رواية مجهول انبت عشقا الفصل الثاني 2 بقلم سلمي خالد
مجهول أنبتَ عشقًا
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل الثاني
.. أجهزة أصابها التلف..
غطت خيوطًا حمراء الأرض، تتلون السماء بغروب شمسٍ دافئة، تطلعت نحو الشمس في سعادة احتلت خلاياها، ترسم خيوط مستقبلها الذي تمنته منذ صغرها، صعدت التدرجات سريعًا تطرق على الباب منتظرة لأن يفتح لها أحد، ولكن ما من جدوى فقط تستمع لصوت فيلم ( مقلب حرامية)، عضت على شفتيها في غيظ من شقيقتها التي تعشق جميع ما ينتجه الفنان ماجد الكدواني، مدت يدها تمسك هاتفها سريعًا ثم بدأت تهاتفها في محاولة تعكير صفو هذه اللحظة، وبلحظة استمعت لصمت وخطواتٍ غاضبة تأتي عليها، دقائق وفُتح الباب في غضب جامح من تاليا المرددة:
_ إيه الرخامة دي.. أنتِ مش عارفة إن دا الوقت الوحيد اللي بقعد فيه عشان اتفرج على افلام الكوتش.
مدت سدرا يدها تزيل حذاؤها في ارهاق، تجيب في برود بدأ يتسرب منها:
_ وعشان بتتفرجي على الكوتش رخمت عليكِ.
كادت أن تتحدث ولكن تركتها سدرا تتوجه نحو الغرفة، اشتعلت عيناه في غيظ ثم امسكت بإحدى الوسادات تركض بها نحو الغرفة تردد بصوتٍ عالي نسبيًا:
_ انا بكلم على فكرة.
القت الوسادة علبها في عنف، بينما تخلت سدرا عن هدوئها تهدر في غضب:
_ أنتِ في حاجة في مخ يا تاليا بتتخانقي معايا عشان فيلم وانا جاية تعبانة من برة.. حقيقي انا مش عارفة اقولك ايه.
وضعت تاليا يدها بخصرها مرددة في برود:
_ متقوليش غير آسفة.
تحولت نظرات سدرا لحُمرة غريبة اخافت تاليا التي ما أن رأت سدرا تتحرك حتى ركضت تصرخ بأسم والدتها:
_ يا فيري الحقيني بنتك هتموتني.
:_ مش هسيبك النهاردة غير لما تبطلي تفاهه.
قالتها في تحاول امسكها، وقفت تاليا خلف فريال تحاول الاحتماء بها، تردد في شجاعة زائفة:
_ لو انا تافهه أنتِ زي هو انا اللي سرقت الفراخ اللي في التلاجة وقاعدة اكلها في الفجر والكل نايم.
اتسعت عين سدرا بشدة ثم تحولت لتوتر شديد ما أن رأت نظرات فريال لها، نظرت نحو تاليا محاولة تجنب نظرات فريال الغاضبة، تتمتم في توتر ازداد تدريجيًا:
_ تعالي يا توتو يا حبيبتي اما احكيلك عملت ايه في المستشفى واوريكي الهدية بتاعتي.
تطلعت لها في شك، بينما ابتسمت سدرا في توتر بعد ان ضمت فريال يدها لصدرها تزداد غضبًا من أفعال هاتان الفتاتان، مدت سدرا يدها تمسك بـ تاليا مغادرة المطبخ سريعًا ولكن توقفت ما أن سمعت صوت فريال تردد في حنق:
_ بقى أنتِ يا سدرا تعملي العاملة السودا دي فيا وبقيت مش عارفة اعمل ايه للضيوف ماشي ليكِ حساب معايا.
ابتسمت تاليا في سعادة ما ان رأت وجه سدرا المتوتر، ولكن تبخرت سريعا ما أن اكملت فريال حديثها:
_ وأنتِ كنتِ عارفة ومجتيش تبلغيني عشان الحق الموقف حسابك معايا اتقل منها يا تاليا هانم، أنتم الاتنين هتغسلوا وتمسحوا الشقة بدل قاعدكوا اللي ملهاش لزمة دي في الاجازة واللي هتفتح بوقها بكلمة لـ هخليها تشيل الشغل لوحدها ودلوقتي اتفضلوا على الاوضة.
غادرت كلًا من الفتاتان يشعران ببعض القهر، بدلًا من أن ينعموا بالراحة التي توفرها لهما والدتهما سيبدأن رحلة من الشقاء مع تنفيذ الواجبات المنزلية، همست سدرا في غضب:
_ بقى بتفتني عليا يا تاليا ولبستني شغل البيت.
حدقت بها تاليا مغتاظة رافعة احد حاجبيها:
_ دا على أساس مين اللي بدأ رخامة.. ثم أنا لبست معاكي ولا مش ملاحظة.
حدقت بها في غضب ثم تركتها مغلقة الباب في عنف تتمتم ببعض الكلمات الغاضبة تتمنى بها أن تقلع رأس تاليا، بينما بقت تاليا مكانها تفكر كيف ستهرب من عقاب والدتها، أتت رسالة لهاتفها لتسرع في تلهف لرؤيتها وما ان نظرت لها حتى اتسعت ابتسامتها في خبث مرددة بنبرة حالمة:
_ وأخيرًا.
*******
سار جلال نحو محل لتصليح الأجهزة، يدعو الله أن يصلح التلفاز بدلًا من شراء غيره، تقدم من الرجل هاتفًا في هدوء:
_ السلام عليكم.. ازيك يا حاج أحمد.
ابتسم له السيد أحمد في حبور يجيب:
_ وعليكم السلام.. الحمدلله يا استاذ جلال.
:_ هو التلفزيون اتصلح ولا إيه؟
قالها في بعض الحرج، بينما اجابه السيد أحمد بنبرة تهكمية:
_ اتصلح إيه بس مين عمل فيه كده دا لو فار دخل جوا مش هيبوظ البُردة والأسلاك بالشكل دا.. ربنا يعوضك عليك يا استاذ جلال مش نافع التلفزيون تاني.. دا يتعمل حوض سمك بعد كده.
استمع لكلماته في قهر، ثم انطلق عائدًا للمنزل يردد بعض الكلمات المغتاظة من ابنته وما تفعله من نصائب.
*****
استمعت فريال لصوت الباب وخطوات زوجها لتسرع نحو ببسمة دائمًا تستقبله بها، هتفت في نبرة حنونة:
_ حمدلله على السلامة يا جلال.
تطلع لها في ضيق يجيب باقتضاب:
_ الله يسلمك.
تعجبت فريال من ملامحه المقتضبة، ثم اضافت في تساؤل:
_ مالك يا جلال حصل حاجة؟
زفر في ضيق ينزع باقي ملابس عمله، يجيبها بنبرة مختنقة:
_ التلفزيون باظ خالص ومش نافع.. الراجل بيقولي اعمله حوض سمك احسن.
ضحكت فريال على تعليقه، بينما غضب جلال من ضحكتها مرددًا باقتضاب :
_ بتضحكي على ايه؟ كده هضطر اجيب تلفزيون جديد.
حاولت فريال السيطرة على ضحكها ولكنها فشلت، اردفت وسط ألحان صوتها:
_ عشان بنتك من صغرها لما بتمسك حاجة مش بتعمر في ايديها.
تطلع لها في استغراب، يردف متعجبًا:
_ ودا شيء يضحك.
حركت رأسها ترفق بسمة تعلو ثغرها، تجيب بعد ان سيطرة على ضحكها:
_ هم يبكي وهم يضحك يا أبو البنات.. وكويس أنها بتيجي على قد كده.. في هم مش هيخلينا نعرف ضحك ولا حتى نعيط عشان نعرف نخرجه.. احمد ربنا وإن شاء الله ربنا يهديها تاليا.
تطلع لها في هدوء ثم زفر تعب مرددًا:
_ الحمدلله يا فريال الحمدلله.
****
تجمعت عائلة عبد الحميد على طاولة يتناولون طعام الغداء في هدوء، ينشغل عقل كلًا منهم بشيءٍ محدد يتمنى تحقيقه، وكأن نجمة بالسماء يحلم الجميع بأن تصبح بين قبضتي يده، قاطع هدوء هذه اللحظة صوت جلال متسائلًا:
_ عملتي إيه النهاردة في المستشفى يا سدرا؟
ابتسمت سدرا في سعادة ثم اجابت بنبرة متحمسة للغاية:
_ بدأت تدريب خلاص وعرفني التفاصيل الرئيسة اللي في المستشفى والحالات نظريًا وبكرة بأذن الله هروح بدري عشان هنبدأ شغل عملي وبعدها هيمسكني حالة صعبة كاختبار عشان استلم الشهادة بتاعتي، وان عندي يقين بالله أني هنجح فيها وهتتعالج على ايدي.
نظر لها في حب يتخيل شقيقته وهي صغيرة عندما كانت تحلم مثل ابنتها هكذا تتحدث بهذه الطريقة، اردف في نبرة حنونة:
_ ربنا يوفقك يا حبيبتي.. زي مامتك بظبط كانت لما يبقى نفسها تحقق حاجة تعمل زيك كده وتتكلم زيك.
تبدلت ملامح سدرا لألم غائر بدأ يثور ما أن استمع لتلك الذكرى، وكأن شخصًا قام بوضع بعض الملح على جروح قلبها، همست سدرا بنبرة مبحوح:
_ الله يرحمها وينتقم من اللي عمل فيا وفي عيلتي كده.
ربت على يدها في حنو، يردف بنبرة دافئة:
_ ربنا كبير يا سدرا وان شاء الله يبرد قلبك من ناحية حق أهلك ويبرد ناري انا كمان.
تطلعت له بأعينٍ دامعة، تتمتم بنبرة مجروحة:
_ أنا نفسي أروح لحضنها أوي يا بابا جلال.. نفسي افرح بابا أني بقيت شاطرة وهبقى اخصائية نفسية زي ما كان بيقولي زمان.. نفسي يجي اليوم اللي أشوف اللي عمل فبهم كده واخد حقهم منه وارتاح شوية.
احتضنها سريعًا ما ان شعر بقربها من حافة الانهيار، يربت على ظهرها في حنان داعب قلبها وهدء من ثورانه العنيف، يردد بنبرة صافية:
_ هتبقى أخصائية نفسية وهبقى فخور بيكِ يا نور عيني.
:_ الله الله ياسي بابا عامل تحب في سدرا.. شايفني بنت البطة السودا.. انا قولت انك لقتني على باب جامع ومش عايز تجرح مشاعري الرقيقة بالحقيقة. وتقولي
قالتها تاليا وهي تتصنع ازالت دموعها، بينما نظر لها جلال في غيظ ثم أمسك بنعله يلقيه على تاليا التي ركضت سريعًا يردد في غيظ:
_ مشاعر رقيقة.. أنتِ معدومة مشاعر أصلًا.. التلفزيون باظ يا ملسوعة والراجل قالي أعمله حوض سمك.
حركت يدها في سعادة تطلع نحو الأعلى، مرددة في بهجة:
_ طب كويس وفرت حق حوض السمك اللي هخليك تجيبه.
حدجها بنظراتٍ مخيفة أثارت رعبها، وقبل ان يتحرك ركضت نحو إحدى الغرف التي تحتمي بها كلما استنزفت صبر والدها قائلة في رعب:
_ في إيه يا بابا دا أنا بنتك في حد يقتل بنته.
طرق بابا الغرفة في عنف بعد أن وصل لها يردد غاضبًا:
_ دلوقتي بقيتي بنتي يا بنت الك** ماشي يا تاليا لما تخرجي من الأوضة.
:_ مش خارجة.. حضرتك بقيت متهور اوي اليومين دول.
قالتها في خوف ممسكة بمقبض الباب، حاول جلال فتح الباب ولكن لم يستطع يردف في غيظ:
_ وإيه لزمتها حضرتك قوليلي يا جوجو أحسن.
صفقت بيدها ببلاهة، تتمتم بنبرة تحمل بعض الغباء:
:_ بجد خلاص اتفاقنا هقولك يا جوجو وأنت تقولي يا توتو.
شعر جلال بذلك الوقت أن نهايته ستصبح على يد ابنته، أمسك برأسه في ألم، توجه ببصره نحو سدرا التي تضحك بشدة، ولكن شعرت بنظراته المتوجه نحوها فعلمت ماذا سيحدث معها، ركضت هي الأخرى نحو غرفتها واغلقت الباب جيدًا تردد بصوتٍ عالي:
_ والله لسه بدرب ثم بنتك الحالة بتاعتها ميؤوس منها خلاص.
تطلع جلال نحو الغرفتان، فهو لن يستطيع فعل شيء، حرك شفتيه يردف في يأس منهما:
_ يارب ارحمني برحمتك.
****
دلفت فريال حاملة اكواب المشروب المفضل لابنتيها، نهضت سدرا سريعًا تردد بنبرة ممتنة:
_ شكرًا يا ماما تعبناكي.
ربتت فريال على كتف سدرا في حنو، تهمس في حب:
_ تعبكم راحة يا حبيبة قلبي،
ثم أضافت بضحك:
_ هروح اشوف جلال لحسن بعد اللي تاليا عملته وضغطه مش عايز ينزل.
ضحكت سدرا على حديث والدتها ثم غادرت الغرفة، بينما تعجبت سدرا من عدم حديث تاليا الجالسة فوق الفراش واندمجها الغريب مع الهاتف، تقدمت منها متسائلة في حيرة:
_ مالك يا تاليا بصه في التلفون جامد كده ليه؟
رفعت تاليا رأسها تبتسم في سعادة هامسة:
_ أصل أنا خلاص بكرة هنزل الجامعة أحضر محاضراتي وبعدها أطلع على الراجل اخد منه البضاع واشتغل عليها.
حركت رأسها في هدوء، ثم اضافت محذرة:
_ خلي بالك يا تاليا الموضوع دا لو باظ هنروح في داهية وساعتها بابا جلال احتمال يقتلنا ويخلص مننا خالص.
ابتسمت لها تاليا في سعادة قائلة دون ان تدرس عواقب مشروعها:
_ متخفيش يا سدرا بس خلاص هحقق حلمي كلها خطوتين واحققه.
ابتسمت سدرا في حب وهي ترى السعادة التي تملأ عيناها ثم اردفت بنبرة حنونة:
_ ربنا يوفقك يا حبيبتي وتنجحي باللي نفسك فيه.
ابتسمت تاليا في سعادة ثم ألقت قُبلة في الهواء لها ، بدلتها سدرا الضحكة ثم أرسلت لها قُبلة هي الأخرى و توجهت نحو فراشها وبدأت بالاستماع لبعض الفيديو الخاص بمجالها كي تصبح مستعدة بالغد.
****
بقعة صغيرة بالأرض لا يستطيع طائرٌ صغير ان يتقدم منها، تحوي عدد من الناس ولكن جميعهم يخضعون لأمر شخصًا تلتمع عينه دائمًا بالشر، وسط حاشية من الناس وقف بيده آلة حادة غليظة، يتطلع للجالس امامه على الأرض في برود، وكأن الدماء التي تملأ جسده شيئًا عاديًا لا يثير ندمه كالباقين، أردف بنبرة خالية من الرحمة:
_ شكلك كده يالا محدش قالك إن دخول حارة بطن الحندوق مش زي خروجه.. لا وإيه بتروح تبلغ الحكومة بأخباري.. الصراحة الجراءة دي جتلك ازاي مش عارف.. بس أنا هقطلك أي جدور ليها عشان تبقى عِبرة لكل ولاد** اللي بيفكروا يدخلوا الحارة.
رفع يده حاملًا تلك الآلة الحادة ثم غرزها في عنف محمل بقسوة شديدة داخل جسد هذا الفتي المملوء بالكسور والجروح من أثر معركة دلف بها أمام هذا الوحش، سقط ذاك الخائن جثة خالية من الحياة فقد حياته بعد أن اتبع خيانة وسار بطريقها، ألقى الـ وحش تلك الآلة المملوءة بالدماء ينظر للجميع الملتاعون منه في برود ثم اشار لأحد رجالة بأن يخفوا أثر هذا الفتى من سطح الأرض.
سار داخل منزله تتساقط منه بعض قطرات الدماء التي تناثرت عليه من عنف ضربته، ينزع ملابسه ملقيًا إياها بعيدًا فلن يرتديها مجددًا بعد تلوثها بدماء خائن بنظره، مد يده يفتح صنبور الماء ثم بدأت تدفق المياه فوقه، يغمض عيناه متذكرًا أنه يجب عليه فعل ذلك وإلا أصبح لقمة سائغة في وجه الجميع.
أغلق المياه وحمل منشفته ثم خرج من الحمام متوجهًا نحو غرفته يستعد للذهاب إلى عمله، او بمعني الصحيح ليحضر بضاعة جديدة من أنقى أنواع المواد المخدرة ليقوم بتوزيعها قبل بزوغ الفجر، فقد أصبح وحشًا أسود يتخفى به رجالٍ لم يراها أحد من قبل ولا تستطيع الشرطة أن تقترب منه. توغل وسطهم بذكائه، ولكن ماضيه خط أسود لا يستطيع احد ذكره!
******
استيقظت سدرا حاملة نشاطًا غير عادي اليوم ستحاول أن ثبت ذاتها وأن تنجز تلك الشهادة كي تعمل بمفردها، توجهت نحو الخارج تتناول طعامها في عجلة ثم غادرت دون أن تنتظر سماع كلمة أخرى، بينما نظرت تاليا للساعة ثم نهضت هي الأخر سريعًا لتتوجه نحو جامعتها لتنهي محاضراتها ثم تبدأ بالعمل الذي تمنته منذ الصغر.
تعجب كلًا من جلال وفريال من خروج الفتاتان في حماس غير عادي وهتف السيد جلال متحيرًا:
_ هما الاتنين بيجروا كده ليه؟
حركت فريال رأسها في عدم علم، زفر جلال في هدوء ثم نهض هو الأخر يغادر إلى عمله ثم يذهب لشراء تلفاز جديد.
***
وصلت سدرا للمشفى وشعر سمير بأن تلك الفتاة ستزيل خطرًا كبير من على عاتقيه، بدأ تدريبهما العملي ووجد سرعة استجابة من سدرا ستيسر عليه الأمر، بقى الأثنان بالتدريب حتى مر خمس ساعات، أردف وقتها سمير في تعب:
_ كده خلصنا يا دكتورة وبكرة تيجي في نفس الوقت بس احتمال بكرة تتأخري شوية.. واعتقد إنك هتاخدي الشهادة بدري اوي كمان لو فضلتي بنفس المستوى كده.
شعرت سدرا بسعادة تتخلل عروقها ثم نهضت تبتسم في هدوء مرددة بنبرة ممتنة:
_ شكرًا ليك يا دكتور حقيقي أنا ممتنة لحضرتك ولتعبك معايا اوي.
منحها ابتسامة هادئة يشير لها بالمغادرة، ولكن ما أن أغلقت الباب حتى علا صوت هاتفه بوصول رسالة ما أن قرأها حتى تلون وجهه بالخوف الممزوج بالضيق، بدأ يحرك أصبعه ليكتب رسالة تنص على
»البنت مش هتاخد وقت انا مكثف معاها التدريب وعلى اسبوعين كده هسلمها الحالة كأختبار بس أدوني مُهلة«
أرسل تلك الرسالة ثم أغلق هاتفه ملقيًا إياها على المكتب في ضيق يضع رأسه بين راحتي يده مرددًا في حنق:
_ لزمًا أخلص التدريب معها بسرعة عشان تستلم الحالة لزمًا أهرب منهم.
*****
أمام الجامعة وقفت تاليا تمسك بقلمها وهي تضع أسمها على بعض الأوراق التي ستأدي بها إلى الهلاك، تاركة باقي محاضراتها، تطلعت للرجل في هدوء مرددة:
_ كده خلاص تعالي بقى بعد اسبوع واستلم نص الحاجة.
وضع تلك الأوراق «ايصال أمانة» بجيبه، ثم هتف ببسمة مقتضبة:
_ تمام يا بشمهندسة بس بعد أسبوع لو مجبتيش نص الحاجة متزعليش من اللي هعمله لا هيفرق معايا أنك ولد ولا بت.
ابتسمت له في جفاف ثم استدارت تدلف السيارة لتحرك بها بعيدًا عن هذا الرجل البغيض، نظرت لتلك الأجهزة التالفة ثم ابتسمت في سعادة تشعر أنه بقى خطواتٍ صغيرة وستصل بها إلى الحُلم.
توقفت السيارة وثم ترجلت منها تاليا تشير للحارس العمارة بأن يساعدها في حمل هذه الأجهزة التي يصل ثمنها مئة ألف جنية، انتهت من تحويل الأجهزة من السيارة لمدخل العمارة ثم تحدثت تاليا في حماس:
_ شكرا يا عم عبدو انا هكمل، بس اوعي بابا يعرف.
ابتسم لها ذاك الرجل مرددًا:
_ عيب يا بنتي متقلقيش.
بدأت تاليا بحمل الأجهزة تصعد بها نحو شقة خالتها المتوفاه كي تبدأ بعملها وبطبع ساعدها حارس العمارة في تحويل باقي الأجهزة، بدأت بالعمل بها بعد أن ضبطت الساعة بموعود انتهائها كي تغادر بالوقت المناسب ولكن وجهت بعض الصعوبات حاولت تشغيل ولكن تدمر الجهاز الأول بعد أن اشتمت لرائحة حريق به، ازاحت موصل قبس الكهرباء ثم قررت أن تبدأ بأخر حتى أنتهى به الحال بأن تدمر، لم تلاحظ أنها بدأت بتدمير عدد كبير من الأجهزة تدميرًا كليًا لن يتم أصلحها مجددًا بل ستستخدم كـ قطعة بديلة لأجهزة أخرى، وقفت تاليا تشعر ببعض التوتر فهي قد دمرت عدد ليس بقليل، لم تعلم ماذا تفعل حتى ارتفع صوت هاتفها بالرنين مجددًا أنه قد انتهى الوقت أسرعت حاملة حقيبتها تغلق بابا الشقة وهي تفكر ماذا ستفعل بهذا المأزق الذي أوقعت به نفسها، فهذا الرجل لن يتنازل عن جهازًا واحدًا فماذا ستفعل بعد أن دمرت هذا العدد من الأجهزة؟
شعرت وكأن شباكة العنكبوت قبضت عليها تحضرها غداءً لصانعها.
*****
وصلت تاليا للمنزل تدلف نحو الداخل فوجدت سدرا تقف بجوار فريال تخبرها عن كرم " سمير" وأنه اعطها علمًا وفيرًا بمجالها، زفرت في هدوء ثم دلفت نحو غرفتها لتبدل ملابسها، هتفت في هدوء محاولة أن تنزع رعبها مما فعلته:
_ أهدي بكرة هتروحي للراجل وتفهميه للي حصل براحة ودلوقتي اهدي واضحكي عادي.
خرجت تاليا من غرفتها تبدأ مشاكستها مع سدرا ثم جلال الذي عاد ولم يجد تلفازًا مناسبًا لهما وبثمنٍ قليل يتناسب مع الأموال التي يحملها.
لم ترغب تاليا بأخبار سدرا عما حدث معها، وقررت أن تحاول المفاوضة مع الرجل بأن يعطيها مدة أخر ربما تفكر وتجد حلًا لما أوقعت به نفسها، حاولت الحديث كما تفعل حتى لا يلاحظها أحد فهي دائمًا تصنع النصائب ليركض خلفها جلال.
******
بدأ صباح يومًا جديد سيبدأ بتغير حياة بأسرها، وصلت تاليا للمكان المنشود لتسليم الأجهزة التي دمرتها، ثم دلفت لداخل محل الذي بعمل به هذا الرجل، تقدمت منه تردف في ارتباك:
_ السلام عليكم.
تطلع لها في برود مرددًا:
_ وعليكم.. خلصتي الأجهزة بالسرعة دي؟
ازدردت حلقها في توتر ثم أردفت بنبرة متوترة:
_ هو يعني بستأذن حضرتك أني أخد مُهلة صغيرة على اللي معايا بس لأني لسه مخلصتش وفي كام حاجة باظو مني و...
انتفض ذاك الرجل فجأة يردد في غضب بدأ يتصاعد:
_ باظت أنتِ ليلتك مش فايته النهاردة.. أجهزة إيه اللي باظت يا بت أنتِ.
:_ أهدى بس حضرتك وهشرحلك.
قالتها وهي تتراجع في خوف، بينما تقدم منها "سيد" ذاك الرجل الذي تعاقدت معه على شراء هذه الأجهزة فكان كالثور الهائج يهتف بأعين مشتعلة:
_ أهدى! دا أنا هطربق المحل على دماغك دلوقتي.
يتبع.
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل الثاني
.. أجهزة أصابها التلف..
غطت خيوطًا حمراء الأرض، تتلون السماء بغروب شمسٍ دافئة، تطلعت نحو الشمس في سعادة احتلت خلاياها، ترسم خيوط مستقبلها الذي تمنته منذ صغرها، صعدت التدرجات سريعًا تطرق على الباب منتظرة لأن يفتح لها أحد، ولكن ما من جدوى فقط تستمع لصوت فيلم ( مقلب حرامية)، عضت على شفتيها في غيظ من شقيقتها التي تعشق جميع ما ينتجه الفنان ماجد الكدواني، مدت يدها تمسك هاتفها سريعًا ثم بدأت تهاتفها في محاولة تعكير صفو هذه اللحظة، وبلحظة استمعت لصمت وخطواتٍ غاضبة تأتي عليها، دقائق وفُتح الباب في غضب جامح من تاليا المرددة:
_ إيه الرخامة دي.. أنتِ مش عارفة إن دا الوقت الوحيد اللي بقعد فيه عشان اتفرج على افلام الكوتش.
مدت سدرا يدها تزيل حذاؤها في ارهاق، تجيب في برود بدأ يتسرب منها:
_ وعشان بتتفرجي على الكوتش رخمت عليكِ.
كادت أن تتحدث ولكن تركتها سدرا تتوجه نحو الغرفة، اشتعلت عيناه في غيظ ثم امسكت بإحدى الوسادات تركض بها نحو الغرفة تردد بصوتٍ عالي نسبيًا:
_ انا بكلم على فكرة.
القت الوسادة علبها في عنف، بينما تخلت سدرا عن هدوئها تهدر في غضب:
_ أنتِ في حاجة في مخ يا تاليا بتتخانقي معايا عشان فيلم وانا جاية تعبانة من برة.. حقيقي انا مش عارفة اقولك ايه.
وضعت تاليا يدها بخصرها مرددة في برود:
_ متقوليش غير آسفة.
تحولت نظرات سدرا لحُمرة غريبة اخافت تاليا التي ما أن رأت سدرا تتحرك حتى ركضت تصرخ بأسم والدتها:
_ يا فيري الحقيني بنتك هتموتني.
:_ مش هسيبك النهاردة غير لما تبطلي تفاهه.
قالتها في تحاول امسكها، وقفت تاليا خلف فريال تحاول الاحتماء بها، تردد في شجاعة زائفة:
_ لو انا تافهه أنتِ زي هو انا اللي سرقت الفراخ اللي في التلاجة وقاعدة اكلها في الفجر والكل نايم.
اتسعت عين سدرا بشدة ثم تحولت لتوتر شديد ما أن رأت نظرات فريال لها، نظرت نحو تاليا محاولة تجنب نظرات فريال الغاضبة، تتمتم في توتر ازداد تدريجيًا:
_ تعالي يا توتو يا حبيبتي اما احكيلك عملت ايه في المستشفى واوريكي الهدية بتاعتي.
تطلعت لها في شك، بينما ابتسمت سدرا في توتر بعد ان ضمت فريال يدها لصدرها تزداد غضبًا من أفعال هاتان الفتاتان، مدت سدرا يدها تمسك بـ تاليا مغادرة المطبخ سريعًا ولكن توقفت ما أن سمعت صوت فريال تردد في حنق:
_ بقى أنتِ يا سدرا تعملي العاملة السودا دي فيا وبقيت مش عارفة اعمل ايه للضيوف ماشي ليكِ حساب معايا.
ابتسمت تاليا في سعادة ما ان رأت وجه سدرا المتوتر، ولكن تبخرت سريعا ما أن اكملت فريال حديثها:
_ وأنتِ كنتِ عارفة ومجتيش تبلغيني عشان الحق الموقف حسابك معايا اتقل منها يا تاليا هانم، أنتم الاتنين هتغسلوا وتمسحوا الشقة بدل قاعدكوا اللي ملهاش لزمة دي في الاجازة واللي هتفتح بوقها بكلمة لـ هخليها تشيل الشغل لوحدها ودلوقتي اتفضلوا على الاوضة.
غادرت كلًا من الفتاتان يشعران ببعض القهر، بدلًا من أن ينعموا بالراحة التي توفرها لهما والدتهما سيبدأن رحلة من الشقاء مع تنفيذ الواجبات المنزلية، همست سدرا في غضب:
_ بقى بتفتني عليا يا تاليا ولبستني شغل البيت.
حدقت بها تاليا مغتاظة رافعة احد حاجبيها:
_ دا على أساس مين اللي بدأ رخامة.. ثم أنا لبست معاكي ولا مش ملاحظة.
حدقت بها في غضب ثم تركتها مغلقة الباب في عنف تتمتم ببعض الكلمات الغاضبة تتمنى بها أن تقلع رأس تاليا، بينما بقت تاليا مكانها تفكر كيف ستهرب من عقاب والدتها، أتت رسالة لهاتفها لتسرع في تلهف لرؤيتها وما ان نظرت لها حتى اتسعت ابتسامتها في خبث مرددة بنبرة حالمة:
_ وأخيرًا.
*******
سار جلال نحو محل لتصليح الأجهزة، يدعو الله أن يصلح التلفاز بدلًا من شراء غيره، تقدم من الرجل هاتفًا في هدوء:
_ السلام عليكم.. ازيك يا حاج أحمد.
ابتسم له السيد أحمد في حبور يجيب:
_ وعليكم السلام.. الحمدلله يا استاذ جلال.
:_ هو التلفزيون اتصلح ولا إيه؟
قالها في بعض الحرج، بينما اجابه السيد أحمد بنبرة تهكمية:
_ اتصلح إيه بس مين عمل فيه كده دا لو فار دخل جوا مش هيبوظ البُردة والأسلاك بالشكل دا.. ربنا يعوضك عليك يا استاذ جلال مش نافع التلفزيون تاني.. دا يتعمل حوض سمك بعد كده.
استمع لكلماته في قهر، ثم انطلق عائدًا للمنزل يردد بعض الكلمات المغتاظة من ابنته وما تفعله من نصائب.
*****
استمعت فريال لصوت الباب وخطوات زوجها لتسرع نحو ببسمة دائمًا تستقبله بها، هتفت في نبرة حنونة:
_ حمدلله على السلامة يا جلال.
تطلع لها في ضيق يجيب باقتضاب:
_ الله يسلمك.
تعجبت فريال من ملامحه المقتضبة، ثم اضافت في تساؤل:
_ مالك يا جلال حصل حاجة؟
زفر في ضيق ينزع باقي ملابس عمله، يجيبها بنبرة مختنقة:
_ التلفزيون باظ خالص ومش نافع.. الراجل بيقولي اعمله حوض سمك احسن.
ضحكت فريال على تعليقه، بينما غضب جلال من ضحكتها مرددًا باقتضاب :
_ بتضحكي على ايه؟ كده هضطر اجيب تلفزيون جديد.
حاولت فريال السيطرة على ضحكها ولكنها فشلت، اردفت وسط ألحان صوتها:
_ عشان بنتك من صغرها لما بتمسك حاجة مش بتعمر في ايديها.
تطلع لها في استغراب، يردف متعجبًا:
_ ودا شيء يضحك.
حركت رأسها ترفق بسمة تعلو ثغرها، تجيب بعد ان سيطرة على ضحكها:
_ هم يبكي وهم يضحك يا أبو البنات.. وكويس أنها بتيجي على قد كده.. في هم مش هيخلينا نعرف ضحك ولا حتى نعيط عشان نعرف نخرجه.. احمد ربنا وإن شاء الله ربنا يهديها تاليا.
تطلع لها في هدوء ثم زفر تعب مرددًا:
_ الحمدلله يا فريال الحمدلله.
****
تجمعت عائلة عبد الحميد على طاولة يتناولون طعام الغداء في هدوء، ينشغل عقل كلًا منهم بشيءٍ محدد يتمنى تحقيقه، وكأن نجمة بالسماء يحلم الجميع بأن تصبح بين قبضتي يده، قاطع هدوء هذه اللحظة صوت جلال متسائلًا:
_ عملتي إيه النهاردة في المستشفى يا سدرا؟
ابتسمت سدرا في سعادة ثم اجابت بنبرة متحمسة للغاية:
_ بدأت تدريب خلاص وعرفني التفاصيل الرئيسة اللي في المستشفى والحالات نظريًا وبكرة بأذن الله هروح بدري عشان هنبدأ شغل عملي وبعدها هيمسكني حالة صعبة كاختبار عشان استلم الشهادة بتاعتي، وان عندي يقين بالله أني هنجح فيها وهتتعالج على ايدي.
نظر لها في حب يتخيل شقيقته وهي صغيرة عندما كانت تحلم مثل ابنتها هكذا تتحدث بهذه الطريقة، اردف في نبرة حنونة:
_ ربنا يوفقك يا حبيبتي.. زي مامتك بظبط كانت لما يبقى نفسها تحقق حاجة تعمل زيك كده وتتكلم زيك.
تبدلت ملامح سدرا لألم غائر بدأ يثور ما أن استمع لتلك الذكرى، وكأن شخصًا قام بوضع بعض الملح على جروح قلبها، همست سدرا بنبرة مبحوح:
_ الله يرحمها وينتقم من اللي عمل فيا وفي عيلتي كده.
ربت على يدها في حنو، يردف بنبرة دافئة:
_ ربنا كبير يا سدرا وان شاء الله يبرد قلبك من ناحية حق أهلك ويبرد ناري انا كمان.
تطلعت له بأعينٍ دامعة، تتمتم بنبرة مجروحة:
_ أنا نفسي أروح لحضنها أوي يا بابا جلال.. نفسي افرح بابا أني بقيت شاطرة وهبقى اخصائية نفسية زي ما كان بيقولي زمان.. نفسي يجي اليوم اللي أشوف اللي عمل فبهم كده واخد حقهم منه وارتاح شوية.
احتضنها سريعًا ما ان شعر بقربها من حافة الانهيار، يربت على ظهرها في حنان داعب قلبها وهدء من ثورانه العنيف، يردد بنبرة صافية:
_ هتبقى أخصائية نفسية وهبقى فخور بيكِ يا نور عيني.
:_ الله الله ياسي بابا عامل تحب في سدرا.. شايفني بنت البطة السودا.. انا قولت انك لقتني على باب جامع ومش عايز تجرح مشاعري الرقيقة بالحقيقة. وتقولي
قالتها تاليا وهي تتصنع ازالت دموعها، بينما نظر لها جلال في غيظ ثم أمسك بنعله يلقيه على تاليا التي ركضت سريعًا يردد في غيظ:
_ مشاعر رقيقة.. أنتِ معدومة مشاعر أصلًا.. التلفزيون باظ يا ملسوعة والراجل قالي أعمله حوض سمك.
حركت يدها في سعادة تطلع نحو الأعلى، مرددة في بهجة:
_ طب كويس وفرت حق حوض السمك اللي هخليك تجيبه.
حدجها بنظراتٍ مخيفة أثارت رعبها، وقبل ان يتحرك ركضت نحو إحدى الغرف التي تحتمي بها كلما استنزفت صبر والدها قائلة في رعب:
_ في إيه يا بابا دا أنا بنتك في حد يقتل بنته.
طرق بابا الغرفة في عنف بعد أن وصل لها يردد غاضبًا:
_ دلوقتي بقيتي بنتي يا بنت الك** ماشي يا تاليا لما تخرجي من الأوضة.
:_ مش خارجة.. حضرتك بقيت متهور اوي اليومين دول.
قالتها في خوف ممسكة بمقبض الباب، حاول جلال فتح الباب ولكن لم يستطع يردف في غيظ:
_ وإيه لزمتها حضرتك قوليلي يا جوجو أحسن.
صفقت بيدها ببلاهة، تتمتم بنبرة تحمل بعض الغباء:
:_ بجد خلاص اتفاقنا هقولك يا جوجو وأنت تقولي يا توتو.
شعر جلال بذلك الوقت أن نهايته ستصبح على يد ابنته، أمسك برأسه في ألم، توجه ببصره نحو سدرا التي تضحك بشدة، ولكن شعرت بنظراته المتوجه نحوها فعلمت ماذا سيحدث معها، ركضت هي الأخرى نحو غرفتها واغلقت الباب جيدًا تردد بصوتٍ عالي:
_ والله لسه بدرب ثم بنتك الحالة بتاعتها ميؤوس منها خلاص.
تطلع جلال نحو الغرفتان، فهو لن يستطيع فعل شيء، حرك شفتيه يردف في يأس منهما:
_ يارب ارحمني برحمتك.
****
دلفت فريال حاملة اكواب المشروب المفضل لابنتيها، نهضت سدرا سريعًا تردد بنبرة ممتنة:
_ شكرًا يا ماما تعبناكي.
ربتت فريال على كتف سدرا في حنو، تهمس في حب:
_ تعبكم راحة يا حبيبة قلبي،
ثم أضافت بضحك:
_ هروح اشوف جلال لحسن بعد اللي تاليا عملته وضغطه مش عايز ينزل.
ضحكت سدرا على حديث والدتها ثم غادرت الغرفة، بينما تعجبت سدرا من عدم حديث تاليا الجالسة فوق الفراش واندمجها الغريب مع الهاتف، تقدمت منها متسائلة في حيرة:
_ مالك يا تاليا بصه في التلفون جامد كده ليه؟
رفعت تاليا رأسها تبتسم في سعادة هامسة:
_ أصل أنا خلاص بكرة هنزل الجامعة أحضر محاضراتي وبعدها أطلع على الراجل اخد منه البضاع واشتغل عليها.
حركت رأسها في هدوء، ثم اضافت محذرة:
_ خلي بالك يا تاليا الموضوع دا لو باظ هنروح في داهية وساعتها بابا جلال احتمال يقتلنا ويخلص مننا خالص.
ابتسمت لها تاليا في سعادة قائلة دون ان تدرس عواقب مشروعها:
_ متخفيش يا سدرا بس خلاص هحقق حلمي كلها خطوتين واحققه.
ابتسمت سدرا في حب وهي ترى السعادة التي تملأ عيناها ثم اردفت بنبرة حنونة:
_ ربنا يوفقك يا حبيبتي وتنجحي باللي نفسك فيه.
ابتسمت تاليا في سعادة ثم ألقت قُبلة في الهواء لها ، بدلتها سدرا الضحكة ثم أرسلت لها قُبلة هي الأخرى و توجهت نحو فراشها وبدأت بالاستماع لبعض الفيديو الخاص بمجالها كي تصبح مستعدة بالغد.
****
بقعة صغيرة بالأرض لا يستطيع طائرٌ صغير ان يتقدم منها، تحوي عدد من الناس ولكن جميعهم يخضعون لأمر شخصًا تلتمع عينه دائمًا بالشر، وسط حاشية من الناس وقف بيده آلة حادة غليظة، يتطلع للجالس امامه على الأرض في برود، وكأن الدماء التي تملأ جسده شيئًا عاديًا لا يثير ندمه كالباقين، أردف بنبرة خالية من الرحمة:
_ شكلك كده يالا محدش قالك إن دخول حارة بطن الحندوق مش زي خروجه.. لا وإيه بتروح تبلغ الحكومة بأخباري.. الصراحة الجراءة دي جتلك ازاي مش عارف.. بس أنا هقطلك أي جدور ليها عشان تبقى عِبرة لكل ولاد** اللي بيفكروا يدخلوا الحارة.
رفع يده حاملًا تلك الآلة الحادة ثم غرزها في عنف محمل بقسوة شديدة داخل جسد هذا الفتي المملوء بالكسور والجروح من أثر معركة دلف بها أمام هذا الوحش، سقط ذاك الخائن جثة خالية من الحياة فقد حياته بعد أن اتبع خيانة وسار بطريقها، ألقى الـ وحش تلك الآلة المملوءة بالدماء ينظر للجميع الملتاعون منه في برود ثم اشار لأحد رجالة بأن يخفوا أثر هذا الفتى من سطح الأرض.
سار داخل منزله تتساقط منه بعض قطرات الدماء التي تناثرت عليه من عنف ضربته، ينزع ملابسه ملقيًا إياها بعيدًا فلن يرتديها مجددًا بعد تلوثها بدماء خائن بنظره، مد يده يفتح صنبور الماء ثم بدأت تدفق المياه فوقه، يغمض عيناه متذكرًا أنه يجب عليه فعل ذلك وإلا أصبح لقمة سائغة في وجه الجميع.
أغلق المياه وحمل منشفته ثم خرج من الحمام متوجهًا نحو غرفته يستعد للذهاب إلى عمله، او بمعني الصحيح ليحضر بضاعة جديدة من أنقى أنواع المواد المخدرة ليقوم بتوزيعها قبل بزوغ الفجر، فقد أصبح وحشًا أسود يتخفى به رجالٍ لم يراها أحد من قبل ولا تستطيع الشرطة أن تقترب منه. توغل وسطهم بذكائه، ولكن ماضيه خط أسود لا يستطيع احد ذكره!
******
استيقظت سدرا حاملة نشاطًا غير عادي اليوم ستحاول أن ثبت ذاتها وأن تنجز تلك الشهادة كي تعمل بمفردها، توجهت نحو الخارج تتناول طعامها في عجلة ثم غادرت دون أن تنتظر سماع كلمة أخرى، بينما نظرت تاليا للساعة ثم نهضت هي الأخر سريعًا لتتوجه نحو جامعتها لتنهي محاضراتها ثم تبدأ بالعمل الذي تمنته منذ الصغر.
تعجب كلًا من جلال وفريال من خروج الفتاتان في حماس غير عادي وهتف السيد جلال متحيرًا:
_ هما الاتنين بيجروا كده ليه؟
حركت فريال رأسها في عدم علم، زفر جلال في هدوء ثم نهض هو الأخر يغادر إلى عمله ثم يذهب لشراء تلفاز جديد.
***
وصلت سدرا للمشفى وشعر سمير بأن تلك الفتاة ستزيل خطرًا كبير من على عاتقيه، بدأ تدريبهما العملي ووجد سرعة استجابة من سدرا ستيسر عليه الأمر، بقى الأثنان بالتدريب حتى مر خمس ساعات، أردف وقتها سمير في تعب:
_ كده خلصنا يا دكتورة وبكرة تيجي في نفس الوقت بس احتمال بكرة تتأخري شوية.. واعتقد إنك هتاخدي الشهادة بدري اوي كمان لو فضلتي بنفس المستوى كده.
شعرت سدرا بسعادة تتخلل عروقها ثم نهضت تبتسم في هدوء مرددة بنبرة ممتنة:
_ شكرًا ليك يا دكتور حقيقي أنا ممتنة لحضرتك ولتعبك معايا اوي.
منحها ابتسامة هادئة يشير لها بالمغادرة، ولكن ما أن أغلقت الباب حتى علا صوت هاتفه بوصول رسالة ما أن قرأها حتى تلون وجهه بالخوف الممزوج بالضيق، بدأ يحرك أصبعه ليكتب رسالة تنص على
»البنت مش هتاخد وقت انا مكثف معاها التدريب وعلى اسبوعين كده هسلمها الحالة كأختبار بس أدوني مُهلة«
أرسل تلك الرسالة ثم أغلق هاتفه ملقيًا إياها على المكتب في ضيق يضع رأسه بين راحتي يده مرددًا في حنق:
_ لزمًا أخلص التدريب معها بسرعة عشان تستلم الحالة لزمًا أهرب منهم.
*****
أمام الجامعة وقفت تاليا تمسك بقلمها وهي تضع أسمها على بعض الأوراق التي ستأدي بها إلى الهلاك، تاركة باقي محاضراتها، تطلعت للرجل في هدوء مرددة:
_ كده خلاص تعالي بقى بعد اسبوع واستلم نص الحاجة.
وضع تلك الأوراق «ايصال أمانة» بجيبه، ثم هتف ببسمة مقتضبة:
_ تمام يا بشمهندسة بس بعد أسبوع لو مجبتيش نص الحاجة متزعليش من اللي هعمله لا هيفرق معايا أنك ولد ولا بت.
ابتسمت له في جفاف ثم استدارت تدلف السيارة لتحرك بها بعيدًا عن هذا الرجل البغيض، نظرت لتلك الأجهزة التالفة ثم ابتسمت في سعادة تشعر أنه بقى خطواتٍ صغيرة وستصل بها إلى الحُلم.
توقفت السيارة وثم ترجلت منها تاليا تشير للحارس العمارة بأن يساعدها في حمل هذه الأجهزة التي يصل ثمنها مئة ألف جنية، انتهت من تحويل الأجهزة من السيارة لمدخل العمارة ثم تحدثت تاليا في حماس:
_ شكرا يا عم عبدو انا هكمل، بس اوعي بابا يعرف.
ابتسم لها ذاك الرجل مرددًا:
_ عيب يا بنتي متقلقيش.
بدأت تاليا بحمل الأجهزة تصعد بها نحو شقة خالتها المتوفاه كي تبدأ بعملها وبطبع ساعدها حارس العمارة في تحويل باقي الأجهزة، بدأت بالعمل بها بعد أن ضبطت الساعة بموعود انتهائها كي تغادر بالوقت المناسب ولكن وجهت بعض الصعوبات حاولت تشغيل ولكن تدمر الجهاز الأول بعد أن اشتمت لرائحة حريق به، ازاحت موصل قبس الكهرباء ثم قررت أن تبدأ بأخر حتى أنتهى به الحال بأن تدمر، لم تلاحظ أنها بدأت بتدمير عدد كبير من الأجهزة تدميرًا كليًا لن يتم أصلحها مجددًا بل ستستخدم كـ قطعة بديلة لأجهزة أخرى، وقفت تاليا تشعر ببعض التوتر فهي قد دمرت عدد ليس بقليل، لم تعلم ماذا تفعل حتى ارتفع صوت هاتفها بالرنين مجددًا أنه قد انتهى الوقت أسرعت حاملة حقيبتها تغلق بابا الشقة وهي تفكر ماذا ستفعل بهذا المأزق الذي أوقعت به نفسها، فهذا الرجل لن يتنازل عن جهازًا واحدًا فماذا ستفعل بعد أن دمرت هذا العدد من الأجهزة؟
شعرت وكأن شباكة العنكبوت قبضت عليها تحضرها غداءً لصانعها.
*****
وصلت تاليا للمنزل تدلف نحو الداخل فوجدت سدرا تقف بجوار فريال تخبرها عن كرم " سمير" وأنه اعطها علمًا وفيرًا بمجالها، زفرت في هدوء ثم دلفت نحو غرفتها لتبدل ملابسها، هتفت في هدوء محاولة أن تنزع رعبها مما فعلته:
_ أهدي بكرة هتروحي للراجل وتفهميه للي حصل براحة ودلوقتي اهدي واضحكي عادي.
خرجت تاليا من غرفتها تبدأ مشاكستها مع سدرا ثم جلال الذي عاد ولم يجد تلفازًا مناسبًا لهما وبثمنٍ قليل يتناسب مع الأموال التي يحملها.
لم ترغب تاليا بأخبار سدرا عما حدث معها، وقررت أن تحاول المفاوضة مع الرجل بأن يعطيها مدة أخر ربما تفكر وتجد حلًا لما أوقعت به نفسها، حاولت الحديث كما تفعل حتى لا يلاحظها أحد فهي دائمًا تصنع النصائب ليركض خلفها جلال.
******
بدأ صباح يومًا جديد سيبدأ بتغير حياة بأسرها، وصلت تاليا للمكان المنشود لتسليم الأجهزة التي دمرتها، ثم دلفت لداخل محل الذي بعمل به هذا الرجل، تقدمت منه تردف في ارتباك:
_ السلام عليكم.
تطلع لها في برود مرددًا:
_ وعليكم.. خلصتي الأجهزة بالسرعة دي؟
ازدردت حلقها في توتر ثم أردفت بنبرة متوترة:
_ هو يعني بستأذن حضرتك أني أخد مُهلة صغيرة على اللي معايا بس لأني لسه مخلصتش وفي كام حاجة باظو مني و...
انتفض ذاك الرجل فجأة يردد في غضب بدأ يتصاعد:
_ باظت أنتِ ليلتك مش فايته النهاردة.. أجهزة إيه اللي باظت يا بت أنتِ.
:_ أهدى بس حضرتك وهشرحلك.
قالتها وهي تتراجع في خوف، بينما تقدم منها "سيد" ذاك الرجل الذي تعاقدت معه على شراء هذه الأجهزة فكان كالثور الهائج يهتف بأعين مشتعلة:
_ أهدى! دا أنا هطربق المحل على دماغك دلوقتي.
يتبع.