رواية نفوس قاسية الفصل الثاني 2 بقلم مني احمد حافظ
الثانية. لماذا أنا.
---------------------
تفجر غضب محمود لموقف رشدي، ونظرات فؤاد الخبيثة ولم يتحمل البقاء بجوار هذا المستفز فغادر سريعًا، وصعد لأعلى وولج مسكنه بوجهٍ مُكفهر ليتوقف فجأة لرؤيته سهر وقد غرقت بالنوم بمكانها، فبحث بعينيه عن والدته وهو يقترب منها بخطواتٍ حذره، ووقف بجوارها يتأمل ملامحها وتسللت يده دون وعيٍ منه تتلمس شعرها الذي جمعته بإهمال بجديلة، وطاف بعينيه فوق ملامحها الرقيقة مُحدقًا برموشها الكثيفة، ليجفل حين رأى أثر دموع تتلألأ بينها حينها هاجمته الرغبة بالانحناء نحوها ليكفكف عنها دموعها بشفتيه، وكاد يفعلها ولكنه تراجع زاجرًا نفسه على سوء تصرفه وأفكاره، وولاها ظهره بعدما أثقلته رغبته واندفاع مشاعره بالحزن، وزفر بقوة مُتمنيًا لو يصيح بصوتٍ عال ويخبر الجميع بمشاعره نحوها ورغبته الزواج منها، ولكنه على يقين برفضهم له متعللين بفارق العمر بينهما، ولكونها تناديه حتى الآن "بابيه".
ازدادت عصبيته فصاح غاضبًا من نفسه مُتناسيًا نوم سهر ونادي والدته بصوتٍ عال، فانتفضت سهر وهبت عن مقعدها فباغتها دوار أثر وقوفها المفاجئ، ليراها تترنح أمامه توشك أن تسقط، فصاحت والدته تقول بخوف:
- ألحقها يا محمود.
أسرع محمود وضمها بين ذراعيه بأنفاسٍ مُتسارعة وخفق قلبه بقوة لاحتوائه إياها وقربها منه، وإحساسه بجسدها الغض ملتصقًا بجسده استنفر مشاعره تجاهها، فشدد من احتضانه لها يتمنى لو تخبرها نبضات قلبه بعشقه لها، لم يتوقف الأمر بمحمود عند هذا الحد فانحنى وحملها رُغم اعتراضها ومددها فوق الأريكة وابتعد مُزدردًا لعابه، حينها انتبه إلى حاله فاستدار مبتعدًا ما أن لاحظ اقتراب والدته منها، التي صاحت توبخها بقولها:
- شوفتي آخر أكلك الضعيف وصلك لإيه مبقاش فيكِ حيل، أقولك أنا هروح أعملك حاجة تسند قلبك وتقويكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وبداخلها اندلعت نيران النفور والغضب، لفرض محمود نفسه عليها وحمله إياها واحتضانه لها مُهملًا دفعتها الضعيفة له ليبتعد عنها، وتمنت لو تختفي من أمام بصره وكادت تقف مرة أخرى ألا أنها صاحت ما أن لمحت تحرك صفية وقالت بتخوف:
- خالتي صفية بالله عليكِ أنا مش عايزة أي حاجة، أساسًا أنا ماليش نفس وكمان أنا هنزل ليكون بابا محتاج لحاجة أعملها له، خصوصًا أن أنا قعدت هنا وقت طويل.
تغافل محمود عن اضطرابها وجلس إلى جوارها وأردف:
- استني يا سهر لو سمحتِ أنا كنت عايز أقولك على حاجة، اللي اسمه فؤاد جه هو وعمه واعتذروا لوالدك عن اللي عمله وكان عايزك ترجعي الشغل تاني.
شحب وجهها والتفتت تحدق به بذعر وقالت:
- يا خبر دا كدا بابا هيغصبني أرجع اشتغل عنده تاني.
التقط محمود يدها بين كفيه وربتها وهو يبتسم إليها ليقول مطمأنًا إياها:
- متخافيش يا سهر أنا أصلًا رفضت عرضه، لأني بصراحة مستريحتش له، وقلت لعمي رشدي أنك هتشتغلي فالفندق اللي أنا بشتغل فيه وبالشكل دا هتبقي تحت عيني وهتبقي بأمان معايا.
هتفت صفية بفرح تسأله:
- بجد يا محمود تصدق أنك فرحتني، أيوة هو دا الكلام المظبوط وبالشكل دا أنا هبقى مطمنة عليها، ما هي هتبقى مع أخوها اللي هيحميها ويحافظ عليها، بدل بهدلة الشغل فالمحلات دي.
بهتت ملامحه فوالدته وضعته بمكانٍ لم يعد يرغب به بعد الآن معها، هو يُريد أن يكون الأقرب إلى قلبها حبيبًا وليس شقيقًا أبدًا، فزفر بحنق وعينيه تلوم والدته، في حين ارتسمت ملامح الخيبة على وجه سهر فحتمًا تلك الوظيفة لن تكون لها فأخبرته بحرج:
- بس يا ابيه أنا يعني يادوب معايا دبلوم تجارة، ومأظنش أن الدبلوم شهادة تشغلني ففندق كبير زي اللي حضرتك شغال فيه.
أسرعت صفية وعقبت على قولها بسخط:
- تشتغلي أي حاجة يا سهر طالما هتبقي مع محمود أخوكِ.
احتقن وجهه غيظًا فوالدته تصر للمرة الثانية على وضعه بقالب الشقيق، فرفع حاجبه وقال بخشونة:
- بكرة لما أروح الشغل هشوف أيه الوظيفة المتاحة اللي ممكن تشتغلي فيها، ودلوقتي أنا ليا طلب صغير على الأقل طول ما أحنا فالفندق بلاش تنادي لي ابيه.
احمر وجهها وارتبكت أمامه والتفتت تحدق بصفية تناشدها العون، لتعود بعينيها إليه وسألته بحرج:
- بس ميصحش يا ابيه أنادي على حضرتك بحاجة تانية.
زم شفتيه رافضًا الكلمة فأردف بأصرار:
- نادي عليا باسمي يا سهر قولي محمود من غير ابيه تمام.
فركت كفيها وعقبت على قوله:
- مش هعرف يا ابيه أزاي وحضرتك ليك مقامك وأحترامك لإنك أكبر مني فالسن و.
زفر محمود بعصبية من نفسه قبل سهر وقال:
- لو مصرة يبقى فالشغل ناديني أستاذ محمود، تمام كدا يا أنسة سهر.
أجابته والدته عنها وقالت:
- بقول أيه سيبكم من ابيه والكلام دا أنا هروح أعملكم عصير، وأنتِ يا سهر أياكِ تقولي أنا نازلة أنتِ حرة لو قولتي أنا هخلي محمود يزعل منك ولعلمك دا زعله وحش ومش بيتراضى بسرعة.
هزت سهر رأسها بالنفي وهي تنظر إليه مبتسمة وقالت:
- أنا مقدرش أزعل ابيه محمود يا خالتي دا مقامه عندي كبير، دا كفايا أني بعتبره أخويا اللي أتحرمت من أن يكون لي دا غير أني مقدرش على زعلك يا جميل.
تلاشت ابتسامتها حين تجهم وجه محمود، فازدردت لعابها وأضافت باضطراب:
- خالتي تحبي أجي أساعدك.
رفضت صفية مساعدة سهر لها، وتابعها محمود بنظراته حتى اختفت داخل المطبخ، حينها رمق سهر بضيق وهتف يخبرها بصوتٍ مستنكر:
- بصي بقي من الأخر أنا لا أخوكِ ولا ابيه ولو على الشغل ناديني أستاذ محمود، وبيني وبينك بعد كدا إياكِ أسمعك تقولي ابيه ولا أخويا دي تاني، فاهمة يا سهر.
انعقد لسانها أمام حدته ولم تدر بما تُجيبه، ليُفاجئها بأصابعه تُعيد خُصْلَة شعرها خلف أذنها، فازدردت لعابها وارتجفت أثر لمسته، فحدقت به بدهشة مُبعدة وجهها عنه بعدما رأت أن عليها تغيير مجرى الحديث، فسألته دون النظر إليه:
- هو بابا بقى هادي يا ابيه؟
هب محمود واقفًا وحدق بها بغيظ، ولم تستطع سهر النظر إليه، ليزفر بقوة ويقول:
- مصممة يعني تقولي ابيه طيب خلاص أنا لا هشوف شغل ولا حاجة، وخلي فؤاد يبقى صاحب الشغل بتاعك.
انتفضت خوفًا ووقفت هي الأخرى وتشبثت بساعده ترجوه بعينيها قائلة:
- لا وحياة خالتي صفية عندك يا ابيه أبوس أيديك بلاش تقول كدا، أنت أصلك متعرفش فؤاد دا كان بيعمل أيه وبيضايقني أزاي، ولا هتقدر تتخيل اللي حصل منه وجعني وجرحني أزاي، أرجوك بلاش ترميني له وحياة أغلى حاجة عندك.
تابعت تحديقها به وأصابعها تضغط فوق ساعده، فلام محمود نفسه لاستغلاله سهر ووغزه ضميره، فربت يدها واحتوى كفها ونظر إلى عمق عيناها الخضراء وأردف:
- متخافيش يا سهر أنا مش هرجع فكلمتي معاكِ بس بلاش دموعك دي ممكن.
ومَدّ يده ومسح عن وجهها دموعها، فارتجفت سهر للمرة الثانية بسبب لمسته، وارتبكت بشدة حينما لامس محمود شفتيها بأصبعه، وتركها محمود فجأة وابتعد عنها وقال وهو يتجه إلى الخارج:
- ابقي قولي لماما أني نزلت.
وأغلق الباب خلفه وجلست سهر ورفعت يدها ومسحت أثر لمساته، وبداخلها ازداد تخوفها فهي تشعر بأنها على وشك مواجهة أمر ما.
وبعد مُضي ساعة أخرى غادرت سهر بعد أصرار صفية على بقائها برفقتها لوقتٍ أطول، وولجت إلى داخل مسكنها بحذر تسللت لغرفتها بعدما اطمأنت لنوم والدها، وأوصدت بابها واستسلمت للبكاء وبين يديها صورة والدتها..
لم تدر متى غفت واعتدلت بانزعاج حين ناداها والدها بصوتٍ مرتفع، وتجهم وجهها لحدته وعصبيته الواضحة، تركت فراشها واستجابت لندائه خوفًا من أن ينالها عقابه كالأمس، واسرعت بمغادرة غرفتها تضبط وضع ذراعها بالحمالة الطبية، ولكنها تجمدت بمكانها لرؤيتها فؤاد يجلس بجوار والدها مبتسمًا لها وأمام صدمتها، اراح فؤاد جسده إلى المقعد وبدا وكأنه يخبرها بأن منزلها أصبح له، وباتت نظراته لها تتبدل إلى الجرأة وهو يلتهمها بعينيه، فتسارعت أنفاسها وثار بغضها له وهمت بالفرار من أمامه إلا أن صوت والده منعها بقوله:
- حضري لنا فطار حلو يا سهر علشان أفطر أنا وفؤاد، هو خلاص من هنا ورايح بقى زي أخوكِ، يالا يا سهر اتحركِ مالك واقفة عندك متنحة كدا ليه، وبعدين تعالي هنا وقوليلي أنتِ رابطة دراعك كدا ليه.
خفضت سهر عينيها أرضًا وأجابته بحزن:
- أصل كتفي اتخلع امبارح لما يعني حضرتك...
هز رشدى رأسه بتفهم ورفع حاجبه مُحذرًا أياها من قول المزيد، وأردف يقول:
- طيب يالا روحي اعملي اللي قولت لك عليه، ومتتأخريش وعلى فكرة هتلاقي حاجات كتير فالمطبخ فؤاد جايبها معاه، يالا يا بت اتحركِ.
هرولت من أمامهم إلى المطبخ، ووقفت تحدق بمحتوياته بإشمئزاز، تتساءل عن سر مجئيه لمنزلها والأكثر كيف استطاع أن يقنع والدها بتقبله بتلك السرعة، حينها ارتجفت ما أن توالت عليها بعض الصور المُخيفة وأنتابها خوف مما هو أت.
جعدت سهر ملامحها بنفور ما أن أحست بفؤاد يستند إلى باب المطبخ، يتابعها بنظراته البغيضة وزفرت ساخطة ما أن قال:
- عجبك ضرب والدك وبهدلته ليكِ كل يوم والتاني كدا، ما قولت لك خليكِ معايا وأنا هعوضك عن كل اللي شوفتيه، وهعيشك أحلى عيشة بدل الجُحر اللي أنتِ قاعدة فيه دا.
رافق قوله باقترابه منها وبتلقائية تراجعت سهر للخلف هربًا منه ولم تنتبه للموقد المشتعل، والتصقت به لتصفعها حرارة النار حين مالت للخلف، ما أن مال فؤاد نحوها يخبرها:
- فكري يا سهر فكلامي، وعمومًا لو أنتِ عايزة أخليه جواز فأنا معنديش مانع نخليه جواز، أهو مش هيخسر أي حاجة.
شهقت لحديثه وكتمت تألمها بعدما ألهبت النار ظهرها، لينتبه فؤاد لفعلتها حين التصقت أكثر بالموقد وابعدها عنوة عنه قائلًا بصوت مقزز:
- مش تخلي بالك لتحرقي نفسك وتشوهي جسمك اللي مالوش مثيل دا.
دفعته عنها تخبره باشمئزاز وقد تغضنت جبهتها ألمًا:
- ياريتني اتحرق علشان تبعد عني وأخلص منك.
القت كلماتها بوجهه وهمت بالصراخ، فسارع فؤاد بالأبتعاد عنها وهو يُردف:
- بقولك إيه أهدي شوية واسمعيني كويس ودا لمصلحتك، أنتِ لو فاكرة أنك لما تولعي فنفسك أن أنا هبعد عنك تبقي بتحلمي، علشان أنا مش هسيبك مهما عملتي فنفسك وعلشان تعرفي أني عايزك هعديلك اللي حصل منك بمزاجي، دا غير أني قدمت لك السبت وثبت حُسن نيتي بكلامي مع والدك، لعلمك أنا نبهت عليه أنه معدش يمد أيده عليكِ تاني، واخدت منه وعد أنه مش هيهينك تاني ولا حتى يزعق لك، ولو على الشغل فمتشليش همه أبدًا أنا رقبتي سدادة، المهم أنك ترضي عني والأهم أنك تعرفي أن أنا معنديش أكتر من طولة البال والصبر، وأنا قررت أصبر عليكِ لحد ما تجيلي بنفسك راكعة.
انهى قوله وعاد ليجلس برفقة رشدي الذي ربت كتفه ، فابتسم فؤاد وأردف:
- بنتك ست بيت درجة أولى المهم أحنا على اتفقنا خلاص، معدتش تمد أيدك عليها تاني يا رشدي اتفقنا.
سحب رشدي نفسًا من سيجارته التي أهداه فؤاد أياها، وزفره بقوة وأجابه:
- علشان خاطرك أنت يا فؤاد أنا هسامحها وهعدي لها أي حاجة، بس المهم أنت متحرمنيش من قعدة المزاج العالي دي، تصدق دي أول مرة بيجي من ورا سهر فايدة، ياريتها كانت عرفتني بيك من زمان يا فؤش.
بعدما انهت ما عليها عادت إلى غرفتها واحكمت غلق بابها عليها خوفًا من اقتحام فؤاد لغرفتها فجأة، والتقطت هاتفها تحدق برقم محمود تتساءل أتخبره بما حدث أم لا، زفرت بألم وهي تُفكر بلمساته هو الآخر التي أختلسها منها، وهزت رأسها بالرفض واعادت هاتفها إلى جيب ثوبها، ولكن ما أن أرتفع صوت ضحكات فؤاد المستفزة أدركت أن لا سبيل أمامها غيره، فسارعت وأجرت اتصالها به وانتظرت أجابته عليها، بينما كان محمود يتابع تسجيل البيانات الحسابية على حاسوبه بمكتبه في الفندق يُمعن النظر إلى ما يدونه، ولوهلة شتت انتباهه رنين هاتفه فزفر بحنق وأهمل النظر إليه، وحين عاد للرنين من جديد ترك ما بيده وهو يزفر بسخط والتقط هاتفه ليخفق قلبه بقوة لرؤيته اسم سهر، فسارع بإجابتها قائلًا:
- السلام عليكم طمنيني عاملة أيه دلوقتي يا سهر.
أجابته بنحيبها وبصوتٍ متهدج مذعور:
- ألحقني يا ابيه محمود فؤاد جه البيت وشكله اتصاحب على بابا، ودلوقتي قاعد معاه ولا كأن البيت بيته أنا مرعوبة يا ابيه دا دا...
لعن محمود جشع رشدي الذي جعله يضع ابنته بمواجهة مستحيلة مع فؤاد، وأحس بغضبه يتصاعد كونه فتح منزله لرجل مثله، مغمضًا عينيه عن افعاله وأخلاقه السيئة، ولكنه تدارك أمره لبكاء سهر، وما أن بترت حديثها حتى سألها بحدة:
- هو اللي اسمع فؤاد دا عمل حاجة تانية معاكِ، انطقي مد ايده عليكِ تاني.
وترها صياحه بها فأجابته بالنفي قائلة:
- لا ممدش إيده، بس دا طلع عايز يتجوزني وأنا خايفة ليقول لبابا، ووقتها مش عارفة هعمل إيه، بالله عليك يا ابيه قولي أتصرف أزاي.
لم يصدق محمود أذناه فازداد غضبه وهتف بحدة:
- أنتِ اتجننتي يا سهر مين دا اللي يتجوزك، فؤاد دا لو كان متجوز من زمان كان زمانه عنده قدك، بقلك اطلعي اقعدي مع أمي أنا هتصل بيها تنادي عليكِ علشان ابوكِ ميقولش حاجة تضايقك ومتنزليش طول ما الزفت دا تحت فاهمة يا سهر.
اغمضت عينيها بحزن وأجابته برجاء:
- حاضر بس بسرعة بالله عليك يا ابيه.
استشاط غضبًا لأصرارها على منادته بذاك اللقب فنهرها بقسوة قائلًا:
- متقوليش زفت ابيه دي تاني متعصبنيش زيادة يلا سلام علشان اتصل بأمي وأياكِ تنزلي إلا لما اجي فاهمة سلام.
و ماهي إلا لحظات وصدح صوت صفية ينادي عليها فسمعت والدها يقول:
- يا سهر اطلعي شوفي أم محمود عيزاكِ ليه.
تركت سهر غرفتها بقلبٍ يرجف لتصطدم عينيها بعينا فؤاد وحين غمز إليها خفضت رأسها سريعًا لتتهرب من النظر إليه ولم تلحظ وقوفه إلا حين أعترض طريقها وأخبرها بصوتٍ خافت:
- متغبيش فوق علشان أنا عايز اقعد معاكِ شوية.
هلعت سهر بسبب قربه منها وهرولت إلى الخارج وصعدت إلى أعلي وقلبها ينبض بقوة وولجت بلهفة إلى داخل شقة صفية وملامحها تنطق بالرعب لتتلاقاها ذراعي صفية وتشدد من احتضانها لها وما أن تسلل الأمان إلى قلب سهر حتى أردفت بيأس:
- مش هيسبني فحالي يا خالتي فؤاد مش ناوي يسبني.
ربتت صفية على ظهر سهر وقالت بحزن:
- منه لله والدك فاتح بيته للي ميسواش يدهس فيه ويهتك سترك، أنا مش عارفة الراجل دا اتجنن على كبر كدا أزاي.
ابتعدت سهر عن حضن صفية وقالت:
- من اللي بيشربه يا خالتي وفؤاد ميل دماغ بابا بالحاجات اللي جايبها معاه، دا اصله مش سهل وقدر يعرف سكة بابا أزاي وأنا اللي هبقى الضحية يا خالتي، والله أموت نفسي اهون عليا من أنه يلمسني الراجل دا.
نظرت إليها صفية بخوف لتلطم صدرها وتقول:
- يالهوى يا سهر عاوزة تموتي نفسك أخس عليكِ يا بنتي دا أنتِ الحاجة المتبقية من ريحة الغالية والدتك تحرميني منك ومنها.
انهارت سهر بعدما تلاشى تماسكها الوهمي وهتفت بصوتٍ باكٍ:
- اومال يعني اسيبه يعمل ما بداله وبابا سايب له الحبل بالشكل دا ياريتني مت لما أمي ولدتني ومعشتش لدلوقتي أنا مشفتش يوم حلو ولا حتي لحظة كويسة مع بابا أنا أوقات كتير افتكرت أني مش بنته وأنه بينتقم فيا من حد بيكرهه.
بكت صفية على بكاء وحزن سهر وجلست بجانبها واحتضنتها وقالت:
- ربنا قادر وكبير ينتقم من اللي ظلمك واللي عاوز يظلمك ويكفيكى شر قساوة النفوس يا بنتي اهدي بقى وادخلي اتوضي وصلي الظهر وريحي فاوضة محمود دا هيتأخر النهاردة أنا عارفة انك بتحبي المكتبة اللي عنده ودا جايب من أسبوع شنطة كتب كبيرة يلا على ما اصلي أنا كمان.
اتمت سهر صلاتها فجلست على مقعد محمود بجانب النافذة وقد اخدت أحد الكتب الجديدة التي اشتراها لتندمج مع صفحات الكتاب ملقيه كل حزن خلف ظهرها لتعيش لحظاتها مع الكتاب.
وحين عاد محمود من عمله وجد الشقة يسودها الهدوء فظن سهر لم تستمع لحديثه وعصت أمره فاتجه إلى غرفته وولجها وهو يشتعل غضبًا واتخذ قراره بتوبيخ سهر لمغادرتها، ولكنه تجمد بمكانه حين تفاجىء بها تجلس بجانب نافذته تقرأ أحد كتبه وقد حررت شعرها من جديلته لينهمر على ظهرها فبدت كالملاك أمامه وازدرد محمود لعابه لأحساسه برغبة شديدة ليخلل خصلاتها بأصابعه، وازداد ارتباك محمود وعيناه تسبح فوق جسد سهر الذي نُحتت قسماته بكمال، ليتبدل حاله بثوان وازداد غضبًا باشتعال غيرته عليها حين ظن أن فؤاد رأها بتلك الهيئة المُهلكة.
لم تعي سهر مرور الوقت إلا حينما احست بظل يقف بجانبها فرفعت بصرها ظنًا منها أنها صفية لتتفاجىء بمحمود يقف وعلى وجهه أمارات الغضب فغام وجهها حزنًا وترقبته نظراته الحادة إليها وتساءلت ماذا فعلت ليغضب منها كل هذا الغضب ليبادرها محمود قائلًا بصوتٍ حاد مستنكرًا هيئتها صافعًا إياها بكلماته:
- ما طول ما أنتِ فاردة شعرك بالمنظر دا ولابسه الهدوم الضيقة اللي مبينة جسمك بالشكل دا هيفضل فؤاد يبص لك بصات مش كويسة ويطمع فيكِ يا هانم.
حدقت به بعيون مُنكسرة لكلماته المحجفة بحقها وازداد إحساسها بالألم لظلمه إياها فأجابته بصوتٍ مهتز:
- أنا عمري ما حاولت الفت نظر حد ليا يا ابيه وبعدين ما دا لبسي من زمان وحضرتك عمرك ما اتكلمت عليه وبعدين شعري أنا يعني فردته بعد ما صليت وكنت هلمه قبل ما أنزل.
قبض محمود على أصابعه بشده وصاح من بين اسنانه بعصبية:
- الأول حاجة ودلوقتي حاجة أنتِ مش شايفة نفسك بقيتي أزاي أنتِ معدتيش عيلة صغيرة بقيتي انسة وبعدين مش قلت لك بلاش ابيه دي.
أحست سهر بالحيرة مما يحدث فهي لم تعد تفهم شيء، ليشعر محمود بحيرتها وأحس بأن أمر غيرته كُشف إليها فاستدار عنها وقال:
- اطلعي برا يا سهر لو سمحتي.
ألمها طرده لها وأحست سهر وكأنما القى محمود عليها دلو ماءٍ مُثلج فتركت الكتاب يسقط من بين أصابعها وفرت من أمامه بعيون تحرقها الدموع.
انحنى محمود والتقط الكتاب ووضعه فوق المقعد وجلس على طرف فراشه مُعاتبًا نفسه بصوتٍ خافت:
- أيه يا محمود مالك أنت عمرك ما كنت كده وبعدين طالما حاسس بالغيرة عليها ما تتكلم وتقول وتعرفها وتعرف الكل يا أما تسكت، إنما تبقى بالحال دا مينفعش وبعدين أنا خايف عليك أحسن حبك ليها وغيرتك عليها يعموك، ولا أنت مش شايف نفسك ومشاعرك وتفكيرك بيها عاملين أزاي، يا محمود أنت عمرك ما بصيت على أي بنت، وسهر طول عمرك بتعاملها على أنها أختك الصغيرة ولا أنت ناسي أن الفرق بينك وبينها ١٤ سنة وعارف أن دي العقبة اللي الكل هيعلق عليها ويرفض بسببها ارتباطك بيها، بقولك إيه أنت لازم تحاول تبعد.
انتفض قلبه بخوف وهز رأسه بالنفي وصاح هامسٍا:
- لأ أنا مقدرش أبعد عن سهر مقدرش لإني بعشقها وبتمناها تكون ليا، أنا أنا بقيت بحلم بيها ليل نهار وقلبي قايد نار من فؤاد وحاسس أني عاوز أقتله أنه لمسها، طب وبعدين يا محمود ما تعقل شوية، أنا خلاص معدش فيا عقل سهر خدت عقلي وقلبي وكل حياتي أنا حاسس أني رجعت مراهق لما بشوفها.
أنهى محمود حواره مع نفسه وغادر غرفته وبحث عنها وحين أدرك عدم وجودها اتجه صوب والدته في المطبخ وقال:
- أيه يا ست الكل هو كل ما أدور عليكِ الاقيكي فالمطبخ الكلام دا مينفعش لازم تريحي، أنا خايف عليكِ من المجهود ومن الوقفة دي، بعدين مش قلت لك أجيب أي حاجة وريحي أنتِ.
أجابته والدته وقالت:
- ربنا يبارك لي فيك يا ابني، أنت عارف أنا بحب اعمل كل حاجة بنفسي، هو أنا ليا غيرك أنت وأبوك ربنا ميحرمنيش منكم أبدًا.
ابتسم محمود لوالدته وانحنى وقبل يدها ثم سألها:
- هي سهر راحت فين.
أجابته والدته:
- نزلت يا ابني من ساعة ما خرجت من عندك، أنا قلقانة على البت دي يا محمود تخيل قال بتقولي أموت نفسي ولا يلمسني فؤاد، شوفت أبوها وصلها لأيه.
حدق محمود بقلق في وجه والدته ليقول:
- قالت عاوزة تعمل أيه تنتحر دي اتجننت ولا أيه وبعدين أنا قلت لها متنزلش إلا لما اطمن إن الراجل دا يكون مشى يبقى تنزل أزاي وهو لسه تحت، أنا مش عارف هي ليه مصممة ترمي نفسها فالنار بايديها اوف معلش يا ماما لو سمحتي نادي عليها أنتِ وخليها تطلع بدل الراجل دا ما يستغل حالة عمي رشدي ويطاول عليها تاني، ولما تطلع دخليها فاوضة الجلوس تقعد براحتها وأنا هدخل اوضتي أنام شوية لأني نازل الشغل تاني على الساعة واحدة بالليل.
قررت صفية أن تهبط تلك المرة إلى الأسفل وطرقت الباب ليستقبلها فؤاد بابتسامة سمجة فأشاحت بوجهها عنه ليقع بصرها على رشدي الذي قبض بين اصابعه على لفافة تبغ مُشتعلة وتفوح عنها رائحة كريهة فصاحت بصوتٍ حاد بعدما فهمت محتوى اللفافة ونادت سهر لتغادر الأخيرة بوجه محتقن وعيون منتفخة بسبب بكاؤها فاتجهت صفية نحوها وقبضت على ساعدها وجذبتها خلفها وهي تقول بضيق:
- تعالي يا سهر ساعديني أحسن أنا تعبانة ومش قادرة أقف بعد اذنك طبعا يا حج.
غادرت صفية وبيدها سهر دون أن تنتظر موافقة والدها بينما تابعهم فؤاد بنظارتٍ نارية يود لو يجبرها على البقاء ولكن عليه التمهل حتى يحكم قبضته جيدًا على والدها.
وبالأعلى ما أن تبعت سهر صفية إلى الداخل حتى عاتبتها صفية قائلة:
- أيه اللي نزلك يا بنتي وأنتِ عارفة أنهم بيدخنوا الحاجات دي، دا أنا لما شوفتهم قلبي وقع فرجليا ليكون اللي اسمه فؤاد دا عمل فيكِ حاجة، الحمد لله أنها عدت على خير ودلوقتي يلا أدخلي اوضة الجلوس وخدي راحتك فيها محدش هيضايقك، أصلًا محمود قال أنه هينام علشان نازل شغل بالليل، فأيه رأيك لو تبيتي معايا طالما الراجل دا لسه تحت، ولو حابة تسهري أنا هخلي محمود يجيبلك كتاب من عنده تقريه.
غادر محمود غرفته ما أن استمع إلى صوت سهر ووالدته وقال:
- أنا لسه صاحي يا ماما ومصدع فلو ممكن فنجان قهوة من أيديك يمكن الصداع يروح على ما اتكلم مع سهر فموضوع الشغل قبل ما انسى.
انتظر محمود مغادرة والدته واتجه صوب سهر وقبض على ساعدها بقوة وجذبها إلى داخل الغرفة وهو يحدق بها بغضب وبادرها بصوتٍ حانق حافظ على خفوته كي لا يصل إلى سمع والدته:
- أنا عايز أعرف أنتِ إيه اللي نزلك تحت وفؤاد لسه موجود، هو أنا مش قلت لك تبعدي عن سكته.
حاولت سهر تخليص ساعدها من قبضته ولكنها فشلت فأجابته بخوف:
- أنا نزلت لما حضرتك طردتني، وبعدين أنا كنت قاعدة اوضتي وقفلاها عليا كويس.
انهت سهر كلماتها وحدقت بوجه محمود بألم وأردفت بصوتٍ متألم:
- ابيه لو سمحت سيب دراعي حضرتك بتوجعني.
انتبه محمود ليده وأصابعه التي ضغطت بقوة على ساعدها فترك ساعدها وحدق بوجهها بأسف وأردف:
- سهر أنا عايزك تفهميني وتقدري خوفي عليكِ صدقيني أنا أكتر حد يهمه أنك تكوني فأمان وتكوني بعيد عن البني آدم دا، فأرجوكِ حاولي على قدر الأمكان أنك تبعدي عن طريقه لإنه أنسان مش سهل وبصراحة أنا مش هتحمل أنه يلمسك تاني أو يضايقك صدقيني أنا ممكن أقتله لو أتجاوز حده معاكِ، يا سهر أنتِ مينفعش اللي اسمه فؤاد دا يجي جنبك لإنك مستحيل تكوني له أبدًا.
أنتاب سهر إحساس بالحيرة فنظرات محمود أصبحت غامضة وحديثه يحمل أهتمام لم تراه منه منذ ابتعد عنها لسنين فقالت تجيبه:
- وأنا بعمل كدا ببعد عن سكته بس هو اللي مش عايز يبعد ويسيبني، فقولي أنا أعمل أيه وبابا مبيشفش غير أن أنا اللي دايما بغلط وبيجي عليا.
زفر محمود بقوة وحاول تمالك أعصابه فحركة سهر أمامه أثارت حفيظته وأحسها تُلهي عقله وتفقده تركيزه، وتابعته سهر بدهشة وسألته بعدما لاحظت شروده:
- مالك يا ابيه.
سب محمود في سره ذاك اللقب وأجابها بضيق:
- مافيش يا سهر المهم خليني دلوقتي أكلمك فموضوع الشغل، بصراحة أنا شايف أنك متنزليش شغل وتقعدي وأنا هتصرف مع عمي رشدي.
زاد حزنها لكلماته فخفضت رأسها وسألته:
- هما رفضو يشغلني مش كدا.
زم محمود شفتيه وأجابها بعصبية واضحة:
- مش موضوع رفضو كل الحكاية أني مش شايف أنه يليق بيكِ ومش حابب أنك تشتغليه، يا سهر مش أنتِ اللي تبقي روم سيرفيز، أنا كنت عايزك تشتغلي معايا فمكتب المحاسبة بس للأسف هما طالبين بكالوريوسات وأنا مقبلش أنك تشتغليـ.
قاطعته سهر بجدية قائلة:
- بس أنا موافقة يا ابيه على الشغل طالما هيبقى معاك، وصدقني مش مهم الشغل هيبقى أيه المهم إن المكان محترم، بعدين اللي زيي ميتشرطش على أكل عيشه، بالعكس أنا بحمد ربنا إن فندق زي اللي حضرتك شغال فيه قبل بيا وأنا معايا دبلوم.
ولجت صفية تحمل بين يدها القهوة والعصير وجلست لتتجه سهر وتجلس بجوارها، فاثنت صفية على قرار سهر ليزداد ضيق محمود فاستأذنهم في النهاية وغادر متذمرًا إلى غرفته وحاول أن يخلد للنوم ولكنه فشل كُليًا لتفكيره بتلك التي أحتلت قلبه وعقله وسلبته النوم.
---------------------
تفجر غضب محمود لموقف رشدي، ونظرات فؤاد الخبيثة ولم يتحمل البقاء بجوار هذا المستفز فغادر سريعًا، وصعد لأعلى وولج مسكنه بوجهٍ مُكفهر ليتوقف فجأة لرؤيته سهر وقد غرقت بالنوم بمكانها، فبحث بعينيه عن والدته وهو يقترب منها بخطواتٍ حذره، ووقف بجوارها يتأمل ملامحها وتسللت يده دون وعيٍ منه تتلمس شعرها الذي جمعته بإهمال بجديلة، وطاف بعينيه فوق ملامحها الرقيقة مُحدقًا برموشها الكثيفة، ليجفل حين رأى أثر دموع تتلألأ بينها حينها هاجمته الرغبة بالانحناء نحوها ليكفكف عنها دموعها بشفتيه، وكاد يفعلها ولكنه تراجع زاجرًا نفسه على سوء تصرفه وأفكاره، وولاها ظهره بعدما أثقلته رغبته واندفاع مشاعره بالحزن، وزفر بقوة مُتمنيًا لو يصيح بصوتٍ عال ويخبر الجميع بمشاعره نحوها ورغبته الزواج منها، ولكنه على يقين برفضهم له متعللين بفارق العمر بينهما، ولكونها تناديه حتى الآن "بابيه".
ازدادت عصبيته فصاح غاضبًا من نفسه مُتناسيًا نوم سهر ونادي والدته بصوتٍ عال، فانتفضت سهر وهبت عن مقعدها فباغتها دوار أثر وقوفها المفاجئ، ليراها تترنح أمامه توشك أن تسقط، فصاحت والدته تقول بخوف:
- ألحقها يا محمود.
أسرع محمود وضمها بين ذراعيه بأنفاسٍ مُتسارعة وخفق قلبه بقوة لاحتوائه إياها وقربها منه، وإحساسه بجسدها الغض ملتصقًا بجسده استنفر مشاعره تجاهها، فشدد من احتضانه لها يتمنى لو تخبرها نبضات قلبه بعشقه لها، لم يتوقف الأمر بمحمود عند هذا الحد فانحنى وحملها رُغم اعتراضها ومددها فوق الأريكة وابتعد مُزدردًا لعابه، حينها انتبه إلى حاله فاستدار مبتعدًا ما أن لاحظ اقتراب والدته منها، التي صاحت توبخها بقولها:
- شوفتي آخر أكلك الضعيف وصلك لإيه مبقاش فيكِ حيل، أقولك أنا هروح أعملك حاجة تسند قلبك وتقويكِ.
هزت سهر رأسها بالنفي وبداخلها اندلعت نيران النفور والغضب، لفرض محمود نفسه عليها وحمله إياها واحتضانه لها مُهملًا دفعتها الضعيفة له ليبتعد عنها، وتمنت لو تختفي من أمام بصره وكادت تقف مرة أخرى ألا أنها صاحت ما أن لمحت تحرك صفية وقالت بتخوف:
- خالتي صفية بالله عليكِ أنا مش عايزة أي حاجة، أساسًا أنا ماليش نفس وكمان أنا هنزل ليكون بابا محتاج لحاجة أعملها له، خصوصًا أن أنا قعدت هنا وقت طويل.
تغافل محمود عن اضطرابها وجلس إلى جوارها وأردف:
- استني يا سهر لو سمحتِ أنا كنت عايز أقولك على حاجة، اللي اسمه فؤاد جه هو وعمه واعتذروا لوالدك عن اللي عمله وكان عايزك ترجعي الشغل تاني.
شحب وجهها والتفتت تحدق به بذعر وقالت:
- يا خبر دا كدا بابا هيغصبني أرجع اشتغل عنده تاني.
التقط محمود يدها بين كفيه وربتها وهو يبتسم إليها ليقول مطمأنًا إياها:
- متخافيش يا سهر أنا أصلًا رفضت عرضه، لأني بصراحة مستريحتش له، وقلت لعمي رشدي أنك هتشتغلي فالفندق اللي أنا بشتغل فيه وبالشكل دا هتبقي تحت عيني وهتبقي بأمان معايا.
هتفت صفية بفرح تسأله:
- بجد يا محمود تصدق أنك فرحتني، أيوة هو دا الكلام المظبوط وبالشكل دا أنا هبقى مطمنة عليها، ما هي هتبقى مع أخوها اللي هيحميها ويحافظ عليها، بدل بهدلة الشغل فالمحلات دي.
بهتت ملامحه فوالدته وضعته بمكانٍ لم يعد يرغب به بعد الآن معها، هو يُريد أن يكون الأقرب إلى قلبها حبيبًا وليس شقيقًا أبدًا، فزفر بحنق وعينيه تلوم والدته، في حين ارتسمت ملامح الخيبة على وجه سهر فحتمًا تلك الوظيفة لن تكون لها فأخبرته بحرج:
- بس يا ابيه أنا يعني يادوب معايا دبلوم تجارة، ومأظنش أن الدبلوم شهادة تشغلني ففندق كبير زي اللي حضرتك شغال فيه.
أسرعت صفية وعقبت على قولها بسخط:
- تشتغلي أي حاجة يا سهر طالما هتبقي مع محمود أخوكِ.
احتقن وجهه غيظًا فوالدته تصر للمرة الثانية على وضعه بقالب الشقيق، فرفع حاجبه وقال بخشونة:
- بكرة لما أروح الشغل هشوف أيه الوظيفة المتاحة اللي ممكن تشتغلي فيها، ودلوقتي أنا ليا طلب صغير على الأقل طول ما أحنا فالفندق بلاش تنادي لي ابيه.
احمر وجهها وارتبكت أمامه والتفتت تحدق بصفية تناشدها العون، لتعود بعينيها إليه وسألته بحرج:
- بس ميصحش يا ابيه أنادي على حضرتك بحاجة تانية.
زم شفتيه رافضًا الكلمة فأردف بأصرار:
- نادي عليا باسمي يا سهر قولي محمود من غير ابيه تمام.
فركت كفيها وعقبت على قوله:
- مش هعرف يا ابيه أزاي وحضرتك ليك مقامك وأحترامك لإنك أكبر مني فالسن و.
زفر محمود بعصبية من نفسه قبل سهر وقال:
- لو مصرة يبقى فالشغل ناديني أستاذ محمود، تمام كدا يا أنسة سهر.
أجابته والدته عنها وقالت:
- بقول أيه سيبكم من ابيه والكلام دا أنا هروح أعملكم عصير، وأنتِ يا سهر أياكِ تقولي أنا نازلة أنتِ حرة لو قولتي أنا هخلي محمود يزعل منك ولعلمك دا زعله وحش ومش بيتراضى بسرعة.
هزت سهر رأسها بالنفي وهي تنظر إليه مبتسمة وقالت:
- أنا مقدرش أزعل ابيه محمود يا خالتي دا مقامه عندي كبير، دا كفايا أني بعتبره أخويا اللي أتحرمت من أن يكون لي دا غير أني مقدرش على زعلك يا جميل.
تلاشت ابتسامتها حين تجهم وجه محمود، فازدردت لعابها وأضافت باضطراب:
- خالتي تحبي أجي أساعدك.
رفضت صفية مساعدة سهر لها، وتابعها محمود بنظراته حتى اختفت داخل المطبخ، حينها رمق سهر بضيق وهتف يخبرها بصوتٍ مستنكر:
- بصي بقي من الأخر أنا لا أخوكِ ولا ابيه ولو على الشغل ناديني أستاذ محمود، وبيني وبينك بعد كدا إياكِ أسمعك تقولي ابيه ولا أخويا دي تاني، فاهمة يا سهر.
انعقد لسانها أمام حدته ولم تدر بما تُجيبه، ليُفاجئها بأصابعه تُعيد خُصْلَة شعرها خلف أذنها، فازدردت لعابها وارتجفت أثر لمسته، فحدقت به بدهشة مُبعدة وجهها عنه بعدما رأت أن عليها تغيير مجرى الحديث، فسألته دون النظر إليه:
- هو بابا بقى هادي يا ابيه؟
هب محمود واقفًا وحدق بها بغيظ، ولم تستطع سهر النظر إليه، ليزفر بقوة ويقول:
- مصممة يعني تقولي ابيه طيب خلاص أنا لا هشوف شغل ولا حاجة، وخلي فؤاد يبقى صاحب الشغل بتاعك.
انتفضت خوفًا ووقفت هي الأخرى وتشبثت بساعده ترجوه بعينيها قائلة:
- لا وحياة خالتي صفية عندك يا ابيه أبوس أيديك بلاش تقول كدا، أنت أصلك متعرفش فؤاد دا كان بيعمل أيه وبيضايقني أزاي، ولا هتقدر تتخيل اللي حصل منه وجعني وجرحني أزاي، أرجوك بلاش ترميني له وحياة أغلى حاجة عندك.
تابعت تحديقها به وأصابعها تضغط فوق ساعده، فلام محمود نفسه لاستغلاله سهر ووغزه ضميره، فربت يدها واحتوى كفها ونظر إلى عمق عيناها الخضراء وأردف:
- متخافيش يا سهر أنا مش هرجع فكلمتي معاكِ بس بلاش دموعك دي ممكن.
ومَدّ يده ومسح عن وجهها دموعها، فارتجفت سهر للمرة الثانية بسبب لمسته، وارتبكت بشدة حينما لامس محمود شفتيها بأصبعه، وتركها محمود فجأة وابتعد عنها وقال وهو يتجه إلى الخارج:
- ابقي قولي لماما أني نزلت.
وأغلق الباب خلفه وجلست سهر ورفعت يدها ومسحت أثر لمساته، وبداخلها ازداد تخوفها فهي تشعر بأنها على وشك مواجهة أمر ما.
وبعد مُضي ساعة أخرى غادرت سهر بعد أصرار صفية على بقائها برفقتها لوقتٍ أطول، وولجت إلى داخل مسكنها بحذر تسللت لغرفتها بعدما اطمأنت لنوم والدها، وأوصدت بابها واستسلمت للبكاء وبين يديها صورة والدتها..
لم تدر متى غفت واعتدلت بانزعاج حين ناداها والدها بصوتٍ مرتفع، وتجهم وجهها لحدته وعصبيته الواضحة، تركت فراشها واستجابت لندائه خوفًا من أن ينالها عقابه كالأمس، واسرعت بمغادرة غرفتها تضبط وضع ذراعها بالحمالة الطبية، ولكنها تجمدت بمكانها لرؤيتها فؤاد يجلس بجوار والدها مبتسمًا لها وأمام صدمتها، اراح فؤاد جسده إلى المقعد وبدا وكأنه يخبرها بأن منزلها أصبح له، وباتت نظراته لها تتبدل إلى الجرأة وهو يلتهمها بعينيه، فتسارعت أنفاسها وثار بغضها له وهمت بالفرار من أمامه إلا أن صوت والده منعها بقوله:
- حضري لنا فطار حلو يا سهر علشان أفطر أنا وفؤاد، هو خلاص من هنا ورايح بقى زي أخوكِ، يالا يا سهر اتحركِ مالك واقفة عندك متنحة كدا ليه، وبعدين تعالي هنا وقوليلي أنتِ رابطة دراعك كدا ليه.
خفضت سهر عينيها أرضًا وأجابته بحزن:
- أصل كتفي اتخلع امبارح لما يعني حضرتك...
هز رشدى رأسه بتفهم ورفع حاجبه مُحذرًا أياها من قول المزيد، وأردف يقول:
- طيب يالا روحي اعملي اللي قولت لك عليه، ومتتأخريش وعلى فكرة هتلاقي حاجات كتير فالمطبخ فؤاد جايبها معاه، يالا يا بت اتحركِ.
هرولت من أمامهم إلى المطبخ، ووقفت تحدق بمحتوياته بإشمئزاز، تتساءل عن سر مجئيه لمنزلها والأكثر كيف استطاع أن يقنع والدها بتقبله بتلك السرعة، حينها ارتجفت ما أن توالت عليها بعض الصور المُخيفة وأنتابها خوف مما هو أت.
جعدت سهر ملامحها بنفور ما أن أحست بفؤاد يستند إلى باب المطبخ، يتابعها بنظراته البغيضة وزفرت ساخطة ما أن قال:
- عجبك ضرب والدك وبهدلته ليكِ كل يوم والتاني كدا، ما قولت لك خليكِ معايا وأنا هعوضك عن كل اللي شوفتيه، وهعيشك أحلى عيشة بدل الجُحر اللي أنتِ قاعدة فيه دا.
رافق قوله باقترابه منها وبتلقائية تراجعت سهر للخلف هربًا منه ولم تنتبه للموقد المشتعل، والتصقت به لتصفعها حرارة النار حين مالت للخلف، ما أن مال فؤاد نحوها يخبرها:
- فكري يا سهر فكلامي، وعمومًا لو أنتِ عايزة أخليه جواز فأنا معنديش مانع نخليه جواز، أهو مش هيخسر أي حاجة.
شهقت لحديثه وكتمت تألمها بعدما ألهبت النار ظهرها، لينتبه فؤاد لفعلتها حين التصقت أكثر بالموقد وابعدها عنوة عنه قائلًا بصوت مقزز:
- مش تخلي بالك لتحرقي نفسك وتشوهي جسمك اللي مالوش مثيل دا.
دفعته عنها تخبره باشمئزاز وقد تغضنت جبهتها ألمًا:
- ياريتني اتحرق علشان تبعد عني وأخلص منك.
القت كلماتها بوجهه وهمت بالصراخ، فسارع فؤاد بالأبتعاد عنها وهو يُردف:
- بقولك إيه أهدي شوية واسمعيني كويس ودا لمصلحتك، أنتِ لو فاكرة أنك لما تولعي فنفسك أن أنا هبعد عنك تبقي بتحلمي، علشان أنا مش هسيبك مهما عملتي فنفسك وعلشان تعرفي أني عايزك هعديلك اللي حصل منك بمزاجي، دا غير أني قدمت لك السبت وثبت حُسن نيتي بكلامي مع والدك، لعلمك أنا نبهت عليه أنه معدش يمد أيده عليكِ تاني، واخدت منه وعد أنه مش هيهينك تاني ولا حتى يزعق لك، ولو على الشغل فمتشليش همه أبدًا أنا رقبتي سدادة، المهم أنك ترضي عني والأهم أنك تعرفي أن أنا معنديش أكتر من طولة البال والصبر، وأنا قررت أصبر عليكِ لحد ما تجيلي بنفسك راكعة.
انهى قوله وعاد ليجلس برفقة رشدي الذي ربت كتفه ، فابتسم فؤاد وأردف:
- بنتك ست بيت درجة أولى المهم أحنا على اتفقنا خلاص، معدتش تمد أيدك عليها تاني يا رشدي اتفقنا.
سحب رشدي نفسًا من سيجارته التي أهداه فؤاد أياها، وزفره بقوة وأجابه:
- علشان خاطرك أنت يا فؤاد أنا هسامحها وهعدي لها أي حاجة، بس المهم أنت متحرمنيش من قعدة المزاج العالي دي، تصدق دي أول مرة بيجي من ورا سهر فايدة، ياريتها كانت عرفتني بيك من زمان يا فؤش.
بعدما انهت ما عليها عادت إلى غرفتها واحكمت غلق بابها عليها خوفًا من اقتحام فؤاد لغرفتها فجأة، والتقطت هاتفها تحدق برقم محمود تتساءل أتخبره بما حدث أم لا، زفرت بألم وهي تُفكر بلمساته هو الآخر التي أختلسها منها، وهزت رأسها بالرفض واعادت هاتفها إلى جيب ثوبها، ولكن ما أن أرتفع صوت ضحكات فؤاد المستفزة أدركت أن لا سبيل أمامها غيره، فسارعت وأجرت اتصالها به وانتظرت أجابته عليها، بينما كان محمود يتابع تسجيل البيانات الحسابية على حاسوبه بمكتبه في الفندق يُمعن النظر إلى ما يدونه، ولوهلة شتت انتباهه رنين هاتفه فزفر بحنق وأهمل النظر إليه، وحين عاد للرنين من جديد ترك ما بيده وهو يزفر بسخط والتقط هاتفه ليخفق قلبه بقوة لرؤيته اسم سهر، فسارع بإجابتها قائلًا:
- السلام عليكم طمنيني عاملة أيه دلوقتي يا سهر.
أجابته بنحيبها وبصوتٍ متهدج مذعور:
- ألحقني يا ابيه محمود فؤاد جه البيت وشكله اتصاحب على بابا، ودلوقتي قاعد معاه ولا كأن البيت بيته أنا مرعوبة يا ابيه دا دا...
لعن محمود جشع رشدي الذي جعله يضع ابنته بمواجهة مستحيلة مع فؤاد، وأحس بغضبه يتصاعد كونه فتح منزله لرجل مثله، مغمضًا عينيه عن افعاله وأخلاقه السيئة، ولكنه تدارك أمره لبكاء سهر، وما أن بترت حديثها حتى سألها بحدة:
- هو اللي اسمع فؤاد دا عمل حاجة تانية معاكِ، انطقي مد ايده عليكِ تاني.
وترها صياحه بها فأجابته بالنفي قائلة:
- لا ممدش إيده، بس دا طلع عايز يتجوزني وأنا خايفة ليقول لبابا، ووقتها مش عارفة هعمل إيه، بالله عليك يا ابيه قولي أتصرف أزاي.
لم يصدق محمود أذناه فازداد غضبه وهتف بحدة:
- أنتِ اتجننتي يا سهر مين دا اللي يتجوزك، فؤاد دا لو كان متجوز من زمان كان زمانه عنده قدك، بقلك اطلعي اقعدي مع أمي أنا هتصل بيها تنادي عليكِ علشان ابوكِ ميقولش حاجة تضايقك ومتنزليش طول ما الزفت دا تحت فاهمة يا سهر.
اغمضت عينيها بحزن وأجابته برجاء:
- حاضر بس بسرعة بالله عليك يا ابيه.
استشاط غضبًا لأصرارها على منادته بذاك اللقب فنهرها بقسوة قائلًا:
- متقوليش زفت ابيه دي تاني متعصبنيش زيادة يلا سلام علشان اتصل بأمي وأياكِ تنزلي إلا لما اجي فاهمة سلام.
و ماهي إلا لحظات وصدح صوت صفية ينادي عليها فسمعت والدها يقول:
- يا سهر اطلعي شوفي أم محمود عيزاكِ ليه.
تركت سهر غرفتها بقلبٍ يرجف لتصطدم عينيها بعينا فؤاد وحين غمز إليها خفضت رأسها سريعًا لتتهرب من النظر إليه ولم تلحظ وقوفه إلا حين أعترض طريقها وأخبرها بصوتٍ خافت:
- متغبيش فوق علشان أنا عايز اقعد معاكِ شوية.
هلعت سهر بسبب قربه منها وهرولت إلى الخارج وصعدت إلى أعلي وقلبها ينبض بقوة وولجت بلهفة إلى داخل شقة صفية وملامحها تنطق بالرعب لتتلاقاها ذراعي صفية وتشدد من احتضانها لها وما أن تسلل الأمان إلى قلب سهر حتى أردفت بيأس:
- مش هيسبني فحالي يا خالتي فؤاد مش ناوي يسبني.
ربتت صفية على ظهر سهر وقالت بحزن:
- منه لله والدك فاتح بيته للي ميسواش يدهس فيه ويهتك سترك، أنا مش عارفة الراجل دا اتجنن على كبر كدا أزاي.
ابتعدت سهر عن حضن صفية وقالت:
- من اللي بيشربه يا خالتي وفؤاد ميل دماغ بابا بالحاجات اللي جايبها معاه، دا اصله مش سهل وقدر يعرف سكة بابا أزاي وأنا اللي هبقى الضحية يا خالتي، والله أموت نفسي اهون عليا من أنه يلمسني الراجل دا.
نظرت إليها صفية بخوف لتلطم صدرها وتقول:
- يالهوى يا سهر عاوزة تموتي نفسك أخس عليكِ يا بنتي دا أنتِ الحاجة المتبقية من ريحة الغالية والدتك تحرميني منك ومنها.
انهارت سهر بعدما تلاشى تماسكها الوهمي وهتفت بصوتٍ باكٍ:
- اومال يعني اسيبه يعمل ما بداله وبابا سايب له الحبل بالشكل دا ياريتني مت لما أمي ولدتني ومعشتش لدلوقتي أنا مشفتش يوم حلو ولا حتي لحظة كويسة مع بابا أنا أوقات كتير افتكرت أني مش بنته وأنه بينتقم فيا من حد بيكرهه.
بكت صفية على بكاء وحزن سهر وجلست بجانبها واحتضنتها وقالت:
- ربنا قادر وكبير ينتقم من اللي ظلمك واللي عاوز يظلمك ويكفيكى شر قساوة النفوس يا بنتي اهدي بقى وادخلي اتوضي وصلي الظهر وريحي فاوضة محمود دا هيتأخر النهاردة أنا عارفة انك بتحبي المكتبة اللي عنده ودا جايب من أسبوع شنطة كتب كبيرة يلا على ما اصلي أنا كمان.
اتمت سهر صلاتها فجلست على مقعد محمود بجانب النافذة وقد اخدت أحد الكتب الجديدة التي اشتراها لتندمج مع صفحات الكتاب ملقيه كل حزن خلف ظهرها لتعيش لحظاتها مع الكتاب.
وحين عاد محمود من عمله وجد الشقة يسودها الهدوء فظن سهر لم تستمع لحديثه وعصت أمره فاتجه إلى غرفته وولجها وهو يشتعل غضبًا واتخذ قراره بتوبيخ سهر لمغادرتها، ولكنه تجمد بمكانه حين تفاجىء بها تجلس بجانب نافذته تقرأ أحد كتبه وقد حررت شعرها من جديلته لينهمر على ظهرها فبدت كالملاك أمامه وازدرد محمود لعابه لأحساسه برغبة شديدة ليخلل خصلاتها بأصابعه، وازداد ارتباك محمود وعيناه تسبح فوق جسد سهر الذي نُحتت قسماته بكمال، ليتبدل حاله بثوان وازداد غضبًا باشتعال غيرته عليها حين ظن أن فؤاد رأها بتلك الهيئة المُهلكة.
لم تعي سهر مرور الوقت إلا حينما احست بظل يقف بجانبها فرفعت بصرها ظنًا منها أنها صفية لتتفاجىء بمحمود يقف وعلى وجهه أمارات الغضب فغام وجهها حزنًا وترقبته نظراته الحادة إليها وتساءلت ماذا فعلت ليغضب منها كل هذا الغضب ليبادرها محمود قائلًا بصوتٍ حاد مستنكرًا هيئتها صافعًا إياها بكلماته:
- ما طول ما أنتِ فاردة شعرك بالمنظر دا ولابسه الهدوم الضيقة اللي مبينة جسمك بالشكل دا هيفضل فؤاد يبص لك بصات مش كويسة ويطمع فيكِ يا هانم.
حدقت به بعيون مُنكسرة لكلماته المحجفة بحقها وازداد إحساسها بالألم لظلمه إياها فأجابته بصوتٍ مهتز:
- أنا عمري ما حاولت الفت نظر حد ليا يا ابيه وبعدين ما دا لبسي من زمان وحضرتك عمرك ما اتكلمت عليه وبعدين شعري أنا يعني فردته بعد ما صليت وكنت هلمه قبل ما أنزل.
قبض محمود على أصابعه بشده وصاح من بين اسنانه بعصبية:
- الأول حاجة ودلوقتي حاجة أنتِ مش شايفة نفسك بقيتي أزاي أنتِ معدتيش عيلة صغيرة بقيتي انسة وبعدين مش قلت لك بلاش ابيه دي.
أحست سهر بالحيرة مما يحدث فهي لم تعد تفهم شيء، ليشعر محمود بحيرتها وأحس بأن أمر غيرته كُشف إليها فاستدار عنها وقال:
- اطلعي برا يا سهر لو سمحتي.
ألمها طرده لها وأحست سهر وكأنما القى محمود عليها دلو ماءٍ مُثلج فتركت الكتاب يسقط من بين أصابعها وفرت من أمامه بعيون تحرقها الدموع.
انحنى محمود والتقط الكتاب ووضعه فوق المقعد وجلس على طرف فراشه مُعاتبًا نفسه بصوتٍ خافت:
- أيه يا محمود مالك أنت عمرك ما كنت كده وبعدين طالما حاسس بالغيرة عليها ما تتكلم وتقول وتعرفها وتعرف الكل يا أما تسكت، إنما تبقى بالحال دا مينفعش وبعدين أنا خايف عليك أحسن حبك ليها وغيرتك عليها يعموك، ولا أنت مش شايف نفسك ومشاعرك وتفكيرك بيها عاملين أزاي، يا محمود أنت عمرك ما بصيت على أي بنت، وسهر طول عمرك بتعاملها على أنها أختك الصغيرة ولا أنت ناسي أن الفرق بينك وبينها ١٤ سنة وعارف أن دي العقبة اللي الكل هيعلق عليها ويرفض بسببها ارتباطك بيها، بقولك إيه أنت لازم تحاول تبعد.
انتفض قلبه بخوف وهز رأسه بالنفي وصاح هامسٍا:
- لأ أنا مقدرش أبعد عن سهر مقدرش لإني بعشقها وبتمناها تكون ليا، أنا أنا بقيت بحلم بيها ليل نهار وقلبي قايد نار من فؤاد وحاسس أني عاوز أقتله أنه لمسها، طب وبعدين يا محمود ما تعقل شوية، أنا خلاص معدش فيا عقل سهر خدت عقلي وقلبي وكل حياتي أنا حاسس أني رجعت مراهق لما بشوفها.
أنهى محمود حواره مع نفسه وغادر غرفته وبحث عنها وحين أدرك عدم وجودها اتجه صوب والدته في المطبخ وقال:
- أيه يا ست الكل هو كل ما أدور عليكِ الاقيكي فالمطبخ الكلام دا مينفعش لازم تريحي، أنا خايف عليكِ من المجهود ومن الوقفة دي، بعدين مش قلت لك أجيب أي حاجة وريحي أنتِ.
أجابته والدته وقالت:
- ربنا يبارك لي فيك يا ابني، أنت عارف أنا بحب اعمل كل حاجة بنفسي، هو أنا ليا غيرك أنت وأبوك ربنا ميحرمنيش منكم أبدًا.
ابتسم محمود لوالدته وانحنى وقبل يدها ثم سألها:
- هي سهر راحت فين.
أجابته والدته:
- نزلت يا ابني من ساعة ما خرجت من عندك، أنا قلقانة على البت دي يا محمود تخيل قال بتقولي أموت نفسي ولا يلمسني فؤاد، شوفت أبوها وصلها لأيه.
حدق محمود بقلق في وجه والدته ليقول:
- قالت عاوزة تعمل أيه تنتحر دي اتجننت ولا أيه وبعدين أنا قلت لها متنزلش إلا لما اطمن إن الراجل دا يكون مشى يبقى تنزل أزاي وهو لسه تحت، أنا مش عارف هي ليه مصممة ترمي نفسها فالنار بايديها اوف معلش يا ماما لو سمحتي نادي عليها أنتِ وخليها تطلع بدل الراجل دا ما يستغل حالة عمي رشدي ويطاول عليها تاني، ولما تطلع دخليها فاوضة الجلوس تقعد براحتها وأنا هدخل اوضتي أنام شوية لأني نازل الشغل تاني على الساعة واحدة بالليل.
قررت صفية أن تهبط تلك المرة إلى الأسفل وطرقت الباب ليستقبلها فؤاد بابتسامة سمجة فأشاحت بوجهها عنه ليقع بصرها على رشدي الذي قبض بين اصابعه على لفافة تبغ مُشتعلة وتفوح عنها رائحة كريهة فصاحت بصوتٍ حاد بعدما فهمت محتوى اللفافة ونادت سهر لتغادر الأخيرة بوجه محتقن وعيون منتفخة بسبب بكاؤها فاتجهت صفية نحوها وقبضت على ساعدها وجذبتها خلفها وهي تقول بضيق:
- تعالي يا سهر ساعديني أحسن أنا تعبانة ومش قادرة أقف بعد اذنك طبعا يا حج.
غادرت صفية وبيدها سهر دون أن تنتظر موافقة والدها بينما تابعهم فؤاد بنظارتٍ نارية يود لو يجبرها على البقاء ولكن عليه التمهل حتى يحكم قبضته جيدًا على والدها.
وبالأعلى ما أن تبعت سهر صفية إلى الداخل حتى عاتبتها صفية قائلة:
- أيه اللي نزلك يا بنتي وأنتِ عارفة أنهم بيدخنوا الحاجات دي، دا أنا لما شوفتهم قلبي وقع فرجليا ليكون اللي اسمه فؤاد دا عمل فيكِ حاجة، الحمد لله أنها عدت على خير ودلوقتي يلا أدخلي اوضة الجلوس وخدي راحتك فيها محدش هيضايقك، أصلًا محمود قال أنه هينام علشان نازل شغل بالليل، فأيه رأيك لو تبيتي معايا طالما الراجل دا لسه تحت، ولو حابة تسهري أنا هخلي محمود يجيبلك كتاب من عنده تقريه.
غادر محمود غرفته ما أن استمع إلى صوت سهر ووالدته وقال:
- أنا لسه صاحي يا ماما ومصدع فلو ممكن فنجان قهوة من أيديك يمكن الصداع يروح على ما اتكلم مع سهر فموضوع الشغل قبل ما انسى.
انتظر محمود مغادرة والدته واتجه صوب سهر وقبض على ساعدها بقوة وجذبها إلى داخل الغرفة وهو يحدق بها بغضب وبادرها بصوتٍ حانق حافظ على خفوته كي لا يصل إلى سمع والدته:
- أنا عايز أعرف أنتِ إيه اللي نزلك تحت وفؤاد لسه موجود، هو أنا مش قلت لك تبعدي عن سكته.
حاولت سهر تخليص ساعدها من قبضته ولكنها فشلت فأجابته بخوف:
- أنا نزلت لما حضرتك طردتني، وبعدين أنا كنت قاعدة اوضتي وقفلاها عليا كويس.
انهت سهر كلماتها وحدقت بوجه محمود بألم وأردفت بصوتٍ متألم:
- ابيه لو سمحت سيب دراعي حضرتك بتوجعني.
انتبه محمود ليده وأصابعه التي ضغطت بقوة على ساعدها فترك ساعدها وحدق بوجهها بأسف وأردف:
- سهر أنا عايزك تفهميني وتقدري خوفي عليكِ صدقيني أنا أكتر حد يهمه أنك تكوني فأمان وتكوني بعيد عن البني آدم دا، فأرجوكِ حاولي على قدر الأمكان أنك تبعدي عن طريقه لإنه أنسان مش سهل وبصراحة أنا مش هتحمل أنه يلمسك تاني أو يضايقك صدقيني أنا ممكن أقتله لو أتجاوز حده معاكِ، يا سهر أنتِ مينفعش اللي اسمه فؤاد دا يجي جنبك لإنك مستحيل تكوني له أبدًا.
أنتاب سهر إحساس بالحيرة فنظرات محمود أصبحت غامضة وحديثه يحمل أهتمام لم تراه منه منذ ابتعد عنها لسنين فقالت تجيبه:
- وأنا بعمل كدا ببعد عن سكته بس هو اللي مش عايز يبعد ويسيبني، فقولي أنا أعمل أيه وبابا مبيشفش غير أن أنا اللي دايما بغلط وبيجي عليا.
زفر محمود بقوة وحاول تمالك أعصابه فحركة سهر أمامه أثارت حفيظته وأحسها تُلهي عقله وتفقده تركيزه، وتابعته سهر بدهشة وسألته بعدما لاحظت شروده:
- مالك يا ابيه.
سب محمود في سره ذاك اللقب وأجابها بضيق:
- مافيش يا سهر المهم خليني دلوقتي أكلمك فموضوع الشغل، بصراحة أنا شايف أنك متنزليش شغل وتقعدي وأنا هتصرف مع عمي رشدي.
زاد حزنها لكلماته فخفضت رأسها وسألته:
- هما رفضو يشغلني مش كدا.
زم محمود شفتيه وأجابها بعصبية واضحة:
- مش موضوع رفضو كل الحكاية أني مش شايف أنه يليق بيكِ ومش حابب أنك تشتغليه، يا سهر مش أنتِ اللي تبقي روم سيرفيز، أنا كنت عايزك تشتغلي معايا فمكتب المحاسبة بس للأسف هما طالبين بكالوريوسات وأنا مقبلش أنك تشتغليـ.
قاطعته سهر بجدية قائلة:
- بس أنا موافقة يا ابيه على الشغل طالما هيبقى معاك، وصدقني مش مهم الشغل هيبقى أيه المهم إن المكان محترم، بعدين اللي زيي ميتشرطش على أكل عيشه، بالعكس أنا بحمد ربنا إن فندق زي اللي حضرتك شغال فيه قبل بيا وأنا معايا دبلوم.
ولجت صفية تحمل بين يدها القهوة والعصير وجلست لتتجه سهر وتجلس بجوارها، فاثنت صفية على قرار سهر ليزداد ضيق محمود فاستأذنهم في النهاية وغادر متذمرًا إلى غرفته وحاول أن يخلد للنوم ولكنه فشل كُليًا لتفكيره بتلك التي أحتلت قلبه وعقله وسلبته النوم.
