رواية اصداء القلوب الفصل العاشر 10 بقلم سهي الشريف
10 | الحـقائِق المُبـعثرة
وإن ضاقت عليك الأرض يومًا
وبت تئنُ من دُنياك قهرًا
فرَبُّ الكَوْنِ ما أبكاكَ إلا
لتعلم أن بعد العُسر يُسرا
وإن جارَ الزمانُ عليكَ فاصبر
وسلَّ مولاك توفيقًا وأجرًا
لعل الله أن يُجزيك خيرًا
ويملأ قلبكَ المكسُورَ صبرًا .
1
_ لقائلها .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
▪︎ تنـويه : ستقرأ آراء مُتعدد و توجيهات مُختلفة لا تكُن مُتسرعاً و تنسب جميعها لمُعتقداتي ، و لا تحكُم علىّ من ألسنة أشخاص بشخصيات و ميول تختلف عني ، و بالطبع أنت لا تعلم شئ عن طباعي لذا يُستحسن إبعادي عن تلك المُقارنة برُمتها .
1
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_العاشر
#سهى_الشريف
+
- قـراءة مُـمتعـة ෆ .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
طالعت فيه " ليلى " قليلاً و تنهدت بهدوء و قالت بصوت مُتحشرج :
+
- لـيـلى .. لـيـلى أحـمد .....
+
كانت الكلمات التي خرجت منها كالعصف لكن ملامح وجهها لا تخدع، تحمل وراءها الكثير ، أخذ نفسًا عميقًا، ثم حاول تخفيف الجو المشحون وقال بصوت مُنخفض :
+
- طيب يا ليلى، أنا مش هنا عشان أضايقك بس لو محتاجة مساعدة أنا موجود.
+
رفع عينيه من جديد ليُلاحظ تغيرًا طفيفًا في ملامح وجهها ، كانت تحاول أن تكون قوية رغم الألم الذي يكتنفُها، لكن ذلك لم يخفَ عن عينيه ، صمت لثوان ثم أضاف:
+
- لو فيه أي حاجة أقدر أساعدك بيها ، مفيش مشكلة لو طلبتي.
+
لكن بدلاً من أن تُجيبه، حدقت فيه "ليلى" لبرهة ثمتنهدت وابتسمت ابتسامة خفيفة لكنها منكسرة :
+
- شكرًا...
+
كان يُراقبها بحذر، فهناك شيء غريب في نبرتها كان يُثير فضوله أكثر، لم يكن يملُك سوى الانتظار، لعلها تكشف المزيد عن نفسها .
+
- تمام ، تقدري تاخذي أجازة مرضي لحد ما تتحسني إن شاء الله بعدها تقدري تكملي شغلك .
+
أومأت برأسها بخفة بينما هو اعتدل واقفًا واتجه إلى الباب ، أغلقه خلفه ثم وقف للحظة شارد الذهن، خطى خطوات خفيفة وهو يفكر فيما رآه.
+
أخرج هاتفه من جيبه، ومن قائمة الإتصالات ضغط على رقم مُحدد و بعد ثوان فُتح الخط ليُجيب الطرف الآخر، و هتف "جواد" بصوت جامد:
+
- كنت عاوزك يا مراد في مشوار...
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دخل "آسر" مركز الشرطة وعينيه تتفحص المكان حوله ، اتجه مباشرةً نحو مكتب الأمن، حيث كان يقف جُندي يرتدي الزي الرسمي.
+
- لو سمحت، أنا عاوز أشوف الرائد خالد.
+
قالهابصوت هادئ يحمل فيه نوعًا من الحزم ، نظر الجندي إليه للحظة قبل أن يطلب منه:
+
- ممكن تديني اسمك يا فندم ؟
+
- قوله آسر الرفاعي .
2
أجاب "آسر" بسرعة، ضغط الجندي على زر الهاتف في مكتبه، وأرسل إشارة عبر الجهاز الداخلي.
+
- قول للرائد خالد... آسر الرفاعي عايز يقابل حضرته .
+
مرت لحظات من الصمت، ثم أومأ الجندي برأسه وأجاب:
+
- تمام ، اتفضل يا فندم .
+
- شكراً.
+
ثم استدار مُتجهًا إلى الممر الذي يؤدي إلى مكتبه بينما كان يخطو كانت أفكاره تتسابق في رأسه .
+
أقبل الباب بحذر ثم طرقه مرتين قبل أن يدخل ، وعندما فتحه كان يجلس خلف مكتبه، عينيه تركزان على الملفات أمامه ، فرفع "خالد" رأسهُ ببُطء عيناه تتفحصان "آسر" للحظة قبل أن يبتسم قليلاً:
+
- تفضل يا آسر كنت مستنيك .
+
ابتسم "آسر" بخفة، وأخذ مكانهُ أمام المكتب ،و هندم بدلته و لكن ساد صمت بين الطرفين، ثم قال "خالد" بصوت منخفض، لكنه جِدي:
+
- إيه الأخبار؟
+
رد " آسر" بنفس الهدوء :
+
- لا الأخبار دي عندك أنتَ ...
+
ابتسم " خالد" و عقد بين أصابعه على المكتب و قال :
+
- كويس إنك وصلت سليم البيت يومها ، عشان كان في عيون عليك .
+
رفع "آسر" إحدى حاجباه و قال بابتسامة خفيفه :
+
- منا كنت عارف أنكم هتتصرفوا .
+
ارتسمت ابتسامة ذات معنى على شفتاي " خالد " ليهتف " آسر " بعدها بجدية :
+
- عرفتوا تستفادوا بحاجة من الورق ؟
+
طالع فيه " خالد " و أومأ قائلاً :
+
- ورق زي دا بعد كل السنين دي ..متوقعش تطلع فيه حاجة مهمة !
+
نظر " آسر" إلى الملف الذي أُلقِيَ أمامه على الطاولة بعينين تضيقان تدريجيًا.
+
الأوراق كانت قديمة لكنها تحمل بين طياتها لغزً ، فرفع رأسه نحو الرائد الذي كان يقف بجواره واضعًا يديه على الطاولة بثبات.
+
- إيه اللي يخلي عز يسيب ورق زي ده كل السنين دي؟ الورق ده أكيد مش متساب كده بالصدفة.
+
أجاب الرائد بثقة :
+
- ولا حاجة في القصة دي حصلت بالصدفة ، الورق ده متحط هنا بالقصد... زي ما يكون في شخص عاوز يوجهنا لناحية معينه.
+
نظر "آسر" إلى التوقيع مرة أخرى، ثم رفع عينيه نحو خالد.
+
- يعني إيه (ع.س)؟ إنت متأكد إنه مش عز؟
+
أردف "خالد" و هو يشير إلى التوقيع :
+
- التوقيع ده مكتوب بأسم (ع.س) ، عز اسمه مبدأش بالحروف دي ولا حتى ممكن يكون اسم مستعار ، عشان دي صفقة بيع و شرا ، ده توقيع لشخص تاني تمامًا.
3
سادت لحظة صمت بينهما، بينما بدأ "آسر" يتفحص الأوراق مرة أخرى :
+
- طب ومين الشخص ده؟ وإيه علاقتُه بالصفقة ؟
+
بدأ " خالد " في المشي داخل الغرفة، يستجمع أفكاره :
+
- زي ما أنت عارف من سبع سنين، عز دخل صفقة ضخمة لبيع أراضي، بس الصفقة كانت فخ ، الأطراف اللي كانت معاه بما فيهم المجهول (ع.س)، ضحوا بيه في اللحظة الأخيرة وخلوه يشيل الليلة كلها.
+
تسائل " آسر " بفضول :
+
- مين الأطراف دي؟ عندك أي أسماء؟
+
صمت " خالد " لوهلة ثم أردف :
+
- معظمهم اختفوا بعد الصفقة، واحد سافر، واحد تقتل، والباقيين محدش يعرف عنهم حاجة.
+
- و (ع.س)؟
+
أجاب "خالد" بنبرة غامضة :
+
- هنا الغموض.. (ع.س) مش بس شريك، احتمال كبير يكون ...
+
أجاب " آسر " سريعاً بإدراك :
+
- يكون المُشتري نفسه .
+
أومأ " خالد" برأسه ثم قال :
+
- بالظبط ، و ممكن يكون الشخص اللي جمع كل الخيوط في إيده ..
+
تسائل "آسر " بتوتر متزايد :
+
- لو (ع.س) هو اللي جمع الخيوط... ليه الورق ده متساب؟
+
بابتسامة خفيفة لكنها غامضة أردف " خالد " :
+
- علشان يورّطنا أكتر ، الشخص اللي ساب الورق ده عارف إحنا بندوّر على إيه ، و بيحاول يوجّهنا للطريق اللي هو عاوزه ، لكن...
+
صمتّ لبُرهة بينما يُراقبه " آسر " بترقُب ثم هتف :
+
- لكن مش هنعرف الحقيقة إلا لما نعرف مين (ع.س)، ونكتشف هو عدو لعز... ولا لينا إحنا كمان.
+
أومأ " آسر " لهُ بشرود ثم صمت لبُرهة و استأذن للخروج على وعد ببقاء الإتصال بينهُم ، فخرج مُثقلًا بهمٍ جديد، وكأن الحياة قد قررت اختبار صموده بزيادة أعبائه .
+
بينما كان يسير نحو الخارج استقبل هاتفهُ اتصالًا ، رفع الهاتف بنفاد صبر ونظر إلى الشاشة، وحين ظهر اسم "نورين"زادت ملامح الضيق على وجهه ، أغلق الهاتف بحركة سريعة و كأن ما كان ينقصهُ في هذا اليوم المُثقل هو مواجهة تلك الفتاة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دخل " مؤمن" مكتبهُ محاولًا تجاهل صوت خطوات "وردة" التي تبعتهُ بكل حماس دون استئذان و تركت الباب مفتُوحاً ، و هي تُراقبه بعينين فضوليتين.
+
هتف "مؤمن " بنبرة جادة :
+
- واضح إنك ما بتسمعيش الكلام ، قلتلك تقدري تدوري على حد تاني.
1
أردفت "وردة" باندفاع:
+
- بس أنت مهندس معماري رئيسي، يعني أكيد هتعرف تدربني أحسن من أي حد تاني هنا.
1
هتف "مؤمن" بابتسامة هادئة و تسائل :
+
- و أنتِ فاهمة العمارة أو بتعرفي تمسكي قلم رسم؟
+
قالت "وردة " ببراءة :
+
- طبعًا ! أنا بعرف أرسم قلوب و ورود وأكتب بخط كبير كمان.
3
أجاب "مؤمن" بذهول :
+
- قلوب و ورود ؟ إنتِ جاية تتدربي على العمارة ولا على تصميم كراريس البنات؟
1
هتفت "وردة" بإصرار :
+
- عاوزة أتعلم كل حاجة، أي حاجة تقولها هتعلمها على طول.
+
تقدم "مؤمن" تجاه مكتبه ثم جلس على المقعد خلفه و مال بجذعه للأمام ثم قال :
+
- كويس، طيب لو هبدأ معاكِ من الصفر .. عارفه يعني إيه مهندس معماري؟
1
أجابت "وردة" بتفكير :
+
- يعني... حد بيبني بيوت !
1
طالع فيها " مؤمن" بنظرات خاوية و بعد تنهيدة طويلة قال :
+
- قربتِ ، بس بشكل أوضح ؛ المهندس المعماري بيخطط، بيرسم، بيصمم ، يعني بنبدأ بفكرة، ندرسها، نحللها، وبعد كده نعمل مخطط ، وبعدين نشتغل مع مهندسين مدنيين وكهرباء وميكانيكا عشان ننفذها.
+
تقدمت "وردة " و جلست على المقعد أمام مكتبة رغم جهلها بنصف المُصطلحات التي ذكرها و تسائلت :
+
- طيب... وإزاي أعمل كل ده؟
+
ضيق "مؤمن" عيناه ثم مد يداه و وضع ورقة و قلم أمامها ثم هتف :
+
- هنبدأ بحاجة بسيطة، خدي الورقة دي و ارسميلي شكل هندسي متوازن مكعب ، هرم ، اسطوانه بس عاوز ابعاد مظبوطة.
+
تابعت "وردة" كلماته بانتباه ثم أمسكت بالقلم :
+
- آيوه عارفة عارفة .
+
ثم أخذت ترسم بحماس بينما "مؤمن" يتابعها بنظرات مختلطة بين الحيرة واليأس، و عندما انتهت دفعت الورقة نحوه بفخر.
+
- ها ! ده هرم مش كده؟
+
قال "مؤمن" وهو ينظر للرسم بذهول :
+
- ءءء ..آه... بس ده هرم واحدة من زواياه بتودعه .
+
أجابت "وردة" باندفاع :
+
- هو كده بستايله !
+
هتف "مؤمن" بنبره ساخره :
+
- ما شاء الله، أول مرة أشوف " style" في الأشكال الهندسية.
+
زمتّ "وردة" شفتاها و شبكت بين أصابعها بتوتر ، ليُلاحظ توترها بنظرات خاطفة ، فتنهد ثم طالع فيها بفضول و قال :
+
- إسمك إيه ؟
+
- وردة.
+
صمت "مؤمن" لبُرهة ثم هتف مستسلمًا :
+
- طيب يا وردة هساعدك بس أنا عندي وقت قليل النهاردة عشان هخلص شغل والدتك و أبعته فعايز تركيز و إلا مش هنكمل !
+
اتسعت ابتسامة " وردة" بفرح و تلاشى التوتر الذى أعتلاها مُنذ ثوانِ ثم هتفت :
+
- حاضر يا باشمهندس، أنا بسمع الكلام أهو!
+
نظر إليها "مؤمن" بتعبير يشوبه القلق، ثم وقف قائلاً:
+
- استني هنا، هجيبلك حاجة بسيطة تشتغلي عليها.
1
أجابت "وردة " بفرحة طفولية :
+
- ماشي، متتأخرش عليا.
+
قطب"مؤمن" حاجبيه ثم تركها في المكتب وتوجه للخارج وهو يتمتم بخفوت:
+
- وأنا اللي قلت يومي هيعدي بهدوء ، ربنا يستر!
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
نهض الجميع من جمعتهم العائلية مع زوال شمس يوم الجمعة ، أنتقلت النساء لمطبخ "فريدة " للبدأ في تنظيف الأواني بينما اجتمع " علي " مع رجال العائلة على أمر ما في إحدى الغُرف .
+
بدأت " ميار " برفقة أختها " ريم " التي أصرت على المساعدة و بجانبهم " رقية " و " زينب " بترتيب الأواني للبدأ بالتنظيف .
+
دقائق تخللها حديث لا ينتهي من طرف " ريم " و مُناقشات من أطراف البقية اللتينّ أفتقدنا حديثها بشدة ، ضحكات تارة و تسائلات تارة آخرى و حوار عن ذلك و ذاك إلا أن مرت دقائق تنظيفهُنّ كلمح البصر.
+
أخذت كل منهُن أوانيها للعودة بها لِمنازلهُنَّ ، بينما وضعنّ " ريم " و "ميار" اللمسات الأخيرة على نظافة المطبخ .
+
أنتهت " ميار " و دلفت لغُرفتها تبحث عن هاتفها ، وجدته مُلقى على الفراش تقدمت منه و ألتقطهُ، لتدلُف إلى أحد مواقع التواصل الإجتماعي و الذي فور أن دلفت وجدت إحدى مقاطع الفيديو الصغيرة تعرض مشهد لأحد المسلسلات و الذي ذكرها بموعد الحلقة الجديدة له .
+
شاهدت "ميار" المقطع بتركيز، غافلة عما احتواه من معازف ومشاهد عاطفية ، كانت تعيش لحظات تردد بين متابعة الحلقة أو تجاهل الأمر تمامًا.
+
لكن قبل أن تحسم قرارها، ارتفع صوت أذان المغرب، متزامنًا مع دخول "ريم" إلى الغرفة وحركة تلقائية أغلقت "ميار" الهاتف واستدارت نحو شقيقتها التي نادت عليها بصوت واضح.
+
- ميار ؟
+
- آيوه !
+
طالعت فيها " ريم " و أردفت :
+
- إنتِ قاعدة هنا ليه ؟ عاوزين نصلي المغرب جماعة .
+
لم تكُن "ميار" قد انتبهت إلى الأذان من قبل بسبب انشغالها بالمقطع، لكنها استوعبت الأمر فورًا فأومأت برأسها سريعًا قائلة:
+
- حاضر، هروح أتوضى الأول.
+
وضعت هاتفها على الفراش وغادرت الغُرفة بخطوات مُتسارعة نحو دورة المياه لتُجدد وضوءها ، شعرت في تلك اللحظة بامتنان كبير لوجود "ريم" التي كانت بمثابة تنبيه من الله لها، يُعيدها إلى الطريق الصحيح في لحظة انشغال غفلت فيها عن أذان المغرب.
+
أنتهى النساء من الصلاة جماعة ، نهضنّ ثم جلست كل واحدة فيهُن على رُكن أمام التلفاز في تلك الأثناء دلف " ريان " للمنزل وألقى السلام و أخفض بصره حين انتبه لوجود النساء في صالة المنزل .
+
اتسعت ابتسامة " ريم " بسعادة و وضعت ابنتها رقية جنباً و نهضت لشقيقها ،اتسعت ابتسامة " ريان " حين أبصرها تتقدم منه ففتح لها ذراعيه يعلم مُرادها.
+
أنتقلت أنظار النساء لهُم و أرتسمت ابتسامة حنونه على وجوههم لتزُمّ " ميار " فمها بحُزن مصطنع و هتفت :
+
- يعني أنا مش هنول من المحبة دي حبة ؟
+
اتسعت إبتسامه " ريان" حتى تحولت لضحكة و هو يفتح لها ذراعه الثانية قائلاً :
+
- إنتِ ليكِ كل المحبة .
+
فاتسعت ابتسامة " ميار" سريعاً و نهضت لعناقه بجانب " ريم" لتضحك النساء على أفعالهُن ، لتهمس " ريم " :
+
- يا سيدي يا سيدي ، أومال سبت إيه لمراتك ؟
+
اتسعت ابتسامة " ريان " و أجاب بثقة :
+
- سبتلها الحنان كله محدش يخاف عليها .
2
أطلقت " ريم " ضحكة خافتة و هتفت :
+
- الحضن دا ناقصه نور والله .
4
ابتسموا جميعُهم على إثر ذكره و هتف " ريان " بخفوت :
+
- والله وحشني أوي الولا ده .. ربنا يصلح حاله
2
و في تلك الأثناء فتح " علي" باب الغرفة التي أجتمع فيها مع بقية رجال العائلة و قد نهض يدعوا " ريان " حين سمع صوته بالخارج و هتف بأسمه :
+
- ريان !
+
- نعم يا بابا .
+
توقف " علي" حين رأه يضُم أختاه له ، فضحكت النساء بخفوت بينما أردف " علي " بقلة حيلة قائلاً :
+
- خد تعالى يا ريان ، سيب حضن البنات و تعالى ..
+
خرجت الفتاتان من بين ذراعيه ، و اتجه لوالده و قد سمع صوت ضحكات رجولية بعد عبارة والده الأخيره ليهتف لهُم قبل أن يُغلق الباب مُجدداً :
+
- والله أخواتي ، أنتوا فهمتوا إيه !
+
فاتسعت أسارير النساء بالضحك و الدعاء لحفظ أولادهم، لتنتبه " ريم " و هي تضحك لخفوت ابتسامة " ميار " فأعلمت بأن شئ أهمها، فطالعت فيها للحظة ثم نهضت و هتفت بنبرة مرحة :
+
- ميار ، زينب، رقية تعالوا ندخل جوا ..
+
ردت " هند" بنبرة مازحه :
+
- اللاه! رايحين فين كده ؟
+
ألتفت لهُم " ريم " و قالت بتسلية :
+
- لا أسرار بنات زي بعضينا.
+
ثم تبادل الجميع الضحكات فهذه عادة الفتيات كُلما أجتمعنّ ، أخترنّ مكاناً و تجمعنّ فيه ليكوننّ على راحتهُنّ أكثر ، و كان الغرض الأول لـ " ريم " أن تبوح " ميار " بما يُعكر صفوها.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
بطرقات خافته و صلت لمسامع " ليلى " أذنت بالدخول ، ليفتح الطارق الباب ببُطئ شديد ، أربكها تأخُره في فتح الباب حتى تجلى هو أمامها ، اتسعت أعين " ليلى " بفزع صامت ،و دلف لغُرفتها و أغلق الباب خلفه بينما تُراقب حركاته المُتأنية بعينين مليئتين بالقلق.
+
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه وبدأ يصفق بصفقات مٌنتظمة، ثم توقف وتنهد بعمق وقال بسخرية مغموسة بالمكر:
+
- شاطرة أوي.
+
قطبت " ليلى" حاجبيها بعدم فهم، لكنها هتفت بضيق وهي تحاول السيطرة على ارتباكها:
+
- إنت مين وعاوز مني إيه؟ وخلتني أكدب على الراجل ليه؟
+
ظل "حسام " صامتًا يتأملها بابتسامة غامضة زادت من توترها، ثم مال بجسده قليلاً للأمام وقال بنبرة مرحة لكنها مشحونة بالتهديد:
+
- تؤ تؤ يا عسل، إحنا اتفقنا نسمع الكلام.
+
ضاق صدرُها وزمت شفتاها بضيق، لكنها لم تتراجع عن نظراتها الحادة التي تُوجهها إليه ، أما هو فأردف بنبرة تبدو مرحة لكنها تحمل رسائل خفية:
+
- تسمعي الكلام... أوصلك للي إنتِ عاوزاه.
2
ثم صمت قليلاً، عينيه لم تفارق عينيها حتى هتف فجأة بجدية كادت توقف أنفاسها:
+
- ولا مش عاوزه تشوفي أمك؟؟
+
تأوهت " ليلى" لا إراديًا كلمات "حسام" كانت طعنة مزدوجة في صدرها ،شعرت أن كل ذرة في جسدها تنتفض ..
+
والدتها ؟! ذكرها بهذا الشكل للمرة الثانية!! تنهدت وهي تحاول ترتيب أفكارها، لكنها لم تستطع إلا أن تغرق في بحر ذكرياتها عن أول لقاء جمعها بهذا الرجل.
+
كانت " ليلى " مُستلقية على فراشها بوفاض خالية ، شاردة في أفكارها و حياتها البائسة التي أصبحت أكثر تعقيداً .. كل شئ ينهار حولها و لم تعد مُتأكدة بأنها تستطيع أن تستمر في حياتها أكثر من ذلك .
+
طرقات مُنتظمة وصلت على باب غرفتها ، مسحت بأناملها دمعة فرت على وجنتيها و هتفت بصوت منخفض:
+
- اتفضل ..
+
ضغط على مقبض الباب ببطئ ثم أندفع الباب بتروي في لحظات ملئها الترقب ليتجلى أمامها رجل متزن البنية يرتدي ملابس رسمية و يتضح عليه الثراء، اتسعت عيناها بعدم فهم ، ليُغلق الباب خلفه و يقترب منها بخطوات ثابتة و عينان لا تُبصر سوى عيناها المُرتجفان.
+
مال بجسده قليلاً ثم همس بخبث بدون مُقدمات :
+
- هيدخل عليكِ راجل بعد شوية لو طلب يعرف أسمك كامل أكدبي عليه .. و صدقيني مش من مصلحتك تقوليله الحقيقة نهائي !
+
شعرت " ليلى " بالفزع و التوتر يتمكنان من جسدها الهزيل لتهتف من بين رجفاتها :
+
- إنت مين؟ و عاوز مني إيه ؟؟
+
أعتدل " حسام " واقفاً و قال بابتسامة غامضة :
+
- أنا فاعل خير ، تقدري تقولي إني جاي من طرف حد بتحبيه ..
+
ابتلعت " ليلى " ريقها بغصة و تسائلت مُحاولة كبح دموعها :
+
- حد ؟! حد مين ؟ كريم باعتك !!
+
قطب " حسام " حاجباه بعدم معرفة و قال بخفة:
+
- كريم مين ! لا معرفش كريمات أنا !
+
طالعت فيه " ليلى " بصدمة و فزع ، لترتسم ملامح الخيبة على وجهه و قال بصوت خافت :
+
- ياربي و غبية كمان ! ضيعتي عليا اللقطة .
+
قطبت " ليلى " ملامحها و التي اتضحت أن أفكاره لم تكن خافتة ، ليُطالعها بنفاذ صبر ثم هتف :
+
- أمك .. إيه مبتحبيش أمك !!
+
اتسعت أعيُن " ليلى " و شهقت بصدمة و بدأ جسدها يرتجف لتهمس من بين بحة صوتها :
+
- ما .. ما
+
رفع " حسام " طرف شفتاه بعدم فهم ليفرُك مقدمة رأسه و يقول بتفكير :
+
- هي مالها دي ! هما أدوني رقم الأوضة غلط ولا إيه ؟!
+
بينما كانت " ليلى " في حالة صدمة ، لم تصدق أن أحداً غيرها يتحدث عن والدتها ، أرأها ؟ أهي بخير ؟ أين هي !؟
+
كلها أسألة عصفت بعقل تلك المسكينة تحت أعين " حسام " لينفُض تلك الأفكار عنه و يحاول العودة لجديته مرة آخرى ثم أردف :
+
- من الآخر كده هقولك إلي عندي ، أعملي إلي قلتلك عليه هوصلك لأمك و لو حاولتي تتذاكي الدنيا هتطربق على نفوخك .
+
ثم ألتفت حوله بتفكير و غادر الغرفة سريعاً تحت نظرات " ليلى" المفزوعة .
+
شهقت " ليلى" نفسًا عميقًا بعد أن أنفلتت من أسر ذكرياتها، لكن عينيها التمعت برجاء وحيد ، لم يعد يُهمها إن كان يستغلها أو يُهددها، كل ما جال في خاطرها أمر واحد فقط .
+
طالعت "حسام " بعينين مُلتهبتين وأطلقت سؤالها بصوت مُتحشرج يحمل كل هشاشتها:
+
- طب سؤال واحد... و أوعدك ، لو جاوبتني بالحقيقة هعملك كل اللي إنت عاوزه... أي حاجة... بس جاوبني على السؤال ده من غير كدب.
+
قطب "حسام" حاجبيه بتعجُب و ارتبك من حالتها ثم قال بتردُد مشوب بالفضول:
+
- إسألي.
+
كأنها استدعت سؤالها من بئر عميق داخلها، سقط فيه مُنذ سنوات ولم تكُن تتجرأ على استخراجه ، هتفت بصوت خافت، خانق بالغصة:
+
- ماما... ماما عايشة؟
+
تجمد "حسام" في مكانه بصدمة وفرك شعره بتوتر لكنه استجمع شجاعته ونبس :
+
- أيوه... عايشة.
+
كلمتان فقط ، لكنهُما كانتا كافيتين لتُمزقا الحاجز الذي أبقاها واقفة طوال تلك السنين ، كلمتان أعادتا لروحها ماء الحياة، بعد أن ظلت سنينًا تعيش على قشة أمل واحدة لتنهار الآن بلا قيود .
+
حين رأى "حسام" انهيارها وتراجع خطوة بدهشة من الدموع التي تساقطت بغزارة على وجهها ، نظر إليها نظرات مرتبكة و هو يهتف بتوتر شديد :
+
- يا.... إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ والله عايشة يا أستاذة بقولك عايشة !!
+
لم تستجب وغطت وجهها بكفيها و هي تواصل البكاء بصوت مكتوم ، لكن ارتجاف كتفيها كان كافيًا ليُوصل مدى الألم الذي خرج من روحها ، و "حسام" تقدم منها بتردد حاول تهدئتها :
+
- طب بصي... أنا مبستحملش دموع البنات ! بطلي عياط عشان خاطري؟ طب... عشان خاطر ماما؟ طب... عشان خاطر أي حد طيب !
5
و حين لم تتوقف، اعتدل واقفًا، و رفع رأسهُ إلى الأعلى متذمرًا :
+
- كان مالي ومال الحوار ده ، حاشر نفسي ليه؟ يا رب أرحمني من أم دي شغلانة !
+
لكنهُ أعاد النظر إليها ليجدها غارقة تمامًا في بُكائها فأخذ نفسًا عميقًا وأردف بنبرة حاولت أن تكون هادئه :
+
- طيب مالِك طيب أنا قلت حاجة غلط ؟؟
1
لكنه لم يحصل على رد، بل زادت شهقات " ليلى " ليقف يتأملها مُحاولًا التفكير في أي خطوة لإنقاذ الموقف ، قبل أن يطرق أحدُهم الباب و يدلُف سريعاً ليتجمد " حسام " مكانه .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت "يـارا" في غُرفتها و عينيها تُراقب شاشة الهاتف ثم فجأة رنّ هاتفُها ، فطالعت في الرقم لم يكُن مؤلوفاً و كانت مُترددة ، لكن فضولها جعلها تُجيب .
+
- ألو؟
+
الصوت في الطرف الآخر كان هادئًا ولكن خشن:
+
- مساء الخير، يـارا.
+
تسائلت "يـارا "بدهشة واضحة :
+
- مين؟
+
بحذر مُحكم، ونبرة تعكس تحديًا قال الطرف الآخر:
+
- لحقتي تنسي صوتي ؟ أنا عماد .
+
أجابت "يـارا " بصوت متوتر لكنها تحاول السيطرة على رد فعلها :
+
- إزاي عرفت رقمي؟ و أنت أزاي تتصل بيا دلوقتي؟
3
رد " عماد" ببساطة مريبة :
+
- مفيش حاجة صعبة، هو أحنا مش بينا أتفاق ولا إيه ؟ فقلت نتعرف على بعض شوية عشان نقدر نمثل أحسن.
+
قطبت " يـارا " حجباها ثم تنهدت بلامبالاة و قالت :
+
- أوكي أنا فاهمة، بس متبقاش أوڤر .. أهلي وأهلك لسه متفقوش على أي حاجة.
+
أردف "عماد" بابتسامة مستفزة لم تظهر لها :
+
- بس كده ! أجيلك بكرا يا جميل و نخلص كل الإتفاقات .
+
ضيقت " يـارا " حاجباها و نهضت تسير في الغرفة تسأله بترقًب :
+
- هو أنت عاوز الموضوع يكمل ولا إيه ؟
+
- مش فاهم !
+
زرفت " يـارا " نفسا و قالت :
+
- إحنا أتفقنا نلعب اللعبة دي لما يكونوا مُصرين على إننا ننخطب إنما دلوقتي كل حاجة هاديه عاوزه تحرك الدنيا إنت ليه ؟
+
ضحك " عماد " فتعجبت " يـارا " من ضحكاته ثم قال بصوت ثابت :
+
- هو إنتِ فاكرة إن أبوكي أو أبويا ممكن يطنشوا الموضوع و ينسوا !! لاا تبقي بتحلمي، دول يا عسل ناس بتلعب ألعاب كبيرة ، الوقت إلي بتحسي فيه أنهم ناسينك بيبقوا بيخططوا لحاجات كبيرة و هيفجأوكي بيها .
+
صمتت " يـارا " في محاولة لموازنة كلماته فتابع :
+
- بعدين مش لازم نستنى موافقتهم إحنا ممكن نمشي أمورنا و نبدأ إحنا اللعبة بدري !
1
مالت " يـارا " برأسها قليلاً و تسائلت بترقُب :
+
- و أنا أعمل كده ليه؟ هاستفاد من وراك إيه يعني ؟
+
- هتستفادي إن باباكي يخف ضغط عليكِ و يسيبك لراحتك .
+
زمتّ " يـارا " شفتاها و رفعت إحدى حاجباها و قالت :
+
- أنا كده كده بعمل إلي عوزاه ، المفروض أسأل إنتَ هتستفاد إيه ؟ أكيد يعني مش مستني موافقة بابي في كل حاجة ؟؟
+
قالت " يـارا " عبارتها الأخيرة بشئ من السخرية ، صمت "عماد" للحظة طويلة قبل أن يرد، لكن رده يحمل شيئًا من الخبث والغموض :
+
- مش عاوزك تسألي السؤال دا تاني ! كل واحد فينا ليه مصلحته ، وما فيش حاجة بتيجي من غير تمن.
1
شعرت "يـارا" بشيء غريب في حديثه، وكأنّما يُخفي شيئًا وأجابته بصوت جاف وهي تحاول أن تُحجم الموقف:
+
- مصلحتك إيه بالظبط؟ ده كلام كبير لو مش هتبقى واضح معايا خلينا نوقف هنا !
+
ضحك "عماد" ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليئة بالسخرية :
+
- لو كنتِ فاكرة إن اللعبة دي بسيطة، فإنتِ مش فاهمة حاجة ، كُل حاجة حواليكي مش زي ما بتشوفيها ، بس لما ييجي وقتها هتفهمي إن كل حاجة في الدنيا ليها تمن.
+
نبرة حديثه كانت مُحملة بشيء غامض، فحاولت أن تظل هادئة و ثابته و قالت:
+
- أنت بتقول كلام مش واضح، لو عندك نية صافية قول اللي عندك بوضوح ، ولا إنت عايز تقلب الدنيا و خلاص ؟
+
هُنا بدا صوت "عماد" أكثر برودة وغموضًا :
+
- مش محتاج أقولك حاجة دلوقتي، زي ما قلتلك قبل كده، كل واحد ليه هدفُه في الحياة ، بس إنتِ لسه مش شايفة الصورة الكبيرة .. لما ييجي وقتك، هتفهمي إن كلنا بنلعب لعبة أكبر وأخطر مما تتخيلي.
+
كان كلامه أقوى مما توقعت ، شعرت بأن هناك شيئًا أكبر وراء هذه الكلمات ، تنهدت وقالت وهي تحاول أن تظل ثابتة:
+
- لو الموضوع مش واضح، مش هكمل فيه ، أنا مش في مزاج أكون مجرد جزء في لعبة معقدة مالهاش معنى ، ربنا وحده يعلم مصلحتها ، فـ ياريت بلاش تكلمني تاني.
+
لكن "عماد" رد سريعاً ، يحاول أن يُغلق عليها كل الأبواب ويجُرها إلى حيث يُريد :
+
- الكلام ده جه متأخر يا جميل ، موافقتك وصلت من ساعة ما حطيت رجلي في بيتكم ، فدماغك دي عايزها معايا و سيبك من غرورك ده هيضيع منك فرص كتيرة .
+
الآن بدأ قلبها بإرسال إشارات تحذيربة و التقدم أصبح خطير غير مريح ، و لكن حاولت أن تظهر شجاعة في الرد وقالت بنبرة صارمة :
+
- لو ليك هدف في الحياة و قادر تحققه لوحدك ماكنتش هتتصل بيّا دلوقتي ، فبلاش تضيع وقتك معايا عشان مفيش حد بياخد حاجة مني غير إلي أنا بوافق عليها .
+
صمت "عماد" قليلاً في تلذُذ بالإستماع لحديثها الشرس ، ثم قال بنبرة أكثر غموضًا وتهديدًا:
+
- كلنا عندنا أسرار لازم نكتشفها ، بس لو مش جاهزة تلعبي ، مفيش مشكلة على راحتك ..هتتفاجئي قريب إزاي الدنيا هتتغير ، خلي بالك الدنيا مش دايمًا هتمشي زي ما إنتِ عاوزة.
+
بنظرات واجمة من "يـارا" ردت ببرود:
+
- أيًا كان سر اللعبة دي أبعد عني عشان هتتعب كتير قبل ما تاخد مني حاجة .
+
ضحك "عماد" مرة أخرى ضحكة مليئة بالمُكر والسُخرية، ومرددا بسخرية:
+
- و ماله ! أكتر حاجة بتبقى صعبة تتاخد ، بيبقى شعور الفوز بيها أحلى .
+
ثم أغلق الأتصال ولكن "يـارا" كانت لا تزال تشعر بأن المكالمة لم تنتهِ بعد، وهناك شيء مخفي وراء هذه الأحاديث، وأسرار لم تُكشف بعد .
+
ألقت هاتفها على الفراش ، اقتربت من شُرفة غُرفتها بتفكير ثم طالعت حديقة الڤيلا ، لتُبصر والدها يتحدث في الهاتف ، لم تمنع نفسها من البوح قائلة :
+
- هي بدأت من عندك ، و هتنتهي عندي .
+
طالعت فيه قليلاً ، ثم أبتعدت عن الشرُفة و أتجهت أمام المرآة تُطالع هيئتها ثم أمسكت قلم تلوين الشفاة و بدأت بوضعه بأهتمام شديد و كأن وراءها موعد هام ،و ليس كأنها خرجت من مُشادة عنيفة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دلفت " ريم " غرفتها ثم تبعها " ميار " و " رقية " و " زينب و أغلقوا الباب خلفهُن .
+
و بحركة سريعه ركضنّ تجاه الفراش و أصوات ضِحكاتهُن تعلو ، ثم قفزنّ فوقه لتأخذ كُل منهُنّ مجلساً عليه ، فكم هذه الجلسة مُحببة لقلوبهم.
+
انخفضت ضحكاتهُن تدريجيًا، ثم طالعت فيهُن " ريم " و قالت :
+
- والله واحشني يا بنات .
+
لتهتف " زينب " بسعادة بالغة :
+
- والله و إنتِ كمان يا ريم بجد .
+
ثم قالت " رقية " :
+
- والله وحشتني قعدتنا بقالنا كتير مقعدنهاش، بحسها free therapy .
+
- آه والله .
+
هكذا هتفت " ميار " قبل أن يستمعوا لصوت طرقات خفيفة على باب الغُرفة لتهتف " ريم " للطارق رغم علمها بهويته :
+
- أتفضل .
+
حاول الطارق فتح مقبض الباب و لكن كانت تبوء محاولاته بالفشل ، لتضحك الفتيات و نهضت " رقية " سريعاً للباب لتفتحه، لتتجلى أمامهم " رقية " الصغيرة التي دلفت بهدوء و قالت بصوت طفولي:
+
- ممكن أقعد معاكم؟
+
اقتربت منها " رقية" و حملتها سريعاً و قالت بمحبه:
+
- بس كدة ؟ دا إنتِ منورانا يا عسولة.
+
ثم أغلقت الباب و دلفت للداخل تحمل " رقية" الصغيرة بين ذراعيها بينما أتسعت ابتسامة " ريم " ، لتجلس " رقية" و تضُم " رقية" الصغيرة لها و قالت و هي تُداعبها :
+
- الرُقيات يقعدوا مع بعضهم، مش كده يا عسولة ؟
1
ضحكت " رقية" الصغيرة بضحكات ملئت الأجواء بهجة و هي تؤمأ برأسها بموافقة .
+
لترفع " رقية " رأسها لـ " ريم " و تسائلت بمرح :
+
- بس إيه الحلاوة دي يا ريم ؟ يعني إتجوزتي و خلفتي و لسه عسولة اللهم بارك ، إيه السر ؟
+
طالعنّ فيها بابتسامة ، لتعتدل " ريم" و تُجيب :
+
- اللاه ! ما عندك زوزو أهي اتجوزت و خلفت و لسه قمرين .
+
خجلت " زينب " من كلماتها ، لتلتفت " ريم" مُجدداً لـ " رقية" و تستطرد :
+
- بصي يا رقية ، السر كله في الأختيار .. ما أصل إنتِ متعرفيش قصتي مع إبراهيم.
+
ثم وزعت نظراتها على " ميار" و " زينب " و قالت :
+
- بس البنتين دول يعرفوا ، أقعدي أسمعي بقا.
+
اعتدلت " رقية " في تهيئة للأنصات، تضُم " رقية" الصغيرة في حِجرها لتُتابع " ريم " قائله :
+
- أنا يا ستي لما ماما عرفت إنه من الإسكندرية شوحت بإيدها الإتنين كده و قالت لاا ، بنتي مستحيل تبعد عني لاا ، إسكندرية إيه دي ! دا على على رقبتي تبعد عني .. و طبعاً كلنا عارفين أنا عايشة فين دلوقتي.
+
فانفجرنّ الفتيات في الضحك ، لتستطرد " ريم" بعد ذلك :
+
- و بابا كان زعلان و مضايق أوي ، و ريان قال إيه عنده شيفتات لـ بليل و مش هيبات في البيت ، كل دا عشان مضايقين أن الراجل كويس و أنا موافقة عليه .. بس نور كان بينقي بدلة الفرح عادي ..
+
فضحكنّ الفتيات مرة آخرى ، ثم تابعت :
+
- بس بصراحة بابا الوحيد إلي كان لين نِاحيته ، بس صعبانه عليه إن المرادي العريس كويس و مش قادر يرفضه ، أو يقولي اتجوزي خلينا نستريح منك عشان عارف إن الموضوع مش هيكمل ، فلما كان بجد بقا كان مخنوق أوي رغم كدة قعد مع إبراهيم مرة و اثنين و ثلاثة و بصي مسابوش لا هو ولا أهله و عاوز يعرف كل حاجة.
+
تنهدت بهدوء ثم أكملت :
+
- فتخيلي شايفة ماما و بابا و ريان كده ، فحسيت شكل مفيش نصيب بقا..
+
- أومال ميار كانت فين ؟
+
هكذا تسائلت " رقية" لتنتبه " ميار " لسؤالها، فأجابت " ريم " :
+
- لا ميار كانت عندها امتحانات آخر سنة محشورة فيها .
+
ثم تابعت " ميار " بعد أن تنهدت تتذكر تلك الأيام :
+
- آه والله يا بنتي متسأليش، كُنت محشورة في التوبولوجيا مش عاوزة أقولك !
+
ثم استطردت " ريم " :
+
- فـ بس بقا ،كل حاجة كانت مُعارضة و مقفولة ،بس سبحان الله شوفي بقيت فين دلوقتي ..
+
تسائلت " رقية " :
+
- يعني هما مكانوش حابين ده ليكِ ؟ أصله شخص كويس و بيحبوه دلوقتي ..
+
أجابت " ريم " بتسلية :
+
- هما مكانوش بيكرهوه بالعكس كلهم ارتاحوله، بس كل ما يبصوا في وشه إلي هو إنت جاي تاخد بنتنا طيب معندناش بنات و أطلع برا .!
+
ضحكت الفتيات، فقالت " زينب " :
+
- مش متقبلين إنك هتبعدي عنهم يعني بس ..
+
- آه آه ،و أنا كمان مكنتش مُتقبلة كده ، بجد شعور صعب أوي و بتحسي بمشاعر كتيرة أوي ، بين خوف من إلي جاي و زعل على فراقهم ..
+
ثم تدخلت في الحديث " رقية" الصغيرة و هتفت :
+
- بس بابا قالي أنه بيحبك .. أوي .
1
اتسعت ضحكات الفتيات مع مزيج من الخجل ، لتتسع ابتسامة " ريم" و ضمت أبنتها لها بحنان كبير و هي تهتف بمحبة :
+
- و أنا بحبكم كلكم أوي أوي .
+
و بعد ثوانِ من تلك المشاعر الحنونه ، ألتفت " زينب " تجاه " ميار " و قالت بمرح :
+
- بما إن رقية لسه صغيرة فالدور جاي على ميار ، كل وحدة فينا تنتشر في محافظة .
+
ثم سكنت لبُرهة و هتفت " رقية "بحماس :
+
- و أنا عاوزة المنصورة .
+
أما " ميار " كانت مائله على الفراش تُنصت بهدوء ثم انتبهت لذكر إسمها لتقطب حاجباها فأجابت " ريم" بتسليه :
+
- و نروح بعيد ليه مش يمكن النصيب قريب ؟!
1
طالعت الفتيات فيها بعدم فهم لتهتف لتصحيح تفكيرهُم :
+
- أنا بقول بس ! أنا عاوزة ميار هنا ، تروح بعيد ليه يعني ؟
+
شعرت الفتيات بريبة في حديثها ،لتلتمس الفضول في عيونهم لتُردف لتشتت انتباههم و قالت :
+
- آيووه هو أنتو هتفضلوا باصين كده كتير ! قوموا جيبوا كوتشينا خلينا نلعب ..
+
هتفت " زينب " بعبارة كانت عصفت بذهن ثلاثتهُم :
+
- آيوه بقا ، " آيووه " و بتاع ..
+
- اسكندرانيه مفيش كلام .
+
- من تأثير الحُب دا .
+
هكذا كانت عبارات " زينب" و " رقية" و " ميار" بتسليه،لتهتف " ريم " :
+
- بت إنتي و هي ، هتلعبوا ولا أقوم أنام !
+
و أدى تهديد " ريم" مفعوله فانهضت " ميار " تبحث عن أرواق لعب " الكوتشينا " لتبدأ سهرتهُم من هنا .
+
و مرت دقائق عديدة مُلئت بالضحك و التحدي قبل أن تطرُق " فريدة " باب الغُرفة و تدلُف لينتبهوا لها :
+
- إيه يا بنات مبسوطين ؟
+
أومأوا لها بارتياب لتُتابع بعد ذلك قائله :
+
- طيب راجعوا بكرا ، عشان عندكم مُراجعه في الدرس معايا .
1
زمّ الفتيات شفتاهُنّ بتوتر و ابتسمات خفيفه، لهتف " ريم" بمرح لثلاثتهُن :
+
- آيوه أنتوا ناسين عندكم مراجعة بكرا ولا إيه ! قاعدين تلعبوا كوتشينا و كلام فاضي .. تؤ تؤ مينفعش خالص !
+
طالعت فيها الفتيات بوجه واجم ، بينما ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجه والدتها و قالت :
+
- و إنتِ أولهم يا ريم ، و كمان امتحان على الجزرية .
1
فغرت " ريم " شفتاها و قالت باعتراض مازح :
+
- إنتِ عارفه إن جوزي إمام جامع صح ؟
1
طالعتها " فريدة " بنظرات مُستمتعه و قالت :
+
- آيوه عارفه ما شاء الله عليه قلب عمتو ..
+
- أنا بنتك بقا ، هو مش بيقصر و بيسمعلي علطول ..
+
- و مالو تِسمعوا إنتوا الأثنين ..
2
كتمت الفتيات ضحكاتهُن بينما لُجمت " ريم" عن الرد و فركت شعرها بتوتر، لتهتف " رقية" الصغيرة ببراءة :
+
- أنا حافظة سورة البينة يا نانا..
1
اتجهت جميع العيون لتلك الصغيرة ، فاقتربت " فريدة " و قالت بمحبة و هي تحملها بين ذراعيها :
+
- يا قلب نانا ما شاء الله، سورة البينة مرة واحدة ! دا إنتي تستاهلي حاجة حلوة بقا ..
+
و قبل أن تخطو " فريدة" للخارج هتفت " ميار " قائله :
+
- طيب أنا حافظة المائدة مليش حاجة حلوة ؟
1
نظرت لها " فريدة " بنظرة جانبيه و قالت :
+
- شطورة ، قومي أغسلي شوية الهدوم إلي جوا دول ، حاجة تسليكِ .
+
فانفجرت الفتيات في الضحك شاركتهُم " ميار " أيضاً بينما ابتسمت " فريدة" بمرح و خرجت من الغُرفة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- إنت بتعمل إيه عندك ؟
+
رفع "حسام" عينيه مُندهشًا ليجد "جواد" يقف عند الباب، نظراته تحمل مزيجًا من الترقُب والحدّة .
+
أغلق "جواد" الباب خلفه بصمت ثم حدّق بـ"حسام" لثوانٍ قبل أن تتحول نظراته نحو "ليلى" تلك الغارقة في دموعها، زتقدم نحوها بخطوات بطيئة، الحيرة تكسو ملامحه، ثم رفع عينيه إلى "حسام" وسأله بجمود:
+
- هي بتعيط ليه؟ أنت قلتلها إيه؟
+
تراجع "حسام" خطوة للخلف، يرفع يديه وكأنه يدافع عن نفسه:
+
- والله ما قلت حاجة، كل ما أسألها مالك تعيط أكتر.
+
رمقه "جواد" بنظرات ثاقبة ، ثم أخفض صوته وهو يوجه كلامه لـ"ليلى":
+
- مالك يا ليلى ؟ حصل حاجة؟
+
لكن صوته الذي حمل بعض اللطف لم يكن سوى شرارة أشعلت انهيارها مجددًا ، ارتعش جسدها، وارتفع نحيبها وهي تضغط على كفيها في محاولة لإيقاف شهقاتها، مما دفع "حسام" ليهتف بحيرة ممتزجة بالارتياح:
+
- أهو شوفت! كل ما أسألها تعيط.
+
رفع "جواد" رأسه سريعًا نحوه بنظرات قاطعة ليقول من بين أسنانه وهو يُشير للباب:
+
- اطلع برا يا حسام و ارجع المطعم.
+
تردد "حسام" للحظات، ثم نفث أنفاسه بغيظ مكبوت، وتوجه نحو الباب بخطوات بطيئة ، و عندما أمسك المقبض، تسلل إلى مسامعه صوت "ليلى" المتحشرج بصعوبة واضحة، وهي تمسح دموعها وتقول:
+
- أنا عايزة إسدال وسجادة صلاة.
+
رفعت رأسها أخيرًا، ليظهر وجهها الشاحب والمرهق أمام "جواد" ، فارتخت ملامحه لكن "حسام"، وكعادته، نطق بأسوأ توقيت ممكن:
+
- ليه؟
1
تجمد "جواد" ثم استدار بحدة نحوه مُطلقًا غضبًا كاد أن يقتلع هدوءه :
+
- هيكون ليه مثلاً؟ رايحة زيارة للكنيسة؟!
+
أدرك "حسام" سخافة سؤاله، نفث أنفاسه بغضب صامت وغادر الغرفة، فعاد "جواد" ببصره نحو "ليلى" ثم التقط علبة مناديل من الطاولة ووضعها أمامها قائلاً بنبرة أقل صرامة:
+
- حاضر... بس امسحي دموعك وبطلي تعيطي.
6
تناولت "ليلى" المناديل وبدأت تمسح وجهها، لكنها توقفت فجأة، وكأنها تُحدث نفسها بصوت مسموع:
+
- لا، ما أنا هقوم أتوضى دلوقتي.
+
- أنا بقول كدة برضو .
+
كانت تلك عبارة " جواد " الذي استمع لقولها فتسائلت ببلاهة:
+
- أنت سمعتني إزاي ؟
+
طالع " جواد " في مساحة الغُرفة حوله ثم عاد ببصره تجاهها و قال بتوضيح :
+
- هي الأوضة متر في متر ،غير كده صوت أفكارك عالي .
+
طالعت فيه قليلاً ثم أخفضت بصرها بإدراك و همست :
+
- آيوه صح ..
+
رفعت عيناها لهُ سريعاً بفضول لتتسلل ابتسامة على طرف شفتاه ثم أردف و كأنه فهم تسائلات عيناها :
+
- سمعت .
+
ثم تقدم خطوتين قريباً للفراش مما دب الفزع في قلبها ، أما هو لم يفعل سوا أنا ضغط على زر بجانب فراشها ليُرسل إشعار لأحد الممرضات بالقدوم.
1
ثم عاد للوراء حيث كان ، وعقد ذراعيه أمام صدره و أدار وجهه للباب بتفكير يوليها ظهره ، بينما هدأ دبيب قلبها و طالعت في هيئته لثاني مرة بعد الأولى في المطعم .
+
لم يجول الكثير في خاطرها في هذه اللحظة سوى شعور بالامتنان تسلل إلى قلبها، ليس فقط لمساعدته، ولكن لأنه أظهر لها إنسانية نادرة في مهنته، مُدير، لكنه مُختلف .
+
بعد دقيقة وصلت الممرضة للغرفة و دلفت للداخل ليتحدث " جواد " مُشيراً لـ " ليلى" :
+
- ممكن تروحي معاها الـ toilette عاوزة تتوضى .
+
أومأت الممرضة بهدوء واقتربت من "ليلى"، ثم نظرت إلى علبة المحلول التي كانت قد فرغت ،و أزالت الإبرة من يدها بعناية وساعدتها على النهوض ، لكن بمجرد أن وضعت "ليلى" قدميها على الأرض، توقفت فجأة ورفعت يدها إلى حجابها وهمست بصوت خافت:
+
- استني...
+
بدأت في تعديل حجابها المُبعثر، حيث كانت خصلات شعرها الناعمة قد خرجت من أسفله بعناد ، على الفور خفض "جواد" عينيه، و لم يكن يُدرك أن حجابها قد أصبح فوضويًا بسبب حالتها.
+
تقدمت "ليلى" برفقة الممرضة نحو دورة المياه، فيما غادر "جواد" الغرفة في اتجاه آخر ، و توقف عند إحدى الممرضات وسألها بنبرة هادئة:
+
- لو سمحتي، في هنا إسدال للصلاة أو سجادة؟
+
أجابت الممرضة بالنفي وهي تهز رأسها:
+
- لا يا فندم، بس في مسجد في المستشفى.
+
توقف قليلاً وكأن الإجابة لم تكن كافية، ثم أكمل سؤاله:
+
- يعني مفيش إسدال أو حاجة تتلبس للصلاة هنا؟
+
- للأسف لا يا فندم.
+
أومأ برأسه بتفهُم وردّ بلطف:
+
- طيب، شكرًا جدًا.
+
ظل واقفًا للحظات يفكر، ثم قرر الخروج من المستشفى بحثًا عن طلبها ، وفي طريقه للخروج، لمح "حسام" واقفًا عند البوابة، ينفث سيجارته بلا اكتراث توقف "جواد" فجأة ثم توجه إليه بخطوات ثابتة ، وما إن اقترب منه حتى سأله بجدية:
+
- كنت بتعمل إيه جوه مع البنت لوحدكم يا حسام؟
+
ألقى "حسام" نظرة سريعة عليه، ثم رد ببرود وهو يشيح بيده:
+
- بعمل إيه يعني؟ كنت بس بطمّن عليها.
+
رفع "جواد" إحدى حاجبيه بتهكم وسأله:
+
- طيب، ولما كنت بتطمّن عليها... كانت بتعيط ليه؟
+
- معرفش.
+
قالها "حسام" بجمود، ثم نفث سجارته مرة أخرى لكن "جواد" لم يتحرك، بل ضيق عينيه وقال بلهجة صارمة :
+
- ليلى ونعيمة... متقربش منهم يا حسام، فاهم؟! لحد ما دي تخرج بالسلامة وترجع شغلها، والتانية التحقيق يخلص معاها ، و آخر مرة هحذرك إن حدود شغلك تقف عند المكتب و متسمحش لنفسك تعديها!
+
رمى "حسام" السجارة تحت قدمه وسحقها بنفاذ صبر، ثم التفت إليه وقال بتهكم واضح:
+
- حاضر يا بيه، أي أوامر تانية؟
+
غادر "حسام" المكان بخطوات مسرعة، تاركًا "جواد" واقفًا في مكانه ، و ما أن خطى عِدة خطوات همس لنفسه بعتاب :
+
- الله يسامحك يا كريمة على أفكارك البايخة زيك .
1
بينما تبعهُ "جواد" بنظرات حادة قبل أن تظهر على طرف شفتيه ابتسامة ماكرة، وهمس بصوت مُنخفض وكأنه يُحدث نفسه:
+
- لما نشوف هتعترف إمتى... لأن نفَسك طويل وأنا قاعدلك.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت تسير بخطوات صغيرةفي الطابق الثاني مُتجهة نحو غرفتها، وقفت أمام الباب ضامو دُميتها إلى صدرها ثم ضغطت على المقبض بقوة ليفتح الباب أمامها وتتجلّى غرفتها الوردية بكل تفاصيلها الطفولية، مُحاطة بسكون وأغلقت الباب خلفها.
+
لم تُسرج "مليكة" الضوء و اكتفت بذلك الذي تسلل من النافذة، حيث انعكس وهج أعمدة حديقة الفيلا على الأرضية.
+
تحركت بخطوات وئيدة نحو فراشها، توقفت ثم انزلقت بهدوء إلى الأرض، وأسندت ظهرها إلى الفراش و هي تحتضن دُميتها، تحدّق بها بصمتٍ ومرت لحظات قليلة قبل أن يخرج صوتها البريء مُحطمًا السكون:
+
- وإنتِ فين بابي ومامي بتوعك؟
+
كان سؤالها موجهًا لدُميتها وأخذت تُمسد على شعرها الصغير بحنو، وأكملت بصوت يفيض بالحزن:
+
- أنا كمان بابي ومامي ماتوا... شكلك لوحدك زيي.
+
ضمّتها إلى صدرها بشدة، وكأنها تخشى أن تفقدها أيضًا وبدأت شهقاتها تتسلل إلى الغرفة ، وفي تلك اللحظة دلف "آسر" إلى الغرفة بعدما أضاء الأنوار وعيناه تجولان بحثًا عنها حين سمع شهقاتها المكتومة تجمّد مكانه للحظة قبل أن يركض نحوها ، مقتربًا منها و صوته يعكس فزعه وهو يهتف:
+
- مليكة؟ مليكة!
+
رآها جالسة على الأرض، تحتضن دُميتها بعجزٍ طفولي ، جثا بجانبها سريعًا، عانقها بذراعين مرتجفتين وصوته خرج متقطعًا من أثر القلق:
+
- إنتِ هنا وأنا بدور عليكِ؟ بتعيطي ليه يا قلب خالو؟ مالك يا حبيبتي؟
+
كانت أسئلته تتدفق دون انتظار إجابة، ول يحتضنها بحنان ويُربت على ظهرها برفق بينما شهقاتها الصغيرة تُفتت قلبه أكثر فأكثر ، هي ليست أي طفلة، بل قطعة من روحه تُعاني ألمًا لا تعرف كيف تُعبر عنه.
+
ثم رفعت وجهها ببطء، عيناها غارقتان بالدموع وصوتها بالكاد يُسمع وهي تهمس:
+
- خالو... ليه .. ليه بابي ومامي مش معايا؟ ليه سابوا مليكة ؟
+
تجمدت كلماته في حلقه، كيف يُجيب سؤالًا كهذا؟ كيف يُقنعها أنها شؤون الله في خلقه؟ حاول السيطرة على رجفة صوته وهو يقول:
+
- بابي ومامي مسابوش مليكة ، هما كانوا بيحبوكي أوي، بس ربنا اختارهم يبقوا في مكان أحسن... في الجنة إن شاء الله .
+
رفعت وجهها ببُطء وعيناها متورمتان من البكاء، همست بصوتٍ مكسور:
+
- يعني ... بابي ومامي مش راجعين تاني؟
+
تجمدت ملامح "آسر" للحظة، لكنه سرعان ما أخفى انكساره، حاول الحفاظ على هدوئه وهو يبتسم لها بحنو:
+
- لأ يا حبيبتي، هما في مكان حلو أوي دلوقتي ، بيشوفونا وبيفرحوا لما يشوفوكي قوية وبطلة.
+
أشاحت بنظرها تُحاول استيعاب كلماته، ثم همست مجددًا:
+
- بس مليكة لوحدها .. مفيش حد يلعب معايا ولا يحكيلي حواديت زي زمان.
+
شعر "آسر" بوخزة في قلبه وقال بشجن مفتعل:
+
- لأ يا قلب خالو إزاي لوحدك وأنا معاكِ؟ مش قلتلك إنك دلوقتي بنتي؟ هحكيلك حواديت كتير وهلعب معاكِ كل يوم كمان .
+
نظرت إليه بعينين متأملتان :
+
- طيب... ليه أنا مش معاهم؟ مليكة مش عايزة تبقى لوحدها ...
+
ضمها إلى صدره بقوة، يحاول أن يحميها من كل هذا الألم:
+
- إنتِ مش لوحدك يا مليكة، أنا هنا... أنا هفضل معاكي، عمري .. عمري ما هسيبك.
+
أجهشت بالبكاء بين ذراعيه، ودموعه التي كافح ليُخفيها انسابت بهدوء على وجنتيه ، كان يحاول أن يكون قويًا من أجلها، لكنه في هذه اللحظة أدرك أن فقدان شقيقته وزوجها ترك فجوة لن تُملأ أبدًا ، همست بصوت مكسور وسط بكائها:
+
- مش عايزة أنام لوحدي... أنت هتسيب مليكة زي ما سبت مامي .
2
كلمتها الأخيرة كسرت قلبه، شعر بعجز لم يعهده من قبل ، مال وقبّل رأسها برفق وقال بصوت يُحاول أن يُثبّت قلبها الصغير :
+
- لا يا قلب خالو والله مش هسيبك .. تعالي، هننام هنا سوا.
+
حملها بين ذراعيه، ولفّها بالغطاء على الفراش، ثم جلس بجانبها يُمسك بيدها الصغيرة ، شعر بأن أنفاسها بدأت تهدأ لكنها تمسكت بيده وهمست بصوت بالكاد يُسمع:
+
- وعد؟
+
ابتسم رغم دموعه وشدّ على يدها:
+
- وعد يا مليكة، مش هسيبك أبدًا... إنتِ كل حياتي دلوقتي .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أشرقت شمس نهار جديدة على ظلمة تلك الليلة، فكانت واقفة أمام مرآتها تُهندم ملابسها ثم أنتقلت لوجهها و بدأت بوضع مستحضرات التجميل بعناية يُبرز جمالها، و في لحظة شرود ، تذكرت تفاصيل مُكالمة " عماد" لها الليلة الماضية و بحركة لا إردايه توترت و سقطت عُلبه مسحوق وردي و تبعثر أرضاً ، و بطرقات خافته وصلت على باب غُرفتها فأجابت " يـارا " :
+
- أدخلي ..
+
فُتح الباب و دلفت " وردة" لتشهق بتعجُب و تتسائل :
+
- إيه ده إنتِ رايحه فين ؟؟
1
كانت " يـارا " انخفضت أرضاً و أخذت عُلبه المسحوق الذي تبعثر تماماً و استقامت واقفة بازدراء و أجابت :
+
- عندي سيكشن في الكلية .
+
اقتربت منها " وردة" و طالعت في هيئتها بانبهار ثم قالت :
+
- أنا عاوزة أحط makeup كمان .
+
ألتفت لها " يـارا " ثم تنهدت و قالت بعد أن هدأت :
+
- وردة حبيبتي إنتِ حلوة من غير حاجة..
+
مطت شفتاها بحُزن طفولي و قالت :
2
- بس إنتِ حلوة و بتحطي كمان .. عاوزه أبقى زيك .
+
طالعت فيها " يـارا " بعيناها الزمردبو عكس " وردة " التي كانت كهرمانية تامه و كأنها عسلٍ صافي ، و اقتربت منها و مدت أناملها تُهذب شعرات شقيقتها القصيرة وراء أُذنها:
+
- والله ما إنتِ محتاجه ، دا إنتِ قمر يا ورد ..
+
ثم انهت عبارتها بقرصة خفيفه لوجنتها ، فاتسعت ابتسامة " وردة " بخجل و حادت بعيناها تجاه عُلبة المسحوق الفارغة و تسائلت :
+
- طيب هتعملي في دي ؟
+
أكملت " يـارا " وضع مُستحضراتها و قالت ببساطة:
+
- هجيب وحدة قبل ما أروح الكلية أنا مش بقدر أستغنى عن البلاشر ده .
+
أومأت " وردة " رأسها لها بتفهُم ، لتتوقف " يـارا " عن ما تفعل للحظة و طالعتها ثم تسائلت:
+
- عملتي ايه في الشركة إمبارح ؟ مامي وافقت تدربك؟
+
اتسعت ابتسامة " وردة " فور ذِكر الأمر و قالت بتغنج:
+
- لأ ، حد تاني ..
1
سكنت لبُرهة ثم اندفعت قائله بمرح :
+
- المهندس المعماري الرئيسي..
+
توقفت " يـارا " و طالعت فيها بتعجُب و تسائلت :
+
- مامي إلي كلمتٌه ليكِ ؟
+
أجابت " وردة " ببراءة وشئ من الفخر :
+
- لا أنا قولتله بنفسي..
+
وضعت " يـارا " الفُرشاة من يدها و قالت بشئ من الحِدة :
+
- بس دا حد كبير في الشركة مطلبتيش من حد أقل شوية ليه يا ورد ؟؟
+
تلاشت ابتسامة " وردة " ببطئ و شعرت في جدية " يـارا " بارتكابها خطأ ما ، لتصمُت، فتابعت الأخيرة :
+
- يعني إنتِ طلبتي منه و هو وافق و كدة عادي ؟ و لا مامي أقنعته ؟؟
+
أجابت " وردة " بشئ من الارتباك:
+
- لا أنا قلتله علطول ، و مطلبتش ...
+
زمتّ " يـارا " شفتاها بتفكير و كأنها لم تود سماع ذلك ، فاقتربت منها ثم تحدثت بهدوء بعدما أبصرت توتر " وردة " :
+
- بصي يا ورد ، مينفعش تفرضي نفسك على حد ، لو عاوزة طلب من حد ليه الحق أنه يرفضه أو يقبله ، فما بالك لما يكون المهندس المعماري الرئيسي يعني دا من مجلس إدارة القسم الهندسي ،تحت مامي علطول يعني دا زي مدير المدرسة لو عاوزة حد يشرحلي حاجة بروح للمس ولا أروح للمدير ؟
2
- بروح للمس ..
+
- طيب دي زي دي ، المهندس دا محترم و وافق يعلمك حاجة فشكراً ، بس لو هتعملي كدة تاني هتروحي الأول تستأذنِ باحترام و تقوليله أنا آسفه يا باشمهندس على إلى حصل أمبارح و حضرتك ليك الحق إنك تُرفض تتدربني أو تكمل معايا و إلي هتقوله أنا هنفذه.
+
شعرت " وردة " بتوتر من كل تلك العبارات المُنمقة التي عليها قولها فور رأيتُه ، و هي من تعاملت بعفويه لم تقصد إحراجه أو فرض نفسها عليه ناهيك عن عدم إدراكها للمعنى التام بـ " فرض نفسها عليه " و لكنها أومأت برأسها بهدوء ، فطالعت فيها " يـارا " لثوانِ ثم تراجعت للوراء و عقدت ذراعيها و قالت بترقُب:
4
- طيب سمعيلي كده هتقوليله إيه ؟
+
كان طلب " يـارا " نابعاً من عِلمها الجيد بشقيقتها، لتفرُك يدها بتوتر ثم استطردت :
+
- هقوله ، أنا آسفه يا باشمهندس على إلي عملته إمبارح و لو حضرتك مش عاوز تدربني قولي .. قولي أو تكمل عادي .
+
تنهدت " يـارا " بقلة حيلة ثم قالت :
+
- ء ،good أنا هطلع دلوقتي متنسيش إلي قلتلك عليه .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
خرج من الڤيلا و ترجل سيارته في الصباح الباكر، بعد أن علم من أحد رجال آمن الجمعية بقدوم " مريم" منذ عشر دقائق.
+
مرت ما يُقارب الربع ساعة قبل أن تقف سيارته من جديد أمام بوابة الجمعية، طالع " وائل" في ساعة معصمة و كانت تُشير للدقيقة الأربعون بعد العاشرة صباحاً .
+
ترجل من سيارته و وقف يُطالع أسم الجمعية بتفكير، يُريد أن يُزيح عنه هذا الهم ليعود للشركة سريعاً لإكمال مشروعه .
+
تقدم من البوابة و دلف للساحة الداخلية، و طالع حوله يبحث بعيناه عنها و حين لم يجدها قرر سؤال أحد المتواجدين فأوقف سيدة شابة و قال :
+
- لو سمحتي، بسأل عن أستاذة مريم هي فين ؟
+
- أستاذة مريم هتلقاها في مبنى دار المُسنين .
+
طالع فيها قليلاً من خلف نظراته السوداء و تسائل :
+
- معلش فين المبنى ده ؟
+
- هناك أهو ..
+
آشارت السيدة لإحدى البنايات البعيدة، ليلتفت لذلك الإتجاه و فور وقوع بصره على أسم " دار رعاية المُسنين " ألتفت للسيدة و شكرها ثم تقدم تجاه المبنى .
+
كانت هي جالسة على كُرسيها المُتحرك خارج مبنى الدار ، تستنشق هواء الصباح العليل و كانت " مريم" بجانبها تعقد لها أزرار معصم قميصها و قد أنخفضت لتكون في مستواها، و تلك الأثناء لمحت السيدة العجوز إقتراب شاب حسن الهيئة و متناسق القوام لهُ هاله من الجاذبية تُحيط به ، فتهللت أسارير السيدة و قالت بصوت خافت :
+
- أهو رجع تاني ..
+
أنتقلت " مريم " لليد الآخرى ، و كانت مواليه ظهرها للقادم نحوهم فتسائلت باهتمام :
+
- بتقولي حاجة يا سمسم ؟
+
كان "وائل" على بُعد خطوات منهُم و كان ليتجاهلهُم لولا هتاف السيدة " سمسم " - كما يُلقبونها - له :
+
- أهلاً يا حبيبي إزيك ؟
+
توقف " وائل " فجأة و ألتفت لها ، لتلتفت في ذات اللحظة " مريم " تجاه من رحبت به " سمسم " ، و هنا أبصر الاثنان بعضهُما، توقف " وائل " بصدمة بينما أستقامت " مريم" واقفة لم تستطيع تحديد هويته مُباشرةً و لكن حينما نزع نظارته بدأت تألف ملامحه ، بينما هو لم يُخطئ في تذكرها ليس من أجل أن صورتها طُبعت على بطاقة الجمعية مثلاً .
+
لم تتحدث " مريم" بشئ بل طالعت فيه بترقُب لتجده يفتح محفظته و يُخرج منها شيئاً ثم مد يده لها و قال :
+
- دا وقع منك في المطعم .. و جيت أرجعهولك.
+
لم تُنكر " مريم" أنها اندهشت من أمانته و لكنها ركزت على البطاقة معه لا تحيد ببصرها عنها ، و هي أيضاً لم تغيب عن ذاكرتها ما قص عليها نادل المطعم تلك الليلة .
+
رفعت عيناها نحوه بهدوء و بنظرات حادة أخذت منه البطاقة و أردفت :
+
- شكراً و لو إنك تعبت نفسك..
+
ابتسم " وائل" بهدوء ظنناً منه أنها قامت بمدحه فأجاب :
+
- لا شكر على واجب ..
+
رفعت إحدى حاجبيها و أجابت بنفس الحِدة :
+
- لا بجد مكنتش لازم تتعب نفسك ، أنا كنت رجعت تاني عشان أخده .
+
اختفت ابتسامة " وائل " حين ألتقط مقصدها و أجاب :
+
- أنا مكنتش أقصد حاجة ، الجارسون لحقكم فأنتوا مشيتوا فلما شافني قالي أرجعهولك ..
+
طالعت فيه " مريم" باستنكار و قالت :
+
- آيوه طبعاً ، طلب ده عشان أنت أخو صاحبتي مش كدة ؟!
+
سكن " وائل" في مكانه فهو يكرهه أن تنكشف أفعاله أمام شخص سيعلم كيف يستغلها ، فالكلمات أمامها يجب أن تكون موزنه :
+
- والله المرة الجاية إبقي خدي بالك من حاجتك ، أنا كدبت عشان محطكيش في صوره وحشة ..
+
ابتسمت " مريم" باستنكار بعد معرفتها بمقصد حديثه لتهتف قائله بثبات و جدية:
+
- والله بجد ؟ دي بقت غلطتي ! معلش بس أنت مش ملزم ترجعلي حاجة ، و دي حاجة تخصني ترجع مترجعش دي مشكلتي أنا .
+
طالع فيها " وائل" قليلًا ثم أجاب بجدية :
+
- أنا فعلاً مش مُلزم و لولا إن الجارسون الي هناك كان فاكر إن قعدت معاكِ و كلمتك مكنش هيطلب مني حاجة زي كده !
+
- و طبعاً إنت عشان شهم وافقت علطول و قلتله بس ، دي حلها عندي !!
+
بينما كانت تتابع " سمسم " تلك المُشادة باستمتاع شديد ، لتسمع عبارة " وائل " يقول بازدراء :
+
- يا ست إنتِ هي دي كلمة شُكر بتاعتك ؟! أنا جيت إمبارح و ملقتكيش و رغم كده جيت تاني ، حد تاني كان ممكن ياخدها ولا يعمل بيها أي مصيبة.
+
رفعت حاجبيها و قالت بشئ من السخرية :
+
- ياه ده أنا ظلمتك و مكلفاك بنزين كمان ! معاك حق حد تاني كان هياخد كارد الجمعية يعمل بيه مصيبة فعلاً .
+
زمّ " وائل " شفتاها و قد ضاق منها ذرعاً فهتف قائلاً :
+
- طب تصدقي خسارة فيكِ البنزين ، ما كان يولع الكارد بـ بنزين وسـ ...
+
نهرته "مريم" سريعاً بغضب :
+
- أحترم نفسك لو سمحت .
+
- و ليه لو سمحت بقا !! ما إنتِ نازله تهينيني من ساعة ! .
+
توقفت الكلمات على لسان " مريم" و شعرت ببعض المُبالغة في ردها فاحكمت غضبها و قالت :
+
- طيب متشكرة لأمانتك و ياريت ما أشوفش وش حضرتك تاني ..
+
- صدقيني دي من حلاوة الدنيا !
+
ثم همّ بالمغادرة لولا أن أوقفته مُنادة " سمسم " :
+
- أستنى ألعب معانا ..
+
ألتفت لها الثُنائي باندهاش بينما هي ضغطت على زر الكُرسي ليتحرك بها قليلاً و وقفت بينهم و اتجهت لوائل و قالت برجاء :
+
- أقعد معايا شوية نلعب سوا .
+
طالعت فيه " مريم" بترقُب، ليُطالعها " وائل " بشفقة ثم طالع ساعة معصمه سريعاً و أعاد بصرُه لها مُجدداً و ابتسم بحنو و قال :
+
- حاضر هقعد عشان حضرتك بس ..
+
- متقوليش حضرتك قولي يا سمسم .
+
اقترب منها " وائل " و اتسعت ابتسامته و قال :
+
- حاضر يا سمسم عاوزه تلعبي إيه ؟
+
أجابت " سمسم " بمرح :
+
- عريس و عروسة ..
3
- إيـــه !!!!
+
أجابها الاثنان في نفسّ واحد ، ثم طالعا بعضهُما بازدراء لتتسع ابتسامة " سمسم " و كأنها سمعت موافقة و ليس استنكار، لتنخفض " مريم " منها بصوت خافت لكنُه وصل لوائل :
+
- يا سمسم ليه اللعبة دي ؟ مينفعش أكيد عنده شغل .
+
ابتسم " وائل " بتهكُم ، فطالعت فيها " سمسم " و قالت بنبره شبه طفوليه :
+
- يا مرمر دا رجعلك الكارت بتاعك .
+
قطبت " مريم " ملامحها و قالت باستنكار:
+
- إيه يعني رجع الكارت؟
+
- يعني دي معناها هو حد أمين و هياخد باله منك كويس .
+
رفعت إحدى حاجبيها باستنكار و قالت :
+
- آيوه و ده يخليني أأمنه على حياتي يعني ؟ دا ربنا يعين مراته .
1
كان " وائل " مستمتع بحوارهم و ازدراء " مريم" حتى قالت عبارتها الأخيرة فهتف بوجه واجم :
+
- يعينها ليه ؟! و إنتِ هتعرفي هدي مراتي إيه أصلاً !!
+
ألتفت لهُ سريعاً و قالت بتهكُم:
+
- لا مش عاوزة أعرف .
+
جز " وائل " على أسنانه بغيض من تلك الفتاة التي بدأت تُثير أعصابه و لو كانت رجل لأراه كيف يتحدث معه ، و لكن " سمسم " قطعت تلك الشرارة التي أوقدت مرة آخرى و هتفت :
+
- يولاد أهدوا..مالكم ماسكين في نار بعض ؟ أنا قصدي نلعب لعبة، لو مش عاوزين خلاص على راحتكم ، أنا ماشية دا معاد الدوا بتاعي ..
+
ثم ألتفت بكُرسيها و تقدمت تجاه المبنى بينما أستقامت " مريم" بحُزن و هي تُتابع تقدُم " سمسم " لداخل و التي توقفت فجأة و ألتفت لهُم و اتسعت ابتسامتها و كأنها لم تغضب يوماً :
+
- إبقى خليني أشوفك تاني يا واد يا حليوة .
+
اتسعت ابتسامة " وائل " بينما ألتفت له " مريم " بنظرة جانبية مُغتاظه و تقدمت تجاه " سمسم " هاتفه :
+
- استني يا سمسم مش هتعرفي تاخدي الدوا لوحدك ..
+
بينما تلاشت ابتسامة " وائل " فور أن سمع صوتها و هتف :
+
- يا ساتر يارب .. هو يوم مقفول من أوله .
+
ثم عاد بخطواته للخلف ليخرج من الجمعية باتجاه الشركة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان" آسر" جالس في مكتبه الصغير في الڤيلا غارقًا في العمل لدرجة أنه لم ينتبه لخطوات "چيهان" الخفيفة وهي تدخل الغرفة حاملةً كوبين من القهوة الساخنة.
+
اقتربت منه بابتسامة خفيفة وهي تضع كوب القهوة أمامه:
+
- يا أستاذ، وقت الـ rest إنت بقالك ستومية ساعه مش رافع راسك من الورق.
+
رفع " آسر " عينيه من الأوراق، ونظر لشقيقته بابتسامة متعبة:
+
- معلش يا چيهان ، عندي شغل متراكم لازم أخلصه النهاردة.
+
تقدمت " جيهان " و جلست على الكرسي أمام مكتبه و قالت باعتراض :
+
- بس أنا قلت ما ينفعش تفضل حابس نفسك كده ، أشرب قهوة واتكلم معايا شوية ، أنا حتى جبتلك القهوة زي ما بتحبها .
+
نظر " آسر" للكوب، ثم نظر إليها واستسلم أخيرًا ، أخذ رشفة من القهوة ثم قال بنبرة مازحة:
+
- يا بنتي إنتِ منين بتجيبي الطاقة دي كلها؟ أنا قعدت قدام الورق ده خمس ساعات خلاص مبقتش قادر أركز في حاجة تانية.
+
أطلقت " چيهان" ضحكة خفيفة و قالت :
+
- سر المهنة ، بس الصراحة أنا كمان كنت محتاجة أكسر روتين اليوم شوية ، وبعدين كنت عاوزة أقولك حاجة.
+
نظر لها "آسر" بتركيز أكبر:
+
- إيه؟ في حاجة مضايقاكي؟
+
أومأت " جيهان " برفض و قالت بهدوء:
+
- لا لا، مفيش حاجة بس كنت بفكر... أنا ونورين كنا بنتكلم على فكرة السفر لأسبوعين، نغيّر جو شوية ، إيه رأيك ؟
+
ابتسم " آسر " وهو يميل بكرسيه للخلف:
+
- سفر؟ دلوقتي؟ طب إنتي متأكدة إن دا وقته ! يعني فرحك معدش عليه كتير !
+
هتفت " چيهان " بإصرار:
+
- أيوه ليه لأ؟ نسيب الدنيا و وجع الدماغ شوية طلبات الجواز دي مبتخلصش ، وبعدين ما تيجي معانا إنت محتاج ده أكتر مني ؟؟
+
هز " آسر " رأسه بنفي ونبرة ضيقة :
+
- لا لا مينفعش خـ ...
+
و في تلك الأثناء وصل لهاتفها إتصال زوجها "ماجد " فنهضت وقالت بتلعثُم :
+
- فكّر براحتك، بس قرر بسرعة بقا هستنى ردك .
+
ثم خرجت " چيهان" من الغرفة لتُجيب على حبيب قلبها ، تاركة خلفها رائحة القهوة والدفء.
+
نظر " آسر " للباب المُغلق لفترة طويلة ليعود للواقع بعد وقت مستقطع من الذكريات وكأنه يحاول أن يلتقط لحظة من الزمن ويحتفظ بها ولم يكن يعلم أن هذه الذكريات هي كِنزه في هذه الحياة.
+
نهض من مقعده يُحاول إنتشاء روحه التي بدأت تتشتت أمام كُل تلك الذكريات التي أصبحت محطة حب و ألم في آن واحد .
+
وقف أمام شرفة مكتبه يُطالع العالم الخارجي ، ما أقسى حين تُدرك أن عزيزًا قد فارقك، وأنه مهما اتسع هذا العالم فهو لم يعد جزءًا منه ، فـ تضيق بك الأرض رغم رحابتها، وكأن عالمك بأسره ينحصر فيمن تحب، ومع غيابهم، تصبح حرية وجودك مجرد وهم تتيه في مساحات الفراغ بلا وجهة.
+
ظل واقفًا، يداه في جيبيه، هادئ المظهر، لكن داخله كان عاصفًا وممزقًأ، آهٍ لو يستدل على ما يُسكن ذلك الاضطراب الذي يملأ جوفه، لخاض لأجله الحروب، مهما كانت شدتها.
+
لكن صوتًا خافتًا من أعماقه صاح فيه:
"لِمَ تخوض حروبًا بعيدة؟ حربك الحقيقية ليست هناك، بل هنا قريبة جدًا... إنها بداخلك ، أنت في معركة مع نفسك، مع ذلك الجزء المتمرد الذي يريد لك الهلاك، بينما تُناضل أنت لتمنحه الجنة ، لن تعرف السلام حتى تنتصر على ذاتك، وتُعيد التوازن إلى داخلك "
+
بعد ثوانِ و صلت طرقات على باب مكتبه أعادته من شروده ، فهتف بالإذن لصاحبها ، ليدلُف الطارق للداخل بهدوء ثم أغلق الباب خلفه و اقترب منه و هتف بصوت أنثوي ناعم :
+
- عامل إيه يا آسر ؟
1
كان " آسر" مازال واقفاً كما هو دون حراك، مع علمِه المُسبق بهوية القادم بعد أن أبصرها تتقدم عبر فناء الڤيلا ، ليلتفت لها بعد بضع ثوانِ نصف إستدارة و طالع فيها بملامحه جامدة و أقرب للقسوة و صوت رجولي قوي و عميق كعادته و قال :
+
- جيتي هنا ليه ؟؟
+
اقتربت " نورين " منه قليلاً و تقمصت ملامحها تعبيرات البراءة و هتفت :
+
- جيت عشان أطمن عليك يا آسر ، من ساعة رجوعك مصر لا قابلتك ولا شوفتك و لا حتى أنت بترُد على مُكالماتي ، قُلت أجي أشوفك بنفسي .
+
طالعها بعيون حملت وجع روحه و لكن تابع بنفس ثباته :
+
- أقصد إلي رجعك مصر بعد السنين دي كلها !!
+
تابعت بشئ من الأستعطاف :
+
- أنا رجعت عشانك ، لما سمعت إلي حصلك خُفت و قلت لازم أنزلك مصر ..
+
تنفس بانتظام و سألها :
+
- و ليه ؟ مش عندك شغل طول الوقت !!
+
بذات الملامح البريئة أجابت:
+
- عندي طبعاً ، بس أنت أهم من أي شغل و نزلتلك مخصوص ..
+
أومأ " آسر" برأسه بتهكُم و ارتسمت ابتسامة ساخرة على طرف شفتاه ، ثم أستدار بجسده كاملاً لها و باح بما لم يستطع وُجدانه حملُه أكثر ليهتف بها قائلا بشِدة :
+
- و لما إنتِ قادرة تقطعي شغلك بسهولة دي ..
+
ثم أرتفعت نبرة صوته بهياج و تابع :
+
- ممكن أعرف إيه الأسباب إلي متخلكيش تحضري عزا صحبة عُمرك و تسـافـري فـي يـوم جنـازتـها !!!!!
2
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ِ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
و السلام على قلوبكم .
| سُهى الشريف
+
