اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل العاشر 10 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل العاشر 10 بقلم رانيا ممدوح



                                              
بعد أن خرجت بدر من حدود القبيلة، وودّعت الرمال الساخنة والبيوت الطينية والأصوات المألوفة، كان الهواء نفسه مختلفًا. امتطت السيارة إلى جانب عبد ربه، تمرّ الطرق تحتها كأنها تسابق الزمن ذاته. لم تكن تعرف أن العالم خارج القبيلة بهذا الاتساع، بهذه الحداثة.

+


حين وصلت إلى أطراف المحافظة، اتسعت عيناها بدهشة طفولية لم تعرفها من قبل. السيارات تملأ الشوارع، تلمع كأنها آلات من زمن الخيال، الناس تمشي بسرعة، لا يلقون التحية كما يفعل أهل القبيلة، ولا يتوقفون ليسألوا عن حال أحد. العمارات تعلو بعضها، الزجاج يكسو النوافذ، والمحال التجارية تضيء بألوان براقة، تعرض أشياء لم ترها من قبل إلا في المجلات القديمة التي كانت تتسلل إليها خلسة.

+


ملابس الناس غريبة، ضيقة، قصيرة، مختلفة عما اعتادته. النساء يمشين بثقة، والرجال لا يحملون خناجر، والكلّ يركض كأن الزمن يطاردهم. لمحت شابًا يرتدي بنطالًا ممزقًا من الركبة، فهتفت في سرّها بدهشة:
"هو ايه ده ، حد يلبس لبس قديم ،و يطلع بيه كده؟!"

1


حتى الوجوه كانت غريبة... لا تشبه الوجوه التي اعتادتها، قسمات حادة، ألوان بشرة مختلفة، عيون مطفأة، ضحكات مصطنعة.
شعرت كأنها خرجت من فجوة زمنية، كأنها من زمنٍ قديم سقط سهواً وسط هذا الصخب الحديث.

+


نظرت إلى عبد ربه الذي يقود بجانبها بثبات، وسألته بنبرة خافتة:

+


"إحنا فين؟ دي مش مصر اللي كنت بسمع عنها..."

+


لم يجب، اكتفى بابتسامة هادئة وعينين تراقبان الطريق.
وهي، رغم كل ما رأت، كانت تعلم… أن هذه ليست إلا البداية.

+


ظلت السيارة تشق طريقها وسط الزحام، والضوضاء تتصاعد من كل اتجاه، بينما بدر جالسة في المقعد الخلفي، وجهها ملتصق بزجاج النافذة، وعيناها لا تتوقفان عن الالتفات يمنة ويسرة. كانت كمن يرى الحياة لأول مرة.
الإشارات، اللوحات المضيئة، الناس الذين يعبرون الشوارع مسرعين دون أن يلتفتوا، حتى الأطفال يحملون أجهزة صغيرة بأيديهم وينظرون إليها بانشغال شديد.

+


وصلت السيارة أخيرًا إلى بوابة المطار، وارتفع قلب بدر قليلًا في صدرها. لم يسبق لها أن رأت مبنًى بهذا الحجم، وكأن السماء تنحني لتلامسه.
نزل عبد ربه من السيارة وفتح لها الباب، فترجلت وهي ما تزال تنظر للأعلى، كأنها تخشى أن يسقط المبنى فوقها.

+


في الداخل، بدت الحياة كأنها فيلم متسارع. شاشات إلكترونية، أصوات تُعلن عن رحلات، صفوف من الناس، حقائب بعجلات تتحرك وحدها، رجال ونساء من كل الجنسيات، لغات غريبة تُتداول هنا وهناك، وكل شيء يتحرك... كل شيء ينبض.

+


أما بدر، فكانت أشبه بورقة نُزعت من كتاب قديم، ووضعت فجأة وسط شاشة إلكترونية.
كان في عينيها دهشة، وفي قلبها خليط من الحماسة والرهبة.
تقدمت بجوار عبد ربه، تحاول أن تبدو واثقة، لكنها لم تستطع منع نفسها من التوقف أحيانًا لتتأمل شيئًا جديدًا:
سيدة تودع طفلها بالدموع، رجل يضحك بصوت مرتفع في الهاتف، فتاة ترتدي ما لم تكن بدر تتصور أنه يُعد لباسًا.

+



                                      


                
همست لنفسها:
"دي مش بلد... دي دنيا تانية."

+


ابتسم عبد ربه عندما سمعها، وأشار نحو بوابة السفر قائلاً:
"لسه ما شفتيش حاجة... روما قدامنا."

+


بعد أن أقلعت الطائرة مُغادرة إلى روما، كانت بدر تجلس بجانب عبد ربه، نظراتها معلقة على الغيوم المتناثرة خلف زجاج النافذة، بينما كان هو يراقبها بصمتٍ مهيب، كعادته. لم يكن عبد ربه مجرد حارس شخصي، بل حامي ملازمًا لها في كل خطوة، مدربها،  عينها التي لا تغفل، ويدها التي لا ترتجف. تولى أمر رحلتها كأنه يكتب سطرًا في تاريخه الخاص، ينسج حول بدر دائرة حماية لا يخرقها أحد.

+


في الفيلا التي استأجروها في قلب روما تليق ببدر كما أوصت فاطمة، لم تكن بدر وحدها. جاءت معهم ليلى، أخت حسناء الصغرى، والتي أُعدّت بعناية لتتولى المهام التي كانت حسناء تؤديها بجوار والدة بدر. ليلى لم تكن خادمة فحسب، بل كانت عينًا إضافية، ووسيلة ضغط ناعمة لمن أرادوا أن يحكموا الحصار حول الفتاة الشابة، حتى لا تخرج عن الخط المرسوم لها، حتى من بعيد.

+


أما عبد ربه، فرغم ولائه الذي لا يُشك فيه، كان يعرف أن غيابه الطويل سيترك فراغًا في مصر، لذا لم يتردد في أن يترك وراءه رجلاً من طرازٍ خاص. جنديًا بارعًا، دربه بنفسه، وضع ثقته فيه، وأسند إليه مهمة تدريب أمان. كان يعلم أن أمان بحاجة إلى عناية مماثلة، لا لأجلها وحدها، بل لأجل الخطة الأكبر، التي لا يعلم أحد متى ستصل إلى نهايتها، أو ما إذا كانت ستصل أصلًا.

+


أخذت بدر تتفقد المكان الواسع المليء بأشياء لم ترها من قبل، وكأنها طفلة خرجت من كتاب قديم وسُرِّحت وسط مدينة خيالية. كانت نظراتها تتنقل بين الجدران اللامعة، والأسقف العالية، والأرضيات التي تعكس أقدام المارة.

+


ركضت صوب أحد الأركان، حيث لفت نظرها شيء يشبه الطاولة لكنه يضيء من الأسفل، وضعت كفّها عليه بحذر، ثم ضحكت ضحكة خفيفة كأنها تكتشف سحرًا.
اقتربت من صنبور معدني طويل، ضغطت الزر فانهمر الماء باندفاع مفاجئ، فتراجعت للوراء وهي تصرخ بخفة:

+


"يا نهار أبيض! بيجري لوحده!"

+


ثم عادت لتضغطه ثانية، تنظر للماء وكأنها لا تصدق أن شيئًا كهذا يمكن أن يوجد دون خزان فوق السطح أو دلو يُعبّأ يدويًا.

+


جذبتها الأرائك الوثيرة المصطفة في إحدى الزوايا، فجلست أولاً بحذر ثم اندفعت بكل جسدها عليها، وانطلقت تقول:

+


"ياااه! دي ناعمة زي ريش النعام بكتير!"
ثم انقلبت على جنبها، تضحك وتهمس لنفسها:
"الناس دي عايشة في نعيم"

+


ركضت نحو أحد المقاعد المزودة بزرٍ جانبي، وبالصدفة ضغطته، فبدأ المقعد يرتفع ويميل للخلف، فصرخت بدهشة:

+


"إييييي ده؟ أنا هطير ولا إيه؟!"

+


أخذت تنظر للناس حولها من الزجاج الخارجي وهم يسيرون في هدوء واتزان، بينما هي تشعر وكأنها دخلت عرضًا حيًّا للخيال. لم تُبالِ بنظرات بعض المارة المتفاجئة من حركتها الزائدة، فكل شيء بالنسبة لها كان جديدًا، مثيرًا، مدهشًا، وكأن الحياة بدأت للتو.

+



        

          

                
بين جدران المكان الجديد، كانت بدر تتنقل بين الأشياء بفضول الطفلة التي اكتشفت عالمًا سحريًا للتو. عيناها تلمعان بدهشة وهي تركض من ركن إلى ركن، تمرر يدها على الأسطح البراقة، وتجرب الصنبور الذي انساب منه الماء كأنه يرحّب بها، وكأنّ لكل شيء هنا روحًا تنبض. أثاث متقدّم لم تألفه من قبل، أزرار، وأضواء، وأصوات... وكأنها في حلم.

+


لكن صوت عبد ربه قطع على المكان سحره الخافت، بنبرة هادئة حازمة قال:

+


"خلاص يا ست بدر، ارتاحي شوية... ورانا حاجات كتير نعملها هنا، وكمان التدريبات لازم تستمر."

+


ثم التفت إلى ليلى التي وقفت بانتباه، وملامحها لا تزال مشبعة بالحماسة هي أيضا، وقال:

+


"وانتي كمان يا ليلى، استريحي دلوقتي، عشان تبقي جاهزة تعرفي واجباتك."

+


أومأت ليلى برأسها باستسلام، رغم أن عينيها لم تتوقفا عن التجوّل في أرجاء المكان كأنهما تلتهمان تفاصيله.

+


أما بدر، فقد رفعت حاجبيها بتحدٍ، وبدت على وجهها ملامح طفولية مشاغبة لم تتناسب مع عمرها، وقالت وهي تضع يديها على خصرها:

+


"ورايا إيه؟ أنا عايزة أشوف كل حاجة هنا... وأكتشف اللي كان غايب عني!"

+


ضحك عبد ربه بخفة، لكن نظراته بقيت جادة، ثم قال:

+


"ماشي يا ست بدر، بس مش دلوقتي... دلوقتي محتاجة ترتاحي الأول."

+


بدت على وجه بدر ملامح خفيفة من الضيق، لكن عينيها كانت تلمعان بالحماس، وكأنها على وشك البدء في مغامرة عظيمة... فقط مؤجلة لبعد القسط الضروري من الراحة.

+


في تلك الليلة، وبين جدران الغربة الصامتة، كانت بدر تتقلب في فراشها، كأن الوسادة ترفض أن تمنحها السكينة. ضوء خافت يتسلل من الستائر، والمدينة النابضة خلف النوافذ لا تهدأ، لكنها لم تكن تهمس لبدر بشيء سوى... أنها وحدها.

+


وضعت رأسها على الوسادة، وضمّت الغطاء إلى صدرها كأنها تحتمي بشيء ضاع منها، وفجأة... تسللت إلى ذهنها صورة أمها فاطمة. رائحتها، لمسة يديها، صوتها وهي ترتّب ملابس السفر، تربّت على كتفها بحنان، وتربط على قلبها بأمانٍ لا يشبه أي أمان.

+


سمعت صوتها في ذاكرتها، واضحًا، دافئًا، كأنها تقف الآن بجوارها:

+


"يا بدر، حافظي على نفسك، و اوعي تغرك الغربة، مسيرك راجعة راجعة..."

+


كانت فاطمة يومها تمسك بثوبٍ وتطويه بلطف، نظراتها دامعة لكنها قوية، ووجهها يجاهد ليخفي القلق خلف ابتسامة مطمئنة.

+


"خلي راسك مرفوعة، و قبل ما تعملي حاجة، اسألي نفسك: أمي هتكون فخورة بيا لو عملت كده؟ ولا لأ؟ في حفظ الله يا بنتي، ربنا ينصرك، و يحفظك من كل أذى و من كل نفس مريضة و خبيثة."

+



        
          

                
لم تتمالك بدر نفسها، وبللت وجنتها دمعة دافئة. مرّت على خدها كأنها تسير على خارطة الحنين، وهمست بصدقٍ خافت:

+


"حاضر يا ماما... أوعدك أرفع راسك دايمًا."

+


ثم أغمضت عينيها، وكأنها تستدعي روح أمها، فرأت في خيالها ابتسامتها وسمعت همسة، كأنها خرجت من جدار قلبها:

+


"ما تعطيش يا بدر... أنا جنبك، روحي دايمًا معاكي في كل مكان."

+


ابتسمت بدر من بين دموعها، وكأن قلبها استراح قليلًا. لم تنم، لكن شيئًا من الطمأنينة تسلل إلى صدرها، يُذكّرها أن هناك وطنًا صغيرًا اسمه "أمّ"، ما زال يحرسها من بعيد.

+


انكمشت بدر قليلًا على الأريكة العتيقة التي تفوح منها رائحة الخشب المعتق، تشد الغطاء فوق ركبتيها برعشة خفيفة. كانت عيناها لا تزالان تتجولان في المكان بنهم، وكأنها تريد التهام كل تفصيلة دفعة واحدة، لكن جسدها لم يسعفها. أغمضت عينيها للحظة، فانسابت كلمات أمها إلى ذهنها، كما تنساب خيوط الشمس الكسولة من شقوق النوافذ.

+


"يا بدر، امشي دايمًا بعينك قبل رجلك. البيت الكبير له ناسه، وله أسراره، وكل باب يتفتح ليه تمن."

+


لم تكن تنسى أبدًا نبرة أمها الحازمة، ولا نظرتها التي تحمل مزيجًا من الحب والخوف. كانت أمها تُكثر من ترديد تلك العبارات في طفولتها، تُلقِّنها إياها كما تُلقِّن الساحرات صغارهن التعاويذ الأولى.

+


"لو شكيتي في حاجة، ما تواجهيش فورًا. استني، شوفي، اسمعي، وبعدين قرري تتكلمي ولا تسكتي. اللسان أوقات بيوقع، لكن الصمت عمره ما خان صاحبه."

+


في عيني بدر، انعكست نظرات أمها كأنها مرآة. عرفت أنها كانت تحاول تحميها من شيء أكبر من مجرد هموم الطفولة. شيء له جذور في هذا البيت.

+


"إوعي تحبي المكان بسرعة، ولا تثقي في الوجوه الحلوة من أول نظرة. لأن كل وردة هنا، فيها شوكة مستخبية."

+


راحت بدر تسترجع تلك النصائح، وكلما تذكّرت واحدة، شعرت بقلبها ينقبض. كأن أمها كانت تعلم أن يومًا كهذا سيأتي، وأنها ستعود إلى بيت القبيلة، لا كطفلة ضائعة بل كامرأة تبحث عن الإجابات و تصنع معجزات كُتبت لها.

+


همست بدر وهي تفتح عينيها:
"أنا سامعة يا أمي... وهسمع أكتر. وهعرف كل حاجة، بس من غير ما أتكلم كتير. زي ما علمتيني."

+


وامتدت يدها دون وعي تمسح على السلسال الفضيّ الذي كانت أمها تهديه لها دائمًا كتعويذة للحماية. شعرت بدفء كفها القديم يعود إليها، وابتسامة صغيرة مائلة ظهرت على شفتيها. ابتسامة تُخفي خلفها عنادًا، وفضولًا، وشيئًا يشبه الانتقام... أو الحقيقة.
..................

+


كان صقر يتدرب مع يزيد في فناء القصر تحت ضوء القمر. الهواء كان ساكنًا، لا يُسمع فيه سوى صوت تصادم السيوف، ونبضات القلب المتسارعة. العرق يتصبب من جبين صقر، ونظراته مشتعلة كأنما يحمل شيئًا يثقل صدره.

+



        
          

                
تراجع يزيد خطوة للوراء، وهو يلهث قليلًا، ثم قال وهو يمسح جبينه:

+


"مالك متعصب ليه كده؟ هتكسر السيف من عصبيتك."

+


نظر إليه صقر نظرة حادة، ثم أعاد سيفه إلى وضع الاستعداد، كمن لم يفرغ طاقته بعد. صوته كان أجشًّا وهو يرد:

+


"لأ... عندي طاقة وعايز أخرجها."

+


قطب يزيد حاجبيه، ثم ألقى بالسيف الحديدي أرضًا، وقال بنبرة مرحة ولكنها تحمل شيئًا من الجدية:

+


"طب ما تجري بدل ما نتبارز بالسيف كل شوية؟ مش لازم كل مرة تطلع طاقتك تبقى ضرب بالسيوف."

+


ابتسم صقر بسخرية خفيفة، ثم نظر إلى السيف في يده، وقلبه بين أصابعه قبل أن يقول بصوت منخفض:

+


"أنا بحب السيف... لأنه زَيّي.
حاد، صريح، وما يعرفش غير المواجهة."

1


ساد صمت للحظة، قبل أن يقترب يزيد ويضع يده على كتف صقر، قائلاً بابتسامة خفيفة:

+


"بس حتى السيف محتاج غمد يحميه... ما تفضلش مولع على طول كده، هتتعب."

+


نظر إليه صقر مطولاً، ثم هزّ رأسه كأنه يفكر في شيء عميق، لكن لم يقل شيئًا. فقط أعاد سيفه إلى جرابه، ونظر إلى السماء.

+


في فناء القصر، بعد أن هدأ صليل السيوف وسكن الليل حولهما، جلس صقر وقد بدأ التعب يظهر على ملامحه، لكن عينيه ما زالتا مشتعلتين بشيء لم يُطفأ بعد. وقف يزيد إلى جواره للحظة، يراقب صديقه بصمت، ثم قال بنبرة دافئة:

+


"بتفكر في إيه؟"

+


رفع صقر نظره نحوه للحظة، ثم أعاد عينيه إلى الأرض وهمس:

+


"مفيش."

+


لم يُصرّ يزيد. فقط تنهد وهو يعرف أن صديقه ليس من النوع الذي يبوح بسهولة، وقبل أن يقول شيئًا آخر، دخل جمال، والد صقر، إلى الفناء بخطوات واثقة وصارمة. ما إن رآه يزيد حتى أحنى رأسه احترامًا، ثم انسحب بصمت، تاركًا الأب وابنه وحدهما تحت ضوء القمر.

+


وقف جمال أمام ابنه صامتًا للحظة، يراقب كتفيه المشدودتين ونظره الثابت في الأرض. لم يرفع صقر عينيه نحوه، لم يتحرك حتى.

+


"لسّه زعلان مني؟ المفروض أنا اللي أزعل منك."
قالها جمال بصوتٍ لم يخلُ من العتاب، لكن لم يجد أي رد. كان الصمت بينهما أثقل من كل الكلمات.

+


تنهد جمال، ثم أكمل بصوته الجهوري المعتاد:

+


"شيخ القبايل بعت علشان نحضر مجلس، والمسابقات... المرة اللي فاتت رفعت راسي وكسرت أنف ابن الحمدانية، المرة دي كمان... أعمل كده."

+


لم يتغير شيء في وجه صقر، فقط رد بهدوء:

+


"حاضر يا أبوي."

+


اقترب جمال قليلًا، وملامحه بدأت تلين، ونبرة صوته تغيرت، صار فيها صدق غريب، ربما نادرًا ما سمعه صقر منه:

+



        
          

                
"كنت عايز أقولك حاجة أخيرة...
أنا لما قلت لفيروزة يا تربي ابنك يا تمشي، أنا مكنتش بقسى عليها، أو ناوي أحرمك منها، لأ...
بس كان عندي أمل إنها تبقى عشانك على الأقل، مش عشاني.
لكن لازم تعرف، إن عمري ما أسيب ولادي، أبدًا، مهما حصل.
هما يتربوا قصاد عيني... وده ليك أو لإخوانك."

+


رفع صقر عينيه أخيرًا، ونظر في وجه والده، كانت الملامح ثابتة كالجبل، لكن خلفها شيء متصدع، مكسور.
لم يتكلم، لكنه بدا كأنه يسمع لأول مرة صوتًا لم يكن يعتقد أنه سيخرج من أبيه أبدًا.

+


وبرغم الجليد الذي لا يزال قائمًا بينهما، كانت تلك الكلمات... شرخًا أول في جداره.

+


ابتسم جمال ابتسامة خفيفة، تكسرت بها صلابته قليلاً وقال:
"عارف يا صقر، الدنيا مش دايمًا بتدينا اللي بنتمناه، بس أنا عايزك تعرف إن مهما حصل، قلبي معاك. حتى لو ما بينا كلام كتير ، و حتى لو بقيت قاسي عليك ، بكره لما تكبر هتعرف ليه كنت بعمل كده."

+


تنهد صقر بعمق، وأمسك بيد والده، وكأنها لحظة صدق نادرة بينهما، ثم قال بصوت خافت لكنه حاسم:
"أنا عايزك تبقى فخور بيا... مش عشان أنا ابنك، لكن عشان أنا استحق. عايزك تحس بيا."

+


نظر جمال له بعينين دامعتين، وقال:
"أنا فخور بيك، يا بني. فخور بالقوة اللي جواك وبالصبر اللي عندك. وأتمنى يوم تشوف اللي نفسك فيه وتحس بالسلام ، و تحقق حلمي ،و حلم جدك تخلي الارضين أرض واحدة."

+


وقفا معًا في صمتٍ ثقيل، يملؤه أكثر من كلمات يمكن أن تُقال. كانت بداية جسر بين قلبين، رغم كل الألم والاختلاف.

+


في ركنٍ معزولٍ من ساحة القصر، حيث الظلام يُخفي ما لا يجب أن يُرى، جلست رشيدة في صمتٍ مشوبٍ بالغليان، جسدها مشدود، وشفتيها ملتويتان بانقباضٍ حاد، بينما عيناها تتابعان صقر وهو يتحدث مع والده جمال. كان حديثهما من بعيد يبدو عادياً، لكن رشيدة كانت ترى فيه شيئًا آخر… خطرًا قادمًا يهدد كل ما اعتقدت أنه أصبح ملكًا لها.

+


شردت بعقلها، وتحدثت في نفسها، بصوتٍ داخليٍ يقطر سُمًا:

+


"ماشي يا صقر… لأكون لك الشوكة في زورك… مش كفاية أمك غارت في داهية، إنت كمان هتبقى هنا؟! لازم أشوف طريقة أغورك بيها من هنا، بعيد عن وِشي ووِش جمال… يمكن يبص لعيالي… يمكن يديهم حبة اهتمام…"

+


ارتعشت زاوية من فمها بابتسامة خبيثة، لا تحمل إلا الحقد، وواصلت:

+


"بُكرة مش بعيد… وأكيد هتيجي الفرصة، زي ما جت قبل كده وكرهت أمك في عيشتها مع جمال… أومال؟! أسيب كل ده يروح لغجرية؟! وأنا بنت الحسب والنسب اترمي و اتساب؟!"

1


ضمت يديها على حجرها بقوة حتى ابيضّت أناملها، ثم تمتمت بخفوتٍ أشبه بالوعد:

+


"اتساب لمصير مجهول… بس كسبت في الآخر… وبقيت زوجة جمال… وقريب، مش هسكت قبل ما يكون ابني أنا هو قائد القبيلة. ولو مبقاش؟ تبقى مش هتكون في قبيلة من الأساس ، ترجع للحمدانية أو تتنسف من الأساس مايهمنيش."

+



        
          

                
نظرتها لصقر كانت مليئة بالنار، نارٍ قديمة لم تخمد، وغيظٍ متراكم من سنين، وقالت في سرّها:

+


"آه، أومال؟! أسيب ابن فيروزة ياخد كل حاجة مني ومن عيالي؟! قلبك ضعيف زي قلب أمك ، كانت الحنية و الإحساس سبب خسارتها."

+


وارتسم على وجهها تعبيرٌ قاتم، بارد، وكأنها قررت أن تزرع الريح في قلب القبيلة لتحصد العاصفة… عاصفة لن ينجو منها أحد.

+


............
كانت فاطمة تجلس على حافة الأريكة، يديها مشتبكتين في حضنها، وعيناها تترقبان الباب وكأنها تنتظر أن يُفتح في أية لحظة. كانت دقات قلبها أسرع من الزمن، وعقلها لا يكف عن رسم سيناريوهات لا تهدأ. القلق يعلو ملامح وجهها، وتجاعيد جبهتها تنبئ عن سيل من الأفكار المتزاحمة. وقفت فجأة تجوب الغرفة ذهابًا و إيابًا.

+


اقتربت منها حسناء، بخطوات هادئة، وجلست إلى جوارها محاولة بث بعض الطمأنينة في صدرها المضطرب. كانت ملامح حسناء تحمل دفئًا وهدوءً، وعلى وجهها نصف ابتسامة تشبه نَفَس العطر الخفيف في جو خانق.

+


قالت حسناء بنبرة هادئة حانية، وهي تمسك بيد فاطمة برفق:
"يا ست فاطمة اقعدي و اهدي."

+


نظرت فاطمة إليها بعينين دامعتين، فيها رجاء وحيرة، ثم تمتمت بصوت خافت، متقطع من فرط القلق:
"تفتكري وصلوا ولا لسه؟"

1


هزّت حسناء رأسها بأسى، وعيناها تلمعان بالقلق ذاته وإن أخفتهما:
"مش عارفة والله يا ستي، بس لازم تنامي و تهدي كده."

+


زفرت فاطمة زفرة طويلة، كأنها تحمل كل ما في قلبها من هموم، ثم قالت بنبرة تخنقها العبرة، وعيناها تهربان نحو الجدار كأنها ترى فيه طيف ابنتها:
"أنام ازاي وبنتي أول مرة تبات بعيد عن حضني؟ دي أول مرة أبعد عنها. ربنا يوفقك يا بنتي."

1


سكتت لحظة، ثم مسحت دمعة سالت بلا استئذان، وابتسامة خفيفة، حزينة، مرّت على شفتَيها وهي تنظر إلى الغرفة المجاورة، حيث ينام أمان، وقالت:
"الحمد لله إن أمان جنبي، وهيعوضني عن غيابها. طالما بدر مش هنا، خلاص، محدش هيدق بابي. وكده أمان يقدر يعيش في البيت من غير ما أخاف حد يشوفه."

+


غمر الصمت الغرفة بعدها، لكن السرد الذي كتبته فاطمة بعينيها ووجهها كان أبلغ من ألف كلمة…

+


في هدوء الليل، وبين نسماتٍ خفيفة تداعب أطراف النخيل خلف البيت، خرجت فاطمة من غرفتها تحمل بين يديها طبقًا صغيرًا من الفاكهة، وعيناها تشعّان بحنان لا ينضب. مشت بخطى هادئة نحو الغرفة البعيدة بجانب المنزل، تلك الغرفة التي اختارتها لأمان منذ سنوات، ينام فيها وحده كل ليلة، بعيدًا عن الأعين... قريبًا من قلب أمه.

+


وقفت أمام الباب الخشبي القديم، وطرقت عليه برفق كأنها لا تريد أن تُزعجه من عالمه الخاص. ما لبث أن فُتح الباب، وظهر أمان بوجهه الهادئ، وتلك النظرة التي لا تخلو من الحب والخجل معًا.

1



        
          

                
قالت فاطمة بابتسامةٍ دافئة، وعينٌ تلمع من فرط الشوق:
"جيبتلك شوية فاكهة يا نن عين أمك."

+


ابتسم لها أمان ابتسامة خفيفة، صادقة، ومال على يدها يقبّلها في صمت... صمتٌ مليء بالامتنان، يعجز عن ترجمته أي كلام.

+


دخلت الغرفة بخطوات خفيفة، وجلست إلى جواره، ثم نظرت إليه بعينين مملوءتين بالرجاء وقالت:
"خلاص، تيجي تعيش معايا، محدش هيزعجنا تاني."

+


تناول أمان بعض الأوراق، كما اعتاد، وكتب بخطٍ رقيق لكنه حاسم:
"لأ، أنا حابب أقعد هنا لوحدي. وقت ما أحب أشوفك هجيلك... أو زي ما احنا."

+


هزّت فاطمة رأسها ببطء، تنظر إليه بحزن خافت، فقد اعتادت طوال السنين أن تجلب له الطعام بنفسها، وتطمئن عليه دون أن تطلب مقابلًا.

+


قالت بصوت متهدج من الحزن:
"ليه يا أمان؟"

+


كتب أمان مجددًا:
"أخاف حد يشوفني ويسأل ده مين... خلينا زي ما احنا."

+


تنهدت فاطمة، ثم قالت برقة:
"ماشي يا أمان... زي ما تحب. أنا نفسي أساعدك وأفرحك بأي حاجة تحبها... إنت عندي زي بدر."

+


رفع أمان رأسه إليها، وكتب بسرعة وهو يبتسم ابتسامة خفيفة يملؤها الإخلاص:
"أنا فرحان طالما شايفك... مش عايز أي حاجة تانية."

+


مدّت فاطمة يدها تمسك بكفه برفق، وقالت:
"نفسك في إيه؟... أنا معايا فلوس سالم... أربعين ألف دهبه، كل دهبه خمسين جرام، ده كتير أوي. وإنت تاخد منهم زيك زي بدر، بس... تحميها وتخاف عليها."

+


كتب أمان بنظرة ثابتة:
"مش محتاج فلوس علشان أحمي بدر... كفاية إنك اهتميتي بيا وكبرتيني في حنانك، وكنتي خير الناس ليا... عمرك ما استخسرتي فيا حاجة."

+


ردّت فاطمة بعناد الأم الحنون:
"لأ، لازم تاخد نصيبك."

+


أمان كتب وهو يدفع الورقة نحوها بحزمٍ رقيق:
"سبيهم معاكي."

+


تنهّدت فاطمة، تمسح دمعًا بدأ يلمع في عينيها وقالت بشوق الأمومة:
"نفسي أعمل أي حاجة عشانك."

+


نظر إليها أمان، وكتب:
"أنا عارف... عشان مش بتكلم بصعب عليكي، لكن أنا مش محتاج حاجة."
ثم أشار إلى ذراعه القوي، وقد ظهر عليه أثر التدريب والصبر، وكتب:
"أنا جندي قوي وشجاع... وأقدر أكون الدرع الحامي لبدر، حتى لو مش بتكلم."

+


ضحكت فاطمة والدموع تبلل وجنتيها، ضحكة حزينة وسعيدة في آنٍ واحد، ثم ضمّته إلى صدرها وقالت:
"حبيبي يا أمان، يا كل الهنا والسعد... يعلم الله وجودك دايمًا بيطمني، وراحتك دايمًا تسعدني، وحضنك دايمًا يزيل من قلبي كل الهموم."

+


في تلك اللحظة، لم تكن الكلمات وحدها من تحدثت... بل العيون، والقلوب، والذاكرة التي جمعت بين أم وولدها في صمتٍ أثمن من كل الضجيج.

+



        
          

                
...........

+


كانت هنادي جالسة، وبجوارها خادمتها سكينة، في خيمة واسعة مفروشة ببساط مزركش. رفعت هنادي نظرها نحو الأفق وقالت بصوتٍ يحمل قلقًا خفيًا:

+


"وبعدين يا سكينة؟ بدر طلع برا القبيلة."

+


رفعت سكينة رأسها بتعجب، حاجباها انعقدا قليلاً قبل أن ترد بنبرة هادئة:

+


"وإيه فيها؟"

+


تنهدت هنادي بعمق، ورمقت خادمتها بنظرة قلقة، شفتيها ترتعشان وكأنها توشك على البكاء لكنها تعاند دمعتها:

+


"أخاف يعجبه بنت كده ولا كده، وأضيع أنا وبناتي."

+


بدت سكينة وكأنها تستشعر ما وراء الكلمات، لكنها حاولت التخفيف عنها فقالت بنبرة مطمئنة:

+


"لازم يتجوز من القبيلة، وبعدين فاطمة مش هتقبل بحاجة زي كده."

+


تحول وجه هنادي إلى قناع من السخرية، وابتسمت بسخرية مرة وهي تهمهم بغيظ:

+


"ليه العلام يعني؟ ما كل القادة ما اتعلموش، وكانوا ناس أقوياء."

+


ردت سكينة بهدوء، وهي تنظر إلى الأرض وكأنها تخشى أن تزيد من قلق سيدتها:

+


"بس سيدي سالم كان متعلم."

+


انفجرت هنادي بردٍ لاذع، وملامحها تشدّدت كأنها تحاول التمسك بقناعة تهرب منها:

+


"ده اتعلم وهو كبير، وفاطمة اتعلمت زيه، تقرأ وتكتب... كلام فاضي كله."
ثم أشاحت بيدها، كأنها تطرد شيئًا لا يُرى:
"الأرض عايزة نفس حرة وقوة، مش علام وتضييع وقت!"

+


قالت هنادي وهي تقلب مسبحتها ببطء، كأن كل خرزة تحمل همًا جديدًا:
" لازم نحاول نضمن بدر حتى في غربته لازم قلبه يكون معانا هنا "

+


ساد الصمت لحظة، إلا من صوت الريح وهي تعبث بأطراف الستائر المعلقة، كأنها تشهد على حديث قد يغيّر مصائر،و خطة على وشك أن تولد.

+


...........

+


في صباح اليوم التالي، وعند تمام العاشرة صباحًا، تجمعت قادات القبائل في ساحة المجلس الكبير. كل شيخ قدِم ومعه وريثه، يتفاخر به أمام الباقين، يتبادلون النظرات والتقييمات بصمت خفي، إلا قبيلة "الحمدانية".

1


دخل الشيخ ناجي بمفرده، يسير بثقة كعادته، دون أن يلتفت لتساؤلات العيون.

+


اقترب منه شيخ "الرمادية" وقال باستغراب:
"وين بدر يا شيخ ناجي؟ دايمًا أول الحاضرين."

+


رد ناجي ببرود وهو يضبط عباءته:
"بدر مش هنا... سافر يتعلّم برا القبيلة."

+


سرت همهمة خفيفة بين الحاضرين، تبادلوا النظرات المستغربة.

+


قال شيخ "الشرارة" وهو يرفع حاجبه:
"سافر؟ وسايب المجلس؟ دا يوم مهم! ده يوم توريث الجيل الجاي."

+



        
          

                
رد ناجي وهو يبتسم نصف ابتسامة:
"هو اختار طريقه، وأنا ما بوقف بوش اختياراته. التعليم برا القبيلة ما يقلل من شأنه، بل يرفع قدره زي سالم أخوي."

+


تدخلت شيخ "السهول":
"بس يا شيخ ناجي، العُرف بيقول إن الوريث لازم يكون حاضر في يوم زي ده."

+


ضحك ناجي ضحكة خفيفة وقال:
"العرف مش قرآن. وبدر مش محتاج يثبت نفسه في حضور أو غياب. اسمه وفعله يكفّوه."

+


همس أحد الشيوخ لرفيقه:
"هو يخبّي حاجة؟ ولا بدر طلع من طوعه؟"

+


لكن ناجي سمع الهمسة وقال بثبات:
"اللي عنده سؤال، يسأله قدامي مش ورا ضهري."

+


ساد الصمت للحظة، قبل أن يغيّر أحد الشيوخ الموضوع قائلًا:
"المهم، نبدأ الاجتماع. كلنا هنا علشان نسمّي الجيل الجديد ونبني خطوتنا الجاية."

+


لكن رغم ذلك، بقي غياب بدر علامة استفهام عالقة في الأذهان.

+


تابع صقر الحديث مع والده جمال في صمت ثقيل، لم يُبَدِ أي منهما تعليقًا عن غياب بدر، لكن في أعينهما وتحت ثنايا صمتهما كان ينبعث توقع مشترك بخطر محكم يلوح في الأفق، يخيم على قبيلتهما كغيمة سوداء لا تهدأ.

+


بعد انتهاء المجلس وحان وقت المسابقة، لم يشارك صقر، فهو يشارك فقط من أجل هزيمة بدر. ركب صقر حصانه بوجه متجهّم.

+


قال له جمال بتساؤل: 

+


"رايح فين يا صقر؟"

+


أجابه صقر بنبرة باردة: 

+


"ماشي،مش هشارك في المسابقة ، أحب أوفر طاقتي وتدريبي لإبن الحمدانية، بس غير كده مش مهم."

+


............
استيقظت بدر على وقع خطوات غير مألوفة داخل منزلها، فرفعت رأسها لتجد رجلاً غريبًا يقف في وسط الغرفة. كان ذلك المعلم فرنسيس، المرسل من السفارة لتعليمها اللغة الإيطالية، لكي تتمكن من متابعة دراستها بسهولة.

+


نظر عبد ربه إلى فرنسيس بتساؤل وقال:
"تحتاج قد إيه لحد ما تتقن اللغة الإيطالية؟"

1


رد فرنسيس، يتحدث العربية الفصحى مع فهم بسيط للعامية:
"تحتاج عامين من التدريس والتمكن الجيد جدًا."

+


أبدى عبد ربه قلقه:
"بس ده وقت كتير."

+


ابتسم فرنسيس بثقة وقال: 
"لا، ليست مدة طويلة، بل هي الفترة المناسبة لتتقن اللغة تمامًا ولن تحتاج بعد ذلك إلى معلم آخر."

+


هز عبد ربه رأسه موافقًا:
"ماشي يلا إبدأ معاها."

+


بدأت بدر يومها الأول مع فرنسيس في غرفة مضاءة بنور الصباح الدافئ، حيث جلسا وجهاً لوجه على طاولة صغيرة، يملؤها حماسها وشغفها للتعلم. كان فرنسيس رجلًا هادئًا وصبورًا، ينطق الكلمات بوضوح، ويشرح قواعد اللغة الإيطالية بعناية ودقة.

+



        
          

                
كانت عينا بدر تلمعان بالتركيز، ووجهها يعكس مزيجًا من الإصرار والفضول، فهي تعلم جيدًا أن هذه اللغة هي جسرها إلى مستقبل جديد وأمل كبير.

+


مع كل درس، كانت تتقدم خطوة نحو إتقان النطق، وتحليل الجمل، وفهم المعاني الدقيقة، بينما كان فرنسيس يشجعها بابتسامة هادئة، ويرد على أسئلتها بصبر واهتمام.

+


مرت الأيام، وبدر تغوص أكثر في عالم الكلمات، حتى بدأت تشعر بثقة تتسلل إلى قلبها، وأصبحت تتحدث ببعض العبارات الصغيرة، ثم تتابع تعلم القواعد والمفردات بشغف لا ينضب.

+


كان الوقت طويلاً، لكنه مفعم بالأمل، وبهذا التفاني بدأت بدر تبني جسرها الخاص بين عالمها القديم وبين المستقبل الذي حلمت به.

+


............

+


بعد مرور عامين لم تكن بدر فقط من تتقدم و تتعلم لغة جديدة تماما، كان التغيير أيضا واضحًا على صقر. فقد أتقن القراءة والكتابة بجدارة، وتفوق في دراسته لدرجة أنه أنهى عدة صفوف خلال تلك الفترة، فقط ليتمكن من مزاحمة بدر والدراسة معه في نفس الفصل، رغم أنه يكبره بست سنوات.
استمر في متابعة تدريباته اليومية كما هي، دون أن يُخلّ بأي منها، وظل محافظًا على نظام صارم وضعه له والده.

+


وكان يزيد يراقبه بصمت، مستغربًا من هذا التبدل الغريب، ومن خضوع صقر الكامل لرغبة والده دون تذمر أو اعتراض كما اعتاد منه دائمًا.
لكن صقر لم يكن كما كان، شيءٌ ما قد تغير فيه... شيءٌ كبير.

+


في ذلك المساء، جلس جمال في خيمته الكبيرة، والنار تتراقص أمامه، لكنها لم تكن أشد اشتعالًا من نار الحيرة التي تأكله من الداخل. كان يعلم أن بدر قد اختفى، سافر، ابتعد، لكن إلى أين؟
هذا السؤال وحده كان كفيلًا بأن يسلبه النوم. لم يُخبره أحد. فاطمة صامتة، وحسناء كأنها لا ترى ولا تسمع.
لكنه لم يكن شيخ القبيلة عبثًا، وكان يعلم أن المال يفتح أبوابًا لا تُفتح بغيره.

+


دفع الكثير  ذهبًا لا يُعد  لأحد المراسيل الموثوق بهم، أو هكذا ظنوه. ثم أمر رجاله بخطفه، لا رحمة في عينيه ولا صبر في قلبه.

+


في الخيمة، جثا المرسال على ركبتيه، والعرق يتصبب من جبينه، بينما يقف جمال أمامه، كجبل لا يُهتز، وصوته يجلجل:

+


"هتقول بدر فين... ولا تموت ومحدش يعرف عنك حاجة؟
اختار: تاخد مبلغ كبير يعيشك ملك، ولا تموت عشان حد تاني؟"

+


ابتلع المرسال ريقه، نظر حوله كأنما يبحث عن مخرج لن يجده، ثم قال بصوت مرتجف وقد خان الأمانة:
"أنا... أنا معرفش المكان بالظبط... بس التحويل بيروح لتلت أماكن... الأول للمحافظة، بعدين العاصمة، وبعدها... روما."

+


قال الكلمة الأخيرة كأنها سحر أسود، فانكمشت عينا جمال بدهشة حادة، ثم التفت إلى علاء، الذي كان يقف بجانبه صامتًا منذ البداية:
"إيه روما دي يا علاء؟"

+



        
          

                
ضحك علاء، ضحكة قصيرة لا تخلو من استغراب:
"دي عاصمة إيطاليا."

+


زادت حيرة جمال، فرفع حاجبيه قائلاً ببطء:
"يعني فين في مصر؟"

+


هنا زاد اتساع ضحكة علاء، وقال محاولًا التوضيح بهدوء:
"لأ، دي برا البلد خالص... دولة تانية. السفر ليها مش سهل، محتاج أوراق كتير... وجواز... وهناك ما بيتكلموش عربي أصلًا."

+


سكنت الخيمة للحظة، وظهر على وجه جمال مزيج من الدهشة والامتعاض. كانت روما تبدو له ككوكب آخر.
ثم انطفأت عينيه قليلًا، لكن صوته خرج ثابتًا، وملامحه استعادت قسوته المعهودة.

+


"يعني مش بعيد... هشوف إزاي أبعته وراه."

+


كان الغضب يشتعل خلف نظرته الصلبة. لم يكن جمال يهوى الخسارة، ولا يقبل أن يكون بدر في مكان لا يصل إليه صقر.
ولا حتى لو كان هذا المكان "روما".

+


ضرب جمال كفه على الوسادة وهو يقول بصوتٍ جهوري، وقد تدفقت الكلمات من فمه بثبات لا يقبل الجدل:
"جهز صقر للسفر إلى روما دي."

3


رفع علاء حاجبيه قليلًا، ثم قال بنبرة عقلانية خافتة، كمن يحاول أن يمشي على خيط رفيع بين الطاعة والنصيحة:
"بس لازم يتقن اللغة... ولا ازاي هيتعامل هناك؟
لازم يتكلم بلغتهم عشان يعرف يمشي في دراستهم."

+


لوّح جمال بيده في الهواء، كأنما يبعد عن نفسه أي تفصيل قد يبطئ خطته، ثم قال بعينين تلمعان بعزيمة جامحة:
"ماشي، اعمل كل اللي تقدر عليه، والفلوس آخر همي... أهم حاجة إن ابن الحمدانية ما يكونش سابق ابني في أي حاجة!"

+


تحرك علاء في مكانه قليلاً، ثم قال في محاولة لتخفيف الحدة:
"صقر كويس، وقدر يوصل لمستوى كويس."

+


لكن جمال، وقد تغضن جبينه واشتد صوته كزئير في الخلاء، قال بحزم لا يقبل المهادنة:
"مش كفاية... مش كفاية!
لازم أكتر من كده...
أنا عايزه يحاصر ابن الحمدانية في كل حاجة... وفي كل حتة!"

+


تردد علاء لحظة، ثم اقترب بخطوة للأمام، وصوته ينخفض قليلاً، كأنه يهمس بسر خطير:
"نصيحة مني يا جمال، واعمِل بيها...
خلي صقر يتعلم هنا، وأنا هوفر له مدرسين أحسن من هناك بكتير...
واخفي خطتك إن صقر يروح روما.
خلي الأمر يبدو طبيعي، وكأنك مش فارق معاك بدر فين ولا بيعمل إيه...
علشان ما يعملش حسابه... ولا يفكر في إزاي يهرب."

1


ظل جمال يحدّق فيه للحظات، عينيه تضيقان وكأنهما تزن الكلام، ثم تنهد ببطء ومسح لحيته بعصبية خفيفة.
انفرجت شفتاه أخيرًا، وقال بصوت أكثر هدوءًا لكنه لا يزال يحمل الصرامة ذاتها:
"عندك حق يا علاء... وده عين العقل."

+


عاد الصمت بينهما، لكنّه كان صمتًا مشحونًا، يحمل خلفه نارًا تستعر، وخطة بدأت تتضح ملامحها، في قلوب لا تعرف النسيان... ولا الغفران.

+


...........

+


كانت دليلة قد عادت إلى السهل الغربي لتتابع شؤون الزراعة كما اعتادت، لكن ما رأته كان كارثيًا بكل المقاييس. الأرض التي طالما عرفتها خصبة ومزدهرة بدت وكأنها تحتضر ببطء. النباتات تذبل قبل أن تُزهر، التربة مريضة، تنبعث منها روائح غريبة، وحتى الحيوانات التي كانت ترعى بالقرب بدأت تنفر منها.

+



        
          

                
الأغرب من كل ذلك أن هذه الظاهرة لم تمتد إلى أي من الأراضي المجاورة. وحدها أرض الحمدانية كانت تعاني، وكأن لعنة قد حلت بها. حاولت دليلة أن تجد تفسيرًا علميًا، استدعت مهندسًا زراعيًا، وأخذت عينات من التربة للتحليل، لكنها لم تصل إلى شيء.

+


وفي أحد الأيام، وبينما كانت تسير بين الصفوف اليابسة من الذرة، لاحظت شيئًا يلمع تحت إحدى الأشجار الجافة. انحنت والتقطته… ورقة ممزقة، كتب عليها بخط قديم أشبه بالرموز:

+


"الارض هتموت و تنتهي زي ما كل الحمدانية هيموتوا ، و ينتهوا ، و كل الخلق هتتفرج على نهايتكم."

+


شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ورفعت نظرها إلى الأفق الملبد بالغبار، ولم تكن تعلم أن ما رأته ليس سوى البداية…

+


...............
تم إعداد صقر بعناية فائقة، ليس بدافع الشغف بالعلم، بل بدافع التحدي والرغبة الجامحة في منافسة بدر، خصمه الوحيد في نظره. أتقن اللغة الإنجليزية والإيطالية، وانغمس في دروسه كما لو كانت ساحات معارك، يحصد فيها درجاته كما يحصد انتصاراته. اجتهد حتى أنهى دراسة الصف الثالث الثانوي، وحقق مجموعًا مرتفعًا يُحسب له. ومع ذلك، لم يحدد بعد المجال الذي سيدخله في الجامعة، فقد كان ينتظر خطوة بدر، ليلتحق هو بالمجال ذاته، أو ليتفوق عليه فيه، كما اعتاد أن يفعل.

+


في الوقت ذاته، كان جمال قد حرك خيوط خطته حتى أوصلته إلى أطراف مدينة روما، حيث يقيم بدر. لكنه لم يرَ أحدًا. لم يكن هناك أي أثر لصبي يحمل هذا الاسم، بل كل الوثائق تشير إلى أن من يقيم في ذلك المنزل فتاة. ومع ذلك، كانت التحركات شديدة الحذر، مدروسة لدرجة يستحيل معها اختراق هذا الغموض.

+


المنزل الذي يقال إن بدر تقيم فيه، تحيطه أسوار عالية لا تكشف شيئًا، ولا يُسمح لأي غريب بدخوله. سيارة سوداء مظللة الأبواب والنوافذ، تنقل الفتاة من الباب الرئيسي إلى الداخل، دون أن يتمكن أحد من التحقق من هويتها. كل شيء كان مغلقًا بإحكام.

+


أما المدرسة، فقد كانت من المؤسسات شديدة الصرامة، لا يمكن اختراقها، ولا يُسمح لأحد بدخولها دون أوراق رسمية وتفتيش دقيق. حتى المال – الذي كان جمال دومًا يعتبره مفتاحًا لكل الأبواب – لم يُفلح في فتح هذه البوابة.

+


لكن ورقة اللعب الوحيدة المتبقية كانت وجود عبد ربه. هو وحده الذي كان قريبًا بدرجة كافية ليؤكد أن بدر ما زالت هناك، خلف تلك الجدران، وفي هذا المكان بالضبط. ومع ذلك، لم يرها أحد بعينيه... بل كان حضورها أشبه بأسطورة، يُرى ولا يُمسك، يُعرف ولا يُكشف.

+


كانت بدر تعيش كفتاة تتمتع بأنوثتها دون أن يساورها الخوف من أن يكتشف أحد سرها. كانت تتصرف على سجيتها، تضحك وتبكي وتغضب وتفرح كما تشاء، لم تكن تتصنّع أو تخشى نظرات الشك، فقد تمرّست في إخفاء حقيقتها حتى أصبحت تصدّقها.

+


كان حلمها كبيرًا كقلبها، تطمح لدراسة الهندسة المعمارية في واحدة من أعرق الجامعات في روما، وقدّمت أوراقها بكل حماسة. كانت تنتظر بفارغ الصبر إعلان الأسماء المقبولة، تتابع الموقع الإلكتروني كل صباح، تقرأ البريد أكثر من مرة يوميًا، وتتخيل نفسها وهي تسير في طرقات الجامعة العريقة، تحمل حقيبتها ودفاترها، وتتنقّل بين القاعات والمشاريع.

+


كانت ترى نفسها ترسم، تبني، وتُبدع… كأنها وُلدت لذلك. وكل ما كانت تحتاجه هو فرصة، وهي تؤمن أنها قريبة.

+


أشرقت شمس روما بوهج مختلف في ذلك الصباح، وكأنها تعلم أن شيئًا غير عادي على وشك الحدوث.

+


بدر ارتدت معطفها الطويل، وشدت وشاحها حول عنقها بإحكام، وقلبها يدق بوتيرة أسرع من المعتاد. فاليوم، هو اليوم المنتظر… يوم إعلان القبول في الجامعة. كانت قد راجعت الموقع الإلكتروني أكثر من عشر مرات، لكن دون جدوى. الإعلان هذا العام كان تقليديًا: قوائم ورقية مُعلّقة على مبنى الجامعة القديم.

+


وقفت أمام اللوحة الكبيرة، تتنقل بعينيها بين الأسماء المكتوبة بخط أنيق. أصابعها تتبع السطور بخفة، وكأنها تخشى أن تلمس خيبة الأمل. وفجأة… توقفت يدها، وتسمرت عيناها على سطر واحد:

+


بدر سالم الحمداني
اسمها… حلمها… أصبح حقيقة.

+


اتسعت عيناها، شهقت بخفوت، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تعرف مثيلها من قبل. كادت تهمس لنفسها: "أنا نجحت… أنا هنا رسميًا."

+


لكن اللحظة لم تكتمل.

+


خلفها، جاء الصوت باللهجة المصرية، واضحًا، ساخرًا، وفيه نغمة من الفضول الذي لا يُبشر بخير:

+


"صقر، اسمك موجود في القائمة… ناوي تعمل إيه؟"

+


تجمدت بدر، وكأن الدماء قد توقفت عن الجريان في عروقها. ذلك الصوت… تعرفه.

+


التفتت ببطء دون أن يلاحظها أحد، وبقلب يرتعد، فرأت من يقف خلفها.
يزيد، بوجهه المألوف، وابتسامته الجانبية، يقف إلى جانب من لا تخطئه العين.

2


صقر لم يتغير كثيرا فقد أصبح رجلا يافعًا.
كان يقف بثبات خلفها مباشرة، عاقد الحاجبين، نظراته حادة كالسهام، مركّزة تمامًا على القائمة المعلقة دون غيرها.

+


قالها بصوت منخفض لكنه كافٍ ليزلزل الأرض تحت قدميها:

+


"أول حاجة ناوي أعملها… إني أشوف بدر الحمداني."

2


كانت عينا بدر تلمعان من الذهول، وشفتاها ترتجفان، فيما جسدها تراجع خطوة دون أن تدري.
المواجهة التي لم تتخيلها يومًا… بدأت الآن.

+


دون ان تدري أو تشعر ، انزلقت على صقر الواقف خلفها مباشرة.
.

3



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close