رواية شيخة القبيلة الفصل الثاني 2 بقلم رانيا ممدوح
وصلت الداية جلالة إلى بيتها، كانت الرضيعة ملفوفة بعناية بين ذراعيها، لا تُصدر صوتًا، وكأنها تعرف منذ ولادتها أن العالم ليس رحيمًا.
+
وضعتها جلالة برفق على فراش صغير، وجلست تتأمل وجهها الدقيق، ثم تمتمت بصوت مبحوح، كأنها تخاطب القدر نفسه:
+
"لازم تعيشي يا بِنية... بقالنا عشر ولادات مستنينك، وأمك مبقتش حِمل... حَمل وسقوط، حمل وسقوط... دي يمكن تكون آخر مرة تحمل فيها"
+
وضعت يدها على قلب الطفلة، وكأنها تتأكد أن النبض ما زال موجودًا، ثم تنهدت وقالت:
+
"لو كنتي اتأخرتي شوية، مكنتش شوفتك بعنيا. ربنا يسهل يا بنتي... دي بداية جديدة ليكي، بس ماحدش يعرف هتنتهي بإيه."
+
وساد صمت طويل، لم يقطعه إلا صوت أنفاس الطفلة الضعيفة، وصوت قلب الداية المثقل بالأسرار.
+
دق الباب فجأة، فارتجف قلب جلالة بشدة، والتفتت نحو الرضيعة وقد تسلل الخوف إلى عينيها.
+
بسرعة، مدت يديها وغطّت وجه الصغيرة بقطعة قماش ناعمة، ولفّتها جيدًا، ثم خبأتها في إحدى الزوايا الدافئة خلف الستارة الثقيلة.
+
اقتربت منها تتحسس أنفاسها، تتحقق من دفء جسدها، ثم همست بصوت ملهوف:
+
"يا رب تستر يا رب... تكوني بخير يا بِنية، ماينفعش حد يشوفك دلوقتي."
+
عادت لتتأكد من أن لا شيء ظاهر، ثم قامت إلى الباب بخطى متوترة، ومسحت على جبهتها لتخفي ارتباكها، وقلبها يخبط كأنه يوشك أن يُسمع لمن بالخارج.
+
فتحت جلالة الباب بحذر، فإذا بسيدة غريبة تقف في الظلام، تخفي وجهها بطرحة سوداء، لا يُرى منها سوى عيناها المترددتان.
+
ناولتها قطعة قماش ملفوفة بعناية، وداخلها شيء صغير يتحرك بخفة.
+
قالت السيدة بصوت متردد، وكأنها تخشى أن تُسمع:
+
"خُدي يا جلالة... ده وِلد لسه مولود. أمه وأبوه مش عايزينه... عندهم كتير، والفقر بياكل في لحمهم أكل. شوفي لك صرفة فيه، الله يكرمك."
+
شهقت جلالة، ونظرت إلى اللفافة بين يديها، ثم رفعت عينيها سريعًا لتسأل، لكنها لم تجد السيدة؛ كانت قد اختفت كأنها لم تكن.
+
ضمّت اللفافة إلى صدرها، ودخلت مسرعة، قلبها يغلي بالأسئلة، وعقلها لا يكفّ عن التفكير.
+
"هو أنا ناقصة؟! ده أنا لسه شايلة بنت النهارده... وبقت أمانة في رقبتي... أعمل إيه دلوقتي؟"
+
وقفت جلالة في عتبة الباب، تحمل الطفل بين يديها، وقلبها يضجّ بالقلق.
+
أغلقت الباب بهدوء، وعادت إلى الداخل، تحمل فوق ذراعيها حملين... وداخل قلبها ألف سؤال.
+
استيقظت فاطمة بعد أن أخذت قسطًا من الراحة. فتحت عينيها بتعب، تاهت نظراتها قليلًا، ثم استقرت على وجه حسناء التي كانت تجلس بجوارها تراقب تنفّسها بهدوء وقلق.
+
بصوت متهدّج وضعيف، تمتمت فاطمة:
+
"خلفت إيه يا حسناء؟"
+
ترددت حسناء، وتجنّبت النظر المباشر إليها، ثم اقتربت منها وربتت على يدها:
+
"لسّه... لسه مش عارفين بالظبط، الداية خدت الجنين بسرعة أول ما خرج، وقالت إنه تعبان وعايز علاج."
+
رمشت فاطمة بعينيها كأنها تحاول تذكّر اللحظة الأخيرة، ثم تمتمت:
+
"كان... بيعيط؟ أنا سمعت صوت عياط؟"
+
حسناء بابتسامة حزينة:
+
"يمكن يا ستّي، بس خلّيكي مرتاحة دلوقتي... صحتك أهم، والداية هترجع تقولنا كل حاجة."
+
أغمضت فاطمة عينيها مجددًا، لكنها همست وهي بالكاد ترفع صوتها:
+
"كان نفسي... أشيله بين إيديا."
+
ثم غرقت في صمت ثقيل، بينما ارتسم الحزن على وجه حسناء، وهي تفكّر في السر الكبير الذي خُبئ عن فاطمة.
+
استلقت فاطمة بصمت للحظات، بدت كأنها تحاول تذكّر ما فاتها أثناء غيبوبتها المؤقتة. راقبت حسناء بعيون مرهقة، ثم قالت فجأة، بصوت خافت لكن واثق:
+
"بس أنا سمعتك... كنتي بتقولي خلفت بنت."
+
تجمّدت حسناء في مكانها، وشحب وجهها للحظة، لكنها حاولت أن تبدو هادئة.
+
"أنا؟! يمكن كنتي بتحلمي يا ستّي... أنتي كنتي تعبانة قوي، وكنتي بتقولي كلام مش واضح."
+
لكن فاطمة لم تقتنع بسهولة، عضّت على شفتها، ونظرت إلى السقف بتنهيدة:
+
"كنت حاسّة إنها بنت... من أول ما عرفت إني حامل، كنت حاسّة."
+
صمتت حسناء، ولم تعرف بمَ ترد. فالحقيقة أثقل من أن تُقال، والكذب لم يعد ينفع طويلًا.
+
لقد كذبت حسناء لأن دليلة، أم زوجها، كانت واقفة خارج الغرفة، وخافت أن تسمع وتعرف الحقيقة.
+
في أثناء المعركة التي تدور بين قبيلة الحمدانية وقبيلة الشرقاوية، اندفع سالم وسط ساحة القتال كالسهم، ونجح بخنجره أن يصيب الشقيق الأصغر لقائد قبيلة الشرقاوية إصابة مباشرة، أسقطته أرضًا وسط صيحات الغضب والذهول من رجال قبيلته.
+
لكن فجأة، وقبل أن يتمكن سالم من الابتعاد، باغته أحد جنود الشرقاوية من الخلف بطعنة غادرة في صدره، فسقط سالم أرضًا والدم يتفجر منه، بينما عمّ الصمت للحظة قبل أن تعود المعركة للاشتعال من جديد.
+
بعدها، ومع سقوط سالم صريعًا، تشتّت جنود قبيلة الحمدانية في ساحة المعركة، وقد دبّ في صفوفهم الرعب والارتباك بعد فقدان قائدهم. تعالت الصيحات، وانسحب البعض مذعورًا، بينما ظل آخرون يقاتلون بعشوائية دون توجيه، وكأن المعركة فقدت عقلها وروحها بسقوطه.
+
وتمت السيطرة على الجنود بسهولة بعد أن خارت قواهم وتبددت شجاعتهم، فأُخذوا كأسرى على يد رجال قبيلة الشرقاوية، تُساق رؤوسهم منحنية، وقد خيّم عليهم الذل بعد أن كانوا بالأمس سادة ساحة القتال.
+
ركض جندي مذعور، يلهث من شدة الخوف، بعد أن فرّ من ساحة القتال، ولم يتوقف إلا حين بلغ أطراف القبيلة، وهو يصيح بصوت مبحوح:
+
"سالم مات! القائد سالم اتقتل في المعركة"
+
عمّ الصمت، وسرى الخبر كالنار في الهشيم، ليقلب الوجوه ويجمد الدماء في العروق.
+
ظل الجندي يصرخ بصوت متهدج وقلق شديد وهو يركض حتى وصل إلى بيت سالم، حيث كانت والدته دليلة جالسة بالداخل.
سمعت دليلة الصراخ المدوية فتجمّدت للحظة، ثم تقدمت ببطء نحو الباب، تنتظر بفارغ الصبر سماع الأخبار.
+
دخل الجندي مسرعًا والعرق يتصبب من جبينه، وصاح بصوت متهدج ومرتجف:
"يا ست دليلة... سالم... سالم مات..."
+
وقفت دليلة كأن الأرض انشقت تحتها، تنهدت بعمق، ثم سقطت على ركبتيها، والدموع تنهمر بغزارة من عينيها:
"لا... لا يا رب... يا حبيبي... يا سالم... ليه؟ ليه سيبتنا؟"
+
هزّت رأسها في يأس، وبدأت تصرخ بين نحيبها الممزق:
"ابني... ابني... ماكانش المفروض يحصل كده... كنت دايمًا تقول لي حتحمينا... حتحمينا... ليه يا حبيبي؟"
+
تنهدت دليلة مجدداً، وبصوت مكسور تكمل:
"الواد ده كان كل حياتي... أموت بدل ما أشوفه يتأذى..."
+
رفعت يدها متألمة وأمرت بصوت حازم رغم الألم:
"روحوا! هاتوا ناجي بسرعة... لازم نشوفه قبل ما الدنيا تضلم علينا."
+
جاء ناجي، ولد دليلة الثاني، بخطوات ثقيلة ووجهه يحمل هموم الدنيا، دخل الغرفة وهو يشعر بثقل الخبر الذي على وشك سماعه. كانت دليلة تجلس منكسرة، فاقترب منها بصمت.
+
رفعت دليلة رأسها ونظرت إليه بعينين ملؤهما الحزن وقالت بصوتٍ متهدج:
"ناجي... سالم مات."
+
انهار ناجي فجأة، واندفع دموعه بحرقة، وهو يجهش بالبكاء كما لم يفعل من قبل، صوته يتقطع:
"سالم... إزاي؟ يا أماه... إزاي يا أماه؟"
+
رفعت دليلة يدها لتلمس وجهه، ونظرت إليه بعينين دامعتين، ثم قالت بابتسامة حزينة:
"ما يصير الرجال يبكون مثل الحريم يا ولدي، بس الحزن ساعات بيكسر أقوى القلوب."
+
تنهد ناجي بقوة، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يستجمع نفسه، وأجاب:
"أنا مش قادر أسيب أخويا كده يا أماه... مش هسيب حقه."
+
رفعت دليلة صوتها بحزم رغم دموعها:
"إنت قائدنا دلوقتي يا ناجي. لازم تكون قوي عشان سالم ولأجل القبيلة كلها."
+
تنهد ناجي بحزن، ونظر إلى الأرض قبل أن يرد بصوت مكسور:
"إنتي عارفة يا أماه إني جبان... مش عارف أكون زي سالم، مش عارف أكون قد المسؤولية دي."
1
أمسكت دليلة يده بقوة، ونظرت له بثبات:
"الرجولة مش بس في القوة يا ولدي، الرجولة في القلب اللي بيحب وبيحمي. وأنا عارفة إن في قلبك ده موجود."
+
دخلت هنادي الغرفة بغضب وصرخت بعد أن سمعت ما دار بينهما:
"كيف يكون ناجي قائدنا؟ ده ناجي أجبن من الجبن! هيغرقنا ويموتنا علشان يعيش هو بس!"
+
نظرت دليلة إليها بنظرة حادة وقالت:
"كفاية كلام يا هنادي، إحنا محتاجين نوقف مع بعض دلوقتي مش نزرع الشك والضعف."
+
هنادي بتحدي:
"أنا مش خايفة أقول اللي في قلبي! لو ناجي قائد، احنا هنبقى في خطر أكتر من أي وقت فات!"
+
دليلة بتثبت صوتها:
"ناجي هيتعلم، وهو قد المسؤولية أكتر مما تتخيلي. وإحنا محتاجينه دلوقتي، مش وقت الشكوى."
+
ناجي وقف في المنتصف، عيناه مليئة بالدموع لكنه حاول يسيطر على نفسه وقال:
"أنا مش هخيب ظنكم، هبذل كل جهدي عشان أحمي القبيلة وأشيل عنكم الحمل."
+
الصمت سيطر على المكان، وكل واحد منهم كان يعرف أن المعركة لم تنتهي، وأن الحمل ثقيل، لكن القرار يجب أن يؤخذ .
+
كانت فاطمة تسمع صوت المنادي يتردد في الأرجاء، ينقل خبر موت زوجها وحبيبها سالم، فتجمّدت دقات قلبها وتملّكها شعور بالفراغ، كأنّ العالم بأسره توقف للحظة واحدة.
+
فاطمة بعيون ملؤها الدموع وهمس متقطع:
"سالم... ليه؟ ليه سبتني وحيدة؟ يا ربّ، ما أقدرش أتحمّل الفقد... إزاي أعيش من غيرك؟"
+
قالت حسناء التي كانت بجانبها، بصوت مرتعش:
"ربنا يصبر قلبك يا ستي... الدنيا ساعات بتغدر بأهلها."
+
فاطمة بتنهيدة ثقيلة:
"كان كل حاجة في حياتي، أماني وأحلامي كلها كانت معاه... دلوقتي ضاعت في لحظة."
+
صوتها يخنقها وهي تكمل:
"كان المفروض يجيلي... يدفيني بحنانه، مش يتركني أبكي وحيدة."
+
وأخذت تغرق في دموعها، بينما الحزن يعم المكان كأنه ظلام لا ينتهي.
+
على الجانب الآخر من ساحة الصراع، كان الشق الثاني من قبيلة الشرقاوية يغلي كبركان لا يهدأ. الحقد يسري في عروقهم، والغل يملأ صدورهم، بعد أن وصلهم نبأ مقتل صقر، الشقيق الأصغر لقائدهم جمال، على يد سالم الحمداني.
+
الرجال وقفوا ملتفين حول قائدهم، وعيونهم تشتعل نيرانًا، بينما جمال يضرب الأرض بعصاه الغليظة ويصرخ:
+
"دمّك ما راحش هدر يا صقر! والله لا أخلّيهم يدفعوا التمن غالي!"
+
أحدهم تقدم بخطوة، وجهه يشع بالغضب:
+
"قول يا سيدي، بس ادينا الإشارة، نخلّي أرضهم نار وسماءهم دخان!"
+
جمال، وهو يرفع رأسه والدمعة تختنق في عينه:
+
"اللي عمله سالم مش هيعدي كدا... الحمدانية لازم تنداس، حجر فوق حجر ما يتسابش."
+
وساد الصمت لحظة، كأنهم جميعًا يعاهدونه بنظراتهم، قبل أن يهتفوا في صوت واحد:
+
"التار يا جمال! التار!"
1
وبدأوا يستعدّون... فالحرب لم تنتهِ، بل بدأت الآن على هيئة انتقام.
+
في قمة حزنها ودموعها التي لم تجف منذ سماع خبر موت سالم، رفعت فاطمة رأسها بصعوبة من على وسادتها، وصوتها مبحوح من البكاء والضعف:
+
"يا حسناء... هاتيلي بنتي، أنا عايزة أشوفها... وودّيني عند الداية، بس من غير ما حد يحس... بالله عليكي، ما تسيبينيش كدا."
+
نظرت إليها حسناء بعينين تغلبهما الدموع، وقلبها يرتجف خوفًا من انكشاف السر، لكنها لم تجرؤ على الرفض، فاكتفت بالهمس:
+
"حاضر يا ستّي، بس لازم نتحرك بحذر... لو حد شافنا، كل حاجة هتتكشف."
+
مسحت فاطمة دموعها بكُمّها، ومالت على السرير تحاول أن تقف، بينما كان قلبها يخفق بشوق الأم الموجوعة، أمٌّ لا تملك شيئًا في هذه الدنيا سوى طفلٍ لم تره بعد... وذكرى رجلٍ كان قلبها ونبضها، ورحل.
+
سارت فاطمة متكئة على حسناء، تخطو خطواتها بصعوبة، تجرُّ جسدها المنهك ووجعها الدفين، بينما كانت حسناء تتلفّت حولها خشية أن يراهما أحد. الليل ساكن، والبيوت نائمة، والقلوب وحدها التي تصرخ.
+
حتى وصلا إلى باب بيت الداية جلالة... بيتٌ صغير من الطين، تحيط به نباتات يابسة وباب خشبي متهالك.
+
طرقت حسناء الباب طرقًا خفيفًا، وهمست:
+
"جلالة... افتحي، إحنا جِينا."
+
لم تمر لحظات حتى فتح الباب، وظهرت الداية، بشعرها المشيب ووجهها المتجهم. ما إن رأت فاطمة حتى شهقت:
+
"انتي؟! إزاي خرجتي؟! ده انتي ماكنتيش قادرة تتحركي!"
+
ردّت فاطمة بصوت مرتجف، ودموع تتساقط على وجنتيها:
+
"عايزة بنتي...يا جلالة، قلبي واجعني... عايزة أشوفها، ألمسها، أعرف إنها لسه عايشة..."
+
نظرت جلالة إلى حسناء، ثم إلى فاطمة، وزفرت بحرج قبل أن تفتح الباب أكثر وتقول:
+
"ادخلي... البنية جوه."
+
دخلت فاطمة إلى الداخل، تفاجأت بوجود طفلين رضيعين.
قالت بدهشة: "إيه ده يا جلالة؟"
ردت الداية بثبات: "مفيش يا هانم، ده ولد جالي أهله مش عايزينه."
أضافت بحنية: "أنتي حقك البنت بس، هو مولود مع بنتك في نفس الليلة."
+
أخذت فاطمة الطفلة بين ذراعيها، وبدأت ترضعها بحنان، كأنها تحاول تعويضها عن كل ما فقدته.
+
حسناء وقفت على باب الغرفة، تتردد للحظة قبل أن تقول:
"أنا هروح دلوقتي علشان لو الست دليلة عازتني."
+
كانت تعلم أن دليلة قد تحتاج إليها، ولا بد أن تكون بجانبها. فاطمة نظرت إليها بعينين متعبتين، محاولة أن تستجمع قوتها، لكنها همست بحزن:
"خليكي هنا، ما أقدرش أكون لوحدي دلوقتي."
+
لكن حسناء لم تستطع البقاء، فابتسمت بحنان وقالت: "ما تقلقيش، هرجعلك قريب."
+
ثم خرجت ببطء من الغرفة، تاركة فاطمة مع مولودتها الصغيرة، تحاول أن تجد في حضنها بعض السكينة وسط كل الألم.
+
كان قد وصل جمال وجنوده إلى قبيلة الحمدانية، دخلوا منزل سالم بسرعة، وأمسكوا بناجي بقوة. صاح جمال بتهكم ساخر:
"دلوقتي لو قتلناك، هتبقى القبيلة ملك لينا! لأنك مخلف بنات يا ناجي، عيلة الحمدانية مفيهاش ذكر غيرك دلوقتي. باقي الرجال تحت حمايتكم، محدش منهم من صلبكم."
كان صوته مليئاً بالغرور، لكن ناجي نظر له بعينيه الحزينتين، متحديًا رغم الألم.
+
كانت هنادي ترتعش خوفًا، عينيها تملأهما الدموع ولا تجد كلمات تواسي بها نفسها. أما دليلة، فكانت واقفة بثبات، وجهها الصلب لا يُجرؤ أحد على مواجهة نظرته، كأنها تحمي قبيلتها بقلب لا ينكسر رغم المصائب التي تحيط بهم.
+
كانت حسناء وصلت إلى البيت وسمعت ما حدث، فقالت بنبرة متقطعة وكأنها تحاول السيطرة على دموعها:
"لأ... في..."
+
نظر لها الجميع بدهشة، ثم أكملت قائلة بحزم:
"سيدي سالم خلف ولد من صلبه ومن ضهره، وهو مع ستي فاطمة عند جلالة الداية.
وكده في قانون القبائل، مالكوش حكم على أرضنا، لأن إحنا عندنا حاكم ووريث شرعي."
+
وأكملت بثقة:
"وطبعًا شيخ القبايل مايرضاش بالظلم، وعارف اللي يخرج من حكمه إيه يجراله، وكده كده كل الناس عارفة مين هم الحمدانية."
+
قال جمال بتهكم:
"نشوفه بعنينا الأول."
+
أخذت حسناء الرجال إلى بيت الداية، ودخلت ببطء. بعد قليل خرجت تحمل المولود الذكر بين يديها، وسلمته إلى الحاضرين بابتسامة خافتة.
+
كشف جمال الغطاء ببطء، وأطل بعينيه على المولود، ليتأكد بنفسه أنه ذكر.أعطاها الولد مرة أخرى.
+
خرجت حسناء من بيت الداية جلالة، تحمل بين ذراعيها الطفل الذكر، وقد لفّته بعناية وأعطته إلى دليلة، التي ضمته إلى صدرها وكأنها استردت قطعة من روح سالم التي فُقدت، ثم أخذته و رحلت.
+
وقفت فاطمة تنظر إليهما، قلبها يعتصره الألم، وعيناها تفيض بالدموع. اقتربت من حسناء بخطوات مرتجفة، ثم قالت بصوت مخنوق:
+
"ليه كدبتي يا حسناء؟... هذا الولد ما ولدي."
+
نظرت حسناء إليها بنظرة صلبة، يختلط فيها الحزن بالمسؤولية، ثم همست وهي تنظر حولها لتتأكد ألا أحد يسمعهما:
+
"قانون القبايل... القبيلة اللي مالها وريث تتاخد فورًا.
وسيدي ناجي عنده بنتين، سهام وورد.
وسيدي سالم... خلف بنت كمان، يعني مفيش ذكور في قبيلتنا دلوقتي.
وده يخليها مطمع لأي قبيلة، وخصوصًا الشرقاوية.
كان لازم أعمل كده... لازم أقولهم إن سيدي سالم خلف ولد.
علشان الأرض تفضل لينا... والكرامة تفضل مرفوعة."
+
خفضت فاطمة رأسها، وقد غلبها الصمت، تعرف أن ما فُعل كان مخالفًا للحق... لكنه في نظرهم، كان السبيل الوحيد للبقاء.
+
وفي داخلها... كانت تُخفي سرًا ثقيلًا: الطفلة التي أنجبتها، والتي أُخفيت كي يُنقذ الذكر من خطر الضياع، والتي ستكبر يومًا ما لتعرف أنها لم تكن يومًا أضعف... بل كانت الحقيقية المجهولة.
+
كانت دليلة قد أرسلت بسرعة مرسالاً إلى شيخ القبائل تطلب منه الحضور فوراً، عارفة أن وصوله قد يغيّر مجرى الأمور ويدافع عن حقهم في الولد والقيادة.
+
وصل شيخ القبائل عرفان سريعاً إلى مكان الحدث، وبصوت حازم استدعى جمال قائلاً:
"يا جمال، تعالى هنا فوراً، لازم نسمع الحق ونحكم بالعدل بينكم."
+
في المجلس العُرفي، جلس شيخ القبائل عرفان في صدر المكان، يحيط به شيوخ العائلات وكبار القبيلتين و القبائل الأخرى، والأنظار مشدودة إلى المواجهة المحتدمة بينه وبين جمال.
+
قال عرفان بصوتٍ جهير ونبرة صارمة:
+
"لازم تعرف إننا قبل كده سمحنا لأبوك يعمل قبيلة الشرقاوية، يا جمال، بعد ما عمل مشاكل وخلى الناس تقف ضد قبيلة الحمدانية... ورغم كده، فضلتوا تعملوا مشاكل ما بتخلصش، بينكم وبين أصحاب الأرض الحقيقيين."
+
رد جمال بصوت ساخط، والغضب يتطاير من عينيه:
+
"هما اللي منعونا نرجع دورنا ونزور أهلنا!"
+
رفع عرفان حاجبه، وحدّق فيه نظرة حادة:
+
"مالكش أهل وسطيهم بعد اللي عملته معاهم... نسيت إنت خنت مين؟"
+
صرخ جمال بعنادٍ وغضب:
+
"خلاص! هنفضل نعمل مشاكل لحد ما نخلّصوا على بعض... كمان!"
+
ساد الصمت المكان، وانحبست الأنفاس، في انتظار ما سيفعله عرفان بعد هذا التهديد السافر.
+
عرفان شدد نبرته ورفع يده في وجه جمال قائلاً بحدة:
+
"كفاية! الكلام ده آخره النهاردة، أنا مش جاي أسمع تهديدات، أنا جاي أحكم بينكم. القانون في رقبتنا، واللي يغلط يتحاسب."
+
ثم التفت إلى رجال القبيلتين وقال:
+
"اللي حصل بين قبيلة الحمدانية والشرقاوية لازم ينتهي هنا، والأرض دي لها أصحابها، والوريث ظهر، والحق لازم يرجع لأصحابه."
+
نظر جمال بعينين تقدحان شررًا، لكنه سكت، يعلم أن الوقوف ضد شيخ القبائل عرفان معناه إعلان الحرب على الجميع.
+
وقف جمال أمام عرفان، متشبثًا بكبريائه الجريح، وعيناه تبرقان بالغضب والمرارة، ثم قال بصوتٍ مبحوح ممتزج بالقهر:
+
"إحنا صحاب الأرض، وقبيلة الشرقاوية مش هتسيب حقها! إحنا مش عبيد عند الحمدانية! قتلوا أخويا صقر، زينة شبانا، وساكتين ليه؟"
+
ساد الصمت لحظة، قبل أن يتقدم عرفان بخطوة، بثباتٍ شيخٍ حمل عبء السنين ومسؤولية الرجال، وقال بصوتٍ جليّ كوقع المطرقة:
+
"ما أنتم كمان قتلتوا سالم! نسيت سالم يبقى مين؟! ده ابن الحمدانية، اللي كان فضلهم علينا كلنا، وكان حارس الأرض وعهد الرجولة."
+
رمق جمال بنظرة صارمة ثم أكمل:
+
"لو قربت منهم تاني، كل القبايل هتقف قدامك، وساعتها قبيلتك مش هيبقى ليها وجود وسطنا. وساعتها الأرض هترجع لأصحابها الحقيقيين، بالقوة لو احتجنا."
+
تراجع جمال قليلًا، لكن النيران لم تخمد في صدره، فرد بحدة:
+
"و الذل و الإهانة اللي بناخدها منهم؟! إيه حكمك فيها يا شيخ؟! دايمًا شايفين نفسهم علينا، كأننا جربانين!"
+
رفع عرفان رأسه وقال بثقل:
+
"اللي يتكبر بيتكسر، واللي يظلم يتحاسب... لكن الحكم لازم يكون عادل."
+
صاح جمال بعناد أخير:
+
"لازم تحكم إن كل شرقاوي يدخل قبيلة الحمدانية براحته... من غير ما يتمنع ولا يتهان!"
+
ساد المجلس توترٌ كثيف، والرجال تبادلوا نظرات مشتعلة بين من يرى في كلام جمال تمردًا، ومن يخشى من اشتعال نارٍ لن تُطفأ بسهولة... والكل ينتظر كلمة عرفان، التي ستحدد مصير القبيلتين.
+
تقدم عرفان نحو وسط المجلس، يجر خطواته الواثقة على أرضٍ طالما عرفت وقع أقدام الرجال وقت الحسم. نظر في وجوه الحضور، وجعل صوته يعلو بثقل التاريخ وأمانة الحكم:
+
"كل قبيلة ليها حُرمتها، وكل أرض ليها أهلها... واللي يطلب يدخل أرض مش أرضه، لازم يدخلها بحُسن النية، مش بالتهديد والسيف."
+
ثم التفت نحو جمال مجددًا، وقال بصرامة:
+
"إنت جاي تطلب حق ولا تفرض غصب؟ اللي يدخل ديار غيره بحقد، ما يستاهلش غير الطرد، حتى لو كان ابن قبيلة!"
+
هزّ رأسه قليلًا، ثم أكمل:
+
"وأنا بحكم اليوم، بصفتي شيخ القبايل... إن الدم اللي اندفع اتقابل بدم، والقصاص اتنفّذ، والموت خلّص على الموت... لكن ما فيش موت هيحيي سالم ولا صقر."
+
سادت لحظة صمت مشحونة، قبل أن يرفع عرفان يده عاليًا، ويهتف:
+
"من النهاردة، أي شرقاوي عايز يعيش في أرض الحمدانية يعيش، لكن بشروطها، وبأدبها، وتحت رايتها. واللي يتعدى حدود الأدب، هيتحاسب. الأرض مش للبلطجة... الأرض لللي يصونها."
+
بدأ بعض الحضور يهمهمون بالموافقة، وبعضهم ما زال في حيرة، لكن هيبة عرفان أجبرت الجميع على الصمت.
+
أما جمال، فكان قلبه يغلي كبركان، لكنه علم أن الاعتراض الآن يعني حربًا لا يخرج منها إلا بالخسارة. عضّ على شفته، ثم قال بغلّ مكتوم:
+
"حكمت... بس الزمان دوّار، يا شيخ."
+
رد عرفان بهدوء، وفي عينيه لمعان من الحكمة والنذير:
+
"واللي يزرع نار... يحصد رماد."
+
ثم التفت نحو رجال قبيلة الحمدانية، وقال:
+
"احفظوا أرضكم وولدكم... الطفل اللي سابه سالم، أمانة في رقبتكم. وربّوه على العدل قبل الشجاعة، وعلى الحكمة قبل السيف."
+
ثم نهض، وغادر المجلس وخلفه صمت ثقيل، يشبه صمت ما قبل العاصفة...
+
سرت كلمات عرفان في النفوس كالسهم، ثبّت الحُكم، وأغلقت أبواب الفتنة... لكن القلوب ما زالت تعجّ بالحزن، وما زال الدم طريًّا في التراب.
+
فيما خرج شيخ القبائل بخطاه الرزينة، ظلّت القبيلتان واقفتين على حدود الترقب، أما دليلة، أم القائد الراحل سالم، فكانت جالسة على عتبة دارها، تحمل حفيدها على صدرها، تنظر إليه وكأنها ترى في ملامحه كل ما فقدته.
+
دليلة (بهمس):
"يا وليدي... يا قطعة من سالم... يا سندنا اللي ما شفناكش وانت واقف... بس هنربّيك عشان توقف... وترد الكلمة بالحكمة، والسيف ما يطلعش إلا وقت الحق."
+
اقترب ناجي منها، لا يزال صوته مبحوحًا من البكاء، والخذلان يرتسم في ملامحه.
+
"سامحيني يا أماه... ما كنتش قد المسؤولية."
+
دليلة (بحزم حنون):
"اللي يعرف إنه مش قدها... يقدر يبقى قدها. ما تفشلش في المرة التانية. أخوك مات واقف... وأنت لسه عايش، يعني ربنا اختارك لشيء."
+
عادت دليلة بخطوات ثابتة، تحتضن الرضيع الذي سُلّم لها على أنه ابن سالم. كانت عيناها دامعتين، لكن وجهها ظل قويًا كعادته. وقفت أمام فاطمة، ورفعت الغطاء عن وجه الطفل بلطف، ثم قالت بصوتٍ رقيق خافت:
+
دليلة:
"هنسميه إيه يا فاطمة؟"
+
رفعت فاطمة بصرها نحو الطفل، وشعرت بغصة تخنق صوتها، لكنها تمالكت نفسها، ومسحت دمعة نزلت دون استئذان، ثم قالت:
+
فاطمة:
"هنسميه بدر... بدر سالم الحمداني."
+
نطقت الاسم ببطء، وكأنها تنحت الكلمات في قلبها، اسمٌ ليس من صُلبها... لكنه بات مربوطًا بها إلى الأبد.
+
ثم تنهدت بعمق، وأضافت بنبرة حزينة:
+
"أنا... أنا هروح أقعد عند أهلي بولدي...
مابقتش قادرة أعيش في بيتي بعد موت سالم.
كل زاوية فيه بتفكرني بيه،
ضحكته، خطواته، ريحته اللي كانت سابقة حضوره...
أنا مش قادرة يا خالتي."
+
وضعت يدها على قلبها، تحاول كتم الانهيار، لكن الكلمات خانتها، وانهارت بالبكاء في حضن دليلة، التي لم تقل شيئًا، واكتفت بأن تحيطها بذراعيها، وتربّت على ظهرها بحنان الأمهات.
+
وفي الأفق، كانت العاصفة لم تهدأ بعد...
والسرّ الذي خفي عن الجميع، لا يزال نائمًا في مهده.
+
لم يكن قرار فاطمة بالرحيل إلى أهلها وليد الحزن فقط... بل كان قرارًا مخططًا، تخفي بين طياته سرًّا خطيرًا، ونيّة لا يعلمها أحد.
+
فقد اختارت أن تُخفي ابنتها، ابنة سالم الحمداني، عن أعين الناس، عن الطامعين، وعن كل من قد يراها نقطة ضعف في قبيلة لا وريث لها. كانت تُدرك جيدًا أن البنات في عرف القبائل لا يملكن الحق في الزعامة، لكن فاطمة كانت تفكر أبعد من العرف، وأقرب إلى الحقيقة.
+
بدر... ذلك الاسم الذي منحته للرضيعة علنًا، ما هو إلا غطاء يخفي القائدة الحقيقية التي تحمل دماء سالم، والتي ورثت منه ملامح القوة، والنظرة الثابتة، والشجاعة الغريزية.
+
أما الطفل الذي حملته دليلة إليها، فقد نظرت إليه نظرة الأم الحقيقية، ثم قررت أن تمنحه اسمًا يليق بدوره القادم:
+
أمان.
+
قالت في نفسها:
"ستكون أمانًا لها... وظهرًا وسندًا. سأرضعه مع ابنتي، ليكون أخاها في الرضاعة، فيكبران معًا، لا يفرقهما شيء، ويصبح عونها في الطريق الطويل نحو الزعامة."
1
هكذا بدأت فاطمة رحلتها الجديدة، لا كامرأة مكسورة فقدت زوجها...
بل كأم تخطط لصناعة قائدة جديدة لقبيلة الحمدانية،
قائدة لا تعرف الخوف، ولا تنحني،
قائدة من رحم الوجع... ومن نَفَس الأمل.
+
في إحدى زوايا بيت القيادة، كانت هنادي تجلس في غرفتها، تنظر في الفراغ، بين يديها وشاح لم تكمل خياطته. لم تكن تصدق بعد أن زوجها، ناجي، صار القائد الرسمي لقبيلة الحمدانية... ولو مؤقتًا.
+
دخلت سكينة، خادمتها الوفيّة، وعلى وجهها ابتسامة واسعة، كمن يحمل البشرى.
+
"أكيد مبسوطة يا ست هانم، أخيرًا بقيتي مرات القائد. كلمته هتمشي على الكل... وانتي بقي ليكي مقام كبير بين الناس."
+
رفعت هنادي عينيها، ثم قالت ببرود:
+
"كيف أكون مبسوطة؟ ده مش ملك دائم... قيادة مؤقتة، لحد ما بدر يتم تمنتاشر سنة... وساعتها ترجعله القيادة، ويروح مننا كل اللي بنعيشه ده. مالوش عازة."
+
ترددت سكينة لحظة، ثم اقتربت وقالت بخبث خفي:
سكينة:
"بس لو خلفتي ولد، ابنك... هو اللي هيكون أولى بالقيادة منه. ساعتها هيتبدّل كل شي، ويبقى الحكم في بيتك... مش في حضن ولد ما حدش عارف هيطلع عامل إزاي."
+
صمتت هنادي، لكن عينيها لمع فيهما شيء لم يكن موجودًا من قبل... فكرة بدأت تتشكل، تنمو ببطء... وخيط غيرة رفيع شق قلبها.
+
هنادي (بصوت منخفض وقد تقطّب جبينها):
"انتي قصدك إيه يا سكينة؟"
+
سكينة (بابتسامة خبيثة وهي ترفع حاجبيها):
"قصدي واضح... بدر لسه صغير، ولسه الزمن قدامه طويل، ولو خلفتي انتي ولد، يكون من صلب القائد الحالي، ساعتها الحكم يبقى ليه شرعًا... مش شرط يستنى ولد، حتى لو كان ابن سالم."
+
هنادي (تتنهد، وتنهض ببطء تمشي في الغرفة):
"بس فاطمة قوية، ووراها الناس، والكل بيحب سالم وبيعظّمه... وولاد فاطمة، حتى لو مش من دم ناجي، ليهم هيبة في القبيلة."
+
سكينة (بهمس):
"بس القبيلة مش بتعيش على الحب، بتعيش على القوة... واللي معاه السلاح، والرجالة، والوريث الحقيقي، هو اللي يحكم... وفاطمة؟ دي لوحدها، وعيلها لسه بيرضع. انتي بس خليكِ حريصة وخلفي ولد، وربّي ولدك على إنه قائد، ووقتها شوفي الناس كلها هتمشي وراكي إزاي."
1
هنادي (تتوقف فجأة، تنظر للمرآة):
"يعني شايفة إن الفرصة في إيدي دلوقتي؟"
+
سكينة (تقترب منها وتهمس):
"دي الفرصة الوحيدة... لو راحت، مش هترجع. فاطمة مش هتسكت، وولدها هيكبر... ولو كبر، هيرجع الحكم، وانتي... هتبقي مجرد صفحة وانتهت."
+
هنادي (نظرتها أصبحت أكثر حدّة):
"يبقى لازم أتصرف من دلوقتي... بدر مش هيوصل للـ 18، إلا وأنا ضامنة إني خلفت و ابني هو اللي الناس بتتكلم عنه... مش ابن فاطمة."
+
هنادي (ابتسمت بخفة، لكن في عينيها نار مشتعلة):
"أنا بفكر في ده... بس بفكر كمان في اللي حصل. الولادة كانت سر، محدش شاف العيل وقتها، لا شيخ، ولا عجوز، لا قريب ولا بعيد."
+
سكينة (بدت مرتبكة، ثم نظرت حولها وكأنها تخشى أن يسمعهم أحد):
"يعني انتي... شاكة؟"
+
هنادي (نبرة صوتها انخفضت لكنها حملت قسوة):
"مش بعيدة... فاطمة ست ما تتكلمش كتير، لكنها مش هبلة. واللي عملته وقت الولادة فيه حاجات مش مفهومة. حسناء ساعدتها، والداية ساكتة... كله بيقول ولد. بس مين شاف؟"
+
سكينة (بحذر، وهي تحاول تقييم مدى خطورة حديث سيدتها):
"بس الكلام ده لو اتقال قدام الناس، هيولع نار... القبايل كلها ماشية على كلمة إن في وريث."
+
هنادي (عينيها اشتعلت بالحذر والمكر):
"عشان كده هتحرك بحذر. مش هقول لحد، لكن هعرف. هروح للداية جلالة، واحدة ست زي دي ممكن لسانها يغلط لو انضغط عليها كويس."
+
سكينة (همست بخبث، تقرّبت أكثر من هنادي):
"يعني ناوية تلعبيها سياسة؟"
+
هنادي (رفعت حاجبها، وارتسمت على فمها ابتسامة جانبية ماكرة):
"لو طلع الولد مش ابن سالم... القبيلة كلها تتشق. وساعتها أنا اللي هكون في النص وأقلب الطرابيزة."
+
سكينة (بضحكة قصيرة فيها شيء من الإثارة والخوف):
"وإن كان ابن سالم؟"
+
هنادي (نظرت أمامها بثقة باردة):
"ساعتها أخلف ولد... و أكون أم الوريث القادم. وفي الحالتين... مكاني فوق."
+
بدأت هنادي تقف أمام مرآتها، تتحسس بعينيها المتفحّصتين وشاحها الداكن وهي تلفّه بعناية فوق كتفيها. وجهها كان مشدودًا، عيناها تقدحان بتصميم خفي، وأصابعها تتحرك ببطء وهي تضع قرطها الذهبي بعناية. سكينة كانت تراقبها من الزاوية بصمت، تقرأ ما بين حركاتها أنها على وشك الإقدام على خطوة ثقيلة.
+
هنادي (بصوت خافت وهي ترتب ثوبها):
"مافيش دخان من غير نار... وحس قلبي مش هيسكت إلا لما أعرف الحقيقة."
+
سكينة (تتقدم خطوة، بصوت فيه تردد):
"وانتي رايحة لوحدك؟ بيت الداية مش بعيد، بس العين مفتوحة عليكي من كل الجهات."
+
هنادي (تلتفت لها بسرعة، بنظرة صارمة):
"لازم أروح لوحدي... الناس تشوفني ماشية بزيارة عادية، مش وراها حاجة. لو خدت حد معايا هتشبّ الشبهات."
+
سكينة (بتنهيدة طويلة):
"خلي بالك، جلالة مش سهلة... ست عُمرها في حِرفتها، ولسانها معسول، بس ما يتلوش منه كلمة إلا بغلطة أو ضعف."
+
هنادي (وهي تمشي ببطء نحو الباب):
"وعشان كده رايحة لها بنفسي. الست دي عندها سر كبير... وأنا هعرف أطلعه منها، بطريقتي."
+
خرجت هنادي من غرفتها، تمشي بخطى ثابتة فوق الأرض الطينية، والمساء يُنزل ظله على البيوت الطينية المصطفّة بهدوء. مرّت بين بعض النسوة اللاتي ألقين السلام عليها باحترام، وردّت بابتسامة خفيفة دون أن تنطق، كأن عقلها في مكانٍ آخر.
+
عندما وصلت إلى بيت الداية جلالة، رفعت يدها وطرقت الباب ثلاث طرقات منتظمة، مثلما تعوّدت نساء القبيلة أن يفعلن عند زيارة الحكيمات.
+
بعد لحظات، انفتح الباب، وظهرت جلالة، امرأة في الخمسين من عمرها، بثوبها الأسود المطرز بخيوط قديمة، وعينيها العميقتين المليئتين بالحذر.
+
جلالة (بهدوء):
"يا مرحبا بهنادي هانم... نورتيني."
+
هنادي (بابتسامة مجاملة):
"حبيت أزورك... من زمان ما قعدناش سوا، وأنا قلبي مش مطمّن وقلت أشوفك، يمكن القعدة تريحني."
+
جلالة (تشير بيدها إلى الداخل):
"تفضلي... البيت بيتك."
+
دخلت هنادي بخطى بطيئة، تنظر حولها، تتفحص الأركان بنظرات خاطفة، وكأنها تبحث عن شيء غير مرئي... شيء مخبأ بين جدران الطين.
+
هنادي (وهي تجلس بهدوء):
"فاكرة يوم ولدت فاطمة؟ يوم ما الدنيا كانت مقلوبة؟"
+
جلالة (تجلس قبالتها، تحاول أن تحافظ على تعبير وجهها محايدًا):
"أكيد فاكرة... ما ينساش يوم زي ده. سالم الله يرحمه، والقبيلة كلها كانت على أعصابها."
+
هنادي (بنبرة أكثر حذراً):
"أنا شُفتك طالعة بالولد... بس ما شفتوش لا أنا، ولا غيري. الكل قال إنه ولد... بس صوت الصراخ يومها... ماكانش صوت واحد."
+
سكتت، ثم نظرت في عين جلالة مباشرة.
+
هنادي (ببطء):
"جلالة... أنتي اللي كنتِ جوه... وضميرك أنظف من إنك تخبي الحقيقة."
+
جلالة شدت وشاحها على رأسها، ونظرت نحو النار المتقدة في الموقد وكأنها تبحث فيها عن كلمات تحفظ بها توازنها. رفعت كوب الشاي بهدوء، رشفة صغيرة، ثم وضعت الكوب مكانه من دون أن تنظر مباشرة لهنادي.
+
جلالة (بصوت واثق، لكن فيه مسحة حذر):
"اللي اتقال هو اللي حصل... فاطمة خلفت ولد، والحمد لله إن الواد طلع بخير. ليه بتفتحي كلام ماله لازمة يا بنت الناس؟"
+
هنادي (بصوت مريب، تمط كلمتها ببطء):
"يعني ماكانش فيه بنت؟"
+
جلالة (تضحك بخفة، لكن نظرتها فيها توتر مدفون):
"بنت؟ منين؟ داية زيي تعرف تفرّق كويس، وإنتي عارفة دا... فاطمة جابت ولد، وسموه بدر، والكل فرح بيه... ليه الشك فجأة يا هنادي؟"
+
هنادي (تميل بجسدها للأمام، بصوت خافت):
"مش شك... إحساس. وإنتي أكتر واحدة عارفة إن إحساس الست ما يغلطش... أنا مافيش حاجة بتدخل قلبي إلا لما يكون وراها نار، وأنا شايفة دخان."
+
جلالة (تبتسم ابتسامة هادئة، تنظر لها بعين دامعة نصفها حنان ونصفها دفاع):
"القلوب ساعات تلخبط يا هنادي... وده وقت نلمي فيه القلوب مش نبعثرها. فاطمة موجوعة، ولسه في حداد على سالم، والولد أمل القبيلة... مش وقته تفتحي دفاتر الماضي."
+
هنادي (تتراجع قليلًا، وهي تشعر بخيط بارد يزحف على رقبتها):
"يبقى نسيب الأيام تكشف الحقيقة؟"
+
جلالة (بهمس، ثم تنهض وهي تمسك بطرف وشاحها):
"الأيام بتكشف اللي لازم يتكشف، وتخبي اللي لازم يفضل مدفون... وكل حاجة وليها وقتها يا بنتي."
+
ثم مشت جلالة نحو الباب، وفتحته بإشارة هادئة:
"الليل طول، وروحي ارتاحي... اللي ليه عند ربنا حاجة، هايوصل له، بس لما يكون جاهز."
+
خرجت هنادي وفي قلبها شعور ممزوج بالريبة والخذلان، عيناها تلمعان بدمعة حارقة، وداخلها يقسم أنها لم تُخدع تمامًا... لكن اللعبة أكبر مما ظنت، والحقيقة... مازالت حية تحت الرماد.
+
دخلت هنادي كوخ الدجالة رابحة الموجودة في القبيلة و كانت منبوذة، وعينيها تلمعان بمزيج من الخوف والطموح، تتشبث بخيط الأمل الضئيل بين يديها.
+
جلست أمام رابحة التي نظرت إليها بحدة، وكأنها تقرأ ما في قلبها من هموم وأسرار.
+
رابحة (بصوت هادئ لكنه يحمل ثقل السنين):
"ليش جيتي يا بنتي؟ ايه ثقيل على قلبك ؟"
+
هنادي (بصوت مفعم بالحزن والصرامة):
"ناجي... زوجي... ضعيف قدام عين القبايل، وكلهم بينتظروا ولد يكون أحسن من ولد سالم. لازم يكون وريث قوي، مش بس عشان القبيلة... بس عشان يكون هو الأقوى، أحسن وأشجع، يكون اسمه مرفوع فوق، مش مثل ولد سالم اللي مات وخلانا في حالة ضعف."
+
أغمضت رابحة عينيها للحظة، ثم مدت يدها نحو صندوق خشبي صغير وفتحته ببطء، أخرجت منه قطعة قماش ملفوفة بعناية.
+
رابحة (بصوت يملؤه الحزم):
"الحجاب اللي هديهو لك مش سهل، لازم تكوني على قدر المسؤولية. الحجاب ده مش بس يقوي زوجك، ده كمان يبارك لك بولد يكون سر قوته أكبر من كل التحديات، ولد يقود ويحقق ما لم يقدر عليه ولد سالم."
+
هنادي (بعيون متألقة):
"أنا مستعدة، مستعدة أضحي بأي شيء، بس لازم الولد ده يكون لنا، يكون أمل القبيلة وأمل ناجي."
+
وضعت رابحة الحجاب في يدها، وقالت:
"ابدئي من الليلة، اتبعي كل تعليماتي بدقة، لأن الطريق مش سهل، بس من كل هذا بيتولد الأبطال."
+
نظرت هنادي للحجاب بين يديها وكأنها تحمل مستقبلها كله، وعرفت أن هذه اللحظة هي بداية فصل جديد من حياتها.
+
رابحة قالت بصوت هادي لكن به خبث:
"عايزة ولد؟ ولد أقوى من ولد سالم؟ مفيش حاجة مستحيلة علي، بس الموضوع له تمن."
+
هنادي ترددت وقالت بحزن:
"أنا مضطرة، لازم يبقى عندنا ولد يقود القبيلة، مش ممكن يفضل ناجي القائد هيجي ابن سالم و ياخد كل حاجة."
+
رابحة ابتسمت ابتسامة ساخرة وقالت:
"هعملك حجاب سحري يقوي ناجي ويجيبلك الولد اللي نفسك فيه، بس اعرفي إن ده مش مجاني، لازم تدفعي اللي هطلبه."
+
هنادي همست بقلق:
"طيب أعمل إيه؟"
+
رابحة ردت بثقة وبخبث:
"هتجيبي لي شوية حاجات، ونعمل الطقوس، الحجاب ده هيرفع عنك العين ويقويكي. بس افتكري، الفلوس هي اللي بتحرك الدنيا."
+
رابحة ابتسمت بخبث وقالت:
"وده حجاب تعلقيه في أوضة ابن سالم، هو هيخليه أخرس طول ما الحجاب معاه، مش هيقدر يفتح بقه ولا يقول كلمة."
+
هنادي توترت فور سماعها ذلك لكنها قالت:
"طب والولد؟ الحجاب ده هيساعدني أجيب ولد ولا إيه؟"
+
رابحة ردت بثقة:
"الولد هيرضى ييجي لما يبقى فيه قوة وحماية حواليه، والحجاب ده مش بس بيكتم ابن سالم، ده كمان بيقويكي ويخليكي تجيبي اللي في بالك."
+
هنادي نظرت لها وهي في حيرة لكنها تعرف إنها يجب أن تسلك هذا الطريق.
+
غادرت هنادي مكان الدجالة رابحة وهي تحمل في قلبها أملًا غريبًا رغم أن سالم مات فعلاً، ولكن في داخلها رغبة لا تهدأ لرؤية ابن سالم، الوريث الذي قد يحمل جزءً من مكانة زوجها في الحياة.
+
توجهت هنادي إلى بيت فاطمة، وقفت أمام الباب تردد قليلًا قبل أن تدق. فتحت فاطمة الباب، ونظرت إليها بعيون مثقلة بالحزن، وقالت بصوت ضعيف:
"يا هنادي... إنتي جيتي ليه؟"
+
تنهدت هنادي و ادعت الحزن، وقالت:
"جيت أشوف ولد سالم... نفسي أشوفه، حتى لو هو مش سامعني، بس محتاجة أتطمن عليه."
+
نظرت فاطمة إليها بحنان وحزن، ثم فتحت الباب ودخلت هنادي إلى الداخل، حيث كان الطفل أمان في الغرفة نائم .
+
همست فاطمة برقة:
"هو ده بدر... ابن سالم."
+
ابتسمت هنادي بابتسامة حزينة، واقتربت ببطء، وأمسكت بيد الطفل الصغير، ثم همست:
"يا صغيري... إنت نصيبنا اللي لسه باقي."
+
انهمرت دموع هنادي بحرقة، تدعي الحزن من فراق قائدهم. قامت فاطمة بسرعة متعثرة نحو المطبخ لتحضر كوب ماء يهدئ من روعها.
+
نظرت هنادي إلى الغرفة، عينها تلمح بين الأغراض بحثًا عن مكان تخفي فيه الحجاب الذي منحته إياها رابحة. نظرت حولها بقلق، ثم اختارت زاوية مظلمة في الغرفة، حيث دفنت الحجاب بعناية تحت بعض الأغطية القديمة الموجودة في أرضية الغرفة ، كأنها تخفي سرًا ثقيلًا لا تريد لأحد أن يعرفه.
+
همست لنفسها بصوت مكسور:
"لازم يفضل بعيد... ماحدش يعرف عنه حاجة.محدش هيقبل بقائد أخرس" ثم اخرجت زجاجة بها بضع قطرات الماء و بللت فم أمان به
+
