رواية مجهول انبت عشقا كامله وحصريه بقلم سلمي خالد
الفصل الأول
~.. صفحات من الماضي..~
ظلام دامس حاوطها لا تتعلم أين هي؟ أو متى أتت لهنا؟ ظلت تنظر حولها بهذا الطريق العجيب في محاولة بائسة لاستكشاف هذا الطريق، ولكن اختتمت بظهور شخصٍ ذي ملامح قاسية، علامة طويلة موجودة بجانب وجهه الأيسر، نظراته الخبيثة اللتان تلتمعان لها، اتسعت عيناها برعبٍ ثم أخذت تركض في سرعة غريبة لاتعلم من أين أتت لها ولكن سماع صوت اقدام هذا الرجل مدها بطاقة كبيرة.
تهدجت انفاسها من الركض ولسوء حظها لايزال هذا الرجل يركض خلفها ولكن ابتعدت المسافة بينهما، وضعت يدها على ركبتيها تلتقط ما تستطيع من أنفاسها الضائعة بين غياهب هذا الظلام المحيط بها، ولكن ما أن رفعت حدقتيها وجدت منزلًا امامها تعجبت من عدم رؤيتها له وهي تركض، فهي توقفت بطريق فارغ كيف ظهر هذا المنزل؟
سارت نحوه لتراه وسرعان ما تهلل سريرها عندما رأت أن هذا المنزل هو منزل عائلتها، ركضت نحوه ثم صعدت نحو الشقة التي تقطن بها مع عائلتها، مدت يداها لتبعد الباب عن طريقها ثم سارت نحو الداخل في خطواتٍ حذره، توقفت قدميها فجأة وتوسعت حدقتها في ذعر بعدما رأت هذا الرجل الغريب يقف أمامها ولكن تلك المرة يمسك بسكين كبيرة يغرزها داخل صدر والدها، حاولت الصراخ ولكن لم يصدر عنها أي صوت وكأن احد نزع احبالها الصوتية، نظرت نحو قدميها العاجزتان عن التحرك ثم عادت بحدقتيها الباكيتان تنظر نحو والدتها التي تخفيها خلف احد المقاعد ثم انطلقت تبعد هذا البغيض عن والدها ولكن لم تسلم من يده وقام بذبحها في شراسة، اختنقت انفاسها وازدادت الدموع في الهطول وكأنها سُحب انفجرت بالبكاء، تطلعت لهروب هذا الراجل وهي تقف أمام والديها الغارقين في بركة من الدماء، رقبة والدتها المذبوحة ووالدها المقتول بطعنة في صدره اخترقت قلبه، خرجت تلك الطفلة الصغيرة تبكي بشدة تحرك جسد والديها الساكنين ربما يفيقان ولكن ما من فائدة وفجأة شعرت بيد تمسك كتفها!
نهضت تلتقط انفاسها في صعوبة، تزيل حبات العرق العالقة بجبينها، تنظر نحو ابنة خالها التي ملأت عيناها قطرات حزينة من الألم على ما تُعانيه إلى اليوم، همست بصوتٍ متألم حزين:
_ لسه الحلم بيجيلك يا سدرا؟
ازالت الغطاء من فوقها ثم وضعت قدميها على الأرض تغمض عيناها بتعب شديد، تحاول ان تجيب بثبات ولكن خانتها كلماتها:
_ مش هقدر انسى قتل والدي ووالدتي قدام عينيا يا تاليا.. طفلة شافت ابوها بياخد طعنة في قلبه ووالدتها بتدبح والاتنين بيقعوا قدام عنيا.. هنسى ازاي اكتر يوم حياتي ادمرت فيه.. كنت بنادي عليهم يا تاليا وهما مردوش مكنوش بيردوا.
اختتمت كلماتها بصوت بكاء عنيف، بينما اخذت الدموع مجرى على وجه تاليا التي سرعان ما اخذت ابنة عمتها والتي تعد شقيقتها لصدرها ربما تقلل من آلام تجرعتها من قسوة رجلٍ أعمي الرحمة وكأن كأس به سائل للشرب ولكن كان مذاقه مرًا.
اردفت تاليا في محاولة إخراج شقيقتها مما هي فيه قائلة بمرح بعد ان ازالت دموعها:
_ لا ركزي معايا كده.. أنا كلها يومين واجيب بضاعة بايظة واعمل المشروع بتاعي اللي بحلم بيه.. وساعتها بقى اثبت لبابا أنه كان غلط وانا صح.
ضحكت سدرا على حُلمها الغريبة في فتح شركة صيانة اجهزة التكيف والأجهزة التالفة، هتفت سدرا بعد أن ازالت دموعها تتطلع لها بيأس:
_ يا بنتي بلاش لو مصلحتش التكييفات والاجهزة اللي هتاخديهم من الراجل هتروحي في داهية.. ثم انتِ كلية تجارة إيه اللي موديكي ناحية الصيانة والكلام الكبير دا.
نظرت تاليا نحوها ثم اردفت بغيظ:
_ اصل أنتِ متعرفيش انا بكره المروحة ازاي وخاصة في الصيف بتلف مرة كل تلت ساعات يا بنتي.. ثم يا سدرا نفسي في تكييف وبابا مش عايز يجيب واحد بس، وكمان انا بضعف قدام الأجهزة وأنتِ عارفة.
نهضت سدرا نحو خزانتها، تجيبها بنبرة ساخطة:
_ دا على اساس انك هتدفعي فاتورة الكهربا لما تيجي ولا هتبوظيه زي ما بوظتي الخلاط والمكوة اللي ضعفتي قدمهم وخلتي ماما فريال تصوت.
حكت تاليا رأسها في حرج تجيب:
_ على فكرة بقى بابا اللي وترني جامد.. انا كنت بصلح عادي وهو جه خلاني قطعت السلك خالص وبوظت البُردة.
اقتربت منها سدرا ثم امسكت بأذنها في غيظ متمتمة بنبرة مغتاظة:
_ امال لو انا مش سمعاكي بتقولي السلك دا إيه لزمته وقطعتيه.
تألمت تاليا من يد سدرا القابضة على اذنها، تهمس بصوتٍ خائفة من أن يسمعهما احد ممزوج بألمٍ:
_ آآآه يا سدرا خلاص.. هو يعني أنا كنت اخدت دورة تدريب ولا حتى كورس.. ثم انا غلطانة أني بحاول اصلح حاجة في البيت دا.
ارتفع صوت السيد جلال الغاضب ينادي على كلتهما وكأن هناك كارثة حدثت بالمنزل، تطلعت سدرا نحو تاليا قائلة في شك:
_ أنتِ بوظتي إيه تاني؟
ازدردت حلقها في صعوبة تجيب في خوف :
_ مش فاكرة ما أنتِ عارفة بشوف اي جهاز في وشي بتجنن وعايزة اشوف اللي جواه واخترع.
حركت سدرا رأسها في يأس منها ثم تحركت الاثنتان نحو الخارج ليروا ماذا حدث؟
******************
وقف السيد جلال يشتعل غضبًا مما تفعله ابنته به، عيناه تمتلأن بحُمرة من ارتفاع الضغط لديه، بينما اردفت السيدة فريال بنبرة مستعطفة:
_ خلاص يا جلال ممكن وقع او حصل حاجة؟
تطلع لها في حنق يغمغم في غضب:
_ اسكتي يا فريال عشان بنتك جابت اخري معاها.
أتت تاليا مختبئة خلف سدرا فهي تعلم أنه سيقلع عنقها بعد أن عبثت بالتلفاز، هتف جلال بصوت عالي:
_ أنا عايز مبرر للي عملتيه يا زفتة.
ازدردت حلقها في صعوبة، ثم اردفت بنبرة خافته:
_ أصل أنا يعني قولت اجرب كده واشوف التلفزيون ممكن اخليه يشتغل بتصقيف ولا مينفعش.. احم منفعش.
حدق بها في صدمة يحاول استيعاب ما تتفوه به، ثم اردف بصوتٍ غاضب ممسكًا بحزام بنطاله الجلدي:
_ دا أنا اللي هسقف على وشك وجسمك دلوقتي ومعاكي اختك.
اتسعت حدقتي سدرا بفزع تنظر له ولكن سرعان ما ركضت خلف تاليا التي ركضت سريعًا هاربة من بطشة يد والدها، ارتفع صوت سدرا بصراخ تردف بصوتٍ ملتاع:
_ طب انا ذنبي إيه يا بابا جلال؟
:_ ذنبك يا بنت ناهد انك دكتورة نفسية والمفروض تعالجي بنت المجنونة دي من هوس الاجهزة البايظة عندها.. دي مش بتشوف جهاز واحد سليم إلا لم تخربه.
عبست ملامح فريال ما أن اردف كلمة « بنت مجنونة» ثم قالت بعبوس:
_ الله وأنا مالي!
اسرعت سدرا تختبئ في الغرفة المجاورة للغرفة التي تختبئ بها تاليا قائلة:
_ انا لسه متخرجة.. هعالجها إزاي!
نظر السيد جلال للغرفتان بغضب جامح ثم احضر مقعد يجلس فوقه قائلًا في غيظ منهما:
_ طب مش رايح الشغل النهاردة وروني بقى مش هتخرجوا من الأوضة ازاي!
:_ يا بابا مينفعش اللي بتعمله دا، انا بنتك ولا أنت لقتني على باب جامع.
قالتها تاليا في محاولة فاشلة لاستعطاف، اجاب جلال وهو يحتقن من الغضب:
_ ياريت القيكي على باب جامع على الاقل اقدر اتبرى منك انما أنتِ بنتي ومش عارف اتصرف معاكي.. يا قادرة يا مفترية المفروض اجهزك من دلوقتي ومش عارف اشيل فواطة من عمايلك السودا فيا.. انا لو بجهز نفسي من تاني مش هشتري الاجهزة دي!
كتمت سدرا ضحكها واضعة يدها على فمها، بينما نظرت فريال له قائلة بنبرة هادئة رقيقة:
_ طب عشان خاطري المرادي يا جلال عديها.. وهي مش هتقرب من حاجة تاني.. آخر مرة يا ابو البنات.
نظر لها جلال بضيق فهي تعلم أن لقب ابو البنات يتسلل لقلبه مليء اياه بحنان، اردف بنبرة ضيق:
_ يا فريال انا تعبت من اللي بتعمله.. انا السنة دي بس جبت خلاط ومكوة واهوه هجيب تلفزيون تاني لو الراجل مصلحش التلفزيون.
ابتسمت له في حنو تربت على كتفه في حنان، متمتمة بكلماتٍ صغيرة وكأنها مطر يطفئ نيران مشتعلة:
_ خلاص معلش.. هما في النهاية ملهمش غيرك يا ابو البنات وأنا واثقة في قلبك الحنين عليهم.
نظر لها وحرك رأسه بيأس تاركًا هذا الحزام، بينما اخرجت تاليا رأسها لتتأكد من سماح والدها لها، وما أن وجدته هادئًا اردفت بفخر:
_ أنا قلت محدش هيقدر عليك غير الست دي!
نهضت مرةً أخرى ليركض خلفها ولكن ركضت للغرفة مغلقة اياها خلفها قائلة:
_ خلاص يا بابا مكنتش كلمة طايشة خرجت مني امال لو حضرتك مش هتستحملني مين هيستحمل!
:_ هتجبلي جلطة وتقولي مين هيستحمل، انا رايح شغلي أنتِ الكلام معاكي بيشلني وانا عندي مرارة واحدة.
قالها مغادرًا من أمام الغرافة، بينما خرجت سدرا ثم تطلعت له قائلة بصوتٍ خافت يعتريه الضجر:
_ انا المظلومة في البيت دا مش لقين حد تضربه فتجروا ورا سدرا.. انما تضربوا اللي بتبوظ الاجهزة لاء.. متشطرش على الحمار اتشطر على البردعة.
:_ سمعتك يا بنت ***.
قالها جلال وهو يعاود الركض مجددًا خلف سدرا، يينما وقفت فريال تضحك على شجارهم، فزوجها _ جلال_ منذ وفاة والدي سدرا وهو يعتني بها كما يفعل مع ابنته لا يفرق بينهما، يداعبهما.. يشاكس معهن.. يركض خلفهن.. فلا يشعر اي منهما بفرق، تحركت نحو المطبخ فهي تعلم جيدًا أن الفتاتان سيستطيعان مصالحته.
*********************
على طاولة الفطور..
تسأل جلال في اهتمام:
_ هتنزلي تشتغلي معايا ولا هتشتغلي في مستشفى؟
ارتشفت بعض الشاي في هدوء تجيب بنبرة هادئة:
_ لا هنزل مستشفى ادرب فيها عشان اخد الشهادة يارب بس يدوني الشهادة كويسة عشان اطلع على القصر العيني واخد الشهادة وامارس المهنة بتاعتي.
ابتسم لها السيد جلال ثم نهض حاملاً حقيبته في هدوء يتمتم مقبلًا رأس ابنتيه:
_ انا ماشي سلام و أنتِ خفي على اجهزة البيت عايز شهر يعدي من غير ما أصلح في جهاز!
وضعت تاليا قطعة الشطيرة بفمها في غيظ، بينما ضحكت سدرا على ملامحها الغاضبة، نهضت سدرا وتاليا معًا للمغادرة كلا إلى وجهته، آملين في يوم مبهج.
*********
ضرب مكتبه في قوة، متطلعًا للملتاع أمامه في قسوة، يردد في فحيح أفاعي سامة:
_ بقالنا 3 سنين البت مش عايزة تنطق وقلنا عندها مرض نفسي وبرضو لا أنت علاجتها ولا حد من البهايم اللي عندك علاجوها، اتصرف البنت دي لزمًا تنطق وهي لا ينفع تموت ولا ينفع تتقتل، ولا حتى تتعذب عايز أعرف شفرة البرنامج اللي عملته وبس.
حدق به في خوف، يردف في محاولة الخروج من هذا المأزق:
_ سبني مدة وإن شاء الله اتصرف يا باشا.
تقدم منه يبتسم في شر يردد ممسكًا بتلابيب ملابسه:
_ ما أنت لو متصرفتش يا سمير.. عايزك تسيب خيالك يشتغل وتفكر هعمل فيك إيه!
ازدرد حلقه في صعوبة يعلم جيدًا ماذا يمكنه أن يفعل به، يكفي ما تسبب به في مقتل زوجته، وإيقاع به وسط عُش دبابير، تحرك نحو الخارج يفكر ماذا سيفعل بهذا المأزق بينما ابتسم الأخر في شر يتمتم:
_ لو في يوم حسيت أنك ملكش لزمة هتحصلها هناك وبنفسك محدش هيخلص عليك.
اغمض الطبيب عيناه في ألم، غصة أليمة علقت بحلقه، عقدت لسانه عن الحديث، بينما ابتسم الأخر في تلذذ، يشعر بكم العذاب الغارق به، استدار يرسل أوامر لأحد رجله بمراقبة سمير طبيب الأمراض النفسية.
**************
ازاح رابطة عنقه في ضيق، يشعر بأحبالٍ من الألم تلف حوله تاركه أثرها عليه، بدأ ينظر للمارين حوله منهم من يبتسم ومنهم من يضحك ومنهم من يحمل طفله وغيره، تمنى لو يحظى ببعض الراحة التي فقدها منذ ان بدأ بتهريب بعض المرضى لـلمتسلط " S" كي يهربهم ليصبحوا فأران لبعض التجارب الغير شرعية، عندما بدأ الرفض لم يدعو له مجال للعودة!
***
دلف للشقة ينادي بـ اسم زوجته ولكن لم يجد رد، تقدم نحو الداخل في حذر، وبدأ يشعر ببعض القلق وخاصة عندما وجد بعض اثار الدماء على الارض، دفع باب غرفتهما في هدوء مُحاذر يردد بأسمها في خفوت ولكن توقف فجأة عندما تطلع لزوجته الملقاة ارضًا يكاد رأسها ينفصل عن باقي جسدها، الدماء متناثرة حولها وكأن هناك سحاب مليء بالدماء بدأ يمطر بالغرفة، تقدم سريعًا نحوها يردد بأسمها دون صوت، نظر حوله في عدم تصديق، تتسرب الدموع دون توقف حتى تطلع للمرآة ليجد رسالة مكتوبة بدماء زوجته تنص على
( المرة دي قرصة ودن المرة الجاية مش هتموت بس لكن مش هنرحمك )
*****
عاد من تلك الذكرى المشؤومة، يحاول التقاط أنفاسها المختنقة في شدة، تحرك نحو المشفى يفكر بشتى الطرق كيف يبعد عن عقابهم ويوجه انظارهم نحو شخصٍ اخر!
**************
وصلت سدرا للمشفى التي ستتدرب بها حتى تتمكن من معالجة المرضى الامراض النفسية، وما ان صعدت حتى اصطدمت بأحدهم، رفعت نظرها نحوه تردد في حرج:
_ أنا آسفة.
لم يستمع لها بل اكمل سيره نحو المكتب شاردًا بمأزقٍ سيُهلك بحياته، تعجبت سدرا من شرود هذا الرجل وأكملت سيرها نحو الأعلى، تتوجه لمكتب سمير باهر الطبيب المسؤول عن تدريبها.
وصلت أخيرًا نحو المكتب تتطلع للسكرتيرة ببسمة صغيرة مرددة:
_ أنا الدكتورة سدرا جاية عشان ادرب.
بادلتها الابتسامة ثم توجهت تخبر ذاك الشارد بمكتبه بقدومها، دلفت سدرا للمكتب ما ان اخبرها السكرتيرة بالدلوف، دُهشت سدرا من كونه الشخص الذي اصتدمت به، بينما نظر لها سمير يتمتم في هدوء:
_ اتفضلي يا دكتورة .
تقدمت في حذر، بينما بدأ سمير بإلقاء بعض الأسئلة عليها ليعلم ما مدى خبرتها فوجد أنها تحمل سرعة بديهة قوية، نهض من مقعده يردف في عملية:
_ طيب اتفضلي معايا عشان هنبدأ دلوقتي أعرفك الحالات نظريًا امكنهم وبعدها نشتغل عملي.
بدأت بالسير معه، تركز جميع حواسه لما يقوله يشير على الحالات المريضة وما تعاني منها من أمراض نفسية مختلفة حتى وصل لغرفة يشير نحوها في أسف شديد يردد بنبرة يأسه:
_ الحالة دي هي الحالة الوحيدة اللي مش عارفين نشخص حالتها ولا نعرف هي فيها ايه وفشل كل الدكاترة في انهم يعرفوا فيها ايه!
تطلعت سدرا نحو تلك الفتاة التي تنظر للأمام بشرود، يفقد وجهها للحياة تمامًا، عيناها تمتلأن بأسرار ربما لو تحدثت ستستعيد حياتها من جديد، فاقت سدرا من شرودها على صوت سمير يردد بعملية:
_ يلا نكمل بقيت الحالات أنتِ باين عليكِ شاطرة ومش هتاخدي وقت وهتتعيني علطول بس لزمًا تثبتي دا.
ابتسمت سدرا لثنائه لها، ولكن ظل عقلها مشغول بهذه الفتاة ربما لو نجحت بأن تعالجها ستثبت جدرتها بأن تتعين سريعًا.
انتهت المدرة المخصصة لتدريب، ووصل كلًا من سمير وسدرا للمكتب، اردف سمير في حزم:
_ بكرة عايزك تيجي بدري شوية عشان هنبدأ العملي بكرة.
اجابتها سريعًا:
_ أكيد طبعًا يا دكتور.
ثم أضاف وهي تشعر ببعض التردد:
_ بس ممكن استأذن حضرتك في طلب .
تطلع لها في تعجب يشير برأسه أن تكمل:
_ ممكن الحالة اللي كل الدكاترة فشلت فيها اللي في غرفة 35 أنا لما اتعيين امسكها وأعالجها بنفسي.
نظر لها قليلًا ثم يفكر بما اقترحته ثم تذكر ما حدث معه صباحًا، نظر لها وقد التمعت برأسه فكرة ستبعد عنه الخطر قليلًا، ابتسم لها في هدوء يجيب:
_ خلصي تدريب بسرعة ودي هتكون اول حالة تمسكيها بس لو فشلتي فيها يأثر على شغلك في المستقبل وممكن متكمليش في مجالك.
اتسعت عين سدرا في سعادة تتجاهل باقي جملته التي لو وضعت أسفلها خطٍ صغير لبتعدت عن خطرًا بدأ يسحبها نحوه في خبث، رددت في شكر:
_ شكرًا ليك يا دكتور ولثقتك بيا.
غادرت سدرا المكتب تشعر بسعادة مزيف لن تدوم لبضع أيام، ربما لو لم تفكر بهذه الخطوة الآن فلن تتغير حياتها ولكن الآن عاصفة مليئة بالأشواك سامة لتهدم أخر زهرة نبُتت ببستان عائلة عبد الحميد.
**********
أمام غرفة 35..
وقف سمير ينظر لتلك الفتاة ببسمة تعلو ثغره يشعر بسعادة غريبة ربما لم يشعر بها من قبل، يهمس في خفوت:
_ وأخيرًا هتيجي اللي هتعالجك وادخلها شبكة وابعد انا عنهم شوية.
استدار يغادر من أمام الغرفة، بينما ادارت تلك الفتاة رأسها تذرف الدموع على ما حدث لها وما خلقته بيديها ليدمر عالم بأكمله وليس فقط ليدرمها، مدت يدها تزيل تلك الدموع ثم عادت تنظر لنقطة فارغ دائمًا نتقف لديها لتغير مجرى حياة بمستقبل، فلابد من ان تظل هكذا وإلا لن يدعوها مطلقًا!
يُتبع
~.. صفحات من الماضي..~
ظلام دامس حاوطها لا تتعلم أين هي؟ أو متى أتت لهنا؟ ظلت تنظر حولها بهذا الطريق العجيب في محاولة بائسة لاستكشاف هذا الطريق، ولكن اختتمت بظهور شخصٍ ذي ملامح قاسية، علامة طويلة موجودة بجانب وجهه الأيسر، نظراته الخبيثة اللتان تلتمعان لها، اتسعت عيناها برعبٍ ثم أخذت تركض في سرعة غريبة لاتعلم من أين أتت لها ولكن سماع صوت اقدام هذا الرجل مدها بطاقة كبيرة.
تهدجت انفاسها من الركض ولسوء حظها لايزال هذا الرجل يركض خلفها ولكن ابتعدت المسافة بينهما، وضعت يدها على ركبتيها تلتقط ما تستطيع من أنفاسها الضائعة بين غياهب هذا الظلام المحيط بها، ولكن ما أن رفعت حدقتيها وجدت منزلًا امامها تعجبت من عدم رؤيتها له وهي تركض، فهي توقفت بطريق فارغ كيف ظهر هذا المنزل؟
سارت نحوه لتراه وسرعان ما تهلل سريرها عندما رأت أن هذا المنزل هو منزل عائلتها، ركضت نحوه ثم صعدت نحو الشقة التي تقطن بها مع عائلتها، مدت يداها لتبعد الباب عن طريقها ثم سارت نحو الداخل في خطواتٍ حذره، توقفت قدميها فجأة وتوسعت حدقتها في ذعر بعدما رأت هذا الرجل الغريب يقف أمامها ولكن تلك المرة يمسك بسكين كبيرة يغرزها داخل صدر والدها، حاولت الصراخ ولكن لم يصدر عنها أي صوت وكأن احد نزع احبالها الصوتية، نظرت نحو قدميها العاجزتان عن التحرك ثم عادت بحدقتيها الباكيتان تنظر نحو والدتها التي تخفيها خلف احد المقاعد ثم انطلقت تبعد هذا البغيض عن والدها ولكن لم تسلم من يده وقام بذبحها في شراسة، اختنقت انفاسها وازدادت الدموع في الهطول وكأنها سُحب انفجرت بالبكاء، تطلعت لهروب هذا الراجل وهي تقف أمام والديها الغارقين في بركة من الدماء، رقبة والدتها المذبوحة ووالدها المقتول بطعنة في صدره اخترقت قلبه، خرجت تلك الطفلة الصغيرة تبكي بشدة تحرك جسد والديها الساكنين ربما يفيقان ولكن ما من فائدة وفجأة شعرت بيد تمسك كتفها!
نهضت تلتقط انفاسها في صعوبة، تزيل حبات العرق العالقة بجبينها، تنظر نحو ابنة خالها التي ملأت عيناها قطرات حزينة من الألم على ما تُعانيه إلى اليوم، همست بصوتٍ متألم حزين:
_ لسه الحلم بيجيلك يا سدرا؟
ازالت الغطاء من فوقها ثم وضعت قدميها على الأرض تغمض عيناها بتعب شديد، تحاول ان تجيب بثبات ولكن خانتها كلماتها:
_ مش هقدر انسى قتل والدي ووالدتي قدام عينيا يا تاليا.. طفلة شافت ابوها بياخد طعنة في قلبه ووالدتها بتدبح والاتنين بيقعوا قدام عنيا.. هنسى ازاي اكتر يوم حياتي ادمرت فيه.. كنت بنادي عليهم يا تاليا وهما مردوش مكنوش بيردوا.
اختتمت كلماتها بصوت بكاء عنيف، بينما اخذت الدموع مجرى على وجه تاليا التي سرعان ما اخذت ابنة عمتها والتي تعد شقيقتها لصدرها ربما تقلل من آلام تجرعتها من قسوة رجلٍ أعمي الرحمة وكأن كأس به سائل للشرب ولكن كان مذاقه مرًا.
اردفت تاليا في محاولة إخراج شقيقتها مما هي فيه قائلة بمرح بعد ان ازالت دموعها:
_ لا ركزي معايا كده.. أنا كلها يومين واجيب بضاعة بايظة واعمل المشروع بتاعي اللي بحلم بيه.. وساعتها بقى اثبت لبابا أنه كان غلط وانا صح.
ضحكت سدرا على حُلمها الغريبة في فتح شركة صيانة اجهزة التكيف والأجهزة التالفة، هتفت سدرا بعد أن ازالت دموعها تتطلع لها بيأس:
_ يا بنتي بلاش لو مصلحتش التكييفات والاجهزة اللي هتاخديهم من الراجل هتروحي في داهية.. ثم انتِ كلية تجارة إيه اللي موديكي ناحية الصيانة والكلام الكبير دا.
نظرت تاليا نحوها ثم اردفت بغيظ:
_ اصل أنتِ متعرفيش انا بكره المروحة ازاي وخاصة في الصيف بتلف مرة كل تلت ساعات يا بنتي.. ثم يا سدرا نفسي في تكييف وبابا مش عايز يجيب واحد بس، وكمان انا بضعف قدام الأجهزة وأنتِ عارفة.
نهضت سدرا نحو خزانتها، تجيبها بنبرة ساخطة:
_ دا على اساس انك هتدفعي فاتورة الكهربا لما تيجي ولا هتبوظيه زي ما بوظتي الخلاط والمكوة اللي ضعفتي قدمهم وخلتي ماما فريال تصوت.
حكت تاليا رأسها في حرج تجيب:
_ على فكرة بقى بابا اللي وترني جامد.. انا كنت بصلح عادي وهو جه خلاني قطعت السلك خالص وبوظت البُردة.
اقتربت منها سدرا ثم امسكت بأذنها في غيظ متمتمة بنبرة مغتاظة:
_ امال لو انا مش سمعاكي بتقولي السلك دا إيه لزمته وقطعتيه.
تألمت تاليا من يد سدرا القابضة على اذنها، تهمس بصوتٍ خائفة من أن يسمعهما احد ممزوج بألمٍ:
_ آآآه يا سدرا خلاص.. هو يعني أنا كنت اخدت دورة تدريب ولا حتى كورس.. ثم انا غلطانة أني بحاول اصلح حاجة في البيت دا.
ارتفع صوت السيد جلال الغاضب ينادي على كلتهما وكأن هناك كارثة حدثت بالمنزل، تطلعت سدرا نحو تاليا قائلة في شك:
_ أنتِ بوظتي إيه تاني؟
ازدردت حلقها في صعوبة تجيب في خوف :
_ مش فاكرة ما أنتِ عارفة بشوف اي جهاز في وشي بتجنن وعايزة اشوف اللي جواه واخترع.
حركت سدرا رأسها في يأس منها ثم تحركت الاثنتان نحو الخارج ليروا ماذا حدث؟
******************
وقف السيد جلال يشتعل غضبًا مما تفعله ابنته به، عيناه تمتلأن بحُمرة من ارتفاع الضغط لديه، بينما اردفت السيدة فريال بنبرة مستعطفة:
_ خلاص يا جلال ممكن وقع او حصل حاجة؟
تطلع لها في حنق يغمغم في غضب:
_ اسكتي يا فريال عشان بنتك جابت اخري معاها.
أتت تاليا مختبئة خلف سدرا فهي تعلم أنه سيقلع عنقها بعد أن عبثت بالتلفاز، هتف جلال بصوت عالي:
_ أنا عايز مبرر للي عملتيه يا زفتة.
ازدردت حلقها في صعوبة، ثم اردفت بنبرة خافته:
_ أصل أنا يعني قولت اجرب كده واشوف التلفزيون ممكن اخليه يشتغل بتصقيف ولا مينفعش.. احم منفعش.
حدق بها في صدمة يحاول استيعاب ما تتفوه به، ثم اردف بصوتٍ غاضب ممسكًا بحزام بنطاله الجلدي:
_ دا أنا اللي هسقف على وشك وجسمك دلوقتي ومعاكي اختك.
اتسعت حدقتي سدرا بفزع تنظر له ولكن سرعان ما ركضت خلف تاليا التي ركضت سريعًا هاربة من بطشة يد والدها، ارتفع صوت سدرا بصراخ تردف بصوتٍ ملتاع:
_ طب انا ذنبي إيه يا بابا جلال؟
:_ ذنبك يا بنت ناهد انك دكتورة نفسية والمفروض تعالجي بنت المجنونة دي من هوس الاجهزة البايظة عندها.. دي مش بتشوف جهاز واحد سليم إلا لم تخربه.
عبست ملامح فريال ما أن اردف كلمة « بنت مجنونة» ثم قالت بعبوس:
_ الله وأنا مالي!
اسرعت سدرا تختبئ في الغرفة المجاورة للغرفة التي تختبئ بها تاليا قائلة:
_ انا لسه متخرجة.. هعالجها إزاي!
نظر السيد جلال للغرفتان بغضب جامح ثم احضر مقعد يجلس فوقه قائلًا في غيظ منهما:
_ طب مش رايح الشغل النهاردة وروني بقى مش هتخرجوا من الأوضة ازاي!
:_ يا بابا مينفعش اللي بتعمله دا، انا بنتك ولا أنت لقتني على باب جامع.
قالتها تاليا في محاولة فاشلة لاستعطاف، اجاب جلال وهو يحتقن من الغضب:
_ ياريت القيكي على باب جامع على الاقل اقدر اتبرى منك انما أنتِ بنتي ومش عارف اتصرف معاكي.. يا قادرة يا مفترية المفروض اجهزك من دلوقتي ومش عارف اشيل فواطة من عمايلك السودا فيا.. انا لو بجهز نفسي من تاني مش هشتري الاجهزة دي!
كتمت سدرا ضحكها واضعة يدها على فمها، بينما نظرت فريال له قائلة بنبرة هادئة رقيقة:
_ طب عشان خاطري المرادي يا جلال عديها.. وهي مش هتقرب من حاجة تاني.. آخر مرة يا ابو البنات.
نظر لها جلال بضيق فهي تعلم أن لقب ابو البنات يتسلل لقلبه مليء اياه بحنان، اردف بنبرة ضيق:
_ يا فريال انا تعبت من اللي بتعمله.. انا السنة دي بس جبت خلاط ومكوة واهوه هجيب تلفزيون تاني لو الراجل مصلحش التلفزيون.
ابتسمت له في حنو تربت على كتفه في حنان، متمتمة بكلماتٍ صغيرة وكأنها مطر يطفئ نيران مشتعلة:
_ خلاص معلش.. هما في النهاية ملهمش غيرك يا ابو البنات وأنا واثقة في قلبك الحنين عليهم.
نظر لها وحرك رأسه بيأس تاركًا هذا الحزام، بينما اخرجت تاليا رأسها لتتأكد من سماح والدها لها، وما أن وجدته هادئًا اردفت بفخر:
_ أنا قلت محدش هيقدر عليك غير الست دي!
نهضت مرةً أخرى ليركض خلفها ولكن ركضت للغرفة مغلقة اياها خلفها قائلة:
_ خلاص يا بابا مكنتش كلمة طايشة خرجت مني امال لو حضرتك مش هتستحملني مين هيستحمل!
:_ هتجبلي جلطة وتقولي مين هيستحمل، انا رايح شغلي أنتِ الكلام معاكي بيشلني وانا عندي مرارة واحدة.
قالها مغادرًا من أمام الغرافة، بينما خرجت سدرا ثم تطلعت له قائلة بصوتٍ خافت يعتريه الضجر:
_ انا المظلومة في البيت دا مش لقين حد تضربه فتجروا ورا سدرا.. انما تضربوا اللي بتبوظ الاجهزة لاء.. متشطرش على الحمار اتشطر على البردعة.
:_ سمعتك يا بنت ***.
قالها جلال وهو يعاود الركض مجددًا خلف سدرا، يينما وقفت فريال تضحك على شجارهم، فزوجها _ جلال_ منذ وفاة والدي سدرا وهو يعتني بها كما يفعل مع ابنته لا يفرق بينهما، يداعبهما.. يشاكس معهن.. يركض خلفهن.. فلا يشعر اي منهما بفرق، تحركت نحو المطبخ فهي تعلم جيدًا أن الفتاتان سيستطيعان مصالحته.
*********************
على طاولة الفطور..
تسأل جلال في اهتمام:
_ هتنزلي تشتغلي معايا ولا هتشتغلي في مستشفى؟
ارتشفت بعض الشاي في هدوء تجيب بنبرة هادئة:
_ لا هنزل مستشفى ادرب فيها عشان اخد الشهادة يارب بس يدوني الشهادة كويسة عشان اطلع على القصر العيني واخد الشهادة وامارس المهنة بتاعتي.
ابتسم لها السيد جلال ثم نهض حاملاً حقيبته في هدوء يتمتم مقبلًا رأس ابنتيه:
_ انا ماشي سلام و أنتِ خفي على اجهزة البيت عايز شهر يعدي من غير ما أصلح في جهاز!
وضعت تاليا قطعة الشطيرة بفمها في غيظ، بينما ضحكت سدرا على ملامحها الغاضبة، نهضت سدرا وتاليا معًا للمغادرة كلا إلى وجهته، آملين في يوم مبهج.
*********
ضرب مكتبه في قوة، متطلعًا للملتاع أمامه في قسوة، يردد في فحيح أفاعي سامة:
_ بقالنا 3 سنين البت مش عايزة تنطق وقلنا عندها مرض نفسي وبرضو لا أنت علاجتها ولا حد من البهايم اللي عندك علاجوها، اتصرف البنت دي لزمًا تنطق وهي لا ينفع تموت ولا ينفع تتقتل، ولا حتى تتعذب عايز أعرف شفرة البرنامج اللي عملته وبس.
حدق به في خوف، يردف في محاولة الخروج من هذا المأزق:
_ سبني مدة وإن شاء الله اتصرف يا باشا.
تقدم منه يبتسم في شر يردد ممسكًا بتلابيب ملابسه:
_ ما أنت لو متصرفتش يا سمير.. عايزك تسيب خيالك يشتغل وتفكر هعمل فيك إيه!
ازدرد حلقه في صعوبة يعلم جيدًا ماذا يمكنه أن يفعل به، يكفي ما تسبب به في مقتل زوجته، وإيقاع به وسط عُش دبابير، تحرك نحو الخارج يفكر ماذا سيفعل بهذا المأزق بينما ابتسم الأخر في شر يتمتم:
_ لو في يوم حسيت أنك ملكش لزمة هتحصلها هناك وبنفسك محدش هيخلص عليك.
اغمض الطبيب عيناه في ألم، غصة أليمة علقت بحلقه، عقدت لسانه عن الحديث، بينما ابتسم الأخر في تلذذ، يشعر بكم العذاب الغارق به، استدار يرسل أوامر لأحد رجله بمراقبة سمير طبيب الأمراض النفسية.
**************
ازاح رابطة عنقه في ضيق، يشعر بأحبالٍ من الألم تلف حوله تاركه أثرها عليه، بدأ ينظر للمارين حوله منهم من يبتسم ومنهم من يضحك ومنهم من يحمل طفله وغيره، تمنى لو يحظى ببعض الراحة التي فقدها منذ ان بدأ بتهريب بعض المرضى لـلمتسلط " S" كي يهربهم ليصبحوا فأران لبعض التجارب الغير شرعية، عندما بدأ الرفض لم يدعو له مجال للعودة!
***
دلف للشقة ينادي بـ اسم زوجته ولكن لم يجد رد، تقدم نحو الداخل في حذر، وبدأ يشعر ببعض القلق وخاصة عندما وجد بعض اثار الدماء على الارض، دفع باب غرفتهما في هدوء مُحاذر يردد بأسمها في خفوت ولكن توقف فجأة عندما تطلع لزوجته الملقاة ارضًا يكاد رأسها ينفصل عن باقي جسدها، الدماء متناثرة حولها وكأن هناك سحاب مليء بالدماء بدأ يمطر بالغرفة، تقدم سريعًا نحوها يردد بأسمها دون صوت، نظر حوله في عدم تصديق، تتسرب الدموع دون توقف حتى تطلع للمرآة ليجد رسالة مكتوبة بدماء زوجته تنص على
( المرة دي قرصة ودن المرة الجاية مش هتموت بس لكن مش هنرحمك )
*****
عاد من تلك الذكرى المشؤومة، يحاول التقاط أنفاسها المختنقة في شدة، تحرك نحو المشفى يفكر بشتى الطرق كيف يبعد عن عقابهم ويوجه انظارهم نحو شخصٍ اخر!
**************
وصلت سدرا للمشفى التي ستتدرب بها حتى تتمكن من معالجة المرضى الامراض النفسية، وما ان صعدت حتى اصطدمت بأحدهم، رفعت نظرها نحوه تردد في حرج:
_ أنا آسفة.
لم يستمع لها بل اكمل سيره نحو المكتب شاردًا بمأزقٍ سيُهلك بحياته، تعجبت سدرا من شرود هذا الرجل وأكملت سيرها نحو الأعلى، تتوجه لمكتب سمير باهر الطبيب المسؤول عن تدريبها.
وصلت أخيرًا نحو المكتب تتطلع للسكرتيرة ببسمة صغيرة مرددة:
_ أنا الدكتورة سدرا جاية عشان ادرب.
بادلتها الابتسامة ثم توجهت تخبر ذاك الشارد بمكتبه بقدومها، دلفت سدرا للمكتب ما ان اخبرها السكرتيرة بالدلوف، دُهشت سدرا من كونه الشخص الذي اصتدمت به، بينما نظر لها سمير يتمتم في هدوء:
_ اتفضلي يا دكتورة .
تقدمت في حذر، بينما بدأ سمير بإلقاء بعض الأسئلة عليها ليعلم ما مدى خبرتها فوجد أنها تحمل سرعة بديهة قوية، نهض من مقعده يردف في عملية:
_ طيب اتفضلي معايا عشان هنبدأ دلوقتي أعرفك الحالات نظريًا امكنهم وبعدها نشتغل عملي.
بدأت بالسير معه، تركز جميع حواسه لما يقوله يشير على الحالات المريضة وما تعاني منها من أمراض نفسية مختلفة حتى وصل لغرفة يشير نحوها في أسف شديد يردد بنبرة يأسه:
_ الحالة دي هي الحالة الوحيدة اللي مش عارفين نشخص حالتها ولا نعرف هي فيها ايه وفشل كل الدكاترة في انهم يعرفوا فيها ايه!
تطلعت سدرا نحو تلك الفتاة التي تنظر للأمام بشرود، يفقد وجهها للحياة تمامًا، عيناها تمتلأن بأسرار ربما لو تحدثت ستستعيد حياتها من جديد، فاقت سدرا من شرودها على صوت سمير يردد بعملية:
_ يلا نكمل بقيت الحالات أنتِ باين عليكِ شاطرة ومش هتاخدي وقت وهتتعيني علطول بس لزمًا تثبتي دا.
ابتسمت سدرا لثنائه لها، ولكن ظل عقلها مشغول بهذه الفتاة ربما لو نجحت بأن تعالجها ستثبت جدرتها بأن تتعين سريعًا.
انتهت المدرة المخصصة لتدريب، ووصل كلًا من سمير وسدرا للمكتب، اردف سمير في حزم:
_ بكرة عايزك تيجي بدري شوية عشان هنبدأ العملي بكرة.
اجابتها سريعًا:
_ أكيد طبعًا يا دكتور.
ثم أضاف وهي تشعر ببعض التردد:
_ بس ممكن استأذن حضرتك في طلب .
تطلع لها في تعجب يشير برأسه أن تكمل:
_ ممكن الحالة اللي كل الدكاترة فشلت فيها اللي في غرفة 35 أنا لما اتعيين امسكها وأعالجها بنفسي.
نظر لها قليلًا ثم يفكر بما اقترحته ثم تذكر ما حدث معه صباحًا، نظر لها وقد التمعت برأسه فكرة ستبعد عنه الخطر قليلًا، ابتسم لها في هدوء يجيب:
_ خلصي تدريب بسرعة ودي هتكون اول حالة تمسكيها بس لو فشلتي فيها يأثر على شغلك في المستقبل وممكن متكمليش في مجالك.
اتسعت عين سدرا في سعادة تتجاهل باقي جملته التي لو وضعت أسفلها خطٍ صغير لبتعدت عن خطرًا بدأ يسحبها نحوه في خبث، رددت في شكر:
_ شكرًا ليك يا دكتور ولثقتك بيا.
غادرت سدرا المكتب تشعر بسعادة مزيف لن تدوم لبضع أيام، ربما لو لم تفكر بهذه الخطوة الآن فلن تتغير حياتها ولكن الآن عاصفة مليئة بالأشواك سامة لتهدم أخر زهرة نبُتت ببستان عائلة عبد الحميد.
**********
أمام غرفة 35..
وقف سمير ينظر لتلك الفتاة ببسمة تعلو ثغره يشعر بسعادة غريبة ربما لم يشعر بها من قبل، يهمس في خفوت:
_ وأخيرًا هتيجي اللي هتعالجك وادخلها شبكة وابعد انا عنهم شوية.
استدار يغادر من أمام الغرفة، بينما ادارت تلك الفتاة رأسها تذرف الدموع على ما حدث لها وما خلقته بيديها ليدمر عالم بأكمله وليس فقط ليدرمها، مدت يدها تزيل تلك الدموع ثم عادت تنظر لنقطة فارغ دائمًا نتقف لديها لتغير مجرى حياة بمستقبل، فلابد من ان تظل هكذا وإلا لن يدعوها مطلقًا!
يُتبع