📁 آخر الروايات

رواية لتسكن الي الفصل الثاني 2 بقلم يسمينة مسعود

رواية لتسكن الي الفصل الثاني 2 بقلم يسمينة مسعود



~ الفصل الثاني ~


:
•♡•
:

🥀يومًا ما سَتَصحوا وتَقول : هذا ليسَ فَجرًا عادِيا ، هذا فَجرُ الجَبر 🍂💪


:
•♡•
:


عينان حالكة السواد و صاحبها الذي إتخذ مجلسًا قرب الزجاج المطل على الحديقة العامة يتابعها بصمت...رفع يده و أصابعه الرفيعة تضغط ما بين عينيه عله يوقف هذيان عقله..مغمضا جفنيه محاولا إسترجاع شتات نفسه الضائعة الهائمة كعادتها ...فزفر بحنق من تأخر إبن عمه والذي تغيب عن حضور الإجتماع بسبب تلقيه إتصال مفاجئ من أخيه..


تأمل ساعته ليتأكد من أن نصف ساعة قد مرت بعد إنتهاء الإجتماع دون أن ظهوره..لو لم يكن هو رفيق دربه المخلص لكان معه حسابًا آخر..رفع بصره ليلمحه قادما نحوه بوجهه التي غمرته السعادة الجليه عليه ..إقترب منه مبعدا الكرسي قليلا ليتخذ مجلسًا معه بنفس الطاولة..متحدثا بحبور : إحزر ماذا حدث يا رعد ؟

رفع الآخر حاجبه كنوع من التهكم وكأنه يقول له تمزح أليس كذلك ؟..قلب أدهم عينيه عليه بضجر قائلاً: حسنا..أعتذر لعدم حضوري الإجتماع..تعلم أنني لست ممن يتهاونون في عملهم أو يرمونه على ظهر الآخرين..ثم أنك ذكي وفطن كفاية لتقود الإجتماع وحدك..المهم الآن خمن ما حدث

رفع رعد فنجان قهوته لثغره مرتشفًا منه هامسًا بوجهه الذي علاه الجمودx وبنبرة جافة : تحدث دون لف

تجاهل أدهم بروده فهاذا هو طبعه منذ سنوات ..رغم أنه يتميز بكل الخصال الحميدة كرجل مسلم .. مرددا بفرحة كست ثنايا وجهه الوسيم: لقد عثرنا على أختي سحر وأخيرا ..الحمد لله.

عقد الأخر حاجبيه في إستفهام متمتمًا بشرود: سحر! ..أختك..؟

أتاه جواب أدهم مردفًا بسعادة تغلغلت بأوصال كيانه: نعم أختي سحر..والدي عثر عليها ..بل سيحضرها للبيت قريبا جداا..

تبادر لذهن الآخر عيون لازوردية براقة ..تلك الصغيرة التي إختفت فجأة دون سابق إنذار...


قطع شروده صوت شريك جلسته مخبرا إياه بأنه قد حجز تذكرتين للعودة غدا صباحا ..


ضيق رعد عينيه سائلاً بسخرية قل ما يعتمدها: حقا !! ..حجزت التذاكر..يا لي فخري بك..والعمل هل نرمي به عرض الحائط فقط لنعود إستعدادا لإستقبال جناب أختك ؟

مط الآخر شفتيه بتململ مردفًا: العمل أتممناه لم يبقى إلا بعض التفاصيل الصغيرة فقط ، سنرسلها عبر الإيميل..
وهاذا لا يحتاج لبقائنا هنا خارج الديار..والأهم أنني طبعا أفضل إستقبال أختي بعد غيابها لعقدين على العمل الغبي الذي لا ينتهي ..إذا إتفقنا..


أنهى كلامه مع إبتسامة ساخرة ، جعلت رعد يهز رأسه قاطعًا الأمل منه مستقيمًا من مجلسه ..مع إستقامة الآخر أيضا دافعًا الحساب مغادران المقهى..يتحدثان عن كيفية عثور والده عن أخته المفقودة..


:
•♡•
:

جالسة على سجاد الأرضية تضم ساقيها لصدرها بذراعيها مخبئةً رأسها هناك ترتجف باكية بصمتٍ..بألمٍ..بحسرةٍ عمت روحها..مجهزة نفسها لفراق توأمها الأكبر..أختها وحبيبة فؤادها...آن أوان مغادرتها لبيت والديها عائدة لبيتها الأصلي للإستقرار هناك..سحر ستتركها وحدها..رغم شدة سعادتها بعثورها على حقيقتها...فلطالما كانت شقيقتها ترجو مقابلة عائلتها والعثور عليهم ..كثير من المرات تهادى لمسمعها آنين بكاءها سرًا ..وفي جوف ليلها وسجود صلواتها سمعت دعائها المرجو بأن يحقق الله ندائها..


الحمد لله أكرمها بما أرادت..لكن وجع الفراق يدمي القلب ويستنزف الروح..ويكسر الظهر..فهي ليست أختها التي تربت معها في نفس البيت بل هي أمها أيضا ..ستموت بدونها...صبرك ياارب فقط.


حركت سحر جفنيها رامشة عدة مرات ..مستفيقة من نومها ماسحة عينيها بكفها مبعدة آثار النوم ..مغلقة المنبه الذي لم يكف عن الرنين معلنا أنه ميعاد قيامها المعتاد..تحركت من فراشها مبعدة اللحاف عنها..محولة بصرها لسرير أختها ..لتتفاجئ بخلوه منها..إستغربت ذلك فهي عادة لا تفرط في نومها أبدا فهو شيئ مقدس لها..إستقامت من سريرها مغادرة غرفتها باحثة عنها ..ضغطت على مقبس الضوء لينار المكان فجأة بفعل المصابيح ..ويلوح لها جسدها الصغير جالسا هناك على الأرض متكئة بظهرها على الأريكة ضامة نفسها بذراعيها ..توجست من هيئتها المستكينة وحز في نفسها مرآها ذاك..دنت منها منادية إياها..لتتخشب أطراف الأخرى رافعة رأسها لجهة الأخرى ماسحة دموعها بسرعة كي لا تنتبه لها.


جثت سحر قربها رابتة على كتفها بحنو أخوي حقيقي هامسة: شهد لماذا أنت هنا ؟..أنظري إلي..


أدارت الأخيرة رأسها بملامحها المشوشة المتوترة ..لترفع سحر كفها حاضنة خدها متأملة تقاسيم وجهها البائس الحزين وأنفها الصغير المحمر وشفتاها المرتجفة ..جاعلا قلبها يسقط هلعًا ووجلاً عليها: ما الذي يحزنك صغيرتي، أجيبيني؟ ..


أبعدت شهد أنظارها المرتبكة عنها تجوب الأرجاء هاربة من تحديقات سحر لها لتجيبها بصوت متهدج: أنا..فقط.. شاهدت المسلسل وكانت حلقة اليوم حزينة..نعم كانت درامية قليلا ..فقط..تعرفينني أتفاعل بمبالغة ..


صوبت سحر نظرها نحو التلفاز لتجده مغلقًا ..لتضيق عينيها في شك مردفة بعدها: حقا..! إذا لماذا التلفاز مغلق ؟..هل شاهدت مسلسلك في السقف أو الأرض مثلا..ولماذا الأضواء مطفئة و أنت جالسة أرضا بهذه الوضعية ؟


تجاهلتها شهد مطرقة رأسها صامتة..كاتمة الألم بداخلها..ما كانت لتكون أنانية معها فلطالما كانت أختها تضحي كل مرة لأجل سعادتها هي ..وهذه المرة لن تقف في طريق فرحها أبدًا..مستعدة أن تضحي بكل شيئ فداءًا لبسمتها ولسعادتها فقط..


قبضت سحر ذقن شهد رافعة رأسها مقابلاً إياها لتواجهها مبتسمة بحنان متحدثة: هل وجد الشك مكانًا في قلبك بأنني سأتخلى عنك بعد أن وجدت عائلتي..أتعتقدين أنني كنت سأضعك في كفة التنازل عنك مقابل الذهاب لأهلي..؟


توسعت عيني شهد بوجل وسادت ملامح التوتر وجهها الباهي: أنا فقط..كنت..

قاطعتها الأخرى حاضنة وجهها بين كفيها الدافئين هامسة بحب: شهد أنا لم ..ولن ..أفكر في مجرد التفكير في التخلي عنك..أو التفريط فيك..أقسم لك بالله الذي لا شريك له أنني ما كنت يوما لأتركك خلفي أبدًا..أبدًا..


إنفجرت شهد تبكي بمرارة وسعادة في الآن ذاته مرددةً بحسرتها: أنا فقط أريد سعادتك يا سحر لا تهتمي بي...سأذهب للعيش عند عمي..أو أبقى هنا في بيتنا ..وأكيد ..يعني طبعًا سنتقابل كل فترة..أليس كذلك..؟


مسحت أنامل الأخيرة دموع أختها الهاطلة..مردفة بصوت واثق ..مؤكد: مستحيل وأبدًا لن تغادري من تحت جناحي ما دام هناك نفسا بي..هل فهمت؟..أنا ما كنت لأبتعد عنك ..ليس إكرامًا لوالديك العظيمين ..وليس أيضا ردًا لدينهما علي ..بل لسبب وحيد فقط وهو الأعظم، هو أنك أختي الصغيرة يا شهد..ولا أحد سيغير هذه الحقيقة حتى ولو كنت أنت بنفسك..أنت شقيقتي حبيبة الكيان ولو إختلف الدم بيننا ..ما كان الإختلاف ليغير الواقع المعاش..فالله يشهد يا شهد مقامك وحبك الكبير الذي أكنه لك في قلبي ..أنت قطعة من فؤادي ..وتجلت فيك خلايا روحي ..وما كان لجسد أن يحيا دون روحه..


رمت شهد بنفسها في حضن سحر طالبة عناقها وما كان للأخرى إلا أن تستجيب لها ..فضمتها بقوة علها تبعد عنها هواجسها وشكوكها ..ليتهادى لها حشرجتها الباكية الشاكية: أنا أحبك كثيرًا أختي ..أحبك والله.


قبلتها سحر على رأسها هامسة لها بشقاوة: ما رأيك
أن تتوضئي معي وتشاركيني القيام يا قردتي الجميلة الصغيرة..


إبتعدت عنها شهد مومئة لها بخفة لتستقيمان متجهتان نحو الحمام لأداء الوضوء ثم الصلاة علَ الله يلهمهم سبيل الرشاد..


:
•♡•
:


تعالى رنين جرس الباب ..فهرعت شهد مرتديةً إسدالهاx بعد مناداة أختها لها بفتحه بحكم إنشغال الأخيرة بالمطبخ ..


وما إن فتحته حتى تجلى لها والد سحر ببدلته الرسمية الفاخرة ذات اللون البني الداكن وربطة عنقه مماثلة اللون..إبتلعت ريقها بتوتر لا تدري ما تفعل فهي لم تكلمه من قبل..ليرفع هو عنها الإحراج متحدثًا بمودة: السلام عليكم ورحمة الله ..كيف حالك آنسة شهد؟


توسعت نظراتها رامشة بجفونها عدة مرات تتسائل كيف عرف إسمها..ليأتيها صوت ضحكاته على ملامح وجهها المصدومة المرتبكة، وكأنه عرف ما تبادر لذهنها من إستفهام فأراحها بجوابه: صدقيني أنا أعرف كل ما يخصكم ..


خرجت سحر من المطبخ مستفسرة عن الطارق لتلمح والدها عند الباب متحدثًا مع شهد..شعرت بالضياع والحيرة فها هو قد نفذ قوله وعاد بعد يومين لأخذها مثلما أخبرها ..تقدمت بخطوات بطيئة مشتتة شابكة أصابع يديها مع بعضها البعض من التوتر ..فهي لم تعتد عليه بعد كوالد ..يعني مازال موضوع أنه لها عائلة يربكها قليلا رغم سعادتها..


رمقها الأخير تقترب منهم ...ومن تقاسيم وجهها  علم أنها ما زالت لم تألفه بعد، فما كان منه إلا أن تبسم لها بحنانه الأبوي متخطيًا عتبات الباب دالفًا للبيت، يدنو منها آخذًا إياها بين ذراعيه يغمرها في حضنه عساه يبعد عنها وجلها و ما يريبها..ليتصلب جسد الأخيرة بصدره جاعلاً هدير قلبها يرتفع أكثر وتوترها يتضاعف ليبتعد عنها بعدها بثواني مقبلاً جبينها بحب مرددًا: كيف حالك صغيرتي؟؟


إبتلعت ماء حلقها متمالكةً نفسها هامسة بخفوت :الحمد لله على خير ما يرام..


ربت على رأسها بدفئ مردفًا: الحمد لله اذا..هل أنت جاهزة للعودة لبيتك بنيتي..؟


رفعت رأسها له متأملة وجهه الوسيم البهي وعينيه التي تحدجانها بنظراتٍ حانيةٍ تبث الدفئ لها ..مشعرًا إياها بالأمان الأبوي الحقيقي التي كانت جل حياتها تتوق له ..لتردف: نعم جاهزة ..فقط سأغير ثيابي.


تزايدت وتيرة إرتباكها هامسة: حسنًا إجلس قليلاً.. ريثما أجهز نفسي..


تحركت بخطوات متعثرةٍ ..ثم عادت لتدنو منه قليلا مستفهمة: هل تريد أن تشرب شيئ..قهوة أو عصير؟؟


قهقه على تشتتها فأزاح الإحراج عنها مجيبًا: لا صغيرتي..أنا غالباً لا أفضل شرب شيئ بعد فطور صباح...لهاذا لا ترهقي نفسك رجاءًا..


أومئت له ..فارة للغرفة بغية تغيير ثيابها...لتدلف شهد بعدها ..فإلتفتت لها سحر محدثة إياها: شهد غيري ثيابك بسرعة..

جلست الأخرى على السرير بملامحها المحبة لأختها مردفة: سحر على ماذا إتفقنا أم أنك نسيتي بسرعة؟


أخرجت سحر حجابها الأبيض ووشاحها بذات اللون مغلقة باب الخزانة بعدها مستديرة لشقيقتها مستفهمة منها: على ماذا إتفقنا ذكريني؟

قلبت شهد عينيها بضجر متحدثة: إتفقنا أن تذهبي لمقابلتهم وحدك وأنا أبقى هنا إلى أن تعودي ..ثم بعدها نقرر ما نفعل؟


رفعت سحر حاجبها بسخرية مردفة بعدها: حقا !..تريدين مني تركك هنا بمفردك لأيام..وأذهب أنا وحدي ..هذا إتفاقك وحدك لا أتذكر أبدًا أنني وافقتك على هذه السخافة..


إستقامت شهد تدنو منها محدثة إياها بجدية :سحر من فضلك لا تعاندي..أرجوك إن كنت حقا تحبينني فستفعلين ما طلبته..لا أريد أن أعيقك من أول لقاء لك معهم..أنا التي لن تكون مرتاحة إن ذهبت لناس غرباء عني ..لهاذا أترجاك أن ترفعي الحرج عني هذه المرة ..


توسعت عيني سحر في إستنكار جلي: هل تريدين مني أن أتنازل عنك ؟..أعقلك الغبي يظن السوء بي..هل أبدو لكِ كفرخ بط منفوش..؟


عضت شهد على شفتيها كاتمة ضحكتها على كلمات سحر فهي عندما تغضب تختار كلمات غريبة بطريقة أغرب..تمالكت نفسها مخبرة إياها: إطمئني لم أظن هذا ..فقط هذه مرتك الأولى معهم لهاذا أرجوك لا أريد أن أتواجد خلال هذه اللحظات ..من فضلك سحر ترفقي بي ..


فتحت سحر فاهها لترد إلا أن شهد قاطعتها: لا تقلقي سأبيت في بيت الجارة هدى فهي قد طلبت مني الإقامة عندها لحين عودتك ..لن أكون بمفردي إطمئني..وسآكل جيدًا وأجفف شعري بعد الحمام فورًا ..وأحافظ على صلاواتي وأذكاري ووردي اليومي من القرآن يا جدتي..


قهقهت سحر على كلماتها الحانقة وهي تلقي واجباتها التي كانت دائما لا تكف عن نصحها بأن تلتزم أختها بهم...لتردف بعدها قارصة خدها بخفة غامزة لها: حسنا وإنتبهي لمحاضراتك..والأهم لا تنسي شرب حليبك قبل النوم..


لتضرب شهد يد الأخيرة ممثلة ملامح التقزز بعد ذكر موضوع الحليب..


بعد لحظات خرجتا من الغرفة لتتقدم سحر تدنو من والدها ببياض ثيابها ..مع حقيبة صغيرة تحتوي على بعض الملابس فقط بحكم أنها لن تدوم إقامتها عندهم ولن تترك شهد بمفردها طويلاً..وقف والدها مستقيمًا بعد أن لمحها قادمة..تأملها ببياضها والذي زادها فتنةً جذابة..وبهاءًا ونقاءًا.. كملاكًا خلَابًا يشع بهالته المقدسة..فلم يكن منه إلا أن يحمد الله حمدًا كثيرًا مَزهوًا بأميرته المبجلة...


حمل حقيبها حاضنًا كتفها بذراعه الأخرى متخطيًا الباب معها ...لتلتف سحر بجسدها لشهد مردفة : شهد لا تنسي ما أخبرتك به..سأتصل بك عندما أصل ..وإلتزمي بالتعليمات ..ولا تفتحي الباب لأحد لا تعرفينه ..


شعرت يإهتزاز كتفي والدها الضاحك على تصرفها لتشعر بالحرج فقد نست وجوده بفعل خوفها على ترك شهد وحدها..والتي لولا إصرارها اللعين ذاك لما أذعنت لها...ليتحدث بعدها هو مؤكدا كلام إبنته: نعم آنسة شهد إسمعي كلام أختك الكبرى ونفذي ما تقول ..واضح أنها تحبك حبًا كبيرًا


شعرت الأخيرة بالتوتر جراء كلامه فهاذا يعني أنه لا يعارض وجود سحر معها كأخت ..فما كان منها إلا أن ترد بتوتر أكبر: أكيد يا أبوها لن أخالفها..أقصد يا عم..


فتهادى لمسمعها صوت ضحكتهما على خطئها تبا...يا أبوها !..خطئ مطبعي لعين ...ليربت هو على شعرها بحنو هاتفا: حفظك الله يا بنيتي ...والآن نستسمحك عذرًا ..


أومئت له الأخيرة ..لتقترب منها سحر حاضنةً إياها بقوة مقبلة خدها..مرددة: سأعود بعد غد ولذلك الوقت إهتمي بنفسك ولا تنسي الإتصال بي حبيبتي ..حسنا..


بادلتها شهد الحضن موافقة على كلامها داعية الله لها بسلامة الطريق وأن يحفظها من كل سوء..


:
•♡•
:


جالسة في المقعد الأمامي بالسيارة تنظر عبر النافذة المفتوحة...ساهمة في أفكارها المتداخلة ببعضها..وجِلَةّ من قرب الميعاد المنتظر ..رفعت كفها ليسار صدرها الخافق بشدة ..توترًا ..ترقبًا..إستكانت في مجلسها محاولة إبعاد الإرتباك عنها..مسدلة ستار جفنيها مرتلة بخفوت بعض آيات الذكر الحكيم ..فقد كان ولا زال القرآن رفيقها وأنيس وحشتها ..وملجئها ومصدر ثقتها وأمانها وعزوتها...ويكمن فيه سلامها الروحي..


فتحت عينيها على إثر الرنين المفاجئ لهاتف من يجلس جانبي على مقعد السائق..والذي كان والدها ..أخرج الهاتف من جيب سترته قارئًا إسم المتصل فلم يكن منه إلا أن قهقه بخفة هازًا رأسه قاطعًا الأمل من شيئ ما..ليحول بصره للجالسة بجانبه والتي كانت تنظر له بإستفهام مردفًا: هل تعلمين من المتصل يا إبنتي؟


عقدت الأخيرة حاجبيها بتسائل مجيبة بلا..


عاد ببصره لطريق متحكمًا بالمقود ..متحدثًا: إنها جوليا..أقصد والدتك بنيتي ..


إبتلعت ريقها تعض على شفتها السفلى بتوتر جلي على تقاسيم وجهها البهي..تتسارع أنفاسها ونبضات قلبها أخذت منحًا آخر أكثر شوقًا وحنينا لرؤية أمها..فجوارحها الآن تتأرجح ما بين الإرتباك والإشتياق..وبين اللهفة واللوعة..ليقطع حبل أفكارها الهائمة صوت والدها المتحدث معها: إنه الإتصال العشرين منها منذ أن غادرت قادمًا لإصطحابك..مع أنني أخبرتها أنني سأستغرق حواليx الساعتين ذهابًا وإيابًا..إلا أنها تضل تتصل وكأنني سأخطفك بدل أن أعيدك لها..


قهقهه في آخر كلماته علىx إستعجال زوجته المبالغ فيه للقاء إبنتها..مما جعل سحر تكتم إبتسامتها مع تزايد نبض قلبها لِلُقيا والدتها والتي يتضح من كلام أبيها أنها مشتاقةً لها كثيرًا على ما يبدو..


فأردف والدها ببسمته الدافئة بعد أن أرسل رساله لزوجته: حسنًا لقد أرسلت لها رسالة بقرب وصولنا علها تهدأ قليلاً


لم يدم كثير من الوقت حتى إخترق صوت والدها مسامعها مرة أخرى متحدثًا بحنانه الأبوي المعتاد: ها قد وصلنا صغيرتي..مرحبا بك في بيتك وبين أهلك..


إلتفتت سحر برأسها مبصرةً عبر النافذة ليتضح لها أنهم سلكوا طريقًا غابيًا..حيث كانت الأشجار تغطي جوانب الطريق ليصلها كلماته الموضحة بعدها: هذه بعض حقولنا توارثناها منذ عقود عدة، وتعود ملكيتها لعائلتنا وهي متواجدة حول بيوتنا..أما باقي الحقول فهي منتشرة ..بعضها في نفس مدينتنا..والباقي متوزع في المدن المجاورة..


همست سحر ب"ماشاء الله" ..ليتجلى لها في آخر الطريق
قصر كبير ..جعل عيناها تتسع من شدة جماله..هل يمزح معي؟ هل هاذا هو البيت !! يبدو مثل تلك القصور الرومانية العظيمة لكن بإختلاف الطابع العصري فقط..إقتربوا من البوابة الحديدية الضخمة لتفتح أتوماتيكيًا بعد أن ضغط والدها على بوق السيارة كتنبيه للحارس ..تجاوزا البوابة حيث برزت لها تلك الحدائق الخضراء الخلابة والتي إحتوت بثناياها مروج زهور وورود شتى تعددت ألوانها وأنواعها مرسلة بهجة للروح وللبصر ..والعديد من النافورات الصغيرة منتشرة على جوانب تلك الحدائق..خلافا لتلك النافورة الضخمة التي تتوسطهم وتمازجت مع منظر القصر ذا اللون الباجي وشرفاته ذو الإضاءات الساحرة....

:
•♡•
:

كان أدهم يراقب أمه المتوترة والتي كانت تجول بالصالة ذهابًا وإيابًا ..تشبك كفيها ببعضهما البعض إرتباكًا وإنتظارًا..لتحول بصرها لإبنها زياد فاتحة ثغرها للتحدث إلا أن الأخير قاطعها بضجر: لا يا جولي..لن أعطيك هاتفك لتتصلي به مرة أخرى..يا إمرأة تعلمي الصبر قليلاً..


نفخت خديها بعصبية وعبوس..جاعلة كل من إبنيها يضحكا عليها...ليناغشها أدهم مردفًا: أراهن أنك في فترة خطوبتك مع أبي لم تتصلي به من الأساس..والآن أحرقت هاتفه بالإتصالات لأجل إبنتك..


تابع عنه زياد مزاحه مغمغمًا بشقاوة: قل بل كانت ترسل له رسائل الشوق عبر الحمام الزاجل..والحمامة المسكينة تسقط في نصف الطريق من شدة الأشواق المكتوبة بالرسالة..


عم الضحك أرجاء الغرفة ..والتي كانت تضم كل من جده الجالس على أريكة جلدية منفردة ذات لون أسود متكئًا على عكازه المعتاد...ليقابله في الأريكة الأخرى عمه خالد وزوجته شادية متوسطة جلستهما إبنتهما الوحيدة "منى"..وفي الأريكة الأخرى كانت عمتهم "مريم" والتي واضح أنها تكتم بسمتها خشية أن تنزعج زوجة أخيها جوليا..

ليسمع صوت الجد الحاد موجهًا توبيخه لحفيدية: تأدبا أنتما الإثنان ..ماذا هل تتواقحون أمامي..


أطبق زياد على شفتيه محاولاً كتم ضحكته كي لا يرمي جده جل غضبه وتوتره هو الآخر فوق رأسه..ناظرًا لشقيقه والذي كان هو الآخر يحاول التحكم في بسمته كي لا تنفلت..فهناك قاعدة يتبعها كل فرد في العائلة ألا وهي كل شيئ مسموح إلا غضب الجد ورعد..


إزداد توتر أمهم والتي كانت متجاهلة كل مزاحهم السخيف..عاضة على شفتيها وقد إرتفع الإندريالين عندها ملتفتة لهم مخاطبة إياهم: إتصلوا بعصام..أخشى أن تكون السيارة أصابها عطل ما في الطريق..


قهقهت منى بشدة على تفكير زوجة عمها ضاربة كفيها ببعضهما البعض متحدثة من بين أنفاسها: أخشى أيضا أن يكون قد حدثت زلازل وبراكين أيضا يا عمة..

تابع زياد عنها ضاحكًا هو الآخر بخفة: حتى الطبيعة الأم تعارض لقياك بأختي يا جولي..


قاطع العم خالد مزاحهم الغبي مرددًا بجديته: توقفوا عن سخافتكم ليس وقتها الآن..منى إعقلي.


أطرقت الأخيرة رأسها هامسة بندم: آسفة أبي..


إستقام أدهم من مجلسه مقتربًا من والدته التي لا تسكن في مكان واحد بفعل توترها..آخذا كفيها مقبلاً إياهما بحنو عله يبعد توترها قليلاً هامسًا: أمي رجاءًا..لا داعي لكل هاذا الإرتباك..أكيد سيصل قريبا كما أخبرنا ..فقط إهدئي..


تبسمت له بخفة مومئة له ..آخذة شهيقًا محاولة التحكم في نفسها قليلاً..


لتتخذ خطوات الأخير طريقها نحو النافذة موجهًا بصره للخارج من خلالها بعد أن سمع بوق السيارة ..حيث إتضح له بعد ذلك سيارة والده تتوقف قرب باب القصر الداخلي..وهناك خيال لم توضح معالمه جالسًا لجانبه..فتح والده الباب مترجلاً متحركًا نحو الباب الآخر المجاور فاتحًا إياه هو أيضًا طالبًا من مرافقه النزول والدخول معه..


إستدار أدهم لوالدته بحبور تجلى بتقاسيم وجهه هاتفًا: الحمد لله وصل والدي..

:
•♡•
:


بشرفة مطلة على تلك الحدائق ..كان هو بشخصيته الوقورة واقفا هناك..مستندًا بجسده على حاجز الشرفة


ليأتيه صوت محدثه من الطرف الآخر: إطمئن سيد رعد أنا متأكد أن لا أحد يستطيع تقديم عرض أفضل من عرضنا..فما قدمناه كان شبه متكامل من كل الجوانب..لهاذا فإذن الله لن نخسر هذا المشروع أبدا.

فأردف هو بعده بصوته الجاد: جيد..فلننهي هاذا الموضوع أولاً وبعدها ننتقل لموضوع صفقة الxxxxات الجديدة..


رفع يده مخللا أنامله بشعرهx ليلمح سيارة عمه تدخل البوابة وتقترب من القصر..متوقفةً هناك قريبًا من شرفة غرفته ..ليترجل عمه متجهًا للباب المجاور سامحًا لشخص آخر أن يترجل هو أيضًا ..ليتذكر أنه كان متوجهًا لإحضار إبنته ..


ضيق عينيه بعد أن ظهر له ذلك الجسد الصغير ببياض ثيابها والذي إنعكست عليها أشعة الشمس لتحيطها بنورها ..فبدت بهالة ملائكية مشعة..تتحرك بخطوات بطيئة مطرقة رأسها للأسفل متجهة مع أباها للولوج للقصر ..


إستفاق من شروده على صوت محدثه الذي كان يناديه عدة مرات...

ليستغفر الله في سره ..يرد على محدثه بالجانب الآخر بجمود: حسنا ..سنتقابل غدا ونكمل حديثنا ..وداعا.


أغلق الخط راميًا الهاتف على طاولة زافرًا بقوة..دالكًا صدغيه عله يبعد صداع رأسه الذي ما عاد يفارقه..واضعا كلتا يداه على خصره صاكًا على أسنانه هاتفا بحدة : رائع..فرد آخرx جديد ظهر علينا ..تبًا ، فليمهله الله الصبر فقط..لو لم تكن هناك رابطة دم لعينة بينه وبين إبنة عمه الجديدة لما وافق على قدومها أساسًا..فقط إكراما لعمه وزوجته اللذان أحباه كإبن لهما ..سيتحمل ..


:
•♡•
:


خرجت من الغرفة راكضة متوجسة ، مشتاقة بروح ملتهبة بألم الفراق..متوجعة وقد عم كيانها العطش لضناها المفقود ..لتتسمر في منتصف طريقها بعد أن فتح الباب لترى زوجها عصام دالفًا بمفرده..حيث سقط قلبها أرضًا هامسة برعب شلّ أطرافها: أين إبنتي عصام ..أين هي..؟


إبتسم الأخير بحنان على هلعها ..فتقدم هو قليلاً لتظهر هي من خلفه ..بملامحها الشابة الفاتنة النقية ..كمزيج من جمال رباني وبراءة طفولية جذابة ..بهالتها الدافئة الحانية..تجبرك فورًا أن تحبها ، وما لك أن لا تفعل إلا هذا..


حضنها والدها من كتفها متقدمًا معها قليلا مخبرًا إياها بصوته الرجولي الحاني: بنيتي هذه هي عائلتك..


لترفع هي عينيها لمن قابلها أولاً ليخوض قلبها حربًا ضروسًا ..فلم تكن إلا إمرأة في بداية الخمسينات بفستان محتشم ووشاح تماثلا في اللون الكشميري الفاتح و جمالها اللطيف ببشرة بيضاء وعينان زرقاء مثل عينيها هي، ذات ملامح أقل ما يقال عنها أنها دافئة وكأنها تشع حنانًا أموميًا فطريًا...إحساس طاغي إحتل خوالجها أن هذه المرأة هي..هي"أمها"..ولم يكن صوت والدها إلا مؤكدًا ذلك بعد أن أخبرها بأنها كذلك..


تعلقت أنظار جوليا بإبنتها المفقودة..فاغرة فاهها..مصدومةً ..مذهولةً ..متسارعة الأنفاس ..بعيونها المغرورقتين و خديها اللذان تبللاx بفيض دموعها...لتدنو بخطوات واهنة منها علها تتأكد أنها بالواقع الحقيقي و ماعادت تحلم بفعل شوقها ..لتتوقف بنصف طريق رافعة أناملها المرتجفة الراعشة تتلمس هالتها النقية من بعيد..هامسة بخفوت وبكاء مرير مزق قلوب الجميع: أنت واقع صغيرتي أليس كذلك..؟


مثل كويكبٍ خرج عن مداره ..كشهابٍ فقد مساره.. لتشهق سحر باكية لمرآها المعذب الممزق لقلبها مومئة برأسها إيجابًا..وكأنها تؤكد ذلك لنفسها قبل أن تأكده لأمها...لترفع الأخرى ذراعيها لها هامسة بكلمات معذبة مستنزفة: تعالي أضمك لأتأكد ،وبعدها أموت مرتاحة البال ..


عضت سحر شفتيها بألمٍ رهيب إخترق قلبها المتعب.. المرهق ..ودموعها واصلت تسربها وكأنها تواسيها في ضعفها ، في سعادتها بعد إنكسارها...في جبرها بعد قهرها..هل هاذا هو فرج الله ؟..ما أعظمك يا الله وما أعظمك فرجك ...


فما كان منها إلا أن تلبي نداء أمها ببكاء حزين راكضةً لحضنها ..جعلت الأخرى ترتد للخلف بخطوة بفعل إندفاع إبنتها لها ..لتحيط ظهرها بذراعيها بقوة علها تخترق ضلوعها و تحفظها في ثنايا صدرها..لتبكي بكاء هستيري ضامةً إبنتها لها تشم عطرها المسكي جاعلة الأخرى تتشبت بها بذراعين مرتعشتين وجسد مرتجف بفعل بكاءها وشوقها وفرحتها وألمها عن ما مضى من فراق ..


لتضعف قدمي والدتها بوهن جراء إنفعالها الشديد لتسقط جالسة أرضًا ضامة طفلتها معها غير مفلتتةً إياها وكأنها تخشى أن تتسرب صورتها من يديها إن إبتعدت عنها ولو لثانية..ليبقيا يبكيان بشدة في أحضان بعضها جالستان على الأرض..لتبعدها والدتها قليلا لتحتوي وجنتيها المبللتين بكفيها تقبل ملامح وجهها عدة قبلاتٍ دافئة مبللة بمدمعها الفياض دون توقف صارخة ببكاء هستيري: سامحيني صغيرتي، سامحيني أنا السبب ..ما كنت إلا أم مستهترة عار أن تعد من الأمهات ..ضيعتك من يدي ..ضيعتك أنا، لعنة الله علي ..

لتعيد ضمها لها بجسد باكي مرتجف مردفة بصراخ ممزوج ببكاءها الحزين: ااه..يا حبيبة قلبي ..عساني أعيدكِ إلى رحمي فلا تغادريه أبدًا..عساني أن أرجعكِ جنينًا أخفيك عن العالم أجمع يا قرة عيني يا روح الفؤاد..علني أحفظكِ في قلبي فلا تخرجي منه أبدًا..الحمد لله يااارب ..ما كان الله ليخيبنيx ..ما ضننت به إلا حُسنًا فجبرني جبرًا عظيمًا ..عدت لي صغيرتي وما كان الله إلا ليعيدك إلي جابرًا كسري ، مضمدًا جراحي بكِ يا حبيبة أمكِ أنتِ..اللهم لكَ الحمد حتى ترضى..ولكَ الحمد إذا رضيت ..ولكَ الحمد بعد الرضا..


ترتجف باكية ودموعها المنسابة تشاركها في مشاعرها المشتتة ما بين سعيدة ومتوترة مرتبكة ومتعطشة من عاطفة أمها العظيمة والتي تذوقتها الآن بعد ضمئ لإثني وعشرين سنة ..متمسكة بوالدتها بقوتها رغم وهنها تحشر رأسها في صدرها الحاني عساها تتأكد هي الأخرى أن هاذا بواقع وما عاد حلمًا ،فقد تشبعت كثيرًا بالأحلام لما مضى من السنوات..هذه هي أمها وطنها وموطنها..كمهاجر منفي طريدِ عاد لأرضه ومسكنه...كسجينٍ طال به الأمد بين الزنانين الحديدية الصدئة ضلمًا وبهتانًا فأبعد عن شمس الحرية وآن الأوان أن يفك قيده ويجوب دروبه..مثل أرض قاحلة متعطشة لقطرات غيث منهمرة تسقيها ترويها ،فأعلنت السماء رعودها وبثت على الأرض أمطارها..

إزداد بكائها على كلمات والدتها الهستيرية والتي ما رضيت إلا تضمها أكثر فأكثر علها ترويها حنانًا وحبًا وعطفًا..وما كان لها من هاذا الشعور أن تشبع..فروحها تعاني عطشًا شديدًا وتأن من نزف الضمئ..حمد لك يا رب فبعد صبري اليعقوبي ها قد رزقتني أخيرًا بِأمَانِييِّ اليوسوفيِّة..


جميهم كانوا يبكون بفعل هاذا المشهد الرهيب المدمي للقلب فعلاً ..كان الجد قد تحرك نحو مكتبه لعدم قدرته على تحمل الوضع أكثر فرغم حزمه وشدته طوال الوقت غير أن ما يتعلق بأولاده وأحفاده لا يستطيع إلا إن ينزع قناع الشدة ويظهر حبه كأبٍ وجدٍ في ذات الوقت..و زوجها عصام كان قد جلس على أقرب كرسي بفعل تأثره هو الآخر لعودة إبنته والذي يبدو وكأنه الآن فقط تأكد أنها عادت حقًا ..


رفع زياد كفه ماسحًا دموعه محاولاً تمالك نفسه هو الآخر كي لا ينهار فيكفي إنهيار أمه وأخته..ليحس بكف توضع على كتفه ولم يكن إلا أخاه الأكبر أدهم بنظراته المشفقة وعيونه الحمراء والتي واضح أنه يكبح دموعه هو الآخر كي لا يفقد حصونه...مردفًا بصوت مبحوح: أظن أنه علينا أن نوقفهما عن البكاء كي لا يحدث لهما شيئ سيئ جراء الإنفعال..


ليتحرك بعدها بخطوات سلسةٍ يدنو منهما رابتا على كتف أمه هامسًا لها: دعيها قليلاً تتنفس وتتدارك الأمر..وأنتِ أيضًا يا أمي أرجوكِ تمالكي نفسك


لتصرخ في وجهه بحدة وببكاء: لن يأخذها أحد مني هل فهمتم ؟..هي إبنتي أنا...وأنا فقط لن تغادر حضني ما دمت أتنفس..


إقتربت منها مريم هي الأخرى عساها تقنعها مردفة بلين: جوليا حبيبتي إهدئي قليلاً ..أنظري لإبنتك قد يغمى عليها بسبب البكاء..ولا تنسي أنها كانت مسافرة، من فضلك دعيها ترتاح لبعض الوقت فقط ..لن تذهب ولن تغادر المكان إطمئني..


أبعدتها والدتها قليلاً ضامة وجنتيها المبللتين بين كفيها لترى أنفها الصغير الذي إحمر بفعل البكاء ووجهها الذي إزداد شحوبًا وشفيتها المرتجفتين ..مع مقلتيها اللازورديتن المرتعشتين..لتلثم جبينها بعاطفة أمومية كبيرة..تتأكد أنها هنا وأخيرًا هي بين ذراعيها...حلم السنوات قد تحقق..ووجع العقدين قد تفكك..نعم صغيرتها وبرعمتها عادت ..أخيرا أثلج لهيب صدرها ..


إبتلعت ريقها بضعف محاولة أن تقف وتوقفها معها ..لتحس بسند يسندها من الظهر ولم يكن إلا زوجها عصام بوجهه الندي وملامحه الدافئة..كعادته ما كان إلا سندًا في ظهرها وفي لحظات وهنها وكسرها ..ليبتسم لها مقبلاً جبينها بحبه المعتاد..لتستند عليه بسبب فشل ركبتيها اللتان أبتا أن تحملانها ..قابضة على ذراعي إبنتها تساعدها هي الأخرى في إستقامتها الضعيفة ..


حاولت سحر أن تستعيد قوتها بجسدٍ واهنٍ مصفرٍ وكأنه فاقد للحياة..تمالكت نفسها مستقيمةٍ ببطئ شديد مطرقةً رأسها بتنفسها السريع وقلبها الخافق بقوة متمسكة بذراعي والدتها اللتان أبت إلا أن تتمسكا بها هي الأخرى..ولم تشعر إلا وبنفسها محمولة بين ذراعين رجل واضعًا ذراعه خلف ركبتها والأخرى وراء ظهرها حاملاً إياها بخفةٍ وسهولة متحركًا بها نحو السلالم صاعدًا للأعلى..لتتسع عينيها بجزع فهي طوال حياتها لم تسمح لذكر بأن يقترب منها بشبر ، فما بالك أن يحملها..أرادت أن تقوم بضربه وشتمه إلا أنه إبتسم لها بود وكأنه قرأ أفكارها هامسًا: لا تجزعي فأنا أخوك ولست بغريبٍ عنكِ..


توردت وجنتيها حياءًا منه فها هو أخوها ..لكن هل هاذا الأكبر أو الأصغر..أرادت أن تسأله ذلك..لكنها شعرت بغبائها...


إقتحم بها جناح كبير أقل ما يقال عنه أنه رائع بجدرانه الحليبية وأثاثه العصري الفاخر متجهًا بها لأحد الغرف ذات باب أبيض ليهمس لها بأن تفتح الباب ..فحركت يدها مديرة المقبض فاتحة إياه ليدفعه هو قليلاً بقدمه والجًا معها للغرفة متوجهًا لسريرها واضعًا إياها بلطف وكأنها مخلوقة من زجاج..لترفع نظرها للغرفة الجميلة بطابعها الأنثوي ، واضح أنها جهزت خصيصًا لها

- هل تحتاجين شيئا أحضره لكِ؟ ؟


أعادت نظرها لأخيها الواقف أمامها..بجسده الرياضي فارع الطول وكتفين عريضين وشعره البني الداكن المائل لسواد ولحية خفيفة بذات اللون مع تلك العينان البنيتين و بشرته الخمرية..كانت ملامحه وسيمة تبعث على الراحة والطمأنينة..لتهمس له بخفوت متوتر: لا..شكرًا..ممم فقط أنت ما إسمك؟؟


قهقه بمحبة على سؤالها المتوتر ليدنو منها بخطوات هادئة رابتًا على رأسها بود أخوي إستشعرته منه مرددًا: أدعى أدهم ..وإعلمي أننا نحن سعداء حقا بعودتكِ ..وأخيرًا إكتملَ شملنا يا أختي..


إغرورقت عيناها بفعل كمية الحب والفرح بعيونهم ...حمدًا لله ظنها بالله لم يخب ...لينحني لها مقبلاً رأسها: نامي قليلاً الآن أكيد تعبت بسبب السفر ومع ما حدث منذ قليل ..وأنا سأمنعهم من القدوم لك حتى ترتاحي ..أراهن أنهم يقيدون أمي الآن مانعين إياها من إقتحام الغرفة..


إستلقت على ظهرها بعينان شبه مغمضتان مع تلك البسمة الدافئة التي تخللت شفتاها ...حامدة الله على ما أعطى وما أخذ...


فتحت عيناها ببطئ متثائبة لترى أن هذه الغرفة جديدة ليست بغرفتها القديمة ..لتسترجع الأحداث متذكرة أنها الآن بغرفتها عند أهلها..حيث تسلل لها شعور أن هناك من يحضنها من الخلف..حركت رأسها مستديرة لأعلى كتفها لترى والدتها شبه مستلقية حاضنة إياها ..إبتسمت لها الأخيرة بحنانها الأمومي الدافئ هامسة لها: وأخيرا إستيقظت صغيرتي...


أومئت لها سحر يإرتباك فهي لم تعتد عليها بعد، رغم سعادتها الشديدة بلقياها....لتقبلها أمها على وجنتها و جبينها عدة قبلات حانية لعلها تبث من خلالهم ما عجز لسانها عن قوله..لترتمي سحر في حضنها محاولة الإختباء هناك..فما كان من الأخرى إلا أن تطوق ظهر إبنتها بذراعيها بقوة مقبلة أعلى رأسها..هل تعرفون معنى الإرتواء بعد العطش...معنى الشبع بعد الجوع..شعور الأمان بعد الخوف والجزع..إحساس الإنتماء بعد الإغتراب...هاذا كان شعور كلاهما..كقلب إنشطر على نصفين ثم عاد وإلتئم في كيان واحد..


ربتت والدتها بكفها الحاني على رأس إبنتها هامسة بحب: لماذا لم تنزعي الحجاب صغيرتي؟..أكيد لم تشعري بالراحة به خلال نومك..


رفعت سحر نظرها لها مردفة بتلعثم: أنا..لم أجد الوقت كنت متعبة..ثم خفت أن يراني شخص غريب..


أبعدتها والدتها قليلا عن حضنها مكوبة وجنتيها بين كفيها قائلة: لا تقلقي حبيبتي لا أحد سيدخل جناحك بإستثناء والديك وأخواك فقط..أو نساء الأسرة..هاذا هو قانون القصر ..ممنوع تجاوز الحرمات والكشف عن ما هو ليس بمحرم للرجال... إطمئني لا أحد يتجرأ على مخالفة القانون الذي وضعه جدك منذ عقود حفاظًا على حرمة العائلة ..تصرفي بحرية تامة في جناحك صغيرتي..


أومئت لها سحر براحة ..لتبتسم لها أمها بود مقبلة إياها على جبينها مخبرة إياها : إستحمي كي تستعيدي نشاطك..وحقيبتك هناك على الأريكة وأنا سأحضر لك الأكل ..وإن إحتجت أي شيئ فما عليك إلا مناداتي، حسنا..


لتخرج بعدها من الغرفة فإستقامت سحر مغادرة السرير متجهة حيث حقيبتها الصغيرة مخرجة ثوبا منها...فجالت بأنظارها بغرفتها منبهرة بها مجددا فقد كانت واسعة جدا، فإبتسمت بسعادة متحركة بخطوات هادئة نحو الحمام..لتدير مقبض الباب دالفة له ..ففغرت فاهها على جماله هو الآخر وعلى ما يحتويه من تجهيزات..لتدنو من الحوض فاتحة مرش الماء بعدها تنزع حجابها تدريجيا..


بعد دقائق من الإستحمام المنعش والمجدد لنشاطها إرتدت ثوبها القرمزي بطوله الذي يصل لمنتصف الساق وكمين قصيرين وحزام أسود رقيق على خصرها..جففت شعرها تاركة إياه منسدل على ظهرها..خارجة من الحمام باحثة عن هاتفها لكي تتصل بشهد للإطمئنان عليها..بعد رنتين إذ بها تسمع صوتها الصارخ بإسمها: سحر حبي...إشتقت لك شوق الأرض للماااء


قهقهت الأخيرة عليها مردفة: صدقتك يا قردة ..على أساس أنك لم تكوني تغيبين ساعات في الجامعة ولا تتصلين بي..


ليصلها بعدها ضحك شهد على ملاحظتها مجيبة إياها: تعرفين أن صوتك سيجعلني أترك المحاضرات وآتي ركضا لحضنك يا أختي يا قرة عيني


هزت الأخيرة رأسها على مشاكستها مرددة :نعم..نعم صدقتك حقا


إستفهمت الأخري بحماس شديد: المهم الآن أخبريني كيف كان اللقاء..هل قابلت والدتك؟..كيف هي؟..هل تشبهك؟...هل..


قاطعتها سحر بتململ قالبة عينيها على فضولها اللامتناهي: تنفسي يا فتاة تنفسي...حسنا ..


تنهدت بعدها محركة أناملها على عقدها الفضي المحيط بعنقها ، هامسة بعدها براحة عمت كل قلبها: حسنا كان اللقاء مزيجا بين الفرحة ومرارة الفراق..والكثير الكثير من الدموع صدقيني..لكن عموما حمد لله كانت والدتي مثلما تخيلتها تماما وكأن الله أراد لي جبرًا وفقًا لرغباتي ..كانت دافئة جدااا وتشع حنانًا..


فوصلها صوت شهد المتحشرج : الحمد لله إذًا..أنا حقا سعيدة لأجلك أختي حمد لله جبر بخاطرك وعوضك جميل العوض..


تنهدت سحر براحة أزهرت بقلبها هاتفة: الحمد لله فعلاً...المهم الآن يا صغيرتي الدرامية ..هل ذهبت لجامعتك أم تغيبت كالعادة؟


سئلتها لتردف الأخرى في تململ المعتاد عند ذكر موضوع الدراسة: تبا أنت لا تنسين أبدًا دراستي..حسنا ذهبت بعد ذهابك مع والدك وحضرت محاضرة واحدة والأخرى لا ...لأن أستاذة تغيبت بحكم ولادتها المبكرة ...ياااي فلتأخذ فترة أمومة براحتها


قهقت سحر على مكرها محدثة إياها: يا إلهي أراهن أنك سعيدة بولادتها أكثر من سعادة زوجها بذلك..


ضحكت الأخرى بشدة على كلامها مجيبة إياها من بين أنفاسها: أكيد سنفرح فليس هناك أفضل من الذرية يا أختاه ...


لتهز رأسها بسخرية من تحمسها المبالغ مرددة: يا عاشقة للعلم والدراسة أنتي..حسنا سأغلق الآن وأكلمك بعد صلاة العشاء..ولا تنسي ما أوصيتك به


آتاها صوت شهد مطمئنا:حسنا سحورة لا تقلقي وإهتمي أنت بنفسك أيضا..إلى اللقاء حبي..


- إلى اللقاء يا قردة...


أغلقت المكالمة لترى أن الساعة هي خامسة مساءًا لتتسع عينيها في هلع ..هل نامت كل هاذا الوقت لقد فاتتني صلاة الظهر والعصر..لتسرع باحثة عن إسدالها لتأدية الصلاة..فتهادى لها صوت طرقات الباب ..فما كان منها إلا أن تسمح للطارق بالدخول..ليدلف الغرفة شاب فارع الطول وجسد مفتول ببشرته السمراء ذات اللحية الخفيفة والعيون البندقية الداكنة وشعر بني مماثل..

رمشت سحر بعينيها متوترة متسائلة من هذا ؟ ..أكيد لن يكون غريب عنها فأمها أخبرتها أنه ممنوع أن يدلف شخص لجناحها من الأغراب..ليصلها صوته المازح: أووه أنظروا من لدينا هنا ..مرحبا بك يا سنفورة..


مطت شفتيها بإرتباك مجيبة: مرحبا ..


تحرك الأخير بخطوات هادئة نحوها رافعا كفه لرأسها..لتتراجع سحر للخلف بتوتر مبتعدة عنه ليقهقه زياد على حركتها ليبستم بدفئ أخوي لها هامسا: أنا أخوك زياد لا تقلقي..أكيد سمعت عني من أبي..


زفرت براحة غمرت فؤادها فها هو ثاني إخوتها قد ظهر..


فتح ذراعيه لها مغمغما بمحبة: ماذا ألن أحظى بعناق أخوي بعد كل هذه سنوات يا سنفورة..؟


توسعت عينيها وإرتبكت أكثر وشابكت كفيها ببعضها البعض من التوتر لا تعرف كيف تتصرف..فليست معتادة على التعامل معهم ..


كتم الأخر ضحكته على توترها والصراع الذي يراه بعيناها فقرر أن يزيح عنها الحرج فتقدم بنفسه لها ضامًا إياها لصدره.. تصلبت الأخرى بين ذراعيه من فرط الخجل لكن مع إحساسها بحنانه الأخوي ما كان لها إلا أن تسترخي متمسكة بقميصه بقوه سامحة لدموعها أن تأخذ حرية التساقط من شدة فرحتها لأسرتها وشوقها لأخويها..


ليبتعد عنها بعد لحظات ليتأمل وجهها البهي متفاجئًا بدموعها رافعًا كفاه محيط وجنتيها قائلاً بمشاكسة: أنت تشبهين كنغر صغير بهذه الملامح ...إن عرفت أمي أنكِ بكيت ستمارس علي فن التيكوندو لهاذا لا تغامري بحياة أخوك الطيب المسكين..


كتمت بسمتها على كلماته ..وهو يتابع مسح خديها من دموع..ليقاطعهما دخول والدتهما للغرفة بملامحها المستغربة من تواجد إبنها..فرفع الأخير ذراعيه بجانبه متحدثا: إطمئني يا جولي فقط كنت أسلم عليها ..مازالت تحتفظ بكامل أعضائها وتأكدي بنفسك


أخفت سحر ضحكتها لتتقدم أمها حاضنة إياها مقبلة رأسها مرددة : صغيرتي أحضرت لك الطعام تعالي لتأكلي..نور بنيتي تفضلي


لتدلف بعدها خادمة ذات جسم رشيق ترتدي تنورة طويلة واسعة سوداء تصل لكعبيها وقميص بناتي أبيض بوشاح يغطي شعرها باللون الأسود الذي لائم بشرتها الحنطية وعيونها العسلية ..كانت ذات ملامح جميلة وجذابة..تتقدم تجر عربة صغيرة عليها مجموعة من الأطباق المتنوعة..


فقهقه زياد على عدد الأطباق قائلا: كل هاذا لأجل هذه سنفورة أشك أنها ستأكل إلا ملعقتين ..فحجمها لا يتناسب مع كل هذه كمية من الأكل وكأنه معد لعشرة أشخاص وليس للسنافر..


رمقته سحر بحدة هامسة من بين أسنانها: من هي السنفورة؟ ؟


حاول كتم بسمته قدر المستطاع مقربًا رأسه منها هامسًا بخفوت: لا سنفورة غيرك هنا يا سحورة


كانت سترد إلا أن والدتهم التي كانت تصف الأطباق مع الخادمة على تلك الطاولة المستديرة على الشرفة قاطعتهم : زياد دع أختك وشأنها..وأنت صغيرتي تعالي للأكل..


تقدمت سحر نحوها موجهة كلماتها للخادمة بلطف: شكرا لك يا آنسة


تفاجئت الأخرى بشكرها فأجابت بخفوت مرتبك: العفو هذا واجبي..


تحركت مغادرة الغرفة..لتقترب والدتها منها طالبة منها جلوس..فتحدثت سحر بهدوء: أولا أريد أن أصلي ، لقد فاتني كل من صلاة الظهر والعصر ..


تبسمت أمها بحنو رابتة بدفئ على رأسها هامسة: حسنا تعالي لمصلاك..يوجد مصلى صغير في غرفتك ..


تقدمت الأخيرة بخطوات هادئة للمصلى،x توغلت والدتها معها للأمام آخذة سجادة ذات لون أرجواني وأفرشتها لها مخبرة إياها على مكان القبلة


بعد دقائق من الصلاة رفعت يديها للسماء حامدة لله على فرجه وعلى رحمته وكرمه الذي أكرمها به..ضلت تحمد وتشكر الله فالله يحب الحامدين والشاكرين.


تقدمت للشرفة حيث أمها وأخاها الجالسين هناك..لتلحظها والدتها فربتت على كرسي بجانبها مردفة بكل حب: تعالي صغيرتي إجلسي هنا بقربي..


أخذت مجلسها هناك ..لتقرب أمها الصحون منها هامسة: إبدئي بالأكل حبيبتي..فأنت فاتك طعام الغذاء بسبب غفوتك عند قدومك..خذي هاذا لحم متبل ..كنت سأطبخ لك أحد الأطباق التقليدية لكن خفت أن يكون ثقيلاً على معدتك خاصة أنك كنت مسافرة..لكن سأطبخها لك على العشاء ما رأيك؟


هز زياد رأسه سخرية على مبالغة أمه في تدليل أخته قائلا بتهكم: أي سفر هاذا يا أمي ؟..وكأنها كانت في تايلاند ..كلها ساعة إيابًا بالسيارة..


رمقته والدته بحدة مغمغمة: أنت أصمت كليًا..


توسعت عينيه وفغر فاهه ..لكنه آثر الصمت كاتما ضحكه عليها..


تبسمت سحر على إهتمام أمها فأردفت: لا بئس أي شيئ من يديك سيكون طيبا..


ربتت جوليا على شعر بنتها بحنو ..وأخذت تقطع لها شرائح اللحم وتطعمها بيديها..تنتقل من هاذا الطبق لذاك..وكانت سحر تسايرها بكل رضا عساها هي الأخرى تعوض ولو قليلاً من ما فاتها سابقًا من محبة أمها..


تأمل زياد سعادة أمه الجلية على ملامحها..فعمت الفرحة أرجاء قلبه حامدا لله في سره أنه قد فرج عليهم وأعاد لهم أختهم..وأخيرا سينعمون بالراحة الحقيقية خاصة أن والدته والتي كانوا طوال سنوات مضت يرون تقاسيم الألم والكسر في مقلتيها..


حرك كرسيه مقتربًا من سحر منحنيا لها هامسا قرب أذنها: هل أخبرك بسر؟


إنتبهت سحر له فأومئت بالإيجاب ..أردف بعدها:
منذ الساعة السادسة صباحا وهي مقيمة بالمطبخ تجهز لك كل هذه الأصناف..


إبتسمت سحر على كلماته المفرحة والتي إزداد خفقان قلبها على إثرها..ليهمس لها مجددا: أتريدين أن أخبرك سر آخر؟


لتومئ له مرة أخرى بنعم..ليصلها همسه الخافت قارصا وجنتها بخفة : أنت في غاية الجمال ..


توردت وجنتي الأخيرة جراء إطراءه فغطت وجهها بكفيها حياءا..ليقهقه على خجلها الظريف مكملا همسه: سأضيفك لقائمة النساء اللواتي سأبرح كل خاطب لهن ضربا..


لتقاطعهم والدتهما بغضب: زياد دع أختك تكمل طعامها..


كتم زياد ضحكه محدثا سحر: هيا أكملي طعامك يا سنفورة قبل أن تقتلني جولي..


:
•♡•
:


دلفت نور لذلك المطبخ الكبير بطابعه العصري الفخم ..لتجد والدتها جالسة متابعة عملها ..فإقتربت منها متخذة مجلسًا بجانبها تساعدها في الأمر متحدثة: كنت الآن في غرفة الآنسة سحر يا أمي..وااو عليك أن تريها عن كثب فاتنة ما شاء الله وأيضا تبدو متواضعة وطيبة..لقد دخلت لقلبي تلك الفتاة حقا


ضحكت أمها السيدة حنان بخفة مجيبة إياها: أكيد ستكون كذلك فهي إبنة جوليا وعصام ..كلاهما رائعان، وطبعا لن تكون إبنتهما بأقل من ذلك..أنظري فقط لإبنيهما أدهم وزياد ماشاء الله نعم الشباب خلقا ودينا ووسامة وعلما...تبارك الله حفظهم الله من كل شر..صدقيني لم أفرح في حياتي مثلما فرحت بخبر عودتها ..السيد عصام وزوجته يستحقان كل خير حقا..الحمد لله


زمت نور شفتيها مغمغمة بتهكم: أتمنى فقط أن لا تحدث مشاكل لها خلال عيشها هنا..


رفعت والدتها بصرها لها متسائلة بتوجس: ماذا تقصدين، لماذا قد تحدث مشاكل لها؟؟؟


تنهدت الأخيرة بخفوت موضحة: تعرفين ..قد تضايقها سارة تلك البنت تغار من أي فتاة تفوقها جمالا ، فما بالك بإبنة عم جديدة في نفس المكان تتميز عليها في كل شيئ..خاصة أنها مهووسة برعد..و


قاطعتها والدتها بسرعة، مردفة بخفوت: شششش..هل جننت أصمتي ولا تكرري هاذا الكلام خاصة فيما يخص موضوع رعد..هاذا الأمر حساس جدا ..لا دخل لنا بهم..


قلبت نور عينيها على حذر والدتها المبالغ به هامسة بخفوت مماثل:على أساس أن الأمر سر ..صدقيني أشك أن الجميع يعلم به..موضوع هوسها به واضح وضوح الشمس..الأحمق فقط من لا يلاحظ ذلك..


زفرت والدتها بحدة مرددة: وهاذا الأمر لا يخصنا بشيئ..والآنسة الصغيرة هي في رعاية والديها وأخويها لن يتجرأ أحد حتى على النظر لها..فما بالك في إزعاجها، بالإضافة لقوانين القصر لا أحد سيتجاوزها تجنبا لغضب جدهم تعرفينه عندما يغضب..


ردت نور بتحفز: هل نسيتي أن السيد رعد لديه حساسية من الأغراب، أراهن أنه وافق فقط لقدومها إكراما لعمه عصام وزوجته لا غير..


إستقامت والدتها من كرسيها حاملة الصحن مغمغمة بعدها: لا تضلمي الشاب يا بنيتي صحيح أنه حاد قليلاً ..لكنه لم يكن يوما متجبرًا أو ضالمًا، أنسيت أنه كان دومًا ولهذه اللحظة فاتحًا بابه لكل محتاج وفقير..


تأففت نور بضجر مخاطبة أمها: بالله عليك يا أمي، أنا لم أقلل من شأنه أو أسئت له بشيئ ما..فقط تكهنت أنه لو كان الأمر بيده لما وافق على قدوم الآنسة الصغيرة


أردفت السيدة حنان بعدها بغضب مسكتتة إياها: معه حق فما مر به ليس بقليل ..الحمد لله فقط أنه لم يفقد صوابه ولم يتجبر على خلق الله بعد كل ما حدث له ..فليحفظه الله فقط، لقد عانى كثيرا صحيح أنه بارد و منطوي طوال الوقت إلا أنني أتفهمه ..لولا وقوف جده و السيدة جوليا والسيد عصام وإبني عمه معه لكنا فقدناه منذ سنوات..لهاذا لا لوم عليه


تنهدت الأخرى شاردة بين طيات ذكريات الماضي...تتقاذفها أمواج محطات ولى عليها الزمن ..لكن كان قد إستوطن قلبها تلك الضحكة التي ما غابت عنها يوما ..


إبتلعت ريقها بتوتر وإزداد نبض فؤادها من وقع تلك الومضات ..هامسة لنفسها بأن تتوقف عن الغباء..

:
•♡•
:


أغلق هاني باب البيت بتعب..متحركًا بخطوات بطيئة متوجهًا للصعود لغرفته في الدور الثاني..إلا أن نداء والدته أوقفه: هاني بني هل عدت ..؟


وجه نظراته نحوها متجهاً لها بخطواته السلسة مجيبًا إياها: نعم أمي ..مرحبًا


جلس بجانبها على الأريكة والتي كانت الأخيرة قد إتخذتها مجلسا لممارسة الحياكة كعادتها..رحبت به بحنوها المعتاد: أهلاً حبيبي..


وضع رأسه بين كفيه إثر صراع أفكاره التي لا تنتهي و محاولة سيطرته على غضبه الذي يحاول كتمه قدر المستطاع فما كان منه إلا أن ترهق نفسيته على إثره ..ربتت والدته على رأسه مستفهمة منه عن حاله الذي كان يقلقها منذ مدة طويلة: بني ما خطبك، ما الذي يتعبك هكذا..؟


إقترب من والدته مريحًا رأسه على فخذها مغمضًا عينيه علّ صراعه يهدأ قليلاً مجيبا إياها: لا شيئ أمي، فقط إزداد العمل علي هذه الفترة وأرهقت على إثره، لا تقلقي


مسدت بكفها على شعره كاتمة توجسها من حاله المنقلب إلا أنها لم تشأ الضغط عليه حتى يقرر هو البوح بما يخالجه بنفسه..تبسمت متحدثة: لم تخبرني أنك زرتك خالتك عطاء قبل يومين..


غمغم بهدوء: نسيت إعلامك ..عذرًا


تسائلت مرة أخرى: كيف حال سهام..هل قابلتها؟


تصلب جسده بسبب سؤالها والذي أعاده لما كان يفر منه مجيبًا إياها بفتور: لا لم أقابلها...


تنهدت بهدوء مقبلة جبينه ..ليبتسم على إثرها هامسًا بخفوت: توقفي عن هاذا الحب يا أمي ..أصبحت في الثلاثين


لتشد شعره هامسة من بين أسنانها: بالمناسبة لم أنسى سخرتك عن حبي لخالتك عطاء يا ولد..


قهقه الأخير على غضبها مردفًا بمشاكسة : أي سخرية يا حبي يا أمي فقط كنت أحلل وضعكم أنتن الثلاثي الرهيب سيدات الحب والمشاعر..


ضربته على رأسه بخفة متهكمة عليه: حقا...لهاذا وصفتنا بالمبالغة والدراما...


لتزداد قهقهته عليها ممسكا بكفها مقبلاً إياه بحب متحدثًا بصدق: أمزح فقط يا قلب هاني..تعلمين حبي وأحترامي لكي أنت وخالتي جوليا وعطاء ..أنتن نعم الأمهات والله..


لتزهو بفخر مهمهة بثقة: نعلم طبعًا ..


قلب عينيه على ثقتها الظريفة..ليستفهم منها: متى ستذهبين لخالتي جوليا ألن تزوريها لمباركة لها على عودة إبنتها..


تبسمت بدفئ على سؤال إبنها قائلة: كنا سنذهب أنا وخالتك عطاء حقا اليوم لكن قررنا تأجليها أفضل للغد أو بعده ..فضلنا أن نترك لجوليا وإبنتها بعض الخصوصية عساهما تشبعان من بعضهما قليلاً قبل أن نزورهم ..


غمز هاني لها مشاكسا إياها: ماشاء الله على التفهم يا أم هاني...أذهلتنا حقا


مطت شفتيها على سخريته هامسة بغضب: أنت بالذات علي أن أعثر لك على عروس عساني أتخلص من سخريتك المتواصلة..


ضحك بخفة عليها قارصة وجنتها: ألف عروس ولن توقفني عن إزعاجك يا ضحى يا عسل ..


كتمت بسمتها عليه إلا أنه لم يكف عن شقاوته المزعجة ..حتى طردته وما كان منه إلا أن يتوجه لغرفته كاتما ضحكته عليها أو مداريًا لوجعه عنها..

:
•♡•
:


جالسا على كرسي مكتبه الفخم بجناحه..بين يديه مجموعة من أوراق العمل يدرسها..رمى القلم على سطح المكتب محيطًا رأسه بكفيه مغمضًا عينيه بضيق جراء الصداع الذي ما ينفك يراوده كل فترة وأخرى..ليستفيق من غمرة إرهاقه صوت إنفتاح الباب وولوج أدهم والذي بادر بالكلام بحنق: تبا لك...حتى في مثل هاذا اليوم لا ترحم لا نفسك ولا نحن من العمل يا بني آدم..


إقترب منه بخطوات هادئة واضعًا الملف أمامه..ليرفع رعد حاجبه بتهكم مستفهمًا: هل اليوم عيد الفطر أو الأضحى لنتوقف عن العمل ..


جلس أدهم على أقرب أريكة واضعا ساق على الأخرى بكل رجولية مجيبا إياها بسخرية مماثلة: نعم اليوم عيد لعائلتنا بمناسبة عودة أختي إن كنت نسيت..


تأمله رعد ببرود وأراد أن يجيبه بأنه لا يهتم بعودتها ولا يبالي أساسًا بذلك لكنه خشي أن يجرحه ..فمعزة أدهم وزياد ووالديهما عظيمة في قلبه ..فهو يتحمل كل شيئ إلا أن يكون سببًا في الإساءة لهم يوما..لهاذا آثر الصمت على الكلام كعادته...


فتح الباب ودخل زياد بحيوية متحدثًا بإنتصار: توقعت أنكم هنا...


زمجر رعد متحدثًا من بين أسنانه: ألم تسمع أنت وأخاك ذاك بإختراع يسمى طرق الباب قبل الدخول..


ناظره زياد بملل مجيبا إياه بتهكم: للأسف لم نسمع به بعد..لكن إطمئن سأسأل عمك Google عن ذلك..


تجاهل رعد سخريته مستفهمًا منه عن سبب قدومه إن كان هناك شيئ مهم..


تبسم له الأخر مجيبًا إياها بإستفزاز واضح: لاشيئ فقط تركت أمي وأختي تتبادلان الأشواق براحتهما..وجئت أخبرك بأنني إشتقت لك يا رعد يا حبيب قلبي ..


وجه رعد نظراته المقرفة له متجاهلاً إياه متابعا عمله..ليقهقه زياد وأدهم على ملامح وجهه..


طالع أدهم أخاه رافعا حاجبه بإستفهام : تركت أمي وأختي برضاك..أو تقصد أنها قد طردتك بنفسها من الجناح...؟


ناظره زياد بفخر مرددًا: أمي حبيبتي لن تتجرأ على ذلك أنا المفضل لديها..


ضحك أدهم على مراوغته الواضحة مردفًا: غريب وكأنني سمعت قبل أن أدلف للمكتب صراخها عليك تطلب منك الخروج دون عودة من جناح سحر..


طالعه زياد بإبتسامة بلاستيكية مصطنعة متحدثًا: إذا قد أصابك مس شيطاني فقد أصبحت تهلوس عزيزي..


ضحك أدهم بخفة على إنكاره...ليصله صوت زياد متحدثًا: جدي هتلر أقصد الموقر، قرر أن يقيم حفلاً كنوع من ترحيب بأختي الوافدة .. وأيضا إعلان خبر العثور عليها وإنضمامها رسميا لسلالة سلطان..


- أجل لقد أخبرني والدي هاذا منذ قليل..


أجاب أدهم بهدوء...ليحاول زياد إستفزازه غامزا له:
ت

عرف أمي خلال هذه التجمعات تمارس موهبتها في إنتقاء عروس لك يا أدهم...لهاذا جهز نفسك للزواج يا عريس..



رفع الأخير كلتا حاجبيه بتعجب مغمغمًا: حقا !..حسب علمي أنها كانت تؤيد فكرة زواجك قبلي لكي تعقل قليلاً...فكر في نفسك أولاً فأنت من ستسبقني يا عبقري زمانك...أنا حاليًا أفضل العزوبية..


ضحك عليه زياد مردفًا بعدها: تهرب من الموضوع كعادتك ..كل مرة تقنعها بحجة لإسكاتها ..أراهن أن هناك من نصبت شباكها عليك لهاذا تراوغ ..


تجاهله أدهم قالبًا عينيه عليه متحدثًا: أنت فقط إهتم بنفسك ولا تتدخل في شؤوني يا حشري..


وجه زياد بصره لرعد الصامت المتابع لعمله على الحاسوب...معيدًا نظراته لأخيه أدهم مبتسمًا له ومشيرا برأسه لرعد مردفًا بعدها: أراهنك أن رعد هو من سيسبقنا في دخول لبيت الزوجية ..


تصلبت أصابع رعد فوق أزرار الحاسوب ناظرًا لزياد والتي علت محياه إبتسامة مستفزة كعادته ..يرمقه بنظرات جامدة صامتة باردة...ثواني فقط..ثم تجاهله متابعًا عمله..


ليقهقه كل من أدهم وزياد على ردة فعله المتوقعة...ليتكلم أدهم من بين أنفاسه: هيا يا رعد لا تنزعج...تعرف زياد إنه يحبك و يريد فقط الإطمئنان عليك..


ليتابع زياد عنه حديثه بقهقهة : نعم يا حبيب قلبي دعنا نرى نسلك من بعدك لكي نطمئن على إستمرار سلالة آل سلطان..


تحدث رعد ببرود وهو يتابع عمله: خذ أخاك وأغربا عن وجهي قبل أن أخرجكما بنفسي...


كتم زياد بسمته مستقيمًا من مجلسه ممسكًا بذراع أخيه قائلاً بصوت مسموع: فلنذهب بكرامتنا أفضل يا أخي..فالناس أصبحت لا تقدر الإهتمام هذه الأيام..


تحرك معه أدهم بخطوات خارج المكتب كاتمين ضحكهم على إبن عمهم...تاركينه يصارع شبح أفكاره لوحده..

:
•♡•
:

كانت سحر تتوسد حضن والدتها تتنعم من حنانها ودفئها...والأخيرة التي كانت تغدق عليها بعاطفتها الفياضة..تحدثتا عن كل شيئ وأي شيئ..أخبرتها سحر عن والداها اللذان كفلاها وكيف كانا لها نعم الأم والأب..روت لها عن وجعها عندما كانت تظن أنه تم تخلي عنها و بأنها يتيمة ..حكت لها مراحل دراستها وطفولتها..والأهم تكلمت عن أختها وحبيبة قلبها شهد وشقاوتها..بكتا معًا وضحكتا سويًا..هل تعرفون شعور السلام بعد حرب ضروس..إحساس السبات بعد تعب شديد..


عندما تخترق سهام الأمل فؤاد المرء بعد يأس الأيام..حين تتلألأ نجوم السماء فتضيئها نورًا وتزيح بأس الضلام...هكذا كان إحساسهما هذه اللحظة..عظمة الكون كله ينزاح أمام حضنَ أمٍ مشتاقة للضنا...


قبلتها والدتها على رأسها عدة قبلات دغدغت قلب سحر جعلتها تقهقه غامرة نفسها في صدر أمها أكثر ..لتمسح والدتها بكف يدها الحاني على شعرها مستفهمة منها بحب : أضحكيني معك يا شقية..


تبسمت الأخيرة بود هامسة لها: لو حسبنا عدد القبلات التي قبلتني إياها منذ مجيئي لحد الآن لفاقت الألف قبلة..


ضحكت والدتها على قولها محيطة إياها أكثر بذراعيها عساها تحفظها بين ضلوع صدرها فلا تغادرها أبدًا...معيدة تقبيلها عدة قبلات على شعرها مردفة بعدها: دعيني أعوض سنوات بعدك يا صغيرتي..كل يوم سأشبعك قبلات وأحضان علني أرتوي قليلاً منك يا نور عيني..


بعد لحظات فتح باب ودلف عصام ليبتسم على مرأى زوجته المتكئة على ظهر السرير ومحتوية بين ذراعيها إبنتهما وكأنها تخشى أن تتسرب من بين يديها كوهم خادع...تقدم نحو السرير بإبتسامة هادئة جالسا على طرفه متحدثا: ألم تشبعي من إبنتك بعد عزيزتي..؟


ناظرته زوجته بحدة مردفة: لا لم أشبع يا عصام ألديك مانع..؟


قهقه الأخير على حدتها المبالغ فيها قائلاً: لا تقلقي لن نخطفها منك ..فقط دعيني أنا وأخويها نجلس معها قليلاً..


حضنت الأخيرة إبنتها أكثر مردفة بدفئ أمومي: هي إبنتي أنا فقط..أنت إذهب وإجلس مع ولديك..


رفع عصام حاجبة بتعجب مستفهمًا: إبنتك وحدك، حقا !! وكيف أنجبتها بالبلوتوث أو حَملتها من الأنترنت وأنا لا أدري..


توسعت عيني جوليا وفغرت فاهها على وقاحته أمام إبنتهما..فقهقهت سحر بحرج على والديها مخبئة وجهها في حضن والدتها أكثر..فما كان من أمها إلا أن تصك أسنانها هاتفة بحنق:عصااام إخجل إبنتك هنا..


إبتسم الأخير على غضبها متكلمًا: حسنا دعيني أحضن إبنتي قليلاً مثلك ..أنت معها منذ ساعات يا إمرأة ..


بعدها وجه كلامه لإبنته: بنيتي تعالي إلي يا حبيبة قلب أباك..


رفعت سحر رأسها له متأملة وجهه البهي والتي تجلت فيه تقاسيم حنان الأب وعطف السند..فما كان منها إلا أن ترمي نفسها في حضنه عساها تتشرب من أبوته الدافئة هو الآخر..


إحتواها بين ذراعيه يضمها إليه ..إبنته صغيرته و برعمته الطيبة ..فقد قيل سابقا أن الأب لا يشعر بأبوته الحقيقية إلا حين تولد له البنت..صدق من قال هاذا حقًا..فألف ذكر لن يشعروه بجنة الأبوة إلا حين توهب له الأنثى ..


تأملت جوليا مشهد حضن زوجها وإبنتها حامدة لله تعالى أنه رفق بها وجبر بخاطرها فأعاد صغيرتها لهم..كانت كما تمنت تماما شابة جميلة نقية ناضجة قوية متخلقة وذات دين..الحمد لك يا الله حتى يبلغ الحمد منتهاه...


:


عند العشاء كانت والدتها تصف الأطباق على الطاولة بشرفة غرفة سحر ..فقد إعتذرت من الجد وقررت أن تكون هذه الليلة لعائلتها الصغيرة فقط ..هي وزوجها و أبناءها ..أول عشاء مع بعض بعد عودة إبنتها ..تقدمت سحر منها بعد أدائها لصلاة العشاء لتساعدها في صف الأطباق..لتجلسا بعدها قرب بعض بإنتظار زوجها وولديها...بعد لحظات دلف كل من زياد وأدهم وبعدها والدهم..تقدم زياد من سحر مباغتا إياها بقبلة على وجنتها غامزًا لها بشقاوة هامسا: مرحبا يا سنفورة ..


تخضبت وجنتي الأخيرة بحمرة الخجل مطرقة رأسها ليقهقه كل من أدهم وزياد على إرتباكها اللطيف..إتخذ كل مجلسه مباشرين الأكل..ليربت عصام على شعر إبنته متحدثا: بعد غد سيقيم جدك حفلة ترحيب بك كفرد جديد بيننا إبنتي..وسنعلن رسميًا عودتك للأسرة والأهم سنتخذ الإجراءات القانونية وتستعيدين لقبك الأصلي صغيرتي..


تبسمت سحر بفرحة جلية على وجهها البهي..وأخيرا ستلقب بلقبها الحقيقي ويحذف لقب الذي يشير بأنها المكفولة من أوراقها السابقة..فلطالما كان يوجعها ذلك الأمر ويحسسها بالصغر والألم..حمد لله ستستعيد هويتها الأصلية


- خذي حبيبتي


إستفاقت سحر من شرودها على صوت والدتها التي تضع أمامها طبق تقليدي ..لتكمل أكلها


وجه زياد أنظاره لشقيقه أدهم متحدثًا بصوت مسموع : أدهم أتعلم أن أمي البارحة أيقظت والدي على الثالثة فجرا طالبة منه إحضار إبنتها..تخيل فقط، الثالثة فجرًا..!!


قهقه أدهم على الموضوع رافعًا حاجبه بتعجب سائلا إياه: تمزح !...ومن أخبرك بذلك؟؟


ضحك زياد بخفة على ملامح والدته اللامبالية مجيبًا: والدك طبعا هو من أعلمني..


كتمت سحر ضحكتها على تصرف والدتها كي لا تنزعج..في حين أن والدتهم كانت تتابع طعامها متجاهلة سخافة إبنيها موجهة نظراتها لزوجها متوعدة إياه ..هاذا الأخير الذي كان مبتسما على موقف زوجته وإستعجالها حين أيقضته فجرا طالبة منه أن يأخذها لإبنتها أو يذهب هو بنفسه لإحضارها فورًا وقد إستغرق نصف ساعة بإقناعها بالصبر لساعات فقط وهو سيحضرها بنفسه..


ليتابع زياد حديثه موجها كلامه لأخيه: أتعلم أن والدتك عندما سمعت خبر عثور والدي على سحر ماذا قررت ..إحزر فقط؟


تبسم أدهم مواصلا الأكل مستفهما بمنه: ماذا قررت يا ترى، أبهرنا ؟؟

غمز لها الآخر بسخرية مجيبًا: قررت طردنا من القصر ومن حياتها كليًا ..تخيل فقط لم تعد تريدنا بعد أن عثرت على إبنتها ..


فغر أدهم فاهه بصدمه مصطنعة مردفا: إحلف !


شاركه زياد نفس الملامح متابعا: أقسم لك..إسئل والدي إن كنت أكذب..أخبرتني بكل جرأة أنه لم تعد لنا فائدة بعد عثور أبي على سحر..


غطت سحر فمها بكفها كاتمة الضحك ..محاولة أن لا تختنق بالطعام فأخويها ظريفان حقا..


وجه أدهم أنظاره لأباه المبتسم مستفهما منه: هل ما قاله زياد صحيح أبي..!؟


ضحك والده على ملامحه المصدومة المضحكة مجيبا إياه: نعم ..صحيح


أكمل زياد كلامه بسخرية واضحة: لكن الحمد لله تراجعت بعدها وقررت أن تتركنا نعيش في قبو القصر..الحمد لله


رفع أدهم حاجبه بتهكم مصنع قائلا: ما شاء الله أصيلة يا أمي..غمرتنا حقا بحنانك العظيم


قهقه زياد عليه متابعا كلامه: أي حنان يا ولدي..منذ الآن لن تعترف بنا نهائيا..حبها وحنانها سيوجه فقط للسنفورة لا غير..أصبحنا أيتام يا أخي

ضحك أدهم على كلامه متحدثا: يكفي أنها لم تتبرئ منا فلنشكر الله فقط ولنتوقف عن الطمع يا أخي.. القناعة كنز


وجه زياد بصره لوالده قائلا: أترضى بهاذا الضلم يا عصوم ونحن أشبالك وفخرك..هل هاذا هو مصيرنا بعد سنوات من الطاعة والبر نرمى على الهامش لأجل مدللتك الجديدة..


ربتت عصام على رأس إبنته بحنو هامسا بمشاكسة لهما: نعم أرضى ..فلا أحد أغلى وأعز من صغيرتي


تلألأت عيني سحر بمحبة لوالدها وإبتسمت له بعذوبة آخذة كفه بين يديها مقبلة إياها هامسة: حفظك الله يا أبي


تأثر والدها بمناداتها له بأبي ..فهي أول مرة تناديه هكذا ..سبحان من جعل بين ثنايا كلمات الأبناء أفراحا تقام..وأتراحا تخمد..وأمالا تزرع..قبل جبينها بحنو عساه يعوضها ويكون لها خير الأب ونعم السند..


بعد العشاء خلال السهرة جلس جميعهم يتسامرون ..أو بالأحرى كان زياد وأدهم مسيطران على الجلسة بأحديثهما المتنوعة وهي فقط كانت تستمع وتكتم ضحكها على سخريتهم في موضوع ما ..ووالدتها التي تزجرهم من آن لأخر ..ووالدها الذي إتخذ جلسة هادئة وكان مبتسما كعادته مشاركا أحيانا ومستمعا أحيانا أخرى ..


قربت منها والدتها طبق الحلوى طالبة منها الأكل..تذوقتها سحر مستمتعة بطعمها فقد كانت لذيذة حقا تحتوي على الكراميل والبندق ..ليتهادى لها صوت أمها المرتبك المستفهم: هل أعجبتك صغيرتي؟


وجهت سحر نظراتها لها لترى علامات الترقب بوجهها وكأن رأيها كان ذا أهمية عظمى...تبسمت لها هامسة بصدق: إنها في غاية اللذة ..رائعة حقا سلمت يداك


فرحت والدتها بشدة وتجلى ذلك ببريق مقلتيها وبسمة شفتيها الندية مقربة لها باقي الأصناف ..


قهقه زياد على فرحة والدته الطفولية مردفا: تلك الحلوى من إختراع والدتي هي من إبتكرتها منذ سنوات...لطالما كانت تصنعها لنا وتجبرنا على أكلها ،وبعدها تسئلنا يا ترى لو كانت إبنتي سحر هنا هل كانت ستعجبها..؟


إغرورقت عيني سحر بالدموع وتقوست شفتيها متأثرة بكلامه..رامية نفسها في حضن أمها هامسة بحشرجة باكية: لذيذة جدًا ..أي شيئ من يداكِ فهو طيب ..يكفي أنه صنع كفيك المباركة يا أمي..



دمعت عيني جوليا بعد أن نادتها بأمي..كلمة من بضع حروف قد تبدو بسيطة لكنها في قلب الأم هي ضياء شمس النهار..ونور بدر مكتمل ..هي نسمات حبور تراقص ترانيم الفؤاد ..تجلت في ثلاثية الحروف فجر بازغ ووعد صادق وقلب خافق... حضنتها والدتها بقوة مقبلة رأسها قبلات تبث فيها حبها وعاطفتها و ترسل من خلالها رسائل الأمومة ووعود تعويض قادم..


ليخترق هذه اللحظة صوت زياد المتأثر قائلا: هل رأيت يا أدهم كيف قوست شفتيها؟..تبدو كدمية باربي لكن بشعر بندقي وعيون زرقاء..


قهقه أدهم على تشبيهه مردفا: كان عليك تصوريها قد لا تتكرر مستقبلا تلك التقويسة..


زمجرت والدتهم في وجههم بحدة هاتفة: توقفا عن سخافتكما ..ضقت ذرعا بكما


رفع أدهم حاجبه هاتفا بمكر متحدثا: ضقت ذرعا حقا !.أو تتحججين فقط يا أمي للإستفراد بإبنتك لوحدك..؟


ضحك زياد على تلميحه متابعا عنه بمشاكسة: يا أخي هي فقط ترسل رسائل لأبي أنها ستنام مع إبنتها وتتركه لوحده في غرفته البائسة..


غمز له أدهم يناكف والده هو الآخر: يبدو أن أبانا قد فقد سحره على أمنا فباتت تتركه على الهامش لأجل إبنتها..


وجه زياد بصره لأباه والذي كان متجاهلاً لهما متابعًا شرب الشاي هاتفا: ضاع مجدك يا هرقل..عليك أن تقوم بصبغ شعرك لتغطي تلك الشعرات الرمادية وتشد قليلا بشرتك لتسترجع شبابك علك تعيدك سحرك على والدتي يا عصوم..

أجابه السيد عصام برد قاطع: على الأقل أنا تزوجت وأنجبت ثلاثة أبناء..فليكن لك ربع سحري وأقنع أي فتاة بالقبول بك وستكون قمت بإنجاز عظيم أفضل من كلامك الفارغ..

بهت زياد من رده وإنفجر أدهم ضاحكًا على ملامح أخيه المصدومة..في حين أن جوليا قد قهقت هي وسحر على الموقف..

ليردف زياد بزهو جذاب بعدها: يا عصوم علي أن أخبرك إذا، أن أغلب فتيات مدينتنا يركضون خلفي..لولا خوفي من الله تعالى ووعدي لك ولأمي بأن أبتعد عن درب النزوات لرأيت عشرات الفتيات أمام الباب طالبين مني الستر عليهن..

رفع أدهم حاجبه عليه بتهكم مستفهما منه: واضح لهاذا لازلت أعزبا وقد تجاوزت من العمر التاسع والعشرين..

ناظره زياد بنفس السخرية مردفا بملل: فكر في نفسك أولا يا أبا العريف..فأنت في الواحد و الثلاثين ..

ليتابع بعدها بحالمية غامزا لوالده: لم أجد بعد تلك الفتاة التي توقعني في مصيدتها فأهيم بها عاشقا متخذا إياها زوجة وحبيبة العمر..

وضعت جوليا طبق الحلوى التقليدي أمام سحر..إلا أن الأخيرة فضلت الأخرى التي أعدتها المحشوة بالكراميل والبندق مخبرة إياها: أحب البندق أكثر وأختي شهد أيضا كذلك..عليك أن تتعرفي عليها أمي..عندما تزوريننا في بيتنا ستحبينها كثيرا فهي لطيفة جداا

عقدت والدتها حاجبيها محدقة بها بتوجس هامسة: ماذا تقصدين بكلمة تزوريننا في بيتنا؟؟

توسعت عيني سحر قليلا وعضت على شفتها بإرتباك واضح..فهي لم تخبرهم بعد أنها لا تستطيع العيش بينهم وترك أختها بمفردها هناك في المدينة الأخرى..لم تكن يوما لتتخلى عن حبيبتها وتوأم روحها فقد كانت ولازالت أمانة في رقبتها...شابكت كفيها ببعضهما البعض توترا من الموقف وتأملت وجه والدتها المترقب ..لا تحب أبدا إحزانها لكن لا مفر..إزدرت ريقها مردفة: أن لا أستطيع المكوث هنا..لن أترك أختي وحدها بالمدينة الأخرى ..


تفاجئت والدتها وإزداد خفقان قلبها بخوف وإرتباك مستفهمة بهلع جلي: أستتركيننا وتغادري؟؟؟ هل هاذا هو قصدك لن تعيشي في بيتنا بين والديك وأخويك؟


شتت سحر أنظارها بين الجميع والدها وأخويها أيضا والذين قد تمكنت ملامح التفاجئ والإستغراب والتسائل من السيطرة على وجوههم..تحدثت بعدها: لم أحدد الموضوع بعد لكن لن أستطيع أن أتجاهل حقيقة أن أختي تنتظرني أمي..هي جزء مني


إستقامت والدتها هاتفة بألم وحنق صارخة في وجهها: ونحن هل تعتبريننا أغراب أم مجرد عبيري سبيل إذا ؟ ..أتريدين قتلي بعد أن وجدتك..؟


أطرقت سحر رأسها بحزن سامحة لدموعها بالإنسياب ..هي لا تريد إحزان والدتها وجرحها فيكفيها ما تكبدته من آلام خلال سنوات بعدهما..وفي ذات الوقت أختها لا تستطيع التخلي عنها أبدا..


إستقام عصام هو الآخر رابتا على كتف زوجته هاتفا بهدوء: جوليا إهدئي ليس هكذا تحل الأمور ..


وجهت جوليا بصرها له هامسة بوجعها: ألم تسمعها ما كانت تقول يا عصام ..هي تريد تركنا..ستحرمني منها بعد كل هذه السنوات من الصبر والإنتظار.


أجلسها عصام مهدئا إياها بحنو: لابئس يا جوليا أنا من الأساس فكرت في هاذا الموضوع ..وإبنتنا سحر أحسنت التفكير فهي لم تتنكر لأختها ولم تتغاضى عن فضل والديها اللذان كفلاها..وهاذا هو الخلق الحسن


هلعت جوليا وتمكن الخوف منها متسائلة بتلعثم: أتقصد أن نتركها...لن يحدث هاذا أبدا..مستحيل هل فهمت...لا


تدخل زياد بهدوء محاولا تهدئتها كي لا تنفعل أكثر مردفا: إهدئي يا أمي فأكيد والدي لم يقصد ذلك دعينا نسمعه أولا..


إبتلعت الأخرى ريقها بوجل مومئة برأسها تاركة عصام يسترسل في كلامه: ليس من شيمنا أن ننكر خير وحسن صنيع غيرنا يا جوليا..ومن كفلا إبنتنا دينهم في رقابننا ليوم الدين..وقد تركوا إبنة شابة لوحدها في هذه الحياة لهاذا نحن سنكون نعم الأهل لها ..كما كانوا هم كذلك لسحر..

سئله أدهم بإستفهام: وما العمل؟


تبسم والده بحنو مجيبا إياه: سنحضرها هنا لتعيش بيننا.. و ستعاملونها كأخت لكم وتحترمونها مثل سحر تماما..


تهللت أسارير جوليا مجيبة بفرحة: أجل هذه فكرة جيدة..هكذا أفضل ،وبالتالي لن نترك تلك الفتاة وحدها وأيضا ستضل صغيرتي معنا..ما رأيك إبنتي؟


عقدت سحر حاجبيها في تفكير، صحيح هي سعيدة أن أهلها على إستعداد لإستقبال أختها برحابة صدر..وستكون هي وشهد في مكان واحد مع عائلتها..لكن تخشى أن ترفض أختها ذلك حرجا من العيش بينهم..خاصة أنها تدرك طبيعة شهد الحساسة الإنطوائية، تمتمت سحر بشرود: لا أعرف إن كانت سترضى بهاذا فهي غالبا ستشعر بالحرج ..


ربت والدها على شعرها بدفئ متكلما: لا تقلقي سترضى بإذن الله صغيرتي...إسمعيني الموضوع لا يتعلق بك فقط..هو أكبر من هاذا بكثير بنيتي..أنت وهي لا تستطيعان العيش وحدكما في هاذا العالم ..


إستغربت سحر من كلماته المبهمة مستفسرة منه: ماذا تقصد بالضبط؟؟


تنهد بخفوت مسترسلا حديثه،موضحا: إذا عشت أنت وهي فقط في بيت بمفردكما ستكونان محط أطماع العديد من عديمي الضمير صغيرتي..فتاتان شابتان في البيت لوحدهما ولا رجل معها أكيد ستتعرضان للكثير من الشبهات والمطامع من المرضى النفسيين..مهما بلغت قوتكما وخلقكما إلا أن المجتمع لن يكون في صفكما في حالة ما تم إلحاق الضرر بكما، بل سيتم جلدكما بصيات التشكيك والقذف ..وجود أب أو أخ أو زوج ،المهم أحد المحارم سيضمن أن لا تقترب منكما أي يد نجسة بنيتي..قد تعيشان في أمان لسنة أو إثنتين لكن في النهاية أنت وشقيقتك بحاجة لرجل ذا هيبة تكونان تحت جناحه ويرعاكما...فمن كان لها السند رجلا لن تقربها شرور الإنس..الأمر ليس تقليل من شأنكما بل الكل في حيكما شهد لكما بجميل الخلق والسمعة ..بل هذه هي طبيعة الأنثى التي جبلها الله عليها أن يجعل القوامة لرجل حماية وتقديرا وتقديسا لها ولكينونتها الرقيقة ..أختك شهد في نهاية المطاف بحاجة لأب يرعاها وأخوة ذكور يحمونها وهاذا ما سنفعله معها باذن الله ..

ركزت سحر مع كلماته فوجدتها صائبة تماما ..فمثلا عم شهد زهير لو قرر إجبارها على العيش معه في بيته ومع إبنه السكير وزوجته السيئة لن تستطيعا إيقافه فإبنه خاصة سيؤذيهما أو قد يتربص لشهد بجامعتها ،فهما لا أحد معهما ..حديث والدها كان صحيحا ففي نهاية الأمر تحتاجان لرجل كأب أو أخ يكون سندا لهما وتعتمدان عليه..تبسمت الأخيرة من فكرة أن توفر الرعاية والحماية لشهد فلطالما كانت أختها حساسة ورقيقة جدا وضمها بين أفراد عائلتها الحقيقية ووالدين محبين وأخوين طيبين هكذا ستكون بخير ولن يقربها أحد بسوء بإذن الله..

أخذت سحر كف أباها مقبلةً إياه عدة قبلات حانية هامسة له: رعاكَ الله وحفظك من كل سوء أبي..

إنحنى مقبلا جبينها بحب رابتا على شعرها بدفئ..لتأخذها والدتها في حضنها معتذرة منها: أسفة صغيرتي لم أقصد الصراغ في وجهك..

بادلتها سحر العناق مردفة : أبدا أمي لا تعتذري.. فمعك كل الحق..

رفع زياد حاجبه مهمهما بسخرية: رائع حقا..بدل أن نكتفي بسنفورة واحدة آخذة كل الدلال لها، ها قد تشرفنا سنفورة أخرى..سنصبح مزرعة السنافر قريبا

شاركه أدهم في تهكمه متابعا عنه: يا أخي لم يعد لنا أي مقام في بيتنا قريبا سنشحد في الشوارع..

تبسمت سحر في وجههم بزهو مغيضة إياهم مخرجة لسانها لهما..

إنصدما فاغرا فاههما ..أردف بعدها زياد: هل رأيتم ما فعلت..قلت لكم أنها تتظاهر بالبراءة فقط هذه الشيطانة المسنفرة..

قهقه والديها على الموقف متجاهلين غيرة زياد وأدهم المصطنعة..


:
•♡•
:


عند خروج والديها وأخويها من غرفتها بعد السهرة إتخذت سحر مجلسًا بسريرها متصلة بأختها شهد ..لم تكد تنتهي الرنة الثانية حتى تهادى لها صوتها الصارخ: هل كان عليك أن تتصلي الآن يا سحر..بسببك ها قد خسرت، لااا تبا


رفعت الأخيرة حاجبها مستفهمة منها: خسرت في ماذا بالضبط؟؟


قهقت شهد بخفة مجيبة إياها: في لعبة الفيديو..كنت أنا وكرم نلعب ، لكن إتصالك شتتني والماكر قد إستغل الفرصة وهزمني..


تبسمت سحر على شقاوتها مردفة بعدها: إذا أنت الآن في بيت السيدة هدى ..


قلبت شهد عينيها على تحقيق أختها قائلة بضجر: نعم في بيتها وسأنام مع كرم بغرفته..وقد تناولت العشاء وأديت صلاواتي وراجعت محاضراتي كلها وبلا بلا بلا...إرتحتِ الآن


ضحكت سحر بشدة على كلماتها الحانقة معاتبة إياها: يبدو أنك كبرت ولم تعودي بحاجة لأختك يا شقية


عضت شهد على شفتها مهمهمة بخفوت بعدها و كأنها تلقي على مسامعها سر خطير: أنت الروح والريحان ..أنت يا سحر أميرة الوجدان..


ضحكت الأخيرة بحبور متسائلة: غبت عنك يوم فقط وقد أصبحت تألفين الأشعار ..لو غبت شهر سأراكي كاتبة مشهورة إذا..


شاركتها شهد الضحك مجيبة من بين ضحكاتها: هاذا بيت شعري رأيته على مواقع التواصل أعجبني ، لهاذا حفظته عساني أخبره لزوجي مستقبلاً


مطت سحر شفتيها مغمغمة بملل على سخافتها: إهتمي بدروسك وتخرجي أولا، ثم أتحفينا بأشعارك عن زوجك المستقبلي والذي أراهن أنه سيهجرك من أول أسبوع بسبب شقاوتك..



كتمت شهد ضحكتها مردفة بدلال: من الأساس لن أتزوج وأتركك يا سحوورة ..كيف أترك أختي منبع الحنان وأعيش مع رجل آخر، عيب كبير ليست هكذا الأصول.



هزت سحر رأسها قاطعة الأمل من شقيقتها، مغيرة الموضوع للأهم: المهم الآن شهد إسمعيني أريد أن أحدثكِ في موضوع جاد..


ركزت شهد مع كلمات أختها والتي أخبرتها بدعوة والديها للعيش بينهم..حدثتها عن ما قد يتعرضون له وأنهما وحيدتان لن يرحمهما أحد و هما بحاجة لمن يحميهما ويرعاهما ويكونان تحت جناحه وليس هناك أفضل من والدها..وأخويها كظهر يستندان عليه
،بعد دقائق من الشرح والحديث سئلتها سحر عن رأيها:


- إذا يا شهد ما رأيكِ؟


صحيح أن شهد سعيدة أن والدي سحر فكرا فيها ولم يمانعا علاقتها مع أختها بل هم مستعدون لترحيب بها في بيتهم و إكرامها..لكنها هي متحرجة من القبول لا تريد أن تكون عبئًا على أحد..تخشى أن تسبب إزعاجّا لهم ..وكلام سحر صائب فإلى متى ستضلان وحيدتان خاصة أن عمها لن يبقى صامتًا طوال الوقت فهو متربص للحصول على البيت والمعاش ..


دلكت جبينها في حيرة مردفة لسحر: لا أعرف حقا..وجهة نظر والدك صحيحة حقا..لكن أنا مشتتة ..أنا محرجة يا سحر..تعلمين


قاطعتها سحر بهدوء متابعة: صغيرتي كما أحسنا والداك طوال عشرون سنة لي دعي والداي الآن يفعلان نفس الشي لا تخجلي أبدًا..أنت أخت لي، إذا ستكونين إبنة لهم مثلي تمامًا..شهد لا تعاندي هاذا لمصلحتك فقط..


تنهدت الأخيرة بخفوت فواضح أنه لا خيار آخر وعليها القبول لا غير..ففي نهاية الأمر سحر معها حق..أجابت بخفوت:

- حسنا لا بئس..


فرحت سحر وأخيرا أنها قد إقتنعت فهي ما كانت لتنعم بالراحة إلا وشهد تحت جناحها في مكان آمن فتحدثت بمحبة: جيد صغيرتي هاذا هو الرأي السليم..إذا جهزي نفسك وحقائبنا غدًا صباحًا سنأتي لأخذكِ


توسعت عيني شهد هاتفة بصدمة: غدًا !..تقصدين بعد ساعات فقط !..أليس هاذا سريعًا !


أردفت سحر بحزم: نعم غدًا ولا تتحججي..لن تبقي بعيدة عني لوقت آخر..يكفي أنني إستمعت لكلامكِ الغبي وأتيت لوحدي من دونك ..لهاذا نصيحة تجنبي غضبي


قهقت شهد على غضبها مردفة : حسنا سحورة لا تغضبي ..إلا غضبك فهو يحرق الأخضر واليابس..


تبسمت الأخيرة على كلامها مهمهة بإستفهام: كيف حال السيدة هدى وإبنها كرم ؟؟


تأملت شهد كرم الصغير والذي كان يواصل اللعب بألعاب الفيديو مجيبة: الحمد لله لابئس..


فتح باب غرفة سحر لتدلف أمها مرتدية رداء النوم حريري بلونه الذهبي الذي ناسب بياض بشرتها وشعرها المائل للحمرة ذو الطول المتوسط الذي إنساب على صدرها وظهرها..لتردف سحر محدثة شهد: حسنا حبيبتي غدا صباحا سأكون هناك ..جهزي نفسك كما أخبرتك يا قردة..ونامي جيدا دون سهر ولا تنسي صلاة الفجر إيااك، شغلي المنبه ليوقضك


كتمت شهد ضحكتها على التنبيهات التي تمطرها بها سحر دومًا ، مردفة: حسنًا، حسنًا فهمت لا تشغلي بالك ..فقط أنت إنتبهي على نفسك سحورة حبي ..تصبحين على خير

- وأنت من أهله صغيرتي..

أجابتها سحر بحب، مغلقة الهاتف بعدها..



جلست والدتها بجانبها رابتة على شعرها بحب مستفهمة منها: هل أخبرتها بنيتي..؟


أومئت لها سحر بإيجاب مردفة: نعم..والحمد لله وافقت ..صحيح أنها محرجة من الموضوع وتشعر بالخجل لكن هاذا أفضل خيار



شعرت والدتها بالراحة الشديدة فها هي إبنتها قطعة الروح ستبقى معها ولن تغادرها وأيضا تلك الشابة الأخرى التي تشوقت لمقابلتها حقًا خاصة بعد حديث سحر عنها طوال الوقت .. حضنتها أمها بحنان هامسة لها: نامي الآن صغيرتي ..


تبسمت سحر وقهقهت بخفة مستفهمة من والدتها: هل ستنامين معي وتتركين أبي لوحده..؟


نفخت الأخرى خديها بعبوس لطيف مردفة: أكثر من ثلاثين سنة وأنا أنام معه في نفس الغرفة..عليه أن يعتاد على النوم وحده قليلا..


ضحكت سحر بعذوبة متحدثة بإبتسامة حلوة: من يسمعك تقولين هاذا لا يصدق أنه قد جمعتكم يومًا قصة حب كبيرة..


توردت وجنتي جوليا زامة شفتيها قائلة: يبدو أن والدك قد قام بحشو رأسك بقصصه..على كل حال لا توجد أي قصة حب ، الموضوع فقط هو أنه كان سيضل عازباً طوال حياته ،لهاذا تبرعت وقبلت الزواج به لا غير..


قهقت سحر على إنكارها الواضح من توترها بالكلام..غامزة لها و مستفهمة : يا لقلبك الطيب أمي..لولا إشفاقك على أبي لما وجدنا أنا وأخوي في هذه الحياة...أدام الله الشفقة..


أخذتها والدتها مستلقية معها على الفراش واضعة اللحاف عليهما مغمغمة: ألا يكفيني زياد المتهكم لتأتي أنت أيضا



ضمتها والدتها بين ذراعيها ماسحة بدفئ على شعرها الطويل مردفة: شعرك جمييل جدًا..يبدو أنك تحبين الشعر الطويل لأنه قد تجاوز وركك؟


همهمت سحر بخفوت ضامةً نفسها في حضن أمها أكثر: نعم..كنت طوال الوقت أعتني به، ووالدة شهد كانت تساعدني في ذلك ونادرًا ما كنت أقص جوانبه فقط ..


قبلتها أمها على رأسها مستفهمة منها: يبدو أنك كنت تحبينها كثيرا.. أقصد والدة شهد


رفعت سحر رأسها لتقابلها عيون والدتها الفيروزية الدافئة مجيبة بمحبة صادقة: نعم لطالما كانت لي أما حانية وطيبة ..لا أتذكر أنها أذتني يومًا بل كانت تكرر على مسامعي أنني هبة من الله لها لأكون أنسًا لأختي شهد وأحرص عليها بإعتباري أكبر منها سنا..


تنهدت والدتها بحسرة مردفة بخفوت: كنت أود حقا لو قابلتها علني أشكرها ..صحيح أنني لا أستطيع أن أوفي بدينها لأن ما فعلته عظيم ولو منحتها ألف شكر وكنوز الكون ما كان ليصل لربع ما قدمته لكي صغيرتي..فقد أعطتك حبًا وأمومةً ورعاية وعدلاً مع إبنتها وحرصت على تعليمك ونصحك كأي أم عادية..بارك الله فيها وجعل الله خير المكافئين لها في الآخرة..لكن كيف توفت هل كانت مريضة؟؟


إبتلعت سحر ريقها بألم متذكرة تلك المرأة العظيمة مردفة: عندما تزوجت مع والد شهد قضوا عدة سنوات دون أطفال أظنها حوالي خمسة عشر سنة أو أكثر ، وقد أنجبَا أختي شهد عندما وصل عمرها للأربعين أما والدها فكان في الخمسين ، أتذكر أنه بأحد الأيام ذهبا كلاهما مع شهد لزيارة أخيه أقصد عم شهد، وأنا حينها رفضت الذهاب برفقتهم بحكم أنني لست على وفاق مع عمها ذاك وأسرته..وبطريق عودتهم بالسيارة تعرضوا لحادث مرور توفيا على إثرها فورا، و كانت شهد هي الناجية الوحيدة... رحيلهما كان أكثر ما قسم ظهرنا فقد فقدنا نبع الحنان و الأمان في ذات الوقت..فقدانهما كان أكثر ما ألمنا وقهرنا و جرح وفاتهما مازال ينزف للآن ، خاصة بالنسبة لشهد فهي حساسة جدا وكثيرة التعلق بهما ، هذا الذي خلف لها بعض الضغوط النفسية لأنها كانت شاهدة للحادث حينها، لكن هذا كان قضاء الله تعالى ...نشكر الله أن وقوف الجيران معنا وأصدقائنا خفف علينا كثيرا الحمد لله..


ألَم الحزن ثنايا قلب جوليا حقا ..توجعت لوجعهم لكن الحمد لله هما الآن تحت رعايتها وقد عاهدت هي وعصام أن يكونوا لهما خير الأب والأم ..لتسئلها: كم مضى على وفاتهما؟ ؟


إندست سحر بحضنها أكثر تنشد الدفئ ، مغمغمة بنعاس: حوالي أربع سنوات للآن..


رفعت جوليا كفها حيث عنق سحر متلمسة ذلك العقد الفضي المحاط برقبتها، تبسمت بحنان جارف، وقد توشحت مقلتاها بطبقة شفافة من الدمع، هامسة بحشرجة: مضى على هاذا العقد أكثر من إثني وعشرون سنة، والحمد لله لازال حول عنقك


تبسمت سحر بحنان وقد لان مَحْياها مجيبةx بتأثر : نعم، لم أنزعه أبدا، كان هو عزوتي وخيط أملي الوحيد، خاصة أن والدة شهد لطالما نبهتني بأن أحتفظ به ولا أضيعه فقد أحتاجه يوما


مسحت جوليا بكف يدها على شعر إبنتها مرددة بأمومة دافئة: الحمد الله ها قد عدت لي بنيتي


ضيقت سحر عينيها متلاعبة بطرف رداء أمها الذهبي وهي بحضنها، مستفهمة منها بفضول: بالمناسبة يا أمي لماذا تفضلين الفضة على الذهب، أليس الذهب أغلى ؟


هزت والدتها كتفيها مجيبة بإبتسامة حانية: لا اعرف، لكنني فقط لا أميل للذهب، ربما لأن والدتي رحمها الله كانت تفضل الفضة فقط لهاذا قد أكون ورثت هذا عنها، فلطالما كان والدي رحمه الله يخبرنا عن ما تفضله ، والفضة من بين ما تحبه، أو ربما لأنني بصغري تعودت على لبسها أكثر بحكم أن حالة والدي المادية لم تكن تسمح له بشراء الذهب لثلاث بنات


تمتمت سحر بالرحمة على كلا جديها.


رفعت الأخيرة رأسها فجأة مستقيمة من السرير ..توجست لها والدتها لترى إبنتها تتوجه جهة الطاولة الصغير قرب سريرها حاملة هاتفها تقوم بشيئ ما معيدة إياه مكانه..بعدها عادت لسريرها ..لتسئلها والدتها بقلق: ما الأمر ، هل حدث شيئ ما صغيرتي؟


إندست سحر بالسرير بين ذراعي أمها متأملة ملامحها القلقة لتبتسم لها بمحبة هامسة: لا تقلقي فقد وضعت التنبيه في الهاتف على موعد الصلاة لا غير فقد نسيته وأخشى أن تفوتني ..


فرحت جوليا بشدة فها هي صغيرتها حريصة كل الحرص على صلاتها ...لتبتسم لها بدفئ مقبلة جبينها الندي مردفة: إطمئني عصام وأخويك دائما يوقظونني للصلاة قبل ذهابهم للمسجد وبالتالي سأوقظك أيضا صغيرتي.


همهمت سحر بخفة: أقصد القيام ثم الفجر يعني ساعة قبل أن يأذن على الأقل..


قبلتها والدتها على وجنتها عدة قبلات جعلت سحر تقهقه بخفة ليتهادى لها صوت والدتها المحبوب: أحب أهل القيام أنا...جعلك الله تملكين نورًا مشعًا تُعرفين به بين الخلائق حبيبتي..لطالما كنت أقيم الثلث الأخير من الليل أكثف الدعاء موقنة أن الله سيستجيب لي معيدًا إياكِ لحضني سالمةً غانمةً ويحفظكِ أينما كنتِ وأن يوفق لك أهل الخير ليرعوكِ..والحمد لله إستجاب لدعائي حقا، الحمد لله حمدًا عظيمًا..


إغرورقت مقلتي سحر بسرور ماسكة كف والدتها مقبلة إياه مردفة بكلماتها العذبة: الحمد لله ما كان الله ليخيب أهل القيام وأصحاب الفجر يا أماه ها قد أرضاك نعيم الرضا وحفظني وأعادني لك معززة مكرمة..وأنا قد جبرني جبرًا عظيمًا ورجعت لكم بعد طول فراق وغيبة..

قبلتها والدتها مردفة برضا: الحمد لله..


ليخترق مسامعها صوت سحر الرقيق متحدثة بخفوت: أتعلمين.. الإمام البخاري رحمه الله كان قد أصيب بالعمى صغيرًا فكانت والدته تقوم كل ليلة تدعو الله أن يرد إليه بصره..وذات ليلة رأت في منامها خليل الرحمان "سيدنا إبراهيم عليه السلام " يقول لها..لقد أقلقت ملائكة السماء..قومي فقد رد الله لولدك بصره..
فأيقضته وكان بصيرا ،فوهبته للعلم..والحمد لله جعله الله نبراسا لنا نحن المسلمين وعالما عظيما رحمة الله عليه...



همهمت والدتها بالحمد..ففتح الباب و دلف بعدها السيد عصام بلباس النوم ذا البني الداكن..رفعت سحر رأسها له هامسة بحنو: أهلاً أبي..


تقدم ناحيتها بهدوء رابتًا على شعرها بحب مردفًا: هل نعست أميرتي..؟


أومئت الأخيرة برأسها إيجابًا..ليردف هو بعدها بخيبة مصطنعة: أما أنا لا ..فوالدتك قد هجرتني وتركتني أعاني الأرق..


رمقته جوليا بحدة مجيبة إياه بحنق: عصام قلت لك دعني أشبع من إبنتي ..إذهب لولديك ونم معهم إن كنت تخاف النوم لوحدك..


رفع الأخير حاحبه بتهكم مغمغما: أخاف..حقا !! هل هاذا كل ما إستطعت قوله..؟؟


قهقهت سحر بشدة على الأمر ..موجهة نظرها لوالدها بشقاوة متسائلة: أبي لقد أخبرتني أمي أنها تزوجت بك فقط لكي تنقذك من أن تبقى عازبًا طول حياتك هل هاذا صحيح؟


عمت الصدمة ملامح وجهه الوسيم مستفهمًا بتعجب: حقا ! هل هكذا قالت لكِ ؟؟


أومئت له سحر بخفة كاتمة ضحكتها على ملامح وجهه المصدومة..مبصرة والدتها والتي كانت ترسل لها إشارات التوعد والعقاب..ليتهادى لها صوت أباها: غريب، حسب علمي أنها هي من كانت تركض خلفي بين أروقة الجامعة طالبة مني أن أنقذها من شبح العنوسة..


فغرت جوليا فاهها بصدمة جلية...وجلجلت ضحكة سحر الرنانة بالغرفة غير قادرة على كتمانها أكثر..لتسمع صوت والدتها المتعلثم: أنا !x أنا كنت أركض خلفك في أروقة جامعة يا عصام ؟..تبا لك..أنا لم أقابلك من الأساس ولم أكن أعرفك أصلا قبل أن تعرض علي الزواج..


تبسم عصام برجولية بهية مردفًا: حسب علمي أنه بعد زواجنا أخبرتني بشيئ مخالف لهاذا تمامًا..


ضحكت سحر على مشاكستهما محدثة والدتها بمودة: لقد أخبرني والدي يوم لقائي كيف أنه كان يراقبك كثيرًا وكيف أحبك بصدق وتقدم لكِ..خاصة ذلك اليوم الماطر عندما أوقفك في الطريق طالبا يدكِ لزواج..


خجلت جوليا من ذكرى ذلك اليوم فرغم مرور العديد من السنوات ورغم زواجهما وإنجابها لثلاث أبناء إلا أن جمالية تلك اللحظات مازالت راسخة بين ثنايا قلبها وعقلها للأبد..


ربتت سحر بجانبها رافعة اللحاف طالبة من والدها النوم بجانبها هو الأخر فسريرها كبير ويتسع لهم..


ليندس والدها بجانبها ضامًا إياها لصدره..لتأخذها جوليا من حضنه لتستكين بين ذراعيها مخبرة زوجها بأنها إبنتها هي فقط..جاعلة سحر تقهقه على تصرفاتهم حقا..




مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء
تعليقات