضلك أستاذة كلثم اهدئى قليلًا ودعينا نكمل
نظرت له بغضب ثم جلست على مضض ليهتف المحامى مكملًا الوصية
" أعلم أن وصيتى تلك ربما ستجدون بها الكثير من الغرابة ولكن يعلم الله صدق نيتى من وراء ذلك .. تلك العائلة عملت جاهدًا على علو شأنها بين الجميع وبتفرقكم الآن سيزول كل هذا .. إذا تزوجت هبة وزينة من أخرين خارج العائلة والتى لإرادة الله ليس بها سوى معتصم ستتحول أموالهما إلى أزواجهما بكل الأحوال وستتفرق العائلة ويدخلها الأغراب وهذا ما لم أرغب به أبدًا ولن أقبل به لذا عند رفضكم سيفعل المحامى ما أخبرته به .. وإن رفضت إحداكن الأمر ستُعتبر خارج العائلة تمامًا وسيؤل نصيبها إلى البقية ولن يكون لها الحق بأى شىء وليس هناك أى طريقة للتلاعب بحديثى فى الزواج صوريًا ومن ثم الطلاق ..
وعند تلك النقطة انتفضت كلثم من جديد وغادرت الغرفة بعصبية فنظرت هبة وزينة فى أثرها بتوتر قبل أن تنظر كلتاهما لبعضهما البعض ومن ثم لمعتصم !!!
أما المحامى فهتف بهدوء وهو يطوى الورقة
- أستاذ معتصم كما أخبرتك من قبل لابد أن تُنفذ الوصية فى أقرب وقت وإلا سأضطر آسفًا إلى تنفيذ ما أخبرنى به جدكم رحمه الله
انصرف المحامى بهدوء بينما مرر معتصم كلتا يديه بشعره ومن ثم نهض يدور بغضب فى الغرفة تحت نظرات هبة وزينة قبل أن يدفع بقدمه مقعد المكتب بقوة تجاه الحائط صارخًا بغضب !!
******
سمعت طرقات على باب المنزل فوضعت حجابها فوق رأسها وخطت تجاه الباب بهدوء , فتحته ولكنها لم تجد أى شخص بالخارج , عقدت حاجبيها باستغراب فهى لم تتأخر كى يرحل الطارق , خطت بضع خطوات للخارج تنظر يمينًا ويسارًا ولكن الطريق أمامها كان خاويًا فهمت بالدخول ولكن قدمها اصطدمت بحجر صغير , مالت تنظر إليه باستغراب , حملته لتجد ورقة مطوية أسفلة وهو مربوط بها !
دلفت بها للداخل بعد أن ألقت الحجر بعيدًا , فتحتها سريعًا بفضول لتجدها جوابًا مكتوبًا بخط اليد
جلست على الأريكة الخشبية القديمة وبدأت فى قراءته ومع كل كلمة كانت تتسع عينيها أكثر وأكثر !!
" لم أكن أعرف الحب يومًا سوى على يداكِ .. أنتِ من أنرتِ حياتى ببسمتك , عيناكِ وأه من عيناكِ , عيناكِ التى حينما تلتقى بعيناى تشرق شمس يومى فأبيتُ بحالة من السعادة ليس لها مثيل
أُحبك ثويبة كما لم أُحبُ إمرأة من قبل ؛ فأنا لم أعرف الحب سوى على يداكِ .. أُحبك حتى نهاية العمر "
منتصر
انتفضت على صرخة زوجة عمها " قدرية "
- هل غفوتِ وأنتِ تطهين ؟
نظرت لها ثويبة بهلع لترفع الطنجرة عن الموقد سريعًا قائلة بتلعثم
- أعتذر .. شردت قليلًا
رمقتها قدرية شرذًا قبل أن تتساءل بحدة
- وفيمَ شردتى إذن ؟!
ابتلعت ريقها قائلة بتوتر
- شردت ببعض الذكريات
رفعت قدرية حاجبها قائلة باستنكار وحدة
- وأى ذكريات تلك ؟!
نكست رأسها ولم تجيب لتهتف زوجة عمها قبل أن تخرج من المطبخ
- أريد أن ينتهى الطعام قبل وصولهما .. لا أريد أى تأخير وإلا سترى وجهى الآخر والذى أعدك ألا تتحملينه
نظرت ثويبة فى أثرها بحزن لتهتف بهمس حزين
- وهل هناك أكثر من هذا !!
*******
دلف يدفع عربة التسوق أمامه فى ملل ؛ يكره الزحام ويكره التواجد فى مثل تلك الأماكن ولكن والدته من أصرت على ذهابه فهى مريضة ولم تستطع النزول ولا تحبذ سوى ما تنتقيه يداها من خضروات وغيره لذا لا تقتنع بفكرة توصيل المشتريات للمنزل ..
مال يضع أكياس الخضراوات التى تم وزنها بالعربة , وما إن اعتدل حتى لمح مزاهر تقف على مقربة منه , كانت منشغلة مع أحد البائعين تنتقى أحد أنواع الجبن من الثلاجة أمامها , ظل يتابعها وهى تلتهم قطعة الجبن الصغيرة التى أعطاها لها البائع ومن ثم تشير له بأنه يضع لها من هذا النوع , حرك رأسه ودفع العربة قليلًا ليتوقف ما إن التقت نظراته بنظراتها !!
وجدها تأخذ الجبن من البائع وتضعه بالعربة سريعًا وومن ثم تدفعها بعيدًا فتذكر حديث والدته معه عما فعله بها وما أشعره بالضيق هو رؤيتها وكأنها مريضة ؛ كانت ذابلة حتى أن نظرتها له كانت مُنكسرة وليست مشرقة كما كانت ذاك اليوم !!
مرر يده فى شعره بضيق فما شأنه بها أو بمظهرها الآن , أغمض عينيه يستغفر ربه قبل أن يعاود دفع العربة فى اتجاه معاكس , خرج من المتجر يسبق العامل الذى يحمل الحقائب البلاستيكية ببضع خطوات , فتح الحقيبة الخلفية للسيارة ومن ثم أعطى العامل بضعة وريقات مالية وشكره ليغلق الحقيبة وحينها لمحها من جديد ؛ كانت واقفة على مقربة منه تحمل بيدها بعض الحقائب وعلى ما يبدو تبحث عن سيارة أجرة ..
اقترب منها بهدوء , وما إن استوعبت وجوده حتى همت بالابتعاد ليوقفها هاتفًا باسمها فتوقفت على مضض , وقف أمامها فنكست رأسها بتوتر ليهتف بهدوء
- كيف حالك أستاذة مزاهر ؟
أجابته باقتضاب
- الحمد لله
عقد حاجبيه من إجابتها الجامدة وملامحها التى يبدو عليها التوتر الشديد ليتساءل بهدوء
- هل ستعودى للمنزل ؟
أومأت إيجابًا وهى مازالت تتحاشى النظر له فهتف بابتسامة هادئة
- إذن تفضلى كى أوصلك .. أنا أيضًا عائد للمنزل
رفعت رأسها تنظر له قبل أن تتساءل بذهول
- هل ستوصلنى حقًا ؟!
أومأ إيجابًا ليتساءل باستغراب بعد أن لمح الذهول بعينيها
- ما الأمر .. هل أخطأت بشىء ؟!
ابتسمت قائلة
- كلا
رفع حاجبيه بذهول تام من تبدل حالتها ولكنه سيطر على ملامحه سريعًا ليهتف بهدوء وهو يشير تجاه السيارة
- تفضلى
تقدمته وقد علت البسمة وجهها لتقف أمام باب السيارة فنظر لها باستغراب فى البداية قبل أن يفتحه لها لتهتف بابتسامة خجول وهى تستقلها
- شكرًا لك
أغلق بابها وجاورها لينطلق بالسيارة فى صمت ؛ شعر وكأنه فقد القدرة على التحدث , ولكنه لاحظ نظراتها التى تختلسها تجاهه بين الحين والآخر , ما بالها تلك المرأة !!!
قطعت صمته تتساءل بابتسامة
- كيف حال السيدة هيام ؟
نظر لها باستغراب قبل أن يتساءل باستنكار
- كيف عرفتى اسمها ؟!
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تجيبه سريعًا بما جال بخاطرها حينها
- سمعت حارس البناية يقول ذات مرة الحاجة هيام والأستاذ زين .. كان يتحدث مع أحد الجيران
رفع حاجبه باستغراب ولم يعلق بل أكمل متابعة الطريق أمامه واستمر الصمت بينهما حتى وصلا أمام البناية لتهتف بابتسامة
- شكرًا لك أستاذ زين .. أتمنى ألا تكون رفقتى أزعجتك
هتف بهدوء
- نحن جيران أستاذة مزاهر .. ليس هناك أى إزعاج
ابتسمت وهمت بالترجل ليوقفها قائلًا بتردد
- أعتذر منكِ على ما حدث قبل عدة أيام .. كنت أمر بظروف نفسية سيئة للغاية .. كنت قد عُدت للتو من المقابر .. وما إن أعود أكون فى غير حالتى الطبيعية فأتمنى ألا تكونى غاضبة
لم تتوقع منه أن يعتذر ؛ لذا كانت المفاجأة تظهر بوضوح على ملامحها التى أشرقت , ابتسمت قائلة بهدوء
- أقدر هذا أستاذ زين .. الذهاب للمقابر يُرهق المرء حقًا .. وأنت لست بزائر عادى بل تزور قطعة من قلبك زوجتك رحمها الله .. وحقًا المداومة على زيارتها كل أسبوع أمر رائع
عقد حاجبيه باستغراب ليهتف بعدم فهم
- زوجتى !! .. وكيف عرفتى أننى كنت أزورها .. بل تقولين أداوم على زيارتها كل أسبوع !! .. هل أيضًا تحدث حارس البناية عن هذا الأمر مع أحدهما !!
شحب وجهها لثوانى قبل أن تتمالك نفسها قائلة بهدوء
- أنت من أخبرتنى أن زوجتك قد توفت منذ عدة أشهر .. تحديدًا يوم أتيت البناية لأول مرة وكتبنا عقد الشقة .. ومن الطبيعى كنت بالمقابر تزور زوجتك .. وأيضًا لاشك في ذهابك لها بانتظام فالكثير يفعل هذا
نظر لها ولم يعلق فابتسمت بهدوء قبل أن تستأذن وتخرج سريعًا تتبعها نظراته المتسائلة عما بتلك المرأة !!!
*******
هناك صدمات من شدتها تمحى ما يسبقها وإن كانت الأولى صدمة الفقد !! ؛ فقدانه كان بمثابة صدمة للجميع , لم يكن مريض , كان بينهما مبتسمًا , حتى أنه من أوصى معتصم بها وبلحظة رحل بعيدًا عن عالمهم دون وداع !!
وها هى لم تستوعب بعد رحيله لتتفاجىء بتلك الوصية !! , التى قضت على المتبقى من قوتها ..
ألم يكن شاهدًا على ذلك الحب بينهما ؟! , إذن كيف سعى ليفرق بينهما بتلك الطريقة !!
كيف له أن يُفكر بأنها سترضخ لما يطلبه منهم , بل وكيف له ألا يخبر أحدهم بذلك مسبقًا ؟!!
مالت برأسها تستند على زجاج النافذة لتنتفض ما إن شعرت بيد أحدهم فوق كتفها , استدارت برأسها فلمحته ؛ معتصم بملامحه المتوترة وإن كان الغضب قد توارى بعيدًا , أو ربما تلاشى الغضب لتحمله هى عوضًا عنه !!
ابتعدت عن يده بأعين اشتد بهما الغضب ليعقد حاجبيه قائلًا باستغراب
- ماذا ؟! .. لمَ تطالعينى بتلك الطريقة ؟!
رفعت حاجبها قبل أن تبتسم بقسوة قائلة بسخرية لاذعة
- هل تتساءل حقًا ؟! .. ألم تعى بعد لسبب غضبى ؟! .. أم تراك قد استوعبت الأمر بل ووافقت علي تلك المهزلة !!
كان حديثها يظهر أثره فوق ملامحه التى بدأت نيران الغضب تتأجج فوقها , وعلى غير عادتها لم تخشى منه بل أكملت حتى انتهت لتعقد ساعديها فى تحدى فهتف بانفعال
- على ما يبدو قد أثر توالى الصدمات على تعقلك فبتِ تتحدثي بلا وعى .. سأتركِ الآن كى ترتاحى وربما تفكرين بما تفوهت به كى ترى مدى فداحة كلماتك .. ولنكمل حديثنا بوقت آخر
أنهى حديثه واستدار ينوى الخروج لتوقفه قائلة بغضب
- أريد الطلاق معتصم
استدار يطالعها وقد لاحت على شفتيه ابتسامة أثارت حنقها لتهتف بانفعال
- الآن معتصم
ابتسم قائلًا
- على ما يبدو لم تستمعى لحديث المحامى جيدًا بخصوص الوصية .. أرى أن تراجعى بعض النقاط معه كى لا تتسرعى كلثم
خرج من الغرفة وقد تلاشت ابتسامته وظهر محلها الغضب من جديد , توقف وهو يلمح أحدهما يركض على الدرج الداخلى فمال برأسه كى يرى هويته لتظهر أمامه زينة قبل أن تختفى سريعًا خلف أحد الأبواب وعلى ما يبدو كانت تتنصت على حديثهما !!!
*******
أنهت ثويبة اللمسات الأخيرة بالطعام ثم غسلت يديها وجففتهما بالمنشفة القطنية المعلقة على الحائط لتستدير مبتسمة لعمها الذى دلف للمطبخ قائلًا بابتسامة
- بسم الله ما شاء الله .. سلمت يداكِ ابنتى .. الأكل يبدو شهيًا
ابتسمت بخجل قائلة وقد توردت وجنتيها مما زادها جمالًا فوق جمالها
- هذا من ذوقك عمى .. أرجو أن يكون طعمه جيدًا كشكله
ربت على كتفها قائلًا بجدية
- هل تريدين الحقيقة ؟!
أومأت إيجابًا ليهتف بصدق
- لا أتذوق طعامًا كطعامك .. أعطاكِ الله موهبة كبيرة فى إعداد الطعام لم أرى مثلها من قبل
ابتسمت قائلة بامتنان
- كلامك هو ما يدفعنى لتعلم المزيد .. أدامك الله لى عمى
هم بالتحدث لتقاطعه قدرية التى دلفت للمطبخ قائلة وهى تتطلع إلى ما أعدته ثويبة من طعام
- هل انتهيتِ ثويبة ؟
تابعتها ثويبة بتوتر وهى تتفحص أنواع الطعام لتومىء إيجابًا قائلة
- نعم .. الطعام جاهز .. والحلو أيضًا أعددت كعكة كبيرة وزينتها بقطع الشيكولاتة ووضعتها بالثلاجة
فتحت الثلاجة تتطلع إلى الكعك وكأنها تتأكد من صحة حديثها , هزت رأسها قائلة
- حسنًا ثويبة .. ارحلى أنتِ الأن
همت ثويبة بالرد ليقاطعها عمها قائلًا
- دعيها قدرية تتناول الطعام معنا .. هل يُعقل بعد ما أعدته من طعام أن ترحل هكذا دون تذوقه
نظرت له قدرية بغضب فصمت على مضض لتهتف وهى تضغط على حروفها موجهة حديثها لثويبة
- هيا ثويبة ستتأخرين ولن تجدى ما تستقليه خلال عودتك لبيتك
أومأت ثويبة برأسها وقد شحب وجهها قليلًا , سحبت حقيبتها وخرجت بحرج لتلتقط أُذنها حديث قدرية الغاضب فركضت للخارج دامعة العينين
- كيف تفكر بدعوتك لها كى تجلس برفقتنا .. أتريده أن يراها بعد كل ما حدث .. هل تريد هدم كل ما كنت أسعى جاهدة لبناءه بعيدًا عنها .. كما أن نهال قد تفتعل كارثة إن رأتها هنا .. دع تلك الفترة تمضى دون أن يروها صالح .. لا أريد أي تواجد لثويبة هنا
*******
وإن ضاقت بك السُبل وأنّ قلبك من الهوى , قف بين يدى الرحمن واسأله الدوا
رقص فؤاده فرحًا وسجد للمولى عز وجل وهو يرى كل شىء أمامه قد يُسر بطريقه لم يتخيلها يومًا ..
ها هو يحصل على ما تمنى نيله طويلًا , ولكن عيناها هى ما تؤرق سعادته , يعلم أنه تسرع فى طلبه ولكن ألا يجبرك قلبك على خوض صراعات يرفضها عقلك !!
عاد برأسه للخلف وبقدمه بدأ فى هز الأرجوحة لينتفض فجأة على صوت زامور مرتفع , نظر تجاه البوابة حيث أسرع الحارس بفتحها لتدلف السيارة الخاصة بفيروز , والتى توقفت على بُعد خطوات منه !!
لم تترجل منها بل أطفأت محركها , وعينيها مسلطة عليه وقد لمح الغضب بهما !!
كان يعلم أنها ستأتى ولكنه لم يتوقع أن تأتى بتلك السرعة !!
نهض من فوق الأرجوحة ما إن طالت جلستها داخل السيارة , اقترب من بابها ثم فتحه متسائلًا باستغراب
- هل أتيتِ كى تجلسى داخل السيارة هكذا ؟!
نظرت له بأعين غاضبة , كانت تود لو تصرخ بوجهه ما إن تصل ولكنها لا تعلم لمَ شعرت وكأنها متيبسة داخل السيارة , بل لم تجد بداخلها القدرة على الصراخ كما كانت تأمل !!
لم تجد بدًا من جلوسها بتلك الطريقة فترجلت من السيارة بغضب وهى ترى هدوءة ونظراته البريئة التى زادت من غضبها , تراجع خطوة للخلف لتتساءل بانفعال
- كيف تجرؤ على فعل هذا دون إخبارى ؟! .. هل تعتقد أننى سأوافق ؟!
عقد ساعديه قائلًا بهدوء
- أنا أحاول مساعدتك فيروز .. لذا اهدئى قليلًا كى نتحدث
زادها حديثه انفعالًا فصرخت بغضب قائلة
- لم أتى كى أتحدث معك
رفع حاجبه متسائلًا بهدوء أغضبها
- لمَ أتيتِ إذن ؟!
لمح الغضب يتأجج أكثر على صفحة وجهها قبل أن تهتف بانفعال
- ستهاتف أبى وتُخبره بأنك تراجعت عن رغبتك بالزواج منى
هتف بهدوء
- كلا لن أفعل
صرخت بوجهه قائلة
- تبًا لك تميم أكرهك
لم يعلق بل لمحت توتر داخل مقلتيه ولكنها تجاهلته قائلة برجاء وهدوء حاولت التحلى به
- رجاءً تميم .. تلك اللعبة التى تخوضها معى ستنقلب لحقيقة وسيوافق أبى .. بل هو بالفعل وافق .. أنت لا تعلم كيف يبدو البيت منذ أن فجرت تلك القنبلة .. أقسم بالله سأجن
ابتسم متسائلًا وقد عقد ساعديه
- كيف يبدو ؟!
هزت ساقها بعصبية من بروده لتهتف بغضب وهى تلوح بكفها فى وجهه
- أى برود هذا الذى تتحدث به !! .. أمى بدأت فى التحضير للزفاف متجاهلة فترة الخطبة تمامًا وكأننى وافقت
هتف بهدوء
- وافقى إذن
نظرت له بغير تصديق , وكأن من أمامها شخص آخر لا تعلم عنه شيئًا , استقلت السيارة بغضب وأدارت محركها لتبتعد بها , توقفت قبل خروجها من البوابة لتهتف بصراخ غاضب وقد أخرجت رأسها من النافذة
- لن أتزوجك تميم .. لن أتزوجك
*******
يختلف تأثير الصدمة على متلقيه فهناك من تأتى الصدمة لتقضى على سعادته فيظل داخل بؤرة الحزن إلى أن يشاء الله له بالخروج منها , وهناك من تمر الصدمة مرور الكرام على روحه على الرغم من قوتها , وهناك من تقف حياته تأثرًا بها ويأبى المرور قدمًا نحو مستقبله فيحيا كجسد بلا روح ؛ روح توقفت عند تلقى الصدمة وجسد أُجبر على المُضى !!
أما القلب فبات ينزف ألمًا وباتت نبضاته أشد إيلامًا
وكعادته منذ وفاتها يجلس بالشرفة يوم إجازته صباحًا يقرأ الجريدة , يريد تمضيه الوقت بأقصى سرعة ؛ يستيقظ صباحًا وهو يأمل أن يحل المساء سريعًا لينتهى اليوم حتى أنه أغلب الأوقات يعاون والدته بترتيب المنزل رغم معارضتها ولكنها بالنهاية تتركه فلا حيلة لديها ولا تريد غضبه وثورته فيكفيها تواجده أمامها بعد عُزلة فرضها على نفسه طويلًا قبل أن يقرر تمضيه حياته ولو بشكل صورى فقط !!
استدار برأسه فور سماعه لرنين جرس الباب , نهض يطوى الجريدة , وضعها على طاولة الطعام فى طريقه للباب , فتحه لتظهر أمامه مزاهر بابتسامتها الواسعة ليهتف باستغراب
- أستاذة مزاهر !!
هتفت دون أن تتخلى عن ابتسامتها وهى ترفع يديها قليلًا كى يرى ما تحمله
- فكرت أن نتناول فطورنا سويًا
رفع حاجبه مستنكرًا حديثها فهتفت بتوضيح ومازالت ابتسامتها كما هى
- أقصد ثلاثتنا .. أنا وأنت وخالة هيام
رفع حاجبيه لأعلى قائلًا
- خالة هيام !!!
لم تعلق بل تساءلت وهى تنظر لما خلفه
- ألن تدعنى أدلف ؟!
تنحى جانبًا وقد تراخت ملامحه ليهتف بهدوء
- اعتذر .. تفضلى
دلفت مبتسمة ليغلق الباب قائلًا
- والدتى بالمطبخ تُعد الفطور .. سأذهب لأُخبرها بمجيئك
أوقفته قائلة وهى تتقدمه
- انتظر سأخبرها أنا .. فقط أخبرنى كيف أصل
أشار لها يوضح لها الطريق للمطبخ بعد صمت طال لدقيقة كاملة ؛ كان يقف بها مشدوهًا من حديثها !!
مرت دقائق قبل أن يجدها تخرج من المطبخ مع والدته حاملة لصينية فوقها ثلاث أكواب من الشاى بالحليب وثلاث أطباق فارغة ..
فتحت ما تركته قبل قليل على الطاولة ما إن دلفت للشقة تحت نظرات زين ووالدته , نظر زين لوالدته يسألها عما يحدث لترفع كتفيها ما إن قرأت سؤاله دليل على عدم فهمها .
اقتربت منهما مزاهر قائلة بابتسامة
- أعددت بعض المعجنات الطازجة ورغبتُ أن تشاركانى بتناولها .. هيا تفضلا
نظر لها زين ثم نظر للصحن لتهتف بابتسامة
- أعددت أيضًا كعك البرتقال .. آمل أن تُحبه
هتفت هيام بتلقائية
- زين لا يأكل سوى كعك البرتقال
ابتسمت مزاهر قائلة بثقة
- جيد .. إذن هيا تناول ما أعددته بيداى
ظلت نظراته مسلطة على الصحن بيدها لتهتف وهى ترفعه أمامه قليلًا
- هيا .. أنتظر رأيك
أخذه منها لتعطى الصحن الآخر لوالدته , انتقلت بعينيها بينهما لتهتف بتشجيع
- هيا .. أنتظر رأيكما
قضم كلاهما بعض القطع لتتساءل هيام باستغراب
- هذا الكعك بدون بيض .. أليس كذلك ؟!
نظرت لها مزاهر لتهتف بغير تصديق
- كيف علمتى ؟!
ابتسمت هيام قائلة
- أعلم ابنتى وأستطيع التفريق بينهما جيدًا .. جيد أنكِ أعددتيه دون بيض فزين لا يحبذ كعك البرتقال بالبيض
استدارت مزاهر تنظر لزين متسائلة بدهشة
- حقًا ؟!
لم يجيبها زين بل ترك الصحن على الطاولة ودلف للشرفة تحت نظراتها التى تبعته حتى اختفى لتنظر لوالدته قائلة
- هل لى أن ألحق به ؟
لم تجيبها والدته , وهى لم تنتظر إجابتها بل دلفت مباشرةً , دلفت للشرفة لتجده يفتح علبة التبغ الخاصة به فى عصبية , وما إن شعر بها خلفه حتى سقطت منه العلبة أرضًا لتنزل بتلقائية تحملها عنه , أعطتها له ليتساءل بتوتر
- من أنتِ ؟!
ضحكت بخفوت قبل أن تجيبه بابتسامة
- أنا مزاهر
لم يعلق , بل ظلت نظراته مثبتة على ملامحها , مرر يده على وجهه قبل أن يتساءل باستغراب
- كيف علمتى أننى أُحبها ؟!
عقدت حاجبيها قائلة بعدم فهم
- عفوًا .. عما تتحدث ؟!
ابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يهتف ببعض الانفعال
- الكعك .. كعك البرتقال
ابتسمت قائلة
- لم أكن أعلم حتى أخبرتنى خالة هيام
انفعل قائلًا
- خالة هيام مجددًا !
عقدت حاجبيها قبل أن تهتف وهى تهم بالمغادرة
- أعتذر عن مجيئى .. يبدو أن وجودى غير مرغوب به
أوقفها قائلًا بتوتر
- انتظرى
استدارت تنظر له , بداخلها يتراقص فرحًا , ولكنها آثرت أن تُظهر له حزنها , تابع الحزن الذى ارتسم بوضوح فوق ملامحها ليتساءل بضياع
- هل من الممكن أن تُعاد أحداث الماضى من جديد ؟! .. هل سبق لكِ أن تشعرى بنفس الشىء مرتين ؟!!
رفعت كتفيها قائلة
- لا أفهمك أستاذ زين
مرر يده فى شعره بقوة كاد بها أن يقتلعه ليهتف عقبها بغضب
- أشعر أنكِ هى .. كل شىء .. كل تصرف .. ملامحك
نكس رأسه يحاول التنفس بهدوء بعدما شعر ببعض الاختناق من شدة الغضب لتقع عينيه على علامة بكفها , أمسك كفها بانفعال أخافها ليتساءل بغضب
- ما هذا ؟!
نظرت له بخوف , لا تعلم بمَ تجيبه , توترت ملامحها فسحبت يدها منه وهمت بالمغادرة ليوقفها وهو يمسك بيدها مرة أخرى بقسوة قائلًا
- من أنتِ ؟! .. وما علاقتك بمنال ؟!
............
يتبع