رواية نفوس قاسية الفصل الثامن 8 بقلم مني احمد حافظ
الثامنة. ضربات متتالية.
-----------------------------
استيقظت سهر من نومها تشعر بالحزن يحتل قلبها ويغرقها فحاولت أن تهرب إليه مرة أخرى ولكنها لم تستطع كأن النوم يعاندها ككل شيء في حياتها، تركت غرفتها تبحث بعينيها عن والدها فلم تجده فعلمت أنه ما زال نائمًا فلم تقترب من غرفته حتى لا يغضب عليها، وأخذت تجول ببصرها في أنحاء المنزل لتتنهد وتبدأ بتنظيفه فكيف سيمر الوقت معها أن لم تشغل عقلها عن التفكير به، حين انتهت سهر من ترتيب الشقة تعجبت لتأخر والدها بالنوم كل هذا الوقت فطرقت باب غرفته لتُفاجأ بخلو الغرفة منه وأنه لم ينم في فراشه، عبست وتساءلت كيف غادر ولم تشعر به، واغلقت باب غرفته وقبل أن تلج إلى غرفتها اوقفها رنين جرس الباب فأسرعت تفتح ظننا منها أنه والدها، ولكنها وقفت تحدق بتلك التي تنظر إليها وتبتسم ابتسامه مبهمة فسألتها سهر بتهكم:
- حضرتك جاية هنا ليه إيه يا ترى في حاجة اتسرقت تاني وجاية تتهميني بيها.
خفضت هايدي بصرها وأجابتها بصوتٍ منكسر:
- لا أنا جاية اعتذر لك واخدك معايا الفندق علشان اعتذر لك أدام كل البنات.
اتسعت عينا سهر وسألتها بحيرة:
- جاية تعتذري ليا أنا.
تنهدت هايدي بحزن وأجابتها:
- ايوة يا سهر علشان لو أنتِ مجتيش آدم هيفسخ خطوبته معايا علشانك.
اجهشت هايدي بالبكاء وأستأنفت حديثها:
- يرضيكِ بعد خمس سنين خطوبة آدم يسيبني، للأسف هو مصمم أن لو معتذرتش أدام الكل فالفندق هيفسخ الخطوبة.
صفعتها هايدي بقولها فحدقت بها بصدمة وسألتها بصوتٍ مهتز:
- هو آدم خطيبك.
كفكفت هايدي دموعها وأردفت:
- ايوة أنا وآدم مخطوبين من قبل ما تحصل له الحادثة، واللي عرفت بعدها أنه كان يعرف بنات كتير وحتى بعد الحادثة كل يوم والتاني يدخل فعلاقة مع واحدة شكل، وأنا ساكته لإني بحبه وأمبارح بعد اللي حصل صمم أني أعتذر لك ورهن اعتذاري ليكِ باستمرار علاقتي بيه، فأرجوكِ يا سهر تعالي معايا الفندق وساعديني أنقذ خطوبتي أنا مقدرش أعيش من غير آدم وصدقيني لو سابني أنا ممكن انتحر.
توقف عقل سهر عن التفكير فكلمات هايدي حطمت قلبها وآمالها وبدت لها وكأنها تتحدث عن شخص مختلف عن آدم، فكيف له أن يخدعها ويوهمها حبه وهو يحب أخرى وعلى علاقة معها، زفرت سهر بحزن وحدقت بهايدي التي دفنت وجهها بين كفيها تبكي وازدادت شفقتها نحوها فأردفت بانكسار:
- حاضر يا آنسة هايدي أنا هاجي معاكِ اتفضلي ارتاحي على ما ألبس وننزل.
لم تدر كيف وصلت إلى الفندق بعقلها الشارد الغارق بأحزان قلبها وحبها المغدور، وانتشلها من حالتها البائسة صوت داليا تقول:
- كل حاجة جهزت زي ما حضرتك أمرتي تحبي اجمع البنات.
هزت هايدي رأسها بالنفي وأجابتها:
- مش دلوقتي يا داليا معلش أديني نص ساعة وهتصل أبلغك لإني دلوقتي هاخد سهر واعتذر لها أدام آدم الأول وبعدين ننزل كلنا.
ثم التفتت نحو سهر وقالت:
- يلا بينا يا سهر.
رافقتها سهر إلى الأعلى لا تدر كيف ستنظر في عينا آدم بعد كذبه عليها لتنتبه لصوت هايدي تقول:
- اتفضلي يا سهر أنا هدخل أبلغ آدم أنك هنا مش هغيب عليكِ.
جلست سهر تشعر بالارتباك وأرادت أن تغادر ولكن رجاء هايدي سبب لها الألم خاصة أنها شعرت بالذنب كونها إحدى الفتيات التي أوهمهم آدم بالحب، وبعد دقائق غادرت هايدي وهي تبتسم وتقول:
- آدم مش مصدق أنك جيتي حقيقي أنا بشكرك يا سهر أنتِ متعرفيش المعروف اللي هتعمليه معايا النهاردة دا هينقذني أزاي.
أجابتها سهر بحزن:
- دا واجبي يا آنسة هايدي.
اتسعت ابتسامة هايدي وقالت:
- طيب على ما يخرج آدم خلينا نشرب عصير سوا أنا وأنتِ.
-----------------------
مساءًا بمنزل صفية.. جلست صفية بجوار سهر تقرأ بمصحفها وعيناها تترقرق بالدموع، وحين وصل إليه صوت طرقات خافت أذنت للطارق بالدخول، فولج محمود وعلى وجهه أمارات الخوف والقلق، ليسألها وهو يقترب من الفراش:
- هي لسه نايمة يا أمي.
هزت صفية رأسها بالإيجاب وتحركت بهدوء لتغادر مصطحبه محمود برفقتها وأغلقت الباب بهدوء وقالت:
- أنا قلقانة عليها يابني دي ليها سبع ساعات نايمة طمني معلش هو الدكتور قال إن نومها دا طبيعي.
جلس محمود على معقد قريب من باب الغرفة وأجابها وهو يحاول السيطرة على حركة قدميه التي أهتزت بتوتر:
- الدكتور قال نسيبها تفوق لوحدها علشان الجرعة اللي وخداها كبيرة وهتاخد وقت على ما تفوق، والحمد لله أنها بخير يا أمي حقيقي أنا مش مصدق لحد دلوقتي اللي حصل.
فرت الدموع من عينا صفية وأردفت بغضب:
- منهم لله يا بني حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم على كانوا عاوزين يعملوه فالغلبانة دي، أنا مش عارفة هي الناس دي جابت الجبروت ده منين.
تنهد محمود وشرد عن والدته بما حدث سابقًا صباحًا، فهو كان كعادته يجلس بمكتبه يفكر جديا بتقديم استقالته لشعوره بالغيرة لوجود آدم أمامه فتوجه إلى مكتب عصام وسأله:
- فاضي شوية يا عصام.
وضع عصام الأوراق التي بين يديه فوق مكتبه وأجابه:
- وحتى لو مش فاضي هفضالك تعالى يا محمود مالك شكلك عامل كدا ليه.
تنهد محمود بضيق وأردف:
- أنا مخنوق أوي يا عصام وبفكر اسيب الشغل هنا بصراحة أنا مبقتش قادر أكمل.
اعتدل عصام وهتف مستنكرًا:
- لا طبعًا أزاي تفكر تسيب الشغل بعد المكانة اللي وصلت لها، حرام عليك يا اخي ولو على حصل فالكل عرف أن سهر بريئة.
ازداد تجهم وجهه وأجابه وعقله يفكر بأمر آدم:
- أنا عارف بس خايف حد يتكلم عليها أنت عارف الناس اللي شغالة هنا لو حد بس قال كلمة عليها ما هيصدقوا وهيخوضوا فسيرتها، تعرف الموضوع يبقى عادي أمته لما نعرف مين اللي حط لها الاسورة.
- أنا هقول لحضرتك.
التفت عصام ومحمود إلى باب المكتب وحدقا بوجه منال المحتقن فسألها عصام:
- أنتِ عارفة حاجة يا منال وساكتة.
تلفتت منال حولها بخوف وولجت ووقفت أمام محمود وقالت:
- داليا هددتني أني هلبس قضية زي سهر لو قلت أنها هي اللي حطت الاسورة فشنطة سهر، بصراحة أنا خوفت لأني محتاجة الشغل أوي بس بعد ما شوفت قد أيه كسرتها قولت ربنا هو اللي بيرزق فمقدرتش اسيب حد يظن فيها حاجة وحشة لأنها طيبة ومتستحقش اللي حصل.
ازداد غضب محمود وهم بمغادرة المكتب ليمنعه عصام بقوله:
- اقعد وأهدى وبعدين أنت مينفعش تعمل حاجة دلوقتي ولازم نفكر بالعقل.
ثم التفت إلى منال وقال:
- روحي يا منال ومتخافيش من حاجة.
انصرفت منال تشعر براحة ضميرها لترتطم بمازن الذي كان يسرع نحو مكتب محمود فنادته بقولها:
- - يا أستاذ مازن على فكرة الأستاذ محمود موجود فمكتب الأستاذ عصام لو عايزه.
أسرع مازن إلى مكتب عصام واقتحم المكتب وحدق بمحمود وقال باضطراب:
- محمود قوم تعالى معايا مافيش وقت.
وقف محمود ونظر لمازن بدهشة وقال:
- اقوم معاك على فين وبعدين أنت مين أصلًا.
أجابه عصام موضحاً:
- ده الأستاذ مازن ابن عم الأستاذ آدم.
عبس محمود وحدق به بضيق وقال:
- خير عاوزين تتهموا سهر بحاجة تانية.
تفاجىء محمود وعصام بمازن يجذب محمود من يده ويقول بصوت مهتز:
- لو مجتش معايا مش هتبقى سرقة هتبقى مصيبة أكبر.
احس محمود بقلبه يهوى بين قدميه وهو يجرى خلف مازن وولج معه المصعد ليتفاجأ بمازن يقتحم جناح آدم، فتجمد محمود بمكانه ورفض التقدم فالتفت مازن نحوه وأردف:
- متقفش يا محمود وتعالى معايا بس الأول أنا عايزك تمسك أعصابك ومتتهورش من اللي هتشوفه لإنه جريمة بتحصل فحق سهر وآدم، بس لازم تعرف أن آدم مظلوم هو وسهر.
كاد محمود أن يصرخ بوجه مازن ولكن مازن أسرع ووضع يده فوق فمه وقال:
- وطي صوتك علشان هايدي متخدش بالها.
تسلل مازن ومحمود حتى باب غرفة نوم آدم وفتح مازن الباب ببطء فوقع بصر محمود على مشهد كاد يصيبه بالشلل، فأمامه مالت هايدي صوب سهر تنزع ثيابها عنها فلم يتمالك أعصابه واقتحم الغرفة وهو يصيح بصوت جهوري غاضب:
- يا مجرمة يا حقيرة ابعدي ايديك عنها بدل ما اقطعهالك.
صرخت هايدي برعب لرؤيتها محمود يهجم عليها صافعًا إياها بقوة ودفعها بعيدًا عن سهر وجذب الدثار ووضعه فوق جسد سهر يحميه عن العين ليكشف عن جسد آدم النائم على الطرف الآخر فاعتدل وسب هايدي:
- مكنتش اتخيل إنك واطية للدرجة دي.
ترك سهر من يده وجذب هايدي من شعرها وصفعها مرة أخرى ليُفاجئه مازن بحقن هايدي بعنقها لتتهاوى أرضًا فاقدة الوعي فحدق به بدهشة وسأله:
- أنت بتعمل أيه يا مجنون.
أشاح مازن ببصره بعيدًا وهتف:
- غطي سهر الأول وبعدين هقولك.
أعاد محمود ملابس سهر كما كانت وحملها للخارج ومددها فوق الاريكة وعاد للداخل ليرى مازن يحمل هايدي ويضعها مكان سهر فسأله بريبة:
- أنت ناوي على ايه.
نظر له مازن بغموض وقال:
- هقلب الوضع ودلوقتي تعالى ساعدني نلبس آدم ونطلعه برا.
ساعد محمود ومازن آدم على الجلوس بمقعده ليراه يفيق من نومه فالتفت وحدق بوجه سهر فوجدها كما هي غافية فابتعد وسأل مازن بخوف:
- هي سهر مفقتش ليه زي آدم أنا عاوز افهم في ايه.
كان جواب مازن على محمود جذبه إلى الغرفة من جديد وشروعه بنزع ثيابه وقوله:
- طلع موبايلك وصورني مع هايدي.
ختم مازن قوله واقترب من هايدى فأشاح محمود بنظره عنهم واستدار مستنكرًا ما يحدث وقال:
- أنا مستحيل أعمل اللي بتقوله أنت مجنون دي مهما كان بنت أزاي عايزني اصورها معاك وأنتم بالشكل دا.
صرخ مازن بغضب فيه قائلًا:
- لعلمك هي مكنتش هترحم سهر كانت هتيجي وأنتم بتكتبوا الكتاب وترمي الصور اللي هتاخدها لسهر وأدم أدام الناس وتفضحها وتقول إنها على علاقة بخطيبها الـ....
صمت مازن حين صرخ به محمود بغضب يمنعه من إكمال حديثه هاتفًا:
- أنتم ايه مش بني ادمين أنا مش عارف أنتم بتفكروا أزاي، للدرجة دي سمعة البنات ملهاش قيمة عندكم.
أغمض مازن عيناه بأسف وأردف:
- أنا عارف أن الموضوع صعب بس أنا مقدرتش اسيبها تعمل كده هي البنت اللى خدرت آدم، بص يا محمود أنا لازم أكسر هايدي علشان متجيش جنب سهر تاني والصور اللي هنتصورها هي الوسيلة اللي هتحمي بيها خطيبتك من أي فضيحة خصوصًا لما تعرف أنها كانت ناوية تستغل أننا أقباط وأن سهر مسلمة وتشوه سمعتها وسمعتك.
جلس محمود وقد شعر بقدميه عاجزة عن حمله وكاد يبكي من التفكير الشيطاني الذي وصلت له هايدي للانتقام من سهر، والذي يجهل لما تريد بشدة تدمير سهر هكذا فوقف مرة أخرى وقال بكراهية:
- خلص وأنا هصوركم وربنا يعينك على التعبان اللي بين ايديك.
غادر محمود الغرفة ووقف يحدق بآدم الذي حرك مقعده ليواجه سهر النائمة والغافلة عما يحاك لها في الظلام، وحين شعر آدم بوجود محمود أبتعد معتذرًا:
- أنا مش عارف اعتذر لك على أيه ولا أيه، الحقيقة مازن لما قالي متخيلتش أن أقع بالفخ رغم حذري ومكنتش أعرف أن ليها مساعدة هتخدرني أنا كمان، عمومًا أنا اوعدك أني هجيب لسهر حقها من هايدي على كل اللي عملته.
أجابه محمود وهو يشعر بغيرة تنهش قلبه لأقترابه من حبيبته:
- أنا عاوز أفهم ليه كل دا وليه سهر بالذات وسهر أيه اللي جبها هنا من الأساس.
قص آدم ما يعرفه عن خطة هايدى وذهابها إلى منزلها والمجىء بها لغرفته وخداعها لسهر وتخديرها لها، فاخبره محمود عما علمه عن داليا ليقف حين ظهر مازن ليقول الأخير:
- أنا أسف يا آدم مكنتش أعرف حاجة عن داليا أنا افتكرت أن هايدي هي اللي هتخدرك، المشكلة دلوقتي أن سهر لو عرفت ممكن نفسيتها تتأذى فأنا شايف إن من الأحسن أنها متعرفش أي حاجة، ولو يسمح لي محمود أننا ناخد سهر واوصلهم للبيت وارجع لك تاني، بس توعدني أنك تفضل بعيد عن هايدي وعمومًا هي هتفضل نايمة لحد ما ارجع ووقتها نفكر هنعمل أيه.
أغمض آدم عيناه حينما حمل محمود سهر بين ذراعيه وهمهم بصوتٍ منكسر وهو يستدير بمقعده عنهم:
- مبروك جوازكم يا محمود وخلي بالك من سهر لأنها تستحق الأحسن وأكيد أنت الأحسن ليها.
-------------------
جلست سهر تضم جسدها بين يديها وهي تستمع لحديث محمود مع والدته وكتمت صوت بكائها بعدما علمت ما كانت تنويه هايدي لها، وشعرت بالخوف والذنب حين أوضح محمود حقيقة ديانة آدم، فأخذت تبكي وهي تستغفر الله على حبها المحرم لآدم، وبعد بعض الوقت ولج محمود ليطمئن عليها فأدرك مما رآه أنها علمت ما يخفيه عنها فجلس بجوارها وقال:
- احمدي ربنا أنه حفظك وسلمك، لإن لو هايدي عملت اللي كانت عوزاه مش عارف وقتها كان هيحصل أيه.
نظرت له سهر بحزن وقد تناست حبه لها وقالت بتيه:
- هو ليه بيحصل لي كل دا ليه يا محمود حياتي مش زي كل الناس، ليه مش من حقي أي حاجة ليه الإنسان اللي قلبي دق له طلع متحرم عليا، وليه هايدي عاوزة تأذيني كده وداليا أنا معملتش ليها حاجة علشان تساعدها، أنا تعبت من حياتي ونفسي أموت وأرتاح من عذابي دا.
اجهشت سهر في البكاء غافلة عن محمود الذي صدم باعترافها أمامه بحبها لآدمو حاول أن يتمالك غيرته ويهدأ من تصاعد غضبه ولكنه لم يستطع وسألها:
- أنتِ بتحبي آدم.
حدقت سهر به بصدمة لتدرك أنها أعترفت دون أن تدري وتنهدت بألم لإحساسها بأنها لا تستطيع إكمال خداعه فهي لن تستطيع منحه الحب الذي يريده، فنزعت دبلته من أصبعها ومدت يدها بها إليه، حدق بها محمود ليفاجئها بأعادتها إياها مرة أخرى قائلًا:
- هنسى اللي سمعته وهنسى إنك خلعتي دبلتي وهنسى إنك خرجتي مع هايدي من غير ما تتصلي تبلغيني، وهنسى أنك مش بتحبيني وهنسى كل حاجة وهبدأ معاكِ من جديد لأني عارف أنك صغيرة وأكيد آدم شغلك وأنتِ معندكيش أي خبرة فالدنيا، علشان تعرفي أن أنا بحبك وبعشقك ومقدر أنك صغيرة ودلوقتي يلا قومي أغسلي وشك وأنسي أي حاجة حصلت ولا أنتِ عاوزة هايدي تنتصر عليكِ وتضيع مننا اليوم.
صمت محمود للحظات وعيناه تجول فوق ملامحها الحزينة وأستأنف قوله متعمدًا:
- أنا كان ممكن اسيبك لحد إمبارح إنما بعد اللي حصل واللي عرفته مينفعش اسيبك، لأن لو سيبتك هايدي هتحاول تأذيكي، بصي يا سهر حبي ليكِ هيكفينا سوا وأنا مش عايز منك غير أنك تقبلي بوجودي فحياتك وصدقيني مع الأيام أنا هقدر اخليكِ تحبيني اتفقنا ولا أنتِ عايزة تزعلي الست الطيبة اللي برا اللي ماصدقت أن ابنها خلاص هيتجوز.
همست سهر وهي تكفكف دموعها:
- لا طبعا ميرضنيش اكسر خاطر خالتي صفية.
-------------------------
عاد مازن ليتفاجأ بإختفاء آدم فأسرع إلى غرفه نومه ليجد هايدي كما تركها فغادر الجناح وحاول الاتصال به ولكنه لم يجيب على اتصالاته، في حين جلس آدم داخل سيارته فوق جبل المقطم شارد الذهن يفكر فيما حدث والقى نظرة إلى اتصالات مازن به واهملها وطفرت عيناه بدمعة خانت تماسكه المزيف فمسحها وهو يهمس:
- لازم اكلمها ولو لمرة أخيرة واللي يحصل يحصل.
مد يده وأجرى اتصاله بها، بينما كانت سهر لا زالت جلس في غرفة صفية بعدما تركها محمود وحين اهتز هاتفها رجف قلبها وعلمت أن المتصل هو آدم فابتعد عن هاتفها بخوف لتزدرد لعابها حين أتاها أشعارًا برسالة، مدت يدها المرتعشة والتقطت هاتفها وقرأت رسالته التي توسلها أن تُجيب اتصاله بها، وانتفضت حين عاود الاتصال وأجابته مُسرعة:
- خير يا أستاذ آدم بتتصل ليه.
تنهد بحزن لصوتها الفاتر وأجابها:
- عارف أنك مش عايزة تكلميني ولا تسمعي صوتي وفاكرة أني كذبت عليكِ وخدعتك بس أنا مش هحلف علشان تصدقيني أنا هطلب منك تسألي قلبك وهو هيدلك على الحقيقة اللي عمرها ما هتغير حاجة فاللي جوايا ليكِ، سهر أنا لسه عند طلبي سيبي محمود وخلينا نتجوز أنا وأنتِ وصدقيني أنا هعرف أحميكِ من أي حد و...
قاطعته سهر بعصبية:
- أنت أكيد مجنون يا استاذ آدم اللي بتطلبه ده مستحيل حضرتك مسيحي وأنا مسلمة وجوازنا حرام وبعدين هتحميني أزاي وأنت معرفتش تحمي نفسك أو تحميني من اللي كان هيحصل لي بسببك من خطيبتك اللي بتحاول ترجعك ليها بأي طريقة حتى ولو على حساب سمعة غيرها.
حاول آدم تمالك أعصابه ولكنه فشل تمامًا فأجابها بعصبية واضحة:
- اولا هايدي مش خطيبتي أقسم لك أن أنا وهي سيبنا بعض من سنين ولو في حاجة فهي أوهام من ناحيتها، إنما أنا مش بحبها أنا بحب واحدة بس وأنتِ عرفاها كويس بصي يا سهر أنا هثبتلك وهثبت لأهلي فعاليا وللعالم كله أني بحبك وهعمل اللي مفروض يتعمل علشان اتجوزك، أنا هروح الأزهر وهعلن إسلامي وهتقدم لك رسمي بس أنتِ كمان لازم تعملي الخطوة اللي عليكِ وتسيبي محمود، سهر أنا مش قادر أعيش من غيرك أنا بحبك وحبك الحاجة الوحيدة اللي بتديني القوة، فخلي حبك ليا يقويكي صدقيني أحنا مش هنعمل حاجة حرام فاجوكِ يا سهر ساعديني.
سلبها نبضة لا بل سلبها حياتها بأكملها أحقًا يريد أن يفعل هذا من أجلها، أيمكن أن يكون هناك حبًا كحب آدم لها ارادت أن تتأكد فهمست تسأله:
- آدم أنا مش مصدقة معقول أنت عايز تاخد الخطوة دي علشاني، أنا أنا مرعوبة طيب أنت مش خايف.
أجابها بثقة:
- قلت لك حبي ليكِ مديني القوة ودلوقتي أنا عايزك تلغي كتب الكتاب وأنا زي ما قُلت لك هروح الأزهر وهاجي أتقدم لك ولو عيزاني اجيلك حالًا أنا مستعد.
لم تدر سهر ماذا تفعل فصمتت تفكر لتعود وتخبره بحقيقة ما تشعر به:
- أنا مش عارفة أعمل أيه ولا عارفة أفكر، أنا خايفة يا آدم لو رفضت محمود اكسر قلبه واكسر بخاطر عمي خميس وخالتي صفية و.
اغضبه تخاذلها وضعفها فصاح بعصبية مقاطعًا لها:
- سهر هما ولا أنتِ وأنا وحياتنا، هما وتعيشي حياتك تعيسة مع واحد مش بتحبيه ولا قادرة تحسي بيه ولا حياتنا سوا جوبيني يا سهر هتختاري نفسك وقلبك وحياتك ولا غيرك.
كادت تجيبه ولكنها انتفضت بخوف حين أحست باقتراب أحدهم فأخبرته بصوتٍ خافت:
- آدم وحياتي تقفل دلوقتي أحسن في حد جاي شوية وأنا هكلمك تاني معلش.
أغلقت سهر هاتفها وبداخلها تشعر بتوتر يغمرها وازداد ما أن رأت خميس يستأذنها للدخول، فأذنت له وتعجبت لتجهم وجهه فأيقنت أن محمود أخبره ما حدث معها، ولكنها تفاجأت بصفية تتبعه وتخطتفها بين ذراعيها تبكي فعقدت حاجبيها وابتعدت عنها وسألتها:
- بتعيطي ليه يا خالتي صدقيني أنا كويسة اطمني.
التفتت صفية وحدقت بوجه زوجها المكلوم فازدرد خميس لعابه وأردف بصوتٍ حزين:
- شدي حيلك يا بنتي.
بادلت سهر بصرها بين وجه خميس وصفية وسألته بحيرة:
- أنا مش فاهمة يعني أشد حيلي هو في ايه حصل يا خالتي.
أجابها محمود بعدما رأى والده لا يقوى على أخبارها:
- عمي رشدي يا سهر تعيشي أنتِ.
بهتت ملامحها وتلفتت ببصرها بين وجوههم المكلومة لتنفجر فجأة في الضحك وهي تضع يدها فوق قلبها وتقول:
- والله أنت هزارك بايخ يا محمود.
احتضنتها صفية وهي تبكي وأردفت:
- يا حبيبتي يا بنتي الصدمة مخلياها مش مصدقة، ربنا يلطف بيكي يا سهر ويصبرك وأنتِ مؤمنة بالله وعارفة أن الأعمار بيد الله وكل واحد له عمره.
ابتعدت سهر عن صفية وحين تقدم محمود منها أشارت إليه ليبتعد عنها وهزت رأسها بالنفي وهتفت:
- أنتم عاوزين تقنعوني أن الدنيا حرمتني حتى من الضل اللي كنت عايشة جانبه رغم أنه مكنش بيحبني، لأ أكيد الدنيا مش قاسية كده علشان تيتمني بالشكل، أنتم ليه بتكذبوا عليا على فكرة بابا ممتش هو عايش هو خرج الصبح بدري فمشوار، أنا أنا هنزل استناه فبيتنا تحت، بابا لا يمكن يموت طيب أزاي يموت وهو مخدنيش فحضنه وطبطب عليا زي ما كنت بدعي ربنا، أنا مش هصدق كلامكم أنا عارفة أنتم بتعملوا كده علشان هو مكنش راضي يجوزني لمحمود حرام عليكم تقولوا أنه مات بالكذب حرام.
انهارت سهر بالبكاء تشعر بالقهر يأكل قلبها والحسرة فأخذتها صفية بين ذراعيها وضمتها إليها وأردفت:
- وحدي الله يا بنتي وحدي الله.
اجهشت بالبكاء وهي تختبأ بين ذراعي صفية بخوف وهتفت بقلب ممزق:
- أنا عاوزة بابا يا خالتي بالله عليكِ خليني اروح له قوليله أني هعمل كل حاجة هو عاوزها بس ميحرمنيش منه قوليله يا خالتي بالله عليكِ يرجع لي وأنا مش هزعله تاني حتى لو عاوز يجوزني لفؤاد هوافق، هو زعلان علشان فؤاد مبيجيش من وقت ما محمود خطبني صح يا خالتي.
ابتعدت سهر وحدقت بوجه صفية بتوسل وأضافت:
- أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمل بجد تعبت.
غادر محمود وخميس بينما جلست سهر تبكي برفقة صفية ليبادر خميس بسؤاله لمحمود:
- قولي يا محمود الظابط اللي جه من القسم مقالش عمك رشدي مات أزاي.
تنهد محمود بحزن وأجابه:
- لا يا بابا هو قال لازم حد يروح القسم فأنا هروح وأشوف أيه الموضوع وأنت حاول مع ماما تهدوا سهر ربنا يلطف بيها.
جلس محمود منتظرا أن يسمح له الضابط بالدخول ليغادر له أحد الضباط ويقول:
- معلش هنتعبك معانا هتيجي معانا المشرحة تتعرف على الجثة ولما التحقيقات تخلص النيابة هتسمح لكم باستلامه ودفنه.
سأله محمود بقلق:
- تحقيق ليه حضرتك.
نظر الضابط إلى محمود بأسف وهو يتحرك أمامه ليلحقه محمود ويسمعه يقول:
- تحقيق علشان نعرف اتقتل أزاي ومين اللي قتله ورماه فالطريق.
---------------------
مر شهر وسهر معتزله الجميع أغلقت هاتفها وأغلقت عليها غرفة والدها تجلس بداخلها ليل نهار بعدما رفضت محاولات صفية بأن تجلس برفقتها، وكانت كلما حاول أحد أم يخرجها من حالتها تلك انغلقت أكثر خاصة بعدما علمت بأن والدها قُتل غدرًا وقُيدت الحادث ضد مجهول، وبالأعلى ولجت صفية إلى غرفة محمود ونظرت إليه بحزن وقالت:
- يا ابني هو أحنا هنفضل سيبين البت لوحدها وقافلة على نفسها، يا ابني سهر عدمت تحت وبقت جلد على عضم أنا خايفة عليها لدرجة أني بنزل اطمن عليها كل شوية لتعمل حاجة فنفسها، بالله عليك يا محمود تحاول تتكلم معاها يا ابني أنت ساكت ليه هو أنت مش خطيبها أنا مش فاهمة أنت ليه سايبها لوحدها ما تتصرف وتعمل حاجة تخليها تخرج من اللي هي فيه ده.
زفر محمود بضيق وقال:
- تعبت يا أمي صدقيني تعبت من كتر ما حاولت وهي بترفض للأسف مافيش فايدة معاها إلا لو هي اللي عايزة تخرج من الحالة دي، دي بقت كل ما تشوفني تدير وشها ومش بتديني أي فرصة للكلام بتفضل تعيط وتطلب مني أرجع لها والدها الله يرحمه، وأنا مش عارف أعمل أيه معاها وزي ما أنت عارفة الحج مش راضي يخليني أكتب كتابي عليها بيقول لما تفوق لنفسها وتبقى بخير وأنه مينفعش تتجوز وأبوها لسه ميت، ولما قولت له طول ما هي خطيبتي مش مراتي مش هعرف أتصرف قالي لأ.
عبست صفية وقالت:
- طب والحل يا ابني البت بالشكل ده هتضيع مننا وذنبها هيبقى فرقبتنا بص أنا هكلم أبوك وأحاول أقنعه وهو هخليه يتكلم معاها بالعقل والدين وأكيد هيعرف يعمل اللي مش عارفين نعمله.
وفي جناح الليل متخفيا متواريا سار بحذر شديد ودلف إلى المنزل يتلفت يمينا ويسارا ليطمئن ألا يراه أحد، أخرج مفتاح الشقة من جيبه وفتحه بهدوء وسار على أطراف أصابعه فتح غرفتها ولكنه لم يجدها فعبس وأخذ يبحث عنها فلم يبقى غير غرفه والدها فتح بابها بهدوء فرأها نائمة تحتضن ملابس والدها، أقترب ببطء من الفراش وأخرج من جيبه زجاجة سكبها منها فوق منديله ووضعه على أنفها، ولكنه تفاجأ بيدها تختطف المنديل وتلقيه بعيدًا عنها وقد تأثرت رأسها قليلًا بفعل المخدر، فزاغ بصرها وحين اوشكت على الصراخ هجم عليها مكممًا فمها وأخرج سلاحه ووضعه فوق رقبتها مهددًا إياها قائلًا:
- أيوة خليكِ بوعيك أحسن علشان تحسي بكل حاجة يا سهري.
-----------------------------
استيقظت سهر من نومها تشعر بالحزن يحتل قلبها ويغرقها فحاولت أن تهرب إليه مرة أخرى ولكنها لم تستطع كأن النوم يعاندها ككل شيء في حياتها، تركت غرفتها تبحث بعينيها عن والدها فلم تجده فعلمت أنه ما زال نائمًا فلم تقترب من غرفته حتى لا يغضب عليها، وأخذت تجول ببصرها في أنحاء المنزل لتتنهد وتبدأ بتنظيفه فكيف سيمر الوقت معها أن لم تشغل عقلها عن التفكير به، حين انتهت سهر من ترتيب الشقة تعجبت لتأخر والدها بالنوم كل هذا الوقت فطرقت باب غرفته لتُفاجأ بخلو الغرفة منه وأنه لم ينم في فراشه، عبست وتساءلت كيف غادر ولم تشعر به، واغلقت باب غرفته وقبل أن تلج إلى غرفتها اوقفها رنين جرس الباب فأسرعت تفتح ظننا منها أنه والدها، ولكنها وقفت تحدق بتلك التي تنظر إليها وتبتسم ابتسامه مبهمة فسألتها سهر بتهكم:
- حضرتك جاية هنا ليه إيه يا ترى في حاجة اتسرقت تاني وجاية تتهميني بيها.
خفضت هايدي بصرها وأجابتها بصوتٍ منكسر:
- لا أنا جاية اعتذر لك واخدك معايا الفندق علشان اعتذر لك أدام كل البنات.
اتسعت عينا سهر وسألتها بحيرة:
- جاية تعتذري ليا أنا.
تنهدت هايدي بحزن وأجابتها:
- ايوة يا سهر علشان لو أنتِ مجتيش آدم هيفسخ خطوبته معايا علشانك.
اجهشت هايدي بالبكاء وأستأنفت حديثها:
- يرضيكِ بعد خمس سنين خطوبة آدم يسيبني، للأسف هو مصمم أن لو معتذرتش أدام الكل فالفندق هيفسخ الخطوبة.
صفعتها هايدي بقولها فحدقت بها بصدمة وسألتها بصوتٍ مهتز:
- هو آدم خطيبك.
كفكفت هايدي دموعها وأردفت:
- ايوة أنا وآدم مخطوبين من قبل ما تحصل له الحادثة، واللي عرفت بعدها أنه كان يعرف بنات كتير وحتى بعد الحادثة كل يوم والتاني يدخل فعلاقة مع واحدة شكل، وأنا ساكته لإني بحبه وأمبارح بعد اللي حصل صمم أني أعتذر لك ورهن اعتذاري ليكِ باستمرار علاقتي بيه، فأرجوكِ يا سهر تعالي معايا الفندق وساعديني أنقذ خطوبتي أنا مقدرش أعيش من غير آدم وصدقيني لو سابني أنا ممكن انتحر.
توقف عقل سهر عن التفكير فكلمات هايدي حطمت قلبها وآمالها وبدت لها وكأنها تتحدث عن شخص مختلف عن آدم، فكيف له أن يخدعها ويوهمها حبه وهو يحب أخرى وعلى علاقة معها، زفرت سهر بحزن وحدقت بهايدي التي دفنت وجهها بين كفيها تبكي وازدادت شفقتها نحوها فأردفت بانكسار:
- حاضر يا آنسة هايدي أنا هاجي معاكِ اتفضلي ارتاحي على ما ألبس وننزل.
لم تدر كيف وصلت إلى الفندق بعقلها الشارد الغارق بأحزان قلبها وحبها المغدور، وانتشلها من حالتها البائسة صوت داليا تقول:
- كل حاجة جهزت زي ما حضرتك أمرتي تحبي اجمع البنات.
هزت هايدي رأسها بالنفي وأجابتها:
- مش دلوقتي يا داليا معلش أديني نص ساعة وهتصل أبلغك لإني دلوقتي هاخد سهر واعتذر لها أدام آدم الأول وبعدين ننزل كلنا.
ثم التفتت نحو سهر وقالت:
- يلا بينا يا سهر.
رافقتها سهر إلى الأعلى لا تدر كيف ستنظر في عينا آدم بعد كذبه عليها لتنتبه لصوت هايدي تقول:
- اتفضلي يا سهر أنا هدخل أبلغ آدم أنك هنا مش هغيب عليكِ.
جلست سهر تشعر بالارتباك وأرادت أن تغادر ولكن رجاء هايدي سبب لها الألم خاصة أنها شعرت بالذنب كونها إحدى الفتيات التي أوهمهم آدم بالحب، وبعد دقائق غادرت هايدي وهي تبتسم وتقول:
- آدم مش مصدق أنك جيتي حقيقي أنا بشكرك يا سهر أنتِ متعرفيش المعروف اللي هتعمليه معايا النهاردة دا هينقذني أزاي.
أجابتها سهر بحزن:
- دا واجبي يا آنسة هايدي.
اتسعت ابتسامة هايدي وقالت:
- طيب على ما يخرج آدم خلينا نشرب عصير سوا أنا وأنتِ.
-----------------------
مساءًا بمنزل صفية.. جلست صفية بجوار سهر تقرأ بمصحفها وعيناها تترقرق بالدموع، وحين وصل إليه صوت طرقات خافت أذنت للطارق بالدخول، فولج محمود وعلى وجهه أمارات الخوف والقلق، ليسألها وهو يقترب من الفراش:
- هي لسه نايمة يا أمي.
هزت صفية رأسها بالإيجاب وتحركت بهدوء لتغادر مصطحبه محمود برفقتها وأغلقت الباب بهدوء وقالت:
- أنا قلقانة عليها يابني دي ليها سبع ساعات نايمة طمني معلش هو الدكتور قال إن نومها دا طبيعي.
جلس محمود على معقد قريب من باب الغرفة وأجابها وهو يحاول السيطرة على حركة قدميه التي أهتزت بتوتر:
- الدكتور قال نسيبها تفوق لوحدها علشان الجرعة اللي وخداها كبيرة وهتاخد وقت على ما تفوق، والحمد لله أنها بخير يا أمي حقيقي أنا مش مصدق لحد دلوقتي اللي حصل.
فرت الدموع من عينا صفية وأردفت بغضب:
- منهم لله يا بني حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم على كانوا عاوزين يعملوه فالغلبانة دي، أنا مش عارفة هي الناس دي جابت الجبروت ده منين.
تنهد محمود وشرد عن والدته بما حدث سابقًا صباحًا، فهو كان كعادته يجلس بمكتبه يفكر جديا بتقديم استقالته لشعوره بالغيرة لوجود آدم أمامه فتوجه إلى مكتب عصام وسأله:
- فاضي شوية يا عصام.
وضع عصام الأوراق التي بين يديه فوق مكتبه وأجابه:
- وحتى لو مش فاضي هفضالك تعالى يا محمود مالك شكلك عامل كدا ليه.
تنهد محمود بضيق وأردف:
- أنا مخنوق أوي يا عصام وبفكر اسيب الشغل هنا بصراحة أنا مبقتش قادر أكمل.
اعتدل عصام وهتف مستنكرًا:
- لا طبعًا أزاي تفكر تسيب الشغل بعد المكانة اللي وصلت لها، حرام عليك يا اخي ولو على حصل فالكل عرف أن سهر بريئة.
ازداد تجهم وجهه وأجابه وعقله يفكر بأمر آدم:
- أنا عارف بس خايف حد يتكلم عليها أنت عارف الناس اللي شغالة هنا لو حد بس قال كلمة عليها ما هيصدقوا وهيخوضوا فسيرتها، تعرف الموضوع يبقى عادي أمته لما نعرف مين اللي حط لها الاسورة.
- أنا هقول لحضرتك.
التفت عصام ومحمود إلى باب المكتب وحدقا بوجه منال المحتقن فسألها عصام:
- أنتِ عارفة حاجة يا منال وساكتة.
تلفتت منال حولها بخوف وولجت ووقفت أمام محمود وقالت:
- داليا هددتني أني هلبس قضية زي سهر لو قلت أنها هي اللي حطت الاسورة فشنطة سهر، بصراحة أنا خوفت لأني محتاجة الشغل أوي بس بعد ما شوفت قد أيه كسرتها قولت ربنا هو اللي بيرزق فمقدرتش اسيب حد يظن فيها حاجة وحشة لأنها طيبة ومتستحقش اللي حصل.
ازداد غضب محمود وهم بمغادرة المكتب ليمنعه عصام بقوله:
- اقعد وأهدى وبعدين أنت مينفعش تعمل حاجة دلوقتي ولازم نفكر بالعقل.
ثم التفت إلى منال وقال:
- روحي يا منال ومتخافيش من حاجة.
انصرفت منال تشعر براحة ضميرها لترتطم بمازن الذي كان يسرع نحو مكتب محمود فنادته بقولها:
- - يا أستاذ مازن على فكرة الأستاذ محمود موجود فمكتب الأستاذ عصام لو عايزه.
أسرع مازن إلى مكتب عصام واقتحم المكتب وحدق بمحمود وقال باضطراب:
- محمود قوم تعالى معايا مافيش وقت.
وقف محمود ونظر لمازن بدهشة وقال:
- اقوم معاك على فين وبعدين أنت مين أصلًا.
أجابه عصام موضحاً:
- ده الأستاذ مازن ابن عم الأستاذ آدم.
عبس محمود وحدق به بضيق وقال:
- خير عاوزين تتهموا سهر بحاجة تانية.
تفاجىء محمود وعصام بمازن يجذب محمود من يده ويقول بصوت مهتز:
- لو مجتش معايا مش هتبقى سرقة هتبقى مصيبة أكبر.
احس محمود بقلبه يهوى بين قدميه وهو يجرى خلف مازن وولج معه المصعد ليتفاجأ بمازن يقتحم جناح آدم، فتجمد محمود بمكانه ورفض التقدم فالتفت مازن نحوه وأردف:
- متقفش يا محمود وتعالى معايا بس الأول أنا عايزك تمسك أعصابك ومتتهورش من اللي هتشوفه لإنه جريمة بتحصل فحق سهر وآدم، بس لازم تعرف أن آدم مظلوم هو وسهر.
كاد محمود أن يصرخ بوجه مازن ولكن مازن أسرع ووضع يده فوق فمه وقال:
- وطي صوتك علشان هايدي متخدش بالها.
تسلل مازن ومحمود حتى باب غرفة نوم آدم وفتح مازن الباب ببطء فوقع بصر محمود على مشهد كاد يصيبه بالشلل، فأمامه مالت هايدي صوب سهر تنزع ثيابها عنها فلم يتمالك أعصابه واقتحم الغرفة وهو يصيح بصوت جهوري غاضب:
- يا مجرمة يا حقيرة ابعدي ايديك عنها بدل ما اقطعهالك.
صرخت هايدي برعب لرؤيتها محمود يهجم عليها صافعًا إياها بقوة ودفعها بعيدًا عن سهر وجذب الدثار ووضعه فوق جسد سهر يحميه عن العين ليكشف عن جسد آدم النائم على الطرف الآخر فاعتدل وسب هايدي:
- مكنتش اتخيل إنك واطية للدرجة دي.
ترك سهر من يده وجذب هايدي من شعرها وصفعها مرة أخرى ليُفاجئه مازن بحقن هايدي بعنقها لتتهاوى أرضًا فاقدة الوعي فحدق به بدهشة وسأله:
- أنت بتعمل أيه يا مجنون.
أشاح مازن ببصره بعيدًا وهتف:
- غطي سهر الأول وبعدين هقولك.
أعاد محمود ملابس سهر كما كانت وحملها للخارج ومددها فوق الاريكة وعاد للداخل ليرى مازن يحمل هايدي ويضعها مكان سهر فسأله بريبة:
- أنت ناوي على ايه.
نظر له مازن بغموض وقال:
- هقلب الوضع ودلوقتي تعالى ساعدني نلبس آدم ونطلعه برا.
ساعد محمود ومازن آدم على الجلوس بمقعده ليراه يفيق من نومه فالتفت وحدق بوجه سهر فوجدها كما هي غافية فابتعد وسأل مازن بخوف:
- هي سهر مفقتش ليه زي آدم أنا عاوز افهم في ايه.
كان جواب مازن على محمود جذبه إلى الغرفة من جديد وشروعه بنزع ثيابه وقوله:
- طلع موبايلك وصورني مع هايدي.
ختم مازن قوله واقترب من هايدى فأشاح محمود بنظره عنهم واستدار مستنكرًا ما يحدث وقال:
- أنا مستحيل أعمل اللي بتقوله أنت مجنون دي مهما كان بنت أزاي عايزني اصورها معاك وأنتم بالشكل دا.
صرخ مازن بغضب فيه قائلًا:
- لعلمك هي مكنتش هترحم سهر كانت هتيجي وأنتم بتكتبوا الكتاب وترمي الصور اللي هتاخدها لسهر وأدم أدام الناس وتفضحها وتقول إنها على علاقة بخطيبها الـ....
صمت مازن حين صرخ به محمود بغضب يمنعه من إكمال حديثه هاتفًا:
- أنتم ايه مش بني ادمين أنا مش عارف أنتم بتفكروا أزاي، للدرجة دي سمعة البنات ملهاش قيمة عندكم.
أغمض مازن عيناه بأسف وأردف:
- أنا عارف أن الموضوع صعب بس أنا مقدرتش اسيبها تعمل كده هي البنت اللى خدرت آدم، بص يا محمود أنا لازم أكسر هايدي علشان متجيش جنب سهر تاني والصور اللي هنتصورها هي الوسيلة اللي هتحمي بيها خطيبتك من أي فضيحة خصوصًا لما تعرف أنها كانت ناوية تستغل أننا أقباط وأن سهر مسلمة وتشوه سمعتها وسمعتك.
جلس محمود وقد شعر بقدميه عاجزة عن حمله وكاد يبكي من التفكير الشيطاني الذي وصلت له هايدي للانتقام من سهر، والذي يجهل لما تريد بشدة تدمير سهر هكذا فوقف مرة أخرى وقال بكراهية:
- خلص وأنا هصوركم وربنا يعينك على التعبان اللي بين ايديك.
غادر محمود الغرفة ووقف يحدق بآدم الذي حرك مقعده ليواجه سهر النائمة والغافلة عما يحاك لها في الظلام، وحين شعر آدم بوجود محمود أبتعد معتذرًا:
- أنا مش عارف اعتذر لك على أيه ولا أيه، الحقيقة مازن لما قالي متخيلتش أن أقع بالفخ رغم حذري ومكنتش أعرف أن ليها مساعدة هتخدرني أنا كمان، عمومًا أنا اوعدك أني هجيب لسهر حقها من هايدي على كل اللي عملته.
أجابه محمود وهو يشعر بغيرة تنهش قلبه لأقترابه من حبيبته:
- أنا عاوز أفهم ليه كل دا وليه سهر بالذات وسهر أيه اللي جبها هنا من الأساس.
قص آدم ما يعرفه عن خطة هايدى وذهابها إلى منزلها والمجىء بها لغرفته وخداعها لسهر وتخديرها لها، فاخبره محمود عما علمه عن داليا ليقف حين ظهر مازن ليقول الأخير:
- أنا أسف يا آدم مكنتش أعرف حاجة عن داليا أنا افتكرت أن هايدي هي اللي هتخدرك، المشكلة دلوقتي أن سهر لو عرفت ممكن نفسيتها تتأذى فأنا شايف إن من الأحسن أنها متعرفش أي حاجة، ولو يسمح لي محمود أننا ناخد سهر واوصلهم للبيت وارجع لك تاني، بس توعدني أنك تفضل بعيد عن هايدي وعمومًا هي هتفضل نايمة لحد ما ارجع ووقتها نفكر هنعمل أيه.
أغمض آدم عيناه حينما حمل محمود سهر بين ذراعيه وهمهم بصوتٍ منكسر وهو يستدير بمقعده عنهم:
- مبروك جوازكم يا محمود وخلي بالك من سهر لأنها تستحق الأحسن وأكيد أنت الأحسن ليها.
-------------------
جلست سهر تضم جسدها بين يديها وهي تستمع لحديث محمود مع والدته وكتمت صوت بكائها بعدما علمت ما كانت تنويه هايدي لها، وشعرت بالخوف والذنب حين أوضح محمود حقيقة ديانة آدم، فأخذت تبكي وهي تستغفر الله على حبها المحرم لآدم، وبعد بعض الوقت ولج محمود ليطمئن عليها فأدرك مما رآه أنها علمت ما يخفيه عنها فجلس بجوارها وقال:
- احمدي ربنا أنه حفظك وسلمك، لإن لو هايدي عملت اللي كانت عوزاه مش عارف وقتها كان هيحصل أيه.
نظرت له سهر بحزن وقد تناست حبه لها وقالت بتيه:
- هو ليه بيحصل لي كل دا ليه يا محمود حياتي مش زي كل الناس، ليه مش من حقي أي حاجة ليه الإنسان اللي قلبي دق له طلع متحرم عليا، وليه هايدي عاوزة تأذيني كده وداليا أنا معملتش ليها حاجة علشان تساعدها، أنا تعبت من حياتي ونفسي أموت وأرتاح من عذابي دا.
اجهشت سهر في البكاء غافلة عن محمود الذي صدم باعترافها أمامه بحبها لآدمو حاول أن يتمالك غيرته ويهدأ من تصاعد غضبه ولكنه لم يستطع وسألها:
- أنتِ بتحبي آدم.
حدقت سهر به بصدمة لتدرك أنها أعترفت دون أن تدري وتنهدت بألم لإحساسها بأنها لا تستطيع إكمال خداعه فهي لن تستطيع منحه الحب الذي يريده، فنزعت دبلته من أصبعها ومدت يدها بها إليه، حدق بها محمود ليفاجئها بأعادتها إياها مرة أخرى قائلًا:
- هنسى اللي سمعته وهنسى إنك خلعتي دبلتي وهنسى إنك خرجتي مع هايدي من غير ما تتصلي تبلغيني، وهنسى أنك مش بتحبيني وهنسى كل حاجة وهبدأ معاكِ من جديد لأني عارف أنك صغيرة وأكيد آدم شغلك وأنتِ معندكيش أي خبرة فالدنيا، علشان تعرفي أن أنا بحبك وبعشقك ومقدر أنك صغيرة ودلوقتي يلا قومي أغسلي وشك وأنسي أي حاجة حصلت ولا أنتِ عاوزة هايدي تنتصر عليكِ وتضيع مننا اليوم.
صمت محمود للحظات وعيناه تجول فوق ملامحها الحزينة وأستأنف قوله متعمدًا:
- أنا كان ممكن اسيبك لحد إمبارح إنما بعد اللي حصل واللي عرفته مينفعش اسيبك، لأن لو سيبتك هايدي هتحاول تأذيكي، بصي يا سهر حبي ليكِ هيكفينا سوا وأنا مش عايز منك غير أنك تقبلي بوجودي فحياتك وصدقيني مع الأيام أنا هقدر اخليكِ تحبيني اتفقنا ولا أنتِ عايزة تزعلي الست الطيبة اللي برا اللي ماصدقت أن ابنها خلاص هيتجوز.
همست سهر وهي تكفكف دموعها:
- لا طبعا ميرضنيش اكسر خاطر خالتي صفية.
-------------------------
عاد مازن ليتفاجأ بإختفاء آدم فأسرع إلى غرفه نومه ليجد هايدي كما تركها فغادر الجناح وحاول الاتصال به ولكنه لم يجيب على اتصالاته، في حين جلس آدم داخل سيارته فوق جبل المقطم شارد الذهن يفكر فيما حدث والقى نظرة إلى اتصالات مازن به واهملها وطفرت عيناه بدمعة خانت تماسكه المزيف فمسحها وهو يهمس:
- لازم اكلمها ولو لمرة أخيرة واللي يحصل يحصل.
مد يده وأجرى اتصاله بها، بينما كانت سهر لا زالت جلس في غرفة صفية بعدما تركها محمود وحين اهتز هاتفها رجف قلبها وعلمت أن المتصل هو آدم فابتعد عن هاتفها بخوف لتزدرد لعابها حين أتاها أشعارًا برسالة، مدت يدها المرتعشة والتقطت هاتفها وقرأت رسالته التي توسلها أن تُجيب اتصاله بها، وانتفضت حين عاود الاتصال وأجابته مُسرعة:
- خير يا أستاذ آدم بتتصل ليه.
تنهد بحزن لصوتها الفاتر وأجابها:
- عارف أنك مش عايزة تكلميني ولا تسمعي صوتي وفاكرة أني كذبت عليكِ وخدعتك بس أنا مش هحلف علشان تصدقيني أنا هطلب منك تسألي قلبك وهو هيدلك على الحقيقة اللي عمرها ما هتغير حاجة فاللي جوايا ليكِ، سهر أنا لسه عند طلبي سيبي محمود وخلينا نتجوز أنا وأنتِ وصدقيني أنا هعرف أحميكِ من أي حد و...
قاطعته سهر بعصبية:
- أنت أكيد مجنون يا استاذ آدم اللي بتطلبه ده مستحيل حضرتك مسيحي وأنا مسلمة وجوازنا حرام وبعدين هتحميني أزاي وأنت معرفتش تحمي نفسك أو تحميني من اللي كان هيحصل لي بسببك من خطيبتك اللي بتحاول ترجعك ليها بأي طريقة حتى ولو على حساب سمعة غيرها.
حاول آدم تمالك أعصابه ولكنه فشل تمامًا فأجابها بعصبية واضحة:
- اولا هايدي مش خطيبتي أقسم لك أن أنا وهي سيبنا بعض من سنين ولو في حاجة فهي أوهام من ناحيتها، إنما أنا مش بحبها أنا بحب واحدة بس وأنتِ عرفاها كويس بصي يا سهر أنا هثبتلك وهثبت لأهلي فعاليا وللعالم كله أني بحبك وهعمل اللي مفروض يتعمل علشان اتجوزك، أنا هروح الأزهر وهعلن إسلامي وهتقدم لك رسمي بس أنتِ كمان لازم تعملي الخطوة اللي عليكِ وتسيبي محمود، سهر أنا مش قادر أعيش من غيرك أنا بحبك وحبك الحاجة الوحيدة اللي بتديني القوة، فخلي حبك ليا يقويكي صدقيني أحنا مش هنعمل حاجة حرام فاجوكِ يا سهر ساعديني.
سلبها نبضة لا بل سلبها حياتها بأكملها أحقًا يريد أن يفعل هذا من أجلها، أيمكن أن يكون هناك حبًا كحب آدم لها ارادت أن تتأكد فهمست تسأله:
- آدم أنا مش مصدقة معقول أنت عايز تاخد الخطوة دي علشاني، أنا أنا مرعوبة طيب أنت مش خايف.
أجابها بثقة:
- قلت لك حبي ليكِ مديني القوة ودلوقتي أنا عايزك تلغي كتب الكتاب وأنا زي ما قُلت لك هروح الأزهر وهاجي أتقدم لك ولو عيزاني اجيلك حالًا أنا مستعد.
لم تدر سهر ماذا تفعل فصمتت تفكر لتعود وتخبره بحقيقة ما تشعر به:
- أنا مش عارفة أعمل أيه ولا عارفة أفكر، أنا خايفة يا آدم لو رفضت محمود اكسر قلبه واكسر بخاطر عمي خميس وخالتي صفية و.
اغضبه تخاذلها وضعفها فصاح بعصبية مقاطعًا لها:
- سهر هما ولا أنتِ وأنا وحياتنا، هما وتعيشي حياتك تعيسة مع واحد مش بتحبيه ولا قادرة تحسي بيه ولا حياتنا سوا جوبيني يا سهر هتختاري نفسك وقلبك وحياتك ولا غيرك.
كادت تجيبه ولكنها انتفضت بخوف حين أحست باقتراب أحدهم فأخبرته بصوتٍ خافت:
- آدم وحياتي تقفل دلوقتي أحسن في حد جاي شوية وأنا هكلمك تاني معلش.
أغلقت سهر هاتفها وبداخلها تشعر بتوتر يغمرها وازداد ما أن رأت خميس يستأذنها للدخول، فأذنت له وتعجبت لتجهم وجهه فأيقنت أن محمود أخبره ما حدث معها، ولكنها تفاجأت بصفية تتبعه وتخطتفها بين ذراعيها تبكي فعقدت حاجبيها وابتعدت عنها وسألتها:
- بتعيطي ليه يا خالتي صدقيني أنا كويسة اطمني.
التفتت صفية وحدقت بوجه زوجها المكلوم فازدرد خميس لعابه وأردف بصوتٍ حزين:
- شدي حيلك يا بنتي.
بادلت سهر بصرها بين وجه خميس وصفية وسألته بحيرة:
- أنا مش فاهمة يعني أشد حيلي هو في ايه حصل يا خالتي.
أجابها محمود بعدما رأى والده لا يقوى على أخبارها:
- عمي رشدي يا سهر تعيشي أنتِ.
بهتت ملامحها وتلفتت ببصرها بين وجوههم المكلومة لتنفجر فجأة في الضحك وهي تضع يدها فوق قلبها وتقول:
- والله أنت هزارك بايخ يا محمود.
احتضنتها صفية وهي تبكي وأردفت:
- يا حبيبتي يا بنتي الصدمة مخلياها مش مصدقة، ربنا يلطف بيكي يا سهر ويصبرك وأنتِ مؤمنة بالله وعارفة أن الأعمار بيد الله وكل واحد له عمره.
ابتعدت سهر عن صفية وحين تقدم محمود منها أشارت إليه ليبتعد عنها وهزت رأسها بالنفي وهتفت:
- أنتم عاوزين تقنعوني أن الدنيا حرمتني حتى من الضل اللي كنت عايشة جانبه رغم أنه مكنش بيحبني، لأ أكيد الدنيا مش قاسية كده علشان تيتمني بالشكل، أنتم ليه بتكذبوا عليا على فكرة بابا ممتش هو عايش هو خرج الصبح بدري فمشوار، أنا أنا هنزل استناه فبيتنا تحت، بابا لا يمكن يموت طيب أزاي يموت وهو مخدنيش فحضنه وطبطب عليا زي ما كنت بدعي ربنا، أنا مش هصدق كلامكم أنا عارفة أنتم بتعملوا كده علشان هو مكنش راضي يجوزني لمحمود حرام عليكم تقولوا أنه مات بالكذب حرام.
انهارت سهر بالبكاء تشعر بالقهر يأكل قلبها والحسرة فأخذتها صفية بين ذراعيها وضمتها إليها وأردفت:
- وحدي الله يا بنتي وحدي الله.
اجهشت بالبكاء وهي تختبأ بين ذراعي صفية بخوف وهتفت بقلب ممزق:
- أنا عاوزة بابا يا خالتي بالله عليكِ خليني اروح له قوليله أني هعمل كل حاجة هو عاوزها بس ميحرمنيش منه قوليله يا خالتي بالله عليكِ يرجع لي وأنا مش هزعله تاني حتى لو عاوز يجوزني لفؤاد هوافق، هو زعلان علشان فؤاد مبيجيش من وقت ما محمود خطبني صح يا خالتي.
ابتعدت سهر وحدقت بوجه صفية بتوسل وأضافت:
- أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمل بجد تعبت.
غادر محمود وخميس بينما جلست سهر تبكي برفقة صفية ليبادر خميس بسؤاله لمحمود:
- قولي يا محمود الظابط اللي جه من القسم مقالش عمك رشدي مات أزاي.
تنهد محمود بحزن وأجابه:
- لا يا بابا هو قال لازم حد يروح القسم فأنا هروح وأشوف أيه الموضوع وأنت حاول مع ماما تهدوا سهر ربنا يلطف بيها.
جلس محمود منتظرا أن يسمح له الضابط بالدخول ليغادر له أحد الضباط ويقول:
- معلش هنتعبك معانا هتيجي معانا المشرحة تتعرف على الجثة ولما التحقيقات تخلص النيابة هتسمح لكم باستلامه ودفنه.
سأله محمود بقلق:
- تحقيق ليه حضرتك.
نظر الضابط إلى محمود بأسف وهو يتحرك أمامه ليلحقه محمود ويسمعه يقول:
- تحقيق علشان نعرف اتقتل أزاي ومين اللي قتله ورماه فالطريق.
---------------------
مر شهر وسهر معتزله الجميع أغلقت هاتفها وأغلقت عليها غرفة والدها تجلس بداخلها ليل نهار بعدما رفضت محاولات صفية بأن تجلس برفقتها، وكانت كلما حاول أحد أم يخرجها من حالتها تلك انغلقت أكثر خاصة بعدما علمت بأن والدها قُتل غدرًا وقُيدت الحادث ضد مجهول، وبالأعلى ولجت صفية إلى غرفة محمود ونظرت إليه بحزن وقالت:
- يا ابني هو أحنا هنفضل سيبين البت لوحدها وقافلة على نفسها، يا ابني سهر عدمت تحت وبقت جلد على عضم أنا خايفة عليها لدرجة أني بنزل اطمن عليها كل شوية لتعمل حاجة فنفسها، بالله عليك يا محمود تحاول تتكلم معاها يا ابني أنت ساكت ليه هو أنت مش خطيبها أنا مش فاهمة أنت ليه سايبها لوحدها ما تتصرف وتعمل حاجة تخليها تخرج من اللي هي فيه ده.
زفر محمود بضيق وقال:
- تعبت يا أمي صدقيني تعبت من كتر ما حاولت وهي بترفض للأسف مافيش فايدة معاها إلا لو هي اللي عايزة تخرج من الحالة دي، دي بقت كل ما تشوفني تدير وشها ومش بتديني أي فرصة للكلام بتفضل تعيط وتطلب مني أرجع لها والدها الله يرحمه، وأنا مش عارف أعمل أيه معاها وزي ما أنت عارفة الحج مش راضي يخليني أكتب كتابي عليها بيقول لما تفوق لنفسها وتبقى بخير وأنه مينفعش تتجوز وأبوها لسه ميت، ولما قولت له طول ما هي خطيبتي مش مراتي مش هعرف أتصرف قالي لأ.
عبست صفية وقالت:
- طب والحل يا ابني البت بالشكل ده هتضيع مننا وذنبها هيبقى فرقبتنا بص أنا هكلم أبوك وأحاول أقنعه وهو هخليه يتكلم معاها بالعقل والدين وأكيد هيعرف يعمل اللي مش عارفين نعمله.
وفي جناح الليل متخفيا متواريا سار بحذر شديد ودلف إلى المنزل يتلفت يمينا ويسارا ليطمئن ألا يراه أحد، أخرج مفتاح الشقة من جيبه وفتحه بهدوء وسار على أطراف أصابعه فتح غرفتها ولكنه لم يجدها فعبس وأخذ يبحث عنها فلم يبقى غير غرفه والدها فتح بابها بهدوء فرأها نائمة تحتضن ملابس والدها، أقترب ببطء من الفراش وأخرج من جيبه زجاجة سكبها منها فوق منديله ووضعه على أنفها، ولكنه تفاجأ بيدها تختطف المنديل وتلقيه بعيدًا عنها وقد تأثرت رأسها قليلًا بفعل المخدر، فزاغ بصرها وحين اوشكت على الصراخ هجم عليها مكممًا فمها وأخرج سلاحه ووضعه فوق رقبتها مهددًا إياها قائلًا:
- أيوة خليكِ بوعيك أحسن علشان تحسي بكل حاجة يا سهري.
