رواية اصداء القلوب الفصل الثامن 8 بقلم سهي الشريف
8 | من سُـقوط بدأ الخَلاص
عادت بلادك يا شام طليقةً
تزهو كما الزهر البهي بأكمله
أبطالها صنعوا الكرامة فافخري
سوريا حرة، وشعبك يحتفل به .
2
اللهُمَّ هَوِّن بَرد الشِّتَاء عَلى أهل غَزَّة وعَلى أسرَانا وعَلى عِبَادك المُستَضعفين في كُلّ مَكان، اللهُمَّ إنّا نستَودِعُك كُلّ مَن لَا مأوَى لهُ فابسط دِفء رحمَتِك عَليهم وعَلى جَمِيع المُسلمين.
-
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثامنّ
#سهى_الشريف
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أصوات مٌنتظمة خافتة كانت تتراقص على أوتار موسيقية في سيمفونية تُعبر عن لحظات السلام الأولى بعد اندلاع الحروب لكن شيئًا ما كان يتربص في زوايا تلك النوتات، حيث بدأت مشاعرها تتسلل وتسيطر على هذا السلام النسبي.
+
مع زيادة دقات الأوتار بدأت "يـارا" تتمايل للأمام والخلف، مُغمضة العينين، تخوض صراعًا داخليًا بين شغفها للموسيقى وآلام الذكريات التي تراودها ،كانت كُل لمسة على البيانو كفيلة بإخراج كومة من المشاعر المدفُونة.
+
فتقدمت شقيقتها في تلك الاثناء وابتسمت ببطء مردده :
+
- عزف حاد... همم!
+
قالتها " وردة" بصوت يقطع تلك السيمفونية ، توقفت "يـارا" عن العزف وانفصلت اللحظة الصامتة عن سائر اللحظات.
+
التفتت سريعًا، لتجد "وردة" تراقبها بعُمق، تنهدت بهدوء نسبي، كأنها خرجت تواً من معركة داخلية، فأردفت " وردة " :
+
- باين جواكِ مشاعر كتيرة ..
+
ابتسمت " يـارا " و هي تتذكر أمراً ما لترفع عيناها للأعلى و تقول :
+
- خلاص راحو في حال سبيلهُم .
+
ثم طالعت على هيئتها لتجدها قد بدلت فُستانها بملابس عاديه ، لتعقد " وردة " يداها خلف ظهرها و تقول بلُطف مُشيره إلا فستان " يـارا " :
+
- بس الـ dress عليكِ قمر .
+
طالعت " يـارا " في فستانها الأنيق الذي لم تُبدلهُ مُنذ رحيل عائلة الزيني لترفع عيناها لـ " وردة " و تتسع ابتسامتها و هي من المرات القليلة التي تبتسم بحُب بدون أي سخرية أو استنكار لتقول بهدوء عكس شخصيتها المُتعاليه :
+
- عشان شيفاني بعيون قلبك بس .
+
اتسعت ابتسامة " وردة " بسعادة رقيقه لتهتف :
+
- طيب يلا عشان ننام ؟
+
طالعت فيها " يـارا " بملامح مُرتاحه لتُجيب :
+
- يـلا .
+
تقدمت الفتاتان معاً ليخرُجاَ من تلك الغُرفة التي كانت مُنعزله عن الفيلا برغبة من " يـارا " ، لـ تسيران في الحديقه سوياً و على حين غرة عقدت " يـارا " يدها في ذراع " وردة" لتبتسم الأخيره على حركتها و تتقدم معها بخطوات بطيئة بعد أن قالت " يـارا " :
+
- مش عوزاكِ تزعلي من بابي يا وردة ، هو بيحبنا بس ساعات مش بيحسبها صح .
+
قطبت " وردة " حاجباها و أردفت :
+
- أزعل منهُ على إيه ؟
1
طالعت فيها " يـارا " باندهاش فهي كانت تقصد موقف الصباح عند الفطور ، لتقول بقلة حيلة :
+
- أصـلاً ! ، خلاص و لا يهمك .
+
لتعودان بالنظر أمامهُم بشرود ، لتتردد " وردة " في حيره ثم تقول :
+
- بس أنا قلت حاجه و مش عوزاكي تزعلي مني ..
+
كانت " يـارا " هادئة للغايه و تسائلت :
+
- هي إيه بقا ؟!
+
قصتّ عليها " وردة " حوارها الذي دار بينها و بين والدتهٌم عندما كانت في الشركة حول كون الجميع يعلم كيف تجاوزت " يـارا " إمتحانات ثانوية عامة، لتضحك " يـارا " على حديثها بقلة حيلة و ترفع عيناها للسماء ثم تتوقف ، لتقف على إثرها حركة " وردة " و تلتفت لها تنظُر في عيناها بعُمق بينما " وردة " تشعر بالأسى :
+
- أنا عمري ما أزعل منك يا وردة ، إنتِ زيك زي الكل كنت مفهماهُم إلي أنا عاوزاهم يعرفوه .
+
ابتسمت " وردة " بلُطف على نصف العبارة الأول و لكن قطبت حاجباها في النص الآخر لتتسائل :
+
- يعني إيه مش فاهمه ؟؟
+
تنهدت " يـارا " براحه و طالعت فيها بصدق يخرُج مع كل كلمة تبوح بها لشقيقتها في لحظة الصفاء تلك :
+
- يعني أنا كنت أقدر أجيب مجموع عالي عن كده ، بس أنا عاندت بابي بسبب ضغطه عليا وقتها ..
+
انكمشت ملامح " وردة " بعدم فهم، لتستطرد " يـارا " بكل صدق :
+
- يعني اتخليت عن حلمي بس عشان ميحسش أنه انتصر و الحاجة إلي على مزاجه بس هي إلي تحصل .
+
اتسعت أعيُن " وردة" بصدمة ، لتهتف :
+
- بس إزاي قدرتي تعملي كده ؟ دا بابي!!
+
زمتّ " يـارا " شفتيها و بملامح سيطر عليها الحُزن و الندم وهي تقول بغصة :
+
- صدقيني مفيش حاجه أصعب عليا من إني اتخليت عن حلمي ، بس مكنش قدامي حل تاني غير كده ، بابي كان في باله أفكار كتيرة و مكنش يعرف إني عرفتها .. كنت مستحيل أحقق رغبته دي ، وعارفه طبعا إن مكنش عندي أوبشن الرفض ! .
+
تسمرتّ " وردة " رغم أن مُعظم كلمات " يـارا " كانت غير مفهومه لها لكن يبدو عليها مُعاناة ظهرت في كلماتها ، لتبتسم " يـارا " تُحاول كبت دمُوعها و تقول :
+
- بس متقلقيش الحمد لله الكلية إلي أنا فيها حلوة ، أي نعم مش شايفه مستقبلي فيها بعد كم سنة ، بس قادرة أمشي و أنجح و أديني في سنة تالتة..
+
ابتلعت " وردة " ريقها و امسكت كفاي " يـارا " و قالت بحُزن :
+
- أكيد إنتِ هناك عشان سبب ، يعني .. أ .. أنا واثقه فيكي و عارفه إن أكيد الطريق دا هيكون نهايتهُ حلوة ..
+
زمتّ " يـارا " شفتها بتأثُر و شدت على قبضتاي " وردة " و قالت بصوت متحشرج:
+
- أكيد ...
+
طالعت فيها " وردة" قليلًا ثم تقدمت لها و جذبتها تُعانقها لتتردد " يـارا " قليلاً ثم تُبادلها العناق ليسقُط ذلك القناع المُزيف و الذي يخفي ورائه جروحاً أبى أن يشفيها الزمن .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أنهى ترتيب أغراضه بعناية على المكتب، ثم نزع معطفه الطبي ببطء والتقط حقيبته وخرج بخطوات واثقة.
+
لم يكن لديه هدف واضح في البداية، لكن قدماه قادته إلى العناية المركزة، وتوقف خطواتُه بصدمة حينما طالع النافذة الزُجاجية و لم يجدها داخل الغرفة .
+
- بتدور على حاجة يا دكتور ؟؟
+
ألتفت " ريان " لصاحبة الصوت الناعم فما كانت سوى إحدى الممرضات و التي يُبصرها لأول مرة ليُخفض بصرهُ ثم تسائل :
+
- هي ميرال نقلوها فين ؟
+
زمتّ الممرضة شفتاها بغيض حاولت كبحه ثم أجابت :
+
- وحدة الرعاية الوسيطة هـ ...
+
و لم تُكمل جُملتها ثم هتف :
+
- تمام، شكراً .
+
ثم تخطاها و ذهب باتجاه " وحدة الرعاية " فلم يقصد بقطع كلماتها لهفتُه لرؤية " ميرال " بل هذه حالته الطبيعية لا يُكثر الكلمات مع النساء سوى للضرورة فقط منعاً من إدخال نفسِه في فتنة ، لكنهُ لم يسلم منها أيضاً .
+
تابعت بعيناها سيره مُبتعداً عنها ، و عيناها تشتعل ناراً لتهتف بصوت خافت :
+
- بقالي سنتين في وشه ميعرفش أسمي ، و هي من يومين حفظهُ !!
+
لتنتبه لصوت قريب منها يقول :
+
- بتحطي عقلك بعقل مريضه يا صفاء !
+
كانت تلك كلمات الممرضة " كوثر " التي كانت تتقدم باتجاه العناية لتُبصر مشهدها مع " ريان " ثم تسمع كلماتها التي لم تكُن خافته تماماً ، لتلتفت لها " صفاء " بغيض ، فتُكمل " كوثر " كلماتها بدون إكتراث :
+
- فوقي من إلي في دماغك و ركزي على شغلك و مستقبلك ، صدقيني لو كان عاوزك كان خد باله منك .
+
ابتسمت " صفاء " باستنكار ممزوج بغيض و أردفت :
+
- و إنتِ مالك ؟! حاشرة نفسك ليه يا صفرا ؟؟
5
ابتسمت " كوثر " باستخفاف و طالعت فيها قليلاً ثم أومأت برأسها في الطريق الذي ذهب منه " ريان " وعادت ببصرها لها تقول :
+
- أنا مليش فعلاً ، بس حبيت أفوقك ، البنت تعبانه و حالتها صعبة، و هو مش بيعمل غير واجبه فمتكبريش الموضوع في دماغك عشان مش هيقع غير على دماغك برضو ، و ساعتها هتندمي .
+
ثم أعطتها نظرة جانبية و غادرت و تركتها ، لتشتعل " صفاء " حقداً على " كوثر " ناهيك عن حقدها على "ميرال " لتعود خطواتها تتمتم في سِرها .
+
بينما هو توقف أمام باب غُرفتها شاهدها و كانت ما تزال غائبة عن الوعي ، وقف للحظات يُراقبها بصمت، ثم أطلق تنهيدة خفيفة وابتعد بخطوات بطيئة .
+
اقترب من الاستقبال عندما قطع رنين هاتفه سكون اللحظة ،أخرج هاتفه من جيبه، طالع الاسم الظاهر على الشاشة بابتسامة خفيفة وشيء من التعجب، ثم أجاب بلهجة ودودة:
+
- السلام عليكم ، أهلاً أهلاً بإبن العم...
+
أجابه الطرف الآخر بالسلام، ثم ألقى عليه كلمات سريعة جعلته يرفع حاجبيه بدهشة:
+
- يعني إنت واقف برا ؟
+
تحرك "ريان" بخطوات سريعة نحو الخارج، تتبعه عيناه بحثًا عن صاحبه ، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى لمحهُ يقف بعيدًا، مستندًا على دراجته البخارية الفاخرة ، و أغلق الاتصال وابتسم ابتسامة واسعة وهو يتجه نحوه:
+
- والله ليك وحشة يا يوسف !
9
تقدم "يوسف" نحوه واحتضنه بابتسامة دافئة:
+
- وانت كمان يا دكتور، والله.
+
طالع فيه "ريان" بسعادة حقيقية، ثم سأله بفضول:
+
- قول إنك خلصت الماجستير وهتستقر هنا؟!
+
ضحك "يوسف" وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، وأجاب بثقة:
1
- خلصت الماجستير يا سيدي، وهستقر هنا و... قدمت كمان في الجامعة البريطانية كمُعيد !
3
اتسعت ابتسامة "ريان" بدهشة وسعادة حقيقية:
+
- والله فرحتني جداً، ربنا يسعد قلبك دايمًا يا رب.
+
- آمين يا حبيبي، وإياك.
+
ثم التفت "ريان" إلى الدراجة البخارية، طالعها بتركيز وهو يغمز قائلاً:
+
- بس شكلك جاي بقوة المرادي
+
تراجع "يوسف" خطوة وهو ينظر إلى الدراجة مبتسمًا:
+
- آه دي؟ دي بس هواية... أصلاً كنت جاي أخدك عليها نروح نتمرن شوية، نص ساعة كده ولا حاجة .
+
رفع "ريان" حاجبيه باستنكار :
+
- نص ساعة إيه ! أنا من الصبح شغال، مش قادر يا عم سيبني .
+
تجاهل " يوسف " اعتراضه تمامًا، و وضع خطته حيز التنفيذ و ارتدى خوذته بحماس ومد يده بخوذة أخرى نحو "ريان" تطلع إليها للحظة بتردد، ثم أخذها منه ببطء وارتداها.
+
وما هي إلا لحظات حتى انطلق به "يوسف" بسرعة خاطفة ، الهواء البارد يضرب وجهيهما، بينما يُظهر "يوسف" مهارة فائقة في القيادة وكأن الطريق ملعبُه الخاص .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
رفعت "ليلى" صينية الطعام من أمام والدها بعد أن انتهى من طعامه، وكانت سعيدة جدًا لأنها ستتمكن أخيرًا من تناول وجبتها بعد أن كان والدها لا يسمح لها بالأكل إلا بعده.
+
وفي الوقت الذي كانت فيه داخل المطبخ، توجه والدها للاسترخاء على الأريكة، وتحديدًا إلى ركن معين، ليتوقف فجأة وينظر إلى شيء كان مُترددًا فيه.
+
اقترب منه، ومد يده ليُخرج خاتمًا رجاليًا من زاوية الركن، فرفعه أمام عينيه وبدأ يُقلبه بتفحص، ليكتشف نقشًا بحرف إنجليزي تعرف عليه سريعًا: "K".
2
أمال رأسه قليلاً، وأغمض عينيه بقوة قبل أن يفتحها مرة أخرى، ثم نظر للأمام بشرود و فجأة تذكر أمرًا آخر، فحرك حاجبيه بتفكير، وأدار نظره ليجد "ليلى" قد تقدمت بمكنسة لتنظيف الصالة بتركيز.
+
نظر إليها قليلاً بغضب مكتوم، فانتبهت هي له، ورفعت عينيها بحذر تجاهه دون أن تنطق بكلمة، مجرد نظرات حائرة من جانبها، ونظراته الجامدة من جانبه.
+
قبض والدها على الخاتم بقوة، وتقدم خطوات بعيدًا عنها، ليدخل إلى غرفته تحت نظرات "ليلى" المُندهشة و والتي تساءلت في نفسها:
+
- إيه اللي حصل دلوقتي؟
+
لم تمر سوى ثوان معدودة حتى سمعت طرقًا على الباب أفزعها، ثم وصلها صوت تعرفه جيدًا ، خرج والدها من غرفته بسرعة وقال لها بصوت حاد:
+
- ادخلي أوضتك بسرعة، وإيايا ألمح ضلك!
+
لم يكن أمام "ليلى" أي خيار سوى الامتثال لأوامره، حتى وإن لم يأمرها صراحة ، فأخذت المكنسة بسرعة، وركضت إلى غرفتها دون تفكير ، سحبت المزلاج وأغلقت الباب، ثم هرولت إلى الكومود لرفعه ووضعه خلف الباب كما فعلت في المرة السابقة ، و تنفست الصعداء عندما تأكدت من أنها في أمان.
+
استمعت لأصوات خطواتهم تقترب داخل المنزل، لكنها لم تشعر بالندم سوى لأنها لم تأكل شيئًا حتى الآن.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دلف "وائل" إلى غرفته بخطوات ثقيلة تُعبّر عن إرهاق يوم طويل ، ألقى حقيبته الجلدية على أقرب كُرسي، ثم اقترب من الفراش وبدأ بفك أزرار بدلته ببطء ، مدّ يديه إلى جيوبه ليُخرج ما بها، و ألقاها فوق الفراش بلا اهتمام، حتى استوقفته بطاقة الجمعية الخاص بها.
+
توقف فجأة،يحدّق فيه بشرود وهو يُفك أزرار قميصه ، نزع القميص و ألقاه على الكرسي بجانب الحقيبة، ثم دلف إلى دورة المياه بصمت
+
خرج بعد دقائق طويلة، و منشفة صغيرة تُبعثر شعره البني الذي اكتسب لونًا داكنًا بِفعل الماء ، اقترب من المرآة، رمق انعكاس وجهه بعينيه الخضراوين ، ثم بدأ في وضع بعض المُستحضرات الطبية على بشرته لم يهتم بتصفيف شعره بل اكتفى بلمسات بسيطة، لينتقل بنظره مُجددًا نحو الفراش، حيث تكدست أغراضه فوقه.
+
عاد للبطاقه ، حملها بيده وأخذ يُقلبها بهدوء ، جلس على طرف الفراش وعيناه معلقة بالاسم المكتوب عليها ، قال بصوت خافت:
1
- شوف إنت دخلت نفسك في إيه دلوقتي !
+
ظل يُحدق في البطاقة لثوانٍ ثم رفع رأسه ببطء، ناظراً إلى الفراغ أمامه بشرود ، تمتم لنفسه:
+
- ليه الموضوع ما خلصش في نفس اليوم؟
+
فكر قليلاً ثم ضحك باستنكار على تفكيره ثم همس :
+
- هروح بكرا أرجّعه ليها ونخلص من الحوار ده.
+
صمت لوهلة وكأنه يعاتب نفسه داخليًا، ثم أردف:
+
- وياريت تفكر قبل ما تتصرف تاني ..
+
مال بجسده ليضع البطاقة داخل دُرج الكومود .
+
───────────────── ˖.˚⋆
+
بينما على بُعد شارع كان "آسر" جالسًا على الفراش بجانب "مليكة" يضُمها إليه بحنان بينما أفكاره تجوب أبعادًا لا تهدأ ، ذهنه لم يكن حاضرًا هنا، بل كان عالقًا في كلمات "خالد" التي طُرحت اليوم بثقلٍ لا يُحتمل.
+
ظل يُحدّق في الفراغ بعينين شاردتين، قبل أن تصل لهُ رسالة على هاتفه ، ليفتح الهاتف بهدوء و يتأملها قليلاً، دفعت به للنهوض بحذر ، التفت نحو "مليكة" تأكد من استغراقها في النوم، ثم انسحب من الغرفة بخطوات خافتة كأنما يُخفي سرًا.
+
حين وصل إلى غرفته، أغلق الباب بإحكام خلفه، وأخرج هاتفه من جيبه ، وأنامله تحركت بسرعة لتحديد جهة اتصال مُعينة، وضغط زر الاتصال ، لم تمر ثوانٍ حتى جاءه صوت "وائل":
+
- ألو... في حاجة ؟
+
قال "آسر" بنبرة خافته تتخللها جدية واضحة:
+
- إنت فين دلوقتي ؟
+
رد "وائل" ببساطة:
+
- في السرير...
+
أخفض "آسر" أهدابه بضيق وصبر نفسه قبل أن يجيب:
+
- يعني في البيت؟
+
- أيوه، مالك؟!
+
تنهد "آسر" ببطء قبل أن يقول:
+
- خمس دقايق وتبقى عندي بالعربية ،عندنا مشوار لازم نروحه.
+
ارتفع حاجبا "وائل" بتعجب، ونبرته عكست حيرته:
+
- مشوار إيه دلوقتي؟ حصل حاجة؟
+
تردد "آسر" للحظة، كأنه يُفكر في مدى ما سيُخبره به، ثم قال ببرود مدروس:
+
- خالد جالي الشركة النهارده... وقالي إن عز رجع مصر.
+
شحب صوت "وائل" فجأة، ونطق بدهشة لم يُخفها:
+
- الرائد خالد؟
+
- أيوه.
+
نظر "وائل" إلى ساعته، فوجدها تقترب من منتصف الليل، فهتف:
+
- طيب هنروح فين في الوقت ده؟
+
رد "آسر" بنبرة قاطعة:
+
- البس وتعالى، وأنا هقولك في السكة.
+
نهض "وائل" سريعًا من الفراش، واتجه نحو خزانته يُخرج ملابس مُناسبة، وهو يرد:
+
- حاضر، خمس دقايق وهكون عندك.
+
أغلق "آسر" الهاتف بعد انتهاء المكالمة، ثم وقف للحظة أمام خزانته، و أخذ غرضًا معينًا بعناية، قبل أن يتحرك بخطوات سريعة نحو بوابة الڤيلا ، عيناه حملتا ثقلًا غامضًا، وكأن الليلة ستكشف عن أسرار دفنت طويلًا .
+
───────────────── ˖.˚⋆
+
كانت جالسة على الأريكة أمام والدها الذي توضأ و خرج تواً ليتسائل :
+
- إيه يا بنتي لقيتي الكارت ؟
+
- لا يا بابا ..
+
طالع فيها والدها بتعجُب و تسائل :
+
- ليه إيه إلي حصل ؟
+
كانت " مريم " مُتردده في إخبار والدها و لكن فاض بها تفكيرها لإخباره و عليها تحمل العواقب أي كانت .
+
و أخذت " مريم " تقُص على والدها ما حدث منذ وصولها المطعم و حتى عودتها الآن خالية الوفاض ، بينما كان يستمع لها " إبراهيم " باهتمام شديد ، حتى أنتهت و طالعت به لتجدُه يتنهد قائلا :
+
- قلتلك يا بنتي خلي بالك من الشباب دول ، دول ملهمش حد يحاسبهم ولا بيعملوا حساب تصرفاتهُم .
+
- بس يا بابا زي ما قلتلك دا إلي حصل بينا أنا بجد شيفاه حد سطحي و مفرقش معايا رأيه بجنيه .
+
قالتها " مريم " مُبررة ليُردف والدها بحذر :
+
- الحياة مش دايمًا زي ما إحنا شايفينها، فيه حاجات بتحتاج وقت علشان نكتشفها ، و التجارب دي بتوجع لما تكتشفي الحقيقة متأخر ، عشان كده خلي بالك قبل ما تدي ثقتك لأي حد.
1
حاولت "مريم" أن تكون أكثر هدوءًا:
+
- حاضر يا بابا
+
تنهد "إبراهيم" وابتسم بتجمل .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
جلسا ليأخذا أنفاسهُما بعد لحظات من النشاط، بينما رفع "ريان" أنامله ليعيد خُصلات شعره الطويلة للخلف ، ورغم أن "يوسف" لم يكن يمتلك نفس طول الشعر كـ"ريان" إلا أن بعض خصلاته كانت قد أطلّت برشاقة حول جبهته المتعرقة، ليقوم بدوره بدفعها للخلف.
+
التفت "يوسف" ثم ألقى نظرة على "ريان" قائلاً بين أنفاسه المُجهدة:
+
- لا بس حلوة الفورمه دي ، عشان لو عملت عملية تبقى مسيطر ..
+
ابتسم "ريان" مُتابعًا كلمات قريبه التي ربما كانت بلا معنى ، ارتشف قليلًا من الماء، ثم رد بهدوء:
+
- فكرتني ، عندي بكرا عملية هحضرها ..
+
رد "يوسف" بتفاؤل:
+
- ربنا معاك، وإن شاء الله تعدي الأمور على خير.
+
أجاب "ريان" بتأكيد:
+
- إن شاء الله يا رب.
+
بعد لحظات من التعزيز والدعم، قام الشابان معًا، مستعدين للمغادرة
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان " آسر " مُركز في الطريق بحِدة و " وائل" بجانبه يراقب تعابيره بفضول ، الجو خارج السيارة بارد والشارع مُظلم إلا من أعمدة إنارة متفرقة.
+
توقفت السيارة عند نهاية شارع ضيق، تناثرت فيه آثار الماضي؛ زجاج مكسور، لافتة متآكلة ، تحمل اسم المكان القديم "نوار الليل" الملهى يقف كهيكل مُتهالك، لكنهُ يضُم بين جدرانه أسراراً ترفض الموت.
+
أغلق " آسر " المُحرك، ونزل من السيارة بخطوات بطيئة ، خلفه" وائل " يتبعهُ مُتوجساً، وهو يضع يديه في جيوبه ليقاوم برد الليل وشعوراً غريباً بالرهبة .
+
قال" وائل " بغموض وهو ينظر للمبنى:
+
- إيه المكان ده؟ كان كباريه ولا إيه ؟
+
قال " آسر " بهدوء، و عينه مُثبتة على اللافتة القديمة :
+
- كان أكتر من كباريه ، هنا بدأ عز .
+
هتف "وائل" باندهاش :
+
- إحنا جايين ندور على عز هنا ؟ المكان مقفول بقاله سنين !
+
ألتفت له " آسر " بنظرة حاسمة :
+
- لازم نبدأ من البداية ، كل حاجة حصلت لينا كانت بسبب الصفقة اللي اتقفلت هنا.
+
و بعد لحظة تفكير أردف " وائل ":
+
- بس ده معناه إننا بندخل على منطقة خطرة ، لو عز أو رجالة شريكه عرفوا إننا هنا !
+
قال "آسر" بهدوء وغموض:
+
- ده لو عرفوا .
+
و ختم " آسر " الحوار وتقدم للمبنى أكثر ، دخل " آسر" و "وائل" من باب جانبي مكسور، والداخل مظلم تماماً ، فاستخدم "وائل" إضاءة هاتفه لتسليط الضوء على المكان.
+
تجول الاثنان وسط القاعة الرئيسية، التي كانت تعج بالحياة يوماً ما .. الطاولات مقلوبة، والكراسي متناثرة ، أشار "آسر" إلى زاوية معينة وقال:
+
- هنا كان عز بيقعد ، المكان ده كان زي مكتبه الخاص.
+
و على إثر تلك العبارة تفرقا الثنائي ، فاقترب "وائل" من البار ووجد كوباً مكسوراً ومجموعة أوراق قديمة ،بدأ بفحصها لكنه لا يجد شيئاً مهماً و لكم أثناء البحث، سمعوا صوتاً مكتوماً، وكأنه حركة خفيفة قادمة من إحدى الغرف الخلفية.
+
همس "وائل "متوتراً:
+
- إحنا مش لوحدنا هنا.
1
هتف "آسر "بصوت منخفض، لكنه هادئ:
+
- خليك ورايا.
+
دخلا إلى غرفة صغيرة، فيها طاولة قديمة وصندوق خشبي ، اقترب "آسر " من الصندوق و فتحه ليجد دفتر حسابات قديم عليه اسم "ع.س."
+
تسائل "وائل"بصوت خافت :
+
- ده اسم عز، صح؟
+
ابتسم"آسر " ببرود و قال :
+
- دي البداية.
+
و أثناء عملية البحث و قبل أن يُعطي " آسر " إشارة بالمغادرة ، سمعوا صوت باب يُغلق بعنف في مكان قريب ، أسرعا في الخروج من الملهى ليجدا دراجة نارية مُتوقفة في الجوار، وآثار أقدام حديثة على الأرض المُبللة.
1
و قبل مغادرة المكان هتف "وائل" بقلق وهو يتفقد آثار الأقدام :
+
- تفتكر حد شافنا؟
+
أجاب "آسر "بهدوء لكنه مليء بالتصميم :
+
- لو شافونا هيعرفوا إن اللعبة بدأت واحنا مش ناويين نخسر المرة دي.
+
خطواتهم الثقيلة كانت هي الصوت الوحيد في الشارع المهجور، ترافقت مع أزيز الرياح الباردة التي تداعب اللافتة القديمة.
+
فتقدم"وائل " نحو السيارة أولاً، فتح الباب الأمامي وجلس على المقعد ، بينما "آسر" تباطأت خطواته فجأة عند باب السائق.
+
إضاءة السيارة ألقت بظلال طويلة على الأرض، لكن عيني "آسر" انحرفت بهدوء نحو إحدى الزوايا المظلمة في الشارع ، كانت تلك الزاوية مٌظلمة بالكامل، تُخفي في عمقها معالم أي شيء واضح.
+
وقف "آسر " بثبات، عيناه تُراقبان الظل المُمتد في الظلام ، ملامحه لم تكن قلقة ولا متوترة، بل جمعت بين الحذر والتصميم و بصمت مهيب، مال برأسه قليلاً كأنه يُرسل إشارة غير مفهومة لشخصٍ ما يقف هناك، مُختبئاً في العتمة.
+
- كل خطوة محسوبة، وكل حركة ليها وقتها حتى الضلمة ليها عيون.
+
كان هذا حديث "آسر " في نفسه ،ولاحظ "وائل" تأخرُه ، فخفض الزجاج وسأل بقلق:
+
-مبلاش جو الغموض دا ، في حاجة يا آسر ؟
1
لم يُجيبه "آسر " بل فتح باب السيارة و جلس خلف المقود ، و هتف ببرود وهو يُدير المحرك :
+
- مافيش حاجة.. يلا نروح.
+
نظر لهُ " وائل " بترقُب، لكنه قرر ألا يسأل أكثر و انطلقت السيارة في هدوء، لتغيب عن الأنظار، ويظل المشهد ثابتاً على الزاوية المُظلمة التي تتلاشى في السكون البارد.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أصوات إحتكاك المفتاح بمزلاج القفل أنبئتهنّ على قدومه ، دفع الباب بهدوء ثم دلف للمنزل و عيناهُ أرضاً يذكُر الله في جوفه .
+
أغلق الباب و اتجه ببصره لداخل المنزل ، ليجدهم يطالعون فيه ،انكمشت ملامحه بتعجب خلطتُه ابتسامة و هو يتسائل بعد السلام :
+
- قاعدين كده ليه ؟
+
اتسعت ابتسامة " ميار " و هي ترى أخوها " ريان " يتقدم نحوها هي و والدتها ، لتهتف " فريدة " :
+
- اللهم بارك قمر بالصلاة على النبي..
4
قطب " ريان " حاجباه بعدم فهم و مازالت تلك الابتسامة على وجهه مع بعض الخجل ، ليتقدم من والدتُه بهدوء و يتجاوز " ميار " الجالسة بجانبها ، ثم يُقبل مُقدمة رأسها ثم يعود بجذعه مُستقيم لتهتف " ميار " اعتراضاً :
+
- و أنا ؟؟
+
لم يُفكر " ريان " في ردة فعله بل عاد خطوة للوراء و مال بجذعه للأمام و قبل مُقدمة رأسها بحنو ، لتتأثر " ميار " بعدم تصديق و فور أن أستقام طالعت فيه بسعادة بالغة و قالت :
+
- دا أنت قمرين .
+
أطلق " ريان " ضحكة خفيفه ثم تقدم بضع خطوات و جلس على الأريكة المُقابلة لهنّ ، ثم رفع عيناه ليلمح نظرات غير المفهومة ليتسائل مُبتساماً :
+
- مالكم في إيه ؟؟
+
لم تُجيب إحداهُنّ عليه فقط ابتسامة واسعة و نظرات غير مفهومة، ليستدرك " ريان " أمراً ثم يهتف :
+
- آآه دا الشيفت بتاعكم، بس نور مش هنا فاستلمتوني أنا !
+
أطلقت " ميار " ضحكة خافته لم تستطع كبت نفسها، بينما والدتهم تُمرر عيناها عليهِم ، ثم ضمت " ميار " كلا كفيها و بنبرة خجولة تسائلت :
+
- أسخنلك العشا ؟؟
1
صمت " ريان " قليلاً و ضيق عيناه ثم ثنهد بإدراك و قال :
+
- قولوا عاوزين إيه ؟!
+
طالعت " ميار " في والدتها و قالت :
+
- لماح إبنك دا .
+
- واخدها من أبوه .
+
هكذا كان الحوار بين " ميار " و " فريدة " بينما مازال " ريان " يطالعُهم بقلة حيلة ينتظر أن يكرموه و يعرضوا عليه ما يريدون دون تلك المُقدمة الطويلة التي بدأوها.
+
أعادَت "ميار" نظرها إلى أخيها "ريان" وابتسامة خفيفة تملأ ملامحها ثم قالت :
+
- إحنا عندنا طلب بسيط.
+
ضيق "ريان" عينيه وكأنه يحاول قراءة ما يدور في ذهنها، وقال بابتسامة جانبية:
+
- طلب بسيط؟! طيب اتفضلوا
+
ضحكت "ميار" بخفة، ثم ألقت نظرة خاطفة على والدتها ، و التفتت مجددًا لـه وقالت بنبرة شبه خجولة:
+
- بصراحة... أنا عندي تسميع سورة الأنعام بكرة، وحاسة إني مش متقنة أوي ، فقولت لو تصلي بينا قيام الليل ، هتبقى فرصة أسمّع السورة وأنا وراك.
4
ارتفع حاجباه بدهشة خفيفة، ثم قال مازحًا:
+
- يعني الموضوع كله علشان أحفظك ؟
+
هزت "ميار" رأسها بسرعة نافية:
+
- مش حفظ ! دي مراجعة بس عشان أأكد عليها ... وبعدين ماما كمان كانت عاوزة تقوم الليل ، صح يا ماما؟
+
أومأت "فريدة" بابتسامة هادئة وقالت:
+
- طبعًا، قيام الليل ليها بركة، وإنت صوتك جميل ما شاء الله.
3
أطلق "ريان" تنهيدة خفيفة، ثم قال بخفوت :
+
- يعني الموضوع مؤامرة عائلية !
+
أطلقت "ميار" ضحكة خافته ، وقالت بخفة :
+
- لا مؤامرة ولا حاجة... إحنا بنستغل وجودك معانا.
+
نظر "ريان" إليهما وهو يميل رأسه قليلاً وكأنه يحاول فهم المغزى، ثم ابتسم بخفة وقال :
+
- طب ليه كل المقدمة الطويلة دي؟ يعني لو كنتوا طلبتوا قيام الليل على طول كان زماننا بنصلي دلوقتي بدل ما ضيعنا وقت !
+
ضحكت "ميار" بخفة وقالت :
+
- ما هو إحنا كنا عاوزين نحسسك إنك مهم، مش إمام صلاة عادي!
+
هز "ريان" رأسه بابتسامة نصفية وقال:
+
- إذا كان كده ماشـ ... وبعدين إيه موضوع "مهم" ده؟ هو أنا جاي في مؤتمر ؟
+
انفجرت "ميار" بالضحك ، فقاطعتهم "فريدة" بابتسامة وهي تحمل سبحة صغيرة بيدها :
+
- يلا ياولاد، الصلاة أولى من الهزار ده كله.
+
نهض "ريان" وهو يبتسم وقال وهو ينظر إليهما :
+
- أنا هدخل بس أخد شاور على السريع و بعدين نبدأ ، إنتو متوضيين صح ؟
+
أومأوا برؤسهم إيجاباً ، فأومأ رأسه بتفهّم ثم دلف لغُرفته يُحضر ملابسه ثم يتجه لدورة المياه.
+
وقف " ريان " أمامهنّ و هنّ خلفه ، ثم أستعاذ من الشيطان ، ثم ألتفت لهُن مُدعي الجهل و تسائل :
+
- هي أول سورة الأنعام إيه ؟
2
أندفعت " ميار " تُجيب دون تفكير في سبب تسائله :
+
- ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ﴾ .
+
نظر إليها "ريان" وهز رأسه وهو يقول بابتسامة:
+
- بارك الله أحسنتِ ، بس [ يَعۡدِلُونَ ] الدال مكسورة و اللام مضمومة.
+
أومأت رأسها بتفهُم ، فأعاد نظره لموضع الصلاة و رفع كفاه و هتف بخشوع :
+
- الله أكـبـر .
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
الساعة قاربت على منتصف الليل ، المكتب غارق في أجواء صامتة إلا من صوت عقارب ساعة حائطية ثقيلة ، كان « هو » يجلس على كرسيه الجلدي خلف مكتبه، ووجهه مغمور في الظل ، أمامه وقفت امرأة ترتدي فستاناً أسود أنيقاً، وظهرها إلى الضوء، مما جعل ملامحها غير واضحة فقالت بهدوء غامض :
+
- ياسلام لو كان مات في الهبوط ده ، بس الحظ دايماً بيلعب مع آسر .
+
ابتسم "عز" ببرود، يطقطق أصابعه ببطء :
+
- مش حظ... ده توقيته ، شجاعة مزيفة اتبنت على صدفة، والناس مش بيشوفوا أكتر من اللي عايزين يشوفوه.
+
هتفت المرأة بغمزة تهكمية :
+
- وإحنا؟ هنفضل نتفرج؟ الولد كل يوم بيكسب أرض جديدة، رجال الأعمال بيدوروا عليه، وسمعة شركة الرفاعي بقت كلام البلد.
+
قال "عز " بهدوء خطير، ينحني للأمام:
+
- الخطوة الجاية مش بس هتوقفه، هتخليه يعرف مكانه الحقيقي.
+
تسائلت المرأة بصوت منخفض كأنها تختبره :
+
- وإيه خطوتك؟
+
لوح بيده بإشارة إنهاء الحديث ثم قال :
+
- مش مهم تعرفي دلوقتي ، بس لو شغلك كان صح مكنتش هبرجع مصر من الأساس.
+
تراجعت المرأة للوراء ، تنظر إليه بنظرة حادة :
+
- مكانش ينفع أعمل أكتر من كده من غير ما أسيب أثر ، دلوقتي هو تحت عنينا، وكل اللي حواليه ممكن يتحولوا لنقطة ضعف.
+
ضرب "عز "سطح المكتب بيده ببطء، مبتسماً :
+
- آسر هيفضل يتحرك زي البيدق في اللعبة دي لحد ما يلاقي نفسه قدامي .
+
نهضت المرأة و استدارت لتغادر، لكن قبل أن تصل إلى الباب، توقفت بصوت "عز " ليجمد خطواتها :
+
- جهزي نفسك للـ event ، إحنا مش بنلعب مع صبي ،إحنا بنجهز ساحة لعبة للكبار.
+
خرجت المرأة دون أن تُظهر أي انفعال، وأغلقت الباب خلفها ببطء ، و استند "عز " إلى كرسيه، مد يده وأمسك بملف مفتوح على مكتبه ، فيه صورة "لآسر" على غلاف إحدى المجلات، وعنوان عريض يقول: "الوريث الشجاع يعود إلى مصر سالم " نظر إلى الصورة للحظات قبل أن يُشعل سيجارته وينفث الدخان على وجه الصورة، تاركاً رماداً صغيراً يتساقط فوقها .
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
رسالة انبعثت من إحدى الجهات لتصل لأعضاء محدودين من أعضاء شركة الرفاعي في ذات الوقت ، و كل ما بالرسالة يدعو لتعجُب .
+
كان هو يتناول طعام العشاء برفقة والدتُه التي تنتظره يومياً و لا تتناول بدونه ، ليصل لهُ إشعار على هاتفه ،فيتنهد و يحمد الله ثم يُمسك هاتفُه بفضول،ليقوم بفتح الرسالة و يقطب حاجباه و هو يتأمل محتواها ، لتنتبه لهُ والدتُه و تهتف بتساؤل :
+
- في حاجة يا مؤمن ؟
1
صمتّ قليلاً و هو مازال يتأمل محتوى الرسالة ،حتى تزول الحيرة من ملامحه و يقول :
+
- استدعوا الكل بكرا في الشركة .
+
تعجبت والدتُه و تسائلت :
+
- مش الجمعة أجازة ؟
+
استطرد "مؤمن" وهو يضع الهاتف جانبًا وينظر إلى والدته:
+
- أيوه، بس واضح إن في حاجة محتاجة متابعة ،و الرسالة بتقول إن في اجتماع ضروري عشان مراجعة تطورات مشروع كبير.
+
رفعت والدته حاجبها باستغراب وسألت:
+
- مش المفروض الحاجات دي بتتعامل في مواعيدها؟ يعني ليه دلوقتي وفجأة؟
+
هز "مؤمن" كتفيه وقال:
+
- عادي ، ممكن يكون في تسليم ملفات لمستثمرين كبار أو تعديلات أخيرة على خُطة مشروع ، المشاريع الضخمة زي دي ساعات بيحصل فيها تغييرات مُفاجئة، ولازم يتابعوا كل التفاصيل أول بأول.
+
نظرت إليه والدته وأردفت :
+
- ماشي يا حبيبي، ربنا يوفقك ، بس خليك هادي، وإن شاء الله يكون خير
1
- إن شاء الله .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
عاد "وائل" إلى الڤيلا متأخرًا تلك الليلة ، كان الجوء مظلما باستثناء ضوء خافت ينبعث من الصالة الرئيسية ، دفع الباب بهدوء وأغلقه خلفه، ثم تحرك بخطوات ثقيلة نحو الداخل.
+
صوت التلفاز كان منخفضًا، وعيناه وقعتا على والده جالسًا على الأريكة أمامه جهاز لوحي ، ووالدته بجانبه تحتسي كوبًا صغيرًا من الشاي.
+
ألقى "وائل" نظرة خاطفة عليهما ثم قال بصوت خافت:
+
- مساء الخير.
+
رفعت والدته نظرها إليه، وابتسمت بخفة:
+
- رجعت أخيرًا.
+
أما والده، فقد وضع الجهاز اللوحي على الطاولة، ثم استدار نحو ابنه وسأله بنبرة هادئة تحمل في طياتها جدية:
+
- خلصت كل اللي عليك؟
+
تنهد "وائل" وأجاب بنبرة محايدة:
+
- كنت في عشاء مع مراد، وبعدها آسر احتاجني في حاجة ضرورية للشغل.
+
لم يبدُ على والده اقتناع كامل، ولكنه قال بصوت منخفض:
+
- مراد عزمك عشان رجعت ، تمام... بس شغلك لازم يبقى الأولوية دايمًا ،الاجتماع النهاردة كان طويل، لكن ملاحظتك كانت أقل من المتوقع.
3
شعر "وائل" بوخز في صدره، لكن ملامحه لم تتغير، وقال بهدوء:
+
- كل حاجة ماشية زي ما طلبتوا.
+
صمت " رياض " قليلاً ثم قال بلهجة تحمل مزيجًا من الجدية واللوم:
+
- بكرا في اجتماع زي ما أنت عارف ، و إحنا محتاجين نخلص الـ presentation بكرا ، الوقت بيضيع، وأنا مش شايف منك أي جدية.
+
رفع "وائل" عينيه إلى والده، بدا عليه الضيق لكنه أخفى ذلك خلف ابتسامة خفيفة وقال:
+
- أنا كنت شغال طول اليوم، ومش سايب حاجة متأخرة ، العرض كله جاهز ، و الشغل تمام.
+
استند والده إلى ظهر الأريكة، يراقبه بعينين حادتين وقال:
+
- تمام بالنسبالك مش بالنسبالي ، أنا مش شايف إنك بتدي كل حاجة حقها ، انت بتشتغل بس مش بنفس الحماس اللي كنت متوقعه منك لما دخلت معايا الشركة.
+
خفض "وائل" نظره، وكأن الكلمات كانت ثقيلة عليه ، قال بعد لحظة صمت:
+
- يمكن عشان... مفيش حاجة بتشدني .
+
نظر " رياض " إليه باستغراب، و قالت والدته بنبرة جادة:
+
- معنى إيه كلامك ده ؟
+
تردد "وائل" لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت:
+
- بقول يمكن عشان مش حاسس إن اللي بعمله ده هو اللي أنا عايزه فعلاً.
+
اتسعت عينا والده بدهشة خفيفة، قبل أن يعود للتحدث بصرامة:
+
- الكلام ده مش وقته .. الشركة دي مشروع حياتي ، وهي مستقبل العيلة و اللي انت عايزه حاجة جانبية، لكن شغلنا هنا هو الأساس.
4
تجمد للحظة وهو ينظر إليه ، ثم أجاب بنبرة محايدة، يخفي خلفها ضيقه:
+
- حاضر، هحاول أركز أكتر.
+
أشار والده إليه بحركة صغيرة من يده:
+
- كلمة "هحاول" مش كفاية يا وائل، أنت اللي هتستلم الشركة و أنا مش هبقى موجود ، لازم تكون جاهز لأي حاجة .
+
ابتسمت والدته، محاولة تخفيف حدة الموقف:
+
- والالتزام ده مش بس في الشغل يا وائل، الناس بتتكلم عنك ، صورة العيلة مهمة، وما ينفعش تبقى دايمًا مشغول عن دورك الاجتماعي.
+
شعر "وائل" بأن الكلام يثقل عليه أكثر، فقال بنبرة هادئة:
+
- حاضر، هظبط كل حاجة.
2
نهض والده من مكانه، وربت على كتفه سريعًا:
+
- مش عاوز منك غير إنك تكون أفضل .
+
نظر "وائل" إلى الأرض، وأومأ برأسه ، من جانب والدته ، ألقت نظرة تفحصية عليه وقالت بابتسامة :
+
- طيب، ارتاح دلوقتي شكلك تعبان .
+
ألقى نظرة سريعة عليهما، ثم قال:
+
- تصبحوا على خير.
+
صعد إلى غرفته بخطوات مثقلة، وأغلق الباب خلفه ، أقترب من الكومود وسحب شريط دواء، تناول قرصًا دون اكتراث، كعادة روتينية لا أكثر ،ألقى بنفسه على الفراش يحدق في السقف بتعب.
+
الشعور بالضغط يحيط به من كل جهة ، توقعات والده، ملاحظات والدته، وحتى نظرته لنفسه... كل شيء يبدو كأنه يطالبه بالكثير دون أن يمنحه شيئًا في المقابل.
+
أخذ نفسًا عميقًا وأغمض عينيه .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أنها ليلة الجُمعة ، أفضل ليالي الأسبوع ناهيكَ على أن نهارها أفضل الأيام .. ليلة مُباركه كل ما فيها مُبارك و يحمل عبق الصلاة على رسول الأمة و رحمة الله للعالمين ﷺ .
+
استيقظت عائلة الشريف في الصباح الباكر ، فاليوم هو يوم الإجتماع الأسبوعي للعائلة.
+
أعتادت أفراد العائلة على الإجتماع كل جُمعة في شِقة " علي " و كان ذلك لعدة أسباب .
+
المبنى السكني المكون من ١٤ طابقاً كان من تصميم " علي " فهو من قام على البناء الهندسي بصفتِه مهندس معماري ، و وضع به مُمُيزات عن غيره ، حيث في كل طابق يوجد به شقتين تٌواجه كل منها الآخرى إلا في الطابق السادس فلا توجد بها إلا شقة واحدة حازت على مساحة شقتين و كانت هذه شِقة " علي " و عائلته .
+
شُيد المبنى من خمسة عشر عامًا بالتعاون مع شركة الرفاعي ،و التي تميزت بحرفية عالية و مواد بناء ممتازه جعلت من المخطط الهندسي واقعاً حقيقياً ،و أفضل البنايات في المُجمع السكني الذي يقبع به .
+
و حاز أخوته " أحمد " و " صفية " و " حمدي " كل منهُم على شقه خاصة فيه بعقد " تمليك " .
+
حتى تزوج " عابد " إبن " أحمد " بـ " زينب " إبنة " صفية " و حاز هو على شقتهِ الخاصة بجانب عائلاتهم أما باقي الشُقق منها من تم تأجيره و منهم من قام بالشراء .
+
و كل جُمعة يكون الإجتماع الأسبوعي بعد إنشغال الجميع بمسؤوليات مُختلفة ، و يكون بالإتفاق المُسبق على قائمة طعام يحضرونها النساء لأجل مائدة الغداء ، و التي يُفصل بها بين الرجال و النساء و هذا من مميزات شقة " علي " و هو المساحه الكبيرة الي تفوق مساحة أي شقة في المبنى .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت غطت في نوم عميق لم يُقظها سوى مُنبه السادسة صباحاً الذي أعتاد إيقاظها في هذا الموعد من أجل المدرسة .
+
تمللت " ليلى " في الفراش قليلاً ، ثم نهضت بخمول و إرهاق شديدان ، و طالعت في الباب لتجدُه كما تركتُه ، لتتحامل على نفسها لتنهض ثم تتقدم للباب تُزيح الكومود جانباً ثم تفتحُه لتجد الصدمة .
+
الصالة مُبعثرة ، ومليئة بـ تلك الرائحه الكريهه التي أزالتها بصعوبة آخر مرة ، و الزجاجات المُتناثرة .
+
تقدمت عبر الصالة تجاه المطبخ ، ملاذها الأخير ، لتتفاجئ بالكارثة ..
+
اتعست عيناها من الصدمة و هي تستند على حافة جدار المطبخ ، جميع الأواعي فارغة و مُبعثرة على الأرفف ..و الأرض مُتسخه .
+
فـ تقدمت بخطوات بطيئة للثلاجة لتجدها فارغه من الأغراض سوى مُقطفات صغيرة .. أغلقت الباب بصدمة ثم تقدمت تجاه حوض المطبخ حيث ما تبقى من وجبتها المُفضلة .
+
مدتّ يدها لتلتقط الطبق الذي جهزتهُ مُسبقاً لتضع به طعامها ، لتجده فارغاً إلا من قطع معكرونه صغيرة ، لترتعش يدها و يسقط الطبق منها داخل الحوض و يبدأ جسدها بارتعاش فاستندت بيداها على حواف الحوض و بدأت دموعها بالهبوط بقهر كبير، و شهقات مكتومه لتقول من بينها :
+
- مكلتش .. مكلتش حاجه .. مـ ..
4
ثم زدادت شهقاتها و نحيب قلبها ، لتبدأ بالهبوط ببطئ حتى استقرت أرضاً بوفاض خالية ، مغلوب أمرها ، لم تتمنى يوماً سوى لُقمة تسد بها جُوعها ، و علاج تُرمم بها شروخ جسدها ، و أمان تُهديه لجوفها المُرتعد ، أكان ذلك كثيراً عليها ؟؟!
+
بعد دقائق من الانهيار أرضاً ، قررت النهوض لترتيب الفوضى ، تحاملت رغم عدم قُدرتها فهي لا تتمتع بخيارات كثيرة .. ذهبت لدورة المياه و قررت الوضوء أولاً لصلاة الفجر الذي لم تستقيظ لهُ في موعده ..
+
ثم فرشت سجادتها و صلت قاعدة ، و رغم أن قلبها مُضطرب إلا أنها وجدت سكُناً في الصلاة حتى و إن كان للحظات فهذا كفيل لها بشحن طاقتها لساعات آخرى ..
+
ارتشفت قليلاً من الماء تحمد الله أن هناك ما استطاعت وضعُه في معدتها ، ثم بدأت بالتنظيف و الترتيب ، و تنظيف الأواني و الذي لم يكُن بالهين بتاتاً بكُل ما حملتهُ الكلمة من معاني ..
+
و بالفعل أنتهت من تنظيف الصالة ، و هاهي تُنظف الأواني أرضاً لعدم قُدرتها على الوقوف أكثر ، ليصل لمسامعها رنين هاتفها ، توقفت عن التنظيف لتتأكد أن سمعها لم يخونها و هناك إتصال وارد .
+
نهضت و ذهبت لغُرفتها تلتقط هاتفها ثم أجابت بوهن :
+
- آلو السلام عليكم..
+
- و عليكم السلام ، أستاذة ليلى معايا ؟
+
أجابت " ليلى " سريعاً :
+
- آيوه مين !
+
- حضرتك أنا بكلمك من مطعم " Elitaire " لو ينفع تيجي النهارده ندرب حضرتك قبل الشغل الرسمي يوم الأحد إن شاء الله؟
+
صمتتّ " ليلى " بتردد لا تعلم أترفُض أم تقبل ، ليتحدث الطرف الآخر:
+
- حضرتك معايا ؟
+
أغلقت " ليلى " أهدابها و فتحتها سريعاً ثم أجابت:
+
- آيوه ، خلاص إن شاء الله.. إمتى ؟
+
- الساعة ١٠ يا فندم .
+
طالعت " ليلى " في ساعة الهاتف و كانت الثامنة ، لتقول :
+
- حاضر إن شاء الله .
+
ثم أغلقت الإتصال لتتنهد بقلة حيلة و تفكير لا تعلم ما يجب عليها فعلُه و كُل شئ بات فوق كاهلها .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
دلفت بجانب والدتها الشركة بعد أن علمت في الصباح الباكر أن هُناك أجتماع ، و بعد إصرار من جهة " وردة " و رفض من جهة " مريهان " على ذهابها معها ، تنازلت و واقفت ، فلقد كانت " وردة " مُصرة إصراراً جعل والدتها تلين لها رغم أنها اخبرتها أن لا عمل لها اليوم.
+
دلفت " مريهان " المكتب و جلست " وردة " على الأريكة ، و بعد بضع ثوان دلف عِدة موظفين لـ " مريهان " و بدأوا بالنقاش حول استدعاء اليوم و الذي لم تفهم منهُ " وردة " حرفاً ، فقررت الأستفسار لاحقاً لكنها الآن تود فعل أمر طارئ .
+
وقفت أمام كافيه الشركة، حيث الهواء مُشبع برائحة القهوة المُختلطة بصوت خطوات الموظفين المُتعجله .
+
و ببراءة وعفوية لا تُخطئها العين، اقتربت من النادل، وألقت عليه سؤالًا بدا وكأنه الأكثر أهمية في العالم بالنسبة لها :
+
- هو ليه مفيش في الـ menu شاي بلبن؟
+
رفع النادل عينيه نحوها بحذر ثم قال :
+
- عفوا يا فندم !
+
قاطعته " وردة " و هي تبحث بعيناها في قائمة المشروبات :
+
- لا بجد يعني، على فكرة الشاي باللبن سهل خالص.
+
كانت نبرتها حماسية حزينه، و تُدافع عن مشروبها المفضل بشغف غير قابل للنقاش ، حاول النادل أن يشرح :
+
- أنا عارف حضرتك، هي سياسة شغل بس...
+
ولكنها لم تمنحُه فرصة وهتفت :
+
- على فكرة الشاي باللبن طعمه جميل أوي.
+
و من بعيد كان " مؤمن " يقترب، خطواته هادئة لكنها واثقة ، وقف على مسافة منها ، و لكن صوتها جذب انتباهه دون أن يعلم، فوقف أمام المقهى يستمع لما يدور بينهما.
+
- طب تعرف إيه فوايد اللبن؟
1
هكذا هتفت " وردة " بحماس و لكن ظهرت على وجه النادل علامات الحيرة، وكأنها أوقعته في اختبار لم يكن مُستعدًا له ، لتهمس لنفسها قائلة بجدية :
+
- لازم أعمل أجتماع مع ماما بخصوص الموضوع دا ..
+
لكن يبدو أن صوتها لم يكُن مُنخفض ، فلقد كان يُطالع أمامُه واضعاً كفه على فمه ، فـ رفع حاجباه بتعجُب و ارتسمت ابتسامة خفيفة على طرف شفتاه لا يُصدق أنها تود عقد أجتماع من أجل مشروب ، بينهما هتف النادل وقال :
+
- يا فندم حضرتك، إحنا مش كاتبينه بس نقدر نعمله لحضرتك عادي...
+
اتسعت ابتسامتها و زاد خجلها لتهتف :
+
- بجد؟ طيب عاوزه كوباية !
+
- تمام يا فندم... اربعين جنيه.
+
تجمدت للحظة، وكأن الرقم أصابها بالارتباك فلم تكُن تحمل معها مال بعد أن تركت حقيبتها في مكتب والدتها ، فحاولت التحدث ولكن كلماتُها خرجت مُبعثرة :
+
- هو .. أنا يعني..ماما..
+
قاطعها بنبرة حازمة من الخلف، جاءت كمُخلص لها من هذا المأزق :
+
- والدتها تبقى باشمهندس مريهان ..
+
تراجع النادل سريعًا، مدركًا أنه ارتكب خطأ ما ليقول:
+
- آه، بعتذر يا فندم... الطلب على حساب الشركة.
+
ابتسمت "وردة" ببراءة ساحرة، رفعت عينيها لتنظر لمن أنقذها ، كان " مؤمن " يقف هُناك بهدوء يطُالع أمامه ، و بابتسامة طفوليه و كأنه صديق قديم ، سألته برفق:
+
- أنت هتطلب إيه ؟
+
بدت عليه المُفاجأة، كأن السؤال غريب تمامًا عن توقعاته ، تنحنح ثم التفت إليها بهدوء، مُحاولًا الحفاظ على جديته :
+
- عفوًا ؟
+
ظنتّ " وردة " أنهُ لم يفهم معنى سؤالها لتطرحه بصيغة آخرى :
+
- هتشرب إيه يعني؟ ولا هتاكل؟!
+
تردد لثوانٍ، وكأنه يحاول فك شفرة شخصيتها، قبل أن يُجيب بجفاف واضح يُحافظ على بصرُه للأمام :
1
- قهوة.
+
اتسعت ابتسامتها وهي تُطالع فيه و تسائلت بلهفه :
+
- قهوة باللبن ؟؟
+
ارتفعت حاجباه قليلاً، بينما رد بجمود أكثر :
+
- لا، dark .
+
- جربها باللبن...
+
هكذا كان اقتراح " وردة " ببراءة و لكنهُ صمت ولم يُجيب، وهي لم تنتظر منه ردًا ، و استمرت بطريقتها الطفولية في الحديث:
+
- طب تعرف إيه فوايد اللبن؟
6
و في تلك اللحظه وضع النادل كوب الشاي باللبن أمامها، فتعلقت عيناها بالكوب بانبهار شديد ، و بدت وكأنها ترى مشروبها المفضل لأول مرة ، بلمعة عينيها وابتسامة مُشرقة، هتفت بفرحة:
+
- شكرًا جدًا لحضرتك.
+
راقبها « هو » بصمت، مُتعجباً من بساطتها التي تُميّزها عن أي فتاة أخرى من نفس الطبقة ، و شُكرها لم يحمل تكلُفًا، ولم يكن فيه أي تصنُع ، كانت فقط « هي » ، بكل صِدقها وسعادتها البسيطة.
+
احتضنت الكوب بكفيها ، ليتقدم منها النادل و يضع أمامها إحدى المخبوزات " كورواسون " و هو بهتف باحترام:
+
- و دي مننا لحضرتك ..
+
اتسعت ابتسامة " وردة " ظنناً منها أنها مُبادرة منه لم تكُن تعلم أنها على حساب والدتها أيضا ، لتلتمع عيناها و تقول :
1
- شكراً أوي كُلك ذوق .
+
بينما ابتسم " مؤمن " على طرف شفتاه بعدم تصديق ، يالله هي لا تعلم أنهُ مدفوع حقُه ! ثم سارت مُبتعدة بخطوات سعيدة ، كانت تبدو وكأنها تعيش في عالمها الخاص، عالم لا يحتوي سوى "وردة" وكوب الشاي باللبن خاصتها .
2
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- جواد ، أستنى ..
+
توقف "جواد" على إثر نداء "حنان" ليلتفت نحوها بصمت مترقب، فقالت بنبرة مُلحة:
+
- استناني ألبس وأجي معاك.
+
أجاب "جواد" وهو يغلق أزرار معصم قميصه، مُظهراً ملامح جدية:
+
- لا لا، مش هتيجي معايا النهارده.
+
نظرت له "حنان" بتساؤل.:
+
- ليه؟
+
تنهد قليلاً ثم أردف:
+
- أنا هروح المطعم شوية، وبعد كده هطلع على المستشفى أشوف البنت صاحبة التهمة، بيقولوا ممكن نبدأ التحقيق النهارده ، خلي ده يوم أجازة.
+
أومأت برأسها قائله بنبرة هادئة:
+
- تمام، إلي تشوفه.
+
ثم تقدم بخطوات ثابتة ليغادر، لكنه توقف فجأة كأنه تذكر أمراً فنظر إليها وقال بنبرة عملية:
+
- آه، نسيت... أديني الملف اللي شلته معاكِ إمبارح.
+
أجابت "حنان" بعد لحظة من التفكير:
+
- حاضر، بس هو في الأوضة اللي برا.
+
أومأ بتفهّم وهو يردف:
+
- تمام، أنا جاي معاكِ.
+
خرج الاثنان من الباب الداخلي للڤيلا متجهين إلى غرفة كانت قد بُنيت للسيدات من الخدم ، تقدمت "حنان" بخطوات سريعة إلى الداخل، بينما توقف "جواد" عند المدخل متردداً قبل أن يهتف:
+
- ينفع أدخل؟
1
جاء صوتها من الداخل بعيداً لكنه حمل إذناً بالدخول ، خطى "جواد" إلى الداخل ببطء، عينيه تمسحان الغرفة الصغيرة التي كانت مرتبة بعناية ، ثم طالع للأمام فوجد الباب الداخلي مفتوح و كانت دلفت به " حنان " ، ليحيد بنظره لليسار فأثار انتباهه كومود صغير بجانب الباب، عليه أشياء مُتفرقة، لكن ما لفت نظره حقاً هو إطار صورة وُضع في مُنتصفه .
+
ظل "جواد" يتأمل الصورة بصمت غارقاً في أفكاره، حتى عادت "حنان" من الغرفة الداخلية ، توقفت خطواتها فجأة عندما رأته يتفحص الصورة ، ظلت تنظر إليه دون أن تنطق، حتى انتبه "جواد" سريعاً لها.
+
مدّت يدها بالملف قائلة:
+
- اتفضل أهو ..
+
أخذ "جواد" الملف منها دون أن ينظر في عينيها مباشرة ، أما هي فقد أطالت التحديق في عينيه بعُمق فاستدار "جواد" في هدوء قائلاً بنبرة رسمية:
+
- أشوفك بعدين.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
خرجت من غُرفتها بعد أن بدلت ملابسها ، لتجد والدها جالساً في الصالة أمام التلفاز ، ليلتفت لها سريعاً فور أن وقفت قريباً منه ، ليهتف مُتسائلاً :
+
- رايحه فين !
+
- شغل المطعم طلبوني النهاردة ..
+
طالع فيها قليلاً ، ثم عاد ببصره للتلفاز بدون اهتمام ، لكن " ليلى " مُتردده في أخباره أنها لا تمتلك مالاً ، لتتشجع بثبات واهن :
+
- بس يا بابا أنا مش معايا فلوس فـ ...
+
ألتفت لها " سامي " سريعاً و طالع فيها بوجوم قائلا باعتراض:
+
- يبقى خلاص متروحيش .
+
ابتلعت " ليلى " ريقها بتردد رغم أنها لا تستطيع الذهاب و لكن هذا التدريب فرصة لها لتحسين جودة خدمتها فليست كل المطاعم بهذا الكرم :
+
- بس يا بابا يوم النهاردة مُهم ..و ..
+
قاطعها إخراج " سامي " ورقة من فئة خمسين و ألقاها أمامها لتسقُط أرضا و يعود ببصره هو للتلفاز هاتفاً :
+
- خديهُم و غوري من قدامي .
+
هبطت " ليلى " تأخذ المال ، ثم خرجت سريعاً ، لتنظُر للمال في يدها بأسى ، تُفكر في شراء شئ تأكله قبل الذهاب و لكنها عندما قامت بحساب أجرة توصليها فلن يبقى لها شئ تعود به إن أشترت ما تأكُله ، فحذفت الفكرة و تقدمت تسير لأول الشارع علها تجد وسيلة نقل .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
في شقة "علي" كانت "فريدة" مُنهمكة في ترتيب السفرة وتجهيز الأواني، بينما "ميار" انشغلت بتنسيق الزهور الصغيرة ووضعها في أماكنها المخصصة ، و كان "ريان" يساعد والده "علي" في ترتيب الجلسة الخارجية للرجال.
+
هتفت " فريدة " لميار :
+
- ميار، شغلي المكنسة و اكنسي الصالة ، زمان ريان فرش السجاد .
+
- حاضر يا ماما، بس تحبي أطلع كوبايات العصير أحطها دلوقتي ولا لسه؟
+
هتفت " فريدة " باعتراض " :
+
- استني شوية، العصير لسه بيتخانقوا عليه في شقة عمتك صفية.
+
أما في شقة "صفية"، فقد كانت الأجواء أكثر توتراً ، "صفية" و"شيماء" - زوجة حمدي - جلستا على الأرض لحشو الكرنب و ورق العنب، بينما "رقية" كانت تُنظف الكوسا والباذنجان ، قبل العودة لشقة والدها " حمدي " لأجل الحلويات ، وفي زاوية المطبخ، كان "فتحي" - زوج صفية - يحاول تهدئة الخلاف الدائر بين "يحيى" و"يوسف" حول العصير .
+
هتف " يحيى " لأخيه " :
+
- يا يوسف، اللين بالفراولة أحلى! الموز بيبوّظ الطعم.
3
اعترض " يوسف " هاتفاً :
+
- إنت اللي مش فاهم حاجة، الموز مع اللبن طعمهم أحلى طبعاً .
4
هتف " فتحي " لإنهاء الخلاف :
+
- خلاص يا ولاد، اعملوا النوعين، مش عاوز مشاكل بقا !
+
أما في شقة "هند" - زوجة أحمد - كانت التحضيرات على أشُدها و كانت مشغولة بفرد الرُقاق لوضعه في الصينية ، بينما "زينب" بدأت في تحضير التتبيلة للدجاج ، أما "عابد"، فقد دخل يحمل ابنه "حمزة" المطبخ بعد أن كاد يسكب طبق للشوربة.
+
هتفت " هند " :
+
- زينب، خلّي الفراخ في التتبيله شوية، وأنا هشوح اللحمة المفرومه عشان نفرد الرقاق .
+
أجابت " زينب " و هي تحاول إلهاء إبنتها :
+
- حاضر يا عمتي، بس ترتيل مش سايبني في حالي!
+
- سيبيها مع " عابد " دا دوره في الحياة يلهي الأولاد.
+
هتف " عابد " باستنكار :
+
- يا ماما ، بس أنا عاوزه أبقى لوحدي مع الفراخ والرقاق أخد بالي منهم .
+
ضحكت " هند " و " زينب " على حديثه لتلتفت لهُ والدته و تقول :
+
- ياولا يا مكار ، خد العيال و أطلع برا يا عابد .
+
أما في شقة "حمدي"، كان المشهد مختلفاً ، كان "حمدي " مع إبنته " رقية " مُنهمكان في تقليب الكُنافة في الصواني، واحدة بالمانجو وأخرى بالقشطة بسبب عمله كحلواني ، و "قاسم" ابنه الأصغر يساعدهم بتحضير الأطباق.
+
ثم اقترب " حمدي " من ابنه و قال :
+
- قاسم، متحطش كريمة كتير في الكنافة، خليها مظبوطة .
+
- حاضر يا بابا ، بس رقية قالت عايزة تزود المانجا.
+
- مانجا إيه؟ دي كنافة مش سلطة فواكه!
+
مع اقتراب صلاة الجمعة ، كانت الأمور قد اكتملت جزئياً ، تم نضوج الكرنب و ورق العنب بشكل جزئي ، بينما الكوسا و الباذنجان في بداية النضوج ، الدجاج يُحمّر في الفرن، والرقاق باللحم بدأ يأخذ لونه الذهبي ، أما الكنافة رُتبت في صوانٍ جميلة، والعصائر كانت جاهزة.
1
ز"علي" بدأ يتفقد الأجواء في شقته ليتأكد من أن كل شيء على ما يرام ، التفت إلى "ريان" قائلاً:
+
- اتأكدت إن المكان جاهز؟
+
أجاب " ريان " و هو يتفحص حوله :
+
- أيوه يا بابا ، و قبل ما ننزل لصلاة الجمعة نقولهم يشغلوا التكييف .
+
- الحمد لله أهم حاجة إن لمتنا تفضل دايماً أحسن حاجة في يوم الجمعة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ترجلت من سيارة الأجرة ورفعت نظراتها نحو شارة المطعم الذهبية بنقش الأسم باللغة الفرنسية « Elitaire » وتعني النُخبة .
+
ثم دخلت إلى المطعم بخطوات مترددة ، لم يقل انبهارها به عن المرة الأولى؛ تفاصيله الأنيقة وإضاءته الدافئة أخذت جزءًا من انتباهها وهي تسير نحو مكتب العاملين.
+
هاستقبلتها نفس السيدة بابتسامة لطيفة، وما إن تعرفت عليها حتى بدأت بإرشادها:
+
- النهاردة مش هتشتغلي، هتراقبي بس عشان تفهمي النظام لو كل حاجة مشيّت كويس، ممكن في آخر اليوم تشتغلي على الطاولات.
+
أومأت" ليلى " بصمت وابتسامة خفيفة تعلو وجهها، فقد كان ذلك كافيًا ليزيح عنها بعض القلق، خاصة أنها لم تكن في أفضل حالاتها الصحية اليوم .
+
تقدمت برفقة السيدة إلى غرفة جانبية حيث اختارت مقاس ملابسها، ثم ناولتها السيدة الزي الموحد، قبل أن تُتابع معها باتجاه دورة المياه لتبديل ملابسها ، أثناء سيرهما، توقفت السيدة فجأة وأشارت بإيماءة خفيفة إلى شاب يقف في أحد الأركان يتحدث مع رجل من الطبقة الرفيعة، قائلة:
+
- ده واحد من أعضاء مجلس الإدارة... وابن صاحب المطعم.
3
نظرت "ليلى" إليه من بعيد بتوجس، تُمعن في تفاصيله بينما تستقر في ذهنها فكرة واحدة: عليها أن تكون حذرة ، شخص مثله ستكون عينه على كل صغيرة وكبيرة ، أخذت نفسًا عميقًا ثم تابعت طريقها لدورة المياه.
+
بعد دقائق، خرجت مرتدية زيها الجديد: بنطال أسود واسع، قميص أبيض عليه دبوس يحمل شعار المطعم، وجاكيت أسود أنيق و أكملت مظهرها بحجاب أسود مُزين بنقاط بيضاء عقدت طرفيه بعناية وأدخلته داخل ملابسها ،فظهرت بسيطة لكنها مميزة .
+
شعرت بجوع مفاجئ يدفعها نحو المطبخ، فتقدمت بتردد لتطلب شيئًا تأكله ،وقفت أمام إحدى العاملات التي كانت مشغولة، ثم همست برجاء خافت على إستحياء :
+
- لو سمحتي، ممكن تجيبيلي حاجة أكلها؟ أنا تعبانة شوية...
+
رفعت الفتاة حاجبها باستغراب، ثم نظرت إليها نظرة مستفزة وسألت ببرود:
+
- إنتِ جديدة هنا مش كده؟
+
أومأت "ليلى " برأسها إلا أن الفتاة لم تُبدِ أي تعاطف، بل ردت بلا مبالاة وهي تمضغ علكة بشكل مزعج:
+
- إنتِ لسه في الأول وبتدلعي؟ بعدين الأكل هنا للضيوف بس ... مـمـنـوع.
+
قالت كلماتها الأخيرة بتشديد وهي تبتعد تاركة " ليلى " مُحبطة وخائبة المسعى ، شعرت أن تلك الكلمات تُضاف إلى سلسلة من الانكسارات التي عانت منها مسبقًا.
+
لم تحاول أن تسأل أحدًا آخر، فالكل بدا مشغُولًا بطريقة تجعل طلبها يبدو تافهًا ، جلست في مقدمة المطبخ تُراقب النظام كما طُلب منها، بينما الروائح الشهية من حولها تزيد من ضعفها.
+
في تلك اللحظات، كان هو ينهي توقيع بعض الأوراق داخل مكتبه ، نظر إلى ساعة معصمه ليُدرك أن وقت مغادرته قد حان .. نهض، رتب أوراقه، ثم سلّمها إلى "حسام" قبل أن يغادر المكتب متجهًا للخارج.
+
في هذه الأثناء، كانت "ليلى" تُمسك رأسها بيديها مُحاولةً أن تتجاوز إعيائها و فجأة، جاء صوت مألوف من خلفها بنبرة حادة:
+
- إنتِ يا أستاذة، إحنا مش جايين ننام هنا!
+
رفعت " ليلى " رأسها بصعُوبة لترى الفتاة ذاتها تقف أمامها وهي تحمل طبقًا ، مدت يدها بالطبق قائلة بنبرة آمرة :
+
- خدي الطبق ده وديه لتربيزة خمسة.
+
نظرت "ليلى " إلى الطبق بتردد، ثم حاولت أن تعتذر بصوت خافت:
+
- أنا تعبانة شوية... مش قاد...
+
لكن الفتاة لم تنتظر لتسمع البقية ، دفعت الطبق بين يديها وقالت بحدة وهي تعود إلى الداخل:
+
- امسكي وديه ! الناس مش هتستنى !
+
لم تُرِد أن تثير المشاكل لذا تماسكت وأخذت نفسًا عميقًا ،حاولت تقليد الطريقة التي يُمسك بها العاملون الأطباق، ثم تقدمت بتردد بين الطاولات تبحث عن الرقم خمسة.
+
ما إن وجدتها حتى وقفت بارتباك واضح ووضعت الطبق على الطاولة بيد مٌرتعشة ،لاحظت أحدى الجالسين حالتها وسألت بقلق :
+
- إنتِ كويسة ؟
+
رفعت "ليلى" عينيها إليها محاولة التماسُك، ثم هزّت رأسها إجاباً وعادت أدراجها ، شعرت بدموع حارة تتجمع في عينيها ، لم تُريد يوماً أن تكون مُثيرة للشفقة، لم تتخيل يوماً أن تسأل أحداً ليُطعمها ، لم تتخيل يوم تكون فيه غير قادرة على التنفس من ضيق ما بها من وجع .
+
كُلها آلام تجمعت في جوف تلك المسكينة ، و غصة نهشت حلقها ، و كانت على وشك الانهيار ، خطواتها الثقيلة كانت بالكاد تحملُها، ولم تكد تصل إلى باب المطبخ حتى فقدت قُوتها تمامًا وبدأت تسقُط.
+
أنتهى كل شئ ، أعلنت استسلامها و تبعثر رجائها الوحيد في أن تجد مُنقذ لنفسها ، كانت سنتميترات صغيرة ، سنتميترات فقط تفصلها عن الإصطادم بالأرضية الصلبة..
+
لكن في اللحظة الأخيرة، امتدت يد ثابتة لتمنع سقوطها ، أمسكها بقوة وجذبها إليه، لتسقط بين ذراعيه بهدوء ، وهو يهمس بخفوت :
+
- يـا لـطيف...
+
هدأت خطواتها نحو الأرضية الصلبة، حاول إيقاظها ثم أمعن النظر في وجهها الشاحب ، مد أصابعه إلى وجنتيها ينقر عليها بخفة :
+
- يا أستاذة !! ... سمعاني؟؟
+
رفع رأسهُ نحو العاملين الذين تجمعوا حولهُما وأصدر أمرًا حازمًا:
+
- حــد يتصـــل بالإســعــاف بسـرعـــه !!!!!
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
تحملتّ على نفسها وأبت إلا أن تمتنع عن شراء ما يسد جُوعها، مُحافِظةً على المال لأجل العودة .
+
لم تكن تعلم أن هذه المرة ربما لن تكون هناك عودة ..
+
تفاصيل لقـصة مُـؤلمة ، أكـان لأحـد حـقًا أن يتحمل كُـل ذلك ؟!
+
أحـدُهُـم فعـل ....
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ِ
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
و السلام على قلوبكم .
سُهى الشريف
+