اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة كامله وحصريه بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة كامله وحصريه بقلم رانيا ممدوح




                                              

في قلب الصحراء، حيث الرمال تعكس حرارة الشمس بلا رحمة، تقبع القرى التي تتوارث فيها الأجيال تاريخًا طويلًا من الدماء والصراعات. هناك، في هذا الفضاء الواسع الذي لا يسكنه إلا صوت الرياح وهدير الأقدام الثقيلة، عاشت وتعيش قبائل كانت قديمة، قوية، بل ومستقلة لدرجة أن من لم يعرفها عن كثب، ظنها مجرد أسطورة. لكنها، في الحقيقة، حقيقة مريرة تمتزج فيها القوة بالضعف، والحكمة بالغطرسة، والتاريخ بالحروب الأبدية.

2


القبيلة هي الكيان الأول في تلك الأرض، حيث لا قيمة للفرد إلا من خلال انتمائه لأرضه وعشيرته. والحرب؟ هي جزء لا يتجزأ من طبيعة الحياة هناك. يكاد لا يمر عام دون أن تشتعل معركة هنا أو هناك، تحت اسم الشرف أو الثأر أو الغزو. في تلك المجتمعات، كل شيء يُقاس بعدد السيوف التي يمكن رفعها في وجه العدو، والقبائل التي تسعى للهيمنة على بعضها تكتسب قوتها من إرثها وتاريخها الطويل.

+


ومع أن الزمن قد طال، والتقنيات الحديثة قد غزت المدن الكبرى، إلا أن بعض تلك القرى لم تزل تحكم بنظام القبيلة العتيق. القائد في هذه الأماكن ليس هو الذي يملك المال أو القوة المادية، بل هو الذي يملك الكلمة الفصل، الذي يعرف كيف يثير حماسة أتباعه ويقودهم في الساحات. هنا، لا يوجد مكان للضعف، ولا مجال للسكوت على الخيانة. إذا كنت في حرب، فأنت قد تحارب لسنوات طويلة، حتى وإن كنت لا تدري السبب.

+


في تلك القبائل، كل شيء محسوب بحسابات دقيقة. الأسرار لا تُكشف إلا للأقوى، والولاءات تُبنى على أساس من المصلحة أحيانًا، لكن الأهم هو الثأر. الثأر الذي لا ينتهي إلا إذا ابتُدِئ من جديد. وهكذا، كانت قبيلة الحمدانية والشرقاوية عاشت عقودًا من الصراع العنيف، حتى أصبحت كل منهما تمثل الماضي والحاضر على حد سواء، لا تعرفان شيئًا عن التسامح أو التفاوض.

4


تعود بداية العداء إلى زمن بعيد، حيث كانت الأرض مفتوحة للطمع في الثروات والمراعي الواسعة. وكان لكل قبيلة زعيمها، وحاكمها الذي لا يشق له غبار، الذي يتخذ قراراته بناءً على ما يراه صالحًا لعشيرته. كان صراعهم كالعاصفة التي لا تهدأ، تتنقل من ساحة إلى أخرى، دون أن يرحم أحدًا. الدماء سُفكت على مرّ السنين، والضحايا كانوا غالبًا من المراهقين والشيوخ، ومن لم يكن له يد في تلك الحروب القديمة، أصبح ضحية لمظالم لا علاقة له بها.

+


في قلب القبيلة الحمدانية، كان الليل يلف الأرض بسكون ثقيل، كأن السماء نفسها تحبس أنفاسها ترقبًا لما سيحدث. في دار القائد، بين جدران الطين والعروق، كانت فاطمة ترقد على فراشها كزهرة ذابلة تُصارع الريح الأخيرة، وجسدها الهزيل بالكاد يقوى على احتضان الجنين المنتظر.

+


عشر مرات لفظت الحياة جنينها قبل أن يفتح عينيه على الدنيا، وعشر مرات دفن الأمل في صدرها، لكنه في هذه المرة بدا كأن شيئًا مختلفًا على وشك الحدوث... أو الهلاك.

+



                                      


                
دخل سالم إلى الغرفة بخطى متزنة، وعيناه تحملان قلقًا مغلفًا بالقوة، كما لو كان يحاول أن يخبّئ هشاشته خلف وقاره. جلس بجوارها، مدّ يده نحوها ومسح على جبهتها المتعرّقة بحنان.

+


قال بصوت خافت، أقرب إلى الهمس:
"عاملة إيه يا حبيبة الفؤاد؟"

+


أجابت فاطمة بصوت واهن، بالكاد تسمعه:
"الحمد لله يا سالم… خايفة المرة دي يموت الجنين زي كل مرة…"

+


أمسك سالم بيدها، وضغط عليها برفق كأنه يسكب الطمأنينة في عروقها.
قال بحزم ودفء:
"متقوليش كده… هيعيش، وهيبقى بطل، وهيقود القبيلة من بعدي."

+


ابتسمت فاطمة ابتسامة شاحبة، وهمست:
"بعد عمر طويل يا سالم…"

+


نهض سالم وأدار وجهه نحو الباب.
قال:
"أنا هامشي بقى."

+


تعلقت عينها به، وقد تلبّسها الرعب:
"رايح فين يا سالم؟"

+


ردّ دون أن يلتفت:
"في معركة مع الشرقاوية… ولازم أوقفهم عند حدهم."

+


توسلت إليه بصوت مكسور:
"لأ يا سالم، خليك جنبي…"

+


استدار نحوها بعينين تشتعلان بالكبرياء:
"عايزاني أقعد زي الحريم؟! أنا بطل… شجاع… وقائد القبيلة دي."

+


أدمعت عيناها، وقالت في رجاءٍ أخير:
"احتمال أولد الليلة دي يا سالم… عايزاك جاري…"

+


سكت سالم لثانية، ثم اقترب منها، وطبع قبلة على جبهتها، وغادر...
كأنها كانت القبلة الأخيرة.

+


كانت دليلة الحمدانية امرأة لا تُنسى، حتى بعد أن شاخت الأرض وابتلع الرمل أسماء كثيرة، ظل اسمها محفورًا كالنقش في الصخر.
ليست فقط أم القائد، بل عماد القبيلة في زمن الرجال الضعفاء.

+


أنجبت ولدين: ناجي وسالم.
ناجي، البكر، كان وديعًا هادئ الطبع، لكنه افتقد ما تحتاجه القبائل في رجالها: الجرأة، القلب، والنخوة ساعة الشدة.
أما سالم، فكان نارًا خرجت من رحم النار… يشبه أمه في النظرة، في الغضب، وفي القدرة على الوقوف في وجه العالم دون أن تهتز له شعرة.

+


دليلة لم تكن كغيرها من نساء القبيلة، لم تكن تلك التي تجلس خلف الأبواب تنتظر عودة الرجال، بل كانت تشاركهم الرأي، وتُحمّلهم بالشجاعة، وتُربيهم على الصدق والحزم.
كانت تقول دومًا:
"اللي قلبه يضعف، ما يسكنش صدره لقب الحمداني… ودمنا ما يرخصش، لا في خصام، ولا في سلم."

+


حين مات زوجها، لم تبكِ أمام الناس، فقط نظرت إلى ولدها سالم وقالت:
"دلوقتي دورك يا وليدي… سِت سنين وأنا بأعدّك لليوم ده."

+


كانت تعرف أن ناجي لن يحمل عباءة القيادة، فزرعت في سالم كل ما تملكه من حكمة، وصبر، ودهاء القبائل.
ربّته كما تُربّى الأسود، لا يعرف المواربة، ولا يترك ثأره يبرد.

+



        

          

                
حتى بعد زواجه من فاطمة، بقي يعود إليها يستشيرها…
كانت صمته حين يحتار، وصوته حين يتردد، ودرعه إذا اشتدّ الخطر.

+


ومع كل ذلك، كانت حنونة.
حين تنظر إلى حفنة الماء تشربها، تدعو لسالم بالعمر الطويل، ولناجي أن يلقى السكينة، وللجنين الذي في بطن فاطمة أن يرى النور… ويكبر.

+


كان الليل في القبيلة يضجّ بالحركة، أصوات الخيول، وقع الأقدام، وصدى السيوف يُشحذ في الساحات، أما في بيت ناجي، فكان الصمت هو السائد… كأن الزمن لا يطرق بابه.

+


جلس ناجي على الأرض، يحدّق في رماد النار التي خمدت منذ ساعات، بينما زوجته هنادي تقف عند الباب، تراقب من بعيد رجال القبيلة وهم يتهيأون للرحيل، ودمها يغلي.

+


استدارت نحوه بحدة وقالت:
"قوم يا راجل… على الرجال بيستعدّوا للمعركة وإنت جالس هنا؟!"

+


رفع عينيه نحوها دون أن يتحرك، وقال بصوت خافت:
"مش لازم كل واحد يروح المعركة… فيه ناس مكانها هنا."

+


ضربت كفّها بكفها، واقتربت منه والخزي يقطر من ملامحها:
"لا مؤاخذة يا ناجي، بس إنت مش هنا علشان تطبخ ولا تكنس! إنت ابن دليلة الحمدانية… أخو سالم اللي شايل الراية دلوقتي!"

+


"سالم غيري." قالها ناجي وهو يشيح بنظره عنها.

+


نظرت إليه هنادي طويلاً، كأنها تحاول أن تفتش في أعماقه عن الرجل الذي كانت تظنّه فيه يوم اختارته زوجًا. ثم همست، وكأنها تخاطب نفسها:
"عيب… العار مش بس في الهزيمة… العار الحقيقي لما الواحد يهرب من رجولته."

+


ثم خرجت من الدار، وهي تشد طرف ثوبها بعنف، ودموع الغضب تملأ عينيها…
وتركت خلفها ناجي يجلس في سكون، لا يعرف هل يحزن على نفسه… أم على اسمه.

+


لم تستطع هنادي أن تصمت أكثر. الغضب كان يأكلها من الداخل، ليس فقط على زوجها الذي اختار الجلوس بينما الرجال يذهبون للحرب، بل على ما أصبحت تراه ضعفًا يهدد اسم القبيلة نفسها.

+


ذهبت إلى بيت دليلة، تلك التي كانت تُحسب لها الألف حساب، وما إن جلست أمامها، حتى انفرجت شفتيها بشكوى مُرة:

+


"يا خالتي… اسمعيها مني واعتبريني بنتك… أنا مش جاية أشتكي من زوجي، أنا جاية أشتكي من عاري."

+


رفعت دليلة عينيها إليها، لم تندهش، بل بدت كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
قالت بهدوء حاد:
"اتكلمي يا هنادي… إيه في قلبك؟"

+


تنهدت هنادي، ووضعت يدها على صدرها وهي تقول:
"ناجي قاعد في الدار، سايب الرجالة تروح للمعركة، وسالم هناك بيواجه الموت لوحده! أنا جُوزي ما بقاش راجل بين الرجالة… وأنا قلبي بيتقطع."

+


نظرت إليها دليلة نظرة طويلة، لم تكن قاسية، بل ثقيلة، كأنها ترى في هنادي امتدادًا لنفسها، ثم ردّت بصوت هادئ فيه طعنات خفية:

+



        
          

                
"تعرفي يا هنادي… أنا لما كنت قدّك، شلت ولدين على ظهري، ووقفت قدام خصوم القبيلة من غير ما حد يحوشني. ما بكيتش، ما خُفتش، ما تراجعتش.
بس كنت أعرف… الرجالة مش كلهم زي بعض."

+


سكتت لحظة، ثم تابعت، وعينيها تثبتان في عيني كنّتها:
"ناجي... اتربّى جنبي زي ما اتربّى سالم. بس النار ما دخلتش قلبه. يمكن أنا غلطانة، يمكن سِترت عليه أكتر من اللازم.
بس لو إنتِ شايفة إن اللي فيه خلاص ما ينفعش، يبقى دورك دلوقتي كبير."

+


قالت هنادي، كأنها تبحث عن ضوء في ظلام قلبها:
"وأعمل إيه؟ أعيّره برجولته؟ أسيبه؟ ولا أشيل السلاح بنفسي؟"

+


ابتسمت دليلة لأول مرة، ابتسامة حزينة كأنها تذوق مرّ الحياة من جديد، ثم قالت:
"اعملي اللي يخلي دمك يهدى… ولو قررتي تقومي بداله، إبقي ارفعي راسك… إنتي مش بس مراته، إنتي من الحمدانية."

+


عادت هنادي إلى بيتها والخزي يغمر قلبها، والغضب لا يزال يشتعل في صدرها. خطاها كانت ثقيلة، كأنها تخشى مواجهة نفسها أكثر مما تخشى مواجهة القبيلة. دخلت إلى غرفتها، وألقت بنفسها على المقعد الخشبي الثقيل، وقد خلعت عنها عباءة الصبر.

+


اقتربت منها سكينة، خادمتها المخلصة، وهي تمسك بإبريق ماء وقطعة قماش.
قالت برفق:
"مالك يا هانم؟ وشّك مش ولابُد."

+


نظرت هنادي إليها بعينين دامعتين، ثم تنهدت تنهيدة طويلة وقالت:

+


"عارفة يا سكينة؟ جوزي من يومه جبان…
أول ما قالوا جايلك ناجي الحمداني، قلتِ لي: ابسطي يا بت يا هنادي، ده مكتوبلك تكوني مرات قائد القبيلة الجديد…
بس اللي معرفتوش، إني اتجوزت جبان!"

+


نظرت إليها سكينة بحذر، ثم قالت وهي تضع الإبريق جانبًا:
"بس يا هانم، ده راجلك برضو، والناس بتسمع الكلام."

+


ضحكت هنادي ضحكة حزينة، وقالت:
"راجلي؟ ده أنا راجل نفسي، أكتر منه!
الرجالة راحوا للمعركة، وسالم هناك بيقاتل، وهو قاعد عندي يسألني: نغدي بإيه النهاردة؟
أنا مش متجوزة راجل… أنا متجوزة عار!"

+


اقتربت سكينة وجلست بجوارها، وقالت بصوت خفيض:
"أهو ده نصيبك يا هانم، بس يمكن في يوم يظهر في قلبه نار الرجالة…"

+


هزّت هنادي رأسها وقالت بإصرار:
"لو النار ما اتولدتش من زمان، يبقى ما تستاهلش تتولد.
أنا هنادي… وعمري ما كنت ست ضعيفة.
من النهاردة، مش هسكت.
مش بس علشاني… علشان اسم الحمدانية اللي بيتداس عليه بسبب جبنه."

+


ثم نهضت واقفة، ويدها ترتجف من الغضب والعزم في آن واحد.
"جه وقتي أنا، يا سكينة… يمكن هنادي تبقى الراجل اللي ناقص في القبيلة!"

+


سارت هنادي في الغرفة جيئة وذهابًا، كأنها تبحث في الأرض عن قرار، وفي الجدران عن عزاء. نار الغضب كانت ما تزال مشتعلة في عينيها، بينما سكينة تراقبها بصمتٍ مشوب بالقلق.

+



        
          

                
قطعت سكينة الصمت أخيرًا، بصوتٍ منخفض لكنه حازم:

+


"هتجيبي العار للقبيلة يا هانم؟
من إمتى الستات بتروح المعارك أو ليها صوت جوّا القبيلة؟
إحنا آخرنا ناكل و نلبس و نراعي عيالنا…"

+


استدارت هنادي إليها بغضب مكبوت، لكنها لم تقاطعها. تابعت سكينة، وهي تقترب منها وتضع يدها على كتفها:

+


"اهدي يا هانم…
إن شاء الله خير، وكل حاجة تتصلّح بس بالصبر، مش بحرقة الدم."

+


تنفست هنادي بعمق، وعينيها معلّقتان على الظلال الراقصة في سقف الغرفة من وهج السراج.

+


قالت بصوت خافت، أقرب إلى الهمس منه إلى القول:

+


"عارفة يا سكينة؟
الخوف هو اللي بيخلّي الناس تقول كده.
الخوف من التغيير… من اللي مش متعودين عليه.
بس الخوف ما عمره بنى قبيلة… ولا حفظ كرامة."

+


أطرقت سكينة برأسها، ولم تجب. كانت تعلم أن كلمات هنادي خرجت من أعماق قلبٍ يشتعل بالألم أكثر مما يشتعل بالغضب.

+


أطرقت سكينة برأسها، ولم تجب. كانت تعلم أن كلمات هنادي خرجت من أعماق قلبٍ يشتعل بالألم أكثر مما يشتعل بالغضب.

+


اقتربت هنادي من النافذة، ورفعت الستار قليلًا، تتأمل الظلام الذي يكسو أرض القبيلة… وكأنها ترى ما وراءه.

+


ثم التفتت نحو سكينة، وقالت بنظرة واثقة وعين لامعة:

+


"بُكرة…
بُكرة ييجي اليوم اللي البنت تثبّت فيه إنها أرجَل!
مش بس من الرجالة اللي حواليها…
من اللي اتولدوا على العرش، وضيّعوا هيبته."

+


سكتت لحظة، ثم تابعت بنبرة هادئة، كأنها تنذر زمنًا جديدًا:

+


"وساعتها… محدش هيقدر يسكت صوت الست، ولا يداري نورها تحت عباية."

+


رفعت سكينة عينيها نحو سيدتها، وقد بدأت ملامح التردد تتبدد. بدا وكأنها للمرة الأولى، تصدّق أن هنادي قادرة على كسر قواعد القبيلة القديمة.

+


رفعت سكينة حاجبها باستنكار، وقربت وجهها من هنادي وهي تهز راسها وقالت:

+


"إنتي بتقولي إيه يا هانم؟
إزاي يعني البنت تبقى أرجَل؟
دي كلمة تقيلة ما تتقالش كده بالساهل!
هو إحنا ناقصين؟!
من يومك عنيدة، بس المرة دي عنادك هيودينا في داهية."

+


سكتت لحظة، ثم أكملت بلهجة فيها رجفة خوف:

+


"ده حتى الرجالة نفسهم مش دايمين، وسيدنا سالم طالع في حرب يمكن ما يرجعش…
وإنتي جاية تقوليلي بنت تبقى قائد؟
ده حتى ناجي… مع إنه جبان، أهو راجل، والناس بتحسبله حساب عالأقل."

+


أغمضت هنادي عينيها بشدة، وكأن كلمات سكينة صفعتها، لكن الإصرار ما فارق ملامحها.

+


قالت من بين أسنانها:

+



        
          

                
"ماهو علشان ناجي زيّه، ولسه في رجالة زيه، القبيلة بتنهار…
واللي زيك بيغلف العجز بالحكمة."

+


قهقهت هنادي بسخرية حزينة، وراحت تمشي في أرجاء الغرفة كأنها تحاول تفرّغ الغليان الذي بداخلها.

+


قالت بنبرة فيها شيء من الحسد، وشيء من الترقب:

+


"على سيرة الرجالة اللي مش نافعين…
عارفة يا سكينة؟ احتمال الليلة فاطمة تولّد.
الخبر جالي من حسناء، خدامتها…
قالتلي إن بطنها وجعاها جدًا ومش قادرة تتحرك، وولادتها قربت."

+


شهقت سكينة وقالت:

+


"يا ستار يا رب…
دلوقتي؟ ده سالم في الحرب، والست في حال ما يعلم بيه غير ربنا!"

+


هزت هنادي رأسها، نظرة غريبة في عينيها، وقالت:

+


"أهو شوفي الزمن،
أنا اللي في بيتي راجل جبان، وهي اللي معاها راجل بيموت عشان قبيلته!
بس تعرفي؟
لو ربنا كتب لابنها يعيش…
هيبقى هو الأمل الوحيد للحمدانية."

+


أطرقت سكينة برأسها وهمست:

+


"ربنا يقومها بالسلامة…
ويجيب الخير للقبيلة…"

+


كانت حسناء تعتني بـ فاطمة التي بدأ تعب الولادة يظهر عليها، يعلو وجهها الشحوب، وتتسارع أنفاسها وكأن صدرها لا يتسع للهواء، ويديها تشدّان على أطراف الفراش كأنها تُقاوم الموت لا الحياة.

+


جلست حسناء إلى جوارها، تمسح العرق عن جبينها بمنديل قماشي مبلول بالماء البارد، وتهمس بصوت خافت مليء بالرجاء:

+


"اصبري يا فاطمة… الخلاص قرب، والولد جاي بإذن الله."

+


شهقت فاطمة فجأة من شدة الألم، وغمغمت بكلمات غير مفهومة، فأسرعت حسناء تضع يدها على بطنها تتحسس حركة الجنين، ثم التفتت نحو الباب ونادت بصوت مرتفع:

+


"يا بنات! حد يروح يجيب الداية بسرعة! فاطمة خلاص على وشّ الولادة!"

+


ركضت إحدى البنات خارج الدار، بينما بقيت حسناء تُمسك بيد فاطمة، تغمرها بنظرات حنونة فيها قلق، لكن فيها أيضًا قوة النساء عندما يتصدّرن المواقف في غياب الرجال.

+


قالت فاطمة بصوت مكسور، يتخلله الألم:

+


"يا حسناء… لو جرالي حاجة، قولي لسالم يسامحني… ويحب الولد، حتى لو ما شافنيش."

+


انهمرت دمعة من عيني حسناء، لكنها تمالكت نفسها، وقبلت يدها برقة:

+


"ما تقوليش كده يا فاطمة، إنتي هتعدّي، والولد هيبقى زي ما قال سالم… بطل."

+


ارتجف قلب حسناء، ليس فقط خوفًا على فاطمة، بل خوفًا من أن يحدث ما تخشاه القبيلة كلها… أن يُولد البطل في غياب أبيه، وأن تفقد القبيلة أمّه قبل أن تراه يفتح عينيه على الدنيا.

+



        
          

                
كان سالم في معركة مع قبيلة الشرقاوية، والسيوف تلمع تحت شمس المغيب كأنها شرر الغضب المنثور بين السماء والأرض. الغبار يتصاعد من تحت حوافر الخيول، والهتافات تملأ الأفق: صراخ، وتكبير، ووقع الحديد على الحديد.

+


كان سالم في مقدّمة الصفوف، فارسه الأسود ينهب الأرض نهبًا، ويدُه لا تفارق سيفه العريض الذي ورثه عن والده، الشيخ عقاب. كان يقاتل كأنه يحمل بين كتفيه ثأرًا قديمًا، لا ينسى.

+


صاح أحد الرجال خلفه:

+


"شد حيلك يا سالم! رايتنا بيدك!"

+


أجاب سالم، والعرق يبلل جبينه:

+


"ما راح تنزل، طول ما أنا حي!"

+


كان يعلم في أعماقه أن القتال اليوم ليس ككل مرة. كان يشعر أن شيئًا ما في قلبه مشدود، كأن روحه تُنازع بين أرض المعركة ومكان بعيد… كأن هناك من يناديه من بعيد بصوت لا يسمعه أحد سواه.

+


وفجأة، وبينما كان يطعن أحد رجال الشرقاوية، لمح طائرًا يحلّق فوقه — غراب أسود — يدور ويصرخ، وكأنه نذير. شهق سالم، فابتعد لحظة، ثم رفع رأسه نحو السماء، وهمس:

+


"فاطمة..."

+


كانت زوجته، التي تركها على فراش الولادة، عالقًا بين واجبين: الدفاع عن القبيلة… أو الركض إليها.

+


لكن لا وقت للتراجع الآن. قبيلة الشرقاوية لا ترحم، وإذا تراجع سالم لحظة، خُسرت الأرض والعِرض.

+


قبض على سيفه بقوة، واندفع من جديد، يضرب بلا هوادة، وكأن قلبه في مكان آخر، لكنه يقاتل بجسده هنا.

+


ولم يكن يعلم… أن في نفس تلك اللحظة، فاطمة كانت تُنادي عليه باسمٍ مكسور، بين آهات الألم:

+


"سالم... سالم..."

+


وأن الدنيا كلها كانت على وشك أن تتغير.

+


جاءت الداية على عجل، وجهها متجهم، وحركتها سريعة وحاسمة. دخلت الغرفة ونظرت إلى فاطمة التي كانت تتلوى من الألم، تتصبب عرقًا، وتشهق بأنفاس متقطعة. رفعت الداية عينيها إلى من حولها وقالت بنبرة لا تحتمل جدالًا:

+


"الكل يطلع برا… الحين!"

+


تبادل الجميع نظرات قلقة، لكنهم أطاعوا. كانت اللحظة حرجة، ونبرة الداية لا تسمح بأي اعتراض.

+


خرجت النساء واحدة تلو الأخرى، والدعاء لا يفارق شفاههن، بينما ظلّت حسناء واقفة، تتردد. التفتت إليها الداية، فرأت في عينيها خوفًا، لكنه مشوب بالعزم.

+


"أنت… ابقي."
قالتها الداية وهي تشير لها بالبقاء، ثم أغلقت الباب خلف الجميع.

+


اقتربت حسناء من السرير بخطوات حذرة، وفاطمة تشدّ على طرف الغطاء كأنها تغرق وتبحث عن خشبة نجاة. جلست حسناء عند رأسها، ومسحت على جبينها بقطعة قماش مبللة بالماء البارد، وهمست برفق:

+



        
          

                
"أنا هنا… لا تخافي، كل شيء حيكون بخير بإذن الله."

+


الداية بدأت تُجهّز نفسها، تُصدر أوامرها بسرعة وهدوء، بينما صوت فاطمة يعلو، كأنه يخرج من عمق جرح قديم. وبين أنين وآهة، كانت حسناء تمسك بيدها، وتردد بداخلها دعاء لم تحفظه يومًا… لكنها تؤمن أنه سيصل.

+


في الخارج، كانت العيون ترقب الباب المغلق، والقلوب معلقة بما سيخرج منه… طفل؟ صرخة؟ أم شيء لا يُحمد عقباه؟

+


بينما كانت أنفاس فاطمة تتباطأ بعد العاصفة، وجسدها المنهك مستسلم على السرير، رفعت رأسها بصعوبة، وجهها شاحب، وعيناها نصف مغمضتين. نظرت نحو حسناء، وصوتها بالكاد يُسمع، خرج متقطعًا بين لهاث وتنهيدة:

+


"خلفت إيه يا حسناء؟ عايش و لا ميت ؟"

+


كان في السؤال رجاء، وخوف، وأمل يتشبث بالخيط الأخير من وعيها. مدت يدها المرتجفة وكأنها تبحث عن إجابة تلمسها قبل أن تسمعها.

+


حسناء انحنت نحوها، عيناها تلمعان، وابتسامة مرتجفة ترتسم على وجهها وهي تهمس:

+


"خلفتي… ملاك، زي القمر. عايش"

+


شهقت فاطمة، دمعة نزلت من طرف عينها، وابتسامة باهتة ارتسمت على شفتيها وهي تهمس:

+


"الحمد لله…"

+


ثم أغمضت عينيها، تستسلم لراحةٍ مؤقتة بعد معركة الحياة.

+


اقتربت الداية بقلق من حسناء، عيناها تتفحصان وجه فاطمة النائم وكأنها تتحقق إن كانت ما زالت تسمع. ثم مالت ناحية حسناء وهمست بصوت خافت مرتجف:

+


"الجنين… بنت."
نظرت حولها ثم تابعت، "هنعمل إيه؟ لو سالم عرف، ممكن تحصل مصيبة!"

1


تجمدت ملامح حسناء، وعيناها اتسعتا. نظرت إلى الصغيرة الملفوفة في القماشة البيضاء، ثم إلى وجه فاطمة الشاحب، وهمست بحدة:

+


"مش هنخلي حد يعرف دلوقتي. خبي البنت… وقولي له إنها تعبانة، لسه ما نعرفش نوعها."

+


ترددت الداية، لكن نظرة حسناء كانت حاسمة، فيها مزيج من الحنان والخوف والحزم.

+


"دي بنت فاطمة… ومش هسيبها تضيع."

+


الداية شهقت بخفوت، ثم أومأت برأسها، ورفعت القماشة بخفة لتخفي ملامح الصغيرة، بينما صوت الرجال بالخارج يعلو، ينتظرون الخبر.

+


كانت فاطمة تتقلب على الفراش، عرقها يبلل جبينها، وأنفاسها متقطعة. رغم أنها في غيبوبة شبه كاملة بعد الولادة، إلا أن شفتيها تمتمتا بنداء ضعيف، كأن قلبها يحاول الوصول إليه قبل وعيها:

+


"سا...لم... سالم..."

+


شهقت حسناء من مكانها، واقتربت تمسك بيدها وتهمس:

+


"أنا جنبك يا ست فاطمة، اهدِي... كله هيبقى بخير."

+


لكن فاطمة واصلت النداء، بصوت يخرج من عمق الوجع:

+



        
          

                
"سالم... ما تسيبنيش..."

+


انحنت الداية وهي تضم الطفلة جيدًا في لفافتها، ونظرت إلى حسناء التي ازدادت توترًا. الجو في الغرفة كان مشحونًا بين الخوف من ردة فعل سالم، ووجع فاطمة التي تصارع ألمها في صمت منسي.

+


قالتها فاطمة بصوتٍ مبحوح، متقطع، بالكاد يُسمع، وهي تفتح عينيها بصعوبة:

+


"خلفت إيه يا حسناء؟"

+


اقتربت منها حسناء بسرعة، جلست عند رأسها تمسك بيدها المرتجفة، وترددت لحظة قبل أن تهمس:

+


"بنت... جتلك بنت يا ست فاطمة."

+


صمتٌ ثقيل ملأ الغرفة، لم يُسمع فيه سوى صوت أنفاس فاطمة المتعبة. لم تبتسم، لم ترد، فقط أغمضت عينيها مجددًا وهمست وكأنها تكلم نفسها:

+


"بنت... وسالم كان عايز ولد..."

+


ثم غابت عن الوعي مرة أخرى، تاركة خلفها حسناء مذهولة والداية تنظر إليهما بقلق.

+


قالت الداية وهي تهمس بجدية وهي تقترب من حسناء وتضم الرضيعة ببطانية صغيرة:

+


"أنا هاخد البنت وهامشي دلوقتي... لو حد سألك نوعه إيه، قولي ما تعرفيش... قولي الداية خدته أول ما الست ولدت، علشان ضعيف ومحتاج علاج."

+


اتسعت عينا حسناء، ارتجف صوتها وهي تقول:

+


"بس... دي بنتها! فاطمة لو فاقت وملاقتش بنتها—"

+


قاطعتها الداية بعينين تلمعان بالخوف والحسم:

+


"حسناء، اسمعي كلامي... دي حياة ناس على المحك. فاهمة؟ قولي زي ما قلتلك، ومتكلميش حد بكلمة."

+


ثم نظرت ناحية الباب، وخرجت مسرعة، تحمل الرضيعة بين ذراعيها، بينما ظلت حسناء واقفة في مكانها، يداها ترتجفان، وعيناها معلقتان على باب الغرفة كأنها تنتظر أن يُفتح على كارثة.

+


خرجت الداية مسرعة، تخفي الرضيعة تحت عباءتها وتخترق ظلام الرواق كمن يهرب من ذنبٍ ثقيل.

+


وفور أن اختفت خطواتها، سُمِع صوت قوي يعلو في الممر:

+


"افتحوا الطريق! أنا أم سالم!"

+


اندفعت دليلة إلى الداخل، ثوبها المطرز يهتز مع كل خطوة، وعيناها تقدحان قلقًا وريبة.

+


دخلت الغرفة ونظرت بسرعة نحو حسناء التي كانت تقف مرتبكة، وجهها شاحب وصوتها مكتوم:

+


"فين الوليد؟! جبتوا إيه؟"

+


تلعثمت حسناء، نظرت للسرير حيث ترقد فاطمة مغشيًا عليها، ثم قالت بصوت خافت:

+


"الداية... خدت الطفل... كان ضعيف... قالت محتاج علاج."

+


ضاقت عينا دليلة، واقتربت من حسناء خطوة:

+


"خدت الطفل؟ ومش عرفنا نوعه؟ إزاي؟!"

+


هزت حسناء رأسها وهي تهمس:

+


"ما قالتش... بس... شكلها كانت مستعجلة أوي... ما لحقتش حتى تقوللي."

+


سادت لحظة صمت، قُطعت فقط بأنين فاطمة من على السرير وهي تنادي في غيبوبتها:

+


"سالم... سالم..."

+


تبادلت دليلة نظرة طويلة مع حسناء... نظرة فيها ألف سؤال، وألف شك.

+


لكن دليلة، رغم الشكوك التي غلّفت ملامحها، اقتربت من السرير ببطء. جلست إلى جوار فاطمة التي ما زالت تنادي باسم سالم، بأنفاس متقطعة، وعرق يتصبب من جبينها.

+


رفعت دليلة الغطاء عن كتفي فاطمة برفق، ووضعت يدها على جبينها، ثم قالت بصوتٍ أقل حدّة:

+


"هاتي حاجة للبنية يا حسناء... شكلها تعبانة قوي."

+


أسرعت حسناء تحضر قطعة قماش مبللة وبعض الأعشاب المغلية، وعيناها لا تفارقان دليلة، التي بدا عليها لأول مرة شيء من القلق الحقيقي.

+


همست دليلة، وكأنها تتحدث لنفسها:

+


"ربنا يستر... دي ولادة ما كانتش سهلة أبداً."

+


ثم نظرت مرة أخرى لحسناء، بنبرة أخف:

+


"وإنتِ متأكدة إن الداية خدت البني آدم من غير ما تقول حاجة؟ لا نوعه ولا حالته؟"

+


ترددت حسناء، لكنها تمسكت بالقصة كما اتفقت مع الداية:

+


"أيوه يا ست دليلة، خدت الطفل وقالت محتاج علاج... وما قالتش أكتر."

+


ظلت دليلة تنظر لفاطمة، لكن بداخلها، شكٌّ صغير بدأ يكبر…

+


دليلة بتنهيدة ثقيلة، عينيها تمتلئ بالقلق:

+


"خايفة يموت زي اللي قبله..."

+


صوتها كان هادئ لكنه محمّل بالخوف، وكأنها تحسّ بثقل المسؤولية التي تقع على عاتقها الآن.

+


نظرت لحسناء بنظرة مليانة حزم:

+


"لازم نتابع البنية دي كويس، ماينفعش نفقد حد تاني."

+


ثم التفتت لفاطمة التي كانت على السرير، وبتردد خافت قالت:

+


"يا رب يحفظك يا بنتي، وتعدي دي على خير."

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close