رواية مجهول انبت عشقا الفصل الثامن 8 بقلم سلمي خالد
الفصل الثامن
.. عشقكِ هو تريق فؤادي الوحيد..
بضع لحظات صغيرة انقذت روح لن تعود مجددًا، وضعت هاتفها داخل حقيبتها ثم اكملت طريقها في سعادة، الابتسامة تشق وجهها فتبرز جمال روحها.
ولكن بجانب أخر اعاد سلاحه في حقيبته الخاصة، ثم أنزل الغطاء على وجهه كي يخفي تلك العلامة التي تتميز بها الـ S، سار عائدًا بعدما أخذ أمرًا بالعودة من رئيسه.
*****
بغرفة مظلمة لا تضيء سوى بمصباح ضعيف، تطلع له سمير بعدما أغلق مع سدرا التي أخبرته للتو أن أيسل قد استجابة لها وأنها قد استجابة للعلاج، هتف سمير بنبرة متوترة:
_ كده يبقى هنستنى عليها صح!
رمقه بنبرة باردة، ثم هتف في مكر:
_ أنا هاجي المستشفى عايز أشوف الدكتورة دي على طبيعتها.
حدق به سمير في ذهول ثم اردف في طاعة:
_ اللي تشوفه طبعًا.
حرك الـ s رأسه بأن يغادر وسرعان ما استجاب له لتخلص من هذا السجن المظلم، القابض لأنفاسه المتقطعة، وقف يبتسم في مكر قائلًا بنبرة متلذذة:
_ مفيش مانع ندخلك أنتِ كمان معانا يا سدرا لحياتي بس بشكل مختلف شوية وهيكون دورك عبارة عن أزاي تبسطني وبس.
****
وقف يتطلع في ذهول ما هذا الذي يراه، كيف أتت تلك الزهرة السامة لهنا وكأن أحد وضعها عن عمد بهذا المكان، ولكن كيف علم أنه سيأتي لهنا وهو لا يعلم إلى أين سيذهب، أخرج منديل صغير يمسك به تلك الزهرة (البلّادونا) ثم حفر بالأرض يخفي به هذا الزهر كي لا يتضر أحد بها فهو يعلم كما الضرر الذي سيقع على من سيمسكها، نفض يده جيدًا من حبات التراب، ثم انطلق عائدًا لمستنقعه يفكر هل هذه رسالة له ولكن هذا يعني أنه سيموت!
*****
داخل مشفى الأمراض النفسية والعقلية..
وقف سمير يتطلع على أيسل في ندم، شعورٌ يقتله آلاف المرات من سكين تنغرس فقط، عتمة سقط بها بيديه دون مساعدة من أحد وها هو الآن يتمنى أن يجد مصباح ليضيء له الطريق ربما يجد التوبة، ولكن كيف وهو يكمل بنفس الطريق، يساعد في ايقاع بـ أُخري ولكن تلك المرة لن تصبح كفئران تجارب بل ستصبح عضوة معهم بعد أن تعالج تلك الزهرة السوداء التي ظهرت أمامه ولم يعلم أنها سامة ستقضي عليه..
أيها الإنسان ألم تفكر قد أن قطفك لزهرةٍ لها جمالها الساحر أنساك شوكها القاسي!
أيها الإنسان تمتعت بجمالها ولكن يجب أن تتألم من شوكها!
أيها الإنسان ترجيت الحصول عليها وحصلت ولكن لا تنسى ضريبة أخذ ما ليس من نصيبك!
أيها الإنسان إذا اجتمع الحقد والطمع بداخلك ستقع دون شك وإن طالت المدة ستقع فما النهاية سوى موت والحساب أمام خالق!
زفر سمير في بطء قائلًا بنبرة شاردة:
_ نفسي أرجع بس طريق دا اللي بيمشي فيه خطوة بيكسر وراه طوبة صعب ترجعه عن أي خطوة اتقدمها او خدها، اتمنى حقيقي الدكتورة سدرا تسامحني على اللي عملته.
استدار سمير ليغادر نحو مكتبه يفكر هل سيتخلص منه أم سيتركونه ولكن كيف وهو يعلم جيدًا أنهم لن يتركوه، جحظت عيناه يتطلع نحو تلك الزهرة السامة مربوطة بساعة رمال صغيرة، ازدرد حلقه في صعوبة وعلم أن الموت لن يفصله عنه سوى الوقت!
*****
القت تاليا بالمنديل في القمامة تتأكد من اندماج والدتها بالتلفاز، عادت تدلف للغرفة في هدوء ولكن تشعر بزيادة الألم والارهاق، جلست على الفراش في ارهاق، بينما تطلعت لها سدرا في قلق مرددة وهي تقترب منها سريعًا تاركة الأوراق جانبًا:
_ لسه التعب بيزيد يا تاليا؟
تطلعت لها ولكن وجهها ملئ باصفرار تجيب في همس:
_ لسه يا سدرا بس أنتِ عارفة انا لا هاخد دوا ولا هروح مستشفيات أنا بخاف ادخل عندهم اوي.
مدت سدرا يدها تمسح حبات العرق عن جبينها تردف حنو:
_ يا حبيبتي لزمًا تكشفي التعب زاد يا تاليا أنتِ مش شايفة وشك بقى اصفر ازاي وبتدريه بالضحك والمصايب اللي بتعمليها عشان بابا وماما مياخدوش بالهم.
نظرت لها في رجاء قائلة بنبرة راجية:
_ عشان خاطري يا سدرا أنا لو بابا عرف هيغصب عليا اروح وأنا بترعب اروح هناك ممكن اموت لو روحت مستشفى!
أدمعت عيناها في هدوء ثم أردفت بنبرة مبحوحة:
_ مش هينفع اسكت يا تاليا أنا لو سكت هبقى بزود تعبك.
:_ ولو اتكلمتي هموت.. أنا مش عايزة مستشفى عشان خاطري يا سدرا.. طب بصي لو تعبت زيادة هقولك نروح نكشف ايه رأيك!
قالتها في نظرة مترجية، بينما تطلعت لها سدرا قليلًا تعلم مدى كره تاليا للمشفى وايضًا عدم أخبرها سيزيد ألمها، زفرت سدرا في بطء ثم قالت بنبرة محذرة:
_ مع اول حاجة تحصل هوديكي انا المستشفى يا تاليا!
ابتسمت لها في ارهاق ثم اردفت بنبرة ممتنة:
_ شكرًا يا سدرا!
ابتسمت لها ثم انحنت تقبل جبينها قائلة في حنو:
_ بتشكري مين يا بت أنا اختك، ارتاحي دلوقتي وبأذن الله تكوني أحسن بكرة.
نهضت سدرا تكمل باقي مراجعتها للأوراق، بينما غفت تاليا سريعًا بعدما ارهاقها الألم، ولكن قبل أن تغفو بقيت تفكر كيف ستنهي اختباراتها وهي على وشك البدء!
*****
داخل غرفة ماجد الكدواني...
تطلع نحو السماء وهي بثوبها الأسود، يشعر بالوحدة الشديدة وكأنه طفل تُرك في وسط صحراء قاحلة لا يعلم كيف سينجو منها؟، زفر بصوتٍ مسموع يهمس في نفسه:
_ يارب يرجعك ليا بالسلامة يا آدم وحشتني أوي.
شعر بحنين له ثم قرر أن يذهب نحو غرفته وبالفعل حرك مقعده نحو غرفة إبنه الوحيد حتى وصل لها في صعوبة، وما أن دلف حتى اشتم رائحة عطره المفضل، ابتسم في تلقائية وتقدم نحو الداخل ينظر بمحتوى الغرفة حتى تحرك نحو مكتبه وما أن أصبح أمامه في مسافة معقولة رأي ملفًا مدون عليه أسم « تاليا»، تعجب قليلًا من الأسم ولكن تذكر فجأة أن آدم قد أخبره بأسم الفتاة التي اوقعتهم بمشكلة، أمسك هذا الملف وما أن فتحه حتى رأي وجهه، لم يشعر بتلك الابتسامة التي زحفت له ما أن رأي وجهه الذي يضحك في صفاء، نظر لجانب أخرى من بياناتها فوجدها عادية، تنهد قليلًا ثم أغلق هذا الملف ووضعه مكانه وتوجه نحو السرير ابنه مقررًا هذه الليلة المبيت بها لعله يوقف هذا الشعور الذي يملأ قلبه لهفة لرؤية نور عينه.
****
داخل المشفي صباحًا..
دلف في هدوء مخيف، يرتدي نظارته السوداء لتخفي وجهه ولكن تعطيه واسمة هادئة، صعد الدرجات إلى وصل للمكان التي تقبع به سدرا، مكتبها الخاص، فقد أخبره سمير بالوقت الذي تجلس به في مكتبها الخاص، تقدم في خطواتٍ هادئة حتى طرق الباب في ثبات وما أن استمع لصوتها حتى دفع الباب يتقدم نحو الداخل مبتسمًا. نظرت سدرا نحوه ثم تعجبت قليلًا، شاب يحمل ملامح الثراء، يرتدي ملابس انيقة للغاية، يقف امامها الآن لِمَ؟
هتف يزيح نظرته عن عيناه العسليتان يردد بنبرة هادئة:
_ أكيد مستغربة ازاي واحد باين عليه أنه غني جاي ليكي وأنتِ لسه بتدربي او في نهاية تدريبك صح!
هبطت ببصها في حرج تجيب في بعض الخجل:
_ اتفضل الأول.. هو الصراحة آه مش متعودة حد يزورني اصلا في مكتبي!
:_ أممم هجوبك أنا أبقى قريب الحالة اللي أنتِ بتعالجيها.. أيسل هانم والدكتور سمير بلغني أنها بدأت تستجيب ليكي أنتِ الوحيدة لأن قبلك دكاترة كتير حاولوا وفشلوا.. وقررت اجي بنفسي أشوف مين اللي قدرت تبدأ في الخطوة دي!
ابتسمت سدرا في سعادة من كلماته التي لم تكن سوى باب واهي ليجذبها نحوه، رددت سدرا بنبرة فرحة ظهرت بملامح وجهها:
_ هو الصراحة حالتها جبت يأس ليا أنا شخصيًا .. بس الحمدلله ربنا ادني أمل أكمل وهي استجابة بس لسه المشوار طويل لأنها في الحالة دي بقالها سنين وصعب ترجع في يوم وليلة.
حرك رأسه في تفهم، ولكن لحظت تلك العلامة الموجودة على يد أيسل على يديه أيضًا، هتفت سدرا متسائلة:
_ بس حضرتك تقرب ليها ايه بظبط و متشرفتش بأسمك؟
ابتسم لها في هدوء بعدما لاحظ نظراتها المنصوبة نحو العلامة الخاصة بهم، يجيب بنبرة جذابة:
_ أنا أخوها.. وأسمي هو سليم.. سليم المهندس.
منحته ابتسامة مجاملة تردد في لابقة:
_ اتشرفت بحضرتك يا استاذ سليم.. حضرتك حابب تشوف أيسل؟
حرك سليم رأسه في رفض، ينهض في هدوء مرتديًا نظارته قائلًا:
_ لا عشان مكنش مُشتت ليكم هي لو كانت استجابت ليا كان من زمان.. بس المرات الجاية كتير وهتابع معاكي يا دكتورة سدرا.
:_ تمام يا استاذ سليم.
قالتها في جدية واضحة، بينما استدار سليم يبتسم في مكر غريب، يغادر المكتب ولكن ازداد دافعه نحوها أكثر، وكأنه ينتظر الوقت يمر حتى يوقعها بشباكه العنكبوتية فلا تستطيع الفرار ويبدأ بصنع شرنقة هي بداخله ولن تجد مخرج إلا عن طريق يديه!
*****
مر شهر كامل بقيت تاليا تخفي عن الجميع آلامها التي تزداد شيئًا فشيء ولكنها تخفي ذلك خلف المسكنات التي تتناولها، بينما بقى حسن ينتظر أن ينهي تلك الاختبارات كي يتزوج من سكنت قلبه العاشق لها خلف ضلوعه، بينما قام جلال وفريال ومعهم حنان بتجهيز كل المراسم الخاص بكتب كتابهما كي يتزوجا في أول أسبوع في الأجازة، في حين بقى سليم يكرر زيارته لسدرا يجذبها في هدوء دون أن تلاحظ له، بينما اقترب موعد عودة آدم، ولكن بقى الوحش يدخل عدد لا نهائي من المواد الممنوعة دون أن تعلم الشُرطة التي باتت تُجن منه.
*****
داخل غرفة ماجد..
يجلس متطلعًا نحو جريدة الخاصة بالأخبار، فعلى الرغم من تقدم التكنولوجيا إلا أنه يعشق قرأت هذه الأخبار من الجرائد، استمع لصوت طرقة اعتاد عليها من الممرضة هتف في صوتٍ عالي كي تسمعه:
_ ادخلي يا بنتي.
:_ طب ابنك مينفعش؟
استدار ماجد سريعًا ينظر نحو ابنه في لهفة وقد ادمعت عيناه بشدة، بينما تقدم آدم وخلف الممرضة التي ابتسمت في مرح قائلة:
_ البشمهندس هو اللي قالي اخبط عشان متعرفهوش.
ابتسم له ماجد في حب قائلًا وهو يحتضنه في شوق:
_ ماشي يا آدم.. وحشتني أوي يا بني وحشتني اوي.
احتضنه آدم في اشتياق يجيب بنبرة حنونة:
_ وأنت والله يا بابا يعلم ربنا الشغل خد مني وقت ازاي وضغطت على نفسي ازاي عشان أخلص بسرعة واجي.
ابتسم ماجد متطلعًا نحو في راحة قائلًا بنبرة دافئة:
_ اكيد جاي تعبان من المطار ومريحتش روح نام وبليل نقعد سوا في البلكونة ونحكي كل حاجة سوا زي العادة.
حرك آدم رأسه بالفعل يشعر بألم الإرهاق وقرر المغادرة نحو غرفته ليغرق بعالمه المريح.
*****
داخل المسجد..
»بارك الله لكما وجمع بينكما في خير«
قالها المأذون وهو يزيل المنديل أسفله يد جلال وحسن، تعالت الزغاريد بالفرحة، بينما وقفت تاليا تبتسم في خجل ملأ وجهها تقف إلي جوارها سدرا التي تشعر بسعادة كبيرة، نهض حسن يحتضن جلال قائلًا في همس:
_ ربنا يقدرني وأكون قد الأمانة لأخر يوم بعمري وأشيله جوا عيوني وقلبي.
ربت جلال على ظهره يردف متطلعًا له في حنو:
_ ربنا يبارك فيك يا بني.. أنت الولد اللي مجبتهوش.. روح يلا لمراتك.
ابتسم حسن ما أن وقع هذه الكلمة على مسمعه ينظر نحو تاليا التي ترتدي فستان باللون الأبيض هادئ نسبيًا ليس بضخم للغاية لا تستطيع السير منه، أو بعاري يظهرها، تقدم يقف امامها يبتسم في عشق لها، مد يده يرفع وجهها متطلعًا لحدقتيها قائلًا:
_ وأخيرًا جه اليوم اللي هقدر أكلمك وأخرج معاكي بدون حرمانية أو خوف من الذنب، بقيتي مرات حسن اللي حلم بيكي 3 سنين وأخيرًا حلمه اتحقق واتجوز حبيبته اللي رفضه تقرب غير في النور وقصاد الكل.
قبل جبينها في رقة، يهمس بنبرة عاشقة:
_ أعشقك يا شمس فؤادي.. ويا نور عيني.. لم أجد نفسي تائهًا إلا عندما ابتعدتِ والآن أجد نفسي وسط محيط عشقي ليكي.. اللهم قدرني ويسرني في الحفاظ عليكي وأن أجعلك أسعد نساء العالم يا درة قلبي.
أدمعت عين تاليا من كلماته، لم تتخيل أنه بالفعل بقى ثلاث سنوات يعشقها ينتظر تلك اللحظة منذ وقت طويل، هتفت تاليا بصوتٍ هامس:
_ هو بجد أنتَ بتحبني أوي كده!
ضحك في خفة ثم مد يديه يزيل تلك الدمعة الصغيرة من اهدابها، يجيبها في همس جوار أذنها:
_ لست محبًا فقط بل عاشقًا ألتهم صدره لهيب الشوق لهذا اليوم.. فـ والله كنت ادعو الله أن يساعدني في أخذ تلك الخطوة كي تصبحي الآن أمامي أخبركي بما يكنه الجالس خلف ضلوعي ينتظركِ.
نظرت نحو حدقتيه في حب بدأ ينبت بداخلها، بينما بدالها حسن نظرات عشق تعبر عن القليل مما هو بداخله، امسك بيدها في حنان يتمتم بنبرة هادئة نحو جلال:
_ بستأذنك يا عمي أخدها ناكل برة في حتة هادية!
رفع جلال يده يردد مبتسمًا لخُلق حسن الرفيعة والتي تندر وجودها بالشباب:
_ والله يا بني هي دلوقتي مراتك مليش حكم عليها!
ترك حسن يد تاليا ثم وقف أمام جلال يقبل رأسه مرددًا بنبرة دافئة:
_ بالعكس حكمك عليا وعليها، وهي هتبقى في حكمي رسمي لما نعمل الفرح وتلبس فستان الفرح زي باقي البنات وأشوف فرحتها.
ربت جلال على كتفه، ثم أجاب بنبرة راضية:
_ روح يابني واتبسطوا.
نظر حسن نحو تاليا التي احتضنت سدرا سريعًا ثم تقدمت نحو حسن الذي امسك بيدها يضعها بين يديه يعلن أنها زوجته اخيرًا، غادر الأثنان المكان في حين نظر جلال نحو حنان يردد بنبرة فخورة:
_ زين ما ربتي يا مدام حنان ابنك ونعمة الأخلاق والدين.. ربنا يحميه ويحفظه ويسعدهم يارب.
ابتسمت حنان في رضا ثم أمنت خلفه تترجي من الله السعادة لهما.
****
داخل إحدى المطاعم الهادئة..
جلست تاليا تشعر ببعض الخجل، ولكن ليست من طبيعتها أن تصبح هكذا، نظرت نحوه في بسمة علت ثغرها تردد:
_ بص بقى بما إن حلال اتكلم معاك فإبدأ أنتَ الأول عشان اشيل التوتر اللي أنا فيه دا واخد راحتشي اشطا!
ضحك حسن بشدة على طريقتها ثم اردف في ضحك حاول السيطرة عليه:
_ راحتشي واشطا.. هو انا اقدر اقول حاجة بعدها.
رفعت تاليا حاجبها في غيظ مرددة وهي تضيق عيناها:
_ قصدك أني بيئة؟
اتسعت عين حسن من جنونها وهتف سريعًا قبل أن تنهض ويصبحوا عرض لجميع من بالمطعم اليوم:
_ لا طبعًا مقصدش كده.. بصي يا ستي هحكيلك حسن من وهو صغير لحد اللحظة دي.
وضعت تاليا يدها أسفل ذقنها تنظر له في استمتاع، بينما اكمل حسن يبتسم لها في حب يشعر أنها ابنته وليست زوجته:
_ انا وأنا صغير بابا اتوفى وأمي هي اللي تعبت في تربيتي كنا قاعدين في الأرياف وطبعًا دا كان ضرر كبير لوالدتي لأنها مش متجوزة وسنها صغير وهناك كله كان عايزها تتجوز.. المهم أمي رفضت ووقفت حياتها عشاني قررت تربيني صح.. ودتني الكُتاب عشان أحفظ قرآن عشان ابويا يأجر في تربته وأمي كانت بتشتغل في الخياطة وربنا عشان يفتح باب رزق بالحلال فتحها عليها وقتها... وقتها بقى كبرت شوية وبقيت بذاكر واحفظ قرآن ولما حبيت اشتغل.. امي رفضت وقالت لما تكبر شوية.. وتدخل الجامعة هسيبك تعمل اللي عيزه.. فضلت كده وختمت حفظ القرآن الحمدلله ودخلت ثانوي كنت بعافر فيها عشان اكون مهندس كويس... بس النصيب اخدته وارضيت بيه ومجموعي اتظلمت فيه وجبت ستين في المية وعشان طبعًا مكلفش والدتي اكتر في التظلم وكده رضيت بيه وحمدت ربنا بس قررت ادخل تجارة عين شمس واشتغل بس للأسف مكتب التنسيق حدفني حلوان أخر بلاد المسلمين ولما عملت اغتراب منفعش... قلت الحمدلله خير اكيد وأنا مش عارف.. سفرت من البلد وجيت القاهرة ودخلت الجامعة... في الترم الأول مخدتش بالي منك لأن تقريبًا كنت مشغول في الابحاث واني اعرف الكلية اكتر... بس الترم التاني لقيت بنات بتعمل شلة ولزما في الشلة ولد زميلهم.. مرضتش اتكلم مع بنت ولا أدخل في شلة عشان مشلش ذنب لحد ما بالصدفة دخلتي محاضرة متأخر وشوفتك استغربت اوي انك روحتي قاعدتي لوحدك ولما خلصتي قولت هتروحي لصحابك بس برضو لقيتك لوحدك.. فضلت متابع تصرفك وقولت اكيد هتصاحب او هتعمل شلة بس اكتشفت ان اللي مفيش ولد كلمك وأنتِ حاطه حدود عشان مش عايزة تدخلي في شلة... هنا بدأت افكر واقول أنك الوحيدة اللي رجعتي ثقتي بأن في بنات مش مختلطة لسه وطبعا اشتغلت في شركة وفضلت ادرب وبعدها نقلت لشركة تاني وكله دا وانا متابعك لحد ما خلصنا سنة رابعة الترم الأول وخوفت معرفش اقابلك تاني وقررت وقتها اخلص المحاضرة واقابلك ولاسيما أني ثابت في الشغل ومتأمن عليا والمرتب معقول المهم حظنا في اليوم دا خلصنا بدري وفضلت ماشي وراكي لحد ما كلمتك بس .
شعرت تاليا باستمتاع كبير وهي تستمع له، بينما ابتسم حسن متسائلًا في هدوء:
_ ممكن أسأل أنا سؤال!
:_ اكيد طبعًا!
قالتها في عفوية، بينما شعر حسن بالرضا من عفويتها وأنها بالفعل بدأت أن تزيل توترها، هتف بنبرة تحمل بعض التعجب:
_ أنتِ ليه مش ليكي صحاب ملاحظ أصلا انك مش بتقعدي مع اختك الكبيرة بس؟
ابتسمت تاليا في ألم تجيب بنبرة حزينة:
_ عشان ومن وأنا صغيرة المدرسين شايفني فاشلة.. وطبعًا أي طفل فاشل الأطفال بيبعدوا عنه.. ولما كبرت وعملت شلة في اعدادي عرفت أنهم بيصحبوني عشان مصلحتهم وبس.. كبرت وقولت مش هصاحب حد تاني ودخلت ثانوي بس لقيت كام بنت بيقربوا مني قولت اخيرًا صحاب وكده.. بس عرفت أنهم كانوا عايزني أكلم ولد وأمشي غلط واعمل كل اللي بيقوله وكمان ياخدوا مجهودي في الامتحانات على الرغم من اني كنت برضو مش شاطرة اوي... ساعتها بس قولت أنا مش هصاحب تاني كفاية وجود اختي عليا وهكمل كده انا لو صحبت صاحبة سوء ممكن ادمر فليه كله دا... بعدت وارتاحت كتير على الرغم أنه يبان اني اجتماعية بس في الوقع مفيش في حياتي غير اختي سدرا وبس ولو هي مكنتش موجودة او عايشة معانا مكنش هيبقى ليا حد.
شعر حسن بالضيق من كلماتها التي ألمت قلبه، وتمنى لو يستطيع التهوين عليها، فهتف بسؤالٍ أخر لعله يغير مسار الطريق:
_ هو ليه اختك سدرا بتقول ماما فريال وبابا جلال؟
نظرت له قليلًا ثم اجابت ببعض التوتر:
_ بص بما أنك خلاص يعني جوزي وأنك فرد في العيلة هقولك.. سدرا مش اختي هي تبقى بنت عمتي وانا ابقى بنت خالها.. وهي صغيرة.. عمو محمود وعمتو ناهد اتقتلوا قدمها وهي صغيرة وبابا اخدها واتربينا سوا لحد ما كبرنا دلوقتي!
صُدم من بضع كلمات وقعت عليه كدلو ماء بارد، هتف في صدمة:
_ اتقتلوا.. ليه!
حركت تاليا رأسها في نفي تتمتم مجيبة:
_ معرفش أنا بس اللي اعرفه أنهم اتقتلوا وسدرا لحد دلوقتي لسه بتحلم بالراجل اللي قتلهم وشكلهم وهما بيتقتلوا.
تألم حسن مما استمع له، وشعر بالشفقة عليها تمتم بنبرة حزينة:
_ ربنا يرحمهم ويصبرها... متخيلتش أن في معاناة بعدي الحمدلله على كل حال.
استطرد حديثه مرددًا في بسمة صغيرة:
_ بلاش نزعل النهاردة وتعالي نطلب اكل ونتفق هننزل أمتي عشان تختاري الانترية وباقي عفش الشقة.
ابتسمت تاليا في سعادة، ثم هتفت في حماس:
_ طب هات كده اشكال الانترية نتفرج من دلوقتي وكمان لون الحيطان عشان مش فاكرة اوي لونها.
حرك رأسه ثم اخرج هاتفه يشاهدان سويًا ألوان الحيطان وسط مشاكسة تاليا التي اكتشفها حسن معها ولكن شعر بسعادة تتدفق لضلوعه، لم يبق من هذا اليوم سوى سعادة الجميع.
*****
عادت تاليا مع حسن للمنزل السيد جلال وبقوا سويًا لبعض الوقت اتفقوا فيها أنهم سيذهبون سويًا لشراء بعض من أثاث الشقة، غادر حسن من الشقة وبقيت تاليا تتحدث إلى جوار سدرا التي تبتسم في سعادة تترجي من الله ان يكمل سعادتها.
*****
صباحًا..
سارت عائلة عبدالحميد مع عائلة حسن في محاولة ايجاد اثاث يناسبهم، ثم توقفت تاليا أمام نوعٍ ما مميز الشكل، لاحظ حسن نظراتها وتقدم من الرجل يسألها في هدوء ولكن تفاجأت هي بثمنٍ باهظ، نظرت نحوه سريعًا قائلة بعدم رضا مزيف:
_ لا يا حسن مش حلو متجبهوش.
تعجب حسن من رفضه له، بينما لاحظت حنان سبب رفضها وقررت الصمت، بدأوا يبحثون مجددًا ولكن تلك المرة لاحظ حسن أنها تبتعد عن ذي أسعار باهظة، توقف حسن فجأة ينظر لها في بعض الضيق قائلًا:
_ هو أنتِ ليه كل ما يعجبك حاجة ونسأل عليها تسبيها فجأة وأنا واثق أنها عجباكي عشان متعمليش الحِجة دي!
صمتت تاليا ولم تستطع الاجابة، تتطلع للأسفل في صمت، بينما شعر حسن بضيق زائد يردف بنبرة تحمل بعض العصبية:
_ ردي يا تاليا.
ازدردت حلقها في صعوبة ثم هتفت وقد ادمعت عيناها:
_ عشان غالية اوي عليك وأنا مش عايزة اكلفك جامد ولاسيما أنك تعبت في حياتك اوي!
هدأ حسن قليلًا ثم نظر لها في عمق يهمس بنبرة هادئة:
_ اولًا مفيش حاجة هتغلي عليكي... ثانيًا تكلفيني ايه يا تاليا أنتِ مراتي وحبيبتي يعني مفيش حاجة اسمها تكلفني بيني وبينك... وغير كده تعبت في حياتي دا اختبار من ربنا وانا راضي بيه وكمان انا مجهز نفسي كويس يا تاليا... اختاري اللي نفسك فيه ومن غير ما تخافي يا حبيبتي.
لم تعلم ماذا تقول هي فقط تريد أن تختبئ بين ضلوعه لتخبره أنه احتوى قلبها الصغير، تريد أن تخبره أنه يزرع نبتة صغيرة اصبحت تنمو بدفء قلبه وحنان كلماته عليها، ساروا سويًا ولكن عاد حسن لأول ما اختطف عين معشوقته وقرر شراؤه، بينما بقت حنان تنظر لهما دون ملاحظة فريال وجلال وسدرا لها، تهمس بنبرة مترجية:
_ ربنا يفرح قلبي بيكم يا ولاد.
*****
مر بعض الوقت وذهبوا جميعًا نحو مطعم لتناول الغداء ولكن شعرت تاليا بألم يغزو بطنها، حاولت التماسك قليلًا، ولاحظت انشغال حسن مع والدها بالحديث وبحثت بحقيبتها عن دواء يسكن المها، ولكن وجدته فارغ، عضت على شفتيها في ألم بدأ يعتصرها، ثم نهضت فجأة تهتف وهي تمسك يد سدرا:
_ هروح الحمام.
شعر حسن بوجود خطبًا ما بينما قلقت سدرا بشدة فـ تاليا تمسكها بشدة ماذا بها؟، قبل أن تبتعد عنهم نزف انفها بدماء، ولم تكمل ثوانٍ وبدأت تتقيء الدماء، صرخت سدرا وهي تزرف الدموع مصدومة بينما نهض حسن وخلفه جلال وفريال وحنان، اسرع لها ولكن ما أن رأي الدماء حتى اتسعت عيناه فجأة، نظر لها ولكن وجدها تغمض عيناها في ألم، ثم بدأت تصرخ من آلام فقدت السيطرة عليها، وفجأة سقطت مغشيًا عليها وسط صراخ الجميع في قلق بدأ يلتهمه بفجوته!
يتبع.
.. عشقكِ هو تريق فؤادي الوحيد..
بضع لحظات صغيرة انقذت روح لن تعود مجددًا، وضعت هاتفها داخل حقيبتها ثم اكملت طريقها في سعادة، الابتسامة تشق وجهها فتبرز جمال روحها.
ولكن بجانب أخر اعاد سلاحه في حقيبته الخاصة، ثم أنزل الغطاء على وجهه كي يخفي تلك العلامة التي تتميز بها الـ S، سار عائدًا بعدما أخذ أمرًا بالعودة من رئيسه.
*****
بغرفة مظلمة لا تضيء سوى بمصباح ضعيف، تطلع له سمير بعدما أغلق مع سدرا التي أخبرته للتو أن أيسل قد استجابة لها وأنها قد استجابة للعلاج، هتف سمير بنبرة متوترة:
_ كده يبقى هنستنى عليها صح!
رمقه بنبرة باردة، ثم هتف في مكر:
_ أنا هاجي المستشفى عايز أشوف الدكتورة دي على طبيعتها.
حدق به سمير في ذهول ثم اردف في طاعة:
_ اللي تشوفه طبعًا.
حرك الـ s رأسه بأن يغادر وسرعان ما استجاب له لتخلص من هذا السجن المظلم، القابض لأنفاسه المتقطعة، وقف يبتسم في مكر قائلًا بنبرة متلذذة:
_ مفيش مانع ندخلك أنتِ كمان معانا يا سدرا لحياتي بس بشكل مختلف شوية وهيكون دورك عبارة عن أزاي تبسطني وبس.
****
وقف يتطلع في ذهول ما هذا الذي يراه، كيف أتت تلك الزهرة السامة لهنا وكأن أحد وضعها عن عمد بهذا المكان، ولكن كيف علم أنه سيأتي لهنا وهو لا يعلم إلى أين سيذهب، أخرج منديل صغير يمسك به تلك الزهرة (البلّادونا) ثم حفر بالأرض يخفي به هذا الزهر كي لا يتضر أحد بها فهو يعلم كما الضرر الذي سيقع على من سيمسكها، نفض يده جيدًا من حبات التراب، ثم انطلق عائدًا لمستنقعه يفكر هل هذه رسالة له ولكن هذا يعني أنه سيموت!
*****
داخل مشفى الأمراض النفسية والعقلية..
وقف سمير يتطلع على أيسل في ندم، شعورٌ يقتله آلاف المرات من سكين تنغرس فقط، عتمة سقط بها بيديه دون مساعدة من أحد وها هو الآن يتمنى أن يجد مصباح ليضيء له الطريق ربما يجد التوبة، ولكن كيف وهو يكمل بنفس الطريق، يساعد في ايقاع بـ أُخري ولكن تلك المرة لن تصبح كفئران تجارب بل ستصبح عضوة معهم بعد أن تعالج تلك الزهرة السوداء التي ظهرت أمامه ولم يعلم أنها سامة ستقضي عليه..
أيها الإنسان ألم تفكر قد أن قطفك لزهرةٍ لها جمالها الساحر أنساك شوكها القاسي!
أيها الإنسان تمتعت بجمالها ولكن يجب أن تتألم من شوكها!
أيها الإنسان ترجيت الحصول عليها وحصلت ولكن لا تنسى ضريبة أخذ ما ليس من نصيبك!
أيها الإنسان إذا اجتمع الحقد والطمع بداخلك ستقع دون شك وإن طالت المدة ستقع فما النهاية سوى موت والحساب أمام خالق!
زفر سمير في بطء قائلًا بنبرة شاردة:
_ نفسي أرجع بس طريق دا اللي بيمشي فيه خطوة بيكسر وراه طوبة صعب ترجعه عن أي خطوة اتقدمها او خدها، اتمنى حقيقي الدكتورة سدرا تسامحني على اللي عملته.
استدار سمير ليغادر نحو مكتبه يفكر هل سيتخلص منه أم سيتركونه ولكن كيف وهو يعلم جيدًا أنهم لن يتركوه، جحظت عيناه يتطلع نحو تلك الزهرة السامة مربوطة بساعة رمال صغيرة، ازدرد حلقه في صعوبة وعلم أن الموت لن يفصله عنه سوى الوقت!
*****
القت تاليا بالمنديل في القمامة تتأكد من اندماج والدتها بالتلفاز، عادت تدلف للغرفة في هدوء ولكن تشعر بزيادة الألم والارهاق، جلست على الفراش في ارهاق، بينما تطلعت لها سدرا في قلق مرددة وهي تقترب منها سريعًا تاركة الأوراق جانبًا:
_ لسه التعب بيزيد يا تاليا؟
تطلعت لها ولكن وجهها ملئ باصفرار تجيب في همس:
_ لسه يا سدرا بس أنتِ عارفة انا لا هاخد دوا ولا هروح مستشفيات أنا بخاف ادخل عندهم اوي.
مدت سدرا يدها تمسح حبات العرق عن جبينها تردف حنو:
_ يا حبيبتي لزمًا تكشفي التعب زاد يا تاليا أنتِ مش شايفة وشك بقى اصفر ازاي وبتدريه بالضحك والمصايب اللي بتعمليها عشان بابا وماما مياخدوش بالهم.
نظرت لها في رجاء قائلة بنبرة راجية:
_ عشان خاطري يا سدرا أنا لو بابا عرف هيغصب عليا اروح وأنا بترعب اروح هناك ممكن اموت لو روحت مستشفى!
أدمعت عيناها في هدوء ثم أردفت بنبرة مبحوحة:
_ مش هينفع اسكت يا تاليا أنا لو سكت هبقى بزود تعبك.
:_ ولو اتكلمتي هموت.. أنا مش عايزة مستشفى عشان خاطري يا سدرا.. طب بصي لو تعبت زيادة هقولك نروح نكشف ايه رأيك!
قالتها في نظرة مترجية، بينما تطلعت لها سدرا قليلًا تعلم مدى كره تاليا للمشفى وايضًا عدم أخبرها سيزيد ألمها، زفرت سدرا في بطء ثم قالت بنبرة محذرة:
_ مع اول حاجة تحصل هوديكي انا المستشفى يا تاليا!
ابتسمت لها في ارهاق ثم اردفت بنبرة ممتنة:
_ شكرًا يا سدرا!
ابتسمت لها ثم انحنت تقبل جبينها قائلة في حنو:
_ بتشكري مين يا بت أنا اختك، ارتاحي دلوقتي وبأذن الله تكوني أحسن بكرة.
نهضت سدرا تكمل باقي مراجعتها للأوراق، بينما غفت تاليا سريعًا بعدما ارهاقها الألم، ولكن قبل أن تغفو بقيت تفكر كيف ستنهي اختباراتها وهي على وشك البدء!
*****
داخل غرفة ماجد الكدواني...
تطلع نحو السماء وهي بثوبها الأسود، يشعر بالوحدة الشديدة وكأنه طفل تُرك في وسط صحراء قاحلة لا يعلم كيف سينجو منها؟، زفر بصوتٍ مسموع يهمس في نفسه:
_ يارب يرجعك ليا بالسلامة يا آدم وحشتني أوي.
شعر بحنين له ثم قرر أن يذهب نحو غرفته وبالفعل حرك مقعده نحو غرفة إبنه الوحيد حتى وصل لها في صعوبة، وما أن دلف حتى اشتم رائحة عطره المفضل، ابتسم في تلقائية وتقدم نحو الداخل ينظر بمحتوى الغرفة حتى تحرك نحو مكتبه وما أن أصبح أمامه في مسافة معقولة رأي ملفًا مدون عليه أسم « تاليا»، تعجب قليلًا من الأسم ولكن تذكر فجأة أن آدم قد أخبره بأسم الفتاة التي اوقعتهم بمشكلة، أمسك هذا الملف وما أن فتحه حتى رأي وجهه، لم يشعر بتلك الابتسامة التي زحفت له ما أن رأي وجهه الذي يضحك في صفاء، نظر لجانب أخرى من بياناتها فوجدها عادية، تنهد قليلًا ثم أغلق هذا الملف ووضعه مكانه وتوجه نحو السرير ابنه مقررًا هذه الليلة المبيت بها لعله يوقف هذا الشعور الذي يملأ قلبه لهفة لرؤية نور عينه.
****
داخل المشفي صباحًا..
دلف في هدوء مخيف، يرتدي نظارته السوداء لتخفي وجهه ولكن تعطيه واسمة هادئة، صعد الدرجات إلى وصل للمكان التي تقبع به سدرا، مكتبها الخاص، فقد أخبره سمير بالوقت الذي تجلس به في مكتبها الخاص، تقدم في خطواتٍ هادئة حتى طرق الباب في ثبات وما أن استمع لصوتها حتى دفع الباب يتقدم نحو الداخل مبتسمًا. نظرت سدرا نحوه ثم تعجبت قليلًا، شاب يحمل ملامح الثراء، يرتدي ملابس انيقة للغاية، يقف امامها الآن لِمَ؟
هتف يزيح نظرته عن عيناه العسليتان يردد بنبرة هادئة:
_ أكيد مستغربة ازاي واحد باين عليه أنه غني جاي ليكي وأنتِ لسه بتدربي او في نهاية تدريبك صح!
هبطت ببصها في حرج تجيب في بعض الخجل:
_ اتفضل الأول.. هو الصراحة آه مش متعودة حد يزورني اصلا في مكتبي!
:_ أممم هجوبك أنا أبقى قريب الحالة اللي أنتِ بتعالجيها.. أيسل هانم والدكتور سمير بلغني أنها بدأت تستجيب ليكي أنتِ الوحيدة لأن قبلك دكاترة كتير حاولوا وفشلوا.. وقررت اجي بنفسي أشوف مين اللي قدرت تبدأ في الخطوة دي!
ابتسمت سدرا في سعادة من كلماته التي لم تكن سوى باب واهي ليجذبها نحوه، رددت سدرا بنبرة فرحة ظهرت بملامح وجهها:
_ هو الصراحة حالتها جبت يأس ليا أنا شخصيًا .. بس الحمدلله ربنا ادني أمل أكمل وهي استجابة بس لسه المشوار طويل لأنها في الحالة دي بقالها سنين وصعب ترجع في يوم وليلة.
حرك رأسه في تفهم، ولكن لحظت تلك العلامة الموجودة على يد أيسل على يديه أيضًا، هتفت سدرا متسائلة:
_ بس حضرتك تقرب ليها ايه بظبط و متشرفتش بأسمك؟
ابتسم لها في هدوء بعدما لاحظ نظراتها المنصوبة نحو العلامة الخاصة بهم، يجيب بنبرة جذابة:
_ أنا أخوها.. وأسمي هو سليم.. سليم المهندس.
منحته ابتسامة مجاملة تردد في لابقة:
_ اتشرفت بحضرتك يا استاذ سليم.. حضرتك حابب تشوف أيسل؟
حرك سليم رأسه في رفض، ينهض في هدوء مرتديًا نظارته قائلًا:
_ لا عشان مكنش مُشتت ليكم هي لو كانت استجابت ليا كان من زمان.. بس المرات الجاية كتير وهتابع معاكي يا دكتورة سدرا.
:_ تمام يا استاذ سليم.
قالتها في جدية واضحة، بينما استدار سليم يبتسم في مكر غريب، يغادر المكتب ولكن ازداد دافعه نحوها أكثر، وكأنه ينتظر الوقت يمر حتى يوقعها بشباكه العنكبوتية فلا تستطيع الفرار ويبدأ بصنع شرنقة هي بداخله ولن تجد مخرج إلا عن طريق يديه!
*****
مر شهر كامل بقيت تاليا تخفي عن الجميع آلامها التي تزداد شيئًا فشيء ولكنها تخفي ذلك خلف المسكنات التي تتناولها، بينما بقى حسن ينتظر أن ينهي تلك الاختبارات كي يتزوج من سكنت قلبه العاشق لها خلف ضلوعه، بينما قام جلال وفريال ومعهم حنان بتجهيز كل المراسم الخاص بكتب كتابهما كي يتزوجا في أول أسبوع في الأجازة، في حين بقى سليم يكرر زيارته لسدرا يجذبها في هدوء دون أن تلاحظ له، بينما اقترب موعد عودة آدم، ولكن بقى الوحش يدخل عدد لا نهائي من المواد الممنوعة دون أن تعلم الشُرطة التي باتت تُجن منه.
*****
داخل غرفة ماجد..
يجلس متطلعًا نحو جريدة الخاصة بالأخبار، فعلى الرغم من تقدم التكنولوجيا إلا أنه يعشق قرأت هذه الأخبار من الجرائد، استمع لصوت طرقة اعتاد عليها من الممرضة هتف في صوتٍ عالي كي تسمعه:
_ ادخلي يا بنتي.
:_ طب ابنك مينفعش؟
استدار ماجد سريعًا ينظر نحو ابنه في لهفة وقد ادمعت عيناه بشدة، بينما تقدم آدم وخلف الممرضة التي ابتسمت في مرح قائلة:
_ البشمهندس هو اللي قالي اخبط عشان متعرفهوش.
ابتسم له ماجد في حب قائلًا وهو يحتضنه في شوق:
_ ماشي يا آدم.. وحشتني أوي يا بني وحشتني اوي.
احتضنه آدم في اشتياق يجيب بنبرة حنونة:
_ وأنت والله يا بابا يعلم ربنا الشغل خد مني وقت ازاي وضغطت على نفسي ازاي عشان أخلص بسرعة واجي.
ابتسم ماجد متطلعًا نحو في راحة قائلًا بنبرة دافئة:
_ اكيد جاي تعبان من المطار ومريحتش روح نام وبليل نقعد سوا في البلكونة ونحكي كل حاجة سوا زي العادة.
حرك آدم رأسه بالفعل يشعر بألم الإرهاق وقرر المغادرة نحو غرفته ليغرق بعالمه المريح.
*****
داخل المسجد..
»بارك الله لكما وجمع بينكما في خير«
قالها المأذون وهو يزيل المنديل أسفله يد جلال وحسن، تعالت الزغاريد بالفرحة، بينما وقفت تاليا تبتسم في خجل ملأ وجهها تقف إلي جوارها سدرا التي تشعر بسعادة كبيرة، نهض حسن يحتضن جلال قائلًا في همس:
_ ربنا يقدرني وأكون قد الأمانة لأخر يوم بعمري وأشيله جوا عيوني وقلبي.
ربت جلال على ظهره يردف متطلعًا له في حنو:
_ ربنا يبارك فيك يا بني.. أنت الولد اللي مجبتهوش.. روح يلا لمراتك.
ابتسم حسن ما أن وقع هذه الكلمة على مسمعه ينظر نحو تاليا التي ترتدي فستان باللون الأبيض هادئ نسبيًا ليس بضخم للغاية لا تستطيع السير منه، أو بعاري يظهرها، تقدم يقف امامها يبتسم في عشق لها، مد يده يرفع وجهها متطلعًا لحدقتيها قائلًا:
_ وأخيرًا جه اليوم اللي هقدر أكلمك وأخرج معاكي بدون حرمانية أو خوف من الذنب، بقيتي مرات حسن اللي حلم بيكي 3 سنين وأخيرًا حلمه اتحقق واتجوز حبيبته اللي رفضه تقرب غير في النور وقصاد الكل.
قبل جبينها في رقة، يهمس بنبرة عاشقة:
_ أعشقك يا شمس فؤادي.. ويا نور عيني.. لم أجد نفسي تائهًا إلا عندما ابتعدتِ والآن أجد نفسي وسط محيط عشقي ليكي.. اللهم قدرني ويسرني في الحفاظ عليكي وأن أجعلك أسعد نساء العالم يا درة قلبي.
أدمعت عين تاليا من كلماته، لم تتخيل أنه بالفعل بقى ثلاث سنوات يعشقها ينتظر تلك اللحظة منذ وقت طويل، هتفت تاليا بصوتٍ هامس:
_ هو بجد أنتَ بتحبني أوي كده!
ضحك في خفة ثم مد يديه يزيل تلك الدمعة الصغيرة من اهدابها، يجيبها في همس جوار أذنها:
_ لست محبًا فقط بل عاشقًا ألتهم صدره لهيب الشوق لهذا اليوم.. فـ والله كنت ادعو الله أن يساعدني في أخذ تلك الخطوة كي تصبحي الآن أمامي أخبركي بما يكنه الجالس خلف ضلوعي ينتظركِ.
نظرت نحو حدقتيه في حب بدأ ينبت بداخلها، بينما بدالها حسن نظرات عشق تعبر عن القليل مما هو بداخله، امسك بيدها في حنان يتمتم بنبرة هادئة نحو جلال:
_ بستأذنك يا عمي أخدها ناكل برة في حتة هادية!
رفع جلال يده يردد مبتسمًا لخُلق حسن الرفيعة والتي تندر وجودها بالشباب:
_ والله يا بني هي دلوقتي مراتك مليش حكم عليها!
ترك حسن يد تاليا ثم وقف أمام جلال يقبل رأسه مرددًا بنبرة دافئة:
_ بالعكس حكمك عليا وعليها، وهي هتبقى في حكمي رسمي لما نعمل الفرح وتلبس فستان الفرح زي باقي البنات وأشوف فرحتها.
ربت جلال على كتفه، ثم أجاب بنبرة راضية:
_ روح يابني واتبسطوا.
نظر حسن نحو تاليا التي احتضنت سدرا سريعًا ثم تقدمت نحو حسن الذي امسك بيدها يضعها بين يديه يعلن أنها زوجته اخيرًا، غادر الأثنان المكان في حين نظر جلال نحو حنان يردد بنبرة فخورة:
_ زين ما ربتي يا مدام حنان ابنك ونعمة الأخلاق والدين.. ربنا يحميه ويحفظه ويسعدهم يارب.
ابتسمت حنان في رضا ثم أمنت خلفه تترجي من الله السعادة لهما.
****
داخل إحدى المطاعم الهادئة..
جلست تاليا تشعر ببعض الخجل، ولكن ليست من طبيعتها أن تصبح هكذا، نظرت نحوه في بسمة علت ثغرها تردد:
_ بص بقى بما إن حلال اتكلم معاك فإبدأ أنتَ الأول عشان اشيل التوتر اللي أنا فيه دا واخد راحتشي اشطا!
ضحك حسن بشدة على طريقتها ثم اردف في ضحك حاول السيطرة عليه:
_ راحتشي واشطا.. هو انا اقدر اقول حاجة بعدها.
رفعت تاليا حاجبها في غيظ مرددة وهي تضيق عيناها:
_ قصدك أني بيئة؟
اتسعت عين حسن من جنونها وهتف سريعًا قبل أن تنهض ويصبحوا عرض لجميع من بالمطعم اليوم:
_ لا طبعًا مقصدش كده.. بصي يا ستي هحكيلك حسن من وهو صغير لحد اللحظة دي.
وضعت تاليا يدها أسفل ذقنها تنظر له في استمتاع، بينما اكمل حسن يبتسم لها في حب يشعر أنها ابنته وليست زوجته:
_ انا وأنا صغير بابا اتوفى وأمي هي اللي تعبت في تربيتي كنا قاعدين في الأرياف وطبعًا دا كان ضرر كبير لوالدتي لأنها مش متجوزة وسنها صغير وهناك كله كان عايزها تتجوز.. المهم أمي رفضت ووقفت حياتها عشاني قررت تربيني صح.. ودتني الكُتاب عشان أحفظ قرآن عشان ابويا يأجر في تربته وأمي كانت بتشتغل في الخياطة وربنا عشان يفتح باب رزق بالحلال فتحها عليها وقتها... وقتها بقى كبرت شوية وبقيت بذاكر واحفظ قرآن ولما حبيت اشتغل.. امي رفضت وقالت لما تكبر شوية.. وتدخل الجامعة هسيبك تعمل اللي عيزه.. فضلت كده وختمت حفظ القرآن الحمدلله ودخلت ثانوي كنت بعافر فيها عشان اكون مهندس كويس... بس النصيب اخدته وارضيت بيه ومجموعي اتظلمت فيه وجبت ستين في المية وعشان طبعًا مكلفش والدتي اكتر في التظلم وكده رضيت بيه وحمدت ربنا بس قررت ادخل تجارة عين شمس واشتغل بس للأسف مكتب التنسيق حدفني حلوان أخر بلاد المسلمين ولما عملت اغتراب منفعش... قلت الحمدلله خير اكيد وأنا مش عارف.. سفرت من البلد وجيت القاهرة ودخلت الجامعة... في الترم الأول مخدتش بالي منك لأن تقريبًا كنت مشغول في الابحاث واني اعرف الكلية اكتر... بس الترم التاني لقيت بنات بتعمل شلة ولزما في الشلة ولد زميلهم.. مرضتش اتكلم مع بنت ولا أدخل في شلة عشان مشلش ذنب لحد ما بالصدفة دخلتي محاضرة متأخر وشوفتك استغربت اوي انك روحتي قاعدتي لوحدك ولما خلصتي قولت هتروحي لصحابك بس برضو لقيتك لوحدك.. فضلت متابع تصرفك وقولت اكيد هتصاحب او هتعمل شلة بس اكتشفت ان اللي مفيش ولد كلمك وأنتِ حاطه حدود عشان مش عايزة تدخلي في شلة... هنا بدأت افكر واقول أنك الوحيدة اللي رجعتي ثقتي بأن في بنات مش مختلطة لسه وطبعا اشتغلت في شركة وفضلت ادرب وبعدها نقلت لشركة تاني وكله دا وانا متابعك لحد ما خلصنا سنة رابعة الترم الأول وخوفت معرفش اقابلك تاني وقررت وقتها اخلص المحاضرة واقابلك ولاسيما أني ثابت في الشغل ومتأمن عليا والمرتب معقول المهم حظنا في اليوم دا خلصنا بدري وفضلت ماشي وراكي لحد ما كلمتك بس .
شعرت تاليا باستمتاع كبير وهي تستمع له، بينما ابتسم حسن متسائلًا في هدوء:
_ ممكن أسأل أنا سؤال!
:_ اكيد طبعًا!
قالتها في عفوية، بينما شعر حسن بالرضا من عفويتها وأنها بالفعل بدأت أن تزيل توترها، هتف بنبرة تحمل بعض التعجب:
_ أنتِ ليه مش ليكي صحاب ملاحظ أصلا انك مش بتقعدي مع اختك الكبيرة بس؟
ابتسمت تاليا في ألم تجيب بنبرة حزينة:
_ عشان ومن وأنا صغيرة المدرسين شايفني فاشلة.. وطبعًا أي طفل فاشل الأطفال بيبعدوا عنه.. ولما كبرت وعملت شلة في اعدادي عرفت أنهم بيصحبوني عشان مصلحتهم وبس.. كبرت وقولت مش هصاحب حد تاني ودخلت ثانوي بس لقيت كام بنت بيقربوا مني قولت اخيرًا صحاب وكده.. بس عرفت أنهم كانوا عايزني أكلم ولد وأمشي غلط واعمل كل اللي بيقوله وكمان ياخدوا مجهودي في الامتحانات على الرغم من اني كنت برضو مش شاطرة اوي... ساعتها بس قولت أنا مش هصاحب تاني كفاية وجود اختي عليا وهكمل كده انا لو صحبت صاحبة سوء ممكن ادمر فليه كله دا... بعدت وارتاحت كتير على الرغم أنه يبان اني اجتماعية بس في الوقع مفيش في حياتي غير اختي سدرا وبس ولو هي مكنتش موجودة او عايشة معانا مكنش هيبقى ليا حد.
شعر حسن بالضيق من كلماتها التي ألمت قلبه، وتمنى لو يستطيع التهوين عليها، فهتف بسؤالٍ أخر لعله يغير مسار الطريق:
_ هو ليه اختك سدرا بتقول ماما فريال وبابا جلال؟
نظرت له قليلًا ثم اجابت ببعض التوتر:
_ بص بما أنك خلاص يعني جوزي وأنك فرد في العيلة هقولك.. سدرا مش اختي هي تبقى بنت عمتي وانا ابقى بنت خالها.. وهي صغيرة.. عمو محمود وعمتو ناهد اتقتلوا قدمها وهي صغيرة وبابا اخدها واتربينا سوا لحد ما كبرنا دلوقتي!
صُدم من بضع كلمات وقعت عليه كدلو ماء بارد، هتف في صدمة:
_ اتقتلوا.. ليه!
حركت تاليا رأسها في نفي تتمتم مجيبة:
_ معرفش أنا بس اللي اعرفه أنهم اتقتلوا وسدرا لحد دلوقتي لسه بتحلم بالراجل اللي قتلهم وشكلهم وهما بيتقتلوا.
تألم حسن مما استمع له، وشعر بالشفقة عليها تمتم بنبرة حزينة:
_ ربنا يرحمهم ويصبرها... متخيلتش أن في معاناة بعدي الحمدلله على كل حال.
استطرد حديثه مرددًا في بسمة صغيرة:
_ بلاش نزعل النهاردة وتعالي نطلب اكل ونتفق هننزل أمتي عشان تختاري الانترية وباقي عفش الشقة.
ابتسمت تاليا في سعادة، ثم هتفت في حماس:
_ طب هات كده اشكال الانترية نتفرج من دلوقتي وكمان لون الحيطان عشان مش فاكرة اوي لونها.
حرك رأسه ثم اخرج هاتفه يشاهدان سويًا ألوان الحيطان وسط مشاكسة تاليا التي اكتشفها حسن معها ولكن شعر بسعادة تتدفق لضلوعه، لم يبق من هذا اليوم سوى سعادة الجميع.
*****
عادت تاليا مع حسن للمنزل السيد جلال وبقوا سويًا لبعض الوقت اتفقوا فيها أنهم سيذهبون سويًا لشراء بعض من أثاث الشقة، غادر حسن من الشقة وبقيت تاليا تتحدث إلى جوار سدرا التي تبتسم في سعادة تترجي من الله ان يكمل سعادتها.
*****
صباحًا..
سارت عائلة عبدالحميد مع عائلة حسن في محاولة ايجاد اثاث يناسبهم، ثم توقفت تاليا أمام نوعٍ ما مميز الشكل، لاحظ حسن نظراتها وتقدم من الرجل يسألها في هدوء ولكن تفاجأت هي بثمنٍ باهظ، نظرت نحوه سريعًا قائلة بعدم رضا مزيف:
_ لا يا حسن مش حلو متجبهوش.
تعجب حسن من رفضه له، بينما لاحظت حنان سبب رفضها وقررت الصمت، بدأوا يبحثون مجددًا ولكن تلك المرة لاحظ حسن أنها تبتعد عن ذي أسعار باهظة، توقف حسن فجأة ينظر لها في بعض الضيق قائلًا:
_ هو أنتِ ليه كل ما يعجبك حاجة ونسأل عليها تسبيها فجأة وأنا واثق أنها عجباكي عشان متعمليش الحِجة دي!
صمتت تاليا ولم تستطع الاجابة، تتطلع للأسفل في صمت، بينما شعر حسن بضيق زائد يردف بنبرة تحمل بعض العصبية:
_ ردي يا تاليا.
ازدردت حلقها في صعوبة ثم هتفت وقد ادمعت عيناها:
_ عشان غالية اوي عليك وأنا مش عايزة اكلفك جامد ولاسيما أنك تعبت في حياتك اوي!
هدأ حسن قليلًا ثم نظر لها في عمق يهمس بنبرة هادئة:
_ اولًا مفيش حاجة هتغلي عليكي... ثانيًا تكلفيني ايه يا تاليا أنتِ مراتي وحبيبتي يعني مفيش حاجة اسمها تكلفني بيني وبينك... وغير كده تعبت في حياتي دا اختبار من ربنا وانا راضي بيه وكمان انا مجهز نفسي كويس يا تاليا... اختاري اللي نفسك فيه ومن غير ما تخافي يا حبيبتي.
لم تعلم ماذا تقول هي فقط تريد أن تختبئ بين ضلوعه لتخبره أنه احتوى قلبها الصغير، تريد أن تخبره أنه يزرع نبتة صغيرة اصبحت تنمو بدفء قلبه وحنان كلماته عليها، ساروا سويًا ولكن عاد حسن لأول ما اختطف عين معشوقته وقرر شراؤه، بينما بقت حنان تنظر لهما دون ملاحظة فريال وجلال وسدرا لها، تهمس بنبرة مترجية:
_ ربنا يفرح قلبي بيكم يا ولاد.
*****
مر بعض الوقت وذهبوا جميعًا نحو مطعم لتناول الغداء ولكن شعرت تاليا بألم يغزو بطنها، حاولت التماسك قليلًا، ولاحظت انشغال حسن مع والدها بالحديث وبحثت بحقيبتها عن دواء يسكن المها، ولكن وجدته فارغ، عضت على شفتيها في ألم بدأ يعتصرها، ثم نهضت فجأة تهتف وهي تمسك يد سدرا:
_ هروح الحمام.
شعر حسن بوجود خطبًا ما بينما قلقت سدرا بشدة فـ تاليا تمسكها بشدة ماذا بها؟، قبل أن تبتعد عنهم نزف انفها بدماء، ولم تكمل ثوانٍ وبدأت تتقيء الدماء، صرخت سدرا وهي تزرف الدموع مصدومة بينما نهض حسن وخلفه جلال وفريال وحنان، اسرع لها ولكن ما أن رأي الدماء حتى اتسعت عيناه فجأة، نظر لها ولكن وجدها تغمض عيناها في ألم، ثم بدأت تصرخ من آلام فقدت السيطرة عليها، وفجأة سقطت مغشيًا عليها وسط صراخ الجميع في قلق بدأ يلتهمه بفجوته!
يتبع.