رواية شيخة القبيلة الفصل التاسع 9 بقلم رانيا ممدوح
صُدم صقر مما سمعه، وشعر بأن الأرض تميد من تحته. كيف يكون أخاه حيًّا يعيش في قبيلةٍ طالما كرهها والده وورث هو عنها نفس الكراهية؟
وقف لحظة يتأمل، عيناه شاخصتان إلى الأفق البعيد، كأن الحقيقة التي ظل يبحث عنها طوال ساعات مضت قد طعنته من حيث لا يدري.
+
صُدم صقر من كلمات الداية حسنة، كأن ريحًا عاتية صفعته في وجهه. جسده بقي واقفًا أمامها، أما روحه فقد أخذت تهيم في صحراء من الدهشة والذهول. ارتجف صوته وهو يقول:
+
"يعني إيه؟! أخويا عند الست دي دلوقتي؟!"
+
أطرقت حسنة رأسها للحظات ثم رفعت نظرها ببطء، ونظراتها كانت ثقيلة كأنها تحمل أوزان التاريخ فوق كتفيها.
+
"معرفش..." همست، "جايز هناك، وجايز اتصرّفت فيه..."
+
اتسعت عينا صقر، وازداد توتره. تحرك في المكان كمن يحاول اللحاق بظله، ثم قال بانفعال:
+
"أخويا قاعد هناك عند الحمدانية، بياكل وبيشرب معاهم، ومحسوب عليهم منهم... يعني لو قامت حرب، ممكن يموت بإيدينا إحنا!"
+
هزّت حسنة رأسها بحزن عميق، وكأنها تستحضر الماضي بكل ما فيه من دماء وألم:
+
"ماكنش في حل تاني غير كده. أبوك دمر الغجر، وطردهم، وآذاهم كتير. ولو كان مسك أخوك، كان موّته... كان قتله بدم بارد، ولا إنه يسمح لحد ياخد حاجة بيحبها منه."
+
اشتدّ صقر في كلامه، بدا وكأنه يصارع الحقيقة بأظافره:
+
"أعمل إيه؟ أوصله إزاي؟!"
+
أجابت حسنة بصوت فيه حكمة السنين:
+
"شوف يا صقر... خليك حكيم. ما تدورش على أخوك دلوقتي. سيبه بأمان. أبوك لو عرف إنك عرفت السر ده، هيدوّر عليه لحد ما يحرمه منك للأبد."
+
قال صقر بلهفة كادت تنفجر من صدره:
+
"بس أنا عايز أخويا!"
+
رفعت حسنة يدها كأنها تهدئ نارًا:
+
"لو مقدر ليكم تتلاقوا، هتتلاقوا."
+
صمت قليلًا، ثم قال بنبرة حائرة:
+
"هلاقيه إزاي؟ هما الحمدانية أعدائي، لو بقى منهم مستحيل يفرطوا فيه و لو لحظة!"
+
اقتربت حسنة منه، ونظرت في عينيه مباشرة وقالت بثقة:
+
"أخوك اتولد وتحت ودنه اليمين دايرة سودة كبيرة، واضحة وظاهرة، قد الزتونة. ولما يكبر أكتر وأكتر، هتبقى أكبر من كده."
+
ثم أردفت بتحذير واضح:
+
"المهم... لما تدور عليه، دور في السر. من غير ما حد يعرف إنك عرفت إن ليك أخ. وكده كده الغجر مش هيقولوا السر ده، لأنهم بيحبوا فيروزة."
+
ساد الصمت برهة، كأن الزمن تجمّد بين جدران الغرفة. لم يكن في قلب صقر سوى طنين الأسئلة، وغليان داخلي يهدّد بأن يحرق صمته الأبدي.
+
قال صقر بنبرة مشروخة ما بين القهر واللهفة:
"يعني أنا أمشي في القبيلة رافع راسي، وأنا عارف إن ليّا دم من لحمي عايش بعيد عني؟! أكون مبسوط و عايش حياتي و أخويا في غربة ؟!"
+
نظرت إليه حسنة بعينين فيهما تعب سنين، ثم قالت برفق:
"الغربة اللي عاشها أخوك كانت أهون من الموت يا صقر... ولو الزمن رجع بيا، كنت برضه هخبّيه و أحميه من حقد أبوك."
+
زفر صقر بغضب، وعيناه تشعان بجنون من كثرة ما يحاول احتواءه داخله:
"كان لازم أعرف... دا أنا كان ممكن أقَتله في يوم من الأيام من غير ما أعرف إني بقتل أخويا! الحمدانية أعداءنا من سنين، ودمهم كان على سيوفنا ، جايز يقف قصادي من غير ما يعرف إني أخوه."
+
أشاحت حسنة بوجهها جانبًا، كأنها تخاف من نظرته، ثم قالت بصوت منخفض:
" هيعرف ، هيحس ، صدقني يا ولدي عمر الاخوات ما يتوهوا عن بعض. لما يقف جارك و يلمس جلدك جايز حتة من قلبه تقوله ده حبيبك مش عدوك . جايز أحساس جواه يقوله ده لحمك و دمك."
+
صمت صقر لحظة ثم تمتم كأن روحه تنادي من بعيد:
"متأكدة ؟! هو عندهم دلوقتي؟! نايم في ديارهم؟! مش يمكن في مكان تاني أو قبيلة تانية."
+
هزّت حسنة رأسها ببطء وقالت:
"معرفش، بس الأغلب آه... وصل عند جلالة في الليلة إياها. الشابة رجعتلي و خدت المعلوم و جابتلي حتة من ديارها تأكد أنها راحت هناك."
+
قال صقر بصوت مكتوم من شدة الألم:
"يعني لو قامت حرب، أخويا ممكن يموت بإيدي؟!"
+
ارتجفت حسنة وكأن الكلمة أصابتها في القلب، وقالت بشبه همسة:
"عشان كده بقولك... خليك حكيم. ما تدورش عليه دلوقتي. لو عرف أبوك إنك عرفت، هيدوّر عليه بكل ما فيه، وهيموته ببرود... قصاد عينك."
+
قاطَعها صقر وهو يضغط على قبضته بشدة:
"بس أنا مش قادر أسيبه!، كفاية اتحرمت من أمي.هتحرم من أخويا كمان."
+
وضعت يدها على كتفه، وقالت بثقة خافتة:
"قلتلك يا ولدي ،لو مقدر ليكم تتلاقوا، هتتلاقوا... يمكن بعدين و يمكن مش دلوقتي."
+
ثم أضافت وقد بدا عليها التردد للحظة:
"اسمع... بنصحك للمرة الأخيرة ،لو حبيت تدور عليه دور في السر، و افتكر إنك تبص على علامة تحت ودنه اليمين... دايرة سودة، كبيرة، قد الزتونة، كانت باينة وهو رضيع. وكل ما هيكبر، هتكبر معاه."
+
سألها صقر، وكأنه يحاول أن يتمسّك بأي خيط يقوده:
"دي علامة يعني ؟ مكان جلالة فين؟"
+
أجابته وهي تتنهد:
"اه... في الحمدانية اللي جنب النبع، والحمدانية اللي في أطراف الجبل. جلالة ساكنة ناحية النبع... دور هناك، من بعيد، من غير ما تلفت نظر حد... و من غير ما تقول لحد على اللي في جوفك."
+
ثم أكملت بتحذير حاد:
"والغجر عمرهم ما هيقولوا السر... مش عشان خايفين، لكن عشان بيحبوا فيروزة، وهي وصتهم يكتموا السر حتى الموت... و هما هيحبوك زي ما حبوا فيروزة لأنهم عارفين قد ايه اتظلمت و عانت مع جمال."
+
ابتلع صقر ريقه بصعوبة، ثم قال بصوت متهدّج:
"يعني أمشي بين الناس وأمثل إني عادي، وأنا قلبي متشقق على أخويا؟!"
+
ردّت حسنة بحزم:
"اللي عايز يوصل للحق، لازم يصبر عليه... وأنت يا صقر، إن ما كنتش أذكى من أبوك، هتخسره زي ما خسرت أمك قبل كده.خلي بالك من نفسك يا صقر ، و من أخوك لما تلاقيه."
+
تحرك صقر بخطوات متثاقلة، كأن الأرض تثقل قدميه بألف صخرة. خرج من بيت حسنة والغضب يشتعل في صدره، لكنه لم يكن غضبًا من حسنة، بل من أبٍ أخفى عن ابنه شقيقه، ومن قدرٍ وضع الدم في مواجهة الدم.
+
الهواء كان حارًا لكن قلبه كان أبرد من صقيع الجبال. عينيه شاخصتان، لا ترى ما حولها، كأن الحياة كلها انكمشت إلى تلك الجملة التي ما زالت ترن في أذنه: "أخوك عايش... وعايش وسط ناس لو قامت حرب، هيبقوا خصومك."
+
تضاربت المشاعر في داخله كعاصفة لا تهدأ، يده ترتجف، وقلبه ينبض كطبول الحرب. شعور بالخذلان، بالخوف، بالحيرة... لكنه رغم كل ذلك كان هناك شعور أقوى يتسلل بين ضلوعه كالنار الخفية: الحنين. حنين لأخٍ لم يعرفه، لأخٍ يتمنى أن يراه، أن يلمحه ولو من بعيد، أن يسمع صوته، أن يشم رائحته، أن يتأكد أنه ليس حلمًا.
1
كان يمشي والعرق يتصبب من جبينه، لكن لم يكن ذلك من الحر، بل من ثقل الحقيقة التي سقطت فوق رأسه كالصاعقة. نظر إلى السماء بعينين تلمعان، لكنه لم يجد إجابة، لم يجد عزاء، لم يجد سوى سكون الليل الذي لا يواسي ولا يجيب.
+
همس بينه وبين نفسه وكأنها نبرة يائسة:
"أخويا... إزاي أسيبه؟ إزاي؟"
+
ثم شد على يده وكأنها وعد قطع بينه وبين نفسه:
"لو فيروزة خبّيته عن أبويا، أنا هخبّيه عن الدنيا كلها... وهوصله، حتى لو الطريق للحمدانية كان مليان نار. لازم أفكر بعقل و بحكمه."
+
مشى بخطى سريعة على الرمال الجافة، والغضب يكتم على أنفاسه، والحنين لأخٍ لم يعرفه يعتصر قلبه.
همس لنفسه بصوت خافت:
"في قلب قبيلة الحمدانية… هناك… هناك دمي وقطعة مني، وأنا طول عمري بحسب إني ماليش غير عيال رشيدة أخوات."
+
قبض على سيفه بشدة، وعيناه تلمعان بعزيمة جديدة:
"في يوم من الأيام مش هرجع قبل ما ألاقيه… حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي."
+
عاد صقر إلى القصر مع حلول المساء، والغبار لا يزال يغلف ثيابه، ووجهه متجهم تعلوه ملامح الإرهاق والعزم في آنٍ واحد. كانت الأنوار في القاعة الكبيرة قد خفتت، وأصوات الضحك والضجيج التي ملأت المكان منذ ساعات لم تعد تُسمع. الوليمة انتهت… والضيوف غادروا.
+
لكنه لم يكن وحده من ينتظر في هذا الصمت الثقيل، فوالده، جمال، كان جالسًا في صدر المجلس، عينيه تقدحان شررًا، ووجهه ممتقع بالغضب، كأنما كان ينتظر هذا اللقاء بفارغ الصبر.
+
تقدّم صقر بخطوات بطيئة، يُجرّ خلفه أثقالًا لا تُرى، لكن صداها يُدوّي في صدره. لم يكن هناك مفرّ، فالنار المشتعلة بينه وبين والده لم تعد تحتمل التأجيل.
+
دوّى صوت جمال، جهوريًا، كالرعد في ليلٍ مقفر:
+
"كنت فين يا صقر؟ مش عارف إن فيه وليمة حاضر فيها كل كبارات القبائل؟! ابن الحمدانية حضر، وإنت هربت زي الجبان، يا صقر! الناس يقولوا إيه؟... معرفتش أربي، معرفتش أخلّف قائد قوي لقبيلتي بعد موتي، يطيح بيها؟!"
+
لم تهتز ملامح صقر، لكن شيء ما انكسر في عينيه، شقّ صمته وهو يرمق والده بنظرة ممتلئة بكل ما عجز عن قوله في سنوات:
+
"كل همّك شكلك قدّام الناس... عمرك ما فكّرت فيّا، ولا في مشاعري، ولا أحاسيسي... تعبان؟ ولا لأ؟... سعيد؟ حزين؟... عندي هدف؟ نفسي في إيه؟ كل ده مش مهم. المهم إني أبان قدّام الناس بصورة معينة، وماكونش ضعيف! بس ازاي أكون قوي وقلبي حزين؟ وقلبي بيتكسر منك يا أبوي كل يوم؟! كل يوم أسأل نفسي مية سؤال، وأقول: ليه؟"
+
غضب جمال لم يخمد، بل زاد احتدامًا، صوته كالسياط:
+
"عشان إنت وريثي! وكلنا اتربينا زيّك وأمرّ منك! لو كنت ابن لأبويا، وادلعت الدلع الماسخ ده معاه، كان غرس سيفه في قلبك وقتلك ودفنك! لكن أنا... مقدرش أقسى عليك أكتر من كده يا صقر... مقدرش أقتلك وأخلّص منك!"
+
توقف صقر لحظة، وصوته خرج واهنًا لكنه ممتلئ بالقهر:
+
"ليه؟"
+
ساد الصمت. لحظة ثقيلة مرّت كأنها دهر.
+
نظر صقر في عيني والده، بعينين تُشعّ ألمًا وهو يقول:
+
"أقولك أنا ليه؟... عشان فيروزة. عشان أنا ابن فيروزة."
+
توسّعت عينا جمال بصدمةٍ خاطفة، كأن الزمن توقف في عينيه، وصرخ بنبرة لم تخلُ من الذعر:
+
"إنت عرفت منين الاسم ده؟! مين قالك الهبل ده؟!"
+
ردّ صقر بنبرة واثقة، موجوعة:
+
"دي الحقيقة اللي خبيتها عليّا..."
+
لكن جمال زأر نافيًا:
+
"إنت ابن رشيدة!"
+
انفجرت الكلمات من صقر كأنها جمرات حُبست طويلًا في صدره:
+
"لأ!! طول عمري ما صدّقت إن رشيدة أمي... مش معقول! في أم ما تحنّش على ابنها؟! لأ، مستحيل! مفيش أم ما تكونش الدرع الحامي لابنها! مفيش أم تتصرف كده مع ابنها كأنه عدوّها! لما يحزن، تكون مبسوطة! لما يتكسّر، تكون سعيدة! لما يتهان ويتذلّ، تكسره أكتر، تذلّه أكتر!! و تحاول تدوس عليه غايتها ايه و غرضها ايه مش عارف"
+
انطلقت الكلمات منه كالسيل الجارف، لا يقوى على كبحها بعد الآن.
+
وفي تلك اللحظة، بدا صقر وكأنه لم يعُد ابن القبيلة فقط، بل ابن وجعه، ابن الأسئلة التي لم يُجب عنها، ابن الحقيقة المُغيّبة... وصوت قلبه كان أقوى من كل الأنساب.
+
صقر، وهو يخلع غطاء رأسه وينظر في عيني والده بثبات:
"أنا ما بهربش زي ما بتتهمني دايما، بس كان لازم أعرف الحقيقة…"
+
جمال نهض من مكانه، وخطى نحوه بخطوات ثقيلة:
"حقيقة إيه؟ انت اتجننت؟! ناقص تجيبلي العار!"
+
صُدم جمال كما لم يُصدم من قبل. لم تكن صدمة عادية، بل هزّت كيانه من الداخل، كأنّ الأرض انشقت تحته فجأة، وخرج منها صوت ماضٍ دفنه بيديه منذ سنين طويلة، ليعود اليوم ويتجسّد في وجه ابنه.
+
ظلّ صقر واقفًا أمامه، عيناه تشعّان بثبات ناريّ، لا يشبه ارتباك الشباب، بل يشبه يقظة رجل تحرر أخيرًا من قيد الجهل. أما جمال، فقد شعر أن قلبه يضرب صدره كطبول حرب، ليس خوفًا… بل من هول المفاجأة.
+
كم حرص، كم أخفى، وكم كذب ببراعة حتى صدّق كذبته، وأقنع من حوله أن "رشيدة" وحدها كانت زوجته… وأن "صقر" وُلد منها، لا من أخرى، لا من فيروزة التي أحبها يومًا، ثم خاف من حبها، ثم أنكرها ودفنها حيّة في الذاكرة.
+
لكن الحقيقة وجدت طريقها، كما تفعل دائمًا، وجاءته على هيئة ابنه… يحمل الاسم الذي طرده من قلبه، ويُنطقه بثقة:
"فيروزة."
+
قال جمال بصوتٍ أجش، تخنقه الغضب والريبة:
+
"جبت الكلام ده منين؟ ده مش حقيقي… مين ضحك عليك وقالك كده؟ أنت أمك رشيدة… رشيدة وبس، مالكش أم غيرها!"
+
لكن صقر لم يتراجع، بل ضحك ضحكة قصيرة ساخرة، ثم نظر إليه بعينٍ لا يملؤها الخوف بل الوعي:
+
"أنا كبرت يا أبوي… وبقيت أقدر أميز. روحت، وشفت، وسمعت… وعرفت أمي تبقى مين… فيروزة الغجرية."
+
كأن الاسم نزل على جمال كالسهم، اتسعت عيناه بذهول لا يشبهه، واهتز صوته وهو يصرخ:
+
"لا! ماتقولش الاسم ده! فيروزة دي… بنت ليل! لا يمكن تكون ملكة… ولا يمكن تكون أمك! كداب اللي قالك كده ، كدابين."
+
تقدّم صقر خطوة، عينيه تتوهجان كجمرة مشتعلة، وصوته ارتفع بحرارة لا يستطيع كبتها:
+
"لأ يا أبوي… مش هسمحلك تجيب سيرة أمي بالغلط! كانت ضعيفة صح؟ إنت استغليت ضعفها دا ما يعيبهاش، دا يشرفها… وأنت اللي خبيت الحقيقة ودفنت اسمها زي ما بتدفن العار."
+
ارتعدت ملامح جمال، ليس من الخوف، بل من الصدمة. ما كان يعتقد أنه دفنه منذ سنين، عاد اليوم حيًّا… في عيون ابنه.
+
صاح، وعروقه تنبض بالغضب:
"بتعلي صوتك على أبوك عشان واحدة لا شوفتها ولا عيشت معاها؟ أنا… أنا لازم أربيك… بيدي!"
+
ولم تمر لحظة حتى سحب سيفه، ولمع المعدن تحت ضوء المشاعل الباهتة، كأن القصر نفسه حبس أنفاسه انتظارًا لما سيحدث.
+
رفع جمال سيفه، لا كأب، بل كزعيم قبيلة شعر أن سلطته تُهدد، بينما وقف صقر أمامه، لا كابن، بل كحقيقة قررت أن تُقال… ولو على حد السيف.
+
سحب صقر سيفه فجأة، وعيناه تلمعان بتحدٍ عميق وألم دفين. ارتفعت حدّة التوتر في الهواء، واشتعلت الأرض بينه وبين جمال بشرارة المبارزة. لم يكن مجرد قتال بالسيوف، بل كان صراعًا بين قلبين... أحدهما مجروح، والآخر غاضب.
+
دارت السيوف كأنها ترقص رقصة الانتقام، وصوت المعدن يرتطم بالمعدن كان كأنه صدى سنين طويلة من الصمت والقهر. لم يكن صقر مجرد شاب غاضب، بل كان محاربًا بارعًا، كل حركة من حركاته تشهد على تدريب قاسٍ تلقّاه في الخفاء، استعدادًا ليوم كهذا.
+
تراجع جمال خطوة إلى الخلف، مذهولًا من قوّة ابنه، ليس خوفًا، بل دهشةً من أن الفتى الذي كان يظنه ضعيفًا، صار اليوم يقف أمامه ندًا لا يُستهان به.
+
جمال، بصوته الأجش، وهو يحاول أن يستعيد السيطرة على الموقف:
"فوق يا صقر، وعود لرشدك... ولعقلك."
+
لكن صقر، وهو يثبت خطوته، وينظر بعينين تشتعلان بمرارةً:
"أنا فوقت من زمان... لكن أنت ما شفتش، لأنك ما بتشوفش إلا نفسك."
+
صمت جمال لحظة، ثم تقدّم خطوة، وصوته يلين لأول مرة، وكأنه يتكلم من أعماق قلب أبٍ منكسر:
"ما حدش في الدنيا دي هيحبك زي ما أبوك بيحبك... وبيخاف عليك."
3
لحظة ثقيلة خيمت على المكان، كأن السيوف تراجعت لتصغي، وكأن الأرض نفسها حبسَت أنفاسها في انتظار القرار التالي.
+
في لحظة خاطفة، انقضّ صقر بسيفه على والده، والتف حوله ببراعة محارب خبير، ثم ببضعة ضربات محسوبة وقوية، أسقط جمال أرضًا، سقطته لم تكن مذلة، بل مهيبة… كأن الأرض هي التي احترمت جبروته واحتضنته دون أن تكسره.
+
وقع جمال على ظهره، وصدره يعلو ويهبط من شدة التعب، لكن لم تكن في عينيه رهبة… كانت نظرة رجل رأى الحقيقة التي كان يتجاهلها لسنوات.
+
صقر وضع السيف على رقبة والده، صوته كان غاضبًا، متقطعًا، ينبض بالألم والخذلان:
"مش طول عمري بتحاول تكسّرني؟ أهو، دلوقتي قدامي، وتحت سيفي... تحب أعمل إيه؟ أقتل اللي حرمني من أمي؟ من حنّيتها؟ من حقي؟"
+
لم يتزحزح جمال، لم يرمش حتى، بل ابتسم… نعم، ابتسم للمرة الأولى منذ بدء القتال، وفي عينيه دمعة خفية لم يرها أحد من قبل.
+
ثم قال بصوت خافت لكنه عميق، صوت غريب على رجلٍ مثله، صوت يحمل حنانًا لم يُعرف منه:
"أنا... فخور بيك."
+
تجمّد صقر، كأن الزمن توقف.
الكلمات ضربت قلبه لا أذنيه.
"أنا... فخور بيك."
+
خفض صقر سيفه ببطء، كأن شيء في داخله تهدّم وشيء آخر بُني في اللحظة نفسها.
+
وارتجف صدره بأنفاس ثقيلة، ثم همس بصوت مكسور:
"ليه ما قلتهاش من بدري؟"
+
جمال تنهد، وأغلق عينيه للحظة:
"لإني كنت خايف... خايف أحبك زي أمك، وأضعف قدامك زي ما ضعفت قدامها و مقدرتش أرفضلها طلب ."
+
توقف صقر لحظة، والسيف لا يزال عند رقبة أبيه. لم يكن قد طعن، لكن حدة النصل وحدها كانت تكفي لتجعل أي رجل يرتجف. إلا جمال... لم يرتجف، بل كان ينظر في عيني صقر بثبات غريب، كأنما أخيرًا يرى أمامه شيئًا كان ينتظره طيلة حياته.
+
تنفّس صقر ببطء، وصوته نزل منخفضًا، مخنوقًا كأنما خرج من حفرة عميقة:
+
"كان نفسي، ولو لمرة، تقوللي إني كفاية… مش قوي، ولا فارس، ولا راجل... كفاية كإني ابنك وخلاص. كان نفسي تحضني لما رجعت من أول معركة بيني و بين زمايلي، ما تبصش على الجرح اللي في دراعي، تبص على العيل اللي جوّاه بيصرخ عايز أبوه."
+
جمال لم يقل شيئا. عينيه كانت فيهما نظرة مختلطة… فخر، وألم، و يمكن أن تكون ندم.
+
صقر زاد من ضغط السيف قليلا، لكن يده كانت تترعش ، و كان يواجه مصيرا خشي دوما أن يواجهه.
"فاكر أول مرة وقعت من فوق الحصان؟ كنت خايف، وكنت عيل صغير، وجيتلك وقلتلك إني مش قادر أكمل… فاكر قلتلي إيه؟"
+
سكت ثانية، صوته بدأ ينقطع:
"قلتلي الرجالة ما تبكيش، حتى لو اتكسرت ضلوعهم... حتى لو انكسر قلبهم."
+
جمال نظر له، بصوت هادي وعيناه لا زالت ثابته:
"والنهاردة؟ رجعتلي أقوى من أي يوم. و سيفك على رقبتي، ووشك كله وجع... لكن ما بتبكيش. مش دا اللي كنت بتمناه ليك؟"
+
صقر نظر له بنظرة فيها غصة، وقال:
"لا… كنت بتتمنى تخلق نسخة منك، مش ابن ليك. كنت عايز تبنيني على صورتك، مش تحت جناحك."
+
جمال تنهد، وكان صوته يتخلله الضعف وهو يقول:
"أنا حاولت، حاولت أربي فيك راجل يقدر يعيش، مش يتكسر. ماكنتش أعرف إن اللي كنت بعمله فيك هو اللي بيكسرك."
+
صقر يقاوم البكاء:
"إنت ما ربيتنيش، إنت سلختني... سلخت مني الطيبة، والبراءة، وسنين كنت محتاج فيها كلمة حلوة أو حضن. سبتني أتعلم القسوة منك، لحد ما بقيت نسخة مشوهة منك."
+
صمت ثقيل وقع بين الاثنين. الريح فقط ما كانت تمرّ على أطراف سيف صقر، كأنها تشهق معهم.
+
جمال تمتم بصوت مبحوح:
"يمكن... لو الزمن رجع، كنت حضنتك بدل ما أقولك امسح دموعك."
+
أغمض صقر عينيه، وبدأ السيف يبتعد ببطء عن رقبة والده. كان وجهه ممتلئًا بالحزن لا بالغضب. لم يكن يرغب في قتله، بل أراد أن يوجعه... لكن ما آلمه أكثر أن الرجل الواقف أمامه لم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه، لأنه أخيرًا... اعترف.
+
ساد بينهما صمت طويل... لم يكن صمت غضب، بل صمت مصالحة… بين أبٍ نادم، وابنٍ جُرح طويلًا لكنه لا يزال ينبض بالانتماء.
+
تلاقت العيون في ساحة يغمرها الغبار والصمت المتربص، سيفان لامعان في يدين تحملان تاريخًا طويلًا من الصراع والخذلان. كان القمر يلقي بضوءه الحاد، بينما قلب "صقر" يشتعل بكلمات لم تُقال منذ زمن، وغضب لا يُطفئه سوى اعتراف.
+
وقف "جمال" يتنفس بثقل، لم يبقَ من شبابه سوى ذكريات، يواجه ابنه الذي صار رجلًا لا يُهزم.
+
قال جمال، ووجهه يحاول أن يخفي وجعًا قديمًا:
"لو كنت مكاني كنت هتعمل زيي."
+
لكن صقر لم يتردد، كانت نبرته كالسيف ذاته الذي يلوّح به:
"لأ، عمري ما اتجوز واحدة مش عايزاني غصب عنها، و أخلف منها، و أخيرها بين إنها يا تربيه يا تسيبه و تمشي."
+
هنا، تهدج صوت جمال وهو يستدعي ماضٍ لم ينسه، قلبه كان يتكلم قبل لسانه:
"الحب يخليك تعمل أكتر من كده.
لما تحب هتكون عايز تُملك.
من ساعة ما وعيت على الدنيا وأنا عارف إني لرشيدة،
بس لما شفت فيروزة... معرفش، قلبي مال ناحيتها.
وهي كانت غجرية، لسانها قوي، نظرتها مفيش فيها خوف.
الكل يركع تحت رجلينا،
لما دخلت النهر عشان يشرب الفرس، الكل عينه تحت إلا هي، عينها فوق.
و جمال... مفيش زيه.
أنا عارف، الكل هيقول غجرية، بس ما سمعتش غير لقلبي.
و ندمت، كنت عايزني أسيبك معاها؟
لو بتحبك، كانت اختارتك إنت على الأقل.
يومها قلتلها: ربي ابنك و عيشي معاه،
لكن كرهها غلب حبها ليك.
لازم تفتكر دايمًا إنها سابتك."
+
لم ترف عين "صقر"، لم تضعف قبضته على الحقيقة، كان جرحه قديمًا لكنه لم يلتئم قط.
همس كأنه يحكي لطفلٍ تُرك في عاصفة:
"كنت تعوضني عن الحنان اللي مش هلاقيه في بعدها عني."
+
تنهد "جمال"، كأن ذكرى موتٍ ثقيلة انزلقت على كتفيه:
"احنا كنا في حرب،
و صقر أخويا مات على إيد الحمدانية،
كنت عايزني أطبطب عليك علشان تنداس في وسطيهم؟
إنت غلبت جمال، وده مستوى صعب حد يوصل ليه.
لازم تشكرني إني خليت منك شخص قوي."
+
لكن "صقر" رفع عينيه بثبات، وكلماته كانت أشد من كل الضربات التي تلقاها في تدريبه،
"و إيش فايدة القوة لو جاية من كسر."
+
كانت تلك لحظة لا تُنسى…
حقيقة مُرّة تخرج للهواء الطلق، في ساحة لا تعرف سوى الانتصارات المنقوصة.
+
سكت صقر لثوانٍ، ثم نظر إلى أبيه نظرة كأنها خرجت من جرحٍ قديم لم يندمل، بصوتٍ متهدج لكنه ثابت، قال:
+
"كنت تقدر تكون الحضن اللي أهرب له لما الدنيا تضيق… لكنك كنت دايمًا السياج اللي بيمنعني من الهرب… كنت تقدر تكون سند، بس بقيت سبب الانكسار."
+
نظر إليه جمال، وجهه ما بين الغضب والخذلان، لكنه ما نطق. فأكمل صقر، ووجهه بارد كأن العتاب فيه مات أخيرا:
+
"عارف يا أبوي؟ كل مرة كنت بتقسى عليا، كنت بقول يمكن بكرة يحبني… يمكن يشوفني، يمكن يفتخر بيا… بس أنت كنت شايفني ضل، ضل لحد مات… مش ابنك."
+
جمال (بصوت خافت):
"أنا كنت بأعدك للدم، للموت، للحياة اللي ما بترحمش…"
+
صقر (قاطعه):
"ما كنتش عايز أتربى عشان أموت… كنت عايز أعيش، أعيش وأنا حاسس إن ليّا أب، مش قائد كتيبة بيحاسبني على كل تنهيدة."
+
تنهد جمال، ثم قال بنبرة ممزوجة بالضعف:
+
"وأنا كنت فاكر إني بحميك…"
+
صقر بدموع تنجرف مثل صنبور تم نسيانه :
"أنت كنت بتحميني من الناس، بس مين يحميني منك؟! يحميني من رضاك اللي كان بعيد عني. كنت أعمل كل حاجة تعوزها على أمل إنك ترضى بس مفيش لرضاك طريق يوصل."
+
صمت بينهما لحظة، كأن الزمن توقف عندها، ثم دار صقر ببطء، خطواته مثقلة بالوجع، وقال قبل أن يدير وجهه تمامًا:
+
"أنا مش محتاجك تفخر بيا دلوقتي… أنا كنت محتاجك تحبني من زمان."
+
جمال نظر إلى ظهر ابنه وهو يبتعد، وكأن الأرض انسحبت من تحته. لأول مرة، لم يكن لديه ما يقوله. لا قوة، لا كبرياء، لا أعذار. فقط رجل ، يدفع ثمن ما زرع بيديه، في حقلٍ لم يروِه إلا بالقسوة.
+
في قلب الصحراء، حيث السكون يلفّ الرمال ويعانقها الأفق البعيد، جلس صقر في مكانه المعتاد. عقد ركبتيه بذراعيه، ورأسه محنيّ كأنما يطارد فكرة هاربة. وجهه كان متجمّدًا بين الحيرة والذهول، يتأمل الساعات الماضية التي قلبت عالمه، بعد أن اكتشف سرًا بدا من المستحيل تصديقه.
+
الرياح تداعب أطراف ثوبه، والسماء من فوقه ترقب بجمود. لكن اللحظة لم تدم طويلًا.
+
يد دافئة، حذرة، وُضعت على كتفه. التفت صقر، متجهمًا قليلًا، ليجد يزيد خلفه، يحمل في عينيه قلقًا صادقًا.
+
قال صقر، دون أن يرفع عينيه تمامًا:
"جيت ليه؟"
رد يزيد، وعيناه تتنقل بين وجه صديقه وأفق الصحراء:
"قلقت عليك، إنت اختفيت تاني. خوفت مترجعش المرة دي ومَعرفش عِندك وداك فين."
+
رُفعت نظرة صقر إليه، لكنها كانت حادة، مزيج من الغضب والتحدي:
"ولا خايف على عقابك من أبويا؟"
+
هزّ يزيد رأسه ببطء، وابتسامة مرّة رسمت على طرف فمه، ثم قال بنبرة مملوءة بالعتب:
"لأ، مش خايف. بس في حاجة أكبر من كده جابتني هنا، يا صقر. صداقتنا... ولا مش بتعتبرني صديق وفي ليك؟"
+
ارتعشت شفتا صقر للحظة، كأن الكلمات جرحت كبرياءه، ثم قال بصوت منخفض وبه نبرة خيبة:
"بعد إيه؟"
+
اقترب يزيد أكثر، وملامحه تشي بالصبر المختلط بالتحذير:
"يا صقر، كلامك كان غلط، وممكن يضيعنا كلنا. عارف يعني إيه تتجوز واحدة حمدانية؟ ومش أي حمدانية... دي أميرة! يعني من المستحيل ده يحصل."
+
اشتدت قسمات وجه صقر، لكنه لم ينفجر، بل قال بعينين تتوهج فيهما ذكرى:
"قدري أشوفها."
+
قطّب يزيد حاجبيه في دهشة، ثم قال بسخرية خفيفة، وهو يراقب ملامح صديقه:
"وإنت من أول نظرة تقع في حب واحدة؟"
+
رفع صقر عينيه بثبات، لكن نظراته كانت حنونة بشكل غريب، كأن الذكرى ما تزال حيّة في داخله:
"لأ. دي أنقذتني من الموت... رغم إنها أميرة زي ما بتقول. يعني كانت سابتني ومشيت... كانت سابتني للموت، لكن دي ساعدتني."
+
أخذ يزيد نفسًا طويلًا، ثم هزّ رأسه في استسلام:
"من يومك عنيد، واللي في راسك في راسك. برضو لسه معاك السلسلة؟"
+
انعكست لمحة من الحذر في عيني صقر، ثم قال بشك:
"عايزها ليه؟"
+
اقترب يزيد خطوة أخرى، ونظراته تتابع ملامح صقر بترقب:
"معاك ولا مش معاك؟"
+
صمت صقر، ثم مدّ يده إلى جيبه الداخلي، وأخرج السلسلة التي كانت مطوية بعناية. لمع المعدن تحت ضوء القمر، فأخذها يزيد بحذر وكأنه يتعامل مع أثر مقدّس.
+
قال يزيد وهو يتفحّص السلسلة بعينٍ خبيرة:
"دي سلسلة بتتوزع في يوم اسمه (يوم الحسن)."
+
قطّب صقر حاجبيه:
"يوم الحسن؟؟"
+
رد يزيد دون أن يرفع عينيه عن السلسلة:
"آه، بس دي عشان أميرة فهي معمولة مخصوص ليها، وأكتر قيمة من التانيين. المهم... ليها فتحة."
+
بدأ يقلب السلسلة بأصابعه حتى اكتشف قفلًا خفيًّا، فتحه ببطء، فأخرج من داخله ورقة صغيرة ملفوفة بعناية.
+
رفعها بين إصبعيه وهو يقول:
"دي ورقة بتكتب فيها البنت أمنيتها... وتحطها جواها."
+
انبهرت ملامح صقر، وكأن العالم كله صغر حتى صار تلك الورقة. اقترب بسرعة وقال:
"وريني كده... مش معقول... إزاي ما خدتش بالي؟ إيه المكتوب؟"
+
ضحك يزيد ضحكة خفيفة وهو يناوله الورقة:
"وأنا إيش عرفني؟ هو أنا بعرف أقرأ؟ خد الورقة ووريها للمعلم، خليه يقراها ليك."
+
لكن صقر تشبث بالورقة، وبدت على وجهه علامات الرفض، والإصرار:
"لأ. مش هثق في حد. هقراها بنفسي."
+
رفع يزيد حاجبه في استغراب:
"إزاي؟"
+
قال صقر بحزم، وعيناه تقدحان نار التصميم:
"هتعلم. لازم أنافس بدر في كل حاجة. أكيد البنت اللي شوفتها دي بنت ناجي... مفيش غيره، وعنده ست بنات."
2
ابتلع يزيد ريقه وهو ينظر لصديقه، ثم قال:
"يوم الحسن ده بتكون البنت أكبر من عشر سنين، وأصغر من خمستاشر سنة. هتعرفها إزاي؟"
+
ظل صقر صامتًا للحظات، ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأنها تحمل مصيرًا أكبر من مجرد أمنية فتاة. الرمال حولهما سكنت، والقمر واصل زحفه نحو الذهاب، بينما انطلقت أولى خطوات القدر بخطى واثقة نحو المجهول.
+
قال صقر بصوت منخفض، ونظره مثبت في الأفق:
"مش عارف هعرفها ازاي بس اللي واثق منه إني هوصلها"
+
يزيد نظر له بريبة يفهم أن صقر عنيد قال بسخرية:
" أنا شايف إنك اتجننت بس هعمل ايه لازم أقف جنبك"
+
...........
كانت السماء تتوشح بلون العتمة، تتناثر فوقها النجوم كأنها شهود صامتة على قدرٍ يُكتب في الخفاء. جلست فاطمة في فناء البيت الطيني، يكسو ملامحها مزيج من القلق والترقب، وعيناها ترنو للطريق الرملي الممتد كأملٍ بعيد. وحين لاح طيف بدر من بعيد، تنفست الصعداء، ووقفت تستقبلها بذراعين مشتاقتين.
+
قالت فاطمة وهي تضمها بحنو:
"الحمدلله إنك رجعتي بسلامة."
+
بدت على بدر علامات التوتر، كتفت ذراعيها وحرّكت عينيها بتردد، قبل أن تقول بصوت خفيض:
"كنت متوترة، و الحمدلله عدت على خير... وصقر ما حضرش."
+
رفعت فاطمة حاجبها بقلق، صوتها اتسم بالفضول:
"ليه؟"
+
هزّت بدر رأسها بسرعة، كأنها تحاول إخفاء شيء ما، ثم قالت متلعثمة:
"لأ... مفيش. بس كنت خايفة يقولوا نتبارز، وأنا مش حِمل هزيمة تانية."
+
انفرجت شفتا فاطمة عن ابتسامة ساخرة، ولوّحت بيدها كأنها تستهجن:
"أصلاً مبارزة مش عادلة! يعني صقر رجال كبير، وما شاء الله طول بعرض... يعني كيف يتبارز معاكي إنتي؟ ممكن تتسابقوا خيل أو رمي السهام، لكن مبارزة؟ كيف؟"
+
رفعت بدر رأسها بعنادٍ صلب، ووميض من القلق يتسلل لعينيها الصافيتين، وقالت بحزم:
"هنا محدش بيقتنع بالسن. كل اللي يعرفوه إني وريث للقبيلة، إن شاء الله يكون عندي خمس سنين... مش مهم. المهم إني أثبت دايمًا إني قد القيادة وقد مكاني."
+
توقفت للحظة، ثم تنهدت وتابعت بنبرة محملة بالغصة:
"صدقيني يا ماما، محدش شايف عمي ناجي ولا معترفين فيه. لما روحت الوليمة، الكل كان مركز معايا... بطريقة بجحة، يعني مش مكسوفين يظهرولي ده."
+
ارتسمت خطوط القلق على وجه فاطمة، نظرت لابنتها نظرة فيها مزيج من الحنان والخوف، وقالت بصوت هامس مليء بالخشية:
"المشكلة يا بدر، إن معالم الأنوثة هتبدأ تظهر عليكي. وساعتها... ممكن أي حد يكشفك. دلوقتي بتتداري في الجلابية والشال، بكرا ده مش هينفع."
+
سكتت بدر قليلًا، وراحت عيناها تتأمل الرمال وكأنها تبحث عن إجابة، ثم تمتمت:
"والعمل؟ هنعمل إيه؟"
+
وساد بينهما صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت النسيم يصفّر بين الأعمدة، كأنه ينقل السؤال للقدر نفسه...
+
نظرت فاطمة إلى بدر بعينين مملوءتين بحنانٍ وحذر، وقالت بنبرة خافتة تحمل ثقل الحكمة:
+
"الحل إن تبعدي عن القبيلة."
+
شهقت بدر في دهشة، واتسعت عيناها الداكنتان، وقالت بعصبيةٍ لا تخلو من الارتباك:
+
"إيه؟"
+
أومأت فاطمة برأسها، وعيناها لا تزالان مركزتين على وجه بدر، تحاولان تهدئة النار التي اشتعلت فيه.
+
"آه، الكل عارف إنك بتتعلمي عشان تكوني قائد قوي، وعقلك كبير، لكن لو فضلتي هنا… الكل هيلاحظ شكلك."
+
شردت عينا بدر قليلًا، ثم عادت تحدّق في وجه والدتها كمن لا يصدق ما يسمع. تلوّن وجهها بين الغضب والخوف.
+
"أخرج برا القبيلة؟ أروح فين؟"
+
اقتربت فاطمة منها، وضعت كفها على يد بدر، وضغطت عليها بحنانٍ صامت:
+
"هكلم جدتك دليلة تتعلمي برا. العالم مش قبيلتنا بس يا بدر. أنا مرة خرجت مع أبوكي… العالم اتطور، والدنيا اتقدمت جدًا، بس القبايل لسه محافظة على تراثها وعاداتها وتقاليدها."
+
رمشت بدر عدة مرات كأنها تحاول استيعاب تلك الصورة الغريبة التي لا تشبه عالمها الصحراوي المعتاد.
+
"يعني إيه؟"
+
ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة كأنها تُريها شيئًا لم تره من قبل، ثم أردفت:
+
"لو روحتي العاصمة هتتفاجئي بالمكان… والناس… واللبس… والأكل والشرب. حياة تانية ومختلفة تمامًا في كل حاجة."
+
همست بدر في ذهول، بينما بدا صوتها وكأن صدرها يضيق على الحروف:
+
"وأنا… هروح العاصمة؟"
+
هزّت فاطمة رأسها، وملامحها تشدّدت للحظة:
+
"لأ، هتروحي روما. دي بلد بعيدة عن القبيلة، وبرا البلد كلها، ومحدش يقدر يوصلك."
4
شهقت بدر، وارتجف فكّها السفلي، بينما ارتسمت على وجهها ملامح صدمةٍ موجعة:
+
"إيه الفايدة؟ وأنا مش هعرف أرجع تاني؟ ساعتها إيه الحل؟ ساعتها أقول للناس إني بنت؟ ولا أعمل إيه؟"
+
نظرت فاطمة بعيدًا للحظة، ثم عادت بعينين ثابتتين، يختبئ فيهما خليط من المرارة والحسم:
+
"مش عارفة. ساعتها تبلّغيني بخططك. عايزة الناس تعرف أصلك؟ ماشي. عايزة تكملي في اللعبة دي؟ ماشي. اللي عايزاه."
+
رفعت بدر رأسها بغضبٍ خافت، وقد انزاح الخوف قليلًا ليظهر مكانه تصميمٌ عنيد:
+
"لأ، مش اللي أنا عايزاه. اللي قبيلتي عايزاه. أنا دمي حمداني، ولازم أفكر فيها قبل نفسي… وقبل اللي بريده. وقبيلتي مالهاش وريث ذكر، يعني كده مطمع لأي حد، واسمها يضيع. وبدل ما نضيع اسم الشرقاوية، اسمنا احنا اللي هيضيع."
+
ساد الصمت بعد كلماتها، لكنّ عينيها ظلّتا مشتعلتين، كأن روحها أعلنت الحرب على كل قيود الزمان والمكان.
+
فاطمة، بصوت متهدّج يحمل في طياته وجع السنوات:
"يعني هتفضلي متنكرة طول عمرك؟"
+
رفعت بدر بصرها ببطء، نظرتها ثابتة لكنها حزينة، عيناها تشعّان بعناد ناري لا يخلو من الارتباك. شفتيها تفتحتا عن ردٍّ قصير، لكنه مُحمّل بثقل كبير:
+
بدر، بصوت خفيض لكنه حاسم:
"يا اماي... سيبي ده لوقته. أنا هروح أنام تعبانة."
+
سكتت فاطمة، وهي تراقب ابنتها تُخفي قلقها وراء قناع الصمود، تمامًا كما تخفي جسدها خلف عباءة المحارب. الصمت خيّم للحظات، كأن الرمال نفسها توقفت عن الزحف، تنتظر ما سيأتي لاحقًا.
+
.........
+
في صباحٍ مشرق، تسللت فاطمة بخُطاها الواثقة إلى بيت دليلة، حيث تقيم في منزل ابنها ناجي. كانت عيناها تلمعان بعزيمة خفية، تحمل في قلبها شيئًا من القلق، لكنها تداريه خلف ابتسامة معتادة. طرقت الباب بخفة، وما إن فُتح حتى دخلت بخفّتها المعهودة وجلست قبالة دليلة.
+
رفعت بصرها نحو المرأة الكبيرة، وقالت بنبرة هادئة لكن واضحة:
+
"كنت بريدك في موضوع يا خالة."
+
رفعت دليلة حاجبيها، وحدّقت في فاطمة بتلك النظرة التي تجمع بين الحكمة والحيطة، ثم سألتها بنبرة فيها دفء:
+
"إيش في قلبك يا فاطمة؟"
+
تنهدت فاطمة قليلًا، وكأنها تهيئ صدرها لبوح ثقيل:
+
"كنت بريد بدر يسافر برا القبيلة يتعلم."
+
ارتسمت خطوط التردد على جبين دليلة، ومالت بجسدها قليلًا إلى الأمام، وكأنها تحاول أن تفهم أكثر ما وراء الكلام، ثم قالت مستغربة:
+
"و ايه لازمة العلام يا فاطمة؟ من امتى قيادة القبيلة عايزة علام؟ قيادة القبيلة عايزة سيف و دراع قوي و دم حامي و عقل رزين و بس."
+
رمشت فاطمة بعينيها، وفي عينيها كان يسكن الإصرار، ثم ردت بثقة:
+
"العلام يقوي كل دول يا خالة، و كمان أنا مش مطمنة على بدر هنا. يسافر و يكبر و يتعلم و بعدين يرجع مستعد للي وراه."
+
هزّت دليلة رأسها بخفة، وفي عينيها بريق خوف قديم، ثم قالت بصوت منخفض تغلّفه الريبة:
+
"أخاف يسافر، ينسى حبه و قبيلته، و دمه يبرد."
+
اقتربت فاطمة منها قليلًا، وهمست وكأنها تحاول أن تُطفئ بذلك الخوف:
+
"اللي بيجري في عروقه دم سالم، و مفيش زي سالم في حب القبيلة. لازم يبعد من أجل ماحدش يصيبه بأذى."
+
سكتت دليلة برهة، ثم اعتدلت في جلستها، وشدّت على يد فاطمة وقالت:
+
"خلاص يا فاطمة، دبري أمرك، و كل حاجة متيسرة. البلد اللي بدك ياها تركع تحت رجل بدر."
+
تنهدت فاطمة براحة، وهمست بشكر صادق:
+
"شكرا يا خالة."
+
لكن دليلة ما لبثت أن اقتربت منها، وهمست في أذنها، ونبرة صوتها تحمل سحر الماضي وثقله:
+
"بدر ليه أربعين ألف دهبه من أبوه. كان الوقت حان ياخدهم و يصرفهم بمعرفته في أي مكان. مش هسأل عمل ايه بيهم."
+
نظرت فاطمة في عينيها بعرفان عميق، وقالت بثقة:
+
"تسلمي يا خالة، و إن شاء الله بدر يكون موفق في صرف فلوسه."
+
قالت دليلة وهي تنهض من مجلسها، وعيناها تلمعان بعزمٍ لا يلين وحنانٍ خفيّ:
"لعيون بدر، شهر ويكون كل حاجة جاهزة."
+
ثم مدت يدها ترفع ستارة المجلس، وكأنها تفتح لبدر طريقًا جديدًا، طريقًا لا يشبه طرق القبيلة المعتادة، لكنه مرصوفٌ بثقتها الكاملة، وبدعاءٍ صامت أن يعود سالمًا، قويًّا، واثقًا من نفسه ومن دمه.
+
.............
+
تفاجأ المعلّم علاء حين رأى صقر يقترب منه بخطى ثابتة، دون أن يُستدعى أو يُجبر، بل وكأن قرارًا نبت فجأة في قلبه.
+
قال علاء وهو ينظر إليه باستغراب:
"ليش جاي يا صقر؟"
+
أجاب الفتى بعينين لا تحملان تردّدًا:
"أريد أتعلم."
+
رفع علاء حاجبيه، وقال بنبرة جمعت الدهشة بالسخرية:
"معقول؟ كنت رافض… ايه رجّعك في كلامك؟ أبوك برضو؟"
+
هزّ صقر رأسه، وقال بهدوء فيه عزيمة:
"لأ. أنا من نفسي. عايز أكون في نفس سن بدر ابن الحمدانية."
+
ضحك المعلم ضحكة قصيرة، وقال وهو يومئ برأسه:
"كلامك زي كلام أبوك… بس بدر شاطر وذكي."
+
نظر إليه صقر بثقة، وقال دون تردد:
"أنا كمان هكون شاطر، بس إديني فرصة."
+
اقترب منه علاء، وأخذ يحدّق في عينيه وكأنه يبحث فيهما عن صدق النية، ثم تنهد وقال:
"التعليم مش لعبة، ولا يومين وتهرب. لو بدأت معايا، هتكمل… مفهوم؟"
+
هز صقر رأسه بقوة:
"مفهوم، مش هتراجع."
+
ابتسم علاء ابتسامة خفيفة، وقال وهو يشير إلى الأرض بجانبه:
"اقعد، وابدأ معايا من الأول… من الحروف."
+
جلس صقر سريعًا، ومد يده إلى اللوح، وعلى وجهه مزيج من الحماس والتحدي، وكأنّه قرر أخيرًا أن يخطّ اسمه في تاريخ القبيلة بجانب من كان يظنه خصمًا أو منافسًا… بدر.
+
نظر إليه علاء نظرة فخر خفية، ثم قال وهو يفتح الكتاب:
"يلا يا صقر… نبدأ من أول سطر."
+
بعد أن أنهى صقر جلسته التعليمية، تفاجأ برشيدة واقفة على مقربة منه، تنظر إليه بسخرية ظاهرة في عينيها.
+
قالت رشيدة بتهكم: "كنت فاكراك مشيت ومش راجع."
+
ردّ صقر بهدوء: "ليه؟"
+
قالت وهي ترفع حاجبها باستهزاء: "عشان عرفت إن أمك... بنت ليل."
+
نظر إليها صقر نظرة ثابتة، وقال بثقة: "وهي لو كانت بنت ليل، كان أبوي اتجوزها؟ وخلاها ملكة ودهب تحت رجليها؟"
+
ابتسمت رشيدة بسخرية أكبر وقالت:
"آه، باين إنك مصدق الحكايات اللي بتحكيها لنفسك قبل النوم... ملكة؟! ده حتى ما حدش في القبيلة كان بيذكر اسمها."
+
اقترب منها صقر خطوة، بعينين تلمع فيها نار مكبوتة، وقال:
"اسمها مش محتاج يتقال... وجودها كان كفاية يهز المكان."
+
قهقهت رشيدة ببرود:
"وجودها؟ تقصد وجودها في آخر الليل؟ ولا في حكايات الغجر اللي ما حدش بيصدقها؟"
+
رد صقر وهو يبتسم ابتسامة شبه ميتة:
"يمكن... بس برضو وجودها كان أنضف من لسانك و من قلبك الأسود."
+
تقدمت رشيدة خطوة، ونفخت بسخرية:
"يبقى لسانك محتاج يتغسل... من كتر الكذب اللي بتقوله عشان تحافظ على صورة مشوهة."
+
رد صقر بصوت خفيض فيه تهديد:
"أنتي ما تعرفيش أمي، بس بتحاولي توسعي صدرك على حسابها... اسكتي قبل ما أحكي لك مين كان بيزور خيمتكم بالليل، وانتي صغيرة!"
+
سكتت رشيدة لحظة، وتغيرت ملامحها، لكن بسرعة رجعت لضحكتها الباردة وقالت:
"واضح إنك مش متعلم بس تبارز بالسيف... كمان لسانك مسموم... زي أمك بالضبط."
+
رد صقر وهو يأخذ نفس طويل، صامت، لكن عيناه تقول:
"ماشي يا رشيدة... لكل كلمة وقتها، ووقتِك جاي ، و ساعتها لا تلوميني على فعلي."
+
رشيدة أجابت بغيظ مكتوم :
" منفوخ على ايه ده أمك كانت بتنباع "
+
وقف صقر ساكنًا، بينما كانت نبرته تتثاقل بثقةٍ قاتلة، عيناه تلمعان كأن بداخلهما بركان ينتظر الانفجار. تلاشت من ملامحه أيّة رغبة في كتمان الغضب، وكأن رشيدة قد أيقظت فيه وحشًا كان نائمًا تحت جلده.
+
قال لها بصوت منخفض لكنه حاد كالسكين:
"عارفة يا رشيدة... الفرق بينك وبين أمي ايه؟ إن أمي كانت بتتباع من ناس غريبة خلوها تيجي مكان محبتهوش و سابته بكرامة، لكن إنتي بتتباعي بالرخيص لأقرب الناس ليكي... بوشك! وبضحكتك! وبلسانك الطويل اللي مش لاقي له شغل غير في أعراض الناس."
+
تجمدت ملامحها، لكن صقر لم يرحمها، اقترب خطوة أخرى وهو يتكلم:
"أمي كانت بتتباع عشان تعيش في القصر... لكن إنتي بتتباعى عشان تحسي إنك عايشة، ودي حاجة أوطى بكتير."
+
انكسرت عينها لحظة، لكن لسانها حاول يرد، فقطعه بضحكة باردة:
"ما تتكلميش... خلي سكوتك يستر الهوا اللي حواليكي. لأنك لو فتحتِ بقك تاني، مش هرد عليكِ بكلام... هرد بأفعال، وساعتها هتعرفي يعني إيه اسم صقر يبقى لعنة على اللي بيذكر اسم أمه في الباطل."
+
ثم ابتسم وهو يهمّ بالانصراف، قال قبل أن يولي ظهره:
"إنتي مش بتكرهيني يا رشيدة... إنتي بتكرهي نفسك لما بتبصي في المراية وبتشوفي فيا شبه اللي كنتي بتتمني تبقيه... بس ما عرفتيش. و خليكي فاكرة دايما إن جمال اختار فيروزة الغجرية و مش اختارك ، خلاها ملكة و سعى لرضاها و هي اللي سابت كل ده و مشيت ، هي لو رخيصة و بتنباع زي ما بتقولي كانت سكنت قصر فيه قائد قبيلة بيكرهها و بيتجاهلها كأنها مش موجودة و خلفت منه أربع عيال و برضو مش مركز معاها ولا شايفها بس برضو مش فارق معاها لأنه بيتقال عليها ملكة و زوجة القائد."
+
وسار مبتعدًا، تاركًا إياها تغلي في صمت، والريح تلف ثوبها كأنها تشهد على سقوطها بدون صوت.
+
.......
+
بعد مرور شهر، كانت كل الترتيبات قد اكتملت بصمتٍ شديد، وكأن الرياح نفسها عقدت عهدًا بعدم إفشاء السر. تولّى عبد ربه تجهيز أوراق بدر في سرية تامة، لم يُطلب فيها تحقق، ولم يُسمح لأي يد غريبة أن تمتد أو تتساءل. كل شيء سار كما أرادت فاطمة، وكما وعدت دليلة.
+
في صباح الرحيل، تزيّنت السماء بسكونٍ مهيب، كأنها تشهد لحظة مفصلية في حياة شابة قد لا تعود كما غادرت. وقفت بدر بثيابها المرتبة ونظراتها المتوثبة، تودّع من أحبّتهم. عانقت والدتها فاطمة، فضمّتها بقلبها قبل ذراعيها، وهمست لها بدعواتٍ لا تنتهي. كانت دموعها تسقط في صمت، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها، وكأنها تزرع في قلبها يقين العودة والانتصار.
+
وقفت بجانبها الخادمة المخلصة، يملأ عينيها الحزن والفخر معًا، تقبّلت وداعها برضى الأم الثانية. ثم جاء دور أخيها أمان، فتبادلا النظرات أكثر من الكلمات، نظرات تعني الكثير: "احملي اسمنا وخلّيكي قدّه."
احتضنت عمها، وربّت على كتفها بقوةٍ رجولية خالصة، وقال دون أن ينطق: "أنت أملنا."
وتجمّع بعض من أفراد القبيلة ليشهدوا لحظة الوداع، بينهم من اكتفى بالدعاء، ومن لم يُخفِ دهشته من سفرٍ لم يُعلن عنه من قبل.
+
ركبت بدر جوادها، وتركت خلفها الأرض التي حملتها صغيرة، متوجة نحو الغياب الذي كانت تخبئه لها فاطمة بكل حب، لتعود منه حلما، لا فقط ابنة قبيلة، بل ابنة المستقبل.
+
