اخر الروايات

رواية نفوس قاسية الفصل التاسع 9 بقلم مني احمد حافظ

رواية نفوس قاسية الفصل التاسع 9 بقلم مني احمد حافظ 


التاسعة. وهل ينسى الألم.
-------------------------------

العمر ككل شيء في الحياة يمر ولكن الجراح لا تندمل فهي تترك أثرها بعمق الروح قبل الجسد، وجراح سهر بدأت من منذ ولادتها كأن الحياة لم ترغب بها يومًا فأرادت أذلالها فأحاطتها بنفوس قاسية بذلت كل ما فِي وسعها لأزهاق روحها، ولكن سهر واجهت كل جرح وضعف وكل كسر وقهر بابتسامة زادت من ندية الحياة لها وعدوانها عليها، لتُعلن سهر استسلامها وتقبلت تحطيم الحياة لقلبها وخضعت للضعف، فها هي وقد مرت عليها خمس سنوات تعيشها على هامش الحياة بعدما حاولت التخلص من حياتها عدة مرات قوبلت بالفشل والرفض من أن تدعها الحياة أن تستريح، كأن عذابها أصبح هو الغرام.

وفي صباح يوم وقفت سهر تصيح بصوت منهزم وهي تتحدث بإنفعال مع محمود:
- أنا عايزة أفهم أنت ليه مش عاوز تتجوز ليه مصمم تعذب نفسك معايا هتفضل سايب نفسك بالشكل دا قاعد زي العانس جنب واحدة متنفعش، يا محمود ارحمني واتجوز بلاش تفضل مشيلني ذنبك العمر كله، بص لخالتي صفية وحالها وكسرة نفسها عليك وأنت ليك خمس سنين متجوز ومعندكش عيال راضيها يا محمود.

اعتلت ملامح محمود الألم والحزن كعادته وقال وهو يتمالك أعصابه معها كحاله دومًا:
- وأنا مليون مرة أقولك يا سهر أنا متجوزك وأنتِ عندي بالدنيا وكفايا إنك فبيتي وبشوفك ومطمن إنك معايا وجانبي، ولما ربنا يريد أنتِ اللي هتكوني أم ولادي أفهمي كده ومتعمليش أمي حجتك أمي لو أنا قعدت العمر كله مستنيكِ ومعنديش ولاد عمرها ما هتقول حاجة فشيلي الفكرة دي من دماغك.

تناسى محمود حالتها وأقترب منها يضمها بعدما أنهى حديثه معها فتجمدت سهر وبدأ تنفسها يسرع لتشرع في البكاء والكلام دون وعي:
- لا أبعد أبعد متلمسنيش لا لا.

ليتحول كلامها لصرخات فأبتعد عنها محمود بخوف وحاول أن يهدأ من خوفها وقال:
- خلاص بعدت أنا أسف أهدي يا سهر وحياتي أهدي.

لم تتمالك سهر نفسها فأنهارت أرضًا وهي تنتحب وتلطم وجهها فأتت صفية مسرعة تنهر محمود وتقول:
- عملت لها إيه مش قلت لك كلامك معاها من بعيد أنت ليه مش مقدر اللي بنتى فيه روح اوضتك يا محمود وسيبني اهديها.

أخذتها صفية بين ذراعيها وبدأت تقرأ لها آيات من القرآن حتى بدأت في الهدوء فرفعت سهر عيناها إلى صفية وقالت:
- خليه يتجوز يا خالتي ورحمة عمي خميس خليه يتجوز أنا مش عاوزة أشيل ذنبه كفايه ضيع من عمره السنين دي وهو معايا لازم يفهم أني خلاص مبقتش أنفعه وحياتي يا خالتي قوليله يرحمني ويتجوز.

دمعت عين صفية وقالت:
- أنتِ عوزاه يتجوز عليكِ يا بنتي بقى في واحدة عاقلة تقول لجوزها كده.

ابتعدت سهر عن ذراعي صفية وقالت:
- أحنا مش هنكذب على بعض يا خالتي أنا عمري ما كنت مراته هو متجوزني علشان اللي حصل وأنا استحالة ابقى أنانية واسيبه يضيع حياته ويفضل موقف حياته علشاني، محمود لازم يعيش حياته مع واحدة تستحقه وتشرفه هو أنتِ يا خالتي مش عاوزة يكون لك أحفاد نسيتي وصية عمي خميس تربي ولاد محمود على الدين والحب.

بكت صفية حينما تذكرت زوجها الراحل وقالت:
- بتلوي دراعي يا سهر علشان اطوعك ليه كده يا بنتي.

أجابتها سهر بتصميم:
- علشان ده الصح يا خالتي ده اللي مفروض يحصل من.

قطع عليها إكمال حديثها قول محمود:
- انسي يا سهر أنا مش هتجوز عليكِ ومش عاوز عيال أنتِ ليه مش قادرة تفهمي إني بحبك وعلى قد اشتياقي ليكِ إلا أني مستعدة استناكي العمر كله لحد ما تقبلين فحياتك.

خرجت صفية بهدوء حتى لا تسبب لهما حرجًا فسمعت سهر تقول بحزن:
- ليه يا محمود ليه قابل بيا فحياتك بعد كل اللي حصل ليه مرمتنيش بطول دراعك وعشت لنفسك ليه قبلت تذل نفسك وتشيل عاري أنا مستحقش إنك تعيش بالشكل ده، أبوس أيدك اتجوز وخلف وملكش دعوة العروسة مش هتحس أني موجودة مش هتحس أنك متجوز غيرها اصلآ أرجوك يا محمود متعذبنيش أكتر من كده.

صرخ بها محمود وقد أعماه غضبه فقبض على كتفيها يهزها بقوة متناسيا خوفها ورعبها ولكنه تألم من حديثها وطلبها الزواج من أخرى فأراد أن يؤلمها باقترابه منها وقال:
- أنا اللي بعذبك أنتِ مش حاسه مين فينا اللي بيتعذب أنا اللي بموت كل يوم وأنا شايفك نايمة فحضن أمي ومش قادر ألمسك وأنتِ حلالي ومراتي، أنا اللي بموت لما كل ما أقرب منك تصرخي أنا اللي بحبك وأنا عارف ومتأكد أنك مش بتحبيني ولسه قلبك معاه حتى بعد السنين دي أنا حاولت معاكِ كتير ومستعد أحاول بس أنتِ اديني فرصة اداويكي اديني فرصة انسيكي اللي حصل بس أنتِ اللي رافضة ومش عاوزه ورغم كده بردوا مش عارف أكرهك ولا اسيبك كل ما تبعدي عني بقرب أكتر منك أفهمي بقى وحسي بيا وبحبي ليكِ.

بكت سهر وهي تتلوى بين يديه تحاول إبعاد قبضتيه عن كتفيها فدفعته عنها بعنف وقالت:
- وأنا مش قادرة أنسى مش قادرة غصب عني يا أخي حس بيا أنا اللي عشت اللي حصل مش أنت أنت عمرك ما هتعرف أنا بكره نفسي قد إيه كفايه إن كل ما أشوف نفسي افتكره وافتكر الذكرى اللي سيبهالي فجسمي، عاوز تكمل جوازك مع مين معايا أنا اللي بقيت متشوهة من جوا روحي ومن جسمي حرام عليك نفسك وارحمنا سوا، بص يا محمود أنت لو متجوزتش وعشت حياتك يبقى تطلقني وملكش دعوا بيا إن شا الله أموت حتى خلاص أنت أنقذتني مرة وكفايه أوي لحد كده أنا مبقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان أنا كبرت وعجزت وشخت من جوايا واطمن أنا حتى الحب مبقتش قادرة عليه لأن قلبي مات زي روحي ما ماتت.

تركته سهر ودخلت إلى غرفة صفية لتغلقها على نفسها مانعة دخول أحد إليها، نظر محمود إلى والدته التي جلست بجانب النافذة تنظر إلى البحر وقالت:
- أسمع كلامها يا محمود واتجوز سهر معاها حق عيش حياتك العمر بيتسرق منك وكفايه إنه اتسرق منها.

جلس محمود أسفل قدمي والدته وانخرطت فِي بكاء مرير فانفجرت صفية هي الاخرى بالبكاء وسمعت محمود يقول:
- مش قادر أشوف غيرها يا أمي مش قادر أفتح قلبي لواحدة تانية صدقيني هظلم أي واحدة تدخل حياتي غير سهر هي شيفه إني أتجوزتها علشان أستر عليها ونسيت إني بحبها وإن مهما حصل عمري ما هحملها ذنب اللي فات أبدا كلميها يا أمي خليها توافق تروح للدكتور النفسى أنا متأكد إنها لو قبلت هتبقى كويسة وترجع تحب الحياة تاني وتعيش أنا مستعد استناها فوق الخمس سنين العمر كله بس تحبني.

رفعت صفية وجه إبنها ومسحت عنه دموعه وقال:
- سهر اختارت تعيش كده يا محمود علشان تحمي نفسها قبلت باللي الدنيا عملته فيها وأنت لازم تفكر فنفسك فرحنيى يا ابني قبل ما أموت أني أشيل عيالك وحياتي يا ابني ولو ليك نصيب مع سهر هتلاقيها رجعت لك.

حدق محمود في والدته وقال:
- أنتِ اخدتي صفها وعاوزاني اتجوز يا أمي.

تنهدت صفية وقالت:
- أبوك نفسه لو لسه عايش كان هيوافق على كلام سهر اتجوز يا ابني قبل ما تلاقي نفسك عجزت وملكش عيل يقف جانبك فالدنيا.

وقف محمود وتوجه إلى غرفة سهر وطرق الباب وقال:
- افتحي يا سهر أنا أنا هنفذ اللي انتو عوزينه.

فتحت سهر الباب ووقفت تنظر لمحمود بحزن وقالت:
- وعروستك عندي يا محمود وتتمنالك الرضى ترضى.

------------------------

وهناك في أمريكا جلس خلف مكتبه يتابع سير عمله بعدما استقر هناك منذ سنوات وتفاجأ بباب مكتبه يفتح دون إذن فدخل مازن كما تعود فرفع آدم عيناه عن الأوراق التي يقرأها ونظر إليه وقال:
- المرة الجاية هسيب خبر عند الأمن تحت ينمع دخولك المؤسسة علشان أرتاح من دخولك بالشكل ده عليا.

ضحك مازن وقال:
- متقدرش على فكرة أنا عارف إنك بتحبني قد إيه يا دومي.

قام آدم من على مقعده ووقف أمام مازن وقال بضيق:
- جاى ليه يا مازن أنت ليك شهرين مختفي ودلوقتي ظهرت أنا نفسي أعرف بتختفي بالشهور وترجع تظهر مرة واحدة وكل مرة معاك مصيبة شكل.

ضحك مازن بمرح وقال:
- لا والمرة دي المصيبة حلوة مفاجأة اللي قاعد أدامك دا بقى أب يا آدم.
حدق آدم بمازن وضيق ما بين عيناه ونظر له بحيرة وقال:
- بقيت أب أزاي هو أنت أتجوزت أمته ومين ولحقت تخلف كمان أنا بجد مبقتش فاهم أنت عايش حياتك إزاي.

رفع مازن عيناه لآدم وقال:
- طيب أقعد وأنا هقولك بس عاوزك هادي وتسمعني بالراحة.

ابتسم آدم بسخرية وقال:
- طالما بديتها كده يبقى الكلام الجاي مش هيعجبني اتفضل عرفني مخبي إيه يا مازن.

ابتلع مازن ريقه وقال بقلق من ردة فعل آدم:
- أنا اتجوزت هايدي من سنتين.

وقف آدم بحدة وقال:
- أطلع برا يا مازن ومتجيش المؤسسة تاني.

وقف مازن بأرتباك وقال:
- يا آدم هايدي اتغيرت اللي حصل لها بسببي كسرها وكسر غرورها وذلها صدقني هايدي بقت واحدة تانية.

رفع آدم يده ليوقف مازن عن إكمال حديثه وقال:
- مش عاوز أعرف أي حاجة وطالما أنت على صلة بيها فأنا ميشرفنيش أني أعرفك أنت كمان.

تنهد مازن بيأس وقال:
- اسمعنى يا آدم أنت ليه مش مصدق إنها اتغيرت يا آدم كلنا اتغيرنا أنت نفسك اتغيرت وغيرت حياتك 180 درجة أنسى اللي فات بقى و.

قاطعه آدم بحدة وعنف وقال:
- أنسى اللي فات أنسى إيه يا مازن أنسى إنها ضيعت مني حياتي أنسى إنها ساعدت أبوك وفكت فرامل عربيتي وعملت الحادثة وأنت اللي اتحملت الذنب بدلهم، أنسى أنهم سرقوني أنا اللي هنساه حاجة واحدة وهي أني أعرفك أطلع برا يا مازن ومترونيش وشك تاني.

توجه مازن برأس منكسة للباب وقال:
- لو فكرت فيوم تتعرف على ابني آدم هتلاقيني فبيتي فمصر وشكرا يا ابن عمي.

أجابه آدم بحدة ليؤلمه فقال:
- أنا مش ابن عمك يا مازن أنت أسمك مازن غسان وأنا آدم محمد.

و أدار وجه له ليسمع باب مكتبه يغلق فجلس آدم على مقعد مكتبه دافنا رأسه بين كفيه وهو يهمس:
- أنتِ فين يا سهر ضيعتي مني فين وضيعتي عمرى وراكي.

------------------------

طرقت هدى باب شقة سهر ففتحت صفية لها، فنظرت هدى لها وابتسمت وقالت:
- السلام عليكم يا طنط صفية حضرتك عاملة إيه النهاردة.

ابتسمت صفية لهدى وقالت:
- الحمد لله يا بنتي أنتِ عاملة إيه ووالدتك أخبارها إيه.

أجابتها هدى برقة وقالت:
- الحمد لله بتسلم على حضرتك كتير إنما فين سهر كنت عايزة استلف منها رواية.

ابتعدت صفية عن الباب وهي تقول:
- ادخلي يا هدى هي قاعدة فالبلكونة.

دخلت هدى وهي تنظر أرضا بخجل وتوجهت إلى البلكونة فشاهدت سهر شاردة تنظر للبحر فقالت وهي تحتضنها من الخلف:
- سرحان فايه يا جميل.

هبت سهر وهي تصرخ وترتعد خوفا ونظرت لهدى وعيناها مليئة بالذعر فتفاجأت هدى من ردة فعل سهر وتراجعت لتجد صفية تدخل بسرعة وتضمها لصدرها قائلة:
- أهدى يا بنتي دي هدى بتهزر معاكِ.

تنهدت سهر وهي تتشبث بحضن صفية وابتعدت ببطء وصدرها يعلو ويهبط بحدة فزدادت دهشة هدى وقالت:
- أنا آسفة والله مكنش قصدي أبدا اخضك بالشكل ده سامحيني يا سهر.

حاولت سهر تمالك نفسها ورسمت ابتسامة باهتة على ملامحها لم تصل إلى عيناها وقالت بتعب:
- معلش يا هدى أنا اللي أسفة كنت سرحانة تعالي ندخل جوا متخافيش محمود فالشغل ولسه وقت على ما يرجع يعني هتبقى براحتك.

أحمر وجه هدى ودق قلبها بقوة حين سمعت اسم محمود وحاولت إخفاء احساسها وخفضت عيناها لتتنهد بحزن وتدخل خلف سهر وصفية فقالت وهي تجلس بجانبها:
- أنا كنت جاية أخد الرواية وهطلع على طول علشان ماقولتش لماما أني هتأخر كمان علشان خالي جاي من القاهرة وطالب كيكة شيكولاته مخصوص فعملها له.

ابتسمت سهر وقالت:
- طيب خليكِ شوية أنا هتصل بطنط وأقولها إنك قاعدة معانا شوية ولا إيه يا خالتي.

نظرت سهر لصفية وغمزت بعيناها فحدقت فيها صفية ثم ابتسمت وقالت:
- تصدقي معاكِ حق يا سهر.

واقتربت من هدى وربتت على ظهرها بحنو وقالت:
- على ما سهر تجيب لك الرواية هعمل لنا شاي وادوقك كيكة سهر ونشوف بقى عمايلك ولا عمايل سهر.

ابتسمت هدى بخجل فأستئذنتها سهر ودخلت إلى غرفتها وهي تنظر للساعة وجلست على فراشها تحتضن الرواية وتنتظر.
دخل محمود إلى الشقة وهو ينادي:
- يا صفصف يا قلب محمود يا سهر أنتم فين.

صمت محمود حين شاهد هدى تقف بارتباك وتنظر للأرض فقال:
- ازيك يا آنسة هدى.

همست هدى بصوت منخفض مرتبك وقالت:
- الحمد لله ازي حضرتك.

استدار محمود عنها وقال:
- الحمد لله إنما الجماعة فين وسيبينك لوحدك كدا.

أجابته هدى وقالت:
- طنط فالمطبخ وسهر بتجيب لي رواية.

التفت لها محمود وقال:
- طيب اتفضلي اقعدي واقفة ليه.

واستئذن منها وهو يدخل إلى غرفة أخرى فتعجبت هدى لما لم يدخل إلى نفس الغرفة التي دخلتها سهر لتفيق على صوت صفية يقول:
- اتفضلي يا بنتي اومال أنتِ كنتِ بتكلمي مين.

أجابها محمود وهو يخرج من غرفته:
- بتكلمني أنا يا أم محمود أومال فين سهر.

أشارت صفية إلى الغرفة وقالت:
- جوا يا حبيبي.

استئذن محمود منهم وطرق باب الغرفة ودخل فشعرت هدى بالغيرة فوقفت فجأة وهي تشعر بألم وقالت:
- أنا هطلع علشان ألحق أخلص الحاجة قبل خالي ما يوصل وهبقى أنزل وقت تاني أخد الرواية أبقى سلمي لي على سهر يا طنط.

خرجت سهر وخلفها محمود لتقول سهر بارتباك:
- معلش اتأخرت عليكِ أصل مكنتش لاقية الرواية اتفضلي يا هدى.

أخذت هدى الرواية وغادرت مسرعة مغمضة عيناها عن قرب محمود من سهر بتلك الطريقة، مال محمود برأسه لرقبة سهر وقال بهمس:
- حركاتك مقفوشة وانسي هدى متنفعش يا سهر.

ابتعدت سهر بخوف عن محمود وهي تلف يدها تحتضن نفسها وقالت:
- بالعكس هدى هي اللي تنفعك لانها بتحبك اديها وادي نفسك الفرصة وهتشوف.

استشاط محمود غضبا فدفع المقعد من أمامه للارض بحدة وتحرك إلى باب الشقة مغادرا وهو يغلق الباب بقوة، فنظرت سهر إلى صفية وقالت وهي تشعر بألم فِي قلبها:
- بكرة دماغه تلين ويوافق لازم يوافق علشان مصلحته.

تفرست صفية في ملامح سهر وقالت:
- بذمتك مش غيرانة إن واحدة تانية هتاخد منك جوزك وتشاركك فيه.

استدارت سهر لتخفي ملامحها عن صفية وقالت:
- محمود مش جوزي يا خالتي ولا عمره هيكون أحنا جوازنا هيفضل على الورق وبس وهدى فرصة محمود علشان يعيش فبلاش كلامك ده يا خالتي عن اذنك.

دخلت سهر غرفتها وجلست على الفراش واختطفت إحدى الوسادات لتكتم نجيبها وصراخات الألم التي تمتلىء بها فقلبها يشتغل بالألم على حالها فهي حاولت كثيرا أن تتقرب من محمود ولكن جسدها يرفض بشدة هذا التقارب فتتجمد غصبا ويتملكها الرعب والفزع فلا تشعر بصرخاتها التي أصبح محمود يخشاها حتى لا يتساءل الجيران عن صرخات زوجته فأدركت أنها لن تستطيع أن تكون تلك الزوجة التي يتمناها محمود فقررت محاربته ليقبل بزواجه من أخرى حتى وإن كان قلبها يشعر بالألم لتعودها على حنانه ومعاملته الطيبة لها.

----------------------------

لم يدر آدم إلى أين يذهب فبعدما طرد مازن من مكتبه وقرر إبعاده عن حياته لما فعله احس بالذنب لمحبته لمازن الذي سانده كثيرا وبحث معه عن سهر كثيرا ووقف بجانبه داعمًا لكل قرارته التي اتخذها بعدما يأس من إيجادها، ليسافر معه إلى أمريكا بعدما أشهر إسلامه في الأزهر الشريف ليخوض تلك الجراحة التي لم يصدق أنها ستعيد له قدرته على الحركة وانطلق معه فِي رحله استشفائه خطوة بخطوة والذيى ضحى بالكثير من الوقت ليكون بجانبه، وها هو الآن يطرده وينفيه بعيدا عن حياته فقط لانه أختار ما يريده فهو يعلم جيدا أن مازن لن يتزوج إلا إذا أحب ولكنه لم يتخيل للحظة أن يربط مازن حياته بهايدي تلك الفتاة الفاسدة المتبجحة، تنهد آدم ونظر حوله ليرى أنه يقف أمام الفندق الذي يقطن فيه مازن فنزل من سيارته ودلف إلى مكتب الاستقبال وسأل عنه ليعلمه الموظف الذي ما أن رآه حتى ارتبك فآدم يعتبر أحد مستثمري، صعد آدم بعدما حذر الموظف من إبلاغ مازن بوجوده وأخذ منه المفتاح الماستر، وقف آدم يشعر بقلق مفاجأ ففتح باب الغرفة فوقف مصدومًا بعدما شاهد هايدي تجلس أسفل قدم مازن وتقبل يده معتذره، التفت مازن فرأى آدم فوقف سريعًا غافلا عن هايدي التي اسقطها أرضًا فابتسم آدم بسخرية وقال:
- حاسب مراتك يا ابني وبعدين فين الواد اللي سميته على اسمي.

أسرع مازن واحتضن آدم وهو يمسح الدمعة التي فرت من عيناه ويقول:
- أنا كنت عارف أني مش ههون عليك.

والتفت إلى هايدي التي مأزالت على حالها تجلس أرضًا وتنظر أرضًا حرجًا من آدم، فدفعه آدم عنه وقال:
- قوم مراتك وهات الواد علشان يتعرف على عمه ولا أنا مش عمه يا مازن.

تنهد مازن براحة وقال وهو يساعد هايدي لتقف:
- أنا يشرفنى إنك تبقى عم ابني يا آدم.

و احتضن هايدي التي لم تستطع رفع عيناها وقال لها:
- هاتي آدم من جوا يا هايدي.

أسرعت هايدي لتدخل إلى غرفة النوم الأخرى وحملت طفلها النائم بحب وخرجت لتقترب من آدم بأرتباك وقالت:
- سامحني يا آدم.

تنهد آدم ومد يداه ليأخذ من هايدي الصغير ولكنه لم يستطيع النظر إليها فتحرك بعيدا عنها وجلس على أقرب مقعد وهو يضحك للصغير ويضمه إلى صدره فتسللت هايدي إلى غرفتها وهي تبكي فدخل مازن خلفها وقال:
- متعيطيش يا هايدي أنتِ عارفة كويس أن آدم مش هيسامحك بسهولة اللي عملتيه فيه مش سهل.

ربت مازن على رأس هايدي التي أرتمت تبكي بين ذراعيه ليسمعا آدم يقول:
- يا أبو آدم أنت يا فاشل تعالى خد ابنك الظاهر انه عملها.

خرج مازن وهو يضحك على ملامح آدم التي امتعضت من رائحة ابنه ليحمله بحنان وحب ويقبله ويقول:
- بكرة لما تبقى أب مش هيهمك أي حاجة غير إنه يكون فحضنك وبس.

قطب آدم حاجبيه وأغمض عيناه وقال وهو يحتوي ألمه في صدره:
- أنا همشي وأبقى خليني أشوفك قبل ما تختفي تاني.

خرجت هايدي مسرعة وقالت ترجوه:
- آدم وحياة سهر عندك تسامحني و.

عبس مازن لاختيار هايدي تلك الكلمات التي غيرت ملامح آدم لغضب أسود جعلها تصمت وتبتلع باقي كلماتها خوفا فأقترب منها آدم ليقبض على ذراعها ويقول منفعلا:
- اسم سهر أطهر من إن لسانك ينطق بيه ومتفتكريش إنك علشان عرفتي تخدعي مازن هتخدعيني أنا كمان وانسى اللي عملتيه وحتى لو نسيت وسامحتك فأنا مستحيل أسامحك على كنتِ هتعمليه فسهر.

وترك ذراعها كأن لمستها بعثت في نفسه السقم وترك الغرفة صافقا الباب بقوة خلفه فنظر مازن إليها وهي تبكي وتقول:
- أنا فعلًا اتغيرت ولو كنت عرفت مكان سهر كنت هخليها تسامحني صدقني يا مازن أنا مبقتش هايدي بتاعت زمان.

احتضنها مازن وهو يشعر بالأسف على حالها ولكنه ألتمس لآدم العذر فجراحه لم تندمل بعدما فقد سهر ولم يعثر عليها.

-------------------------

مر الأسبوع وسهر وصفيه تحاولا بشتى الطرق إدخال سيرة هدى في كل حديث يدور مع محمود حتى سأم ألحاحهما عليه فقال وهو يجلس بجانب صفية ويحدق بسهر البعيدة عنه:
- بجد أنتم الاتنين تزهقوا أنا خايف أنام تطلعولي فالحلم وتتكلموا عنها كفايه كده بجد علشان الموضوع بقى بايخ، لانكم مش واخدين بالكم إن والدة هدى هترفض تجوز بنتها لواحد متجوز لا وتعيش معاه هو ومراته وأمه أنهي واحدة فالدنيا هتقبل بالكلام ده ولا بالوضع ده.

نظرت سهر إلى صفية فهي لم تفكر في تلك النقطة فقالت سهر بهدوء خشية انفعال محمود:
- بسيطة أنقل أنا وخالتي صفية لشقة تانية وأنت أتجوزها هنا و.

هب محمود واقفا وهو يقول بحدة فخافت سهر من نظراته:
- كلمة زيادة أقسم بالله ما هيعدي الموضوع على خير أنا استحالة اسيبكم تعيشوا فمكان مكنش موجود فيه وطالما أنتم قررتم إني اتجوز أنا شرطي إن كلنا نعيش سوا فمكان واحد عجبكم على كده أهلا وسهلا مش عجبكم أنا مرتاح من غير جواز عن اذنكم.

عبست سهر وهي تنظر لصفية ثم لمحمود الذي دخل غرفته واغلق خلفه الباب وقالت:
- وبعدين يا خالتي ابنك حط لنا العقدة فالمنشار هنتصرف أزاي.

أجابتها صفية بهدوء:
- هنكلم هدى وأمها ونشوف لو رفضت وقتها يحلها ربنا.

تنهدت سهر وأردفت بتصميم:
- لازم توافق يا خالتي ولازم محمود يتجوز حتى لو حكمت على طلاقي منه.

عقبت صفية تثنيها عن حديثها ذاك:
- استعيذي من الشيطان يا سهر ولمي الدور وكفايه إنه وافق ولو على موضوع العروسة ده قسمة نصيب وسبيه على ربنا.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close