رواية لتسكن الي كامله وحصريه بقلم يسمينة مسعود
🍂 الفصل الأول 🍂
:
•♡•
:
🥀 إنما البِرُّ شيءٌ هَيِّن
وجهٌ بشوشٌ ولسان ليِّن💜🦋
"عمر بن الخطاب"
:
•♡•
:
تّوسعت عينيها بصدمة..و إرتعشت مقلتيها اللازوردية بخوف مهيب..ورعب أكيد ... توقف عالمها عن الدوران ..مع تسارع نبضات قلبها بشكل جنوني ..وكأنها أيقنت معلومة .. عرفت حقيقة ما ..خمنت بعدها ماذا سيقول ..لكن هو لم يرحمها بل تابع ليؤكد لها ظنونها أكثر وأكثر..ليتجلى لها مرأى عينيه المرهقة الحزينة..المشتتة الضعيفة..الغريقة ببحر من الوجع المميت المهلك..كأنها تروي لها قهر رجل صعب على ثغره البوح به..حدق بها عاجزا من إخفاء موته للمرة المليون ..فاشلا في مداراته أكثر، مطالبا إياها بأن تعفيه من تكملة الحقيقة...لكنها كانت أقسى من أن ترحمه وتقدم له تلك المنحة...فأول دمعة إنسابت من عينيها ومع تصلب جسدها وكأنها تعرضت لشلل فجأة حاثة إياه على المواصلة..جعلته يتنهد بإختناق وكأن ثقل الكون بقلبه...أغلق ستار جفنيه و إرتفعت كفه المرتجفة ماسحا بها ذرات العرق من جبينه لتسقط تلك الدمعة الحارة من عينيه محاولا التماسك متابعا بتحشرج:
بعد يوم واحد من عيد ميلادها قررت زوجتي أن تأخذها هي وأخوها الأوسط للعب بالحديقة العامة ليتسلوا قليلا كالعادة..لكن تلك المرة كانت مختلفة ..ومغايرة حتى أنها كانت بداية لسلسلة من الآلام والقهر والعذاب لنا ، و الذي لم ينتهي لحد الساعة..كانت تلعب معها بكل حب كأي أم تلهو مع صغيريها...لثواني معدودة فقط ..لدقيقة فقط غفلت عن إبنتها..إختفت طفلتها نهائيا..بحثت..ركضت ..لكن لم تجدها..لازالت ذكرى إتصالها يومها محفورا كنقش قديم بذاكرتي ..كانت تبكي وتصرخ تخبرني أن إبنتنا إختفت فجأة..لم تجدها...بكت وبكت كثيرا لدرجة أننا خفنا أن تموت من شدة حزنها و بكائها الهستيري يومها..ثم مرضت ودخلت بغيبوبة لعدة أشهر، لأن نفسيتها لم تحتمل قوة الصدمة ..تحولت بعدها حياتنا لجحيم مضلم ..بحثنا عن إبنتنا دون توقف..بالمياتم..بالمستشفيات ..والشوارع..بلغنا الشرطة وتواصلت التحقيقات دون جدوى..وكأن الأرض إبتلعتها فجأة..حتى أخويها كانا يسئلان عنها بإستمرار لكنهما كانا أصغر من أن يفهما الحقيقة ...لسنوات لم نتوقف عن البحث..زوجتي بعد أن أفاقت من غيبوبتها أول سؤال كان عنها هي ..كانت بعدها تذبل شيئا فشيئا كزهرة فقدت رحيقها...كجوهرة تخلت عن بريقها..عينيها أصبحت خالية من الحياة..تحولت لجثة متحركة دون روح ..حملت نفسها المسؤولية كاملة ، حتى أنها كانت تخرج فجرا وليلا للبحث عنها وتنادي عليها بهستيريا وتبكي، وكنت ألحق بها وأضمها علني أتشرب قليلا من ألمها وأخفف عنها..مت معها ألف مرة لكنني لم أرد الإستسلام لأجل طفلاي فقط ولأجلها ...عندما غابت إبنتنا عنا فقدت جزءا من روحي ..أخذت معها قلبي خسرت نفسي بضياعها ..العالم كله لن يعوضني عن أميرتي ووريثة عرشي ...فهي كانت شريان حياتي ونبض قلبي و الأحب إلي من الجميع رغم صغرها ، لكنني قاومت متسلحًا بالأمل والصبر علها تعود لحضننا يوما ما ...زوجتي حتى عندما كنت أجبرها على أن تذهب معي لتنزه لألهيها ولو قليلا عن التفكير في إبنتنا، كنت أراها تحدق بوجوه الناس علها ترمق إبنتها بينهم..كم مرة سمعتها بصلاتها تبكي وتدعوا الله أن يعيد صغيرتها لها ..حتى بنومها أسمع هلوسة أحلامها كأنها تراها تناديها وترجوها للرجوع...السنة الماضية عندما ذهبنا للحج أتذكر كيف كانت تتمسك بستائر الكعبة باكية داعية الله أن يعيد صغيرتها لها ، وترمقها حتى ولو من بعيد علَ عطش فؤادها يروى بمرأى إبنتها
رفع بصره لها مع دموعه التي لا تكف عن نزول: عودي لنا يا إبنتي أرجوكي ..
شهقت سحر بألم مميت لا يوصف...ودموعها كشلال غاضب هادر...زلازل عنيفة هزت كيانها محدثة دمارًا ..وخرابًا..سكاكين من القهر ..من الوجع..من العذاب تطعن قلبها..حريقا مشتعلاً لاهبًا محرقًا فؤادها..وكأنه يتحداها أن تصمد أمام هذه الفاجعة..تباطئ تنفسها..يكاد يتوقف وهو يحاول اللحاق بذرات الأكسجين الهاربة..ألم..ألم رهيب مأذي يعتصر أيسر صدرها..وضعت يدها المرتعشة عليه لعلها توقفه ..لكن هيهات ..هيهات أن يتوقف ما دامت هي في غمرة كابوسها المضني..تحاملت على نفسها محركة أطرافها الجامدة المتصلبة بنظرات مشتتة ضائعة بفعل الصدمة ..وقفت بضعف شديد محاولة التماسك ولو قليلا محدثة ضجة بسبب سقوط كرسيها جعل أنظار الجميع متجهة لها..تحركت ببطء عله يكون حلم جديد كالعادة ..فلطالما كانت الكوابيس رفيقة لها ...
وقف هو بدوره بعد أن رأى حالتها الواهنة التي إنقلبت كليا من فتاة قوية ثابتة إلى أخرى واهنة هشة جريحة وكأنها قطة صغيرة مبللة خائفة ..تبعها بعد أن رأى تحركها وخروجها من المقهى بخطوات مرتبكة عاجزة ضائعة..أمسك يدها مخاطبا إياها بصوت تعب و راجي : أرجوك..أقسم عليك بالله أن ترحمينا وتعودي لنا ..على الأقل لأجل أمك بنيتي أرجوكي..
حدقت به بنظرات خائفة متوترة ، مرتعبة ،وحزينة مقهورة مع دموعها الحارقة التي واصلت النزول لتروي قصة ضعف تملكها وتشتت أهلكها وسنوات جمر كوتها لتقول بصوت خافت ضعيف:
- ااا...إسمع يا سيد..أنا... أنا لست إبنتك ححسنا..تلك..تلك القلادة ليست دليل ..على ما تقول ..هناك العشرات ..الذين لهم نفس قلادتي..ففهمت...
إبتسم لها بوجع مماثل لوجعها مدركًا أنها تحاول مداراة صدمتها فأعقب بعدها بوهن وخفوت: إذا لم تصدقيني هلا أخبرتني أنه ليس لديك شامة بحجم حبة البازلاء على كتفك الأيسر ..وثلاث شامات أصغر بكثير بشكل عمودي تحت تريوقتك...
صدمت سحر من كلامه فقد كان صحيحا فهي لها هذه شامات بنفس الأماكن التي قالها ولا أحد يعرفها إلا شهد ووالديها ..
إبتلع ريقه بقهر مشفقا على حالها وصدمتها، رؤيتها بهاذا الحال يقتله حقا فهو يضل أب بالنهاية، وهي تبقى صغيرته و جزء من روحه، فإسترسل بقوة عجيبة تحلى بها أمام هاذا الموقف المرهق للأعصاب والجسد مغمغما: والدليل القاطع هو تحليل DNA ...فهو أثبت أنك إبنتنا دون مجال لشك ..
عقدت سحر حاجبيها مع تشتت نظراتها ففهم أنها تتسائل كيف حصل على هاذا تحليل دون أن تخضع له أساسا ..إقترب منها أكثر حاضنا وجهها الشاحب الباكي بين كفيه المرتعشتين مجيبا إياها بخفوت: أتذكرين ذلك المستشفى الذي كنت تتبرعين له بالدم ..هو ملكنا وتابع لأسرتي..كل مريضة أو متبرعة تدخل له يتم أخذ عينة من دمها لفحصه مع عينة دمي وصادف أن كنت أنت أيضا من المتبرعين ...عندما أخذوا منك تلك العينة وطابقوها من عينتي وقد ظهر تطابق و الحمد لله ...
فتح سترته ليخرج ورقة مطوية قدمها لها مردفا: خذي هاذا هو تقرير التطابق، وإن كنت لا تصدقينني أنا مستعد أن أذهب معك لأي مستشفى مغاير تختارينه أنت للقيام بفحص أخر لتتأكدي بنفسك...
توالت الصدمات على سحر دون أن تقدر على فعل شيئ...ودموعها الوحيدة هي التي كانت تصف حالها الضعيف المصدوم ...فلم تدرك نفسها إلا وهي بحضنه يضمها يواسيها عله يمتص صدمتها وألمها ..لم تمانع سحر من هاذ العناق لكنها لم تشارك به، مغلقة رداء جفنيها علها تصحو من حلمها ..لحظات ولحظات لكن الحلم يزال...أبعدها بحنو عنه ومسح دموعها هامسا لها: سأتركك الأن لتفكري، لأعود للبيت وأبشر أمك وأخيرًا سنراها تفرح من كل قلبها ..وسأعود بعد يومين لأخذكِ للعيش معنا بنيتي، أرجوكي لا ترفضي..إن رفضت أقسم لكِ بأنها ستموت ..قلبها لن يتحمل أكثر صغيرتي..يكفيها جراحًا...
أخرج من جيب سترته بطاقة صغيرة معطيا إياها: خذي هاذ رقمي وأبلغيني وأنا سآتي لأخذك..لكن في كلا الحالين سآتي وأخذك حسنا ..
أومئت سحر بإيجاب دون أن يكون لها القدرة على الكلام ..فقبلها على جبينها بدفئ وكأنه يريد أن يبث لها أبوته الجديدة عليها من خلالها، مغادرا إياها بعدها متجها لبيته ليبلغ حبيبة قلبه أنه وجد ثمرة حبهما الصغيرة.
:
•♡•
:
عادت شهد للمنزل هاربة من آخر محاضراتها المملة أو كهذا تعتبرها ...لتضحك على نفسها سرًا ..لو علمت سحر أنني ضيعت أحد تلك المحاضرات لقتلتني ..سحقًا ماذا أفعل الأستاذة كانت مضجرة في الشرح لدرجة تشعرني بالرغبة بالنوم ..نادت على سحر لكن دون مجيب..دخلت لغرفتها باحثة عنها ..لتراها نائمة على سجادتها بوضعية الجنين محيطة نفسها بذراعيها وكأنها تحمي ذاتها من خطر ما ..دنت منها موقظة إياها...فهي لا تنام قبل بعد العصر : سحر ..
ليتضح لها مرآها وهي تبكي بصمت وترتعش ..توسعت عيناها وتملكها الخوف فهتفت بهلع: سحر حبيبتي ما بك...ما الذي حدث..لماذا تبكين؟ ؟؟
لكن دون فائدة وكأنها تكلم الجدار.. صمت مميت فقط مع دموعها الغزيرة هاذا ما قابلها منها ...تبكي بقهر لا يوصف ...وضعت شهد يدها على رأسها بخفة هامسة لها بنبرة متحشرجة راجية بسبب هيئتها المحطمة : بالله عليك ما بك ؟! ...أخبريني أرجوك؟
رفعتها من كلتا كتفيها لتجلسها ...ماسحة دموعها من وجنتيها مستفهمة ببكاء هي الأخرى: سحر أختي ما الذي يبكيك ؟..من أحزنك؟ ؟
لتنفجر سحر ببكاء مرير أكثر و كأن فتيل حرب حزنها أشعل ...كسدٍ فاضت مياهه فقرر التمرد ...تبكي بألم مزق نياط فؤادها...تذرف دموع إنكسارها و قلة حيلتها ..وضعت يدها المرتجفة على قلبها الدامي علها توقف نزيفه...لتضربه بضربات واهنة عاجزة خاذلة تترجاه أن يرحمها ويسمعها...فحضنتها شهد مشاركة إياها حزنها وبكائها مستفهمة منها بوجع : ماذا حدث ؟..هل..هل هو بسبب عمي ..هل عاد مجددا ..سحر لا تحرقي قلبي بالله عليك ما بك؟ ؟
لترتعش أكثر واضعة كفها المرتعش أيسر صدرها حيث قلبها هامسة بخفوت بصوتها الممزق المدمي: قلبي ..قلبي يا شهد يؤلمني ..
رفعت عينيها المحمرة المتورمة من شدة البكاء، مع إرتعاش مقلتيها اللازورديتين وإرتجاف شفتيها، رامقة أختها الصغرى بنظرات معذبة مجروحة وكأنها تبث لها سمفونية الآهات مغمغمة بصوت مبحوح: قلبي لا يحتمل ..أنا ..أنا أختنق والله ..سأموت ..
لم تحتمل شهد أكثر فضمتها بقوة مواسية ومشاركة إياها ألمها وبكاءها هاتفة بصوت متهدج : ما به قلبك ؟ ؟
تمسكت بها سحر أكثر ، مهمهمة بوجع أرهق روحها النازفة مسبقا : لن أحتمل أكثر شهد..سأموت ..سأموت..لا طاقة لي..
بكت شهد بمرارة أكبر مع أختها حاضنة إياها أقوى محاولة منها إبعاد شبح الأفكار السوداء عنها : سحر حبيبتي إهدئي...أنت بخير، بخير ، حسنا ..
لتشعر فجأة بثقلها ..أبعدتها قليلا عنها ..فتجلى لعينيها الدامعتين وجهها الشاحب الباكي وهي مغيبة عن الوعي..لتهلع أكثر محاولة جعلها تستفيق مردفة برعب : سسسحر ..أفيقي.. (فصرخت اكثر تهززها هادرة بها) سحر بالله عليك..
وقفت مرتجفة بضياع مهرولة خارج الغرفة حيث بيت جارتهم هدى ...لتعود بها بعد ثواني ..لتنصدم الأخرى بها وهي ذابلة، فإقتربت منها بسرعة محركة إياها واضعة رأسها بحجرها ماسحة قطرات العرق من جبينها، ووجهت أنظارها نحو شهد المرتعبةx مخاطبة إياها: شهد أحضري زجاجة عطر بسرعة .
تحركت الأخيرة بتشتت محضرة ما طلبت ، فرشت هدى بعض منها بكفها وقربتها من أنف سحر ..لتبدأ الأخرى بتحريك جفنيها كنوع من الإستجابة..فحمدتا كلتاهما الله على سلامتها ...وتدريجيا فتحت جفنيها مستفيقة من الإغماءة..
- سحر كيف أنت الآن..؟؟
إستفهمت منها جارتها هدى بهدوء، لتومئ سحر لها بصمت عاجزة عن فتح فاهها ..
تطلعت هدى بشهد الباكية الشاكية هاتفة: شهد أحضري القليل من ماء من فضلك صغيرتي ..
تحركت الأخرى لإحضاره ..فحاولت هدى أن تجلس سحر نازعة لها وشاحها كي تتنفس بوتيرة أحسن مردفة بلين: سحر إرتاحي بسريرك أفضل ...
قاطعهم ولوج شهد بكأس الماء حيث قربته لفم سحر شاربة منه بضع رشفات علها تبلل حلقها قليلا ..
فوقفت الأخيرة بضعف واهن وأسندتها شهد لكي لا تقع ...متسطحة على السرير وكأنها جثة خالية من أي أمل بالحياة ..قبلت شهد جبينها المتعرق الندي برقة...مغادرة الغرفة مع هدى بعد أن تأكدت من إستسلامها للنوم وكأنه مهربها الوحيد ..
حدقت فيها هدى وهي جالسة على الأريكة ماسحة دموعها: شهد..تعالي وأخبريني ما بها أختك؟ ؟ لم أفهم شيئ غير مجيئك لبيتي وبكائك وصراخك بإسم سحر؟
دنت منها الأخيرة بخطوات بطيئة حزينة مغمغمة بحشرجة : أقسم لك لا أعرف شيئ ..فقط عدت للبيت ووجدتها بالغرفة تبكي بحرقة وتقول أن قلبها يألمها وتختنق، ثم أغمي عليها ..
تساقطت دموع شهد وهي تشرح وتبث لها ضياعها هي الأخرى هامسة بوجع قد أضناها: لا أستطيع تخيل حياتي بدونها والله ..سأضيع من دون سحر ..هي صديقتي وأختي وأمي لا أحد لي من بعد الله غيرها..هي عائلتي المتبقية يا هدى ..
ربتت الأخيرة على كتفها بود هامسة لها: لا تقلقي هي ستكون بخير ..لطالما كانت سحر قوية وصامدة إطمئني ..إبقي معها ولا تتركيها بالغرفة وحدها ، حسنا ..أنا سأعود للبيت لأطمئن على كرم فقد تركته بمفرده وسأحضر لكم العشاء لهاذا لا تتعبوا أنفسكم بالطبخ ...وأنزل لكم بعدها علني أفهم من سحر ما ألم بها ..
أومئت لها شهد بإيجاب محاولة طمئنة نفسها أن شقيقتها بخير وستقاوم كعادتها ..
:
•♡•
:
تخطى عتبات الباب المصنوع من خشب الزان البني ..يمشي بخطوات تدب الأرض على إستعجال ...لتقابله تلك الخادمة الشابة ذو الرداء الخاص بطاقم الخدم في بهو القصر تنظف أحد التحف المتواجدة على محيط الجدران ..فحدثها متسائلا: نور هل والدي هنا؟ ؟
لتستدير له الأخيرة فجأة مجيبة إياه بكل إحترام: أهلا بعودتك سيد عصام...نعم السيد جاسم بمكتبه الآن ، لقد عاد قبل حوالي الساعة تقريبا ..
تبسم لها بخفة موجها خطواته نحو المكتب المقصود متابعا كلامه معها: هلا طلبت من جوليا أن تأتي للمكتب بنيتي ..
- حاضر سيدي ..
أجابته، مومئة له بإيجاب
طرق طرقات وقورة على باب ذلك المكتب الخشبي الصلب الكبير ذو اللون الباجي ..فتهادى لمسامعه الإذن بالدخول ..
-السلام عليكم يا والدي ..
تحدث بهدوء مقتربا منه أكثر متخطيا الأرائك الجلدية الفخمة ذات اللون الرمادي ، يدنو منه مقبلا جبينه ليجيبه والده: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بني ، وأخيرا عدت ..
فإتجه صوب أحد الأرائك جالسا عليها بتعب متكئا بذراعيه على ركبتيه واضعا رأسه بين كفيه وكأنه في صراع مراثوني ..فتوجس والده على مرأى إبنه الواهن ، ليستفهم منه بهدوء:
-ما بك يا عصام تبدو مرهقا على غير العادة ..هل حدثت مشاكل لأعمالنا بالمدينة الأخرى ؟
رفع الأخير رأسه لأبيه ذو السن السبعين أو أكثر، والذي يبدو أقل من سنه الحقيقي بكثير بفضل حفاظه على قوته وثباته رغم سنوات حياته التي قضاها في كفاح لأجل الحفاظ على بقاء الأسرة ذات شأن ووزن في الدولة وبين باقي السلالات الأخرى ..فهو ذلك الرجل شديد البأس ذو الكلمة النافذة كسيف قاطع والرأي الصارم لا يقبل الجدال الباطل معه أو الخروج عن طوعه وأوامره ...كملك عظيم متربع على عرش مملكته ..إستطاع بحنكته وذكائه وحزمه وحسن سيرته وأخلاقه العطرة أن يصنع إسما محترما متوليا زمام العائلات العريقة بالبلد طوال عدة عقود طويلة ..
تنهد عصام ماسحا وجهه بكف يده كمحاولة لتخفيف توتره هامسا: كنت فقط أتحرى عن بعض الأمور ..أرهقت على إثرها لا غير..
عقد السيد جاسم حاجبيه بإستغراب مستفسرا : أمور ؟؟..أي أمور هذه التي تتعبك بهاذا الشكل ؟؟
كان على وشك الرد ..إلا أن طرقات خفيفة على الباب حالت دون ذلك..فرد آذنا لصاحبها بالدخول ...
فطل عبر فتحة الباب ذلك الوجه الجميل الأبيض البهي ذو الإبتسامة السمحة والتي إتسعت أكثر مرددة: السلام عليكم ، هل ناديتني عصام ؟
فإقتربت منه بخطوات محبة مشتاقة حاضنة إياه برقة بعد أن إستقام لها ..ضمها له أكثر متشربا منها القليل من السكينة ..سائلة إياه بهمس لطيف محبب له: كيف حالك عصامي ؟
إبتسم بدفئ عليها بسبب ذلك الإسم الذي أطلقته عليه منذ زواجهما ..عصامي ..فقد إعتبرته سندها وقوتها ووتين قلبها وعصمتها ...ليبعدها قليلا متأملا ملامحها الرقيقة مردفا: الحمد لله أنا ..المهم أنت كيف حالك وعذرا على تأخري..الظروف كانت أقوى مني ..
- إحم..إحم..هل أخرج أنا، لتكملا تبادل الأشواق براحتكما ...أم ماذا ؟؟
قالها الجد جاسم بسخرية على إبنه وزوجته..
لتحمر وجنتيها حياءا ، متخذة مجلسا على الأريكة المقابلة لزوجها متسائلة: هل طلبتني عصام ؟؟
-نعم جوليا طلبتك لأخبرك بأمر هام جدا..
أجابها الأخير بهدوء، ثم وجه أنظاره نحو والده ليراه صامتا مترقبا إياه بحيرة وتوجس ، فإسترسل كلامه ب : الأمر متعلق بها
قطبت جبينها بتسائل وإستغراب مستفسرة منه: من تقصد، لم أفهم؟
أنزل بصره نحو يديه محدقا بتشابكهما على ركبتيه بإرتباك وكأنه على وشك تفجير قنبلة ما..مجيبا إياها بصوت مبحوح بالكاد خرج من فاهه: أقصد ..إبنتنا سحر..لقد..لقد وجدتها
صمت تام....كصمت القبور فجأة حل بالمكان بعد الكلمات التي ألقيت على مسمعهم...
مقلتيه المرتعشتين كانت تعانِق الأرضية ذات السجاد البني المزخرف..لم يتجرأ على رفع أنظاره لها...ربما تملكه الجبن من مواجهة نظراتها المصدومة..المذهولة..المقهور ة..لكن لا مفر من الصدام، يكفي إنكسارًا...كافاهم آلامًا..رفع نظراته لها لتتصلب أطرافه لمرأى وجهها الشاحب وعيونها الزائغة وكأنها أبصرت شبحًا فجأةً..ترتجف شفتاها وحدقتي عينيها ترتعش ..لتغشاها طبقة شفافة من الدموع ...تفتح ثغرها لتهمس بكلمات ما...لكنها تتراجع..علَّ أذنيها أخطأت السمع هذه المرة أيضًا..أوَلَيس سمعها منذ سنوات يرسل لها ضحكات صغيرتها في أحلامها... ليس هاذا بجديد عنها...أكيد ليس بجديد !!
-م..ماذا قلت؟ ؟
صوت والده أعاده للواقع ..فرآه هو الآخر مصدومًا رغم ثباته الظاهري..إلا أنه يدرك جيدا أن والده أحن ما يكون على أولاده وأحفاده خاصة..إبتلع ريقه ليحول بصره لزوجته مكررًا جوابه بصوت ضعيف واهن : كما سمعتم..لقد عثرت على إبنتي ..إبنتنا يا جوليا "سحر"..هي حية ترزق حمد لله ..وجدتها ..
شهقة خرجت منها..فإنسابت دموعها..دمعة تلو الأخرى...رغم تعبها الجسمي ونزيف قلبها الحاد ، ورغم رجفتها الآن تحاول النهوض لتتأكد من كلماته ..ربما قربها منه يأكد أو ينفي كلماته المنسابة لها...أو عله يغير ما تلقته مسامعها منذ ثواني..لكن للأسف ساقاها وهنت وما عادت تحملانها من قوة الخبر ...لتعود جالسة مرة أخرى..لترفع كفيها المرتجفين أيسر صدرها حيث قلبها النابض بعنف عساها توقف هيجانه حتى ولو مؤقتا...لتعزم على إطلاق سراح لسانها المعقود بفعل الصدمة هامسة بحشرجة باكية :مماذا..؟؟! من قلت !!!!
زفر بقوة متنهدًا، متوشحًا برداء القوة والصبر كي لا ينهار هو الآخر..يكفي أنها بالكاد تتمالك نفسها ...إستقام واقفا مقتربًا منها ..ليركع على ركبتيه جاثيًا قبالتها..يحتوي وجنتيها المبللتين بدموعها بكفيه هامسا مصرحا: إبنتنا يا جوليا..هل سمعت ..إبنتنا ..صغيرتنا وبرعم عائلتنا ...هي حية ..لقد قابلتها ..أتصدقينني !!
إزداد نزيف قلبها و إرتفع صوت نحيبها أكثر فأكثر...لتتشبث بكفيه المحيطة خديها..ونظراتها المشوشة ، التائهة تعانق عيونه الدافئة المشفقة الثابتة ، تبتلع ريقها ...هامسة بنبرة منكسرة تستجديه: أنت..أنت لا تمزح أليس كذلك؟...أنا زوجتك رفيقة دربك...يعني أكيد أنت لا تخدعني..هي..هي أين؟..أريدها ..أين هي..إبنتي يا عصام، إبنتي أين...؟؟؟؟
لتقف فجأة جاذبة إياه من ذراعه صارخة ببكاء مزق نياط قلبه الملتاع مسبقا هادرة بوجع : خذني لها الآن...أريد رؤيتها..أريدها ..
إستقام هو الآخر واضعا يديه على كتفيها ليهدأ روعها، وأنّى لها أن تهدأ ، متحدثًا بهدوء مصطنع: توقفي عزيزتي..ليس الآن ..لم يحن موعد لقائها بعد..
بهتت ملامحها فجأة ..و إزداد فيضان دموعها..هامسة بكل قهرها: أنت..أنت قلت أنك رأيتها..يعني أنها موجودة..أنا أريد هاذا أيضًا...عصام أريد أن أشم ريح إبنتي..دعني أكحل مرأى عيناي بها ..علَ اللَه يأخذ روحي بعدها ..أرجوك أنا..أنا أمها ..أرجوك
شدها لحضنه ضاما إياها بكل قوة ربما يتشرب بعضا من خيبتها ومرارتها ليغمغم بعدها: عليك بالصبر قليلاً ..ثقي بي سترينها قريبا أعدك..لكن فلنمهلها بعض الوقت فقط...
أبعدته عنها بقوة فتقهقر متراجعا للخلف بضع خطوات...هادرة في وجهه كلبؤة شرسة ،صارخه به لتمتزج كلماتها بآهاتها: لا..وألف لا...هل فهمت؟..ستأخذني الآن..لأرى إبنتي لن أتحمل أكثر..بعد أن وجدتها أخيرا بعد سنوات طويلة تريد مني أن أبقى بعيدة عنها..مستحييييييل..لا أحد سيمنعني لااااا أحد ....هل سمعتني لااا أحد..
لتشد وشاحها المغطي رأسها بيديها وكأنها تريد إقتلاعه تبكي وتصرخ بهستيريا ضاربة بقبضتها على صدرها صارخة بلوعتها التي بلغت أشدها: إبنتي تنتمي لي أنا فقط...أنا أمها...لن أحترق أكثر ببعدها..خذني لها ... ماذا تنتظر.. ؟؟
إقترب منها رويدا يحاول أن يهدأها ويمتص غضبها وألمها وهو يراها ترزح تحت هذه الإنفعالات ..متجاهلا تلك الدمعة الحارقة الساقطة من عينيه..بالله عليكم كيف يلومها وهي القلب الهش الرقيق الذي طعن في فلذة كبده..ماكان ليلومها و لا يعاتبها ، فلا عتاب على أم مجروحة بجرح غائر متقرح لم يشفى ولن يشفى إلا بعودة ضناها المفقود...دنى ببطئ هامسا بعذاب هو الآخر:
-عزيزتي إهدئي قليلا..سأشرح لك كل شيئ حسنا..فقط أعطيني فرصة وإسمعيني ..
حدقت فيه بغضب أعمى ومدمعها يواصل سقوطه وذلك القهر ينغل جوفها المدمى مسبقًا، رافعة سبابتها في وجه صارخة به: لن أهدأ ..لن أهدأ إلا بحضن إبنتي..فليذهب هاذا الهدوء لسابع جحيم هل فهمت ؟..خذني لإبنتي..أو سأذهب أنا وحدي بحثا عنها ، أصول وأجول حتى أعثر عليها بنفسي ...تعبت لا طاقة لي بعد الآن..يكفيني بعدًا عنها ...رحماااك يااارب
تطلع بها عصام والنار المشتعلة بصدره تزداد إتقادًا، متأملاً زوبعة مشاعرها ودموعها التي تجلده بسياط القهر و العجز، نظراتها المستجدية تلك التي تبث له وجعها وقلة حيلتها، تخترق فؤاده كنصل سكين حاد يغتاله كل حين، مدركًا أن ألمهم لن ينضب أبدًا إلا بعودة صغيرتهم لهم ،و هاذا ما يسعى لحدوثه طبعا، إبتلع ريقه وكأنه جمرات تلسع روحه من الداخل، متخذا خطوات مهتزة نحوها عله يمدها بالسكينة فتهدأ على إثرها، فغر فاهه كي يتحدث، إلا أنها نهرته بصراخها الملتاع ، فقد إزداد إحتراق جوارحها وأدمي كيانها جراء سيل الذكريات الماضية التي عادت لها بقوة، تغزوها بشدة كنيران متأججة سكنت بين جنباتها، ومضات من إختفاء صغيرتها، مشاهد من ضحكاتها وقهقهاتها الشقية التي تلاشت معها ، سمفونية من أحرفها الأولى التي صرحت بها متلعثمة، صارخةً بلوعة يشوبها القهر: لست بحاجة لأي حجج ياعصام...يكفيني كلامًا ..أريد إبنتي..أخبرني أين صغيرتي ألا تسمع؟؟
رفعت كفيها الإثنين نحو رأسها تجذب وشاحها المثبت على رأسها تريد إختراق جمجمتها، بنظراتها الزائغة ووجهها الشاحب، تنفسها المتسارع نتيجة حزنها وشدة إنفعالها، إنسابت الذكريات القاسية لرأسها دفعة واحدة، تذكرها بخذلانها لصغيرتها، بضياعها، إختطافها المفاجئ، مغادرتها دون عودة، صوتها الرقيق الطفولي المنادي لها بأحلامها، ترجوها أن تجدها، أكثر من عقدين والألم ينهش كيانها هي خاصة ، ذبلت تماما وإنطفئت روحها، شنقت بحبل البعد، وذبحت بسكين القهر، صوت نحيبها يعلو والوهن يغزو أوصالها ، فجثت على الأرض بضعف متمتمة بخفوت شديد وصوت باكي متحشرج: أريد ابنتي..سحر صغيرتي ضيعتها
وقف عصام عاجزًا وقد تهدلت كتفاه مشدوهًا لمرآها المعذب لفؤاده، حبيبته تحترق بنار الأمومة المطالبة بضناها، وهنت قدماه هو الآخر وما عادت تقوى على حمله، أليس هو أيضًا بأبٍ مزقت نياط قلبه، وأهلكت روحه بضياع إبنته، ألم تكن تلك الصغيرة هي برعمته و أميرة عرشه المدللة، دنى منها بخطوات مشتتة راكعًا بقربها محتويًا إياها بين ذراعيه يشدها لصدره بقوة متشربًا منها خيبتها وجزعها وكل أوجاعها ، مدركًا جيدًا كبوتها النفسية العصيبة التي ألمت بهم جميعا وهي أكثر من تأثر بذلك، ولازالت تعاني تبعاتها الموجعة، هدهدها بحنو مبتلعا ريقه بألم أضناه هو الآخر، هامسا بنبرة يشوبها الإصرار مرسلاً من خلال أحرفه وعدا مختومًا بإسمه: أقسم لك يا جولي سترينها قريبًا ..هاذا وعد، ووعد الحر دين، فقط أمهليني وقتًا، بالله عليك تماسكي فهي الأخرى بحاجتك.
أبعدها قليلا عن حضنه مكوبا وجنتيها بحنان متشربا من محياها البهي الذي لم تزده دموعها المغرقة لوجهها ولا شحوبها وإهتزاز مقلتيها الشارد مع إرتجاف شفتيها إلا جمالاً وبهاءًا سخيًا لم يتغير طوال ثلاث عقود وأكثر من زواجهما
رمقته بتشتت تتحرى صدقه، فهو لطالما كان صادقًا صريحًا معها ولم يخذلها يوما، لكن هي الآن في دوامة أفكار ستفتك بعقلها وتفقدها رشدها وصوابها، لم تعد تعي شيئا، لم ترد إلا صغيرتها، أصعب تحقيق هاذ المنى ! رفعت كفيها المرتعشين قابضة على ذراعيه اللذان كانا حولها بقوة ، مبتلعة ماء حلقها الذي جف جراء صراخها هامسة بنبرة مهتزة خافتة: هي..هي تحتاجني حقا..إذا خذني لها ..صغيرتي تريدني طبعا..وأنا أحتاجها كي أستعيد رشدي قليلا، سأجن ببعدها والله يا عصام
زفر بخفوت ماسحا على صفحة وجهها لاثمًا جبينها الندي بحب ، مغمغما بغصة حارقة: تريثي فقط..أعطيني قليلا من الوقت ..قليلا فقط، رجاءا أنا أتعذب مثلك وأكثر ..
إستقام الجد من مجلسه بعد سكونه وصمته طوال الوقت، متدراكًا نفسه جراء وقع الصدمة إثر هاذا الخبر المفاجئ الذي ألقي على مسمعه قبل برهة ، يواري إنفعالاته الداخلية بتوشحه المعتاد بذلك الوجه الهادئ الجاد ذو التقاسيم الوقورة ..خاصة بعد إنهيار زوجة إبنه على إثره وكأنه كان يتفهم ردة فعلها ..وما كان يتوقع بأقل من هذا ..وكيف لا..وقد سمعت خبرا زلزل عرش صمودها الظاهري لسنوات عدة...دنى منها بخطواته الرزينة مع عكازه الأثري القديم المتوارث عبر الأجداد..ربت على كتفها بكل حنو أبوي محاولا أن يعيد تركيزها مردفا بهدوء : إجلسي بنيتي وإهدئي قليلاً...أنت خَير من تعرفين إبني عصام...لم يكن ليحرمك من شيئ أو رغبة معينة إلا لوجهة نظر ما ، خاصة فيما يخص موضوع حفيدتي ..فقط دعي له فرصة الشرح والتوضيح ..
حولت أنظارها له..وتفكيرها بفوضى عارمة، وكأنها في دوامة إعصار عنيف ترفعها وترديها أرضًا مرة بعد أخرى...لم تعد تفهم أي شيئ هي فقط تريد صغيرتها...هل هذا بكثير عليها !! هي أكثر من تعرف زوجها عصام وتدرك جيدا شهامته وطيب خلقه ومعدنه الأصيل ، و لطالما كان ملَبِيِّا لها كل رغباتها وعن طيب خاطر...إذا ما الذي تغير الآن ؟؟ ..لا شيئ..وعند هذه نقطة بدأ غضبها يتسرب تدريجيا وإنفعالها يبهت قليلاً..فحماها معه حق..فلتسمعه أولاً ...خنقتها العبرة مبتلعة ماء حلقها ماسحة بكف مرتجف ذرات العرق من جبينها...وكفين آخرين أحاطت خديها تمسح دموعها المنسابة عليهما دون توقف..لتلتقي مقلتيها المرتعشتين الشاردتين بعيونه الحانية المحبة، وكأنها ترسل لها كلمات طمئنة عبر نظراته المتفهمة..أولَم تګن نظراته طوال عهد حبهما تبعث لها برسائل صامتة حاملة في ثناياها آمال وعهود دربِ ..وحب وصبر ووعد لها ...
تومئ له بصمت مرير دليل موافقتها رغما عنها وعن هدير فؤادها الممزق ، محاولة الإنصات له و التماسك قدر الإمكان..وكأن لها خيار آخر غير الصبر والثبات في هذه اللحظات العصيبة..
فإستقام مساعدًا إياها على الوقوف هي الأخرى بوهن شديد، متحركًا معها جالسًا بقربها على الأريكة ضامًا كفيها المرتعشين بين يديه علَها تمتص منه الأمان كما تشربت منه الصمود طوال سنوات ألمهما ..هذا إن لم يكن هو من صمد بفضلها بعد الله سبحانه..هي ..وهي فقط عزوته مصدر قوته وشموخه المعتاد..
:
•♡•
:
تتحرك داخل المطبخ بخطواتها الرتيبة...لاشيئ يسمع غير صوت تحرك الأواني بين يديها...تحمل صحن الخضر المقطعة تسكبه في القدر الموضوع على نار الموقد...كنار قلبها الموقدة ...وجهها كساه الجمود..نظراتها الميتة الخالية من روح الحياة..بعد لحظات تهادى لها صوت رنين جرس باب بيتهم ، وخطوات والدتها المهرولة المسرعة فاتحة إياه...ليصل بعدها لمسمعها صوت أمها المرحب بضيفها والمهللة به وبقدومه...أتاها نداء الأخيرة طالبة منها تجهيز القهوة لإبن خالتها "هاني"..
تخشب جسدها بغتة وجفت عروقها من ضخ الدماء..أغلقت جفنيها عاضة على شفتيها بقوة فأدمتها...هامسة بكلمة فقط تّبا..أخذت شهيق زفير محاولة إسترجاع أنفاسها المسلوبة...مجهزة ما طلبت والدتها منها، وروحها الخاوية تئن من سقم الذكريات الماضية.
بعدها بدقائق دلفت أمها المطبخ مخاطبة إياها: سهام بنيتي...تعالي وسلمي على إبن خالتك..
تجاهلت الأخيرة طلبها مغمغمة بصوتها الخافت: خذي الضيافة يا أمي ...ضيفك في إنتظارك..
زفرت والدتها بهدوء حاملة الصينية مردفة: بنيتي هاذا لا يصح ...عليك...
قاطعتها الأخرى مصرحة بهمس واهن : أمي من فضلك..لا أريد رؤية أحد لا تصري رجاءًا...
كان متخذًا مجلسا على الأريكة الجلدية حليبية اللون، ذات الطراز الحديث وعيناه آخذت حرية التجوال في حنايا المنزل، لترتفع شفتاه في إبتسامة ساخرة على ما مضى من الأوهام...
تجلى له كيان خالته عطاء حاملة بين يديها صينية تحتوي على فناجين القهوة ..فإستقام واقفا إياها: خالتي أخبرتك ألف مرة أن لا تتعبي نفسك ، فلست ضيفًا..
إبتسمت الأخيرة بدفئ مرددة بحنو : أي تعب هاذا يا بني..بالإضافة أن سهام هي من أعدتها ولست أنا...
إحتدت عيناه بشدة لذكر إسمها..ذلك الإسم اللعين ..إسم على مسمى تماما..سهام حقا ...فلطالما أبدعت في القنص بسهم سمها الفتاك..
ألقى ذكراها لمؤخرة ذهنه فلم يعد يبالي بأي من سخافاتها، حيث ردد : وأنت خالتي كيف حالك...وحال زوجك العم رضا؟
تبسمت عطاء بمحبة هاتفة: الحمد لله بني على خير ما يرام...أنا عاتبة عليك أنت...بالله عليك كيف تهجرنا لثلاث سنوات دون أن تطأ قدماك بيتي...ما كان العشم هكذا يا هاني..
إبتلع الآخر ريقه محاولا أن يداري غصة مرارته الشبيهة بمرارة العلقم ...ثلاث سنوات مرت كجحيم مضني...كانت بها موته وسهاده وأرقه وعذابه..زم شفتيه مجبرا نفسه على التمالك..وجسمه على عدم تفاعل ...مرددا ببحة رجولية: عذرًا خالتي ...كنت مقصرًا معكم أعلم..لكن الظروف من أجبرتني على ذلك بسبب ضغط العمل ليس إلا...لكن أعدك لن أقصر مجددًا، هاذا وعد مني ...
لانت تقاسيم الأخيرة بحنو له متحدثة: بوركت بني ..حفظك الله من كل سوء..بالمناسبة ما أخبار والدتك معك؟..سمعت أنها تخنقك ...
ضحكت بخفة عليه ...فقلب الآخر عينيه على ضحكها الساخر مستفهما : أراهن بنصف عمري أن أمي هي من تتصل بك مفتخرة بتعذيبها لي..
إزدادت قهقهة السيدة عطاء بعد تجهم وجهه الوسيم مخاطبة إياه : شقيقتي وأعرفها متملكة وذات حب وحنان فطري ..تعطي جل حبها لمن تهواهم..تذكرني بأختي جوليا...حب عظيم يحتوي الجميع...
إرتفع حاجبه بسخرية على كلامها معقبًا بعدها :حقا !!..هاذا هو شعاركم الإستبدادي لنا...حب عظيم يحتوي الجميع..حقا !!...تقصدين يقتل الجميع يا خالتي...أيضا لا أظن كل من أدهم وزياد يشربون من نفس كأسي...أراهم طبيعيين بكامل قواهم العقلية عكسي تماما....
تعالت صوت ضحكاتها من جديد ...محاولة الرد: بالله عليك يا فتى لا تبالغ..أنا و جوليا ووالدتك أتذكر عندما كنا صغارا أننا أخذنا عهدا أن نكون نعم الأمهات و أن لا نبخل على أطفالنا بالحب والحنان....
قاطعها الآخر مغمغما بتهكم: هناك فرق يا خالتي...يوجد فرق كفرق السماء عن الأرض...بين أن تعطونا الحب الطبيعي...وأن تغرقوننا به..حسنا ، تخيلي مجموعة صغيرة من النمل ترمونهم في محيط كبير هادر الموج...أجل النملات هم نحن للأسف والمحيط هن أنتن...
وضعت كفها على فاهها محاولة كتم ضحكتها قدر الإمكان لكي لا تفضح بين الجيران مرددة: ليس لهذه الدرجة يا ولد
هز رأسه على إنكارها ليرد ساخرا: نعم ليس لتلك درجة..بل لدرجة أنني عندما كنت في المدرسة كانت أمي تجبرني أن آخذ معي شطيرة على شكل قلب...وتلك العلبة الغبية المعبئة بملصقات القلوب الحمراء...عذرا خالتي لكن لديكن إفراط رهيب في صيغة الحب ذاك...هاذا خلل تقني يجب تداركه ..أمهات آخر زمن ذوات الحب الغريب...
تخللت البسمة ثغرها من جديد محاولة التكتم عليها، لكنها تنفجر مرة أخرى على سخريته الظريفة..لطالما كان هاني مرحا ساخرًا يضيف للجو البهجة والسرور قريبًا للقلب والروح..يشبه إبن أختهاx زياد ...عكس رعد وأدهم اللذان تميزا بالجدية والرزانة والثقل طوال الوقت ...
تنهدت بخفوت ،متحدثة بهدوء: إسمع ...الأم عندما تهتم بأطفالها وتحتويهم بكل حبها ...عندها ينمون سليمين عاطفيا ويصبحون أفرادا أسوياء ...محبين وواثقين بأنفسهم وبأهلهم ..بإختصار الأم المحبة الذكية تنشأ فردا إيجابيًا في المجتمع...
قلب عينيه على كلامها مغمغما بتهكمه المعتاد: ماشاء الله علم نفسي عظيم يا خالة..هذه المرة أراهن ببرودة الشمس وسخونة الثلج أن هاذا كلام خالتي جوليا ..أقصد الطبيبة النفسية الأم..وأيضا هناك فرق بين أن تعطي بعض الحب والرعاية للطفل، وبين أن تغرقيه به لدرجة أن الحب أصابه بالتخمة فلا يهضمه بعدها أبدا...ليجعله ذلك يقبل القطط والسيارات في الشوارع ...هاذا إن لم يقبل الجدران أيضا من فرط الحب المعطى له...رحم الله أيام زمان كان الطفل يقبل مرة واحدة فقط عند ولادته ثم يرمى على الهامش طوال حياته..ضاعت الأسر في وقتنا بسبب جبروت النساء..
إرتشفت من قهوتها متداركة نفسها كي لا تختنق بها بفعل ضحكها على كلماته الساخرة : وبالتالي سيكون معاقًا عاطفيًا بني ولا فائدة ترجى منه....
وضع فنجان قهوته هو الآخر رادًا عليها: معاق عاطفي أفضل بكثير من متخم بالحب كشاكلتنا نحن أبنائكم..مع أنني متأكد أن أخواي مؤنس و يزن هربا للغربة بسبب حبكم المفرط هذا...أنتم تتحملون ثمن غربتهم يا خالة..
قهقهت بخفة مجيبة إياه: أجل صدقتك في هذه
لتتنهد بعدها في حسرة و تختفي بسمتها تدريجيا وكأنها أعيدت لواقعها المر مرددة بخفوت وذلك على مرآه هو: لا يوجد أعظم من الضنا يا بني..يوما ما ستدرك ذلك عندما تحمل صغيرك بين ذراعيك ...صدقني سيختفي الكون كله بعظمته ...بكنوزه..وتتجلى لك فقط تلك القطعة الصغيرة من اللحم والروح النابضة بالحياة في ثناياه...ستضع حياته وسلامته وراحته وكل شيئ يخصه قبل ما يخصك أنت ..أظن أن والدتك أخبرتك عن ما كابدناه في صغرنا ..
عم الحنو والدفئ تقاسيم وجهه مجيبًا: نعم...لطالما كانت والدتي ترددها في كل مناسبة ..عندما توفت جدتي وأنتن صغيرات وتولى جدي تربيتكن ورعايتكن بمفرده..وهو الذي آثر أن يضل أرملاً مع ثلاث بنات صغيرات وفيًا لزوجته الراحلة على أن يتزوج من جديد مضحيًا بزهرة شبابه لأجلكن مغدقًا عليكن بكل الحب والدلال والرعاية ..
أومئت بهدوء وقد شردت بتلك الذكريات التي تزهر بالقلب ورودا جورية فيخفق الفؤاد لها طربًا وفرحًا مهمهمة: كان نعم الأب حقًا ...وأبرز ما كان يفتخر به هو أنه نال شرف تحقيق وصية رسول الله عندما قال صلى الله عليه وسلم حين قال { مَن كَانتّ لَه ثلَاث بنات فَصَبِر علَيِّهِن وسَقاهِن وَ كَسَاهِن كنا حِجابًا لَه من النار}
لطالما كان يوصينا أن نسند بعضنا البعض وأن لا تفرط إحدانا في الأخرى ..ولم يهنأ له بال حتى زوجنا لخيرة الرجال دينًا ونسبًا وسمعة ليطمئن قلبه علينا في حياته قبل مماته رحمه الله ..
همهم هاني بخفوت: رحمه الله .
تتابعت كلماتها وكأنها غير واعية: والآن نرى أبنائنا يعانون ولا قدرة لنا على مساعدتهم..
تحشرج صوته مغمغما بتسائل: من تقصدين بالضبط؟
زفرت بخفوت محاولة التماسك والثبات: من أقصد برأيك يا بني ...أكيد إبنة شقيقتي جوليا المفقودة ، وسهام إبنتي تغيرت تمامًا بعدما حدث لها ..لم تعد كما كانت بل وكأنها أصبحت جثة مهشمة الروح ..
تبسم هازئًا من الواقع الذي ما عاد على حاله مردفًا بعدها: ألم يكن هاذا هو خيارها..ماعادت تلك الصغيرة المتباكية خالتي ..إذا فلتتحمل ما خطته بيداها..
مطت الأخيرة شفتيها إثر كلماته الغير مبالية لتعاتبه مرددة: ما خطبك يا فتى؟..كلنا بشر وما عصم أي إنسي من إرتكاب الخطأ...هكذا هم جنس بني آدم جُبلوا على الهفوات..وأيضا أظن أن هذه هي تبعات الحب لديكم شباب هاذا الوقت..
شرد بأفكاره بعيدًا...سارحًا في عالم آخر كان قد مضى وما كان له أن يبقى...توالت كلماتها لمسمعه من جديد : يا إلهي ...الجو بدأ في التلبد..علي أن أدخل الغسيل من السطح بني إعذرني...
أومأ لها الآخر بهدوء مردفا: لا بئس خالتي خذي راحتك..
تحركت الأخيرة بخطواتها صاعدة عتبات الدرج المتتالية...فإستقام هو مغادرًا البيت...لكن توقف فجأة مغيرًا بصره لباب المطبخ فإسودت نظراته و علت ثغره بسمة حملت في ثناياها المكر والسخرية...لتتخذ قدماه مسارًا غير مساره الأول..حاملاً معه فنجان قهوته ..مقتربًا منه متخطيًا إياه...فتسمرت حركته هناك ..وتتجلت أمامه هي ...جسدها الرشيق ذاك الذي توشح بفستان صيفي الواسع بلونه الوردي الباهت ووشاحها الموضوع على رأسها بنفس اللون والذي يداري عنه شعرها ..كانت تقابله بظهرها قرب الموقد...
تخشبت أطرافها هي الأخرى..وإستكان جسدها على إثر القشعريرة التي مرت عبر عمودها الفقري بعد أن أحست به خلفها أو أن قلبها هو من أعلمها بذلك..لتضغط بيداها على الطاولة علها تحافظ على توازنها..مسدلة جفناها بقوة محاولة التنفس بأريحية غير آبهة بمن دلف توا للمطبخ..فتحت عينيها مستديرة له بكل برودها ..وقابلها هو.."هاني"..إبن خالتها ضحى...بجسده الطويل والمنكبين العريضين متوسط الوزن وشعره ذو الشقار الطبيعي وبشرته الخمرية بلحيته الخفيفة .. مع عينين زرقاء صافية كالمحيط الهادئ..تعلو شفتيه تلك الإبتسامة الشامتة الساخرة...سحقا لحياة أخذت منحًا آخر...عكس ما توقعنا وأملنا ..لترد عليه بنفس
إبتسامته متحدثتة بصوتها الجاف: نعم حضرة السيد هاني..تفضل هل أساعدك بشيئ..؟
ناظرها بإستفزاز من الأعلى للأسفل مرددًا بنبرة مبطنة بحقد دفين ونفور كبير: أهلا بك أيضا يا بنت الخالة..ماذا هل نسيت آداب الترحيب بالضيف أو ماذا ..
تململت في وقفتها قالبة عينيها مخاطبة إياه: من فضلك غادر إن كنت قد أنهيت كلامك السخيف..
تملكه الغيظ منها لتحتد عيناه بنظرة غاضبة قائلا بنبرة عابثة: أرى أن والدك أصبح يستقبل المطلقات ببيته..هل ملّ زوجك المبجل سريعًا منك ليرميك خارج حياته بهذه السهولة ..مسكين زوج خالتي فليصبر على ما إبتلاه الله به ..
إبتلعت الأخرى ماء حلقها وسعت للسيطرة على جمود ملامحها..رغم خفقان قلبها العنيف مغمغمة بسخريتها اللاذعة: دعني أوضح لك نقطة يبدو أنها قد غابت عن دماغك..الواقفة أمامك الآن هي من طلبت الطلاق من زوجها ..يعني أنا من قمت بخلعه ، بتعبير آخر كنت قد مللت منه وليس العكس..وأيضا أنا في بيتي والدي معززة مكرمة ولست في بيتك أنت لتتأسف على ذلك..
جز على أسنانه هادرا بها بسخط: ماذا كنت أتوقع منك غير هاذا..مستواك في تدني مستمر ..إلى أي قاع بعد ستنحدرين؟..تلاعبت بزوجك كفتاة خسيسة رخيصة لا حياء ولا خلق لها...
ضحكت عليه ملئ شدقيها رغم شحوب وجهها المفاجئ وعيناها الكسيرة الشاردة مغمغمة بنبرة مستهزئة ميتة: وما الجديد في هاذا الأمر الآن..ليس وكأنه أول من تلاعبت به ..أظن أن هناك ضحية أخرى سبقته في ذلك..إطمئن قريبا سأجد زوجا آخر لأكمل من خلاله سلسلة تلاعبي...
تشنج فكه و صك على أسنانه محاولا إبتلاع إهانتها والتمسك بأعصابه قدر الإمكان لكي لا يؤذيها ولا يتجاوز حده في بيت خالته المصون..
ليدنو منها ببطئ مهلك والغضب قد تملكه ..تحركت هي للوراء بخطواتها المتعثرة، فأوقف تراجعها وجود الطاولة خلفها..حيث توقف هو على بعد إنشات قليلة منها منحنيًا لها مقتربًا من أذنها هامسا بكلماته السامة التي إخترقت قلبها كنصل سكين حاد: بالمناسبة قهوتك دون سكر وأي شيئ دون سكر..يكون مرًا لاذعًا ...مثلك تمامًا..إمرأة مرة بدنائتها وقلة أخلاقها ، ولعل الأسوء هي خيانتها لوعودها ولكلماتها...
وضع فنجان القهوة بجوارها على الطاولة وتراجع للوراء مغادرًا المطبخ بسرعة وكأنه يفر من أشباح الماضي..
إرتعشت شفتيها..وإمتلئت عيناها بفيضان دمعها لتجلس على أقرب كرسي بوهن تضم نفسها بذراعيها كأنها تعاني بردًا شديدًا ..هامسة بعظم وجعها: أما علمت أنني أصبحت فقط بقايا إمرأة..ألم تصلك رسائل خيبتي من وراء سم كلماتي..سامحني فقط ، فقد قتلتك بنفسي...متنا معا بالحياة...سامحني أرجوك..
تتابعت دمعاتها الإنسياب مغرقة وجنتيها علها تواسيها في سواد أيامها ولياليها..
:
•♡•
:
ركن سيارته ذات اللون الأزرق الداكن مترجلا منها...فقابله إبن عمه مغادرًا القصر..ليناديه جاعلاً الآخر يتوقف مستديرًا له بتململ مرددًا: ماذا تريد يا زياد لا وقت لي الآن؟؟
إقترب الآخر منه بهدوء مخاطبًا إياه: أردت أن أحيطك علمًا أنني نفذت ما طلبه جدي مني ..
كتف عماد ذراعيه على صدره مستفهما بتهكم: وما هو طلب جدك العزيز ؟؟؟
ضرب الأخير كفيه ببعضهما البعض محولقًا: لا حول ولا قوة إلا بالله ...يا بني آدم مكتبك بالشركة أصبح جاهزًا بإنتظارك فشرفنا و إبدأ العمل مثل الخلق..
إرتفع حاجب الآخر بإستهزاء هاتفًا: ومن قال أنني سأعمل ؟...بل لا أتذكر أنني أخبرتكم بقبول تلك الوظيفة الغبية التي لا ترقى لمجرد أنها عادية لأي شخص آخر...
ذهل زياد من جرأته ليغمغم بسخط بعدها: ما خطبك يا عماد..جميعنا مررنا بنفس التجربة، بدأنا بوظيفة بسيطة ثم تدرجنا مع الخبرة لنصل لمناصبنا هذه...لا أحد منا منح منصبه وهو ليس أهلاً له..أدهم مر بنفس الشيئ ، ورعد الذي هو الآن المدير العام لشركاتنا إستغرق حوالي عشر سنوات من الجهد والتدريب ليصل لهاذا الإستحقاق ..أنت لست بأفضل من أحد ..تحتاج للخبرة والسعي لتكون مستحقًا للمناصب العليا...
ليهدر الآخر فيه بغضب: لست بحاجة لسخافتك العملية الآن...لا تحاول أن تغطي على الموضوع كلنا نعرف أن المناصب تحتكر للثلاثي الذهبي لسلالة آل سلطان ، رعد وأدهم وأنت ...ونحن يرمى لنا الفتات...
إنصدم زياد من تفكيره الخبيث، فقرر تجاهل الأمر أفضل من الدخول معه في جدال عقيم ...خاصة أن إبن عمه هذا ليس من النوع الذي يغير قناعاته بسهولة، فردد بعدها: أتعلم أمرًا...لن أتعب نفسي معك ..جد حلا مع جدك وأخرجوني من الموضوع.
تبسم له عماد إبتسامة صفراء بلاستيكية مغمغما بعدها: لا تقلق أساسًا لدي وظيفتي و عملي الخاص...أنت إذهب وإستقبل آخر الأخبار فقط
غمز له متخطيا إياه ..ليتأفف زياد متحركًا نحو الباب هامسا بحنق: الآن فقط علمت لماذا جدي حازم وصارم ...لا ينفع معنا إلا هاذا الصنف من التعامل...
دلف للقصر فتجلت له الحركة السريعة بين الخادمات ..ورئيسة الخدم العمة حنان كما يسميها تعطي التعليمات لهن ..إقترب منها بخفة منحنيا لها محييها: حنونة يا حنونة كيف حالك ؟
أجفلت الأخرى مستديرة له هاتفة بغضب: ألن تتوقف عن هذه التصرفات يا ولد..أخفتني..
ضحك زياد عليها بخفة قائلا بحب: سلامة قلبك يا حنان ( فغمز لها مشاكسا) على فكرة أنت تزدادين شبابًا و جمالاً مثل أمي تماما..وبالتالي سأجهز نفسي لضرب كل خاطب غبي يقترب منكن...
خجلت إثر كلماته العابثة وتوردت وجنتيها مهمهمة: إخجل يا فتى ..لم تعد لنا فرصة في العرسان ..سأزوج إبنتي نور مستقبلاً..
قهقه الأخير على خجلها البريئ مرددًا: فقط إعطيني الضوء الأخضر..وسأحضر لك سيد الرجال طالبًا وِصَالك يا أجمل العرائس..
ضربته الأخرى على ذراعه موقفة غزله المعتاد مغمغمة بعتاب: لا تشغلني ..ودعني أنهي عملي إستعدادًا لإستقبال الضيوف...
قطب جبينه مستفهما بفضول: ضيوف ! ...من تقصدين بالضبط ؟..
ليرتفع حاجباها في دهشة هاتفة : ألم تعلم بعد ؟
تحدث الأخير عاقدًا حاجبيه في إستفسار: أعلم ماذا بالضبط؟
علت أمارات الفرح محياها مردفة بحماس: بعد غد ستحضر السيدة الصغيرة ...الحمد لله.
توجس أكثر متحدثا برعب مصطنع: لا تقوليها..هل أمي نفذت تهديدها وأحضرت عروسًا لي رغمًا عني..لا يا إلهي.
إنفجرت الأخرى ضاحكة عليه وعلى ملامحه المرتعبة، مردفة بتوضيح: لا يا بني...بل قصدت أختك..ستحضر، لهاذا نحن نجهز لها جناحها وغرفتها..
إبتلع ريقه وقد إرتعشت مقلتاه بعدم إستيعاب متسائلا بتوجس: أي أخت ؟.لم ...لم أفهم...
شحبت ملامحه بغتة ..ليتابع في إرتياع وتلعثم: تقصدين ...سحر؟
إبتسمت بدفئ وقد أومئت له مهمهمة بعدها: نعم يا بني ..والدك عثر على أختك وأخيرًا الحمد لله..
بهتت ملامحه أكثر وتوسعت عيناه و إرتجفت شفتاه مع تزداد خفقان قلبه بوتيرة متسارعة مصدومًا، مبهوتًا بهاذا الخبر..تصلب جسده وضاع تفكيره محاولاً تجميع الأحرف والكلمات في فاهه لكن العجز تملكه فما كان منه إلا أنه تمالك نفسه متسائلاً بوهن :أمي..أمي أين هي؟
ربتت السيدة حنان على كتفه بكل حنو هامسة: هي الآن في جناحها مع والدك..لابئس إذهب لها
تحرك بتعثر منطلقًا نحو السلالم متجاهلاً المصعد الموجود بالقصر، من شدة لهفته وصدمته في آن واحد..متجاوزًا الدرجتين وأكثر لسرعة خطواته راكضًا نحو جناح والديه مع إزدياد نبض فؤاده الصاخب، لا يدري هل بسبب سعادته اللامحدودة أو بسبب الصدمة المفاجئة من عودتها بعد كل هذه السنوات وهم الذين كادوا أن يقطعوا الأمل في رجوعها أو حتى على الأقل في إيجاد رفاتها إن كانت متوفاة...
وصل للجناح متوجها لغرفة أمه فاتحًا الباب عنوة منادي عليها بلهاث: أمي هل ما سمعته صحيح؟
جفل والداه من دخوله العنيف فهدر أبوه في وجهه صارخًا: ألم تتعلم أداب طرق الباب ؟ ..هل أنت في زريبة للحيوانات..؟
رفع إبنه كفيه أمامه مرددًا بصوت منقطع وأنفاس متسارعة: ليس الآن يا هرقل..أقصد يا أبي..سنتحدث عن أخلاقيات المنزل لاحقًا..حسنًا...المهم هل ما سمعته صحيح بشأن أختي؟
حول بصره لوالدته الجالسة على حافة السرير بملامحها المصفرة وإنسياب دموعها التي مزق قلبه ..فتنهد أبوه بخفوت متحركًا بخطواته نحو الأريكة الجلدية ليتخذ مجلسًا عليها مجيبا إياه عن تساؤله: نعم صحيح عثرنا عليها حمد لله
إقترب زياد من والدته ليجثو على ركبتيه أمامها متأملاً وجهها الترح وملامحها الحانية البهية هامسًا لها بحنان: أمي ها قد أتى الفرج..ستقابلين أختي بعد طول إنتظار
فإنفجرت الأخيرة ببكاء مرير ممزوجًا بين سعادتها وعدم تصديقها للأمر حتى الآن..تخشى أن تستيقظ من النوم ويتضح لها أنه مجرد حلم كباقي أحلامها التي إعتادتها..حضنها الأخير بقوة ماسحًا بكف يده على ظهرها ..مقبلاً رأسها..صحيح أنها والدته لكنهما يعاملانها هو وشقيقه أدهم كإبنتهم وأكثر ..فهما يدللانها ويحتويانها...ويبعدان شبح الأوجاع عنها ...لطالما كانت ولا زالت نعم الأم لهما..فآن الأوان أن يعوضانها ولو قليلا إكرامًا لها
أخذ نفسا متحدثا بتحشرج : لكن لماذا لم تحضرها بما أنك وجدتها؟
رفع والده كفه دالكا بها جبينه بإرهاق جلي على محياه مجيبا: هاذا ما كنت أحاول أن أشرحه لوالدتك منذ ساعات علها تعذرني قليلا...
عقد إبنه حاجبيه في إستفهام متسائلاً: تشرح لها ماذا بالضبط..؟؟؟
تنهد عصام بتعب مردفا: أختك مازالت تحت وقع الصدمة..ولم أرد الضغط عليها أكثر كي لا تنفر روحها منا..على الأقل فلتأخذ قليلاً من الوقت لتتأقلم مع الحقيقة..ثم سأذهب لإحضارها...أريدها أن تأتي بكامل قناعتها ورغبتها.
أومأ إبنه برأسه موافقا أباه في وجهة نظره السديدة ، لكن فجأة طرأ على فكره سؤال فألقاه على مسمع والده: لكن كيف وجدتها..أعني لم نجدها من قبل كيف حتى تمكنت من العثور عليها الآن؟
تبسم الآخر بخفة مصرحًا بعدها: هاذا بفضل الفكرة التي قدمها لي شقيقك أدهم قبل سنتين...
ليتسائل زياد من جديد: أي فكرة بالضبط ؟؟؟
زفر عصام ،حيث أجابه بهدوء بعدها موضحا: إقتراح عينة الدم التي طرحها سابقا..أن نطلب من مدراء المستشفيات التابعة لنا إخضاع كل عينات الدم التي تأتي لتحليل DNA ..ونفس الشيئ من عينات الدم المريضات الشابات سرًا بعد أن أخذوا عينة من دمي وإن وجدوا تطابقًا يتم الإتصال بي ..والحمد لله هاذا ما حدث تمامًا بفضل الله ..إتصلوا بي مبلغين إياي أن هناك عينة دم لفتاة شابة تطابقت معها عينتي..فذهبت بنفسي للمدينة المجاورة للتأكد من الموضوع..
هز زياد رأسه بعد أن إستوعب الموضوع، فعقد حاجباه مستفهمًا بتوجس: هل كانت في الميتم أو ماذا بالضبط ؟
يتمنى أن لا تكون عانت من إحساس اليتم داخل أسوار الميتم، حتى ولو كان ميتمًا محترمًا ويوفي بكل شروط الرعاية الصحيحة للطفل إلا أنه يضل مؤلمًا لمن عاش فيه
نفى والده برأسه مرددا: لا لم تدخل للميتم أبدًا الحمد لله..بل كفلتها عائلة بسيطة تتكون من زوجين وإبنتهم الصغيرة ..حسب ما وصلني من معلومات عنهم أنهما كان يعيشان في إحدى المدن الجنوبية بحكم عمل الزوج، وفي سبع سنوات الأخيرة تم نقله للمدينة الحالية بعد تقاعده...وهي كانت تعلم بأنها تمت كفالتها منذ أن بلغت سن العاشرة بعد أن صارحاها بذلك..وسمعتهم كانت طيبة جدا والكل كان يشهد أنهما كان نعما الزوجين ..ونعم الجيران ..
تبسم زياد وقد غمرت قلبه السعادة العارمة فناغش والده: أوووه يا عصوم أصبحت شارك هولمز عصرك ..
ضحك عليه زياد بخفة فهذه الأخبار أفرحت دواخله حقا، كون شقيقته عاشت في بيت جيد و تحت كنف عائلة طيبة ومحترمة كهذه..
إبتلعت جوليا ريقها هامسة بنبرة متحشرجة: أخبرني كيف هي..أعني بما أنك رأيتها وتكلمت معها..حدثني عنها علني أصبر قليلا بوصفها ..
رفع زياد أنامله ماسحًا دمع والدته مستمعا لتنهيدة والده، هذا الأخير الذي أرجع ظهره للوراء مستندا على ظهر الأريكة متكئا عليها رافعا رأسه للأعلى موجهًا بصره لسقف الغرفة متحدثًا بخفوت وكأنه يكلم نفسه: ماذا أخبرك بالضبط ...هل عن جمالها الكبير الذي يسلب لب كل من يلمحها..أو عن قوة شخصيتها الواضح من كلماتها..أو عن سمعتها العطرة في أرجاء حيها بفضل أخلاقها العالية..
أنزل رأسه موجها عيونه اللينة لزوجته المستكينة والتي كانت شاردة في أفكارها...وهو يكاد يقسم الآن أنها ترسمها في مخيلتها عبر وصف كلماته..مع فيضان مدمعها الذي لا ينتهي ولا يجف...ليسترسل بعدها بكلماته: هل تعلمين أنها حافظة لكتاب الله يا جوليا..بل هي تحفظه وتعلمه لأطفال حيها أيضا..كما أنها حاصلة على الماجستير من الجامعة الإسلامية بمدينتها...
تسربت شهقتها لأذنيه عاجزة عن كتمانها أكثر ومداراة سعادتها بصفات إبنتها المكلومة بها..وهي التي توقعت أنها إن أكرمها الله بإيجادها فستكون فتاة مهشمة الروح...كسيرة الفؤاد..عديمة الأخلاق..محطمة الكيان...ناقمة على المجتمع ..كارهة للناس...فهاذا أغلب ما يحدث للمخطوفات عندما يتم إختطافهن من أهلهن...فأغلبهن يكون مصيرهن العمل في الحانات و بيوت الفسق وغيرها من المصير البائس، فهن لا رقيب عليهن ولا سند لهن فقد غاب الصدر الحاني والقول الناصح المتمثل في الأهل..لكن أن تربى صغيرتها بهذه الطريقة العظيمة ويغرس فيها كل ماهو رائع من الدين والمبادئ قويمة فهاذا كرم كبير من الله تعالى أكبر من إستعابها..فلطالما خططت أن تنشأ أبنائها وفقا للقرآن والسنة ...الحمد لله حقق الله لها ما أرادت حتى وإن كانت إبنتها في مكان آخر حمد الله ما خذلها الله أبدًا...
عادت لأرض الواقع من شرودها بعد أن أحست بشفتين تلثمان كفها ...لم يكن هاذا إلا شبلها وفخرها الآخر زياد حبيب فؤادها مشاكسا إياها: هيا يا جولي إفرحي الآن..ستأتي صغيرتك قريبا وتشبعين منها ...وأكيد سأفقد مكانتي عندك هاذا إن لم أطرد من القصر نهائيًا بسببها..
سايرته هامسة بشقاوة أمومية: أكيد سأطردك ليس من القصر فقط بل من حياتي أيضا..
زم شفتيه بعبوس ظريف هاتفا بعدها: ماذا أتوقع منك غير النكران...رحم الله أياما كان أبي يتوسل لحبي وإهتمامي بعد أن كنت أميزك عليه..وهاذا الذي خلف له جفافًا عاطفيًا...
رفع والده حاجبه هازا رأسه بسخرية على حديثه العابث، مرددًا: أخرج من الغرفة ودع والدتك ترتاح قليلا فأعصابها مستنزفة على الآخر..
إلتفت الأخير له متحدثا بضجر: لدي إقتراح أفضل يا عصوم ..ما رأيك أن تذهب لتكمل أعمالي ..و دعني أحضن أمي قليلا فهي تسترجع قوتها فقط بأحضاني وقبلاتي...
هدر أباه بسخط: أغرب عن وجهي يا مدلل أمك قبل أن أقوم لك...
غمز له زياد مستفزا إياه قائلا: أجل ...لكي تنفرد بوالدتي...وتأخذ راحتك معها..تؤتؤ لم تحزر يا أبا العريف..
صدم الأب من وقاحة إبنه فإستقام له، ليفر الآخر بجلده قائلا بجزع: حسنا..حسنا لا تخرج عن طور سلميتك يا هرقل..أصبح المزاح معكم ممنوع ...يا لهاذا الجيل المتعصب.
تسللت صوت ضحكات والدته لمسمعه فإستدار لها متغزلاً بها وغامزًا لها : أموت فداءا لرنة ضحكاتك يا سيدة الحب يا جوليا قلبي...
مرسلاً لها قبلة في الهواء..فدفعه والده مخرجا إياه من الغرفة غالقا الباب في وجهه بقوة..تاركا الأخير يهتف بحنق: يا لتكبركم على نعمة الذرية الصالحة البارة بكم...تبا لإنعدام مشاعر الأبوة لديك يا عصوم..
:
•♡•
:
فتحت شهد الباب ..سامحة لجارتها هدى بالدخول حاملة معها طعام العشاء..تحركت بخطواتها المتثاقلة للمطبخ لتتبعها الأخرى...واضعة الأكل على الطاولة سائلة إياها بإستفهام: كيف حال سحر الآن؟.
خنقتها العبرة والدمع يحرق عينيها هامسة بحشرجة: مازالت على حالها..قبل قليل قامت فقط لصلاة المغرب ثم عادت لسريرها وضلت شاردة .. إلا أن دموعها لم تتوقف..ميس وليلى جائتا قبل قليل وضلتا معها...أنا خائفة عليها سأخسرها كما خسرت والداي ..
ربتت الأخرى على كتفها بلطف محدثة إياها: ماهذا الكلام يا شهد...أختك ليست ضعيفة لتلك الدرجة...لا تتشائمي هكذا ..دعينا نعرف ما الذي يحزنها أولاً ثم نتصرف...
مسحت دموعها الهاطلة مرددة بغصة: المشكلة هنا...سحر ليست بذلك الضعف لتنهار هكذا..أنا أعرفها ..ما كانت لتغدو في هاذا الوضع إلا والموضوع أكبر من تحملها، لطالما كانت قويةً ثابتةً تواجه ما يعيقها بكل بأس وصلابة..طوال حياتي كانت أسوتي ومثلي الأعلى في شخصيتها المنفردة..
تنهدت هدى بحيرة مغمغمة: حسنا إهدئي..ودعينا نستقصي منها الموضوع، ما رأيك؟
أومئت شهد لها بوهن متخذة خطوات نحو غرفتها علَّ شقيقتها تريحها بما يؤرقها..أدارت مقبض الباب والجة للغرفة فتبعتها الأخرى ...لتراها على وضعها مستندة على ظهر السرير شاردة في السقف بملامحها التي إزدادت شحوبا ودموعها المنسابة من محاجر عينيها .. و صديقتها ميس جاثية على الأرض قبالتها قابضة على كفها مواسية إياها بكلمات حانية وليلى كانت قد إتخذت مجلسًا على سرير شهد بملامحها الصامتة الحزينة، إقتربت شهد من سرير سحر جالسة على السجاد قرب ميس هذه الأخيرة التي تبسمت لها بحسرة وعجز، ربتت بحب على فخذها تعض على شفتيها من فرط ألمها عليها هامسة بنبرة باكية: سحر حبيبتي..ما خطبك ..أرجوك أنت تخيفينني عليك..بحق مقام والداي عندك ما الذي يبكيك؟
إلتفتت الأخيرة لموضع شقيقتها مبتسمة لها بدفئها المعتاد مرددة بصوتها المبحوح: أنا بخير إطمئني..فقط ...
إنتفضت الأخرى صارخة ببكائها المرير مقاطعة إياها: لا لست بخير..ولست على ما يرام..بادئ الأمر أغمي عليك..و منذ ساعات وأنت صامتة وشاردة وتبكين فقط..وجهك مصفر وروحك ذابلة..أنت تقتلينني يا سحر أول مرة أراك بهاذا الضعف والإنكسار بالله عليك ما خطبك؟..أما عدت تثقين بي..؟
تنهدت ميس بخوفت هاتفة: إهدئي يا شهد لا تضغطي عليها..
زفرت الأخيرةx بحزن وإتجهت لسريرها جالسة عليهx بضعف جلي شتتها فمسحت ليلى بخفة على ذراعها مواسية لها..رفعت سحر نظرها لسقف وكأنه تستمد منه رباطة جأشها قائلة بوهن قد تملكها: لقد قابلت والدي الحقيقي اليوم.
لو إلقيت إبرة الآن لتم سماع صداها بالغرفة بعد السكون والصمت الذي حل فجأة بالمكان بعد إلقائها لكلماتها توا..ليصلها بعد ثواني عديدة أخذت كمرحلة إستيعاب للخبر صوت ليلى المتوتر والمتلعثم في آن واحد: والدك الحقيقي !..لكن كيف؟..أقصد كيف عرفتيه بالضبط..؟
تقدمت هدى تدنو منها جالسة بقربها على سريرها وقد علت أمارات الصدمة محياها مستفهمة عن ما رمته على مسامعهم قبل ثواني: أخبرينا سحر كيف قابلته ؟..بل كيف عرفت أنه والدك بالضبط..؟؟
أخذت الأخيرة نفسًا أرهق قلبها لتباشر في سرد لهم تفاصيل ما حدث..روت لهما كيف أتى أباها طالبًا الجلوس معها ..ثم تلاها إلقاء الحقيقة وتفاصيلها عليها..وتقديمه لوثيقة التحليل لكي تتأكد بنفسها..بعدها روت لهن صدمتها وأنينها وعذاب فؤادها وكيف نزف قهرًا وكسرًا ..كلمة بعد كلمة.. بعدها معلومة ..وراءها حقيقتها ..كل حرف تسرب من ثغرها كانت فيض الدموع تسبقه..وكأنها بذلك تؤيده وتأنسه..وما عاد لنفسها الكسيرة طاقة لتداريه..
أنامل رقيقة أخذت مسارها لوجه سحر تمسح بها دموعها المنسكبة..ولم تكن إلا نصفها الآخر وصغيرتها الحنونة شهد ..والعجب أنها كانت تبكي معها..هل تواسيها أو تواسي نفسها ..إخترق مسمعها صوتها الباكي المختنق بعبرته: الحمد لله إذا ..ها قد ظهروا والديك ..وزال الستار عن حقيقة أصلك ..إرفعي رأسك عاليا إذا كعادتك..فلك عائلة تحبك وتبحث عنك ..الحمد لله سيرتاح أبواي بقبرهما الآن ..
مسحت ميس دموعها المنسابة بتأثر شديد وقد غمر قلبها الفرحة لأجل صديقتها التي كان جحيم حقيقتها يستعر بصدرها طوال سنوات طويلة، والتي عانت معها اليتم ومرارته فهمست بصوت متهدج : الحمد لله حبيبتي، وأخيرًا يا صديقتي قد أكرمك الله بعد طول إنتظار، حمدا لله
رغم الذهول الذي عم ملامح السيدة هدى إلا أنها إبتسمت وفرحت لها من أعماق قلبها متحدثة بحبور واضح على تقاسيم وجهها: الحمد لله ..أخيرًا ستقابلين والديك وإخوتك يا سحر ..بعد كل هذه السنوات من البعد والضياع..تستحقين كل خير حقا ..
أعقبت ليلى بعدها في تسائل حيرها رغم فرحتها الكبيرة لصديقتها: لكن لماذا كنت حزينة وتبكين طوال الوقت هكذا؟..لقد أرعبتنا حقا ..توقعنا أن الموضوع أخطر من هاذا..صحيح أننا صدمنا لحقيقة الخبر لكن هاذا كان مبهجًا ومفرحًا وليس محزنًا...
تشتت نظرات الأخيرة وأطرقت رأسها تشابك أصابع يديها ببعضها البعض..محاولة قدر الإمكان أن لا تنهار مجددًا قائلة بصوتها الرقيق: فقط أنا في أقصى أحلامي لم أتوقع أن تكون لي عائلة هكذا..أعني أبوان محبان وشقيقان ..طوال الوقت كانوا يبحثون عني ويتقفون أثري..راجين عودتي..آملين ومنتظرين لقياي..لطالما ظننت أنني إبنة حرام وزنا..وأن والداي رموني كرهًا في..ونفورًا مني..ظننت أنني سأضل طوال عمري منبوذة منهم مرفوضة لديهم..لكن أن يكرمني الله تعالى بحب عائلتي وأهلي البيولوجيين حتى ولو كنت بعيدة عنهم هاذا فوق طاقتي ..وأكثر من تحملي..صدقيني رحمة الله غشتني كليًا وفاقت قدر قلبي من التصديق ..الحمد لله جبر بخاطري جبرًا عظيمًا بعد طول سنين..لهاذا حزنت على سوء ظني سابقًا وتمزق قلبي من لوعة أهلي ومما قاسوه جراء ما حدث لي من إختطاف ..تخيلت كم بكوا وعانوا وبحثوا ..يعني كان مزيجًا بين الحزن والفرح والشوق وربما بعض الحب..
حضنتها هدى بلطف هامسة لها بكل ود: أنت تستحقين كل خير يا سحر ..لأنك طيبة ، والطيبون هاذا هو جزائهم وأكثر..آن الأوان أن تعودي لأهلك يا سحر..لا تضيعي فرصتك التي أتت ركضا إليك..الله يريد تعوضيك فإقبلي عوضه بقلب مرحب ، فرحا حامدا شاكرا له..فقط سيري لهم ولا تلتفتي للخلف أبدا..أنا أيضا أم..والله كنت سأموت كل يوم وليلة لو كان إبني كرم بعيدا عني..فما بالك بطفلة صغيرة أختطفت لإثنان وعشرين سنة عن والديها..كم مرة ماتت أمك لوعة وقهرا وبكاءا ..كم مرة إنتكس رأس والدك أرضا عندما فشل في عثوره عليك..كم من مرة بحث أخواك عنك وتقفا أثرك..لَعلَ الليالي التي نامت أمك فيها باكية شاكية لا تعد يا سحر..آن أوانك أن تبري بها برجوعك لها سالمة غانمة شابة بهية ..كما كنت نعم البنت لمن كفلاك ..لا تفكري ولا تحسبي لتردد حسبانا ...عودي لهم وعوضيهم خير العوض منك ونالي حقك من حبهم وحنانهم ورعايتهم ..إشبعي منهم وإروي روحك المتعطشة من دفئهم ومن دفئ الأمومة والأبوة والأخوة الحقيقية لديهم..الضنا غالي صدقيني فهو قطعة من القلب والروح..فأريحي قلبهم برؤياك ..حسنا..
أومئت لها سحر بعيون دامعة...باكية..شاكية..وشفتيه� �
المرتجفة بفعل قلبها الراجف..ساعدتها شهد على الإستلقاء..رافعة اللحاف عليها..منحية لها مقبلة جبينها الندي تبث من خلالها حبها لها..لتبتعد بعدها بخطوات واهنة للخلف مغادرة الغرفة مع جارتها..هل آن أوان البعد والفراق. بينها وبين أختها يا ترى ؟
: