رواية اصداء القلوب كامله وحصريه بقلم سهي الشريف
1 | وُجـُوه البِـدايـة
بسم الله الرحمن الرحيم .
8
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الأول
#سهى_الشريف
+
- قـراءة مُـمتعـة ෆ
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
للقلوب أصداء لا تخفُت،
تتردد بين نبضاتَها كأنها وَشّوَشَات القدر...
+
صوت حُب قديم لم يكتمل،
صدى وجع لم يلتئِم،
أو همسة أمل تأبى أن تموت.
+
وما بين صدى وصدى،
نعيش نبحث عن اللحن الذي سيطمِس الضجيج...
+
فهل سنجده، أم سنبقى عالقين بين أصداء القلوب؟
8
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
بينما كانت السماء تسكُب دموعها فوق رؤوس الحضور، وقف " آسر " بجانب قبر شقيقته و زوجها بينما يده مُمسكة بيد ابنتهم الصغيرة كأنها حبل نجاة في بحر من الحزن، كانت الدموع تسيل على وجنتيه دون أن يحاول مسحها، ولم يكن يسمع سوى صدى دعوات الرحمة في قلبه .
+
" جيهان في مكان أحسن من بشاعه الدنيا دي بإذن الله "
20
همس بها و وقف يحدّق في الأفق بصمت ،لكن لم ينطق، بل كانت نظراته وحدها تحكي ما يجول بخاطره.
+
إلى جانبه وقفت طفلة صغيرة لا تُدرك بعد مرارة ما فقدته ،كانت في عينيه رمزًا للبراءة المكسورة، لحياة بدأت تئن قبل أوانها ، أشفق عليها، وقد خُيّل إليه أن قسوة الحياة قد بدأت تخيّم على جسدها النحيل قبل أن تتعلّم حتى كيف تنطق بالحروف كاملة.
+
ارتعش جسدها، لم يكن سوى جسد ضئيل أبيض اللون، بشعر فحمي ناعم، بالكاد بلغت الرابعة من عمرها ، كان عُمرًا كافيًا ليترك عليها أثرًا أبديًا من العتمة ، لم يتردد، حملها بين ذراعيه على عجل، يضمها إليه كمن يحتضن بقايا وطنه، وهمس لها بقلق وهو يشعر بحرارة جسدها تتصاعد:
+
- ملاك ، عاوزك تستحملي كمان شوية.
+
لكنها لم تكن تسمع ، كانت قد غابت عن الوعي من شدة الإعياء، فركض بها مسرعًا نحو سيارته، وهو يدرك أن يومه قد فقد بالفعل الكثير، وقلبه لم يعد قادرًا على احتمال فراقٍ آخر.
+
مرّت الساعات ثقيلة، لكنها حملت معها بعض الطمأنينة، فقد بدأت حالتها تتحسّن تدريجيًا.
+
الطفلة التي أرهقتها الحياة باكرًا استردت بعضًا من عافيتها، وكانت بين ذراعيه أقرب إلى جزءٍ من شقيقته الراحلة، بل الجزء الوحيد الباقي منها.
+
حين طمأنته الطبيبة على وضعها، شعر وكأن عبئًا ثقيلاً قد أُزيح عن صدره ، ثم أوصته بالعلاج والغذاء الجيد، فأومأ برأسه وعقله يعاهد قلبه ؛ لن يُفرط فيها ما دام على قيد الحياة.
+
أقسم في سره أن يمنحها السعادة، أن تكون راحة قلبها قبل راحته، أن يعوّضها - ولو قليلاً - عمّا حُرمت منه وهي لم تزل زهرة في مهدها.
+
انتقل " آسر " للعيش مع والديه ليكون أقرب إلى صغيرته، وبدأ يساند والده في شركة العائلة العقارية ،تعلّم العمل منه صغيرًا ، واستلهم منه قوته وثباته، ووجد فيه الظهر الذي لا يميل، والأمان الذي لا يُشترى.
+
ومع مرور الزمن، أوكل إليه الأب قيادة الشركة، بعد أن تقدّم به السن ووهنت عزيمته، فقبل " آسر " بالمهمة، شاكرًا فخورًا، غير مدرك أن هذه المسئولية ستبعده شيئًا فشيئًا عن وعده الأول.
+
بدأت الأعذار تتكاثر ؛ اجتماعات، سفرات، ضغوط، وكلّها سحبت من وقته واهتمامه.
+
ولم تكن "مليكة" - الطفلة التي تعلّقت به كأب ثانٍ - تفهم سبب تغيّره ، و برد المكان الذي كان يفيض دفئًا، وساد الصمت حيث كانت الكلمات تُقال من القلب.
4
صار حضور خالها باهتًا، كأنه ظلّ لرجلٍ لم يعد كما كان ، وعوده لم تُنفذ، رسائله أصبحت نادرة، ولقاءاته بها تحوّلت إلى ذكريات.
+
| آسر فاروق الرِفاعي |
+
رجلٌ يقف على قمة الهيبة، بثبات يُناطح الريح ودهاء يُغلف ملامحه الصامتة ، الأبن الأكبر لرئيس مجلس إدارة شركة الرفاعي للتطوير العقاري، يحمل على عاتقه مسؤولية طفلة يتيمة، وأسرار تحاوط حياته منذ وفاة شقيقته .
+
هو المدير التنفيذي في شركة والده، لا تُخرجه الضغوط عن رزانه راسخة، يُجيد إخفاء مشاعره كما يُجيد قراءة الآخرين، غير أن قلبه في الحب لم يكن بذات الحصانة، فاهتزت صلابته أمام امرأة، لمسّت بروح حياته دون إذن.
+
يواجه " آسر " الحياة بعينين بُنيتان و ملامح رجولية جذابة عنيدة ، لكنه لا يُكابر على الحق حين يسمعه .
1
هو آسر، يجمع بين الحِنكة والرزانة، بين رجل يُتقن السيطرة على محيطه.. إلا قلبه.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
بعد أربع أعوام ...
+
| فجر الأول من أكتوبر |
+
كان كل شيء ضبابيًا جدًا من حولها كأنها أسيرة في غيابة الضياع ، كان لديها إحساس قوي بقدميها المثبتتين على الأرض، ولكنها لم تكن الأرض التي تعرفها؛ بل كانت هي الأخرى غامضة ..غير ملموسة .. و كانت ذرات الغبار تتراقص أمام عينيها، تتشابك فيها كل المنحنيات والانعكاسات، تمنعها من رؤية أي شيء بوضوح سوى ذلك الظل المبهم لشخص مجهول المعالم والجسد .
1
نعم ، تشعر بوجود شخص حقيقي يقف أمامها، ولكن الملامح كانت ضائعة في الضباب .. كان التعبير عن الوجود القوي لهذا الشخص كأنه يخترق الضباب ويثبّت نفسه في الواقع.
1
رغم أنها لا تستطع رُؤية تفاصيل وجهه أو ملامحه ... لكن هو شعور قويًا بلا شك، يبعث على الطمأنينة والقلق في آن واحد وكأن هذا الشخص بقربه غير المرئي كان يستجمع كل البقايا المتناثرة من إدراكها ليعيد إليّها جزءًا من الحقيقة التي تفارقت عنها ..
+
ثم سمعت صوت كنغم أسطوري مزق حاجز الغموض من حولها، نداؤه كان يخترق الصمت و يُحفر طريقه مُباشرًة إلى قلب حيرتها ، كان صوتًا مألوفًا يحمل دفء الذكريات وحنين العائلة .. ناداها بأسمها ..
+
نعم، كان يناديها!
كان صوت " والدتها " .
+
فتحت عيناها ببطء، وكأنها تختار طريق العودة إلى الواقع من دهاليز الأحلام المزعجة ، نفضت نفسها من على الفراش للأمام ، وكانت والدتها هنا أيضا عيناها مليئتان بالفزع، تنظر إليها كمن يفتش عن علامات الحياة في وجه حبيب .
+
كانت عيناها تجوُلان على وجهها وجسدها كأنهُما تبحثان عن آثار جرح غير مرئي ، وقالت بصوت مُرتعش يتخلله الأمل والدفء، وهي تتفحصها بقلق:
+
- ميار! إنتي كويسة؟ مالك يا بنتي؟
+
نظرت إليها و الارتباك يملأ وجهها، ولكن عقلها كان يتخبط بسؤال آخر؛ كيف؟ كيف؟ لقد كان كل شيء حقيقياً جدًا ، لقد شعرتّ بأنفاسه الحارة، كيف يكون هذا؟
+
- إنتِ مقومتيش صليتي الفجر ليه ؟ أنا صحيت أخواتك وأبوكِ ونزلوا صلوا وأنا قلقت أنك لسه مصحتيش!
+
لم تستطع التركيز على كلماتها ، كُنتُ مُشوشَة و تُعيد مشاهد حلمها السريالي مرة أخرى في عقلها ثم نظرت إليها بحيرة وتقول بصوت خافت:
+
- الفجر؟ إحنا في وقت الفجر؟
+
- أيوه يا ميار، إنتِ شفتي كابوس ولا إيه؟
+
ردت بها والدتها على تساؤلها الذي مُلئ بعدم التصديق ، حاولتُ أن تستجمع أفكارها ، فأصبح ارتباكها واضحًا و هي تُغمض عينيها و تفتحها بانتظام، بحثًا عن شذرات الفهم .
+
زفرت نفسًا عميقًا وأغمضت عينيها بشدة للحظة،قبل أن تفتحها مرة أخرى حتى شعرت ببعض الارتياح ، ابتسمت والدتها بلطف وهي تحاول التخفيف عنها :
+
- مفيش لا كوابيس ولا غيره هتقومي تصلي الفجر وتحسي إنك أحسن بكتير.
+
زرفتُ نفسًا بارتياح لقولها فتابعت بتسلي :
+
- إنتِ شكلك مش عاوزه تروحي المدرسة ! وبتتحججي بالنوم
+
أطلقت ضحكه صغيرة وهي تنظر لوالدتها وتقول لها بمُزاح :
+
- يا ماما هو أنا لسه صغيرة عشان أروح المدرسة ؟!
+
- لا ما أنتِ كبيرة أهو وبتروحي برضو
+
قالتها والدتها وهي تبتسم لها وتنهض من فراشها ، وقبل أن تخرج من غرفتها قالت بتملل:
+
- ياريت الطلاب ميجوش ..
2
ألتفت لها والدتها وضحكت قائلة :
+
- إنتِ نسيتي إنك المعلمة ولا إيه ؟
+
- ما هي دي المشكلة !
+
قالتها بقلة حيلة فضحكا سويًا ، ثم خرجت والدتها من غرفتها ، فمسحت " ميار" على وجهي وأستغفرت الله ثم رفعت الغطاء من عليها ونهضت من الفراش تتجه للدورة المياه لتغتسل و تتوضئ ، خرجت بعدها وأتجهت لغرفتها تردد دعاء بعد الإنتهاء من الوضوء إتباعاً لسنة الرسول ﷺ متمتمة :
+
- أشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وفي الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين.
+
دلفت غرفتها وأغلقت الباب من خلفها وإتجهت لأمام المرآه ثم صففت شعرها وأجمعته بآحكام لكي لا ينساب خارج غطاء الرأس أثناء الصلاة .
+
ثم شرعت في إرتداء لباس الصلاة أو ما يُلقب " بإسدال الصلاة " وقد كان طويلاً أخفى قدمها وهو من شروط صحة الصلاة للنساء ؛ فجمهور العلماء أجمعوا على أنهما يُستران في الصلاة.
4
ثم لففت غطاء الرأس ليغطي رأسها كله وذقنها أيضا ، فالوجه هو ما تحصلُ به المواجهة، وقد بين العلماء حد الوجه الذي يجبُ استيعابه في الوضوء، ويُشرع للمرأة كشفه في الصلاة وبهذا كله يتبين أن أسفل الذقن ليس من الوجه، ولا يجوزُ للمرأة كشفه في الصلاة ، ثم شرعتُ في صلاة سنة الفجر القبلية.
4
تذكرت في خضم ذلك حديث عائشةَ رضِيَ اللَّه عنْهَا حين قالت " لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدا على ركعتي الفجر ".
+
وبعد أن سلمت جلست على سجادتها تردد أذكار بعد الصلاة فبعد السلام من الفريضة تمتم براحة :
+
-أستغفر الله ، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام
+
ثم أخذت مصحفها لتبدأ بتلاوة وِردِ من القرآن - جزء من القرآن - اليومي الثابت في هذا الموعد بعد صلاة الفجر وسبب تُسمّية التّلاوة اليومية للقرآن "وِرد" هو
أن الورد في اللغة هو المَاء الذي يُورد فَيكُون على ذلك وِرد التّلاوة هو سُقيا القَلب من القُرآن.
+
- لا تَنْس وِردك أيها القارئ الكريم .
4
فيكون بذلك أول أعمالها في بداية يوم جديد هي صلاة الفجر في وقتها ثم تلاوة وِرد القرآن ثم تعود لفراشها لتأخذ قسطًا من النوم قبل الأستيقاظ مجددًا للمدرسة وقبل ذلك تنفض بيدها اليمين ثلاثاً على فراشها .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
عاد "ريان " - شقيق ميار الأكبر - من صلاة الفجر برفقة شقيقه و والده ، دلف إلى غُرفته بهدوء، مُتخذاً مكانه المُعتاد لقراءة وِرد من القرآن الكريم، حيث استمع لكل كلمة، و مُلء قلبه بالسكينة و صوته العذب في ترتيله .
+
فالوِرد القرآني من خير ما يُعين بعد الله على مشاق الحياة، فالذي له وِرد من القرآن يتبارك وقته، وتنجز أعماله، وتحيط السَّكينة على قلبه .
2
فبعد أن أتم تلاوته، قام مُتثاقلاً من راحته، وأخذ حقيبته التي تحتوي على طقمه الطبي - الأزرق - و معطفه الأبيض و خرج من غُرفته وهو يردد أذكار الصباح بخفوت ..
+
في طريقه للخروج مر بوالدته، التي كانت تُعد الإفطار في المطبخ ، حين رأته ابتسمت لهُ بحنان؛ اقترب منها وقّبل رأسها قائلاً:
1
- دعواتك يا أمي .
+
ردت والدتُه قائله بحنو :
+
- الله يكرمك يا حبيبي ويجعلك من الموفقين
+
بعث ذلك الدفء في قلبه قوة ليستقبل بها يوماً جديداً ثم خرج "ريان" من المبنى بهدوء، واتجه إلى سيارة أجرة كان قد اتفق مع صاحبها مسبقاً وجلس في المقعد الخلفي وقال:
+
- صباح الخير يا عم محمد، للمركز لو سمحت
+
أجاب السائق بابتسامة وِدية:
+
- صباح النور يا دكتور ريان، بإذن الله
+
عند وصوله إلى المركز الطبي ودّع السائق وشكره بلطف، ثم اتجه بخطوات ثابتة وسريعة نحو مدخل مبنى المركز .
+
و كانت النظرة الحازمة والابتسامة الثابتة على وجهه دلالة على الاهتمام والعزيمة ، و أثناء سيره في مدخل المركز كان يُحيي كل من يُقابله بابتسامة وحديث موجز فكان الأطباء والممرضات يردون عليه التحية مستخدمين لقب "دكتور" الذي بات مألوفاً له في جميع المصالح الطبية .
+
وصل "ريان" تحديداً إلى صالة الاستقبال، ثم أخرجت له الموظفة دفتر الحضور ليرى نسبه الحضور فيها وحين إنتهى ، شعر بيد تربت على كتفه والتفت ليجد خلفه صديقه "مازن" بابتسامة ودودة يقول :
+
- صباح الخير يا ريان، أنت لسه جاي ؟!
+
ابتسم وقال مازحاً :
+
- صباح النور يا مازن .. معلش الطريق كان زحمه بقا
+
رد "مازن" على مزاحه :
+
- طبعا ما أحنا في النهار والناس كلها في الشارع
3
ضحكا كلاهُما معاً ثم وقع "مازن" على الأنصراف وودعا بعضهم ، فأتاه صديقه ورفيق دربه مُنذ حداثة سِنه و لم تتأثر يوماً بقلة حديث أو عدم لقاء بل يمتلكان صداقة ورابطة قوية بينهم لا تنهزم بسهولة ، فابتسم " مروان " له وهو قادم نحوه ويرتدي زي الأطباء وقال له :
1
- سيبك من الدكتور مازن متأخرتش ولا حاجة هو عاوز ينام
+
أبتسم "ريان" لقوله وهي يُبادله السلام بيده ،ثم تابع " مروان " قوله :
+
- يلا روح غير أنت هدومك وأنا مستنيك عشان الطلبة جوا
+
آمال" ريان" رأسه له بتفهم وذهب لتبديل ملابسه بالفعل وحين أنتهى خرج لمروان ثم تابعا السير معًا في أروقة المركز الطبي، يتبادلان الحديث والأفكار حول ما ينتظرهما في ذلك اليوم، جاهزين لبذل أقصى جهدهم في سبيل خدمة طلاب المركز الطبي وتعزيز مهاراتهم ، و هي أيامهم الأخيرة كمدربين ثم يعودا ليمارسوا عملهم كأطباء في المستشفى.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دلفت " علياء " - والدة آسر - غرفة " مليكة " بتريث وهدوء ،كانت الصغيرة مُلتفة تحت الغطاء وتزفر أنفاسًا ناعمة ، فاقتربت منها " علياء " أكثر وحينما استقرت على طرف الفراش بجانبها وقبل أن تُمسد على كتفيّها لتويقظها للمدرسة لاحظت تشبث الصغيرة بشىء بين يديها تحت الغطاء .
+
أزاحت الغطاء للأسفل ليقع بصرها على إطار صورة بين يدي الصغيرة ، سحبت الإطار برفق ووجهته لبصرها لتشهق انفاسها اضطرابًا فور أن وقعت على صورة ابنتها الشابة الراحلة.
+
كممت ثغرها بكفها تمنع استرسال شهقاتها أمام ملامح ابنتها البشوشة ، تحمل بين يديها صغيرتها " مليكة " وما تبقى من أثرها في هذه الحياة ، فعلمت أن الصغيرة لازالت تعاني ولازال رحيل والديها أقسى ما قد تعيشه يومًا .
+
بعد ان جمعت شتات نفسها اقتربت منها ومسدت على كتفها بحركات ناعمة حتى فتحت " مليكة " عيونها الليلية .
+
وقع بصرها على جدتها بنظرات هادئة ، صامته كعادتها ، لم تكن من الاطفال كثيريّ الحركة والضوضاء ، كانت هادئة ورقيقة حتى في مرحها - النادر - تكون نسمة خفيفة .
+
رفعت راسها ونهضت أمام جدتها التي رددت بدورها :
+
- يلا يا ملاك عشان هتروحي المدرسة .
+
فركت " مليكة " عيناها تمحي آثار النوم مردد بصوت واهن:
+
- خالو آسر جه ؟
+
بهتت ابتسامة " علياء " رويدًا وأجلت صوتها :
+
- هو جاي في السكة يا عيوني ، وعاوزك لما يجي يلقيكي روحتي المدرسة وبقيتي شطورة ، مش هنعمل كده عشان خالو ؟
+
أومأت " مليكة " بإيجاب فساعدتها جدتها على الاغتسال وتبديل ملابسها لآخرى خاصة بالمدرسة ، صففت شعرها الفحمي بعقدة عالية لينساب الباقي على ظهرها بنعومه ، يُزين تلك العقدة وردة بيضاء كبيرة .
+
كانت تلك الصغيرة جميلة وناعمة لحد يجعلك تود خطفها في قفصك الصدري ، تأملتها " علياء " بأعيُن دامعة ترى فيها ذكريات " چيهان " في عمرها ، تتذكر صغيرتها المتحمسة ليوم دراستها الأول تقارنها بذات الملامح التي تشبهها بين يديها لكن بتعبيرات ساكنة.
+
- ملاك يا عيوني ، النهاردة أول يوم مدرسة ، المدرسة دي بنتعلم فيها حاجات كتيرة أوي عشان نبقى ناس كويسين ، هتتعرفي على ميسات وصحاب حلوين ، عوزاكي تنبسطي بس تتعلمي برضو ، ماشي يا ملاك ؟
+
داعبت خدها لتسحب من ثغرها ابتسامة وقد كان ، فابتسمت الصغيرة ثم أومأت عدة مرات وفي لحظة خاطفة حاوطط عنقها في عناق رقيق .
+
ضمتها " علياء " إليها تشدها ، ثم ذهبت تبدل ملابسها بدورها لتذهب برفقتها أول يوم كما يفعل جميع الآباء مع ابنائهم باستنثنائها .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
+
استيقظ " آسر " في الصباح الباكر على الثامنه على صوت المنبه، فقد كانت رحلة العودة إلى مصر في انتظاره بعد شهرين من العمل المتواصل في احد الدول الأجنبية تحديداً فرنسا بصفته مُمثل عن شركة " الرفاعي للتطوير العقاري " هو و - إبن عمه - "وائل" .
+
جلس في فراشه لبضع لحظات يستعيد تركيزه ، ويستعد ليوم مُهم وكله شوق للعوده لمِصر وعائلته من جديد ؛ حتى وإن كان مقصراً تجاههم فلا شئ يفوق حُب العائلة والشعور بوجودهم حولك .
1
نهض و توجه لدروة المياه وأغتسل ثم خرج ليجد طاولة بها طعام الفطور كان قد طلبها سلفًا قبل دخوله ، فتناول طعامه والذي حرص أن يكون صحياً ليُسند روتينه و جسده الصحي .
+
ثم بعد أن أنتهى توجه إلى حجرة الملابس؛ حيث اختار بعناية بدلته الكُحلية الأنيقة ، فكانت البدلة مُفصلة بعناية وخاماتها عالية الجودة كجميع بِدله التي يهتم بصنعها بشكل أنيق .
1
فيوفر لها مُصمم خاص لصُنعها حسب المُناسبة التي سيحضُرها والتي دائما ما تكون مثالية في صنعها ، وارتدى أسفلها قميصًا أبيض ناصع مع ربطة عُنق كُحليه تعكس الأناقة ثم تفحص مظهره في المرآة، وقام بترتيب التفاصيل الصغيرة ؛ مُنسقًا أطراف القميص، متأكدًا من تألق الحذاء الجلدي الأسود ، و أكمل مظهره بساعته الفاخرة التي دائمًا ما كانت تعكس شخصيته الجادة والمٌحنكة.
+
بعد أن اختار إكسسواراته بعناية مثل النظارة والساعة وتأكد من ملء حقيبته بكل أدواته الضرورية، أرسل رسالة نصية سريعة إلى " وائل" قائلًا :
+
- أنا جاهز، أنت خلصت ؟
+
جاءه الرد من الطرف الآخر سريعًا:
+
- جاهز، هستناك بعد عشر دقائق تحت في الـ reception .
+
ابتسم "آسر" وطمأن نفسه بأن كل شيء يسير وفق خطته، ثم خرج من غرفته واتجه نحو المصعد بنشاط ،حينما وصل إلى بهو الفندق لم يكن "وائل" بعيدًا و لقد كان يرتدي بدلة رُمادية قاتمه مصنوعة بمزيد من الدقة والإتقان الذي يعكس ذوقه الرفيع ، تبادلا التحيات والابتسامات، وقررّا معًا أن ينطلقا في رحلتهما إلى المطار.
+
وصل السائق الخاص الذي تم ترتيبه مُسبقًا ، بسيارة سوداء باهظه و فتح الباب لهُما بأدب كبير، قبل أن يُساعدهما في وضع الحقائب في صندوق السيارة .
+
خلال رحلتهم إلى المطار، تناقشوا حول مشاهدهم وأحداث العمل التي خاضوها خلال الشهر الماضي، وكانا يتناوبان على سرد القصص والتعليقات بروح من الحماس والمهنية..
+
ثم أخرج "آسر" هاتفه ومن قائمة الأتصالات أرسل إتصال لرقم بدايته مِفتاح مِصر فما كانت سوا بضع دقائق حتى أستلم الرقم المصري إتصال وارد من رقمي دولي ولكن عَلم من هو ، فهو دائما دقيق في مواعيده التي يعدك بها ، ففُتح الأتصال وقال :
+
- صباح الخير .
+
رد فاروق - والده - :
+
- صباح النور آسر .. عاملين إيه ؟
+
جاوبه " آسر" ببتسامه :
+
- الحمد الله يا بابا .. أنا و وائل في طريقنا للمطار أهو ، نص ساعة ونبقى هناك .
+
نظر "فاروق" لساعته فابتسم وهو يقول :
+
- مبتتأخرش أبدا .. دايماً مواعدك مظبوطه
+
ابتسم "آسر" و أرخى أهدابه بهدوء ثم فتحهما وقال :
+
- بتعلم منك يا غالي ..
+
تريث لحظة ثم تابع :
+
- بقولك يا بابا مليكة طلعت ؟
+
جاوب "فاروق" موضحًا :
+
- أيوه طلعت من خمس دقايق ، أمك ودتها .
+
تسائل "آسر" باستنكار :
+
- وهي ماما بتعب نفسها ليه ؟ ما السواق هيوديها !
2
- أمك بقا هقولها إيه ! إلا توديها بنفسها عشان دا أول يوم في السنة الجديدة .
+
أومأ " آسر " بتفهُم فيما يرمقه " وائل " بجانبه بنظرات صامته ، ثم أستمرت أحديثهم لعشرون دقيقة متواصله راجع معه "فاروق" كل شئ ويتبادل الحديث تارة هو وتارة " وائل "ثم دخلت - والدة آسر - علياء في المكالمة وتطمئنت عليه ثم تنهد "آسر" وقال :
+
- طيب يا بابا أنا هقفل دلوقتي عشان داخلين على المطار
+
جاوب "فاروق" بتفهم:
+
- طيب يا آسر .. مع السلامة .
+
- مع السلامة .
+
أغلق فاروق الاتصال وبالمثل أغلق "آسر "هاتفه ثم نظر إلى "وائل " يتبادل مع إمائة بسيطة بعدها توقفت السيارة بعض عدة دقائق أمام بوابة واسعة كُتب فوقها لافته بلغة البلد تعني "بوابة المغادرة".
+
أسرع السائق بالنزول وفتح حقيبة السيارة لإنزال حقائبهم ، في تلك اللحظة أسرع أحد أفراد طاقم المطار بجلب عربة لوضع حقائب السفر عليها ، وضعوا الحقائب بإحكام .
+
عند دخولهم إلى المطار كان التأثير الواضح لوجودهما لا يمكن تجاهله ، بمجرد أن تعرف موظفوا المطار على هويتهم كشخصيات مرموقة وشُركاء في أعمال دولية، سهلوا عليهم الإجراءات بروح من الاحترام والسرعة و تم وزن الحقائب وتفحص محتوياتها قبل وضعها على السير المخصص، ثم تم توجيهها مباشرة إلى الطائرة.
+
قرر " آسر" و" وائل" عدم استئجار طائرة خاصة مُفضلين العودة على متن طائرة عامة فرغم كونهما شخصين مهمين ورواد أعمال ناجحين إلا أنهم لا يتسمان بطابع الغرور الذي يُميز غالبية رواد الأعمال وأصحاب النفوذ و يمتازان بالمرونة في التعامل مع الأمور، ولا تُغريهم المظاهر البراقة بشكل كبير.
3
تركيزهم الأساسي مُنصبّ على جودة عملهِم وإخراجه بأكمل صورة ممكنة، مما يجعل إنجازاتهم ونوعية مشاريعهم هي التي تتحدث عنهم وليست مظاهرهم الخارجية.
1
و في داخل المطار بملامح جادة وأنظار تفيض بالتفاؤل والثقة انطلق آسر و وائل نحو نفق المؤدي للطائرة ، كان النفق زجاجيًا، مما أتاح لهما رؤية المطار من حولهما و أضاف إليهم شعور الرهبة والحداثة فكانا يسيران جنبًا إلى جنب بخطوات متزنة، تجذب الأنظار وتحظى بالاحترام من كل من مر بهما .
+
فكانت هيئتهما كرجال أعمال ناجحين سببًا لإثارة الإعجاب ،وعند باب الطائرة استقبلتهما مُضيفة من طاقم الطائرة بابتسامة مشرقة وقالت بلكنتها الفرنسية :
+
- أهلا وسهلا بحضراتكم ، تفضلا معي إلى مقاعدكما.
+
قادتهما عبر الممر إلى درجة رواد الأعمال وأشارت إليهم على مقاعدهم فابتسمها لها بامتنان وغادرت .. فجلسا براحة على المقاعد المريحة وبدأت رحلتهما إلى الوطن.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
في الصباح الباكر يصدح صوت مُنبه هاتفها في أرجاء الغرفة فتتمللت "ميار" على إثره في نومها ومدت يدها للمنبه و أغلقه بانزعاج ومازلت عيناها مغلقتين من آثر النوم فسمعت صوت مقبض باب غرفتها فدلفت والدتها وهي تكرر أسمها لتيُقظها فما ان ملت والداتها منها قالت :
+
- يا ميار قومي تأخرتي ..
+
تنهض ميار بفزع وتنظر لوالدتها بنصف عين وتقول :
+
- إيه ده ! الساعه كام ؟؟؟
+
ابتسمت فريدة - والدتها - على حالة إبنتها فجاوبتها وهي تفتح نافذة غرفتها وتُسدل عليها الستار ليتدفق الهواء الجديد :
+
- الساعة 6 ونص مش هتصحي !
3
تنهدت "ميار " بارتياح وأعادت جسدها على الفراش براحه وقالت :
+
- يا ماما خضتيني كده كده حصتي هتبدأ الساعة تسعة.
1
قالت" فريدة" وهي تخرج من غرفتها :
+
- طيب قومي يلا .. هتنامي لحد إمتى ! عشان ابوكِ
يوديكِ في طريقه وتلحقي تجهزي وتفطري .
+
أطلقت "ميار" ضحكه قصيرة وقالت :
+
- يـاه بابا هيرجع يوديني تاني المدرسة .
+
نهضت "ميار" فهي لا تزال تشعر بالحماس بالرغم من أنها على وشك بدء عامها الثالث كمعلمة فاليوم هو اليوم الأول لبداية عام دراسي جديد .
+
دلفت لدورة المياه وتوضأت ثم عادت لغرفتها تُصفف شعرها وتضع عدة منتجات خاصة للبشرة واليد ، ثم ارتدت عبائة الصلاة و إتجهت نحو القبلة وكَبرت وصلت بسكينة وهدوء ، وحين إنتهائها دلفت عليها والداتها وقالت بتصبُر :
+
- ألاه ! أنتي لسه ملبستيش !
+
- يا ماما كُنت بصلي الضحى وهجيلك اهو .
+
خرجت والدتها فهَمت "ميار" بدعاء أن الله يوفقها في عملها وييسر الفهم على طلابها ، ثم دلفت "فريدة" عليها مره ثانيه ورأتها تدعي ، فرددت :
+
- طب أدعي ان ربنا يرزقك ابن الحلال يا قلب ماما.
+
كانت "ميار" أنتهت من دُعائها ونهضت ترفع سجادتها وتضعها في مكانها التي اعتادت ان تضعها فيه و أزالت عبائة الصلاة عنها وتوجهت بنظرها لوالدتها :
+
- يا ماما لو سمحتي انتِ عارفه اني مش هوافق على اي حد ولازم يبقى على خلق وعلى دين وبيراعي ربنا فيا غير كده انا مش هتجوز .
+
نظرت"فريدة" لميار بخيبة وتقول :
+
- أيوه طبعًا يا حبيبتي ، اطلعي بقا عشان تفطري يا أستاذه ..
+
أمالت "ميار " برأسها طاعةً وقالت في نفسها بمرح :
+
- ما أنا استاذة فعلا إنتِ مغلطيش.
+
خرجت "ميار" من غرفتها وإتجهت لسفرة الأفطار فكانت والدتها انهت من إعدادها وألتف حولها -والدها - علي
- و شقيقها الأصغر - " نور " و والدتها، فجلست على كرسيها المخصص لها و ذكرت أسم الله ، فتحدث والدها :
+
- مش حاسة إنك ناسية حاجة يا ميار ؟
+
لم تنتبه "ميار" لحديثه إلا حين ذكر أسمها فتفهمت و قالت بابتسامه :
+
- صباح الخير يا بابا ، حقك عليا.
+
أسبل "علي " أهدابه بهدوء وقال ببتسامه :
+
- صباح الخير يا حبيبة بابا ، ولا يهمك .. أنا شُفت مامتك عملت إيه من شوية .
+
نظر الجميع لفريدة بابتسامه فتوترت وقالت :
+
- الحق عليا نفسي أفرح بيها..
+
ردت" ميار " تُشاكسها بابتسامه :
+
- يا ست الكل وأنا عاوزه أفرح .. صدقيني يجي قرة عيني وهوحشكم .
+
حينها قال شقيقها "نور " :
+
- ليه هياخدك ظابط ؟
8
قال تلك الكلمات وأنفجر الجميع بالضحك حتى "ميار" التي جزت على أسنانها غضب من مزاحه الثقيل دائما معها ، ولكنه يُضحكها دائما فردت عليه بضيق مصتنع :
+
- لأ يا ظريف عشان لم أتجوز هترتاحوا مني ومحدش هيعرفلي طريق .
+
تابع "نور " بنفس النبرة الفكاهيه :
+
- مش قلتلكم هياخدها ظابط ...
+
أنفجرت أسارير الوالدين مجددا بينما أغتاضت "ميار "منه ، وودت لو تُلقنه درساً على سخريته منها فقالت :
+
- ولاه! أنا زهقت منك ! أنت إيه الي مصحيك دلوقتي! هتمشي إمتى وتريحنا ؟
+
جاب نور عليها بلا مبالاة و هو يتناول الفطور :
+
- أنا صاحي عشان أذاكر
+
ضحكت ميار على قوله وقالت :
+
- تذاكر إيه أنت لسه السنة مبدأتش هتروح ليهم بس و ينفخوك تدريب
+
قال نور وهو يتناول طعامه بشراهه :
+
- ربنا يستر دول ناس مش بيسموا علينا
+
قالت "فريدة" بطيبة :
+
- ربنا يعينك يا نور
+
إتجهت "ميار " بنظرها لوالدتها وقالت :
+
- سيبك منه يا ماما هيقوم ينام دلوقتي دول الظباط بيخافوا منه.
+
وقبل ان تكمل قاطعها "نور " و رد عليها سريعاً :
+
- حصل أنا صاحي عشان الفطار .. عارف هصحى مش هلأقى أكل بلس اه لولا إنهم ممكن يرفدوني في لحظه كنت شغلت دماغي عليهم ..
+
ثم سكن لبُرهة و تابع بشئ من الفخر :
+
- بكرا أبقى ظابط شرطه أخلصلكم البلد من المجرمين
+
تنحنح "علي" و قال :
+
- ماشي يا سبع .. كمل فطارك يلا عندك إستدعاء بعد يومين.
+
ضحكوا جميعا على قوله ، و ألتفتت ميار لوالدتها وسألتها:
+
- هو ريان مشى إمتى يا ماما ؟
+
- مشى بعد الفجر بشوية .. عشان يلحق يستلم الشيفت من زملايله.
+
قالت "ميار " بتمني :
+
- يارب يخلص من التدريب دا ويرجع للمستشفى تاني
+
أجاب "علي " :
+
- كان مكلمني الفجر .. و قالي بكرا هيزورهم ساعتين الصبح وهيرجع في المستشفى تاني .
+
ردت "فريدة " باهتمام :
+
- يارب .. خير إن شاء الله
+
هزت "ميار " رأسها بتفهُم و بعد عدة دقائق إنتهت من إفطارها ودلفت لغُرفتها تُبدل ملابسها فلقد كانت ميار تُجسد مِثال الفتاة المُلتزمه التي نشأت في بيت دافئ تغمُره قِيم المحبة و الدين .
+
وقفت أمام المرآة بعد أن أرتدت ملابسها الأنيقة المُحتشمة وكانت تتكون من تنورة زرقاء فاتحه واسعة بها ثنيات بمسافات ثابته وفوقها بدلة واسعة من ذات لون التنورة و أقصر من البدل العادية وفوقها حجاب شرعي "خِمار " باللون الأسود فكانت أنيقة و مُحتشمة .
3
ثم أكدت على حجابها الذي يليق بمكانتها كمُعلمة وهي تتذكر طفولتها التي تعلمت بها مبادئ الدين الحنيف وقيم الأخلاق الحميدة على يد والديها اللذين لم يدخرا جهدًا في تربيتها على الحب والاحترام والتواضع .
+
ذاكرة طفُولتها كانت تعُج باللحظات التي كانت فيها تجلس مع والدتها و أخواتها في أُمسيات هادئة، تتبادل معهُم الحكايات والأدعية والأحاديث الإيمانية، بينما يتجاذب والدها اللطيف وحاني القلب أطراف الحديث حول دروس الحياة ويحثهم على الاستقامة والسعي نحو العلم والمعرفة .
+
على الجانب الآخر فكرت ميار في علاقتها بشقيقتها الكُـبرى " ريـم " التي كانت دائمًا تُـقدم لها النصائح والدعم، وكيف كانت تلعب دور الأم الثانية في حياتها والتي تزوجت مُنذ الأربع سنوات ، وتركت عالمها فكان فراقها على قلب ميار من أعظم ما يكون فقد تزوجت بإمام جامع من محافظه الأسكندرية وسافرت معه و اطمئنت عليها ولكن كان في نفسها دائماً شوق إليها ولأحديثها و شجارهم و المقالب التي كان يفعلوها ببعضهم .
+
ومع هذه الذكريات الدافئة، انهمرت دمعة حارة على وجنة "ميار " وهي تتذكر هذه الأيام وتشتاق لشقيقتها ، مُتمنية لو كانت الآن بجانبها .
+
كما لديها شقيق يكبُرهم جميعاً يعتمد على توجيهها وشجاعتها كمصدر للإلهام فجزاه الله عنها ومنّ عليه بدخول كلية " طب بشري " وتخرج منه و أصبح دكتور باطنه يعمل في مستشفى مرموق ..
+
ثم تذكرت "ميار " شقيقها الصغير "نور " الذي أضاء حياتهم بعد خمس سنوات من ولادتها، ليصبح أصغر أفراد العائلة ومُدللهم ، كان "نور" قريبًا جدًا من ميار التي لطالما تمنت أن يكون لها أخ أصغر تشعر بمسؤولية تجاهه، وتمنحهُ كل الحب والحنان ..
2
و مع انشغال والدتها بأخواتها الأكبر في دراستهم، كانت ميار تهتم بأخيها اهتمامًا كبيرًا ولقد تعلق بها نور كثيرًا، أكثر من أي شخص آخر في العائلة ولم يكن يقبل أي شيء من يد أي أحد سوى يديها، وكان ينظر لها دائمًا ليطمئن إذا إحتار في القيام بشيء.
+
هل تغير نور عندما كبُر؟ أبدًا والله ، ما زال يرى في ميار الأم، الأخت، الصديقة، الرفيقة، الملجأ والمأمن .. لا توجد قوة في العالم تستطيع نزع حُبها من قلبه .. ولكنهُ أصبح يُشاكسها مُزاحًا، لأنه يعلم أنها تُغضب سريعًا و تركُض وراءه في أركان المنزل مُهددته بتلقينه درسًا فكان هذا المُزاح من حبه لها لا أكثر، وكانت ميار تفهم ذلك جيدًا .
1
ثم عادت لتتذكر نفسها فلقد امتلكت "ميار " شغفًا كبيرًا بالعلم مُنذ صغرها، وكان تميُزها في مادة الرياضيات واضحًا للجميع .. لم تكن مما يقللون من أي تخصص فترى أن جميع التخصصات مهمة لبناء المجتمع القوي .
+
فكانت تأخذ كل مسألة رياضية كتحدي شخصي، وتحاول بإصرار ودأب حلها لتشعر بزهو الفخر في عيون معلميها و عائلتها .
3
بمرور السنوات نما هذا الحب وازداد تألُقًا حتى قررت أن تجعل منهُ مهنتها ومسيرتها ، فابتسمت وهي تتذكر كيف كانت تسعَد بنظرات الرضا والفخر في عيون مُعلميها، و رغبتها في مشاركة هذا الشغف مع الآخرين قادتها لتصبح مُعلمة رياضيات مُبدعة ، معروفة بأسلوبها الفريد الجذاب الذي يجمع بين مهارتها الأكاديمية وأسلوبها الرقيق المتعاطف الذي ورثته عن أسرتها.
+
نظرت إلى وجهها في المرآة، فتأملته بعمق دون أن ترى فيه جمالًا خلابًا يُسحر الأعين، لكنها كانت قد ورثت جمال والدتها بكل تفاصيله فـ مقارنةً بأخواتها كانت ملامحها أكثر رقة، فـ عيناها ذات اللون الكهرماني و الذي يُعرف أيضاً بالعسلي، كانت إرثًا من والدتها.
+
أما شقيقتها "ريم"، فهي شبيهة بها إلى حد كبير لكن ملامحها كانت أكثر حِدةً قليلاً، عيناها تميل إلى الأخضر ورثته من والدها و كانت تمتلك تلك العلامة الساحرة على خدها ، فتزيد من بهجة ضحكتها و كلتاهما تتمتعان ببشرة بيضاء لحدٍ ما .
+
أما شقيقهما الكبير "ريان" فهو يعتبر فتى الأحلام وجاذبية العائلة، فهو يجسد أفضل ما ورثته العائلة من والديهما ، فيتمتع بطولٍ يفوق إخواته ، و عيونه الكهرمانية الدافئة تعكس عُمقًا من الحكمة، و تتوج ملامحه بحواجب كثيفة مرسومة بإتقان الخالق و لحيته السوداء الكثيفة التي تحيط بذقنه وخديه و تبرز شخصيته القوية ، و شعره الأسود الطويل الذي يقصه بانتظام حتى لا يعيقه في عمله كطبيب و يعكس روح الجدية والتفاني التي يتحلى بهما .
+
وفي ختام العائلة يأتي "نور" الشاب في أوائل عِقده الثاني، الذي يجسد ملامح "ريان" و "ميار " بشكل ساحر ،فهو يحمل عينين مميزتين بلون ذهبي مائل إلى الأخضر، يشبهان إلى حد كبير كل من والده وشقيقته "ريم"، مما يجعله جزءًا من تلك اللوحة الفنية الفريدة .
+
فبين "ريم" و "ريان" سنتين ، فهو في عمر الثلاثون و ريم في الثامن والعشرون من عمرها ،و أكبر من "ميار " بثلاث سنوات وتملتك الأخيره خمس و عشرون عاماً ، بخلاف " نور " الذي يصغر "ميار " بخمس سنوات و الفرق يكبُر مقارنةً بأخواته الأكبر .
3
فالجميع قد حظوا بشرف حفظ كتاب الله منذ الصغر، وتفقهوا في الدين والعلوم الشرعية المختلفة فأضفى عليهم هذا العمق و روح الوقار .
+
نظرت "ميار" إلى الساعة، لتتأكد من أنها ما زالت تملك بعض الوقت قبل مغادرتها ، شعرت بمزيج من الحماس والإصرار .
+
لم تكن ترى في التعليم مجرد وظيفة، بل كانت ترى فيه رسالة تسمو بها إلى نقل الحب والمعرفة لطلابها .. كانت تعتبر تعليم الرياضيات ليس فقط كمسألة أكاديمية، بل كرسالة سامية لنشر حب العلم والإيمان بقدرة كل طالب على التفوق.
+
انتهت من تجهيز نفسها ، حملت حقيبتها التي جهزتها سلفاً ودفتر " التحضير " قد قامت بتجهيزه منذ يومين ، وخرجت من غرفتها و وقفت في غرفة المعيشة وتنادي والدها:
+
- أنا خلصت يا بابا ، يلا عشان ننزل
+
خرج "علي" من الغرفة وهو مرتدي ملابس أنيقة فقالت "ميار" بانبهار :
+
- الله الله ايه الشياكة دي يا بابا ..
+
ردت "فريدة" بابتسامه :
+
- ابوكي طول عمره شيك يا بت ..
+
ضحك "علي" على قولها ثم نظر إلى ميار و غمز لها قائلاً :
+
- طيب يلا افتحي الباب عشان ننزل ..
+
ردت فريدة :
+
- رعاكما الله.
+
خرجت "ميار" و ابتسم "علي" ونظر لفريدة وقال :
+
- يلا السلام عليكم لو احتجتي حاجه رني عليا .
+
بينما تتابع "ميار" إلى طريقة وداعهما لبعضهما البعض التي لم تتغير منذ أكثر من ثلاثون عاماً ، وتتأثر كثيراً في داخلها وتدعو الله أن يديم الود بينهما ويرزقها بشخص حنون مثل والدها.
+
صعدت ميار المصعد مع والدها من الطابق السادس للأرضى ثم خرجوا معاً من المبنى واتجهوا لسيارة علي ثم فتحا الباب سويا ودلفا بها فقال" علي" وهو يدير محرك السيارة " توكلنا على الله " ..
+
سارت السيارة قليلا فأخدت ميار نفسً عميق وتقول :
+
- بابا؟
+
- نعم يا ميار
+
أردفت "ميار" بتردد:
+
- هو... هو انت شايف إني كبرت على الجواز؟
+
رد "علي" بابتسامة حانية:
+
- لأ يا حبيبتي، ليه بتقولي كده؟
+
جاوبت "ميار" بنبرة حزينه حزين :
+
- أصل ساعات بحس إني كبرت و إن شروطي صعبة محدش يقبل بيها .
+
رد "علي" مطمئناً :
+
- وده حقك يا حبيبتي إنك تختاري اللي يريحك واللي تلاقي فيه شريك حياتك ، مفيش تسرع في الأمور دي.
8
أردفت "ميار" بقلق:
+
- بس الناس بيقولوا إن الشروط بتاعتي معقدة محدش بيوافق عليها ، ليه بيشوفوا حاجه زي كده تعقيد؟
3
- يا بنتي الناس دايمًا هيتكلموا ! المهم إنك تكوني مرتاحة ومطمنة للشخص اللي هتكوني معاه طول عمرك.
1
اسألت ميار بصوت منخفض مُتذبذب :
+
- يعني إنت شايف إن شروطي دي مش غلط؟
+
يُطمئنها " علي" بذات النبره الهادئة بينما يُتابع النظر للأمام :
+
- شروطك هي الأساس اللي هتعرفي تقيّمي الشخص صح وأن دي الحاجات الي مفروض أي مسلمه تقبل بيها وأن أي علاقه مفيهاش ظوابط فهي علاقه محرمه عند الله وربنا مش هيبارك فيها وبعدين أصلا من قبل ما أنتي بترفضي أنا بكون رافض عشان أنا عارف أن مش ده الشخص الي هأمن عليكي وأنتي معاه .. ما تقلقيش ، المهم إنك تختاري رجل يخاف ربنا فيك ويحترمك ويقدرك.
2
سكن لبُرها ثم تابع بلهجة جادة وهو ينظر له تارة و إلى الطريق تارة آخرى :
+
- ميار أنا مبحبش أشوف أنا و والدتك دمعة واحدة على خدك إنتِ أو أي حد من أخواتك .. إحنا تعبنا كتير عشانك ، مش هستحمل بعد كل سنين التربية والتعليم والاهتمام دي حد يخلي دمعتك تنزل منك، أنا وأمك ما خلفناكيش وتعبنا عليكي وبعدين حد يهينك ولا يبقى أقل منك .. كنتِ دايمًا في بالي وبقول إنك تستحقي حد يقدرك ويشوف قيمتك ، أنا مش هقبل بأي حاجة أقل من كده
3
ادمعت عين "ميار" و قالت بتأثر :
+
- يعني، أنت مش شايف إن ماما عندها حق؟
1
جاوب "علي " مبتسماً :
+
- مامتك عايزة تفرح بيكي وتشوفك سعيده بس هي بترفض نفس اللي أنا برفضهم .. وأكيد دي مشكلتنا دايمًا كآباء بنبقى خايفين عليكم أكتر من نفسنا ، بس مامتك عارفة برضو إني مش هقبل بأي حاجة أقل من اللي تستحقيه.
+
ردت " ميار "بامتنان وابتسامه خفيفة :
+
- ربنا يبارك فيك يا بابا و يديمك نعمة في حياتي.
+
نظر لها " علي" بحب وتقدير و قال :
+
- المهم إنك تكوني راضية ومبسوطة ، وربنا يبعتلك النصيب اللي يستاهلك يا بنتي.
+
آمنت "ميار" على دعائه ببتسامه لطيفة :
+
- آميين يارب
+
ابتسن "علي" على قولها وقال :
+
- أكدتي عليها اوي دي .
+
ضحكت "ميار " بغرور متصنع وقالت :
+
- مش قرة عيني بقا
1
ابتسم" علي" لكلام صغيرته واكمل بتركيز في طريقه للمدرسة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
بعد ساعتين فقط من أصل ست ساعات من الرحلة، دق صوت في الطائرة يُعلم بشئ مهم سيقال بعد إنتهاء تلك النغمات المنتظمة فكان ذلك صوت المذيعة الداخلية للطائرة، وجذبت انتباه الجميع عدة مرات لأن منهم كان منشغلا بالقراءة والأخر يستمعون وآخرون كانو ذهبوا في النوم .
+
كان" وائل" مُستيقظ يقرأ كتاب ، حتى سمع صوت المذيعة فنغز كوعه في كتف "آسر " برفق ليستيقظ على صوت الكابتن الذي قال بصوت هادئ لكن جاد بلغته الفرنسية :
+
- نأسف لإزعاجكم، لكن نود إعلامكم أننا اكتشفنا عطلًا في الطائرة ولن نستطيع إكمال الرحلة ، يجب علينا الهبوط حالًا و أقرب مطار لنا يبعد عنا حوالي ساعة ولكن الطائرة لن تصمد يجب أن تهبط هبوط إضطراري حالًا وإلا ستسقط و تتحطم .
6
تبع هذه الكلمات جو من الهلع والخوف بين الركاب، بينما حاول طاقم الطائرة تهدئة الجميع وتوضيح خطوات الأمان واستخدام المظلات في حال اضطروا للهبوط .
+
في مقصورة القيادة واصل الكابتن التواصل مع مركز الإقلاع لتلقي التعليمات والتوجيهات اللازمة وكان الوضع معقداً كثيرا لكونهم يحلقون فوق غابات ومن المستحيل الهبوط بأمان
+
أما " آسر " و " وائل" فقد بدت عليهما علامات القلق قليلاً و تبادلا نظرات مليئة بالتساؤل ، و لبعض الوقت تملكهما التفكير العميق والكلمات التي تركت شفاههما تردد، "هنعمل إيه ؟"
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
يـــُتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .