رواية نفوس قاسية الفصل العاشر 10 بقلم مني احمد حافظ
العاشرة .لم أنسى.
-----------------------
لماذا أدخلتني في تلك الدوامة الطاحنة لمشاعري ولم تراعي قلبي الذي يفيض بحبها فقط أيعقل أن تكون حتى اللحظة لم يشعر بي قلبها، أيعقل ولم تتحرك مشاعرها تجاهي أنملة، ألهذا الحد حبي لها شفاف لم تراه لتجبرني على الزواج من غيرها، ألهذا الحد وصلت قسوتها بي لتختر لي زوجة تشاركني الحياة بدلا منها، زوجة يصبح لها حقًا في قلبي ولها حق في تملك جسدي، أيتحمل قلبها تلك القسوة منها لتنفض أمري هكذا، كيف لهذا القلب البريء الذي سحقته الحياة بقسوة باردة أن يظلم بمثل هذه القوة، إنه خطأي وحدي فأنا من سلمتها قلبي لتحطمه أسفل قدميها فلم تراعي عذابي وهي أمامي ولا أستطيع لمسها وأنا صاحب الحق فيها، ولكن أنسيت ما حدث لها ما عانته وأنت لم تستطع الحفاظ عليها ولا حمايتها كيف لم تشعر بعذابها وهو يجردها من براءتها ويتركها جثة مشوهة بلا روح، أنسيت صُراخها الذي ابكَ الحجر والبشر في المشفى وهي تنبش بأظافرها جسدها تحاول محو أثاره عنها أنسيت كيف حاولت مرارًا إزهاق روحها لتنقذها طبيبة تارَة وينقذها أباك تارَة وأنت غافل عنها، كيف لك أن تحاسبها وأنت ابتعدت عنها وهربت منها كأنها المذنبة ألم تتنكر لها وتنبذها ألم تراها في ذلك اليوم جسدًا ملوث أبت نفسك أن تمسه وعفت عيناك عن النظر أليها، ولولا صفعة أباك ما كنت عدت إلى رشدك وعدت إليها ولكن طعنتك لها أغلقت في وجهك ذلك الثقب الذي أرادت منك أن تدلف منه إليها فتركتها جريحة الروح تنزوي حول نفسها فأصبحت كتلة صماء لا حياة لها، أنت لم تخسرها وحدها في ذلك اليوم بل خسرت والدتك أتذكر قولها لم تعد ابني فمن حملته بين أضلعي لا يتجبر هكذا، واليوم تفتح لك أملًا لتخلصك من وزر زواجك منها تمد لك يدها لتدعك تعيش الحياة قبل أن تضيع منك هباء، ماذا دهاك يا محمود أستنصاع لطلبها وتنفذ لها رغبتها الوحيدة ورجائها، لا أنا لست بمثل هذه الشجاعة لأرحل عنها إلى أخرى أبثها الحب والغرام كيف أفعلها وهي تنام بجواري يفصلنا ذلك الجدار، كم أود أن احطم ذلك الجدار الذي شيدته حولها لتمنعني عنها كم أود أن اخطفها لأحضاني أنسيها الماضي أطهرها من دنس عار ليس لها ذنب به آه لو تعطني فرصة واحدة فقط فرصة، أنتفض محمود على صوت زميله في مكتب المحاسبة الذي يعمل به منذ خمس سنوات بعدما أتى إلى الإسكندرية مهاجرًا من القاهرة، أعاد صوت أحدهم الوعي لمحمود ليُدرك مكانه فالتفت يحدق بوجه زميله بحيرة وبعد لحظات اعتذر منه وسأله عما يُريده:
- أنا أسف يا أشرف سرحت شوية المهم أنت كنت بتقول إيه.
ابتسم أشرف بتفهم وأردف يسأله:
- بسألك إن كنت هتوافق على الأنتداب لفرع الشركة في القاهرة ولا هترفض زي كل مرة.
أجابه محمود وهو يفكر بأمر سهر وحياته معها:
- ما أنت عارف مش هقدر أسافر وأسيب أهلي لوحدهم فأكيد هعتذر زي كل مرة.
ترك أشرف مقعده واقترب من محمود وأردف يحثه على قبول الأنتداب:
- بس دي فرصة كويسة أوي ليك يا محمود وأنت بصراحة محاسب شاطر جدًا وهما كل سنة يطلبوا منك تسافر شهرين للفرع الرئيسي، فبلاش تضيع منك الفرصة علشان دي ممكن تغير مستقبلك كله ، فياريت لو تفكر كويس قبل ما ترفض بدل ما تندم.
زفر محمود وأغمض عيناه وهمس محدثًا نفسه:
- وهو أنا لسه هندم أنا للأسف ندمت واللي كان كان وخسرتها.
ليعود محمود وينتبه لصوت زميله أشرف وهو يقول:
- لا أنت مش معايا خالص وحالتك حالة أيه يا صاحبي أوعى تكون بتحب جديد.
ابتسم محمود بأسف وحدق بوجه أشرف وقال:
- أنا هقوم أخد إذن وأروح لإني حاسس بتعب ومش قادر أركز.
وبالمنزل وقفت سهر تحث صفية على ارتداء عبائتها بقولها:
- يلا يا خالتي علشان نلحق ننزل قبل ما محمود يجي ويعملها حكاية.
رمقتها صفية بنظرات سخط عبر المرآة وأردفت باستنكار:
- ومالك مستعجلة على إيه تصدقي أنا اللي اسمي أمه مش عاوزة الموضوع ده يتم، وبعدين أنا مش مصدقة بقى معقول أنتِ هتقدر تخرجي برا باب البيت وأحنا ياما اتحيلنا عليكِ تنزلي حتى تقعدي على البحر شوية معانا ومكنش فيه على لسانك غير لاء وأنتِ عارفة بقى اللي بيحصل بعدها.
أغمضت سهر عيناها هربًا من تحديق صفيه بها وهتفت بصوتٍ حزين:
- علشان خاطر محمود أنا ممكن أرمي نفسى فالنار يا خالتي، المهم أنه يفوق لنفسه ويتجوز علشان أنا نفسي أبقى عمة أوي.
شهقت صفية وضربت على صدرها بيدها وهتفت بعتاب:
- عمة ودي تيجي أزاي يا سهر ومحمود جوزك مش أخوكي، يا بنتي ما أنتِ لو حاولتي تدي نفسك فرصة وتنسي بدل ما هتبقي عمة زي ما بتقولي هتبقي أنتِ اللي أم وتفرحيني وتفرحي محمود.
غامت عين سهر بالدموع وأردفت وهي تبتعد عن صفية:
-أنا معدتش أنفع يا خالتي وبلاش السيرة دي بالله عليكِ أقولك أنا هستناكي برا على ما تجهزي.
أنهت صفية ارتداء ثوبها وهي تشعر بالحزن على حال سهر وغادرت غرفتها وأبتسمت لها وأردفت:
- يلا يا سهر أنا خلصت.
توجهت صفية إلى باب الشقة ووقفت تنتظر سهر التي تقدمت إليها ببطء لتقف أمام الباب المفتوح وتتجمد وقد تبدلت ملامحها، ليحتلها الرعب وارتفع صوت تنفسها وبدأت تتراجع إلى الخلف مرة أخرى وهي تهز رأسها بخوف لتتفجر دموعها وهي تهتف بذعر:
- أنا مش عارفة أتحرك وومش قادرة أخرج، أنا مش هقدر يا خالتي صدقني مش هقدر أ.
لم تستطع سهر إكمال جملتها وجلست أرضًا بعدما خانتها قدميها ولم تستطع حملها وأحاطت رأسها بكفيها واجهشت في البكاء حينها اغلقت صفية الباب سريعًا وجلست بجوار سهر واحاطتها بذراعيها وهتفت تقول:
- طب أهدي يا بنتي وبلاش منه المشوار ده ومتجيش على نفسك بالشكل ده.
غاب عنها أدراكها وأستولى عليها الهذيان وأخذ جسدها يرتحف بين ذراعي صفية وصوتها يردد:
- هو قال لي أنه هيوصل لي تاني لما جالي المستشفى وحلف أنه مش هيسبني وهيرجع تاني، هو قال يا خالتي أنه هيرجع وو، لا ابعديه عني وخبيني منه يا خالتي أبوس أيدك متسبيهوش يعرف مكاني وخبيني جوا حضنك أوعي تسبيني يا خالتي.
أدمى هذيان سهر قلب صفية فانهمرت دموعها شفقة وحزنًا على حال سهر وشددت من احتضانها لها لتطمئنها أنها لن تتركها أبدًا، وحين فُتح الباب صرخت سهر بذعر وانتفض جسدها وتشنج لينتهي بفقدانها للوعي فالتفتت صفية صوب ابنها الذي جمده رؤيته لحالة سهر وصاحت:
- ألحقها يا ابني وشيلها معايا دخلها جوا.
أحس محمود بقلبه يتمزق فقد وقف مصدومًا بما سمعه قبل أن يفتح باب الشقة، وانحنى وحمل سهر ووضعها فوق فراشها بغرفة والدته، ورأى والدته تحمل زجاجة العطر تحاول أفاقتها ولكنها أستمرت على حالها غائبة عن الوعي فصرخت صفية بوجه محمود تقول:
- أعمل أي حاجة البت هتضيع مني روح شوف دكتور ولا أي حد أتصرف يا محمود.
أسرع محمود وغادر وهو لا يرى خطواته بسبب خوفه ليرتطم بقوة بجسد هدى التي كانت تهم بالصعود فوقعت أرضًا ووقف محمود يحدق بها بأسف وانحنى وساعدها على الوقوف واعتذر منها هاتفًا:
- أنا أسف يا هدى معلش مأخدتش بالي أنك طالعة.
أحست هدى بحرارة تغزوها أثر قربه الشديد منها وأجابته وهي تبعد عنه بحرج:
- حصل خير يا أستاذ محمود بس مالك في حاجة حصلت.
زفر محمود بحزن وأجابها:
- سهر تعبانة ومغمى عليها فوق وأنا رايح أجيب لها دكتور.
أوقفته هدى قبل أن يتحرك وهتفت بقولها:
- وتشوف دكتور ليه أطلع حضرتك وأنا هنادي على خالي حمدي ينزل يشوفها ويطمنك عليها.
مد محمود يده بتلقائية وأحتضن كفها وقال:
- بجد يا هدى أنا بشكرك جدا وحقيقي مش هنسى لك المعروف ده.
وتركها وصعد سريعًا ووقفت هدى تنظر لكفها بذهول وبعد ثوان انتبهت لحالها وأخرجت هاتفها وهاتفت والدتها وأخبرتها بما حدث وطلبت منها أن ترسل خالها إلى شقة محمود، وصعدت هدى ووجدت خالها يقف أمام باب محمود فابتسمت له وطرقت الباب ليفتح محمود وعلى وجه علامات القلق والخوف فأشار لحمدي إلى غرفة سهر وحين ولجا سويًا هتف محمود بقوله:
- الدكتور وصل يا أمي أبعدي وخليه يشوف سهر ويطمنا عليها.
اقترب حمدي وأبتسم يطمئن والدة محمود ونظر إلى سهر فشعر لوهله برجفة تسير بجسده لمرأها، فهي كانت كلوحة تجذب العين إليها بشعرها المنثور حولها بعشوائية وعيناها المغمضة وملامحها الرقيقة التي رغم فقدانها للوعي ترتسم عليها الحزن بوضوح، جلس بجانبها ينهر نفسه لتفكيره بها وغض بصره عنها وبدأ في أفاقتها، في حين حدقت هدي بوجه محمود وأحست بالغيرة عليه لخوفه على سهر حينها لم تدر أنها اقتربت منه وحين التفت إليها ابتسمت بحرج وأردفت:
- اطمن إن شاء الله سهر هتفوق وهتبقى بخير ربنا يقومها ليك بالسلامة.
أحست سهر بأن هناك من يحثها على الاستيقاظ رغمًا عنها فعقلها يرحب بتلك الغفوة التي تريحه من الضغوط التي تثقله بالتفكير، يخبرها بأن تظل داخل تلك الهوة السوداء ولكن تلك الوغزة التي أحست بها جعلتها تفتح عيناها ببطء، لتصدمها رؤيتها لوجه غريب عنها قريب منها يحدق بها فجحظت عيناها برعب ورفعت يدها لا إراديا تدافع عن نفسها وهي تصيح:
- لا لا أبعد ألحقوني.
تفجرت مخاوفها دفعة واحدة ودفعته عنها مطلقة صراخات جعلت قلب هدى يهوى بين قدميها وهي تستمع لرجاء سهر المغيبة عن الواقع، وبدت أمامها وكأنها ترى أحدًا ما غيرهم وترجوه أن يبتعد عنها، وشهقت فجأة حين ابتعدت سهر إلى أقصى فراشها وانحصر ثوبها كاشفًا عن ساقها اليمنى وظهرت ندبة بشعة المنظر بدأت من أسفل ركبتها وامتدت إلى أعلى ولم تعلم إلى أى مدى وصلت، والتفتت ببصرها تحدق بوجه خالها الذي سارع وأشاح بوجهه عنها وهو يشعر بالحرج فما كان من صفية إلا أن أسرعت وأخفت جسد سهر أسفل الدثار وعلى وجهها أرتسم الحزن، فحك حمدي ذقنه بقلق وهو يفكر وبعد دقيقة أخرج حقنة أخرى من حقيبته وقال:
-ياريت لو حضرتك تمسكيها كويس علشان أقدر أديها الحقنة دي لإن واضح أن عندها نوبة فزع ولازم تهدى قبل ما جسمها يتخشب.
والتفت حمدي ونظر إلى محمود وأردف:
-ياريت لوتمسكها معاها لو سمحت.
اتسعت عينا محمود بخوف ليقينه أنه لا يستطيع الاقتراب من سهر ويعلم أن باقترابه منها سيزداد فزعها ويحدث مالا يحمد عقباه، فابعد بصره عنها وحدق بوجه هدى التي علت ملامحها الدهشة والصدمة وقال:
- معلش يا هدى امسكيها أنتِ مع أمي علشان أنا معنديش أعصاب.
وبالفعل أحكمت هدى قبضتها مع صفية حول جسد سهر لتمنعها عن الحركة والتلوي بجسدها، واقترب منها حمدي وسط صرخاتها المؤلمة وعويلها لينتهي من حقنها وابتعد عنها ونظر إلى محمود بعين ملائها التساؤل، فأشار له محمود ليغادر برفقته وأغلق الباب وترك سهر بين يدي والدته وهدى، جلس محمود منكس الرأس أرضًا فسمع صوت حمدي يسأله:
- هي الحالة دي بتجيلها كتير.
رفع محمود عيناه وهو يمسح وجهه بكفيه وأردف:
- ليها حوالي خمس سنين وهي على الحال ده.
عبس حمدي وسأله بفضول:
- وأزاي سيبينها بالشكل ده دي المفروض كانت تتعالج وتابع مع دكتور نفسي لحد ما الحالة تروح، أنا مش قصدي أخوفك إنما الوضع كدا خطر عليها.
هز محمود رأسه عاجزًا وأخبره بأسف:
-سهر رافضة العلاج أحنا حاولنا معاها بس هي مرضتش.
شعر حمدي بحزن يحتله على تلك الفتاة التي لمس عذابها الحبيس بداخلها فأراد أن يعرف ما اوصلها لتلك الحالة فسأله محمود بحرج:
- أسف للسؤال بس هو إيه السبب اللي وصلها للحالة دي.
تنهد محمود بحرقة ولم يدر بما يخبر له حمدي فأشاح ببصره هربًا منه وأردف:
- حادثة يا دكتور من وقت ما والدها اتوفى وهي بالحالة دي.
أدرك من تردد صوته أنه لم يخبره بالحقيقة فأومأ ووقف وأخبره بصدق:
- عمومًا لو احتجت لأي مساعدة أنا معاك وأقدر أدلك على دكتور كويس تروح له ويعالجها وقت ما تحب.
كاد محمود أن يجيبه ولكنه لزم الصمت حين غادرت هدى تتبعها والدته فاقترب منها وسأله باهتمام:
-طمنيني يا أمي سهر هدت.
كفكفت صفية دموعها وأجابته:
- أيوة يا محمود الحمد لله هديت وغمضت.
وبدلت صفية بصرها ونظرت إلى حمدي وأردفت:
-أنا مش عارفة لولا يا ابني كان حصل لبنتي إيه، حقيقي شكرًا ليك ولتعبك معانا.
ابتسم حمدي بحرج وخفض وجهه وقال:
- هي عمومًا جسمها ضعيف ومحتاجة اهتمام شوية بالغذا كمان حاولوا تخرجوها تغير جو بعيد عن البيت وأنا هكتب لها على أدوية مقوية للأعصاب وإن شاء الله هتبقى احسن.
أنهى حمدي قوله والتفت إلى ابنه شقيقته وأشار إليها بقوله:
- هتطلعي معايا يا هدى ولا لسه قاعدة.
اقتربت منه هدى وأجابته بحرج:
- هطلع معاك يا خالو.
استئذن حمدي وسار ليضم هدى إليه وغادر، في حين جلست صفية وهي تشعر بالضعف وقالت هامسة:
- الدكتور عايزنا نخرجها طيب أحنا هنخرجها أزاي إن كان اللي حصل ده علشان وقفت على الباب دقيقة.
اقترب محمود من والدته وضمها إليه وأخبرها بحنو:
-ادعي لها يا أمي وأنتِ بتصلي ودلوقتي قومي ريحي حضرتك وأنا هاخد بالي منها لحد ما تصحى.
ساندها محمود وأدخلها غرفته وغادر إلى غرفة سهر وجلس بجوارها يحدق بحزن ويتحسر على ملامحها التي ازداد عمرها كثيرًا بسبب حزنها الدائم، ومرر يده فوق شعرها ومال دون وعي منه يشتمه، فأغمض عيناه بألم وهو يشعر بأشتياقه إليها يؤلمه حد الموت، وتنهد وما أن أبعد وجهه عنها قليلًا حتى حركت سهر وجهها ليواجهه فحدق بشفتيها رغمًا عنه ومال نحوهما ولثم شفتاها التي كانت ترتعش دون سبب، فغرق بقبلتها وتعمق أكثر وحين سمع أنينها أحس بأشتعال رغبته بها، فانتفض مبتعدًا وهو ينهر نفسه لتفكيره المُشين وغادر الغرفة مُسرعًا وولج إلى غرفته واغلق الباب واستند إليه فاعتدلت صفية بجلستها وحدقت به بقلق وسألته بريبة:
- مالك يا محمود وشك مخطوف كده ليه طمني هو في حاجة حصلت لسهر.
نظر محمود لوالدته بصمت وحاول أن يسيطر على رغبته ليفاجئها بقوله:
- أنا موافق على جوازي من هدى فأي وقت وبأي شروط يا أمي وفاقرب فرصة هاخدك ونطلع نطلبها.
ألقي قوله وغادر المنزل نهائيًا، وحين استمعت صفية لصوت أغلاق الباب انتفضت من مكانها وأسرعت نحو غرفة سهر وولجتها بخوف واقتربت منها لتقف على بعد أنشات منها تتفحصها وزفرت بقوة وحمدت الله أن ظنونها لم تكن بمحلها وجلست إلى جوارها وضمتها إليها لتغفو برفقتها.
----------------------
جلس مازن يمازح آدم ويقول:
- الواد آدم تقول طالع شبهك يا دومي عيل رخم وغتت وفصيل بيختار أوقات متنفعش ويبدأ وصلة العياط وإيه يوميًا يا ابني.
ابتسم آدم وقال:
- وهو أنت فاكر إنك هتبقى أب بالساهل ربنا يحفظهولك ويفرحك بيه، المهم أنا عايزك لما تنزل مصر تمر على فرع الشركة الرئيسي وتعمل الاجتماع العمومي مكاني أنا مش حابب أنزل مصر المرة دي وأبقى تابع معايا أون لاين خطوة بخطوة.
أجابه مازن قائلا بضيق:
- ما بلاش أنا يا آدم أنت عارف اللي فيها أنا مصدقت أني بعيد عن شغلك وشركتك بلاش بدل ما يعرف ويرجع يحوم تاني.
وقف آدم بحدة وقال:
- أنا عايزه يرجع يحوم تاني يا مازن علشان أرجع كل اللي سرقه مني هو فاكر إنه كده أخد مني كل حاجة والدك ده عايش فالوهم إنه قدر يضحك عليا هو ومراتك ويسرقوني فاكرين أنهم لما مضوني على ورق بيع وسط ورق الفندق يبقى كده أخد مني كل حاجة خليه يوقع براحته يا مازن ولا أنت لسه خايف عليه.
أرتبك مازن وقال بحرج:
- متنساش أنه فالأول والآخر والدي يا آدم ومهما عمل مش هقدر أنكر أني بحبه لسه، علشان كدا بقلك أبعدني أنا عن شغلك وسيبه فاكر أنه سرق منك كل حاجة بلاش أنا يا آدم تحطني أدام بابا.
تنهد آدم بضيق وقال:
- ياريته يعرف أنك خسارة فيه هو مكنش يليق بيه إلا هايدي.
وقف مازن بضيق وتوجه إلى باب المكتب ليغادر فشعر آدم انه تسبب بأحراجه فقال:
- أنا أسف يا مازن بس حقيقة مش عارف أنسى متزعلش مني عموما أنا واثق إن مراتك اتغيرت لأنها لو كانت زي ماهي فأنا متأكد إنك عمرك ما كنت هتتجوزها.
التف مازن له مرة أخرى وقال:
- حاول تنسى يا آدم وتسامح هايدي لإن اللي حصل لها مكنش شوية ولولا اني لحقتها فالوقت المناسب كانت اتقتلت، أنا عايزك تعرف إن أذى بابا مكنش ليك لوحدك بابا باع هايدي لعمها وأداله الصور اللي صورتهالها وعمها عذبها كتير، وهي شافت اللي ميخطرش على بالك يكفي أني أقولك إنه دفنها عايشة فحاول تسامحها.
غادر مازن وترك آدم يحدق في الفراغ يفكر أن لا أحد منهم سلم من الأذى والألم ولكن بطريقة مختلفة، فوقف ينظر من النافذة التي ترتفع لعنان السماء ليقع بصره على وريقات الزرع التي تحيط بنافذة مكتبه ليتذكر تلك الجنة الخضراء التي عشقها وتمنى أن يسكنها ليتنهد مرة أخرى وهو يعقد حاجبيه ويقول:
- وحشتيني يا سهر.
----------------------
جلس محمود مع والدته أمام حمدي ووالدة هدى سميرة وهو يشعر بشجاعته تنساب منه فشعر بتعرق يداه فسمع حمدي يقول:
- شرفتونا يا أستاذ محمود وحضرتك يا حجة صفية وياترى بنتك عاملة إيه دلوقتي.
أجابته صفية قائلة بابتسامة:
- الحمد لله أهي النهاردة أحسن من اليومين اللي فاتوا شكرا ليك يا دكتور حمدي.
و صمتت قليلا ثم اكملت:
- أنا عارفة إنكم بتسألوا أحنا طالعين ليه.
صمتت صفية مرة أخرى ونظرت إلى سميرة وقالت:
- أحنا جايين نطلب أيد هدى لمحمود ابني.
شهقت سميرة ووقفت فجأة وهي تسأل بأندهاش:
- جايين تطلبوا أيد مين لمين.
أجابها محمود بهدوء وهو ينظر لحمدي:
- أنا جاي أطلب هدى للجواز.
ضحكت سميرة بسخرية وقالت:
- ومجبتش مراتك معاك ليه يا أستاذ محمود هي كمان.
أشاح حمدي ببصره عن محمود حين سمع قول شقيقته وقال يلطف الأمر:
- اقعدي يا سميرة الكلام أخد وعطا وسيبي محمود يقول اللي عنده قبل ما تقولي اللي عندك.
شكر محمود حمدي وقال:
- سهر كانت فعلا جاية تطلب هدى منك ليا يا حجة سميرة بس تعبت والدكتور حمدي وهدى شافوا حالتها كانت عاملة أزاي، وقبل ما تقولي حاجة أنا هصارحك باللي عندي من البداية كده أنا معنديش استعداد أطلق سهر ولا اسيبها لأنها ببساطة ملهاش إلا أمي وأنا فالدنيا كلها ولو سبتها يبقى معنديش أصل، أما سبب إن سهر اختارت هدى وطلبت أني اتجوزها فعلشان حست قد أيه هدى أخلاقها كويسة وشبهنا فحالها وهادية وقلبها طيب وكمان علشان يبقى عندي ولاد لأنها مش بتخلف ولو حضرتك والدكتور حمدي وافقتم أنا هنفذ لكم كل طلباتكم إلا أني اسيب أمي وسهر زي ما قلت.
كانت سميرة تستمع لمحمود بدهشة عقدت لسانها فنظرت إلى شقيقها لتتفاجأ به يقول:
- وأحنا مش هنلاقي أحسن منك لهدى بس أدينا مهلة نعرف رأيها ونرد عليك.
أجابته صفية بصدق:
-وأنا بطمنكم إن هدى هتبقى بنتي التانية وعمرها ما هتحس إن محمود متجوز غيرها وهنشيلها فوق راسنا وجوا قلوبنا، ولو عاوزين ليها شقة لوحدها محمود هيجيب لها شقة تانية بس علشان نبقى على وضوح مش هتبقى شقة تمليك هتبقى إيجار لظروف خاصة شوية وعمومًا أحنا هنستنى ردكم وربنا يوفق هنستئذن أحنا سلام عليكم.
كانت هدى تقف خلف باب غرفتها تستمع لحديث محمود وصفية لتقفز فرحًا بعدما علمت أنه يرغب في الزواج منها، فاخيرًا يتحقق لها حلمها لتتفاجأ بخالها يقف أمام الباب ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة وقال:
- احمدي ربنا إن أنا اللي فتحت الباب والدتك لو شافتك كانت خنقتك بس تعالي هنا هو أنتِ فرحانة إنه طلبك، يابنتي أنا أول مرة أشوف واحدة فرحانة أنها هتتجوز واحد متجوز بس بصراحة هو ميتعيبش الراجل مز بجد.
ضحكت هدى وهي تحتضن خالها وتقول بصوت منخفض:
- أنا مش بخبي عليك حاجة يا خالو وأنت حاسس بكل حاجة، المهم قولي حضرتك هتقدر تقنع أختك ولا هتتخلى عني وتبيعني.
بعثر حمدي شعر هدى وقال:
- قبل أي حاجة وقبل ما نوافق لازم اتأكد من حاجة الأول أنا عاوزك تنزلي وتقابلي سهر وتعرفي هل هي راضية زي ما قالوا ولا.
أجابته هدى مسرعة:
- هنزل حالًا اسألها.
ضحك حمدي بقوة وهو يمسك يد هدى ويقول:
- أهدي يا مجنونة تنزلي فين دلوقتي استني يومين وتنزلي ومحمود مش موجود تحت وبعدين لازم تفكري هل عاوزة تعيشي معاهم تحت ولا عاوزة شقة لوحدك هسيبك بقى واروح أشوف أختي واقنعها.
ليقف فجأة وينظر إلى هدى ويقول:
- بس اللي أنا مستغرب له إحساسي أنك هتبقى زوجة محمود الأولى مش عارف ليه مش حاسسهم متجوزين.
عبست هدى قليلًا وقالت:
- أنا كل يوم بيتأكد لي نفس الإحساس دا يا خالو، هما جيرانا ليهم خمس سنين بس عمري ما شوفت سهر دي إلا من سنة ونص اتعرفت عليها لما شوفتها مرة فالبلكونة ووقع مني الغسيل عندها ونزلت اجيبه وقابلتني بوش جميل وبشوش ومن وقتها وأنا بحسها أختي، أنت عارف إنها أصغر مني بأربع سنين بس بصراحة صعبت عليا أوي لما شوفت رجلها تفتكر حصلها إيه علشان تبقى كدا.
-------------
بعدما دخل محمود إلى شقتهم وجد سهر تقف أمام باب غرفتها فأشاح بوجهه عنها ودخل إلى غرفته وأغلق على نفسه يستند إلى الباب منعزلا عن والدته وسهر، فهو منذ يوم انهيارها يتحاشى التواجد معها ولا يبادلها الحديث فهو لم يغفر لنفسه لحظة ضعفه بعدما كاد أن يتغلب عليه شيطان رغبته بها، انزوى بعيدًا يؤنب نفسه وهو يراقب ملامحها التي زاد حزنها، سمع محمود والدته تقص على سهر ما حدث ليسمع باب غرفتها يغلق فخرج ببطء فوجد والدته تجلس في البلكونة كحالها إن لم تجد شيء تفعله وأقترب من غرفة سهر ليقف مصدومًا وهو يسمع صوت بكائها المكتوم فلم يتمالك نفسه وفتح الباب ليجدها تدفن وجهها في وسادتها وتبكي بقهر، فأغلق الباب خلفه لتحدق به سهر ووتبتعد إلى قرب نافذتها ليقترب منها يراقب ملامحها ولم يستطع قرائتها فهمس وهو يقف أمامها:
- ليه بتعملي فينا كده يا سهر ليه بترميني بأيديكي لغيرك.
أجابته سهر وهي تسمح دموعها بظهر يدها وتنظر له بقهر:
- عاوز تعرف ليه يا محمود أنا هقولك علشان لحد دلوقتي مش عارفة أنسى كلامك مع عمي خميس الله يرحمه وهو بيترجاك تتجوزني وأحنا فالمستشفى وتستر عليا، فاكر ردك عليه كان أيه لو مش فاكر يا محمود أنا فاكرة كويس ومحفور جوايا ردك حرف حرف ومش قادرة انساه ولا أنسى شكلك وأنت بتقوله.
- اتجوز دي اللي اترمت من أيد فؤاد وبقت مستعملة أنا مستحيل أتجوز واحدة رماها غيري لا يمكن ألمس بواقي فؤاد، روح شوف لها أي صايع واديله قرشين وخليه يسترها إنما أنا لاء لاني بقيت بقرف ابصلها.
- عرفت ليه لازم تتجوز غيري لأنك انجبرت عليا، أنت عمرك ما حبيت سهر يا محمود أنت حبيت شكلي الحلو وصغر سني وقتها وأني معنديش أي فكرة عن الدنيا وهتبقى واثق أني خام وقلبي مدقش لحد، أنت حبك ليا كان حب لجسمي وبس ولما فؤاد عمل اللي عمله قرفت مني ولولا عمي خميس واللي عمله فيك مكنتش أبدًا اتجوزتني، واللي متعرفوش يا محمود أنك السبب أني لحد دلوقتي عاوزة أموت فمتشيلنيش ذنبك اكتر من كده.
-----------------------
لماذا أدخلتني في تلك الدوامة الطاحنة لمشاعري ولم تراعي قلبي الذي يفيض بحبها فقط أيعقل أن تكون حتى اللحظة لم يشعر بي قلبها، أيعقل ولم تتحرك مشاعرها تجاهي أنملة، ألهذا الحد حبي لها شفاف لم تراه لتجبرني على الزواج من غيرها، ألهذا الحد وصلت قسوتها بي لتختر لي زوجة تشاركني الحياة بدلا منها، زوجة يصبح لها حقًا في قلبي ولها حق في تملك جسدي، أيتحمل قلبها تلك القسوة منها لتنفض أمري هكذا، كيف لهذا القلب البريء الذي سحقته الحياة بقسوة باردة أن يظلم بمثل هذه القوة، إنه خطأي وحدي فأنا من سلمتها قلبي لتحطمه أسفل قدميها فلم تراعي عذابي وهي أمامي ولا أستطيع لمسها وأنا صاحب الحق فيها، ولكن أنسيت ما حدث لها ما عانته وأنت لم تستطع الحفاظ عليها ولا حمايتها كيف لم تشعر بعذابها وهو يجردها من براءتها ويتركها جثة مشوهة بلا روح، أنسيت صُراخها الذي ابكَ الحجر والبشر في المشفى وهي تنبش بأظافرها جسدها تحاول محو أثاره عنها أنسيت كيف حاولت مرارًا إزهاق روحها لتنقذها طبيبة تارَة وينقذها أباك تارَة وأنت غافل عنها، كيف لك أن تحاسبها وأنت ابتعدت عنها وهربت منها كأنها المذنبة ألم تتنكر لها وتنبذها ألم تراها في ذلك اليوم جسدًا ملوث أبت نفسك أن تمسه وعفت عيناك عن النظر أليها، ولولا صفعة أباك ما كنت عدت إلى رشدك وعدت إليها ولكن طعنتك لها أغلقت في وجهك ذلك الثقب الذي أرادت منك أن تدلف منه إليها فتركتها جريحة الروح تنزوي حول نفسها فأصبحت كتلة صماء لا حياة لها، أنت لم تخسرها وحدها في ذلك اليوم بل خسرت والدتك أتذكر قولها لم تعد ابني فمن حملته بين أضلعي لا يتجبر هكذا، واليوم تفتح لك أملًا لتخلصك من وزر زواجك منها تمد لك يدها لتدعك تعيش الحياة قبل أن تضيع منك هباء، ماذا دهاك يا محمود أستنصاع لطلبها وتنفذ لها رغبتها الوحيدة ورجائها، لا أنا لست بمثل هذه الشجاعة لأرحل عنها إلى أخرى أبثها الحب والغرام كيف أفعلها وهي تنام بجواري يفصلنا ذلك الجدار، كم أود أن احطم ذلك الجدار الذي شيدته حولها لتمنعني عنها كم أود أن اخطفها لأحضاني أنسيها الماضي أطهرها من دنس عار ليس لها ذنب به آه لو تعطني فرصة واحدة فقط فرصة، أنتفض محمود على صوت زميله في مكتب المحاسبة الذي يعمل به منذ خمس سنوات بعدما أتى إلى الإسكندرية مهاجرًا من القاهرة، أعاد صوت أحدهم الوعي لمحمود ليُدرك مكانه فالتفت يحدق بوجه زميله بحيرة وبعد لحظات اعتذر منه وسأله عما يُريده:
- أنا أسف يا أشرف سرحت شوية المهم أنت كنت بتقول إيه.
ابتسم أشرف بتفهم وأردف يسأله:
- بسألك إن كنت هتوافق على الأنتداب لفرع الشركة في القاهرة ولا هترفض زي كل مرة.
أجابه محمود وهو يفكر بأمر سهر وحياته معها:
- ما أنت عارف مش هقدر أسافر وأسيب أهلي لوحدهم فأكيد هعتذر زي كل مرة.
ترك أشرف مقعده واقترب من محمود وأردف يحثه على قبول الأنتداب:
- بس دي فرصة كويسة أوي ليك يا محمود وأنت بصراحة محاسب شاطر جدًا وهما كل سنة يطلبوا منك تسافر شهرين للفرع الرئيسي، فبلاش تضيع منك الفرصة علشان دي ممكن تغير مستقبلك كله ، فياريت لو تفكر كويس قبل ما ترفض بدل ما تندم.
زفر محمود وأغمض عيناه وهمس محدثًا نفسه:
- وهو أنا لسه هندم أنا للأسف ندمت واللي كان كان وخسرتها.
ليعود محمود وينتبه لصوت زميله أشرف وهو يقول:
- لا أنت مش معايا خالص وحالتك حالة أيه يا صاحبي أوعى تكون بتحب جديد.
ابتسم محمود بأسف وحدق بوجه أشرف وقال:
- أنا هقوم أخد إذن وأروح لإني حاسس بتعب ومش قادر أركز.
وبالمنزل وقفت سهر تحث صفية على ارتداء عبائتها بقولها:
- يلا يا خالتي علشان نلحق ننزل قبل ما محمود يجي ويعملها حكاية.
رمقتها صفية بنظرات سخط عبر المرآة وأردفت باستنكار:
- ومالك مستعجلة على إيه تصدقي أنا اللي اسمي أمه مش عاوزة الموضوع ده يتم، وبعدين أنا مش مصدقة بقى معقول أنتِ هتقدر تخرجي برا باب البيت وأحنا ياما اتحيلنا عليكِ تنزلي حتى تقعدي على البحر شوية معانا ومكنش فيه على لسانك غير لاء وأنتِ عارفة بقى اللي بيحصل بعدها.
أغمضت سهر عيناها هربًا من تحديق صفيه بها وهتفت بصوتٍ حزين:
- علشان خاطر محمود أنا ممكن أرمي نفسى فالنار يا خالتي، المهم أنه يفوق لنفسه ويتجوز علشان أنا نفسي أبقى عمة أوي.
شهقت صفية وضربت على صدرها بيدها وهتفت بعتاب:
- عمة ودي تيجي أزاي يا سهر ومحمود جوزك مش أخوكي، يا بنتي ما أنتِ لو حاولتي تدي نفسك فرصة وتنسي بدل ما هتبقي عمة زي ما بتقولي هتبقي أنتِ اللي أم وتفرحيني وتفرحي محمود.
غامت عين سهر بالدموع وأردفت وهي تبتعد عن صفية:
-أنا معدتش أنفع يا خالتي وبلاش السيرة دي بالله عليكِ أقولك أنا هستناكي برا على ما تجهزي.
أنهت صفية ارتداء ثوبها وهي تشعر بالحزن على حال سهر وغادرت غرفتها وأبتسمت لها وأردفت:
- يلا يا سهر أنا خلصت.
توجهت صفية إلى باب الشقة ووقفت تنتظر سهر التي تقدمت إليها ببطء لتقف أمام الباب المفتوح وتتجمد وقد تبدلت ملامحها، ليحتلها الرعب وارتفع صوت تنفسها وبدأت تتراجع إلى الخلف مرة أخرى وهي تهز رأسها بخوف لتتفجر دموعها وهي تهتف بذعر:
- أنا مش عارفة أتحرك وومش قادرة أخرج، أنا مش هقدر يا خالتي صدقني مش هقدر أ.
لم تستطع سهر إكمال جملتها وجلست أرضًا بعدما خانتها قدميها ولم تستطع حملها وأحاطت رأسها بكفيها واجهشت في البكاء حينها اغلقت صفية الباب سريعًا وجلست بجوار سهر واحاطتها بذراعيها وهتفت تقول:
- طب أهدي يا بنتي وبلاش منه المشوار ده ومتجيش على نفسك بالشكل ده.
غاب عنها أدراكها وأستولى عليها الهذيان وأخذ جسدها يرتحف بين ذراعي صفية وصوتها يردد:
- هو قال لي أنه هيوصل لي تاني لما جالي المستشفى وحلف أنه مش هيسبني وهيرجع تاني، هو قال يا خالتي أنه هيرجع وو، لا ابعديه عني وخبيني منه يا خالتي أبوس أيدك متسبيهوش يعرف مكاني وخبيني جوا حضنك أوعي تسبيني يا خالتي.
أدمى هذيان سهر قلب صفية فانهمرت دموعها شفقة وحزنًا على حال سهر وشددت من احتضانها لها لتطمئنها أنها لن تتركها أبدًا، وحين فُتح الباب صرخت سهر بذعر وانتفض جسدها وتشنج لينتهي بفقدانها للوعي فالتفتت صفية صوب ابنها الذي جمده رؤيته لحالة سهر وصاحت:
- ألحقها يا ابني وشيلها معايا دخلها جوا.
أحس محمود بقلبه يتمزق فقد وقف مصدومًا بما سمعه قبل أن يفتح باب الشقة، وانحنى وحمل سهر ووضعها فوق فراشها بغرفة والدته، ورأى والدته تحمل زجاجة العطر تحاول أفاقتها ولكنها أستمرت على حالها غائبة عن الوعي فصرخت صفية بوجه محمود تقول:
- أعمل أي حاجة البت هتضيع مني روح شوف دكتور ولا أي حد أتصرف يا محمود.
أسرع محمود وغادر وهو لا يرى خطواته بسبب خوفه ليرتطم بقوة بجسد هدى التي كانت تهم بالصعود فوقعت أرضًا ووقف محمود يحدق بها بأسف وانحنى وساعدها على الوقوف واعتذر منها هاتفًا:
- أنا أسف يا هدى معلش مأخدتش بالي أنك طالعة.
أحست هدى بحرارة تغزوها أثر قربه الشديد منها وأجابته وهي تبعد عنه بحرج:
- حصل خير يا أستاذ محمود بس مالك في حاجة حصلت.
زفر محمود بحزن وأجابها:
- سهر تعبانة ومغمى عليها فوق وأنا رايح أجيب لها دكتور.
أوقفته هدى قبل أن يتحرك وهتفت بقولها:
- وتشوف دكتور ليه أطلع حضرتك وأنا هنادي على خالي حمدي ينزل يشوفها ويطمنك عليها.
مد محمود يده بتلقائية وأحتضن كفها وقال:
- بجد يا هدى أنا بشكرك جدا وحقيقي مش هنسى لك المعروف ده.
وتركها وصعد سريعًا ووقفت هدى تنظر لكفها بذهول وبعد ثوان انتبهت لحالها وأخرجت هاتفها وهاتفت والدتها وأخبرتها بما حدث وطلبت منها أن ترسل خالها إلى شقة محمود، وصعدت هدى ووجدت خالها يقف أمام باب محمود فابتسمت له وطرقت الباب ليفتح محمود وعلى وجه علامات القلق والخوف فأشار لحمدي إلى غرفة سهر وحين ولجا سويًا هتف محمود بقوله:
- الدكتور وصل يا أمي أبعدي وخليه يشوف سهر ويطمنا عليها.
اقترب حمدي وأبتسم يطمئن والدة محمود ونظر إلى سهر فشعر لوهله برجفة تسير بجسده لمرأها، فهي كانت كلوحة تجذب العين إليها بشعرها المنثور حولها بعشوائية وعيناها المغمضة وملامحها الرقيقة التي رغم فقدانها للوعي ترتسم عليها الحزن بوضوح، جلس بجانبها ينهر نفسه لتفكيره بها وغض بصره عنها وبدأ في أفاقتها، في حين حدقت هدي بوجه محمود وأحست بالغيرة عليه لخوفه على سهر حينها لم تدر أنها اقتربت منه وحين التفت إليها ابتسمت بحرج وأردفت:
- اطمن إن شاء الله سهر هتفوق وهتبقى بخير ربنا يقومها ليك بالسلامة.
أحست سهر بأن هناك من يحثها على الاستيقاظ رغمًا عنها فعقلها يرحب بتلك الغفوة التي تريحه من الضغوط التي تثقله بالتفكير، يخبرها بأن تظل داخل تلك الهوة السوداء ولكن تلك الوغزة التي أحست بها جعلتها تفتح عيناها ببطء، لتصدمها رؤيتها لوجه غريب عنها قريب منها يحدق بها فجحظت عيناها برعب ورفعت يدها لا إراديا تدافع عن نفسها وهي تصيح:
- لا لا أبعد ألحقوني.
تفجرت مخاوفها دفعة واحدة ودفعته عنها مطلقة صراخات جعلت قلب هدى يهوى بين قدميها وهي تستمع لرجاء سهر المغيبة عن الواقع، وبدت أمامها وكأنها ترى أحدًا ما غيرهم وترجوه أن يبتعد عنها، وشهقت فجأة حين ابتعدت سهر إلى أقصى فراشها وانحصر ثوبها كاشفًا عن ساقها اليمنى وظهرت ندبة بشعة المنظر بدأت من أسفل ركبتها وامتدت إلى أعلى ولم تعلم إلى أى مدى وصلت، والتفتت ببصرها تحدق بوجه خالها الذي سارع وأشاح بوجهه عنها وهو يشعر بالحرج فما كان من صفية إلا أن أسرعت وأخفت جسد سهر أسفل الدثار وعلى وجهها أرتسم الحزن، فحك حمدي ذقنه بقلق وهو يفكر وبعد دقيقة أخرج حقنة أخرى من حقيبته وقال:
-ياريت لو حضرتك تمسكيها كويس علشان أقدر أديها الحقنة دي لإن واضح أن عندها نوبة فزع ولازم تهدى قبل ما جسمها يتخشب.
والتفت حمدي ونظر إلى محمود وأردف:
-ياريت لوتمسكها معاها لو سمحت.
اتسعت عينا محمود بخوف ليقينه أنه لا يستطيع الاقتراب من سهر ويعلم أن باقترابه منها سيزداد فزعها ويحدث مالا يحمد عقباه، فابعد بصره عنها وحدق بوجه هدى التي علت ملامحها الدهشة والصدمة وقال:
- معلش يا هدى امسكيها أنتِ مع أمي علشان أنا معنديش أعصاب.
وبالفعل أحكمت هدى قبضتها مع صفية حول جسد سهر لتمنعها عن الحركة والتلوي بجسدها، واقترب منها حمدي وسط صرخاتها المؤلمة وعويلها لينتهي من حقنها وابتعد عنها ونظر إلى محمود بعين ملائها التساؤل، فأشار له محمود ليغادر برفقته وأغلق الباب وترك سهر بين يدي والدته وهدى، جلس محمود منكس الرأس أرضًا فسمع صوت حمدي يسأله:
- هي الحالة دي بتجيلها كتير.
رفع محمود عيناه وهو يمسح وجهه بكفيه وأردف:
- ليها حوالي خمس سنين وهي على الحال ده.
عبس حمدي وسأله بفضول:
- وأزاي سيبينها بالشكل ده دي المفروض كانت تتعالج وتابع مع دكتور نفسي لحد ما الحالة تروح، أنا مش قصدي أخوفك إنما الوضع كدا خطر عليها.
هز محمود رأسه عاجزًا وأخبره بأسف:
-سهر رافضة العلاج أحنا حاولنا معاها بس هي مرضتش.
شعر حمدي بحزن يحتله على تلك الفتاة التي لمس عذابها الحبيس بداخلها فأراد أن يعرف ما اوصلها لتلك الحالة فسأله محمود بحرج:
- أسف للسؤال بس هو إيه السبب اللي وصلها للحالة دي.
تنهد محمود بحرقة ولم يدر بما يخبر له حمدي فأشاح ببصره هربًا منه وأردف:
- حادثة يا دكتور من وقت ما والدها اتوفى وهي بالحالة دي.
أدرك من تردد صوته أنه لم يخبره بالحقيقة فأومأ ووقف وأخبره بصدق:
- عمومًا لو احتجت لأي مساعدة أنا معاك وأقدر أدلك على دكتور كويس تروح له ويعالجها وقت ما تحب.
كاد محمود أن يجيبه ولكنه لزم الصمت حين غادرت هدى تتبعها والدته فاقترب منها وسأله باهتمام:
-طمنيني يا أمي سهر هدت.
كفكفت صفية دموعها وأجابته:
- أيوة يا محمود الحمد لله هديت وغمضت.
وبدلت صفية بصرها ونظرت إلى حمدي وأردفت:
-أنا مش عارفة لولا يا ابني كان حصل لبنتي إيه، حقيقي شكرًا ليك ولتعبك معانا.
ابتسم حمدي بحرج وخفض وجهه وقال:
- هي عمومًا جسمها ضعيف ومحتاجة اهتمام شوية بالغذا كمان حاولوا تخرجوها تغير جو بعيد عن البيت وأنا هكتب لها على أدوية مقوية للأعصاب وإن شاء الله هتبقى احسن.
أنهى حمدي قوله والتفت إلى ابنه شقيقته وأشار إليها بقوله:
- هتطلعي معايا يا هدى ولا لسه قاعدة.
اقتربت منه هدى وأجابته بحرج:
- هطلع معاك يا خالو.
استئذن حمدي وسار ليضم هدى إليه وغادر، في حين جلست صفية وهي تشعر بالضعف وقالت هامسة:
- الدكتور عايزنا نخرجها طيب أحنا هنخرجها أزاي إن كان اللي حصل ده علشان وقفت على الباب دقيقة.
اقترب محمود من والدته وضمها إليه وأخبرها بحنو:
-ادعي لها يا أمي وأنتِ بتصلي ودلوقتي قومي ريحي حضرتك وأنا هاخد بالي منها لحد ما تصحى.
ساندها محمود وأدخلها غرفته وغادر إلى غرفة سهر وجلس بجوارها يحدق بحزن ويتحسر على ملامحها التي ازداد عمرها كثيرًا بسبب حزنها الدائم، ومرر يده فوق شعرها ومال دون وعي منه يشتمه، فأغمض عيناه بألم وهو يشعر بأشتياقه إليها يؤلمه حد الموت، وتنهد وما أن أبعد وجهه عنها قليلًا حتى حركت سهر وجهها ليواجهه فحدق بشفتيها رغمًا عنه ومال نحوهما ولثم شفتاها التي كانت ترتعش دون سبب، فغرق بقبلتها وتعمق أكثر وحين سمع أنينها أحس بأشتعال رغبته بها، فانتفض مبتعدًا وهو ينهر نفسه لتفكيره المُشين وغادر الغرفة مُسرعًا وولج إلى غرفته واغلق الباب واستند إليه فاعتدلت صفية بجلستها وحدقت به بقلق وسألته بريبة:
- مالك يا محمود وشك مخطوف كده ليه طمني هو في حاجة حصلت لسهر.
نظر محمود لوالدته بصمت وحاول أن يسيطر على رغبته ليفاجئها بقوله:
- أنا موافق على جوازي من هدى فأي وقت وبأي شروط يا أمي وفاقرب فرصة هاخدك ونطلع نطلبها.
ألقي قوله وغادر المنزل نهائيًا، وحين استمعت صفية لصوت أغلاق الباب انتفضت من مكانها وأسرعت نحو غرفة سهر وولجتها بخوف واقتربت منها لتقف على بعد أنشات منها تتفحصها وزفرت بقوة وحمدت الله أن ظنونها لم تكن بمحلها وجلست إلى جوارها وضمتها إليها لتغفو برفقتها.
----------------------
جلس مازن يمازح آدم ويقول:
- الواد آدم تقول طالع شبهك يا دومي عيل رخم وغتت وفصيل بيختار أوقات متنفعش ويبدأ وصلة العياط وإيه يوميًا يا ابني.
ابتسم آدم وقال:
- وهو أنت فاكر إنك هتبقى أب بالساهل ربنا يحفظهولك ويفرحك بيه، المهم أنا عايزك لما تنزل مصر تمر على فرع الشركة الرئيسي وتعمل الاجتماع العمومي مكاني أنا مش حابب أنزل مصر المرة دي وأبقى تابع معايا أون لاين خطوة بخطوة.
أجابه مازن قائلا بضيق:
- ما بلاش أنا يا آدم أنت عارف اللي فيها أنا مصدقت أني بعيد عن شغلك وشركتك بلاش بدل ما يعرف ويرجع يحوم تاني.
وقف آدم بحدة وقال:
- أنا عايزه يرجع يحوم تاني يا مازن علشان أرجع كل اللي سرقه مني هو فاكر إنه كده أخد مني كل حاجة والدك ده عايش فالوهم إنه قدر يضحك عليا هو ومراتك ويسرقوني فاكرين أنهم لما مضوني على ورق بيع وسط ورق الفندق يبقى كده أخد مني كل حاجة خليه يوقع براحته يا مازن ولا أنت لسه خايف عليه.
أرتبك مازن وقال بحرج:
- متنساش أنه فالأول والآخر والدي يا آدم ومهما عمل مش هقدر أنكر أني بحبه لسه، علشان كدا بقلك أبعدني أنا عن شغلك وسيبه فاكر أنه سرق منك كل حاجة بلاش أنا يا آدم تحطني أدام بابا.
تنهد آدم بضيق وقال:
- ياريته يعرف أنك خسارة فيه هو مكنش يليق بيه إلا هايدي.
وقف مازن بضيق وتوجه إلى باب المكتب ليغادر فشعر آدم انه تسبب بأحراجه فقال:
- أنا أسف يا مازن بس حقيقة مش عارف أنسى متزعلش مني عموما أنا واثق إن مراتك اتغيرت لأنها لو كانت زي ماهي فأنا متأكد إنك عمرك ما كنت هتتجوزها.
التف مازن له مرة أخرى وقال:
- حاول تنسى يا آدم وتسامح هايدي لإن اللي حصل لها مكنش شوية ولولا اني لحقتها فالوقت المناسب كانت اتقتلت، أنا عايزك تعرف إن أذى بابا مكنش ليك لوحدك بابا باع هايدي لعمها وأداله الصور اللي صورتهالها وعمها عذبها كتير، وهي شافت اللي ميخطرش على بالك يكفي أني أقولك إنه دفنها عايشة فحاول تسامحها.
غادر مازن وترك آدم يحدق في الفراغ يفكر أن لا أحد منهم سلم من الأذى والألم ولكن بطريقة مختلفة، فوقف ينظر من النافذة التي ترتفع لعنان السماء ليقع بصره على وريقات الزرع التي تحيط بنافذة مكتبه ليتذكر تلك الجنة الخضراء التي عشقها وتمنى أن يسكنها ليتنهد مرة أخرى وهو يعقد حاجبيه ويقول:
- وحشتيني يا سهر.
----------------------
جلس محمود مع والدته أمام حمدي ووالدة هدى سميرة وهو يشعر بشجاعته تنساب منه فشعر بتعرق يداه فسمع حمدي يقول:
- شرفتونا يا أستاذ محمود وحضرتك يا حجة صفية وياترى بنتك عاملة إيه دلوقتي.
أجابته صفية قائلة بابتسامة:
- الحمد لله أهي النهاردة أحسن من اليومين اللي فاتوا شكرا ليك يا دكتور حمدي.
و صمتت قليلا ثم اكملت:
- أنا عارفة إنكم بتسألوا أحنا طالعين ليه.
صمتت صفية مرة أخرى ونظرت إلى سميرة وقالت:
- أحنا جايين نطلب أيد هدى لمحمود ابني.
شهقت سميرة ووقفت فجأة وهي تسأل بأندهاش:
- جايين تطلبوا أيد مين لمين.
أجابها محمود بهدوء وهو ينظر لحمدي:
- أنا جاي أطلب هدى للجواز.
ضحكت سميرة بسخرية وقالت:
- ومجبتش مراتك معاك ليه يا أستاذ محمود هي كمان.
أشاح حمدي ببصره عن محمود حين سمع قول شقيقته وقال يلطف الأمر:
- اقعدي يا سميرة الكلام أخد وعطا وسيبي محمود يقول اللي عنده قبل ما تقولي اللي عندك.
شكر محمود حمدي وقال:
- سهر كانت فعلا جاية تطلب هدى منك ليا يا حجة سميرة بس تعبت والدكتور حمدي وهدى شافوا حالتها كانت عاملة أزاي، وقبل ما تقولي حاجة أنا هصارحك باللي عندي من البداية كده أنا معنديش استعداد أطلق سهر ولا اسيبها لأنها ببساطة ملهاش إلا أمي وأنا فالدنيا كلها ولو سبتها يبقى معنديش أصل، أما سبب إن سهر اختارت هدى وطلبت أني اتجوزها فعلشان حست قد أيه هدى أخلاقها كويسة وشبهنا فحالها وهادية وقلبها طيب وكمان علشان يبقى عندي ولاد لأنها مش بتخلف ولو حضرتك والدكتور حمدي وافقتم أنا هنفذ لكم كل طلباتكم إلا أني اسيب أمي وسهر زي ما قلت.
كانت سميرة تستمع لمحمود بدهشة عقدت لسانها فنظرت إلى شقيقها لتتفاجأ به يقول:
- وأحنا مش هنلاقي أحسن منك لهدى بس أدينا مهلة نعرف رأيها ونرد عليك.
أجابته صفية بصدق:
-وأنا بطمنكم إن هدى هتبقى بنتي التانية وعمرها ما هتحس إن محمود متجوز غيرها وهنشيلها فوق راسنا وجوا قلوبنا، ولو عاوزين ليها شقة لوحدها محمود هيجيب لها شقة تانية بس علشان نبقى على وضوح مش هتبقى شقة تمليك هتبقى إيجار لظروف خاصة شوية وعمومًا أحنا هنستنى ردكم وربنا يوفق هنستئذن أحنا سلام عليكم.
كانت هدى تقف خلف باب غرفتها تستمع لحديث محمود وصفية لتقفز فرحًا بعدما علمت أنه يرغب في الزواج منها، فاخيرًا يتحقق لها حلمها لتتفاجأ بخالها يقف أمام الباب ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة وقال:
- احمدي ربنا إن أنا اللي فتحت الباب والدتك لو شافتك كانت خنقتك بس تعالي هنا هو أنتِ فرحانة إنه طلبك، يابنتي أنا أول مرة أشوف واحدة فرحانة أنها هتتجوز واحد متجوز بس بصراحة هو ميتعيبش الراجل مز بجد.
ضحكت هدى وهي تحتضن خالها وتقول بصوت منخفض:
- أنا مش بخبي عليك حاجة يا خالو وأنت حاسس بكل حاجة، المهم قولي حضرتك هتقدر تقنع أختك ولا هتتخلى عني وتبيعني.
بعثر حمدي شعر هدى وقال:
- قبل أي حاجة وقبل ما نوافق لازم اتأكد من حاجة الأول أنا عاوزك تنزلي وتقابلي سهر وتعرفي هل هي راضية زي ما قالوا ولا.
أجابته هدى مسرعة:
- هنزل حالًا اسألها.
ضحك حمدي بقوة وهو يمسك يد هدى ويقول:
- أهدي يا مجنونة تنزلي فين دلوقتي استني يومين وتنزلي ومحمود مش موجود تحت وبعدين لازم تفكري هل عاوزة تعيشي معاهم تحت ولا عاوزة شقة لوحدك هسيبك بقى واروح أشوف أختي واقنعها.
ليقف فجأة وينظر إلى هدى ويقول:
- بس اللي أنا مستغرب له إحساسي أنك هتبقى زوجة محمود الأولى مش عارف ليه مش حاسسهم متجوزين.
عبست هدى قليلًا وقالت:
- أنا كل يوم بيتأكد لي نفس الإحساس دا يا خالو، هما جيرانا ليهم خمس سنين بس عمري ما شوفت سهر دي إلا من سنة ونص اتعرفت عليها لما شوفتها مرة فالبلكونة ووقع مني الغسيل عندها ونزلت اجيبه وقابلتني بوش جميل وبشوش ومن وقتها وأنا بحسها أختي، أنت عارف إنها أصغر مني بأربع سنين بس بصراحة صعبت عليا أوي لما شوفت رجلها تفتكر حصلها إيه علشان تبقى كدا.
-------------
بعدما دخل محمود إلى شقتهم وجد سهر تقف أمام باب غرفتها فأشاح بوجهه عنها ودخل إلى غرفته وأغلق على نفسه يستند إلى الباب منعزلا عن والدته وسهر، فهو منذ يوم انهيارها يتحاشى التواجد معها ولا يبادلها الحديث فهو لم يغفر لنفسه لحظة ضعفه بعدما كاد أن يتغلب عليه شيطان رغبته بها، انزوى بعيدًا يؤنب نفسه وهو يراقب ملامحها التي زاد حزنها، سمع محمود والدته تقص على سهر ما حدث ليسمع باب غرفتها يغلق فخرج ببطء فوجد والدته تجلس في البلكونة كحالها إن لم تجد شيء تفعله وأقترب من غرفة سهر ليقف مصدومًا وهو يسمع صوت بكائها المكتوم فلم يتمالك نفسه وفتح الباب ليجدها تدفن وجهها في وسادتها وتبكي بقهر، فأغلق الباب خلفه لتحدق به سهر ووتبتعد إلى قرب نافذتها ليقترب منها يراقب ملامحها ولم يستطع قرائتها فهمس وهو يقف أمامها:
- ليه بتعملي فينا كده يا سهر ليه بترميني بأيديكي لغيرك.
أجابته سهر وهي تسمح دموعها بظهر يدها وتنظر له بقهر:
- عاوز تعرف ليه يا محمود أنا هقولك علشان لحد دلوقتي مش عارفة أنسى كلامك مع عمي خميس الله يرحمه وهو بيترجاك تتجوزني وأحنا فالمستشفى وتستر عليا، فاكر ردك عليه كان أيه لو مش فاكر يا محمود أنا فاكرة كويس ومحفور جوايا ردك حرف حرف ومش قادرة انساه ولا أنسى شكلك وأنت بتقوله.
- اتجوز دي اللي اترمت من أيد فؤاد وبقت مستعملة أنا مستحيل أتجوز واحدة رماها غيري لا يمكن ألمس بواقي فؤاد، روح شوف لها أي صايع واديله قرشين وخليه يسترها إنما أنا لاء لاني بقيت بقرف ابصلها.
- عرفت ليه لازم تتجوز غيري لأنك انجبرت عليا، أنت عمرك ما حبيت سهر يا محمود أنت حبيت شكلي الحلو وصغر سني وقتها وأني معنديش أي فكرة عن الدنيا وهتبقى واثق أني خام وقلبي مدقش لحد، أنت حبك ليا كان حب لجسمي وبس ولما فؤاد عمل اللي عمله قرفت مني ولولا عمي خميس واللي عمله فيك مكنتش أبدًا اتجوزتني، واللي متعرفوش يا محمود أنك السبب أني لحد دلوقتي عاوزة أموت فمتشيلنيش ذنبك اكتر من كده.
