رواية اصداء القلوب الفصل التاسع 9 بقلم سهي الشريف
9 | ذاكِـرة تنـزف بـبُطء
أَما وَاللَهُ إِنَّ الظُلمَ شُؤمٌ
وَلا زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ
+
إِلى الديّانِ يَومُ الدينِ نَمضي
وَعِندَ اللَهِ تَجتَمِعُ الخُصومُ!
+
- أبوالعتاهية.
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_التاسع
#سهى_الشريف
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان "جواد" يهبط درجات الدرج بخطوات ثابتة، لكن عقله كان يعصف بأفكار متشابكة، بالكاد يعي خطواته ، رفع عينيه بلا وعي نحو الطاولات في الطابق الأرضي، ليُبصرها وسط الجمع ، طالع في هيئتها بشيء من الريبة، ولم تخفَ عليه حركتها غير المتزنة.
+
ما أن وضع قدمه على الأرضية حتى أسرع نحوها بخطوات متفحصًا حالتها وفي لحظة مباغتة، رأى جسدها ينهار أمام عينيه ،وبحركة غير إرادية، اتسعت خطواته، ومد يده سريعًا ليمسك بذراعها قبل أن تصطدم بالأرض بعنف.
+
سقطت بين ذراعيه، فمال بجذعه إلى الأسفل ليهبط معها برفق وبدأ العاملون في المطعم يتجمعون حوله، عبارات الدهشة تتطاير بينهم، بينما بعض الضيوف لفتتهم الفوضى القريبة من المطبخ ،رفع "جواد" عينيه بعد أن فقد الأمل في أي استجابة منها، ثم أصدر أمرًا حازمًا:
+
- حد يتصل بالإسعاف حالًا!
2
هرع أحد العاملين للاتصال، فيما بقيت هي جاثية نصف جسدها بين ذراعيه، بينما الجزء الآخر ممد على الأرض ،لم يتردد "جواد" طويلًا، استقام حاملاً إياها بين ذراعيه بثبات، وسار نحو مكتب شؤون العاملين كما أشارت السيدة "محاسن".
+
دلف إلى المكتب يبحث عن مكان يُمددها عليه، لكن لم يجد سوى كرسي أمام المكتب ، وضعها عليه بحرص، فقط ليبعدها عن أعين الزبائن، ويركز تفكيره على فعل أي شيء حتى وصول الإسعاف.
+
جلست السيدة "محاسن" على طاولة صغيرة بجانب الكرسي لتُسنِد رأس "ليلى" على صدرها، في حين تقدمت إحدى العاملات بزجاجة ماء وهبطت على ركبتيها أمامها ،ألقت "محاسن" نظرة سريعة على العاملة، ثم أخذت الزجاجة لتنثر قليلًا من الماء على وجه "ليلى"، لكن لم تكن هناك أي استجابة.
+
قالت "محاسن" بقلق وهي ترفع وجهها نحو العاملين:
+
- هي حصلها إيه؟ ما كانت جاية كويسة؟
+
نظر الجميع لبعضهم في حيرة، لا أحد يعلم الإجابة، والجميع يتبادل النظرات بلا يقين.
+
كان "جواد" واقفًا يراقب الموقف بصمت ممتلئ بالقلق، عينيه لا تفارق وجهها الشاحب ، هي لم تكن مألوفة له؛ لأول مرة يُبصرها ، لكن زيِّ العمل الذي ترتديه جعلها تحت مسؤوليته ، و شحوبها كان كافيًا ليشعل داخله التوتر.
+
سريعا أخرج من جيبه زجاجة عطر صغيرة، مدّها إلى "محاسن" وقال:
+
- جرّبي شِمّيها البرفان ده.
+
أخذتها "محاسن" وقربت العطر لأنف "ليلى"، وكررت المحاولة أكثر من مرة، لكن دون جدوى ، و في تلك اللحظة قطع تجمع العاملين صوت غاضب آتٍ من الخارج:
+
- في إيه هنا؟! سايبين الناس بره ومكدسين نفسكم هنا ليه؟
+
تفرق الجمع ليظهر "حسام" ودلف إلى المكتب بخطوات غاضبة، وعيناه مسلطة على المشهد أمامه ،وقف للحظة في صدمة، ثم نظر إلى "جواد" متسائلًا :
+
- إيه اللي حصل؟ مالها ؟
+
صمت "جواد" للحظات، تقدم "حسام" بخطوات حذرة نحو "ليلى" مال بجذعه ليتفحص وجهها، لكن حركة يده قُبلت برد فعل سريع من "جواد" الذي أمسك يده قائلاً بنبرة حادة:
+
- مش وقته يا حسام، مش شايف أنه مُغمى عليها !
+
رفع "حسام" عينيه نحو "جواد" بتساؤل، لكن لم ينطق بشيء، واخترق الجو صوت صافرات الإسعاف، ليُعلن وصول الطاقم الطبي ، دلفوا إلى المكتب حاملين الناقلة الطبية، بينما قام "جواد" بحمل "ليلى" مرة أخرى برفق، ليضعها على الناقلة.
+
قبل أن يهرع " حسام " خلفهم إلى الخارج، أوقفه "جواد" بيده، وقال:
+
- خليك هنا، ظبّط الدنيا وهدّي الناس... أنا اللي هروح معاها.
+
أومأ "حسام" بتردد، بينما التفت "جواد" إلى السيدة "محاسن" قائلاً:
+
- تواصلي مع أهلها فورًا ، لازم يعرفوا اللي حصل.
2
خرج "جواد" على عجلة، وسط نظرات العاملين والزبائن التي كانت مليئة بالفضول والقلق ، صعد إلى سيارته بسرعة متجهًا إلى المستشفى .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت القاعة تفيض بالترقب، الموظفون يجلسون في مقاعدهم على طاولة الاجتماعات الطويلة، وأعينهم مُثبتة على "فاروق الرفاعي" رئيس مجلس الإدارة الذي وقف بجوار الشاشة الكبيرة يعكس هيبته بثبات، مرت ساعتين و نصف على بداية الاجتماع، انهمرت خلالهما العروض التقديمية، المناقشات الحادة، واستعراض تطورات المشروع الأخير.
+
وقف "فاروق" مُستقيمًا، وألقى نظرة عامة على الحضور، ثم بدأ حديثه بنبرة حازمة وهادئة:
+
- بشكركم جميعًا على حضوركم النهاردة، رغم إن اليوم إجازة، لكن الظروف استدعت اجتماعنا ، المشروع اللي بين إيدينا مش بس ضخم، لكنه نقطة تحول في مسار الشركة كلها.
+
أومأ الجميع بتقدير واحترام، بينما بدأ الموظفون في جمع أغراضهم.
+
كانت هي جالسة في الخارج أمام قاعة الإجتماعات ، تطالع في ساعة معصمها كل ثانيتين و بتأفف طفولي تنتظر والدتها أن تُنهي الإجتماع ، و فجأة فُتح الباب ليخرج منه أحد الموظفين لتستقيم واقفة بلهفة و هي تُمرر عيناها على الخارجين علها تلمح والدتها .
+
تقدمت بخطوات بطيئة مُترددة تُشد على حقبيتها و كأنها ملجئ ثباتها ، لتُبصر أخيراً من تنتظرها ، و تقدمت منها سريعاً تهتف بسعادة :
+
- مامي وحشتيني..
+
ألتفت " مريهان " خلفها بصدمة لتبتسم بلُطف فور أن لمحت " وردة " لتهتف مُتسائله و هي تُهذب شعرها :
+
- إنتِ كُنتِ مستنياني كل ده يا ورد ؟!
+
أومأت برأسها سريعاً في إيجاب، لتتسع ابتسامة والدتها بامتنان ثم لمحت بطرف عيناها خروج " مؤمن " لتهتف " مريهان " :
+
- باشمهندس مؤمن !
+
ألتفت " مؤمن " بملامح جامدة إثر ندائها ، و عندما اقترب وقفت "مريهان" بابتسامة مهنية وقالت بنبرة جدية، لكن ودودة:
+
- باشمهندس مؤمن، قبل ما تمشي محتاجة منك تتأكد من النماذج النهائية للمخططات اللي هنقدّمها للمستثمرين ، عايزة كل حاجة تبقى جاهزة ومتراجعة بالكامل قبل الاجتماع النهائي الأسبوع الجاي.
+
رفع "مؤمن" حاجبيه قليلاً، ثم أومأ باحترام وأجاب:
+
- تمام يا باشمهندس ، كنت هراجعها النهارده بالفعل، وهرفع لحضرتك تقرير بالتعديلات المطلوبة لو لقيت أي ملاحظات.
+
في تلك الأثناء، كانت "وردة" تقف بجوار والدتها، تطالع "مؤمن" بعينين مفعمتين بالفضول، تبتسم بخفوت وكأنها تنتظر منه التفاتة أو كلمة صغيرة ، فابتسمت "مريهان" برضا وأردفت :
1
- ممتاز، كمان لو في أي نقاط هندسية محتاجة توضيح إضافي، بلغني عشان نكون مستعدين للإجابة عن أي استفسارات.
+
رد "مؤمن" بنبرة عملية، وعيناه تلمعان بثقة :
+
- أكيد، هخلص المراجعة قبل نهاية اليوم وهبعت لحضرتك ملخص بكل التفاصيل.
+
في تلك الأثناء أقترب " آسر " من ذلك الجمع ، ليلتفت " مؤمن " له و بابتسامة ودودة مد " آسر " يده قائلا :
+
- باشمهندس..
+
ابتسم " مؤمن " و بادله السلام ، و قال :
+
- آسر .
+
ثم صمتّ قليلاً و هتف :
+
- عن أذنكُم ..
+
أومأ له الجميع بينما كانت "وردة" تراقبه بعيون متسائلة، تُقطب حاجبيها بعدم فهم ، خُصلات شعرها الطفولي المتناثرة على جبينها تزيد من براءتها، لكنها شعرت بالخذلان في صمت ، لم يُكلّف نفسه عناء النظر إليها أو حتى توجيه كلمة بسيطة، فقط اكتفى بابتسامة لآسر .
+
مضى "مؤمن" بخطوات ثابتة ، ألقى نظرة على ساعة معصمه، وتمتم لنفسه باطمئنان:
+
- كويس فاضل تلت ساعة على صلاة الجمعة.
+
وقبل أن يصل إلى المصعد، توقف لبرهة واستدار بجذعه، وألقى نظرة سريعة باتجاه الجَمع الذي تركه خلفه ، عيناه توقفتا على "وردة " لثوان ، ثم انتقلتا سريعاً لتلتقطا حركة "وائل" وهو يتجه نحوهم.
+
عدل "مؤمن" قامته، واستدار مُجدداً، مُتمتماً بأدعية استغفار ، و ما إن وصل المصعد حتى هبط به ليُغادر الشركة مُتوجهاً إلى المسجد، حيث اعتاد أن يُصلي الجُمعة في جماعة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت "فاتن" والدة "جواد" ترتشف فنجان القهوة بحركات رشيقة تنم عن انتمائها للطبقة الراقية ، بدت غارقة في عالمها الخاص، تُراقب قطتها الصغيرة وهي تعبث أمامها ، بينما هي على تلك الحال، اقتربت "حنان" بخطوات هادئة وقالت بنبرة مترددة :
+
- صباح الخير يا فاتن هانم.
+
لم تلتفت "فاتن" نحوها، بل ظلّت مُندمجة بين قهوتها وقطتها التي تتحرك بخفة أمام عينيها، أجابت ببرود دون أن ترفع بصرها:
+
- صباح الخير يا حنان.
+
ترددت "حنان" قليلًا، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:
+
- كنت عايزة استأذن حضرتك.. هخرج مشوار صغير ومش هتأخر.
+
ابتسمت "فاتن" بفتور، بينما كانت قطتها قد قفزت إلى حجرها وبدأت تتمسّح بها، وهي تمسد على فروها الناعم، علّقت بصوت خافت:
+
- مشوار فين يا حنان ؟
1
دُهشت "حنان" من السؤال، فهي لم تعتد أن تُسأل عن وجهتها، لكنها حاولت تجاهل دهشتها وقالت بثبات مُصطنع :
+
- هروح عند أختي ومش هطوّل، صدقيني.
+
تلاشت ابتسامة "فاتن" تدريجيًا، ورفعت رأسها أخيرًا لتنظر إلى "حنان" نظرة حادة بينما رفعت إحدى حاجبيها :
+
- زي المرة اللي جواد وصّلك فيها بعربيته ؟
1
شعرت "حنان" بالارتباك، قبل أن تهم بالدفاع عن نفسها :
+
- والله يا هانم دي...
+
لكن "فاتن" رفعت كفها لتوقفها، وقالت بنبرة صارمة :
+
- مش عايزة أعذار .
+
ساد الصمت للحظات، بينما بدت "حنان" تفكر في شيء يمكن أن يقنع " فاتن" ،ثم قالت بنبرة فيها رجاء :
+
- عشان خاطري يا هانم..عـ ... عشان خاطر ليلى.
+
بدت" فاتن" غير متأثرة في البداية، وهي تُكمل مسد فرو القطة ، لكن كلمة "حنان"الأخيرة أثرت فيها، فرفعت نظرها إليها ، تلك النظرة التي طالما غلب عليها الغرور تحولت للحظة إلى نظرة أقل حدة وأكثر لطفًا ،التقطت "حنان" تلك التغيرات البسيطة سريعًا، وقالت في جوفها :
+
- كنت عارفة إن نظرتك ليها مش هتتغير .
4
لكن "فاتن" ترفض الاعتراف بمشاعرها، أشاحت بنظرها بعيدًا ، وصمتت للحظات قبل أن تتحدث ببرود مُدعية اللامبالاة، وعيناها عادت للتركيز على القطة :
+
- تقدري تروحي وما تتأخريش.
+
أجابت "حنان" سريعًا:
+
- حاضر .
+
ثم غادرت المكان بخطوات سريعة، بينما بقيت "فاتن" مكانها تُداعب قطتها ، لكنها لم تستطع أن تُخفي شرودها ،رفعت عينيها ببطء بعد اختفاء "حنان"، وغرقت في أفكارها التي بدت بعيدة عن الحاضر، لكنها كانت قريبة من القلب، أقرب مما أرادت أن تعترف.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ذهب الرجال لصلاة الجمعة، تاركين خلفهم أجواء الشقة التي بدأت تنبض بالهدوء النسبي، إلا من أصوات الحركة المتواصلة في المطبخ.
+
كانت "فريدة" منهمكة في توزيع السلطة في أطباق ثم الإنتقال إلى المُخلالات ، بينما "ميار" تُرتب الكراسي وتتفقد الطاولة للتأكد من أنها جاهزة ، و فجأة سُمع صوت الجرس ، توقفت "فريدة" عن العمل ونظرت إلى "ميار" قائلة:
+
- افتحي يا ميار، أكيد عمتك صفية .
+
ركضت "ميار" إلى الباب، وفتحته لتجد "صفية" تحمل قِدر المحاشي الكبير ، و كانت " هند" خلفها تحمل صينية الدجاج الٌمغطاة بورق عازل .
+
- إلحقيني يا ميار، الصينية دي تقيلة عليا هتوقعني.
+
ابتسمت "ميار" و حملت الصينية من "شيماء" زوجة عمها حمدي - ، بينما "صفية" اندفعت نحو المطبخ قائلة :
+
- فين عين البوتاجاز؟ لازم أحط المحشي قبل ما نغرف.
+
داخل المطبخ، كانت "فريدة" أنتهت من توزيع أطباق السلطة و المُخلل و نظمتهُ في الثلاجة ثم التفتت إلى "صفية" قائلة:
+
- حطي المحشي على نار هادية، مش عاوزينه يتهري.
+
وضعت "صفية" القِدر على النار وهي تلتقط أنفاسها:
+
- كل مرة نفس القصة.. محشي وصواني، وأنا ضهري اتكسر.
+
خرجت " شيماء " لتُحضر باقي الطعام ، و "ميار"، بدأت في إخراج الأطباق و ترتيبهُم للغرف ، ضحكت وقالت :
+
- ما تقوليش كده يا عمتو ، لمة الجُمعة ما تحلاش غير بالمحشي.
+
لم تمضِ دقائق حتى سُمع صوت طرقات أخرى على باب الشقة ، ركضت "ميار" لتفتح الباب مرة أخرى، لتجد "رقية" تحمل صواني الكُنافة ، و" شيماء " خلفها تحمل طنجرة بالكوسا و الباذنجان المحشي ، لتهتف " ميار " :
+
- أدخلوا بسرعة، الرجالة لسه في الصلاة، لازم نخلص قبل ما يرجعوا.
+
وضعت "رقية" صواني الكُنافة في الثلاجة ، ليلتفت الجميع فجأة على دخول " زينب " و هي تهتف :
+
- وســعــوا الرُقاق وصل ...
+
أبتسم جميعُهنّ لتقول " ميار " باندهاش :
+
-إيه الحلاوة دي يا زينب ! الرقاق طالع يجنن.
+
- دي بركة عمتي هند، هي اللي قالتلي على سر التحمير ده.
+
هكذا أجابت " زينب " و هي تضع الصينية في رف الفرن مع الدجاج ليبقى ساخناً ، و في تلك الأثناء قالت " صفية " :
+
- فين سجادة الصلاة يولاد ؟ عاوزة أصلي الضهر بسرعة قبل ما نحط الأكل.
+
ردت "فريدة" وهي تُغطي المحشي لتبقيه ساخنًا:
+
- السجادة في أوضتي، تعالوا نصلي جماعة ، لسه الخُطبة شغاله ..
+
جمعت النساء أنفسهن في إحدى الغرف ، فرشت "ميار" السجادة، ووقفنّ للصلاة ، و كان صوت خُطبة الجُمعة في الخلفية يزيد الجو دفئًا، ورائحة الطعام تعبق في الأرجاء.
1
بعد أن انتهين من الصلاة، عادت كل واحدة إلى مكانها ، و بدأت "فريدة" في غرف المحشي في أطباق، بينما "صفية" فتحت الفرن لتتفقد الدجاج ، هاتفه :
+
- شدي معايا يا ميار، عاوزين ننزل الصينية دي على الأرض .
+
رفعت "ميار" الصينية الثقيلة بحذر وساعدت عمتها في وضعها على الأرض و نهضت تأتي بالأطباق ليبدأوا بتوزيع قطع الدجاج ، و "رقية" بدأت توزيع أطباق المُخللات و السلطة على السفرة، بينما "شيماء" كانت تُوزيع أطباق المحشي و الرُقاق على السُفرة بتنسيق .
+
أكملنّ العمل بسرعة وبتعاون، و تم توزيع الأطباق بالتساوي على السفرتيّن ، ثم أنتقلنّ لترتيب المطبخ من أي فوضى تمت ، ينتظرنّ أن تبدأ لمة الجُمعة التي كانت دائمًا مليئة بالحب والمودة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- نعم ؟! يعني إيه مش بتيجي النهاردة ؟!!
+
رد رجل الأمن بأدب قائلاً :
+
- يا فندم دي مواعيد أستاذة مريم ، حضرتك كنت ممكن تتأكد منها قبل ما تيجي تقابلها.
+
طالع فيه " وائل " بحاجب مرفوع ، ثم ابتسم باستنكار قائلاً :
+
- يعني أنا جاي المسافة دي كلها عشان الأستاذة مريم ، بس الأستاذة مريم عندها أجازة النهاردة !
+
لم يفهم رجل الآمن الواقف على بوابة الجمعية سبب إنفعال ذلك الشخص الذي يُبصره لأول مرة ناهيكَ عن سؤاله عن " مريم " و كأنهُ يعرفها ..
+
تنهد " وائل " يحاول تهدئة نفسه ، ثم طالع حوله بتفكير و قال بصوت خافت :
+
- فعلاً خيراً تعمل شراً تلقى ..
+
لم يفهم رجل الآمن حديث " وائل " ليقول مُتسائلاً :
+
- عفوا ؟!
+
ألتفت " وائل " لهُ سريعاً يُبصر وجوده ليقول بوجه واجم:
+
- هو أنت لسه واقف !
2
تنحنح رجل الآمن بإدراك ليهتف :
+
- أنا .. أنا بعتذر من حضرتك ..
+
ثم همّ بالرحيل ليُشد " وائل " على قبضته بندم ، لتتوقف خطوات الرجل على قوله :
+
- أنا بعتذر مقصدش إني أتكلم كده أتمنى تعذرني .. أنا بس مضغوط شوية .
+
طالع فيه رجل الآمن و قال بآسى واضح في صوته :
+
- ولا يهم حضرتك أنا أتعودت على كده .
1
ثم تركه و ذهب يقف بعيداً حيث كان واقفاً جوار البوابة الداخلية، لينفث " وائل " بغضب ثم طالع حوله بعبث و عاد للخلف ليخرج من البوابة الخارجية للجمعية .
+
بينما كانت هي هُناك تُبصره من بعيد ، جالسه على كُرسي مُتحرك بملامح واجمه و حائرة زادت تجعيدات وجهها أكثر ، لتقول بصوت حائر :
+
- بيسأل عن مريم ؟؟
+
أما هو فكان "وائل" يخطو بخطوات متثاقلة نحو سيارته ، رن هاتفه فجأة، أخرج الهاتف من جيب بنطاله ونظر إلى الشاشة ، اسم والده ظهر واضحًا، تنهد بعمق وضغط على زر الإجابة.
+
- أيوه يا بابا؟
+
جاء صوت والده جافًا، مليئًا بسلطة لا تقبل الجدال:
+
- إنت فين دلوقتي؟ المفروض نخلص الاتفاق مع مجلس الإدارة قبل نهاية الأسبوع ، كنت مستني أشوفك نراجع الأوراق النهائية.
+
شد "وائل" على قبضته وهو يحاول السيطرة على ضيقه:
+
- أنا خلصت شغلي في الاجتماع الصبح، واستأذنت بعدها في حاجة ضرورية كنت محتاج أعملها.
+
- ضرورية إيه في يوم زي ده؟ الاجتماع ده كان مهم جدًا، وأنت لازم تركز ، إحنا بنبني شركة ماينفعش فيها تهاون أو استأذنات فجأة !
1
بلع "وائل" ريقه، يحاول كبح شعوره بالإحباط:
+
- أنا فاهم يا بابا، بس الشغل كله كان متظبط، والتقارير كلها عندك ، أنا قمت بدوري.
+
صمت والده لثوانٍ، ثم قال بلهجة حادة:
+
- يا أبني أفهمني ، مش بس تقارير ! إنت لسه بعيد عن الصورة الكبيرة ، لازم تركز على المسؤوليات اللي بتشيلها وتبطل تفكير في حاجات مالهاش لازمة .
+
ابتسم " وائل " باستنكار على مقبض سيارته، فيبدو أن والده يرى كل شئ في حياته تافهً سوى العمل ، فقال مُحاولاً ألا يرفع صوته:
+
- مفهوم، هراجع كل حاجة تاني أنا خلصت و جاي .
+
رد " رياض " ببرود:
+
- مفيش وقت للمراجعة لما ترجع ، أبعتلي نسخة محدثة من العرض النهائي اللي المفروض يتقدم ،وأوعى تأخر الورق أكتر من كده ، مفهوم؟
+
- مفهوم يا بابا.
+
- تمام ! خلص اللي عندك، وارجع ركز على شغلك.
+
انتهت المكالمة، وظل "وائل" واقفًا بجوار سيارته، يحدق في الهاتف بوجه خالٍ من التعبيرات ، ضغط خفيف بدأ يخنق صدره، وكأنه يجر أحمالًا ثقيلة على أكتافه.
+
فتح باب السيارة، جلس داخلها، وأغلق الباب بقوة أكبر مما كان ينوي ، جلس للحظات صامتًا، حدق في الأمام حيث انعكاس صورته على الزجاج، ملامح شاحبة وعينان زائغتان مليئتان بالحيرة ، همس لنفسه:
+
- مفيش وقت حتى أتنفس... لازم أكون وائل اللي عايزينه، مش وائل اللي عايز يعيش.
3
أدار المحرك، وانطلق بعيدًا عن الجمعية، مُحاولًا تجاهل الضيق الذي يُثقل قلبه، والضغط الذي يبدو أنه أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
و داخل عيادة طبيب الروماتيزم ، كان "آسر" جالس بجانب والدته "علياء " أمام مكتب الطبيب الذي كان يتفحص تقرير "مليكة" الطبي ، الطفلة كانت جالسة على سرير الفحص، ملامحها شاحبة ومرهقة.
+
هتف الطبيب وهو يُقلب الأوراق :
+
- مليكة حالتها محتاجة متابعة دقيقة ، النوبات بقت تيجي بشكل متكرر، وده معناه إن العلاج مش منتظم، أو إن حالتها النفسية مضطربة.
+
أجابت " علياء " بقلق :
+
- يا دكتور إحنا بنعمل كل حاجة، الأدوية، الأكل الصحي، بنحاول نراعيها على قد ما نقدر.
+
قال الطبيب بحزم :
+
- أنا متأكد إنكم بتعملوا اللي عليكم، لكن المرض ده وراثي ، و على حد قولكم مليكة ورثته من والدتها، لأنه مرض بيظهر في العائلات اللي عندها تاريخ مرضي مع حمى البحر المتوسط العائلية ، و ده بيأثر على الجهاز المناعي بشكل مباشر.
+
قال " آسر "بصوت متوتر :
+
- يعني إيه يا دكتور؟ مليكة هتفضل كده طول عمرها؟
+
أعتدل الطبيب في جلسته و قال بهدوء :
+
- المرض ممكن يفضل موجود، لكن لو التزمتوا بالعلاج الصحيح والنظام الغذائي الصحي، إن شاء الله هنقدر نقلل النوبات بشكل كبير جدًا ،لكن فيه حاجة لازم تتأكدوا منها ..
+
صمتّ لبُرهه ليعتلي الترقب وجوه الجميع ليُردف :
+
- الضغط النفسي عليها لازم يقل تمامًا، لأنها مش مجرد طفلة مريضة، هي كمان فقدت أبوها وأمها، وده عبء نفسي كبير.
+
أردفت " علياء "باندفاع :
+
- إحنا بنحاول نعمل كل اللي نقدر عليه عشان ما تحسش بالوحدة.
+
هتف الطبيب وهو يضع التقرير جانبًا :
+
- ده شيء مهم جدًا ، لكن خلي بالكم، مليكة هتحتاج متابعة مستمرة، وكمان لازم تكونوا مستعدين إنها ممكن ما تقدرش تواظب على المدرسة زي زمايلها.
+
هتف "آسر" بنبرة مليئة بالقلق :
+
- المدرسة؟ هي بتحب مدرستها، و مليكة طول عمرها شاطرة أنا و مش عاوزها تحس إنها أقل من حد.
+
قال الطبيب بتعاطف :
+
- وأنا فاهم ده يا أستاذ آسر، لكن ممكن تتفقوا مع المدرسة على جدول خاص يناسب حالتها ،أهم حاجة صحتها دلوقتي، مش الإنجازات الدراسية .. لازم تهتموا بنظامها الغذائي والمواعيد الدقيقة للعلاج.
+
تسائلت " علياء " بتوتر :
+
- والنظام الغذائي ده محتاج إيه بالضبط يا دكتور؟ إحنا بنحاول نخلي أكلها صحي، لكن لو فيه حاجة مُحددة قولنا.
+
أجاب الطبيب مبتسمًا :
+
- لازم نقلل الملح، والوجبات الدهنية، ونركز على الخضروات، الفواكه، والبروتين الصحي ، وتشرب المايه بكمية كافية يوميًا ضروري عشان نساعد الكلى على العمل بكفاءة.
+
تسائل "آسر" بصوت منخفض لكنه مليء بالعزم :
+
- وإيه المطلوب مننا تاني؟
+
عقد الطبيب أصابعه بحزم و قال وهدوء :
+
- زي ما قلت، الدعم النفسي هو العامل الأهم ، هي طفلة حساسة جدًا، وغياب والديها أكيد سايب أثر كبير عليها ، لازم تحس إنها محاوطة بحب واهتمام دايم.
+
كانت كلمات الطبيب تُثقل على صدر "آسر"، لكنه أومأ بصمت ، نظر إلى "مليكة" وهي جالسة على الفراش ، تحدق في الأرض بعينيها الصغيرة، فشعر بوخزة في قلبه ، لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير في شقيقته التي تركت وراءها طفلة بهذا الضعف.
+
قال "آسر"بصوت منخفض لكن مليء بالتعاطف :
+
- مليكة عمرها ما هتحس إنها لوحدها، أنا أوعدك يا دكتور..
+
- إن شاءالله، أي استفسارات أو تطورات تحصل، أنا موجود في أي وقت.
+
خرج "آسر" ووالدته من العيادة، و عقلهما مشغول بالتحديات القادمة، لكن "آسر" كان مُصممًا على شيء واحد: أنه لن يخذل مليكة أبدًا.
+
أقتربا ثلاثتهم من السيارة ، فساعد "آسر " "مليكة " لتدلف للسيارة و قبل أن يدلُف خلفها أوقفته يد والدته ، التي طالعت في عيناه بحزم و قالت بخفوت:
+
- تعالي يا آسر لحظة .
+
تفهم "آسر " الأمر ، فالتفت لـ "مليكة " و ألقى عليها ابتسامة خفيفه ثم أغلق الباب و سار عدة خطوات بعيداً عنه ، ليُطالع في والدته التي أقلقته نظراتها.
+
ابتلعت " علياء " ريقها و هو تحاول التحدث قائله :
+
- أنا مش عاوزه مليكة تتأثر في دراستها ...
+
طالع فيها " آسر " بملامحه جامدة ، و قال بقلة حيلة:
+
- و أنا كمان ، بس عاوزاني أعملها إيه ؟!
+
زمتّ "علياء " شفتاها بتردد ثم قالت :
+
- جبلها أشطر اامدرسين البيت ، أدفعلهم إلي عاوزينه ، أتعب معاها السنة دي بس لحد ماتخلصها و إن شاء الله هتتحسن.
+
بينما يُطالع فيها " آسر" بحيرة لا يعلم ماذا يفعل ، لتستطرد والدتُه :
+
- هي محتاجانا جمبها أوي ، محتاجة تتعرف على ناس تانية عشان تنسى و متفضلش غرقانه في ماضيها ... مش عاوزه مليكة توصل للطب النفسي ..
+
تنهد "آسر " بهدوء على آثر كلمتها ثم أغلق أهدابه بقوة يمنع تلك الفكرة أن تُسيطر عليه ، لتستطرد والدته بألم :
+
- جيهان كانت كبيرة و جايز كانت .. جايز كانت قادرة تتحمل ، بس مليكة صغيرة .. مش هتستحمل !!
+
ثم أردفت بصوت بدى مُتحشرجاً :
+
- مش عاوزه تسيبها زي ... ما سيبت جيهان ..
+
فتح " آسر " عيناه و ابتلع غصة نهشت حلقه ، لتتركه والدته و تطلق العنان لدموعها أن يسيلوا ، بينما وقف " آسر " مكانه بوجوم يُحدق أمامه بشرود ، رافضاً مُستنكراً أن يُعيد الزمن نفسه ، ليس هذه المرة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
توقفت سيارة الإسعاف بسرعة أمام مدخل الطوارئ، ليندفع الطاقم الطبي نحو الناقلة التي تحمل "ليلى" ، كانت حالتها سيئة للغاية؛ وجهها شاحب وعيناها مغلقتان تمامًا ، جسدها بدا هزيلًاهتف أحد الأطباء فور رؤية حالتها :
+
- حالة طارئة، فقدان وعي، الجسم كله كدمات .. بسرعة، وصلوا الأجهزة!
+
بسرعة البرق نُقلت "ليلى" إلى داخل غرفة الطوارئ ، أُوصلت بأجهزة التنفس لمساعدتها على استعادة أنفاسها، وبدأ الفريق الطبي في قياس العلامات الحيوية وضبط السوائل في جسدها.
+
وفي الخارج، توقفت سيارة "جواد" الفارهة ..نزل منها بسرعة، عابس الملامح، يبحث بعينيه عن أي شخص من الطاقم ، توجه نحو مكتب الاستقبال بخطوات سريعة.
+
هتف "جواد" بنبرة سريعة مستفسرة :
+
- لو سمحتِ، البنت اللي الإسعاف جايبها أخبارها إيه؟
+
رفعت الموظفة رأسها من الأوراق ونظرت إليه باستغراب، ثم سألت :
+
- حضرتك قريبها؟
+
هز "جواد" رأسه نافياً :
+
- لا، أنا مش قريبها، بس كنت موجود وقت ما أغمي عليها حالتها كانت صعبة جدًا، و دي بتشتغل عندي في المطعم وكنت عاوز أطمّن عليها.
+
تفهمت الموظفة ، ثم قالت :
+
- دقيقة واحدة أسأل الدكتور المسؤول.
+
اختفت الموظفة لدقائق ثم عادت إليه، وقالت بهدوء:
+
- حالتها لسه تحت الملاحظة ، الدكتور طلب إننا نتابع التنفس والدورة الدموية الأول قبل ما يقرر أي حاجة تانية.
+
تنهّد "جواد" وشبك أصابعه بتوتر واضح، ثم قال:
+
- طيب، لو حصل أي جديد في حالتها، ممكن تعرفوني؟
+
أومأت الموظفة برأسها ثم :
+
- أكيد، بس لازم حد من أهلها يعرف ، ممكن بس تسيبلي رقم حضرتك ؟
+
أومأ "جواد" برأسه وأعطاها رقمه، ثم استدار ليغادر .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دلفت " مريهان " مكتبها و تابعت خطواتها " وردة " بحُزن برئ ، بينما اتجهت والدتها لتجلس على الكرسي خلف مكتبها و جلست " وردة " على الأريكة بدون اهتمام بفكر شارد .
+
قطبت "مريهان " حاجباها وهي تُحدث نفسها بصوت خافت تُملي على نفسها ما تخطط لفعله، لتنتبه لهيئة إبنتها بتعجُب ، لتهتف بتتسائل :
+
- مالك يا ورد ، ساكته ليه ؟!
+
تنهدت " وردة " ثم طالعت في والدتها بتردد ، بينما فتحت " مريهان " حاسوبها لتُراجع بعض الأمور ، و لاحظت صمتّ " وردة " لتهتف لها بينما عيناها مُعلقة بالحاسوب :
+
- مش متعودة عليكِ ساكته .. مين زعلك يا ماما ؟!
+
طالعت " وردة " في والدتها بحيرة و تسائلت :
+
- عرفتِ إزاي إن حد زعلني ؟
+
ابتسمت "مريهان" ابتسامة خفيفه و قالت بينما هي مُنهمكه في عملها :
+
- عارفه أنا الوش دا حاجة مزعلاه .
+
ابتلعت " وردة " ريقها و قالت بعفوية حزينة :
+
- هو ليه عمل نفسه ماشافنيش !
+
قطبت والدتها حاجبها بتعجُب و تسائلت :
+
- مين ده ؟!
+
- مؤمن..
1
رفعت " مريهان" عيناها عن الحاسوب و انتبهت لحديث ابنتها التي استطردت بكل عفوية :
+
- دا حتى آسر لما جه وقف تحت هو بصله و سلم عليه ، يعني حتى مثلاً .. يُبصلي هو أصلاً مبصليش و مشى و لا كأنه شايفني، هو ده طبيعي؟
+
صمتتّ قليلاً ثم تسائلت :
+
- هو كده علطول ولا إيه ؟!
+
اعتدلت "مريهان" في جلستها و قالت بصوت جامد :
+
- إنتِ بتركزي في التفاصيل أوي ، صح ؟
+
زمتّ " وردة " شفتيها بتوتر و تسائلت بحياء:
+
- هو أنا شكلي كده .. دي حاجة وحشة يا مامي ؟!
+
تنتهدت "مريهان " و قالت باهتمام :
+
- مش حاجة وحشة ، بس يُفضل تعرفي أن مش كل موقف يحتاج تدققي في تفاصيله .
+
ضيقت " وردة " عيناها تحاول تحليل كلمات والدتها، لتسطرد الأخيرة و هي تعود بنظرها للحاسوب:
+
- بعدين متحطيش في بالك هو كده أصلاً ..
+
- كده .. إزاي يعني ؟
+
حادت " مريهان " بنظرها عن الحاسوب و طالعت في "وردة" و قالت بتحفز :
+
- يعني .. مثلا مش بيسلم على ستات ولا بيضحك أو يهزر معاهم .. يعني كده في حاله .. مُتدين يعني.
2
قالت " مريهان " عبارتها الأخيرة في محاولة لتهوين الكلمات على عقل "وردة " لتهتف الأخيره :
+
- آآآه فهمتك .
+
صمتت قليلاً ثم قطبت حاجباها بشكل لطيف و تسائلت :
+
- يعني إيه بقا ؟
+
تنهدت " مريهان " تحاول البحث عن الوصف الملائم ثم قالت :
+
- يعني مُلتزم بدينه ..
+
- ملتزم بدينه !!
+
هكذا تسائلت "وردة " لتومأ "مريهان " برأسها ،ثم تسائلت " وردة " بعدم فهم :
+
- يعني إيه برضو ؟
+
زمتّ " مريهان " شفتاها في تفكير تحاول الوصول لعبارة تُقرب لها التعريف لتُردف بعد ثوانِ :
+
- يعني يا ورد .. المجتمع مقسوم نصين .. نص مُتمسك بدينه ، و النص التاني .. مش أوي يعني .. فهماني؟!
+
أومألت " وردة " برأسها و كأن بدأت تفهم حديث والدتها لتهتف :
+
- آه فهمتك ، و هو بقا من النص إلي مُتمسك بدينه ؟
+
ابتسمت "مريهان " و أومأت برأسها قائله :
+
- آيوه بالظبط كده .
+
زمتّ " وردة " شفتاها بتفكير ثم تسائلت بفضول :
+
- طيب و إحنا متمسكين بدينا ولا لاء ؟
+
صُدمت " مريهان " من سؤالها و بللت شفتاها ثم قالت بتردد :
+
- يعني ،لا ..أدعي ، أدعي ربنا نبقى متمسكين بديننا.
+
- طيب لو عاوزين نبقى متمسكين بديننا نعمل إيه ؟
+
تجمدت ملامح " مريهان " و هتفت قائله:
+
- ورده ! إنتِ بتروحي و تيجي بكلمة !!
+
قطبت ملامح " وردة " بعدم فهم و تسائلت :
+
- طيب أنا قلت إيه ؟؟
+
هتفت " مريهان " بنفاذ صبر :
+
- وردة قومي من مكتبي .. قومي أطلعي يا حبيبتي.
+
- طيب يا مامي عاوزه أثبت لبا...
+
عادت " مريهان " بنظرها للحاسوب و قالت :
+
- تثبتي إيه لبابا؟ روحي أثبتي لبابا في مكان تاني يلا يا حبيبتي.
+
زمتّ " وردة " شفتاها بحُزن و حملت حقبيتها و خرجت من المكتب ، لترفع عيناها ببطئ فور إنتباهها لتوجهه تجاه مكتبه قاطب الوجه يتحدث في الهاتف .
+
طالعت فيه " وردة " قليلاً ثم زادت أبتسامتها شيئاً فشئ لتلتمع في عقلها فكرة ما .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان "سامي" يجلس على الأريكة، يتلاعب بخاتم بين أصابعه، يراقبه بعينين مملوءتين بالخُبث ،لم يكن في الغرفة سوى ظلامٍ مُقيم، وأفكاره الشاردة كانت الضوء الوحيد الذي يضيء عقله.
+
في هذه العتمة انبعث صوت اخترق السكون ، حتى دفع "سامي" لإلقاء نظرة جانبية على الطاولة القريبة، حيث كان الهاتف يُضيء ويرن بصوت مُتكرر.
+
ببطء، مال بجذعه والتقط الهاتف ببرود، ثم وضعه على أذنه دون أن يُبدي أي اهتمام ظاهر ، و أعاد جسده إلى وضع الاسترخاء، بينما لا تزال أصابعه تعبث بالخاتم.
+
قال "سامي"بصوت منخفض، بارد :
+
- أيوه... أنا.
+
صمت للحظات وكأنه يستمع، ثم رد بنفس النبرة الثابتة:
+
- ليلى؟
+
ظل صامتًا مجددًا لثوانٍ أخرى، قبل أن ينهي المكالمة بجملة مقتضبة:
+
- تمام.
+
أبعد الهاتف عن أذنه وألقاه بجانبه على الأريكة، عاودت عينيه التحديق في الخاتم الذي كان بين يديه .. هذه المرة، خفّت حدة نظراته، وارتسمت على طرف شفتيه ابتسامة غامضة .
+
ظل على حاله للحظات،ثم وضع الخاتم في جيبه بحركة هادئة ، و نهض ببطء، عدّل من وضع سترته، ثم سار بخطوات ثابتة نحو الباب للخروج .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- يلا سمو الله و أتفضلوا...
+
هكذا هتف " علي " بمحبه ليبدأ الجميع بالبسمله ثم البدأ في تناول طعام الغداء ، و على بضع خطوات كانت النساء بدأت في تناول الطعام بالفعل .. و التناقش في مدى طهو الطعام، أو الإنبهار بمذاق الرقاق هذه المرة فكان لُب نقاشهم عن تقييم طبخهنّ .
+
صوت جرس باب شقة " علي " جعل حركة من في البيت تتوقف ، الكل تبادل النظرات عن هوية الطارق .
+
وقف " ريان " بحركة سريعه و مسح يداه و فمه و اتجه للباب ، و لم يخشى على النساء فهنّ بالأساس في غرفة آخرى ، و ضغط على مقبض الباب ليفتحه ، بينما الكل يترقب .
+
فُتح الباب على مصراعيه، فتفاجأ بمن يقفون أمامه ، تجمد للحظة، ثم علت ملامحه الصدمة قبل أن يقطعه صوت أنثوي مرح قائلاً :
+
- الجمعة مش هتكمل غير بينا، ولا إيه يا دكتور؟
+
اتسعت ابتسامة "ريان" ببطء، وكأن السعادة غمرت قلبه فجأة ، اقترب منها وضحك بصدق قبل أن يضمها بحب وهو يهتف:
+
- أخـتـي !
+
كان الصوت كافيًا لإثارة دهشة الجميع، فنهض "علي" باندفاع، لمعت عينيه يهتف :
+
- ريـم بنـتي!
+
لتتسع ابتسامة الجميع بعدم تصديق ، بينما عند النساء لم يصل لهُنّ أي شئ ، قبل أن تقترب " ميار " من الباب لتتسع عيناه بعدم تصديق و تهتف بصوت خافت مليئ بالسعادة :
+
- ريم ، ريم برا ..
+
شهقت بعضهنّ بعدم تصديق امتزجت بسعادة ، لتصل لمسامعهنّ صوت طرقات على باب الغرفة ، لتقوم " ميار " بفتحها سريعاً لتُبصر " ريم " أختها مُتجليه أمامها بعبائه و خِمار و نقاب أسود.. لتدلف لداخل ثم رفعت " ريم " النقاب و ألتفت لـ " ميار " و هتفت بسعادة :
+
- ميرو ..
1
لتقطع حديثها ضمة " ميار " لها بسعادة و شوق كبيران، لتبُدلها " ريم " العناق بسعادة و راحه عميقة و هي تهتف بلُطف :
+
- وحشتيني أوي يا قلب أختك .
+
بينما " ميار " أكتفت باشتداد عناقها لها ، و لقد بدأت دموعها تلتمع في عيناها ..
+
أقتربت منها والدتها ليتبادلا العناق أيضا ، ثم بدأنّ جمعيهنّ بعناقها ، فلقد كانت " ريم " قريبة و حنونه مع الجميع فبالطبع سيكون إستقبالهم لها حافلاً .
+
- يا خالتو !!
+
هكذا هتف " المعتصم بالله " الصغير لـ " ميار " التي كانت تتأمل حديث " ريم " ،لتلتفت بصدمه تجاه ذلك الصغير لتنخفض أرضاً في مستواه و تهتف باندهاش :
+
- ما شاء الله يا معتصم إمتى كبرت كده ؟
+
ثم عانقت الصغير في سعادة لتلمح " رقية " الصغيرة ، لتهتف باندهاش:
+
- إيه الحلاوة دي يا رقية !
+
ثم عانقتهم معاً و هي تهتف بسعادة:
+
- حبايب قلب خالتو وحشتوني أوي أوي .
+
- و إنتِ كمان .
+
هكذا هتف الثنائي ،و بعد لحظات مليئة بالعناق والدموع، هدأت الأجواء قليلاً، وبدأ الجميع يستوعب عودة "ريم".
+
هتفت " ميار " وهي تمسح دموعها وتضحك :
+
- يا بنتي كل دي غيبة ، كنتِ فين طول الفترة دي؟
+
ضحكت " ريم " وهي تجلس بينهنّ :
+
- كنت مشغولة شوية يا ميرو، بس ما ينفعش الجمعة تعدي من غير ما أكون معاكم.
+
أردفت " فريدة "بنبرة حانية وهي تتفحص وجهها :
+
- يا حبيبتي، وشك منور ما شاءالله ، حمد لله على السلامة .
+
قالت " ريم " وهي تحتضن يد أمها :
+
- والله وحشتوني كلكم ، إبراهيم كان بيقولي مش هنقدر نيجي، بس أصرّيت وقلتله "لازم أشوف أهلي النهارده!"
+
أما في الخارج ، الجميع عاد إلى مائدة الطعام، لكن هذه المرة كان الجو مُختلفًا تمامًا، فلقد جلس زوجها " إبراهيم " مع الرجال بعد تبادل السلامات الترحبية بموده كبيرة نابعة من الجميع له ، هتف "علي "بمزاح :
+
- يعني يا إبراهيم، تخطف بنتي مننا طول السنة وتيجي تسلمها في يوم الجمعة؟ ده ظلم!
+
ضحك " إبراهيم " ثم أردف :
+
- يا عمي، بنتك هي اللي ما بتسمعش كلامي! قالتلي "مفيش نقاش، أنا رايحة لأهلي" فأنا عشان راجل ليا كلمتي قلت ماشي!
+
اتسعت أسارير الجميع ، ثم بدأ "إبراهيم" يحكي عن موقف حدث معهم قبل مجيئهم :
+
- أصل كانت بتشتكي إنها دايمًا عندها صداع لما تدخل المطبخ ، قولتلها أكيد الموضوع بسيط، يمكن بسبب روائح الأكل أو حاجة زي كده، المهم قلتلها تاخد شوية من الدوا بتاع الحساسية اللي كان عندنا في البيت، وهتلاقي الصداع راح.
+
أجاب " حمدي " باندفاع :
+
- الحساسية بتجيب صداع، كان عندي من فترة وخدتله دوا !
+
زمّ "ريان " شفتاه باعتراض ثم أردف بهدوء :
+
- لا يا عمي، ده كلام مش صح خالص .
+
نظر الجميع "لريان" بترقب، فيبدأ يشرح بكل جدية:
+
- الصداع الي جاي من الحساسية بيكون متعلق بالتهاب الجيوب الأنفية، ومش كل الأدوية بتناسب الحالة دي ، لازم الأول نحدد السبب وممكن يكون التهاب، أو نقص سوائل في الجسم ، ولو استخدمت أدوية من غير استشارة دكتور ممكن يسبب مضاعفات، خصوصا لو كان الشخص عنده تاريخ مرضي معين.
+
أنهى "ريان" كلامه، فعمّ الصمت للحظة قبل أن يهتف الجميع بصوت واحد مرح :
+
- انت هتعملنا فيها دكتور؟!
1
فتح "ريان" عينيه بدهشة حقيقية، ثم رد ببساطة :
+
- طيب ما أنا دكتور فعلاً !
+
فانطلقت موجة من الضحك في الغرفة، وسط أجواء مرحة دافئة، بينما "ريان" أومأ رأسه مستسلماً، وتعلو وجهه ابتسامة واسعة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
وقفت "حنان" أمام أحد المباني السكنية تُطالع تفاصيله بأعين مُتفحصة ، كان مبنى شبه قديم، ينبض بالحياة بين نوافذه المفتوحة، وأصوات الأطفال التي تتردد بين طوابقه.
+
تقدمت بخطوات مترددة لكنها مألوفة، فقد اعتادت زيارة هذا المكان لأكثر من سنة، ورغم ذلك لم يهدأ توترها أبدًا في كل مرة.
+
ارتقت الدرج ببطء، تتحامل على نفسها، حتى وصلت إلى الطابق المنشود ، انتظرت قليلًا علّها تسمع أي صوت من الداخل، لكن السكون أربكها ، مدت يدها لتطرق الباب ثلاث طرقات متتالية، انتظرت قليلًا دون إجابة و كادت تستسلم، لكنها سمعت صوت مزلاج الباب يتحرك ، ما إن فُتح الباب حتى شهقت شقيقتها "أمينة" بدهشة قائلة:
+
- حنان!
+
ابتسمت "حنان" بلطف وهي تقول بصوت هادئ:
+
- السلام عليكم، عاملة إيه يا أمينة؟
+
طالعَتها "أمينة" بنظرة ازدراء واضحة، قبل أن ترد بجفاء:
+
- كنت كويسة.
+
رسمت "حنان" ابتسامة خفيفة على شفتيها، وكأنها تعودت على لهجة شقيقتها، ثم قالت بلطف:
+
- كنت جاية عشان كريم... عاوزة أطمن على ليلى.
+
بدت علامات الانزعاج جلية على وجه " أمينة" ، لترد بسخرية مريرة:
+
- يعني جاية تسألي عن بنتك بس؟! لولا ليلى مكنتيش هتدوري بقا...
+
ردت "حنان" بهدوء وهي تشير بيدها:
+
- ما أنتِ قدامي كويسة أهو يا أمينة.
+
أطلقت " أمينة" ضحكة استنكارية مليئة بالغضب، لكن حنان تجاهلتها وسألت:
+
- هتسبيني واقفة برا؟
+
تنهدت " أمينة" بتوتر ومالت بجسدها قليلًا عن الباب لتسمح لحنان بالدخول ، خطت "حنان" للداخل وأغلقت الباب خلفها، وتقدمت نحو الصالون برفقة شقيقتها ،جلستا معًا لكن الصمت الذي لف المكان كان أثقل من الكلام ،قطعت "حنان" هذا الصمت بقولها:
+
- كريم مش هنا؟
+
أجابت "أمينة" بسرعة، وكأنها تحاول التخلص من السؤال:
+
- لا، مش هنا.
+
تعجبت" حنان"، فسألت باستفهام واضح:
+
- ليه؟ ما بيباتش في البيت؟
+
بدت علامات الارتباك على "أمينة" للحظة، ثم أجابت بمراوغة:
+
- لا بات، هيكون فين يعني؟ بس نزل يجيب شوية طلبات.
+
أومأت "حنان" برأسها، لكنها استمرت في السؤال بإصرار:
+
- طيب هيجي إمتى؟
+
هتفت "أمينة" بضيق واضح:
+
- هيجي وقت ما يجي!
+
ترددت حنان، لكنها زمت شفتيها ، ألقت "أمينة" نظرة طويلة على شقيقتها، ثم قالت بضيق وهي تميل برأسها قليلًا:
+
- بعدين كريم معدش بيروح يشوفها أصلاً ..
+
نظرت "حنان" إليها بدهشة وقالت بصوت متوتر:
+
- ليه؟ إيه اللي حصل؟!
+
تنفست "أمينة" بعمق قبل أن تجيب بغضب مكبوت:
+
- ليه؟ طليقك المحترم مانعه يشوفها... ولا نسيتي الرصاصة اللي كريم ابني خدها من وراه عشان بنتك؟!
+
شهقت "حنان" بخفوت وهي تبتلع ريقها بصعوبة، والندم يلوح في ملامحها ، تذكرت تلك الليلة التي غيّرت حياة "كريم" للأبد ، لو لم تقترح عليه الاطمئنان على " ليلى" ، لربما كان تفادى تلك الرصاصة التي استغرقت أشهر من العلاج.
+
حاولت استجماع شجاعتها لتقول بصوت هادئ مشوب بالحزن:
+
- عارفة يا أمينة... عارفة إن كريم دفع تمن غلطة مالوش ذنب فيها.
+
رفعت "أمينة" حاجبيها بسخرية وقالت بحدة:
+
- دلوقتي بس عارفة؟! بعد ما ابني شاف الموت بعينه عشان بنتك؟
+
تنهدت "حنان" وهي تحاول السيطرة على دموعها، ثم قالت بهدوء:
+
- أنا مش جاية أبرر ولا أقول حاجة... أنا بس عاوزة أطمن على ليلى.. عاوزة أطمن على بنتي ..
+
صمتت " أمينة" قليلًا، وكأنها تحاول تهدئة غضبها، ثم قالت ببرود:
+
- ليلى كويسة، على قد ما الظروف تسمح.
2
رفعت "حنان" نظرها إلى شقيقتها وقالت برجاء:
+
- طيب خليني أشوفها.
+
ابتسمت "أمينة" بسخرية وهي تهز رأسها، ثم قالت:
+
- تشوفيها؟ ولو أبوها عرف؟ هيرميكِ في السجن قبل ما تكلميها بحرف .
+
اشتد توتر "حنان" ، لكنها قالت بإصرار:
+
- هي بنتي... ومهما كان، ليّا حق أشوفها.
+
نهضت "أمينة" من مكانها وهي تنظر إلى شقيقتها بازدراء، ثم قالت بنبرة غاضبة:
+
- حقك؟! أنتِ مش شايفة إنه كان لازم تفكري في الحق ده من زمان؟ لما سبتِ بنتك لإيده الظالمة وما فكرتيش فيها؟
+
وقفت " حنان" هي الأخرى، وكأنها تحاول الدفاع عن نفسها، وقالت بصوت مكسور:
+
- فكرت... والله فكرت، بس كنت ضعيفة... ماقدرتش أعمل حاجة.
+
و "أمينة" التي كانت تحاول تهدئة نفسها، قالت بنبرة أهدأ قليلاً، لكنها لا تزال تحمل اللوم:
+
- الضعف مش عذر يا حنان ، بنتك دفعت التمن لوحدها ، وأنا دفعت التمن في ابني.
+
في تلك اللحظة، قطع صوت فتح الباب الصمت بينهما ، التفتتا نحو الباب لتجدا "كريم" يدخل حاملاً بعض الأكياس ، توقف للحظة عندما رأى والدته وخالته في مواجهة متوترة، ثم قال بحذر:
+
- مالكوا واقفين كده؟
+
حاولت "حنان" إخفاء توترها وابتسمت له بخفوت:
+
- إزيك يا ابني؟
+
نظر "كريم" إلى والدته، ثم إلى خالته، وكأنه يحاول قراءة ما يحدث ، وضع الأكياس على الطاولة وقال بهدوء:
+
- بخير، الحمد لله ، في حاجة ولا إيه؟
+
سارعت " أمينة " بالرد:
+
- لا، مفيش حاجة... خالتك كانت جاية تطمن.
+
نظر " كريم " لهنّ لكن في عينيه، كان هناك تساؤل لم يعبر عنه ، لاحظت "حنان" ذلك، لكنها فضلت عدم التحدث أكثر، ثم قالت بهدوء:
+
- أنا همشي دلوقتي... شكراً يا أمينة، وسلّملي على ليلى.
+
لم ترد " أمينة" ، أما " كريم "، فقد رافقها إلى الباب وقال بابتسامة :
+
- خلي بالك من نفسك يا خالتي.
+
ابتسمت "حنان" له بإخلاص، ثم غادرت الشقة، تحمل معها عبء الذكريات والندم الذي لا يفارقها.
+
اختفت الابتسامة من وجه " كريم " ، واستدار نحو والدته بسرعة، يهتف بنبرة غاضبة ومشحونة:
+
- إنتِ اتخانقتي مع خالتي تاني يامه ؟!
+
زمت " أمينة " شفتيها في محاولة لكبت غضبها، بينما تابع "كريم " بصوت أعلى وهو يشير بيديه بانفعال:
+
- بطلي بقى تنبشي في الماضي! كفاية... أنا تعبت منكم ومن المشاكل دي كلها ، خرجيني برا الموضوع ده!
+
ردت " أمينة" بنبرة حادة ومصرة:
+
- مش بمزاجك يا كريم، ومش هبطل وأعديها ، لازم تاخد حقك وحقنا كلنا.
+
ضحك " كريم " ضحكة خافتة ممزوجة بالاستنكار، وقال بصوت مليء بالسخرية:
+
- حقي؟ لو على حقي، أنا هعرف أجيبه بطريقتي، لكن شغل المؤامرات ده... مش وقته ولا مكانه.
+
استدار غاضبًا نحو غرفته، لكن صوت والدته أوقفه وهي تهتف من خلفه بانفعال مكتوم:
+
- أنت مش فاهم حاجة... ولا تعرف هي حرمت مني ومنك إيه.
+
توقف "كريم" في مكانه، واستدار نحوها ببطء، ناظرًا إليها بعينين مليئتين بالإحباط والحزن، ثم قال بصوت هادئ لكنه عميق:
+
- مش عارف يامه ، ومش عاوز أعرف ، اللي فات خلاص راح... وانتقامك ده مش هيرجّع اللي ضاع، هيزود المشاكل وبس.
+
وقفت "أمينة" تحدق فيه بعناد، لكنها لم تجد ردًا ، تابع "كريم" بنبرة أكثر ليونة لكنها حازمة:
+
- فكري في نفسك، فكري فينا... الماضي اللي ماسكة فيه ده ... هيكسرنا كلنا.
+
تركها "كريم" ودخل غرفته، وأغلق الباب خلفه بقوة خفيفة، بينما بقيت " أمينة" مكانها، تنظر إلى الأرض بإصرار و عناد لتتوعد في سّرها بشر كبير قائلة :
+
- مش هسمحلها تتهنى في يوم ، و هاخد حق قهر ثلاثين سنة فاتو !
3
───────────────── ˖.˚⋆ ..
+
كانت " هند" - زوجة أحمد - تُقطع الكُنافة و تضعها في أطباق بمساعدة " زينب " و " ميار " و فور أن انتهوا من ملئ أول صينية تقدمت " ميار " تجاه باب المطبخ و حاولت إستراق النظر بين فراغات الستار الذي وُضع على باب المطبخ لمجلس الرجال تحاول النداء على أخيها .
+
أنتبه " ريان " لأصبع يخرُج من وراء ستار المطبخ ، ليكتم ضحكته ثم ينهض باتجاههم.
3
تقدم من الستار ليجد " ميار " تقف خلفها بصينية بها أطباق مليئه بالكُنافة ، ليبتسم لها قم يقول بخفوت :
+
- لا بس التمويه متعوب عليه .
+
و ختم عبارته بابتسامة خفيفة يلتقط منها الصينية لتضحك " ميار " بخفة و تهتف :
+
- ودي دي و تعالى خد بقية الحاجة .
+
تقدم " ريان " تجاه مجلس الرجال و وزع أطباق الكنافة ، ثم عاد للمطبخ ليجد زوجة عمه " هند " من تعطيه صينية بها أطباق آخرى للكنافة، لتهتف بخفوت بعد أن سمعت صوت ضحكات إبنها " يوسف " :
1
- مبسوطة إن يوسف رجع يضحك تاني ، دا بفضل الله أولا بعدين بسببك يا ابني .
+
ابتسم " ريان " ثم ألتفت تجاه " يوسف " يراه يتصرف بطبيعية و يتبادل الضحكات مما أثر فيه كثيراً ليعود ببصره لـ " هند " هاتفاً بإحترام :
+
- متقوليش كده يا عمتي ، يوسف دا أخويا .. الحمد لله أنه عدى الفترة دي و تمم شفاه على خير
+
ثم أخذ منها الصينية ليعود بها للرجال مرة آخرى .
+
استمر تبادل النقاشات و الضحكات على كلا الأطراف حتى وقت أذان العصر ، ليقف " ريان " قائلا :
+
- طيب يلا ننزل نصلي العصر عشان همشي عندي حضور عملية في المستشفى.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان " وائل " جالس على كرسي أمام مكتب " آسر" ، يتحدث بحماس بينما " آسر" مشغول بمراجعة أوراق على مكتبه وهتف الأول بابتسامة ساخرة :
+
- يعني أنا مش فاهم ليه يا آسر كل الـ meetings عندك لازم تبقى في نص ساعة، طب ما ناخد شوية وقت نوسع الكلام شوية .
+
أجاب " آسر ' من دون أن يرفع عينه عن الأوراق :
+
- ء. meetings اتعملت للشغل، مش للحوارات .
+
اتكئ " وائل " للخلف مستمتعًا ثم قال :
+
- أيوه يا عم بس يعني، الناس دلوقتي بتحب تعمل جو اجتماعي، شوف مثلاً الشركات العالمية تلاقيهم بيتكلموا عن الكلاب بتاعتهم، عن السفر، عن إيه الأكلة اللي مفضلة عندهم.
+
نظر له "آسر" بجدية و قال :
+
- إحنا ما عندناش كلاب، وما عندناش وقت نطبخ أصلاً.
+
ضحك " وائل " ثم أردف :
+
- يا راجل! إنت ليه كده؟! طب ما تيجي نجربها؟ أقولك إيه! .. إيه أكتر أكلة بتحبها؟
+
رفع " آسر" حاجبه و قال :
+
- الأكل اللي بيخلص بسرعة.
1
أعترض " وائل " و هتف :
+
- لا.. إنت كده رسمي أوي، أنا لازم أعلمك شوية حاجات عن الحياة بص، إمبارح حصل معايا موقف رهيـ ..
+
قال " آسر " يشير له بالقلم :
+
- لو الموقف ليه علاقة بالشغل، كمل ، لو مالوش اختصر.
+
هتف " وائل " تجاهل جديته :
+
- إختصر إيه بس؟ ده موقف لازم تعرفه! كنت واقف في طابور طويل أوي في المول، و أنا على أعصابي لقيت اثنين قدامي بيتناقشوا في أنهي نوع شوكولاتة مصرية حلوة نزلت السوق النهاردة أنا قاعد أقول في نفسي الناس دي عايشة في دنيا تانية.
+
نظر له " آسر " نظرة ثابتة و هتف :
+
- الطوابير الطويلة دي أكيد خسارة وقت ، المرة الجاية اطلب أونلاين.
2
أمال " وائل " بجسده للأمام ضاحكًا و قال :
+
- طيب تصدق بقا مش هكملك إلي حصل ، يعني حتى لما أقولك موقف عادي لازم تدخله في الشغل؟ متبقاش راجل أعمال قفوش كده! الحياة مش كلها أوراق ومشاريع، يا باشا ، شوفني أنا! راجل أعمال روحي حلوه ، أصلاً دمي الخفيف دا هو اللي مخليني أعيش.
+
رغم كون العبارة طريفة غير أنها حملت معنى مستتر صرح به " وائل " دون وعي ، فابتسم " آسر " ابتسامة خفيفة وهو يعيد ترتيب الأوراق :
+
- ما بص بقا الناس نوعين ..
+
صمتّ قليلاً ليترقب " وائل " كلماتُه ليُردف " آسر " بلا اهتمام و جدية :
+
- أبعد عنهم الاثنين .
+
ضحك " وائل " وهو يهز رأسه بتعجب بينما أغلق " آسر " الحاسوب و نقل نظره إلى "وائل" ، ثم تكلم بجديته المعتادة :
+
- بقولك بقت ، أنا عاوزك تاخد المشروع الجديد اللي هنبقى مسؤولين عنه.
+
رفع " وائل " حاجبه بدهشة مصطنعة :
+
- أنا؟ اشمعنى !
+
نظر لهُ " آسر " بثبات و قال :
+
- أنا مش بسلم المشروع لأي حد ، عارف إنك الوحيد اللي ممكن تنفذه بالطريقة اللي أنا عايزها.
+
ابتسم " وائل " و أردف :
+
- ده إنت بتعرف تمدحني لما تكون عاوز حاجة! بس بجد ليه أنا؟
+
ابتسم " آسر " و أردف بصدق :
+
- لأنك شاطر، وبتفهم بسرعة، والمشروع ده محتاج حد يقدر يتعامل مع الضغط ويخرج منه بنتائج كويسة ، و محدش هيعمله زيك.
+
كانت كلمات عادية لأي مُستمع لكن " وائل " فهم أين أبحر " آسر " بكلماته ، ليبتسم ابتسامة خفيفة، يحاول إخفاء تأثير الكلام عليه ثم قال :
+
- يعني كده وقعتني رسمي في شغل إضافي ! ..طيب، إيه طبيعة المشروع؟
+
تنهد " آسر " ثم أستطرد :
+
- هنبدأ خطة تطوير لقطعة أرض في المعادي ، محتاج تصميمات مميزة ومقترحات إبداعية للمستثمرين ، الاجتماع الأول معاهم الأسبوع الجاي.
+
أخذ " وائل " نفسًا عميقًا و حاول المزاح قائلاً :
+
- طيب، لو المشروع نجح، هستحق إيه؟ مكافأة ولا زيادة في المرتب؟
+
ابتسامة " آسر " ابتسامة خفيفة و قال :
+
- هتستحق الثقة اللي عندي فيك ، و هتثبت لنفسك قبل أي حد .. إنك قادر على أي حاجة بإذن الله.
+
صمت "وائل" للحظة، ينظر "لآسر" نظرة مُختلطة بين الجد والمزاح و هتف :
+
- تمام المشروع بتاعي ..
+
ابتسم " آسر " و نهض ثم بدأ بجمع أوراقه و قال :
+
- أنا واثق فيك ، أشتغل بأسلوبك ، و نجح المشروع ده أنا عارف أن ليك طُرقك ، بالتوفيق بإذن الله.
+
ثم طالع في ساعة معصمة مردفا :
+
- عندي مشوار دلوقتي .. معلومات الصفقة بعتهالك email لو عوزت حاجة كلمني .
+
غادر " آسر " المكتب ، و جلس " وائل " لدقائق بعده، ينظر إلى الأمام بشرد و ابتسامة صغيرة.
+
و على ذِكر العمل ... و على بُعد عدة طوابق فقط .
+
كانت "وردة" تقف خلف "مؤمن" مترددة، تنتظره إنهاء مكالمته تتفحصه بعينين ممتلئتين بالحماس والتوتر في آن واحد، قبل أن تبدأ حديثها بشكل عشوائي حين أبصرته أنهى المكالمة :
+
- أنت مهندس مش كده؟
+
ألتفت " مؤمن" بانتباه ورفع حاجبيه بعدم فهم، لكنه لاحظ ملامحها الحائرة فـ تجاهل الأمر، وأجاب بنبرة حيادية:
+
- آيوه.
+
أجابت " وردة " بحماس غير مبرر :
+
- طيب ممكن طلب؟
+
نظر حوله سريعاً ، ثم أجابها بجمود :
+
- تمام، اتفضلي.
+
و بملامح لطيفة بدأت تستطرد بتوتر :
+
- باباي ... يعني بابا بيشوفني... يعني أنا عاوزة أكون مهندسة.
+
توقف "مؤمن" قليلاً، منتظرًا أن تُكمل فكرتها، لكنها ظلت تحدق به وكأنها تنتظر أن يُكمل هو عنها ، فتنهد بهدوء وقال:
+
- طيب، قولي الطلب.
+
أجابته " وردة" باندفاع أكثر :
+
- أنت لسه مفهمتش؟
+
أجاب " مؤمن" بملل واضح :
+
- هو أنا مطلوب مني أفهم إيه عشان مش مركز؟
+
أجابت " وردة " بتوضيح :
+
- منا قلت !!
+
صمت "مؤمن" للحظة، قبل أن ينظر لها بنظرة صبر متأرجحة ، استجمعت "وردة " شجاعتها لتكرر طلبها بطريقة أقل ارتباكًا:
+
- عاوزة أدرب عشان أبقى مهندسة... لما أخلص الثانوية العامة السنادي يكون... يكون عندي...
+
توقفت للحظة، ثم بدأت تُحادث نفسها بخفوت:
+
- اسمها إيه ؟؟
3
ضيق "مؤمن" عيناه و قال بتصبُر :
+
- خبرة.
+
ألتمعت عيناها و هتفت بفرحة :
+
- آيوه، خبرة! ما أنت فاهم أهو، أومال في إيه؟
+
قطب "مؤمن" ملامحه بعدم تصديق يا لله هذه الفتاة لا تفكر بأي حرف يخرج منها ، لا تُفكر بتاتاً .
+
- و أنا مطلوب مني إيه ؟
+
طالعت فيه " وردة " بابتسامة بلهاء ثم قالت :
+
- أنت قلت أنك مهندس دربني بقا ..
2
أدار "مؤمن" عينيه سريعًا حوله محاولًا كبح صبره، ثم أجاب بجدية:
+
- طيب، أنتِ واقفة دلوقتي في الدور الهندسي للشركة، كل اللي إنتِ شايفاهم مهندسين ، تقدري تدربي عند أي حد فيهم .. عن إذنك.
+
ثم فتح باب مكتبه، مستعدًا للدخول، لكنه توقف عندما سمع صوتها يناديه مجددًا :
+
- بس أنت المهندس المعماري...
+
ثم ألقت نظرة سريعة على اللافتة المُعلقة بجانب مكتبه وأكملت بحماسة:
+
- الرئيسي!
+
توقف " مؤمن " ونظر نحو اللافتة، ثم التفت إليها بسخرية خفيفة:
+
- وده باعتبار إنك فاهمة المعنى ولا إيه؟
+
أجابته " وردة " بكل بساطة :
+
- لا، مش فاهمة .. قولي بقى!
+
نظر " مؤمن " إليها لثوانٍ، وكأنه يفكر في جدوى الحديث، ثم تمتم بصوت خافت قبل أن يدخل مكتبه:
+
- يا رب صبرك .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- دكتور ريان .. لو حضرتك فاضي دكتور محمد عاوز حضرتك عند ميرال .
+
مسح " ريان " على وجهه يحاول استعادة قوته ، و أومأ برأسه بهدوء لتبتسم " كوثر " بخفوت و ذهبت .
+
دخل "ريان" الغرفة بهدوء بعد أن استعاد بعضًا من أنفاسه ، كانت الغرفة هادئة، تكتنفها رائحة المعقمات، وملامح الأمل والقلق مختلطة في أجوائها.
+
فيما كانت جالسة على الفراش ، عينيها مشدودتين إلى نقطة غير واضحة أمامها، يبدو أن جسدها ثابت بينما عقلها بعيد ، و بجانب فراشها كان "الطبيب مدحت" يراقب جهاز التنفس الصناعي والنبضات، بينما الممرضة تتابع تقارير الأجهزة.
+
- دكتور ريان...
+
أومأ "ريان " برأسه وابتسم قليلًا لمدحت قبل أن يُوجه بصره نحو" ميرال".
+
كانت عيناها ثابتتين، لكن حركة خفيفة مرت على يديها كما لو كانت تتفاعل مع وجوده ، لم يكن واضحًا إذا كانت مُدركة تمامًا لما حولها، لكن نظرتها المتجمدة كانت تحمل شيئًا من الارتباك
+
محمولًا بالحذر، اقترب منها دون أن يزعجها ، نظر إلى الطبيب مدحت، الذي أشار برأسه بإيجابية ثم قال :
+
- حالتها مستقرة دلوقتي، لكن الاضطرابات العصبية لسه موجودة ،عندها تفاعل قليل مع المحيط، وبيظهر عليها نوع من الهلوسة الذهنية بسبب الحادث ، لازم نراقبها .
+
حرَّكت " ميرال " يدها ببطء، وكانت نظرتها ما زالت مشوشة ، شعر " ريان " بأن هناك شيء ما في عينيها يناديه، لكنه لم يستطع تحديده.
+
جلس "ريان " على الكرسي بجانب فراشها ثم قال بصوت منخفض :
+
- أنا هنا لأساعدك ، إذا شعرتِ بشئ، يُمكنك إخباري .
+
لم تجب، لكن عينيها تُمعن في وجهه ، كانت تتأمل في ملامحه، وهي المرة الأولى التي تراه فيها بعيدًا عن المعطف الطبي ،لم تكن تعرفه إلا بزيه الأبيض، وكأن مظهره الجديد أثار شيئًا مختلفًا في نفسها .
+
كانت تراقب كل حركة من حركاته، فترتسم على وجهها ملامح الانبهار غير المفهومة ، كأنها تراه لأول مرة حقًا، وليس مجرد شخص كان يساعدها عدة مرات .
+
همست "ميرال" بهمسات ضعيفة :
+
- أنت... أنت...
+
تدخل الطبيب مدحت و قال بهدوء :
+
- هي لسه مش قادرة تركز بشكل كامل، بذات بعد ما انتقلت من العناية.. بس دي بداية استجابة إنها حاسه باختلاف في البيئة .
+
أومأ " ريان " رأسه ببطئ و قال :
+
- أنا فاهم ، و دا فعلا تقدم كويس ..
+
همست " ميرال " ، وفي عينيها شيء من الخوف والفضول :
+
- أنت... هنا ؟!
1
أرخى " ريان " اقتطاب ملامحه و أجاب :
+
- نعم، أنا هنا و جميعنا هُنا وكل شيء سيتحسن قريباً .
+
لتعود بجسدها للوراء ثم تُخفض جفونها بوهن ، فأخذ يراقبها بصمت، بينما تابع الدكتور مدحت تقاريره مع الممرضة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
تقدم " جواد " في اتجاه مكتب الإستقبال للإستفسار عن رقم غرفة " ليلى " و حين علم الرقم ، ألتفت ليُبصر " حسام " قادم من إحدى الجهات ليقطب حاجباه زيتقدم تجاهه ثم هتف بإسمه :
+
- حسام !
+
أنتبه " حسام " لنداء " جواد " ليتوقف في سيره و يرفع عيناه تجاهه ، ليقف " جواد " أمامه و يسأله بغموض:
+
- كله كويس ؟! إنت جيت المستشفى ليه ؟!
+
تنهد " حسام " و قال بملامح تعتريها الضيق :
+
- الظابط بلغني أن نعيمة شهدت ضددي و كانو طالبيني للتحقيق تاني ..
+
ضيق " جواد " عيناه بتفكير ثم قال بجمود :
+
- طيب أرجع أنت المطعم دلوقتي و أنا هحصلك .
+
ثم تقدم " جواد " و تركه خلفه ، ليتجه لغرفتها .
+
بعد بضع دقائق من السير وقف " جواد " أمام غرفتها ، تنهد ثم طرق الباب بثبات ، لم يصل لهُ استجابة فطرق مرة آخرى ثم أمسك مقبض الباب و ضغط عليه بهدوء يدفع الباب بحذر علها تكون بهيئة غير مُناسبة .
+
كان خافض عيناه للأسفل يدفع الباب بهدوء و هو يهتف :
+
- ممكن تسمحيلي أدخل ؟ أنا المدير التنفيذي للمطعم !
+
لم يتلقى أي إجابة فدفع الباب أكثر ثم رفع عيناه تجاه الفراش ليجدها تجلس عليه شاردة أمامها و الدموع تحجرت في عيناها ، بينما ثارت خُصلات خفيفة من شعرها أسفل حجابها الموضوع بشكل عبثي على وجهها .
+
اقطبت ملامح " جواد " بعدم فهم لسبب حالاتها تلك ، ليتقدم لداخل ثم أغلق الباب خلفه .
+
تقدم منها بهدوء و جلس على الكرسي بجانب فراشها و عقد حاجباه بتعجُب ثم قال :
+
- يا أستاذة إنتِ كويسة؟!
+
لم يجد رد ، فقط جسد خاوي و ملامح شاحبة ومُرهقة، أشفق على حالتها بصدق ، فابتلع ريقه محاولاً طمأنتها :
+
- حاسة بوجع ؟! محتاجة الدكتور اندهولك ؟
+
ألتفت لهُ " ليلى " لأول مره تنظر له بشفاتان ترتجفان و دموع حبيسة حدقتا عيناها الحمروان ، أرخى " جواد " ملامحه و تأمل في هيئتها لقد كانت في حالة يُرثى لها ، كيف تكون هكذا و هي في المستشفى ، مما تعانى تلك الفتاة ؟ .
+
كلها أسألة جالت في عقله نبذها بعيداً ، و طالع فيها بهدوء ثم سألها برفق :
+
- إنتِ شغالة عندي بس أول مرة أشوفك .. ممكن أعرف أسمك ؟
+
طالعت فيه " ليلى " قليلاً و تنهدت بهدوء و قالت بصوت مُتحشرج :
+
- لـيـلى .. لـيـلى أحـمد .....
16
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ِ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
و السلام على قلوبكم .
+
|سُهى الشريف
+
