رواية نفوس قاسية كامله وحصريه بقلم مني احمد حافظ
ما قبل البداية..
وإن كرهت الدنيا فليس على نفسي ملام، فأنا وإن عشتها فأنا معها دومًا في صدام.
هي تُشقيني تُبكيني تنزع عني ستر الأمان. لعنتي بأبٍ قاس كحجر صوان.
ولعنتي بهبة جمال ليرغبني شيطان.
حرمتني أمي لاعيش معني اليتم والحرمان.
آهٍ على دنيا ولدت فيها رُغمًا عني، فارضعتني المر والعلقم، وجعلت قلبي يشتاق للحب، يبحث عنه بين الثرا ظمأن.
هذه أنا وأنت الأن تسألني لما لا أحيا!!
قل لي أنت كيف أحيا وأنا أتلحف بقسوة نفوسٍ ولا تحميني جدران.
وإن كرهت الدنيا فليس على نفسي ملام، فأنا وإن عشتها فأنا معها دومًا في صدام.
هي تُشقيني تُبكيني تنزع عني ستر الأمان. لعنتي بأبٍ قاس كحجر صوان.
ولعنتي بهبة جمال ليرغبني شيطان.
حرمتني أمي لاعيش معني اليتم والحرمان.
آهٍ على دنيا ولدت فيها رُغمًا عني، فارضعتني المر والعلقم، وجعلت قلبي يشتاق للحب، يبحث عنه بين الثرا ظمأن.
هذه أنا وأنت الأن تسألني لما لا أحيا!!
قل لي أنت كيف أحيا وأنا أتلحف بقسوة نفوسٍ ولا تحميني جدران.
البداية .وهل لي ذنب.
-----------------------------
ارتفع صوت الآذان، فأغلق الحاج خميس محله، واتجه إلى المسجد ليصلي الظهر، مضى بطريقه يستغفر الله، ولم ينتبه في بادئ الأمر لابنه محمود المتجه إليه، إلا حين سمع ندائه فالتفت نحوه فقابله محمود مبتسمًا يقول:
- يا حج كويس أني شوفتك قبل ما أروح على الشغل، أصل أنا يا حج جايلك برسالة من الحَجَّة صفصف، بتقولك متنساش الحاجات اللي طلبتها منك الصبح، علشان تلحق تخلص لك الغدا.
مال محمود نحو والده وهمس مازحًا:
- بقولك يا حج، ما تقفل المحل بدري بدري كده وتطلع، وأهي فرصة هتبقوا لوحدكم، علشان أنا مش هرجع النهاردة زي كل يوم.
غمز محمود بعينه، فضحك خميس وهتف زاجرًا إياه بلين:
- أمشي يا واد يا قليل الحيا، طيب يا محمود أنا هقول للحَجَّة، وأبقى استلقى وعدك منها لما ترجع.
ضحك محمود هو الأخر وهتف متوسلًا:
- لا يا حج كله إلا زعل الحَجَّة، خلاص بقى قلبك أبيض، عمومًا أنا همشي أحسن أتأخر.
دعا له والده بمحبة:
- ربنا يحفظك يا ابني، ويوسع عليك رزقك، بس متنساش تصلي الظهر أول ما توصل، علشان ربنا يبارك لك.
قبل محمود يد والده وهتف:
- أهي دعواتك دي يا حج بالدنيا عندي، ربنا ما يحرمني منك، عن إذنك يا حج.
----------
وهناك في أحد محال الملابس، يجلس يتابعها بنظرات جائعة، فتلك الحسناء تتمنع عليه، وتبتعد كلما أقترب منها، فأطرق ليفكر في طريقة ينالها، فهو فؤاد الذي لم ترفضه فتاة من قبل، فكيف لها أن ترفض تودده إليها؟ ليصيح في العاملين جميعهم، وقد لمعت عيناه بتصميم ورغبة:
- يلا يا بنات نزلوا الرفوف دي كلها، علشان عايز أعمل جرد.
سمع تذمر الفتيات فاستكمل دون اهتمام بهم:
- إيه مش عجبكم، بقول يلا بدل ما أنتو قاعدين فاضيين ومريحين.
ثم نظر إليها وهو يمرر لسانه على شفتيه، ويحك ذقنه بيده، فناداها قائلًا:
- يا سهر بقولك أطلعي المخزن فوق، شوفي الحاجة، واعملي كشف بالموجود، يلا مالك واقفة متنحة كدة ليه.
تجمدت سهر مكانها، بعدما سمعت طلبه، فشعرت بقلبها يئن خوفا، بعدما شاهدت نظراته إليها فزفرت بضيق، وعقبت وهي تعلم أنها لا تستطيع رفض العمل المطلوب منها:
حاضر يا أستاذ فؤاد، بس يعني الحاجات فوق كتير، هو محدش هيطلع معايا يساعدني من البنات.
أجابها فؤاد وهو ينظر إليها بخبث:
- لا البنات مش فاضية، آية هتروح الفرع التاني تساعد، وسعاد وأمنية هيشتغلوا هنا، وسامي هيروح يجيب لكم الغدا، فاطلعي يلا وبلاش تضيعي الوقت.
تنهدت سهر ونظرت إلى أمنية وهمست برجاء:
- بالله عليك يا أمنية تخلي عينيك عليه، لو لمحتيه طالع، اعملي أي حِجَّة واطلعي وحياة والدك أوعي تندلي، أنتِ شايفة بيص لي أزاي، يا ساتر عليه راجل عينيه فارغة.
همست أمنية تحاول طمأنتها:
- متخافيش أنا وسعاد هناخد بالنا ونراقبه اطمني.
صعدت سهر وأنارت المخزن، ووقفت تفتح الصناديق وهي تستغفر، لتنشغل بتسجيل عدد الملابس بكل صندوق، ولم تشعر بمُضي الوقت، ولم تنتبه لصوت الخطوات المتسللة خلفها، إلا حينما كممت يدا فمها، منعتها من الصراخ، وأحاطتها الذراع الأخرى، مقيدة جسدها إلى صدره، شدد فؤاد ذراعه حولها متلذذا باحتضانه لجسدها، وقال وهو يتنفس بعنقها:
- إيه يا سهر هتفضلي تقلانه عليا كتير، بقولك ما تسمعي كلامي وأنا هبسطك.
استولى الذعر عليها، فبكت وهي تحاول الهرب من ذراعه الملتفة حولها كالأفعى، وكافحت لتحرير يداها منه، ولكنها لم تستطع نظرا لقوته وتمكنه منها، فحملها فؤاد بيدٍ واحدة، بعدما حرص على تكميم فمها، واتجه بها إلى طرف المخزن البعيد عن السمع، فضربت الهواء بقدميها، رافضة ما يفعله، ليحشرها فؤاد بين جسده والحائط، مُحركًا يده يتحسس صدرها، بشهوة ورغبة جامحة، وقد الصق جسده بالكامل بها، نجحت سهر أخيرًا بتحرير يدها، وأخذت تبعد يده عن فمها، تحاول أن يخرج منها صوتا، لعل أحدا يسمعها، ولكنه أحكم كفه مانعا صوتها من الخروج، وقبل عنقها بشفاهه اللزجة، ممررا لسانه على حناياها، فشعرت بالتقزز منه، وودت لو تقتله لاستباحته جسدها غصبا، فبكت أكثر تدعو الله أن يُنهي حياتها، فما عادت تتحمل تحرشه بها، ولكنه الآن تجاوز كل الحدود، تشعر به يحاول إجبارها على الانخفاض أرضًا، فأحست بأنها إن لم تفكر لتخليص نفسها منه، سيفعل بها ما يشاء، مستغلا ضعفها، فكرت سريعا ووجهها يكاد يلتصق بالحائط أمامها، فالقت بثقل جسدها كله إلى الخلف، ودفعت بقدمها الحائط، ليندفع جسدها بقوة أكبر، فاختل توازنه وسقط أرضًا على ظهره وهي فوقه، لتهرب من بين يداه، وأطلقت العِنان لصوتها بالصراخ، وتخبطت لتقف، فوقعت يدها على ذراع إحدى دُمى العرض، فتشبثت بها كسلاح ينجيها منه، وانهالت فوقه ضربًا بها، وهي تصرخ مستغيثة، لتجد من يبعدها عنه، فنظرت إلى الخلف برعب، فوقعت عينيها على يدا أمنية وسعاد، وأخذ منها سامي ذراع الدُمية والقيها بعيدًا، وهو يطلق سبابه وجذبه ليقف، وأوسعه ضربًا باللكمات مُردفًا:
- ملقيتش إلا البت الغلبانة يا طفس يا دني، طب والله لأقول للحج صالح، علشان الموضوع دا معدش يتسكت عليه.
ونظر إلى سهر، التي تصلب جسدها بين يدا الفتيات، وشعر بالأسى عليها، فهتف وهو يعود ببصره إلى فؤاد:
- خدوها لتحت يا بنات وحاولوا تهدوها.
انهارت سهر بين ذراعي أمنية، ترتعش ذعرًا، وهي تقول بصوت متقطع باك:
- شـ ـوفـ ـتي كـ ـان عـ ـايـ ـز.
ولم تستطع إكمال حديثها، فضمتها أمنية وهي تبكي قائلة:
- حقك عليا يا سهر، والله أحنا مخدناش بالنا إنه طلع، دا راجل لئيم، خلانا نشتغل تحت وننسى إنك فوق، حقك عليا يا سهر.
وقفت سهر مترنحة، تشعر بالتقزز من لمساته عليها لتقول:
- أنا هروح، خلاص معدتش جاية الشغل دا تاني.
هتفت سعاد بنفس اللحظة، التي هبط فيها فؤاد وهو يدفع سامي عنه:
- طب استني نروحك يا سهر، يا بنتي أنتِ هتمشي لوحدك أزاي، وأنتِ بالحالة دي.
وقف يتابع ما يدور بسخرية، وجال ببصره بشر فوقهم يتوعدهم، وصاح بصوت عال:
- لو مشيتي يا سهر، أنا هبلغ عنك القسم، وهقول أنك سرقتي الفلوس اللي كانت فوق، ولا أنتِ فكراها سايبة.
حدق به الجميع، فصاحت الفتيات في وقت واحد باستنكار:
- منك لله يا شيخ.
حينها زفر سامي بغضب وهتف به، بعدما نفد صبره:
- يعني أنت مصدق نفسك بعد اللي عملته، طب والله لنشهد ضدك، وأحنا اللي هنبلغ فيك.
واستكمل سامي قوله، وهو يلتفت نحو الفتيات:
- يلا بينا يا بنات، أحنا هنروح نعمله محضر تعدي.
نظر فؤاد إليهم بكراهية، بعدما تذكر عمه وقال وهو يتوعدها سرًا:
- خلاص سيبوها تمشي، وعوضي على الله فـ اللي سرقته.
--------------
لم تدرِ سهر كيف عادت إلى منزلها؟ وقفت أمام الباب، تفكر بما سيقوله والدها، حين يراها عادت مبكرًا، فانتحبت بقهر وهي تخرج مفتاحها ببطء، وفتحت الباب بأنامل مرتعشة، ليطالعها والدها الذي تفاجأ بعودتها بنظرات استفهام وحيرة، وسحب رشدي عدة أنفاس من أرجيلته، التي أعتاد على صحبتها أكثر منها، وعيناه تتفرس بملامحها الباكية المضطربة، ولم يجد رشدي أمامه غير سؤالها، بعدما طال صمتها وتهربها منه، فرمقها بنظرات ساخطة كحاله دائمًا وسألها:
- إيه رجعك دلوقتى يابت، ودا مش ميعاد رجوعك، شكلك كده عملتي مصيبة، ما تنطقي رجعتي ليه بدري من الشغل بدل ما اقوملك.
ازدردت لعابها بخوف، وتلعثمت الحروف فوق شفتي سهر، ذعرًا من ردة فعل والدها المنتظرة لتجيبه:
- والله ما عملت حاجة، دا هو الراجل صـ صاحب المحل، هو اللي كان عايز، وحاول حاول.
نهض رشدي ساحبًا عكازه، واقترب منها وعينيه تطلق شررًا، فتراجعت سهر إلى الخلف بذعر، فهى تعلم جيدا تلك النظرة المتوعدة، التي يرمقها بها والدها، تقدم منها يستند إلى عكازه، وباغتها وهو يعتدل ليرتكز بحِمل جسده إلى ساقه، وقبض علي شعرها بيده وصاح بصوتٍ عال:
- حاول إيه يا بت، ما تنطقي بدل ما اطلع روحك فأيدي.
حاولت تحرير خصلات شعرها من بين أصابعه، التي بدأت تنزع بعض الخصلات بقوة جذبه، وانهمرت دموعها، وبدأت ترجوه وتوضح أكثر لعله يهدأ ويتركها:
- طب سيب شعري، أنا والله ماليا ذنب، هو اللي قالي اطلع ارتب الدور اللي فوق فالمحل، ولقيته طالع ورايا، ومد أيده عليا، جريت و وسبت له الشغل و.
لم يدعها تضيف المزيد، فهو لا يرغب بسماع كلمات أخرى، يكفيه ما أبلغته إياه عن تركها للعمل، لينهال عليها بالسُباب والصفعات القاسية، فسقطت سهر أرضًا، حين دفعها ورفع عكازه علياً، ونال جسدها ضربًا به، وصاح بصوتٍ يزلزل أرجاء المنزل:
- سيبتي الشغل طب وهنصرف منين، ولا أنتِ ناوية تقعدي لي فالبيت ونشحت، أهو دا اللي ناقص نشحت، بسبب دلعك أه تلاقيكي أنتِ اللي ادلعتي فـ الشغل، علشان كدا مد أيده عليكِ، ما هو دا اللي أخدته من خلفتك، من يومك وأنتِ جايبة الخراب معاكِ، أنا مش عارف ليه الموت سابك أنتِ وأخد الغالية، ياريته كان أخدك أنتِ ياريت.
لم يهتم رشدي لحزنها بسبب كلماته، وإنما واصل ضرباته بعكازه مُبرحًا إياها ضربًا، فعلا صوت صراخها، ترجوه أن يرحمها، تردد صدى صرخات سهر، ووصل إلى سمع خميس، الذي انتفض من مكانه وترك محله، وأسرع إلى مسكنه، رأى خميس تجمع الجيران أمام باب مسكن سهر، وصوت صراخها وصوت سباب والدها يصم الأذان، تقدمهم خميس وصاح بالبعض ليساعدوه بتحطيم الباب، وبعد عدة محاولات نجحوا بتحطيمه، فاندفع خميس وانتشل سهر من أمام والدها، وحاوطها بذراعيه، وصرخ بوجه رشدي قائلًا:
- برودوا كدا يا رشدي، هو دا اللي الشيخ محمد قالك عليه، والله حرام عليك اللي بتعمله دا، كل يوم والتاني تضرب فـ بنتك بالشكل دا، يا أخي اتقي الله فيها وفـ نفسك.
كفكفت صفية دموعها، وجذبت سهر برفق من بين ذراعي زوجها، وربتت وجنتها بحنو، ومسحت دموع سهر وهي تقول:
- أنا هخدها معايا فوق يا حج، أهديها شوية وأشوف المفتري دا عمل فيها إيه، عيني عليها كل يوم بهدلة وقلة قيمة أدام الخلق، روح منك لله يا رشدي على اللي بتعمله فـ بنتك، هي مبتصعبش عليك، ولا أنت قلبك الحجر دا مبيحسش بوجيعتها.
اغضبته كلماته صفية، ونظراتها الغاضبة، فصاح بصوتٍ أعلى وهو يندفع نحوها:
- هاتي البت يا صفية، وملكيش صالح بيها، دي بنتي وأنا بربيها قليلة الرباية، ولا عايزني اسيبها لحد ما عيارها يفلت.
حال خميس بينه وبين سهر، وأشار لزوجته لتغادر بها، وشكر جيرانه على مساعدتهم وأعتذر إليهم، ووقف يتابع مغادرتهم وأوصد الباب خلفهم، بينما استندت سهر إلى صدر صفية وصعدت برفقتها إلى أعلى، تبكي كلمات والدها بحقها، يغمرها الحزن على ما تناله من ظلم وقسوة، وتساءلت لِما يكرها والدها إلى هذا الحد، ولِما لا يدع لها أي فرصة لتوضح له ما يريد، بدلًا من ضربه وأهانته لها يوميًا، انتبهت سهر لربتة صفية على وجنتها وهي تُجلسها فوق الأريكة، فحدقت بها سهر بقلب كسير تقول:
- هو ليه بيعمل فيا كده يا خالتي صفية، ليه مش بيسمعني وعلى طول يضربني ويهين فيا، قوليلي يا خالتي أنا عملت إيه علشان يكرهني للدرجة دي، كل دا علشان قولت له أني سيبت الشغل.
كفكفت صفية دموع سهر ومسحت فوق رأسها وأجابتها بصوتٍ مكلوم:
- هو مش بيكرهك يا بنتي، بس دا طبعه، للأسف رشدي طول عمره كده، قلبه جامد وميعرفش يعني أيه حنية، وأيده سابقة لسانه وعقله، وياما عمك خميس كلمه علشان يتغير بس لا حياة لمن تنادي، من يوم الحادثة وهو بقى كدا.
صمتت صفية لدقيقة ثم أردفت:
- بقولك إيه قومي اغسلي وشك، على ما أعملك كوباية ليمون تروقك، وبعدها فهميني سيبتي الشغل ليه؟
لم تستطع سهر الوقوف فلزمت مكانها، تخفي عن صفية ما تشعر به من ألم، وراقبتها تتجه إلى المطبخ، فخفضت رأسها تبكي مرة أخرى، وبعد مرور بضع دقائق انتبهت سهر إلى يد صفية تمتد إليها بكوب الليمون، فرفعت عينيها إليها وهمهمت بالشكر، لتُردف صفية بقولها:
- اشربي الليمون، علشان يهديكِ ويروق دمك.
زفرت سهر وأردفت توضح لصفية سبب تركها لعملها، ما أن سألتها مُجددًا، وختمت كلماتها قائلة:
- والله يا خالتي كان غصب عني، بس بعد اللي حصل نفسي صعبت عليا أني أفضل، فمشيت وروحت وأنا عارفة إن بابا مش هيعدي الموضوع، بس متخيلتش أني لما أقول له على اللي عمله فؤاد يقوم يتهمني أني كنت بدلع فالشغل، دا كان بيضربني زي ما أكون أنا المذنبة، بدل ما ياخدني فـ حضنه ويجيب لي حقي.
تملك الغضب من صفية، وانتفضت من مكانها وصرخت بجزع:
- يالهوى يا بنتى يعني يسيب اللي اتحرش بيكِ، ويضربك أنتِ، عيني عليكِ هتلاقيها منين ولا منين، مش كفايا شايلة الحِمل كله، بدل ما يحافظ عليكِ ويقعدك فالبيت وهو اللي يشيل المسئولية عنك، هقول إيه منه لله مافيش بقلبه رحمة.
لاحظت صفية انخراط سهر في البكاء، فزمت شفتيها ووقفت بجانبها وربتت ظهرها برفق وأضافت:
- أهدي وبطلي عياط واحمدي ربنا أنه سترك، بس تعرفي أنتِ كان المفروض تروحي تعملي فيه بلاغ، علشان يتربى الندل الخسيس دا، وأهي البنات كانت هتشهد معاكِ، يا بت دا أنتِ صاحبة الحق وصاحب الحق ميخافش، عمومًا الحمد لله أنها جت على قد كدا، أنتِ المفروض تصلي ركعتين شكر لله، أقولك قومي اتوضي وصلي، على ما عمك خميس يهدي والدك ويطلع، وأنا هقوم أخلص الأكل علشان نتغدى كلنا سوا.
أومأت سهر لإحساسها بالحاجة للشكوى إلى الله، وولجت المرحاض وحدقت بصورتها في المرآة، ومدت يدها وتحسست وجهها المكدوم، بعدما تركت أصابع والدها أثرها عليه، وحين همت بتحريك يدها الأخرى، أحست بألم مبرح بكتفها، فاستندت إلى الحائط، تكتم صوت أنينها، وتبكي ظلم والدها البين لها.
وبالخارج ولج محمود وهو يبحث بعينيه عن والدته، فلمح ظلها بالمطبخ، فتسلل خلفها واحتضنها بغتة، فانتفضت صفية وكادت تصرخ، والتفت لترى ابنها الذي سارع باعتذاره، فعاتبته بقولها:
- كدا يا محمود توقع قلبي، يا بني أنت مش هتبطل عمايلك دي، حرام عليك كنت هتجيب لي أزمة.
سارع محمود وقبل يدها واعتذر إليها، فنزعت يدها منه وسألته بعبوس مزيف:
- ألا أنت إيه اللي رجعك بدري، هو أنت مش قولت عندك شغل ومش هتيجي زي كل يوم.
مازحها محمود وهو يختطف يدها ويضعها فوق صدره، قائلًا:
- آه يا قلبي، بقى مش عيزاني أرجع بدري يا صفصف، أه تلاقيكِ ما صدقني خلصتي مني، عمومًا أنا رجعت علشان وحشتيني ومقدرتش أتحمل بعدك عني.
وكزته بيدها ولوحت بسبابتها أمام وجهه وأردفت:
- بطل بكش يا محمود وقولي إيه رجعك.
أجابها بجدية قائلًا:
- كل الحكاية أني خلصت مجموعة الملفات المطلوبة في الإدارة، واتفاجأت أنهم عاملين اجتماع لأعضاء مجلس إدارة الفندق، فاستأذنت لما عرفت أنهم مش محتاجين لي، وقلت اجيلك يا جميل، ها قوليلي بقى عاملة أكل أيه، أحسن ابنك واقع من الجوع.
أخبرته وهي تستدير عنه تتابع ما تفعله، فالتفت ووقف إلى جوارها وسألها بترقب:
- ملك يا أم محمود، شكلك متغير عن الصبح، قوليلي مين زعلك وخلاكِ تعيطي، أوعي يكون الحج خميس هو اللي زعلك و.
نفت صفية بهزة من رأسها، وأجابته بصوتٍ خافت:
- أنا زعلانة بس مش عليا، زعلانة على سهر اللي وجعت قلبي عليها، تصدق أحنا لسه مخلصينها من أيد أبوها، بعد ما ضربها وبهدلها وفرج عليها الشارع كله، وكل دا علشان سابت الشغل.
زفر محمود ساخطًا، وأشاح بوجهه بعيدًا يكبح لسانه عن السؤال عنها، فهو يتحاشى رؤيتها أو الأحتكاك بها منذ فترة، فابتعد خطوة عن والدته وقال متهكمًا ليخفي قلقه:
- موال عم رشدي وبنته بقى عادي يا ماما، والناس تلاقيها ملت وزهقت من اللي بيعمله، وبصراحة أنا مش عارف هي عملت إيه، علشان يضربها بالشكل دا كل يوم، دا تلاقي جسمها نحس من كتر الضرب، وبعدين هو أنتِ موطية صوتك ليه، إيه خايفة الصوت ينزل لتحت ولا...
رمقته بحيرة ، وقطبت وجهها أما لهجته الساخرة، وزفرت حين حدق إليها ورفع حاجبه، فعاتبته بقولها:
- وطي صوتك يا محمود، علشان سهر هنا، وبدل ما تتريق على بيحصل لها، روح شوف وشها عامل أزاي من ضرب رشدي فيها، تصدق أنا لو عليا أخدها منه، البت اتحملت اللي محدش يقدر يتحمله وساكته.
أخفى محمود تفاجئه عقب تصريح والدته، وخفق قلبه حين رأها تغادر المرحاض، فحدق بها وجال بعينيه فوق ملامحها التي افتقد رؤيتها لأيامٍ طوال، ولاحظ خسارتها لبعض الوزن، وتلك الدوائر التي ظهرت أسفل عينيها، زفر بقوة وعقله يفكر بعينيها الخضراء، التي زادتهم الدموع جمالًا وسحرًا، ليزدرد لعابه بقوة حين تجمدت عيناه فوق شفتيها المُرتعشة من أثر البكاء، فابتلع غصة وقفت بحلقه، أسفًا على قسوة والدها، لا يدر كيف طاوعه قلبه أن ظلمها وهي بتلك البراءة الواضحة للعيان، حاول محمود أن يغض الطرف عنها، مذكرًا نفسه بالعقبة التي تحول بينه وبينها، فزفر بقوة وأردف بفتور:
- حاولي تتجنبي والدك يا سهر، ومتعمليش الحاجات اللي بتضايقه، علشان مش كل شوية يضربك بالشكل دا.
ألمها قوله فخفضت عينيها أرضًا وأردفت بحزن:
- حاضر يا أبيه، هحاول أعمل زي ما حضرتك بتقول.
لم ينل قوله استحسان والدته، فأقتربت منه ووكزته سرًا، فالتفت إليها فرمقته بنظرات وعيد، فزم شفتيه وعاد ببصره إلى سهر فأدرك أن قوله الفاتر زاد من حزنها، فاقترب منها ببطء واعتذر بقوله:
- حقك عليا أنا مقصدتش بكلامي أنك بتعملي حاجة وحشة لا سمح الله، عمومًا أنا اللي أقصده أنك تحاولي تقللي من الكلام معاه، علشان ميمسكهاش عليكِ ويخدها عذر أنه يضربك بسببها.
أومأت له، وتراجعت للخلف لتفسح له الطريق، فارتطمت بالحائط وتغضن جبينها من شدة الألم، وكتمت تآوها ليلاحظها محمود فقطب جبهته وقال:
- أنتِ فيكِ حاجة، تحبى اوديكي المستوصف يكشفوا عليكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وأجابته:
- لا كتر خيرك يا أبيه أنا كويسة.
ازدرد لعابه أمام ضعفها الواضح، وتمنى لو بإمكانه الانفراد بها، ليضمها إليه ويخفف عنها ما تشعر به، فهز رأسه بقوة وأشاح بوجهه عنها وأردف:
- طيب أنا هروح اغير على ما ماما تحضر الغدا، وأنتِ روحي أقعدي وأرتاحي ومتشغليش دماغك بحاجة، كله بيروح وبيعدي.
بعد مرور ساعة، أجبرت سهر نفسها على تناول لقيمات قليلة، لإحساسها بالألم يشتد عليها، في حين كتم محمود ما انتابه من غضب، بعدما قصت عليه والدته ما حدث لسهر، ود لو يذهب إلى ذاك الرجل، وقتله لنظره ولمسه سهر، لينتبه من شروده على حركة سهر الحذرة، فترقبها بتركيز ولاحظ عدم تحريكها ليدها اليسرى، فسألها باهتمام:
- سهر أنتِ مبتحركيش أيدك الشمال ليه.
لم تستطع رفع وجهها والنظر إليه، وانهمرت دموعها بصمت، فتركت صفية مقعدها ووقفت جوارها وربتت كتفها، فغادرت صرخة تلقائية عن سهر، ما أن لمستها صفية، فانتفض محمود من مكانه وهتف بإصرار:
- قومي أوديكي المستوصف يكشفوا عليكِ.
أخبر سهر بقراره، ثم ولى وجهه باتجاه والدته وأردف:
- لو سمحتي يا ماما البسي علشان ننزل نوديها سوا.
بعد مُضي ساعتين، غادرت سهر العيادة الخارجية، مستندة إلى صفية، وكتفها معلق بحامل، وتبعهم محمود بتمهل، ما أن خطت سهر داخل المبنى السكني، حتى ارتجفت وصعدت ببطء يتملكها الخوف، ولكنها توقفت أمام باب شقتها وأردفت بحرج:
- كتر خيرك يا خالتي على اللي عملتوه معايا، بصراحة أنا مش عارفة لولاكِ ولولا أبيه كنت هعمل أيه فالوجع الجامد دا.
زجرها محمود بضيق:
- عارفة لو مبطلتيش الكلام دا، أنا هخلع لك كتفك التاني، واتفضلي اطلعي مع ماما، على ما أشوف بابا وعم رشدي وصلوا لأيه.
-------------
وبمنزل عمه، وقف فؤاد يستمع إلى توبيخ عمه صالح، بضجر ينتظر انتهاءه ليغادر، في حين ازداد اسف صالح أمام أفعال فؤاد المُخزية له وللعائلة، فتطلع إليه وهتف:
- يا ابني اتقي ربنا فبنات الناس، أنت مش صغير على أفعالك المُخزية دي، أنا بصراحة تعبت منك ومش عارف، أنت طالع لمين زرع شيطاني كده، أنت بتصرفاتك فضحتنا فكل مكان، وخليت سيرتنا على كل لسان، خصوصًا أنك معمرتش فـ ولا جوازة من جوزاتك السابقة، ومش عارف أعمل معاك إيه علشان تبطل عمايلك دي.
ازداد سقم فؤاد فهتف ساخطًا:
- لعلمك بسبب كلامك اللي بتقوله عمال على بطال أدام الكل، هي اتبلت عليا لما مسكتها بتسرق الفلوس.
زفر صالح وهز رأسه بيأس، لعلمه أن الحديث إلى فؤاد لن يُجد نفعًا معه، وازداد حنقه لأصراره على كذبه، فقال بوعيد وهو يلوح بسبابته أمامه:
- تصدق بالله يا فؤاد أنا اللي هروح أخد سهر للقسم، وأخليها تعملك محضر تحرش، علشان تتأدب وتعرف أن الله حق.
أثارت كلمات صالح غضب فؤاد، فحدق به بشر وصاح غاضبًا بوجهه:
- بقى عايز تنصف البت دي عليا، وتروح تعمل فيا أنا محضر يا عمي، طب وماله روح أعمل لي محضر، علشان ميطلعش عليها شمس، ولعلمك أنت لو جبت المحل كله يشهد معاك، أنا هجيب مليون واحد يشهد لصالحي، يقولوا أنها هي اللي بترمي نفسها عليا، وأنهم شافوها فالشقة بتاعتي كذا مرة، وأنها اتهمتني علشان كانت عايزة تاخد فلوس مني، وابقى وريني ساعتها هتلحق سمعتها أزاي، وخليها بقى تمشي عند فعند.
انتفض صالح من صدمته، وأحست أنه لا يستطيع التنفس بجوار فؤاد، يشعر بأن الهواء حوله لوث بقذارته، فبادله الصياح بعدما وقف فؤاد يتحداه مبتسمًا:
- لا دا أنت اتجننت رسمي، بقى عايز تسوء سمعة البنت الغلبانة، وماله يا فؤاد يبقى أنت اللي أخترت، ومن اللحظة لا أنت ابن أخويا ولا أعرفك، ورجلك متعتبش ولا محل من محلاتي، وتسلمني مفاتيح الشقة اللي بتجيب فيها البنات اللي ماشي معاهم، ومفاتيح العربية والفيزا وأبقى وريني هتصرف على نفسك منين.
تفجر غضب فؤاد، وكاد يبطش بعمه، ولكنه تماسك مُجبرًا، ووقف يتطلع إليه يود لو التفت أصابعه حول عنقه، نهره عقله وزجره على استسلامه لغضبه وحثه على الهدوء، ليُجلي أفكاره، يحذر نفسه من انقلاب الأمر ضده، وخسارته الفادحة أن نفذ عمه وعيده، فسب سرًا تراجعه وقال بصوتٍ لين:
- جرى إيه يا عمي، هو حضرتك بتتلكك لي علشان استسلمت لغضبي ، على فكرة أنا ابن أخوك اللي ماليش غيرك فالدنيا دي، واللي أنت عارف ومتأكد أني مش هعصاك ولا أرفض لك كلمة، وعلشان أثبت لك أني طوعك، شوف اللي يرضيك وأنا أعمله.
لم يدر صالح لِما لم يشعر بالأرتياح لكلمات فؤاد، وثارت ريبته وحفيظته، فسأله بشك وهو يرمقه بتمعن:
- بقى عايز تعمل اللي يرضيني.
أجابه فؤاد بمكر بمحاولة منه لأستمالته:
- أه طبعا يا عمي، يا حبيبي أنا ماليش غير رضاك عليا.
مط صالح شفتيه وهو يتجه إلى الأريكة ليجلس ونظر مطولًا إلى فؤاد وأردف:
- حيث كده يبقى تيجي معايا، ونروح لسهر بيتها وتعتذر لها وتراضيها.
اخفى فؤاد ابتسامته بمهارة، ولمعت عيناه خُبثًا وقال:
- أنا موافق يا عمي، وهروح معاك لبيتها وهعتذر منها، ومش كده وبس لأ ده أنا هراضيها باللي تطلبه كمان، المهم أنك تكون راضي عني يا عمي.
------------------
وبمنزل رشدي انهى خميس حديثه إليه، بما يُرضي ضميره، وهو يهز رأسه بأسف لعناد رشدي وقسوته الواضحة، وبجواره جلس محمود يلتزم الصمت أحترامًا لوالده، رُغم رغبته بتعنيف رشدي على أفعاله، لينتبه لصوت والده يقول بنفاذ صبر:
- يا رشدي أنت لازم تهدى على سهر، على فكرة بنتك معدتش صغيرة، دي كبرت وميصحش كل يوم والتاني الناس تدهش بيتك، الناس اللي خلاص بقوا عارفين أنها بتضرب وبتتهان، افرض بقى حد لعب فى دماغها يبقى أيه الحل ساعتها، ولعلمك هتبقى أنت السبب في ضياعها، يا عم سيبك من كل دا، أفرض اتقدم لسهر عريس، مش واجب عليك تعززها وتغليها بدل ما أنت مخليها مطمع للي يسوى واللي ميسواش، أعقل بقى يا رشدي وكفايا أفترى على بنتك، هي خلاص بقى عندها 17 سنة، وعيب فحقك اللي بيحصل كل يوم فالبيت منك.
أشاح رشدي بوجهه عنه، وزفر باستنكار وعقب بحسرة:
- مش بأيدي يا خميس، صدقني أنا حاولت بس معرفتش، مش قادر أتعامل معاها، ولا حتى أشوف وشها، علشان لما بشوفها، بشوف الغالية أدامي، دمي ساعتها بيفور، وغصب عني بتفكر أني اتحرمت منها بسببها، ومش عارف أغفر لها، أنها السبب فـ موت أمها.
استمع محمود لأعتراف رشدي، وثار غاضبه فهو يظلمها ويجور عليها، بدلًا من الحفاظ عليها ومراعاتها، فهي كالجوهرة النادرة التي عليه أن يحميها بحياته، لا أن يدفعها بعيدًا عنه، كاد محمود يعتذر ويغادر بعدما أحس بالسقم، ليسمع صوت والده يقول مستغفرًا:
- يا رشدي استغفر ربنا، بنتك ملهاش ذنب بوفاة والدتها، دي أعمار كتبها ربنا عز وجل، وأنت عارف أن والدتها الله يرحمها كانت صاحبة مرض و.
أوقف خميس حديثه حين استمع إلى صوت طرقات، وهم بالوقوف، فوقف محمود وأشار إليه بالبقاء وأردف:
- خليك مرتاح، أنا هشوف مين اللي على الباب.
فتح محمود فطالعه رجل يكاد يماثل والده في العمر، ويجاوره آخر يبدو في أواخر الثلاثينات، ولم يدر لِما شعر بالنفور منه، فأشاح ببصره عنه وأولى للآخر اهتمامه، فبادره بقوله:
- أنا الأستاذ صالح محفوظ، صاحب المحل اللي سهر شغالة فيه، ودا ابن أخويا فؤاد و.
بتر صالح كلماته، فقد هاجم محمود فؤاد، مُسددًا له لكمة جعلته يتراجع عدة خطوات إلى الخلف، ولم يتوقف محمود عند هذا الحد، بل واصل هجومه وأعاد لكمة، وسارع صالح للفصل بينهما، في حين استسلم فؤاد وخفض بصره أرضًا، يخفي ابتسامته الغامضة، مُرددًا في نفسه:
- وماله أضرب المهم في النهاية أوصل لها.
وقبل أن يُعيد محمود لكم فؤاد للمرة الخامسة، منعه صوت والده الحانق وهو يهتف:
- محمود أيه اللي بتعمله دا، هو من أمته بنضرب اللي بيجي بيوتنا، أيه يا ابني هتنسى الأصول على أخر الزمن ولا أيه.
زفر محمود بغضب، والتفت إلى والده وقال:
- يا بابا سيبني عليه، دا الندل اللي اتحرش بسهر، له عين البجح يجي لحد هنا برجله كمان.
طلب رشدي من خميس المساعدة، وسانده حتى توقفا أمام صالح، ليقول بحدة:
- ممكن أعرف أنت جاي ليه، على فكرة أنا مش هسيب حق بنتي و.
قاطعه صالح عن أتمام كلمات وعيده وأردف مُسرعًا:
- يا جماعة استهدوا بالله، فؤاد ابن أخويا جاي لحد عندكم، يعتذر عن اللي عمله، ويراضيكم باللي تطلبوه، فـ لو ينفع تعتبرونا ضيوف ولا...
استشعر خميس الحرج لقول صالح، فالتفت إلى رشدي وربت كتفه، ورمق ابنه مُحذرًا أياه وأجاب:
- مافيش ولا، اتفضلو البيت بيتكم أكيد ولا أيه يا رشدي.
أومأ رشدي واستند إلى محمود وعاد إلى مقعده، واتخذ كل منهم مقعده، فأسرع فؤاد مستغلًا الفرصة وقال:
- أنا جاي اعتذر وياريت يا عمي تقبل اعتذاري عن اللي حصل، صدقني دا كان غصب عني، وعمومًا أنا أقسم لك بالله أني مش هتعرض لسهر مرة تانية، المهم أن حضرتك تقبل أسفي، وأحقاقً للحق، أنا مستعد لأي ترضية حضرتك تطلبها.
رمقه محمود بكراهية، وأدرك غرضه الواضح بعينيه، فقطب وجهه وأجابه:
- وأحنا مش عايزين لا ترضية ولا حتى أسفك، أساسًا أنت المفروض تتجلد بميدان عام على اللي عملته، وبعدها تتسلم للقسم علشان تاخد جزائك.
ايقن صالح أن عليه التدخل، حتى يُنهي الموقف، قبل أن تحتدم الأمور بين محمود وفؤاد مرة أخرى، فأردف بصوتٍ هادئ:
- يا ابني أنا عارف أن فؤاد غلطان، وهو عارف كدا وحس بغلطه، وجه بنفسه لحد عندكم، فـ المسامح كريم.
بدل صالح بصره لينظر باتجاه رشدي وخصه بحديثه قائلًا:
- ما تقول حاجة يا أستاذ رشدي، ولا ابنك قال اللي عندك.
أجابه رشدي موضحًا:
- أنا للاسف معنديش ولاد، ومحمود ابن صاحب عمري خميس، وزي ابني بالظبط، ولو بيتكلم فهو بيتكلم علشان خايف على سهر و..
اغتنم فؤاد الفرصة لصالحه وأردف:
- وأنا كمان يا عمي من اللحظة أعتبرني ابنك، وتحت أمرك فأي حاجة، وعلشان أبين حُسن نيتي خلي سهر من بكرة ترجع شغلها تاني، وأنا بوعدك أني هروح المحل التاني علشان متبقاش قلقانة من وجودي في المحل معاها، أنا أساسًا ميرضنيش قطع عيشها.
هب محمود عن مقعده، بعدما تأكد أن كلمات فؤاد سهمًا أصابت هدفها، فهو يعلم طبيعة رشدي وأدرك أنه حتمًا سيوافق فؤاد على قوله، فهتف دون تفكير:
- مش هينفع يا أستاذ فؤاد، سهر خلاص هتشتغل فمكان تاني، مكان محترم كرامتها فيه هتبقى متصانة.
حدقت به العيون، في حين بادره رشدي يسأله بلهفة:
- بجد يا محمود سهر قالت لك كدا.
زفر محمود وأوضح بتردد:
- لأ يا عمي سهر للحق مقالتش حاجة، دا أنا اللي بقول، علشان هتشتغل معايا في الفندق اللي أنا شغال فيه، وهتبقى تحت حمايتي، وزي ما حضرتك عارف سمعة الفندق عاملة أزاي، دا سبع نجوم يا عمي، والأهم طبعا أنها لا هتلاقي تحرش ولا قلة أدب.
رمق محمود فؤاد بتحدي، في حين ازداد إعجاب صالح بمحمود، لخوفه على سهر وردة فعله، وأحس بالأسف على حاله يزداد، لأبتلاءه بابن شقيق فاسد كفؤاد، فوقف وأومأ قائلًا:
- طالما كدا يبقى أحنا هنستأذن، بس قبل ما أمشي لو ينفع أشوف سهر، يعني كنت حابب أعتذر لها بنفسي.
أجابه رشدي بترقب:
- هي فوق عند الست أم محمود، ثواني هبلغلها يا أستاذ صالح أن حضرتك عايزها.
هز صالح رأسه بالنفي، وأخرج صالح مظروفًا من جيبه، ومد يده إلى رشدي وأردف:
- متتعبش نفسك يا أستاذ رشدي، عمومًا سهر مشيت قبل ما تاخد مستحقاتها، ودي مكافأة بسيطة عن شغلها الفترة اللي فاتت، على الرغم من زعلي أني خسرت بنت بأخلاقها وأدبها، لكن شغلها فمكان أفضل أكيد يرضيني.
مد رشدي وأخذ المظروف على مضض من يد صالح وألقاه جانبه وقال:
- معلش سامحني مش بقدر أقف كتير، علشان رجلي زي ما أنت شايف.
صافحه صالح وغادر يتبعه فؤاد شارد العقل، يُفكر بأن عليه العودة مرة أخرى إلى هنا، خاصة بعدما لاحظ الأرجيلة الخاصة برشدي، وابتسم لنفسه لعثوره على الثغرة التي ستدخله إلى منزل سهر دون أي عناء.
----------------
-----------------------------
ارتفع صوت الآذان، فأغلق الحاج خميس محله، واتجه إلى المسجد ليصلي الظهر، مضى بطريقه يستغفر الله، ولم ينتبه في بادئ الأمر لابنه محمود المتجه إليه، إلا حين سمع ندائه فالتفت نحوه فقابله محمود مبتسمًا يقول:
- يا حج كويس أني شوفتك قبل ما أروح على الشغل، أصل أنا يا حج جايلك برسالة من الحَجَّة صفصف، بتقولك متنساش الحاجات اللي طلبتها منك الصبح، علشان تلحق تخلص لك الغدا.
مال محمود نحو والده وهمس مازحًا:
- بقولك يا حج، ما تقفل المحل بدري بدري كده وتطلع، وأهي فرصة هتبقوا لوحدكم، علشان أنا مش هرجع النهاردة زي كل يوم.
غمز محمود بعينه، فضحك خميس وهتف زاجرًا إياه بلين:
- أمشي يا واد يا قليل الحيا، طيب يا محمود أنا هقول للحَجَّة، وأبقى استلقى وعدك منها لما ترجع.
ضحك محمود هو الأخر وهتف متوسلًا:
- لا يا حج كله إلا زعل الحَجَّة، خلاص بقى قلبك أبيض، عمومًا أنا همشي أحسن أتأخر.
دعا له والده بمحبة:
- ربنا يحفظك يا ابني، ويوسع عليك رزقك، بس متنساش تصلي الظهر أول ما توصل، علشان ربنا يبارك لك.
قبل محمود يد والده وهتف:
- أهي دعواتك دي يا حج بالدنيا عندي، ربنا ما يحرمني منك، عن إذنك يا حج.
----------
وهناك في أحد محال الملابس، يجلس يتابعها بنظرات جائعة، فتلك الحسناء تتمنع عليه، وتبتعد كلما أقترب منها، فأطرق ليفكر في طريقة ينالها، فهو فؤاد الذي لم ترفضه فتاة من قبل، فكيف لها أن ترفض تودده إليها؟ ليصيح في العاملين جميعهم، وقد لمعت عيناه بتصميم ورغبة:
- يلا يا بنات نزلوا الرفوف دي كلها، علشان عايز أعمل جرد.
سمع تذمر الفتيات فاستكمل دون اهتمام بهم:
- إيه مش عجبكم، بقول يلا بدل ما أنتو قاعدين فاضيين ومريحين.
ثم نظر إليها وهو يمرر لسانه على شفتيه، ويحك ذقنه بيده، فناداها قائلًا:
- يا سهر بقولك أطلعي المخزن فوق، شوفي الحاجة، واعملي كشف بالموجود، يلا مالك واقفة متنحة كدة ليه.
تجمدت سهر مكانها، بعدما سمعت طلبه، فشعرت بقلبها يئن خوفا، بعدما شاهدت نظراته إليها فزفرت بضيق، وعقبت وهي تعلم أنها لا تستطيع رفض العمل المطلوب منها:
حاضر يا أستاذ فؤاد، بس يعني الحاجات فوق كتير، هو محدش هيطلع معايا يساعدني من البنات.
أجابها فؤاد وهو ينظر إليها بخبث:
- لا البنات مش فاضية، آية هتروح الفرع التاني تساعد، وسعاد وأمنية هيشتغلوا هنا، وسامي هيروح يجيب لكم الغدا، فاطلعي يلا وبلاش تضيعي الوقت.
تنهدت سهر ونظرت إلى أمنية وهمست برجاء:
- بالله عليك يا أمنية تخلي عينيك عليه، لو لمحتيه طالع، اعملي أي حِجَّة واطلعي وحياة والدك أوعي تندلي، أنتِ شايفة بيص لي أزاي، يا ساتر عليه راجل عينيه فارغة.
همست أمنية تحاول طمأنتها:
- متخافيش أنا وسعاد هناخد بالنا ونراقبه اطمني.
صعدت سهر وأنارت المخزن، ووقفت تفتح الصناديق وهي تستغفر، لتنشغل بتسجيل عدد الملابس بكل صندوق، ولم تشعر بمُضي الوقت، ولم تنتبه لصوت الخطوات المتسللة خلفها، إلا حينما كممت يدا فمها، منعتها من الصراخ، وأحاطتها الذراع الأخرى، مقيدة جسدها إلى صدره، شدد فؤاد ذراعه حولها متلذذا باحتضانه لجسدها، وقال وهو يتنفس بعنقها:
- إيه يا سهر هتفضلي تقلانه عليا كتير، بقولك ما تسمعي كلامي وأنا هبسطك.
استولى الذعر عليها، فبكت وهي تحاول الهرب من ذراعه الملتفة حولها كالأفعى، وكافحت لتحرير يداها منه، ولكنها لم تستطع نظرا لقوته وتمكنه منها، فحملها فؤاد بيدٍ واحدة، بعدما حرص على تكميم فمها، واتجه بها إلى طرف المخزن البعيد عن السمع، فضربت الهواء بقدميها، رافضة ما يفعله، ليحشرها فؤاد بين جسده والحائط، مُحركًا يده يتحسس صدرها، بشهوة ورغبة جامحة، وقد الصق جسده بالكامل بها، نجحت سهر أخيرًا بتحرير يدها، وأخذت تبعد يده عن فمها، تحاول أن يخرج منها صوتا، لعل أحدا يسمعها، ولكنه أحكم كفه مانعا صوتها من الخروج، وقبل عنقها بشفاهه اللزجة، ممررا لسانه على حناياها، فشعرت بالتقزز منه، وودت لو تقتله لاستباحته جسدها غصبا، فبكت أكثر تدعو الله أن يُنهي حياتها، فما عادت تتحمل تحرشه بها، ولكنه الآن تجاوز كل الحدود، تشعر به يحاول إجبارها على الانخفاض أرضًا، فأحست بأنها إن لم تفكر لتخليص نفسها منه، سيفعل بها ما يشاء، مستغلا ضعفها، فكرت سريعا ووجهها يكاد يلتصق بالحائط أمامها، فالقت بثقل جسدها كله إلى الخلف، ودفعت بقدمها الحائط، ليندفع جسدها بقوة أكبر، فاختل توازنه وسقط أرضًا على ظهره وهي فوقه، لتهرب من بين يداه، وأطلقت العِنان لصوتها بالصراخ، وتخبطت لتقف، فوقعت يدها على ذراع إحدى دُمى العرض، فتشبثت بها كسلاح ينجيها منه، وانهالت فوقه ضربًا بها، وهي تصرخ مستغيثة، لتجد من يبعدها عنه، فنظرت إلى الخلف برعب، فوقعت عينيها على يدا أمنية وسعاد، وأخذ منها سامي ذراع الدُمية والقيها بعيدًا، وهو يطلق سبابه وجذبه ليقف، وأوسعه ضربًا باللكمات مُردفًا:
- ملقيتش إلا البت الغلبانة يا طفس يا دني، طب والله لأقول للحج صالح، علشان الموضوع دا معدش يتسكت عليه.
ونظر إلى سهر، التي تصلب جسدها بين يدا الفتيات، وشعر بالأسى عليها، فهتف وهو يعود ببصره إلى فؤاد:
- خدوها لتحت يا بنات وحاولوا تهدوها.
انهارت سهر بين ذراعي أمنية، ترتعش ذعرًا، وهي تقول بصوت متقطع باك:
- شـ ـوفـ ـتي كـ ـان عـ ـايـ ـز.
ولم تستطع إكمال حديثها، فضمتها أمنية وهي تبكي قائلة:
- حقك عليا يا سهر، والله أحنا مخدناش بالنا إنه طلع، دا راجل لئيم، خلانا نشتغل تحت وننسى إنك فوق، حقك عليا يا سهر.
وقفت سهر مترنحة، تشعر بالتقزز من لمساته عليها لتقول:
- أنا هروح، خلاص معدتش جاية الشغل دا تاني.
هتفت سعاد بنفس اللحظة، التي هبط فيها فؤاد وهو يدفع سامي عنه:
- طب استني نروحك يا سهر، يا بنتي أنتِ هتمشي لوحدك أزاي، وأنتِ بالحالة دي.
وقف يتابع ما يدور بسخرية، وجال ببصره بشر فوقهم يتوعدهم، وصاح بصوت عال:
- لو مشيتي يا سهر، أنا هبلغ عنك القسم، وهقول أنك سرقتي الفلوس اللي كانت فوق، ولا أنتِ فكراها سايبة.
حدق به الجميع، فصاحت الفتيات في وقت واحد باستنكار:
- منك لله يا شيخ.
حينها زفر سامي بغضب وهتف به، بعدما نفد صبره:
- يعني أنت مصدق نفسك بعد اللي عملته، طب والله لنشهد ضدك، وأحنا اللي هنبلغ فيك.
واستكمل سامي قوله، وهو يلتفت نحو الفتيات:
- يلا بينا يا بنات، أحنا هنروح نعمله محضر تعدي.
نظر فؤاد إليهم بكراهية، بعدما تذكر عمه وقال وهو يتوعدها سرًا:
- خلاص سيبوها تمشي، وعوضي على الله فـ اللي سرقته.
--------------
لم تدرِ سهر كيف عادت إلى منزلها؟ وقفت أمام الباب، تفكر بما سيقوله والدها، حين يراها عادت مبكرًا، فانتحبت بقهر وهي تخرج مفتاحها ببطء، وفتحت الباب بأنامل مرتعشة، ليطالعها والدها الذي تفاجأ بعودتها بنظرات استفهام وحيرة، وسحب رشدي عدة أنفاس من أرجيلته، التي أعتاد على صحبتها أكثر منها، وعيناه تتفرس بملامحها الباكية المضطربة، ولم يجد رشدي أمامه غير سؤالها، بعدما طال صمتها وتهربها منه، فرمقها بنظرات ساخطة كحاله دائمًا وسألها:
- إيه رجعك دلوقتى يابت، ودا مش ميعاد رجوعك، شكلك كده عملتي مصيبة، ما تنطقي رجعتي ليه بدري من الشغل بدل ما اقوملك.
ازدردت لعابها بخوف، وتلعثمت الحروف فوق شفتي سهر، ذعرًا من ردة فعل والدها المنتظرة لتجيبه:
- والله ما عملت حاجة، دا هو الراجل صـ صاحب المحل، هو اللي كان عايز، وحاول حاول.
نهض رشدي ساحبًا عكازه، واقترب منها وعينيه تطلق شررًا، فتراجعت سهر إلى الخلف بذعر، فهى تعلم جيدا تلك النظرة المتوعدة، التي يرمقها بها والدها، تقدم منها يستند إلى عكازه، وباغتها وهو يعتدل ليرتكز بحِمل جسده إلى ساقه، وقبض علي شعرها بيده وصاح بصوتٍ عال:
- حاول إيه يا بت، ما تنطقي بدل ما اطلع روحك فأيدي.
حاولت تحرير خصلات شعرها من بين أصابعه، التي بدأت تنزع بعض الخصلات بقوة جذبه، وانهمرت دموعها، وبدأت ترجوه وتوضح أكثر لعله يهدأ ويتركها:
- طب سيب شعري، أنا والله ماليا ذنب، هو اللي قالي اطلع ارتب الدور اللي فوق فالمحل، ولقيته طالع ورايا، ومد أيده عليا، جريت و وسبت له الشغل و.
لم يدعها تضيف المزيد، فهو لا يرغب بسماع كلمات أخرى، يكفيه ما أبلغته إياه عن تركها للعمل، لينهال عليها بالسُباب والصفعات القاسية، فسقطت سهر أرضًا، حين دفعها ورفع عكازه علياً، ونال جسدها ضربًا به، وصاح بصوتٍ يزلزل أرجاء المنزل:
- سيبتي الشغل طب وهنصرف منين، ولا أنتِ ناوية تقعدي لي فالبيت ونشحت، أهو دا اللي ناقص نشحت، بسبب دلعك أه تلاقيكي أنتِ اللي ادلعتي فـ الشغل، علشان كدا مد أيده عليكِ، ما هو دا اللي أخدته من خلفتك، من يومك وأنتِ جايبة الخراب معاكِ، أنا مش عارف ليه الموت سابك أنتِ وأخد الغالية، ياريته كان أخدك أنتِ ياريت.
لم يهتم رشدي لحزنها بسبب كلماته، وإنما واصل ضرباته بعكازه مُبرحًا إياها ضربًا، فعلا صوت صراخها، ترجوه أن يرحمها، تردد صدى صرخات سهر، ووصل إلى سمع خميس، الذي انتفض من مكانه وترك محله، وأسرع إلى مسكنه، رأى خميس تجمع الجيران أمام باب مسكن سهر، وصوت صراخها وصوت سباب والدها يصم الأذان، تقدمهم خميس وصاح بالبعض ليساعدوه بتحطيم الباب، وبعد عدة محاولات نجحوا بتحطيمه، فاندفع خميس وانتشل سهر من أمام والدها، وحاوطها بذراعيه، وصرخ بوجه رشدي قائلًا:
- برودوا كدا يا رشدي، هو دا اللي الشيخ محمد قالك عليه، والله حرام عليك اللي بتعمله دا، كل يوم والتاني تضرب فـ بنتك بالشكل دا، يا أخي اتقي الله فيها وفـ نفسك.
كفكفت صفية دموعها، وجذبت سهر برفق من بين ذراعي زوجها، وربتت وجنتها بحنو، ومسحت دموع سهر وهي تقول:
- أنا هخدها معايا فوق يا حج، أهديها شوية وأشوف المفتري دا عمل فيها إيه، عيني عليها كل يوم بهدلة وقلة قيمة أدام الخلق، روح منك لله يا رشدي على اللي بتعمله فـ بنتك، هي مبتصعبش عليك، ولا أنت قلبك الحجر دا مبيحسش بوجيعتها.
اغضبته كلماته صفية، ونظراتها الغاضبة، فصاح بصوتٍ أعلى وهو يندفع نحوها:
- هاتي البت يا صفية، وملكيش صالح بيها، دي بنتي وأنا بربيها قليلة الرباية، ولا عايزني اسيبها لحد ما عيارها يفلت.
حال خميس بينه وبين سهر، وأشار لزوجته لتغادر بها، وشكر جيرانه على مساعدتهم وأعتذر إليهم، ووقف يتابع مغادرتهم وأوصد الباب خلفهم، بينما استندت سهر إلى صدر صفية وصعدت برفقتها إلى أعلى، تبكي كلمات والدها بحقها، يغمرها الحزن على ما تناله من ظلم وقسوة، وتساءلت لِما يكرها والدها إلى هذا الحد، ولِما لا يدع لها أي فرصة لتوضح له ما يريد، بدلًا من ضربه وأهانته لها يوميًا، انتبهت سهر لربتة صفية على وجنتها وهي تُجلسها فوق الأريكة، فحدقت بها سهر بقلب كسير تقول:
- هو ليه بيعمل فيا كده يا خالتي صفية، ليه مش بيسمعني وعلى طول يضربني ويهين فيا، قوليلي يا خالتي أنا عملت إيه علشان يكرهني للدرجة دي، كل دا علشان قولت له أني سيبت الشغل.
كفكفت صفية دموع سهر ومسحت فوق رأسها وأجابتها بصوتٍ مكلوم:
- هو مش بيكرهك يا بنتي، بس دا طبعه، للأسف رشدي طول عمره كده، قلبه جامد وميعرفش يعني أيه حنية، وأيده سابقة لسانه وعقله، وياما عمك خميس كلمه علشان يتغير بس لا حياة لمن تنادي، من يوم الحادثة وهو بقى كدا.
صمتت صفية لدقيقة ثم أردفت:
- بقولك إيه قومي اغسلي وشك، على ما أعملك كوباية ليمون تروقك، وبعدها فهميني سيبتي الشغل ليه؟
لم تستطع سهر الوقوف فلزمت مكانها، تخفي عن صفية ما تشعر به من ألم، وراقبتها تتجه إلى المطبخ، فخفضت رأسها تبكي مرة أخرى، وبعد مرور بضع دقائق انتبهت سهر إلى يد صفية تمتد إليها بكوب الليمون، فرفعت عينيها إليها وهمهمت بالشكر، لتُردف صفية بقولها:
- اشربي الليمون، علشان يهديكِ ويروق دمك.
زفرت سهر وأردفت توضح لصفية سبب تركها لعملها، ما أن سألتها مُجددًا، وختمت كلماتها قائلة:
- والله يا خالتي كان غصب عني، بس بعد اللي حصل نفسي صعبت عليا أني أفضل، فمشيت وروحت وأنا عارفة إن بابا مش هيعدي الموضوع، بس متخيلتش أني لما أقول له على اللي عمله فؤاد يقوم يتهمني أني كنت بدلع فالشغل، دا كان بيضربني زي ما أكون أنا المذنبة، بدل ما ياخدني فـ حضنه ويجيب لي حقي.
تملك الغضب من صفية، وانتفضت من مكانها وصرخت بجزع:
- يالهوى يا بنتى يعني يسيب اللي اتحرش بيكِ، ويضربك أنتِ، عيني عليكِ هتلاقيها منين ولا منين، مش كفايا شايلة الحِمل كله، بدل ما يحافظ عليكِ ويقعدك فالبيت وهو اللي يشيل المسئولية عنك، هقول إيه منه لله مافيش بقلبه رحمة.
لاحظت صفية انخراط سهر في البكاء، فزمت شفتيها ووقفت بجانبها وربتت ظهرها برفق وأضافت:
- أهدي وبطلي عياط واحمدي ربنا أنه سترك، بس تعرفي أنتِ كان المفروض تروحي تعملي فيه بلاغ، علشان يتربى الندل الخسيس دا، وأهي البنات كانت هتشهد معاكِ، يا بت دا أنتِ صاحبة الحق وصاحب الحق ميخافش، عمومًا الحمد لله أنها جت على قد كدا، أنتِ المفروض تصلي ركعتين شكر لله، أقولك قومي اتوضي وصلي، على ما عمك خميس يهدي والدك ويطلع، وأنا هقوم أخلص الأكل علشان نتغدى كلنا سوا.
أومأت سهر لإحساسها بالحاجة للشكوى إلى الله، وولجت المرحاض وحدقت بصورتها في المرآة، ومدت يدها وتحسست وجهها المكدوم، بعدما تركت أصابع والدها أثرها عليه، وحين همت بتحريك يدها الأخرى، أحست بألم مبرح بكتفها، فاستندت إلى الحائط، تكتم صوت أنينها، وتبكي ظلم والدها البين لها.
وبالخارج ولج محمود وهو يبحث بعينيه عن والدته، فلمح ظلها بالمطبخ، فتسلل خلفها واحتضنها بغتة، فانتفضت صفية وكادت تصرخ، والتفت لترى ابنها الذي سارع باعتذاره، فعاتبته بقولها:
- كدا يا محمود توقع قلبي، يا بني أنت مش هتبطل عمايلك دي، حرام عليك كنت هتجيب لي أزمة.
سارع محمود وقبل يدها واعتذر إليها، فنزعت يدها منه وسألته بعبوس مزيف:
- ألا أنت إيه اللي رجعك بدري، هو أنت مش قولت عندك شغل ومش هتيجي زي كل يوم.
مازحها محمود وهو يختطف يدها ويضعها فوق صدره، قائلًا:
- آه يا قلبي، بقى مش عيزاني أرجع بدري يا صفصف، أه تلاقيكِ ما صدقني خلصتي مني، عمومًا أنا رجعت علشان وحشتيني ومقدرتش أتحمل بعدك عني.
وكزته بيدها ولوحت بسبابتها أمام وجهه وأردفت:
- بطل بكش يا محمود وقولي إيه رجعك.
أجابها بجدية قائلًا:
- كل الحكاية أني خلصت مجموعة الملفات المطلوبة في الإدارة، واتفاجأت أنهم عاملين اجتماع لأعضاء مجلس إدارة الفندق، فاستأذنت لما عرفت أنهم مش محتاجين لي، وقلت اجيلك يا جميل، ها قوليلي بقى عاملة أكل أيه، أحسن ابنك واقع من الجوع.
أخبرته وهي تستدير عنه تتابع ما تفعله، فالتفت ووقف إلى جوارها وسألها بترقب:
- ملك يا أم محمود، شكلك متغير عن الصبح، قوليلي مين زعلك وخلاكِ تعيطي، أوعي يكون الحج خميس هو اللي زعلك و.
نفت صفية بهزة من رأسها، وأجابته بصوتٍ خافت:
- أنا زعلانة بس مش عليا، زعلانة على سهر اللي وجعت قلبي عليها، تصدق أحنا لسه مخلصينها من أيد أبوها، بعد ما ضربها وبهدلها وفرج عليها الشارع كله، وكل دا علشان سابت الشغل.
زفر محمود ساخطًا، وأشاح بوجهه بعيدًا يكبح لسانه عن السؤال عنها، فهو يتحاشى رؤيتها أو الأحتكاك بها منذ فترة، فابتعد خطوة عن والدته وقال متهكمًا ليخفي قلقه:
- موال عم رشدي وبنته بقى عادي يا ماما، والناس تلاقيها ملت وزهقت من اللي بيعمله، وبصراحة أنا مش عارف هي عملت إيه، علشان يضربها بالشكل دا كل يوم، دا تلاقي جسمها نحس من كتر الضرب، وبعدين هو أنتِ موطية صوتك ليه، إيه خايفة الصوت ينزل لتحت ولا...
رمقته بحيرة ، وقطبت وجهها أما لهجته الساخرة، وزفرت حين حدق إليها ورفع حاجبه، فعاتبته بقولها:
- وطي صوتك يا محمود، علشان سهر هنا، وبدل ما تتريق على بيحصل لها، روح شوف وشها عامل أزاي من ضرب رشدي فيها، تصدق أنا لو عليا أخدها منه، البت اتحملت اللي محدش يقدر يتحمله وساكته.
أخفى محمود تفاجئه عقب تصريح والدته، وخفق قلبه حين رأها تغادر المرحاض، فحدق بها وجال بعينيه فوق ملامحها التي افتقد رؤيتها لأيامٍ طوال، ولاحظ خسارتها لبعض الوزن، وتلك الدوائر التي ظهرت أسفل عينيها، زفر بقوة وعقله يفكر بعينيها الخضراء، التي زادتهم الدموع جمالًا وسحرًا، ليزدرد لعابه بقوة حين تجمدت عيناه فوق شفتيها المُرتعشة من أثر البكاء، فابتلع غصة وقفت بحلقه، أسفًا على قسوة والدها، لا يدر كيف طاوعه قلبه أن ظلمها وهي بتلك البراءة الواضحة للعيان، حاول محمود أن يغض الطرف عنها، مذكرًا نفسه بالعقبة التي تحول بينه وبينها، فزفر بقوة وأردف بفتور:
- حاولي تتجنبي والدك يا سهر، ومتعمليش الحاجات اللي بتضايقه، علشان مش كل شوية يضربك بالشكل دا.
ألمها قوله فخفضت عينيها أرضًا وأردفت بحزن:
- حاضر يا أبيه، هحاول أعمل زي ما حضرتك بتقول.
لم ينل قوله استحسان والدته، فأقتربت منه ووكزته سرًا، فالتفت إليها فرمقته بنظرات وعيد، فزم شفتيه وعاد ببصره إلى سهر فأدرك أن قوله الفاتر زاد من حزنها، فاقترب منها ببطء واعتذر بقوله:
- حقك عليا أنا مقصدتش بكلامي أنك بتعملي حاجة وحشة لا سمح الله، عمومًا أنا اللي أقصده أنك تحاولي تقللي من الكلام معاه، علشان ميمسكهاش عليكِ ويخدها عذر أنه يضربك بسببها.
أومأت له، وتراجعت للخلف لتفسح له الطريق، فارتطمت بالحائط وتغضن جبينها من شدة الألم، وكتمت تآوها ليلاحظها محمود فقطب جبهته وقال:
- أنتِ فيكِ حاجة، تحبى اوديكي المستوصف يكشفوا عليكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وأجابته:
- لا كتر خيرك يا أبيه أنا كويسة.
ازدرد لعابه أمام ضعفها الواضح، وتمنى لو بإمكانه الانفراد بها، ليضمها إليه ويخفف عنها ما تشعر به، فهز رأسه بقوة وأشاح بوجهه عنها وأردف:
- طيب أنا هروح اغير على ما ماما تحضر الغدا، وأنتِ روحي أقعدي وأرتاحي ومتشغليش دماغك بحاجة، كله بيروح وبيعدي.
بعد مرور ساعة، أجبرت سهر نفسها على تناول لقيمات قليلة، لإحساسها بالألم يشتد عليها، في حين كتم محمود ما انتابه من غضب، بعدما قصت عليه والدته ما حدث لسهر، ود لو يذهب إلى ذاك الرجل، وقتله لنظره ولمسه سهر، لينتبه من شروده على حركة سهر الحذرة، فترقبها بتركيز ولاحظ عدم تحريكها ليدها اليسرى، فسألها باهتمام:
- سهر أنتِ مبتحركيش أيدك الشمال ليه.
لم تستطع رفع وجهها والنظر إليه، وانهمرت دموعها بصمت، فتركت صفية مقعدها ووقفت جوارها وربتت كتفها، فغادرت صرخة تلقائية عن سهر، ما أن لمستها صفية، فانتفض محمود من مكانه وهتف بإصرار:
- قومي أوديكي المستوصف يكشفوا عليكِ.
أخبر سهر بقراره، ثم ولى وجهه باتجاه والدته وأردف:
- لو سمحتي يا ماما البسي علشان ننزل نوديها سوا.
بعد مُضي ساعتين، غادرت سهر العيادة الخارجية، مستندة إلى صفية، وكتفها معلق بحامل، وتبعهم محمود بتمهل، ما أن خطت سهر داخل المبنى السكني، حتى ارتجفت وصعدت ببطء يتملكها الخوف، ولكنها توقفت أمام باب شقتها وأردفت بحرج:
- كتر خيرك يا خالتي على اللي عملتوه معايا، بصراحة أنا مش عارفة لولاكِ ولولا أبيه كنت هعمل أيه فالوجع الجامد دا.
زجرها محمود بضيق:
- عارفة لو مبطلتيش الكلام دا، أنا هخلع لك كتفك التاني، واتفضلي اطلعي مع ماما، على ما أشوف بابا وعم رشدي وصلوا لأيه.
-------------
وبمنزل عمه، وقف فؤاد يستمع إلى توبيخ عمه صالح، بضجر ينتظر انتهاءه ليغادر، في حين ازداد اسف صالح أمام أفعال فؤاد المُخزية له وللعائلة، فتطلع إليه وهتف:
- يا ابني اتقي ربنا فبنات الناس، أنت مش صغير على أفعالك المُخزية دي، أنا بصراحة تعبت منك ومش عارف، أنت طالع لمين زرع شيطاني كده، أنت بتصرفاتك فضحتنا فكل مكان، وخليت سيرتنا على كل لسان، خصوصًا أنك معمرتش فـ ولا جوازة من جوزاتك السابقة، ومش عارف أعمل معاك إيه علشان تبطل عمايلك دي.
ازداد سقم فؤاد فهتف ساخطًا:
- لعلمك بسبب كلامك اللي بتقوله عمال على بطال أدام الكل، هي اتبلت عليا لما مسكتها بتسرق الفلوس.
زفر صالح وهز رأسه بيأس، لعلمه أن الحديث إلى فؤاد لن يُجد نفعًا معه، وازداد حنقه لأصراره على كذبه، فقال بوعيد وهو يلوح بسبابته أمامه:
- تصدق بالله يا فؤاد أنا اللي هروح أخد سهر للقسم، وأخليها تعملك محضر تحرش، علشان تتأدب وتعرف أن الله حق.
أثارت كلمات صالح غضب فؤاد، فحدق به بشر وصاح غاضبًا بوجهه:
- بقى عايز تنصف البت دي عليا، وتروح تعمل فيا أنا محضر يا عمي، طب وماله روح أعمل لي محضر، علشان ميطلعش عليها شمس، ولعلمك أنت لو جبت المحل كله يشهد معاك، أنا هجيب مليون واحد يشهد لصالحي، يقولوا أنها هي اللي بترمي نفسها عليا، وأنهم شافوها فالشقة بتاعتي كذا مرة، وأنها اتهمتني علشان كانت عايزة تاخد فلوس مني، وابقى وريني ساعتها هتلحق سمعتها أزاي، وخليها بقى تمشي عند فعند.
انتفض صالح من صدمته، وأحست أنه لا يستطيع التنفس بجوار فؤاد، يشعر بأن الهواء حوله لوث بقذارته، فبادله الصياح بعدما وقف فؤاد يتحداه مبتسمًا:
- لا دا أنت اتجننت رسمي، بقى عايز تسوء سمعة البنت الغلبانة، وماله يا فؤاد يبقى أنت اللي أخترت، ومن اللحظة لا أنت ابن أخويا ولا أعرفك، ورجلك متعتبش ولا محل من محلاتي، وتسلمني مفاتيح الشقة اللي بتجيب فيها البنات اللي ماشي معاهم، ومفاتيح العربية والفيزا وأبقى وريني هتصرف على نفسك منين.
تفجر غضب فؤاد، وكاد يبطش بعمه، ولكنه تماسك مُجبرًا، ووقف يتطلع إليه يود لو التفت أصابعه حول عنقه، نهره عقله وزجره على استسلامه لغضبه وحثه على الهدوء، ليُجلي أفكاره، يحذر نفسه من انقلاب الأمر ضده، وخسارته الفادحة أن نفذ عمه وعيده، فسب سرًا تراجعه وقال بصوتٍ لين:
- جرى إيه يا عمي، هو حضرتك بتتلكك لي علشان استسلمت لغضبي ، على فكرة أنا ابن أخوك اللي ماليش غيرك فالدنيا دي، واللي أنت عارف ومتأكد أني مش هعصاك ولا أرفض لك كلمة، وعلشان أثبت لك أني طوعك، شوف اللي يرضيك وأنا أعمله.
لم يدر صالح لِما لم يشعر بالأرتياح لكلمات فؤاد، وثارت ريبته وحفيظته، فسأله بشك وهو يرمقه بتمعن:
- بقى عايز تعمل اللي يرضيني.
أجابه فؤاد بمكر بمحاولة منه لأستمالته:
- أه طبعا يا عمي، يا حبيبي أنا ماليش غير رضاك عليا.
مط صالح شفتيه وهو يتجه إلى الأريكة ليجلس ونظر مطولًا إلى فؤاد وأردف:
- حيث كده يبقى تيجي معايا، ونروح لسهر بيتها وتعتذر لها وتراضيها.
اخفى فؤاد ابتسامته بمهارة، ولمعت عيناه خُبثًا وقال:
- أنا موافق يا عمي، وهروح معاك لبيتها وهعتذر منها، ومش كده وبس لأ ده أنا هراضيها باللي تطلبه كمان، المهم أنك تكون راضي عني يا عمي.
------------------
وبمنزل رشدي انهى خميس حديثه إليه، بما يُرضي ضميره، وهو يهز رأسه بأسف لعناد رشدي وقسوته الواضحة، وبجواره جلس محمود يلتزم الصمت أحترامًا لوالده، رُغم رغبته بتعنيف رشدي على أفعاله، لينتبه لصوت والده يقول بنفاذ صبر:
- يا رشدي أنت لازم تهدى على سهر، على فكرة بنتك معدتش صغيرة، دي كبرت وميصحش كل يوم والتاني الناس تدهش بيتك، الناس اللي خلاص بقوا عارفين أنها بتضرب وبتتهان، افرض بقى حد لعب فى دماغها يبقى أيه الحل ساعتها، ولعلمك هتبقى أنت السبب في ضياعها، يا عم سيبك من كل دا، أفرض اتقدم لسهر عريس، مش واجب عليك تعززها وتغليها بدل ما أنت مخليها مطمع للي يسوى واللي ميسواش، أعقل بقى يا رشدي وكفايا أفترى على بنتك، هي خلاص بقى عندها 17 سنة، وعيب فحقك اللي بيحصل كل يوم فالبيت منك.
أشاح رشدي بوجهه عنه، وزفر باستنكار وعقب بحسرة:
- مش بأيدي يا خميس، صدقني أنا حاولت بس معرفتش، مش قادر أتعامل معاها، ولا حتى أشوف وشها، علشان لما بشوفها، بشوف الغالية أدامي، دمي ساعتها بيفور، وغصب عني بتفكر أني اتحرمت منها بسببها، ومش عارف أغفر لها، أنها السبب فـ موت أمها.
استمع محمود لأعتراف رشدي، وثار غاضبه فهو يظلمها ويجور عليها، بدلًا من الحفاظ عليها ومراعاتها، فهي كالجوهرة النادرة التي عليه أن يحميها بحياته، لا أن يدفعها بعيدًا عنه، كاد محمود يعتذر ويغادر بعدما أحس بالسقم، ليسمع صوت والده يقول مستغفرًا:
- يا رشدي استغفر ربنا، بنتك ملهاش ذنب بوفاة والدتها، دي أعمار كتبها ربنا عز وجل، وأنت عارف أن والدتها الله يرحمها كانت صاحبة مرض و.
أوقف خميس حديثه حين استمع إلى صوت طرقات، وهم بالوقوف، فوقف محمود وأشار إليه بالبقاء وأردف:
- خليك مرتاح، أنا هشوف مين اللي على الباب.
فتح محمود فطالعه رجل يكاد يماثل والده في العمر، ويجاوره آخر يبدو في أواخر الثلاثينات، ولم يدر لِما شعر بالنفور منه، فأشاح ببصره عنه وأولى للآخر اهتمامه، فبادره بقوله:
- أنا الأستاذ صالح محفوظ، صاحب المحل اللي سهر شغالة فيه، ودا ابن أخويا فؤاد و.
بتر صالح كلماته، فقد هاجم محمود فؤاد، مُسددًا له لكمة جعلته يتراجع عدة خطوات إلى الخلف، ولم يتوقف محمود عند هذا الحد، بل واصل هجومه وأعاد لكمة، وسارع صالح للفصل بينهما، في حين استسلم فؤاد وخفض بصره أرضًا، يخفي ابتسامته الغامضة، مُرددًا في نفسه:
- وماله أضرب المهم في النهاية أوصل لها.
وقبل أن يُعيد محمود لكم فؤاد للمرة الخامسة، منعه صوت والده الحانق وهو يهتف:
- محمود أيه اللي بتعمله دا، هو من أمته بنضرب اللي بيجي بيوتنا، أيه يا ابني هتنسى الأصول على أخر الزمن ولا أيه.
زفر محمود بغضب، والتفت إلى والده وقال:
- يا بابا سيبني عليه، دا الندل اللي اتحرش بسهر، له عين البجح يجي لحد هنا برجله كمان.
طلب رشدي من خميس المساعدة، وسانده حتى توقفا أمام صالح، ليقول بحدة:
- ممكن أعرف أنت جاي ليه، على فكرة أنا مش هسيب حق بنتي و.
قاطعه صالح عن أتمام كلمات وعيده وأردف مُسرعًا:
- يا جماعة استهدوا بالله، فؤاد ابن أخويا جاي لحد عندكم، يعتذر عن اللي عمله، ويراضيكم باللي تطلبوه، فـ لو ينفع تعتبرونا ضيوف ولا...
استشعر خميس الحرج لقول صالح، فالتفت إلى رشدي وربت كتفه، ورمق ابنه مُحذرًا أياه وأجاب:
- مافيش ولا، اتفضلو البيت بيتكم أكيد ولا أيه يا رشدي.
أومأ رشدي واستند إلى محمود وعاد إلى مقعده، واتخذ كل منهم مقعده، فأسرع فؤاد مستغلًا الفرصة وقال:
- أنا جاي اعتذر وياريت يا عمي تقبل اعتذاري عن اللي حصل، صدقني دا كان غصب عني، وعمومًا أنا أقسم لك بالله أني مش هتعرض لسهر مرة تانية، المهم أن حضرتك تقبل أسفي، وأحقاقً للحق، أنا مستعد لأي ترضية حضرتك تطلبها.
رمقه محمود بكراهية، وأدرك غرضه الواضح بعينيه، فقطب وجهه وأجابه:
- وأحنا مش عايزين لا ترضية ولا حتى أسفك، أساسًا أنت المفروض تتجلد بميدان عام على اللي عملته، وبعدها تتسلم للقسم علشان تاخد جزائك.
ايقن صالح أن عليه التدخل، حتى يُنهي الموقف، قبل أن تحتدم الأمور بين محمود وفؤاد مرة أخرى، فأردف بصوتٍ هادئ:
- يا ابني أنا عارف أن فؤاد غلطان، وهو عارف كدا وحس بغلطه، وجه بنفسه لحد عندكم، فـ المسامح كريم.
بدل صالح بصره لينظر باتجاه رشدي وخصه بحديثه قائلًا:
- ما تقول حاجة يا أستاذ رشدي، ولا ابنك قال اللي عندك.
أجابه رشدي موضحًا:
- أنا للاسف معنديش ولاد، ومحمود ابن صاحب عمري خميس، وزي ابني بالظبط، ولو بيتكلم فهو بيتكلم علشان خايف على سهر و..
اغتنم فؤاد الفرصة لصالحه وأردف:
- وأنا كمان يا عمي من اللحظة أعتبرني ابنك، وتحت أمرك فأي حاجة، وعلشان أبين حُسن نيتي خلي سهر من بكرة ترجع شغلها تاني، وأنا بوعدك أني هروح المحل التاني علشان متبقاش قلقانة من وجودي في المحل معاها، أنا أساسًا ميرضنيش قطع عيشها.
هب محمود عن مقعده، بعدما تأكد أن كلمات فؤاد سهمًا أصابت هدفها، فهو يعلم طبيعة رشدي وأدرك أنه حتمًا سيوافق فؤاد على قوله، فهتف دون تفكير:
- مش هينفع يا أستاذ فؤاد، سهر خلاص هتشتغل فمكان تاني، مكان محترم كرامتها فيه هتبقى متصانة.
حدقت به العيون، في حين بادره رشدي يسأله بلهفة:
- بجد يا محمود سهر قالت لك كدا.
زفر محمود وأوضح بتردد:
- لأ يا عمي سهر للحق مقالتش حاجة، دا أنا اللي بقول، علشان هتشتغل معايا في الفندق اللي أنا شغال فيه، وهتبقى تحت حمايتي، وزي ما حضرتك عارف سمعة الفندق عاملة أزاي، دا سبع نجوم يا عمي، والأهم طبعا أنها لا هتلاقي تحرش ولا قلة أدب.
رمق محمود فؤاد بتحدي، في حين ازداد إعجاب صالح بمحمود، لخوفه على سهر وردة فعله، وأحس بالأسف على حاله يزداد، لأبتلاءه بابن شقيق فاسد كفؤاد، فوقف وأومأ قائلًا:
- طالما كدا يبقى أحنا هنستأذن، بس قبل ما أمشي لو ينفع أشوف سهر، يعني كنت حابب أعتذر لها بنفسي.
أجابه رشدي بترقب:
- هي فوق عند الست أم محمود، ثواني هبلغلها يا أستاذ صالح أن حضرتك عايزها.
هز صالح رأسه بالنفي، وأخرج صالح مظروفًا من جيبه، ومد يده إلى رشدي وأردف:
- متتعبش نفسك يا أستاذ رشدي، عمومًا سهر مشيت قبل ما تاخد مستحقاتها، ودي مكافأة بسيطة عن شغلها الفترة اللي فاتت، على الرغم من زعلي أني خسرت بنت بأخلاقها وأدبها، لكن شغلها فمكان أفضل أكيد يرضيني.
مد رشدي وأخذ المظروف على مضض من يد صالح وألقاه جانبه وقال:
- معلش سامحني مش بقدر أقف كتير، علشان رجلي زي ما أنت شايف.
صافحه صالح وغادر يتبعه فؤاد شارد العقل، يُفكر بأن عليه العودة مرة أخرى إلى هنا، خاصة بعدما لاحظ الأرجيلة الخاصة برشدي، وابتسم لنفسه لعثوره على الثغرة التي ستدخله إلى منزل سهر دون أي عناء.
----------------
