رواية هكذا أحبته كامله وحصريه بقلم رنا نوار
الحلقة الأولى -
1-البريئة
عينان حزينتان، هي عيناها، مشتتة، مليئة بالحيرة، وشعر كستنائي أملس، يصل حد ظهرها، جسد رشيق، وطول معتدل، رائعة هي في قميصها الأبيض، والجيب الأسود القصير حد الركبة، أنفها المستقيم، و شفتاها الغضة البريئة ..
أم أنها ليست كذلك؟ فهي أنثى، والأنثى كالحرباء، تتلون بلون البيئة المحيطة بها. هذه هي الحقيقة البحتة، أليست كذلك؟ هي حقيقة معروفة جدًّا لديه، ورغم ذلك لا يستطيع رفع عينيه عنها، ذاك الرجل طويل القامة، ذو البنية الرياضية والعينين الحادتين، ذواتي لمعة الذكاء المشتعلة، وتلك القسوة التي صاغتها سنين عمره الـ 35 على شفتيه في بدلته الرمادية وشعره الأسود الحالك، ذي الغرة القصيرة، التي تتهادى على جبينه . ببساطة، هو لا يستسيغ النساء بشكل عام، والآن هو لا يستسيغ تلك الحسناء بشكل خاص. أخرجه وصول المصعد من تفكيره، فتح باب المصعد، وهمّ بالدخول في سرعة، فاصطدم بها، سقط الملف الذي كان بيدها و تبعثرت الأوراق داخله على الأرض، جثت على ركبتيها في توتر؛ لتلملم أوراقها، نظرت إليه، فلم ترَ سوى التجعد بين حاجبيه نذير الغضب، لِمَ هو غاضب؟ ألم يكن خطأه؟ ومع ذلك لم تتكلم، هي فقط صمتت. أخذت أوراقها في هدوء، ودخلت إلى المصعد معه . طلبت الدور 11 وفعل بالمثل، عندما وصل المصعد، اتجه في سرعة نحو اليسار، واتجهت هي في حيرة وتوتر ناحية الاستقبال، تسأل عن مكان مقابلة العمل.. سألتها موظفة الاستقبال عن اسمها، فذكرته بصوت خافت: "حنين عبد السلام". دلتها الموظفة إلى مكان المقابلة..
الموظفة: روحي يمين، واستني هناك مع باقي الناس، و املي الطلب ده من فضلك..
أخذت حنين الطلب، و هدأ توترها قليلًا عندما ابتسمت لها الموظفة.
لم تكن الموظفة صغيرة في السن، فقد كان عمرها تقريبا 40 عامًا، ملامحها رقيقة و حانية، و مع ذلك يتضح من عينيها خبرتها الواسعة في العمل، يبدو أنها تعمل هنا منذ زمن. ذهبت حنين، و جلست حيث أشارت لها الموظفة. أمسكت بقلمها، و ملأت الطلب، عندما فرغت، تأملت وجوه الحاضرين، لقد كانت هذه المقابلة فرصة ذهبية، تذكرت يوم أن كانت في الجامعة، فهي طالبة في السنة النهائية، كلية الحقوق، كانت يومها مع صديقتها المقربة، و الوحيدة سعاد، وسعاد هذه فتاة رشيقة القوام، ذات ملامح هادئة، تلمح في عينيها انعكاس هدوء وجهها، و بحرًا من الشحنات الكهربائية الساكنة التي إن دلت على شيء، فإنما تدل على فطنتها، هي ليست أكثر جمالًا من حنين، و لكنها جذابة بصفة عامة، كانتا متوجهتين إلى مكتب شئون الطلاب؛ لكي تأخذ حنين إذن دفع المصاريف، و عند المكتب، وجدتا ورقة إعلانات كُتب عليها: فرصة لطلاب كلية الحقوق للتدرب مدة شهرين في إحدى أكبر شركات المحاماة في البلد، وكُتب اسم الشركة (شركة العدالة) بالطبع كانت هذه فرصة رائعة، حيث إن هذه الشركة تضم نخبة من المحامين في معظم أنواع القضايا، فمن سيُكتب له أن يقبل هناك من أجل التدريب، سيأخذ خبرة أكثر ممّا سيأخذها في أي مكان آخر، في الإعلان تم تحديد المطلوبين، فقط ثلاثة عشر من الجنسين على السواء، وجدتها حنين فرصة جيدة لها، ولكنها خافت كثيرًا، إنها دائمًا تبدو مهزوزة الثقة في نفسها، فما فعلته ببساطة، كان أن تجاهلت هذا الإعلان و كأنه شيء غير مهم، و لكن سعاد انتبهت لتلك اللمعة التي ارتسمت في عيني حنين و هي تقرأ الإعلان، فما كان منها إلا أن باغتتها بسؤال بسيط و هما في طريقهما إلى خزينة الجامعة.
سعاد: الإعلان اللي كان متعلق ده مغري ولا إيه؟
حنين بهدوء : أي إعلان؟
سعاد و هي تنظر لها بطرف عينها: الإعلان اللي عينك كانت هتطلع من مكانها و انتي بتقريه قدام مكتب شئون الطلاب. قوليلي مش عارفاه ده كمان!!
حنين بخجل: عارفاه ...
سعاد: أيوه وبعدين؟ هتروحي تكتبي اسمك في شئون الطلاب زي ما كان مكتوب في الإعلان عشان المقابله ولا إيه؟
حنين بحزن : لا.
سعاد: ليه؟
حنين ببساطة : عشان مش اتحرج.
سعاد : لا بالراحة عليا كده .. تتحرجي من إيه؟
حنين : لما مش يقبلوني .. هاتحرج من نفسي.
سعاد بصوت عالي شوية وهي متنرفزة: اللهم طولك يا روح يا بت انتي اتهدي بقى، جربي، إنتي ليه بتقدّري البلا قبل وقوعه؟! ليه ؟!
حنين بحزن واضح : هو قدري و نصيبي دايمًا كده.
سعاد بهدوء، وهي توشك على البكاء لحال صديقتها: شوفي يا حنون، يا حبيبة قلب سوسو، إنتي حبيبتي و زي عيالي، و انا اخاف على مصلحتك برضه و على إحراجك يتكسر ولا حاجة، بس لو مش سمعتي كلامي، و روحتي كتبتي اسمك هاكسر إيدك عشان يبقى ليكي عذر مقبول، إنك مش تتقدمي للفرصة دي و انا قلتلك اهو و انا مجنونه وبنت مجانين وانتي ما بتجيش غير بالعين الحمرا.
شخص تافه مرّ أمامهما: بس هي عنيها زرق هههههههه
سعاد: اهو ده اللي خدناه من التعليم المجاني، كلام ومعاكسات، إنما واحد ربنا يهده و يعميه و يخبط على باب واحدة فينا يطلب إيدها في الحلال ؟ ما تلاقيش وحياتك..
حنين : ههههههههه خلاص بقى شردتي الولد، مش كانت كلمة اللي قالها، فرجتي علينا الناس.
سعاد: لا انا هافرج عليكي الكائنات الفضائية اللي عايشة مع هاني رمزي، فوق في الأدوار العالية لو مش سجلتي اسمك عشان المقابله.
حنين: ...... يا سعاد
سعاد بكثير من الحنية: حنين إحنا اصحاب و اخوات من زماااان أوي، ابتدائي و اعدادي و ثانوي، و الكليات فرقتنا صحيح انتي روحتي حقوق، و سيبتيني لتجارة، و انتي عارفة إنها غدارة، بس مع ذلك مش بعدنا عن بعض، عارفة كل حاجة في حياتك و عارفاكي و حافظاكي صم.. يا حبيبتي أنا عارفة إنك نفسك فيها أوي. اتشجعي و انا هاشجعك من المدرجات، و انا متاكده إنك هتتقبلي فيها، و لو مش اتقبلتي هاحلق شعري ع الزيرو ها بقى..
حنين و هي سعيدة جدًّا : ماشي.
سعاد: يا وحشة إنتي كنتي عايزاني أقول إني هاحلق عشان توافقي؟
حنين اكتفت بابتسامتها البسيطة، التي تفهم سعاد جيدًا أنها امتنان و ثقة ..
****