رواية شيخة القبيلة الفصل الثامن 8 بقلم رانيا ممدوح
خرج صقر إلى فناء القصر بعد أن نام ساعات طويلة للتعافي من التعب و الألم، يتنفس ببطء وكأنه يحاول أن يلتقط أنفاسه من زحمة الأفكار، لا من ضيق المكان. الليل كان ساكنًا، والنسيم البارد يداعب وجهه المتعب. رفع رأسه إلى السماء، يراقب النجوم وكأنها ترشد قلبه الضائع. شعور غريب يعتريه... مزيج من الارتياح لعودته، والقلق مما ينتظره.
+
في صدره كلمات لم تُقال، وفي جيبه سلاسل من الأسرار، أما قلبه فكان لا يزال عالقًا هناك... في السهل الغربي، عند العيون التي سرقت منه كل راحة.
+
نظر جانبا ، فوجد والدته رشيدة .رآها جالسة في الجانب المقابل من الفناء، بهدوئها البارد، وهي تحدق في اللا شيء، كأن رجوعه لم يكن يعني شيئًا، كأنها لم تسمع بخبر نجاته من موت محقق. لم ترفع عينيها نحوه، لم تفتح ذراعيها، لم تنطق حتى بكلمة ترحيب... كانت كما هي دائمًا: صلبة، صارمة، وقلبها كالجدار.
+
توقف صقر للحظة، تأمل ملامحها التي لم يتسلل إليها الزمن، لكنها قادرة على أن تُشيّب الروح. لم يكن ينتظر منها الكثير، فقد تعود على الجفاء في حضرة والدته، لكن في داخله كان هناك طفل صغير يصرخ، يتوسل لنظرة دفء، ليدٍ تطمئنه، لصوت يهمس "حمداً لله على سلامتك".
+
لكنه لم يجد سوى الصمت، والصمت أوجع من ألف صفعة.
+
تقدم صقر بخطى بطيئة نحوها، خطواته تنوء بثقل الكلمات التي اختنقت في صدره منذ سنين. وقف أمامها، وهي ما زالت جالسة، تنظر أمامها بعينين لا تعكسان أي انفعال.
+
قال بصوت خافت لكنه مشحون:
"كنت هاموت، كنت حرفياً بين الحياة والموت، والكل افتكر إني انتهيت... لكنك إنتِ؟ ولا حتى دمعة، ولا حتى دعوة."
+
لم تجبه. لم ترفع نظرها نحوه. فاشتد صوته، وتصلب فكّه غيظًا:
"هو أنا ابنك؟ ولا كنت غلطة؟ من وأنا صغير وأنا بحاول أفهم، ليه دايمًا بتحبيني بالصمت؟ بالجفاء؟ حتى الحيوان بيحضن ولاده لو رجعوله من وجع، إنتِ حتى حضن مش بتعرفي تعمليه!"
+
أخيرًا، تحركت عيناها نحوه ببطء، لكن ملامحها بقيت جامدة.
+
فأكمل صقر، وصوته يرتجف رغم قسوته:
"كنت مستنيكي أول واحدة تسألي عليا... كنت بدوّر عليكي في الوجوه، في الأصوات، في الدموع اللي نزلت. مفيش. ولا حاجة. كأن غيابي ما فرقش، كأن موتي ما يغيرش فيكي حاجة."
+
اقترب أكثر، حتى صار ظلّه يغمرها:
"هو قلبي ده ما استحقش منك لحظة خوف؟ لحظة ضعف؟ ولا حتى كذبة فيها حنية؟ "
+
ثم تنهد بمرارة، وقال بنبرة منهكة:
"مش عايز منك حاجة دلوقتي... بس عايزك تعرفي، إني ما متش... واللي مات فعلاً هو الحنين لرضاكي."
+
ثبت صقر مكانه لحظة، وكأن قدميه ترفضان مغادرة ساحة الألم قبل أن يفرغ كل ما في قلبه، ثم عاد يلتفت نحوها ببطء، ونظراته مشتعلة بنار خذلانٍ قديم.
+
قال بصوت خفيض لكنه حاد كحد السكين:
"عارفة؟ أنا مش مصدوم في برودك... لأ، أنا اتعودت. من وأنا طفل، كنت بدوّر على نظرة رضا... حضن دفا... كلمة تطمن، ولقيت وشك زي الحيطان، صلب، مفيهوش ولا لمحة إنسان."
+
اقترب أكثر، نظر في عينيها مباشرة وكأنّه يحاول أن يوقظ فيها مشاعر ماتت من سنين، ثم أردف بصوت أشدّ قسوة:
"عمري ما حسيت إني ابنك، يمكن أكون كنت غلطة في وقت غلط، أو يمكن كنتِ بتتمنّي أموت من أول لحظة صرخت فيها وانا طفل رضيع، علشان ترتاحي من وجودي اللي عمره ما كان مرغوب فيه بالنسبة لك."
+
شدّ على قبضته، وكأنها تمسك بكل الذكريات التي تحفر في قلبه:
"كل الناس كانت بتعيّط على غيابي، إلا إنتِ... كنتِ قاعدة هنا، بنفس البرود، بنفس النظرة، كأنك بتتفرجي على حد غريب مش ابنك. لو كنت مت، كنت هتنامي عادي؟ بتأكديلي دلوقتي إنك فعلاً كنتِ هتنامي من غير ما تحسي بأي شعور بالذنب من ناحيتي و كأن عادي تفقديني."
+
صمت لحظة، ثم قال بصوت خافت لكنه كان الأكثر ألمًا:
"أنا مش راجعلك... راجع لأبويا اللي فتش عني في كل شبر، راجع لقبيلتي، راجع للي صدقوا فيا. إنتي؟ أنا طلعت من رحمك بس، لكن عمري ما كنت ابنك فعلاً. ولو كان فيه لقب ينزع عنك كلمة أم، فأنا أول واحد يطالب بيه."
+
رفعت رشيدة نظرها إليه ببرود قاتل، نظرة جامدة لا تشبه حنان الأمهات ولا حتى قسوة المحبين، بل تشبه تمامًا تلك الأحجار الباردة التي لا تعرف طعم الدفء.
قالت وهي تقطع حبل كل يقينه:
"ومين قالك إنك طلعت من رحمي أنا؟"
+
تجمد الدم في عروقه، نطق بالكاد:
"يعني إيه؟"
+
ابتسمت بسخرية متجمدة، كمن يلقي الحقيقة في وجهه كصفعة، وقالت:
"يعني بالبلدي كده، أنا ما شلتكش في بطني، لا يوم ولا حتى ثانية. كنت بتمنى ده يحصل، مش علشانك... علشان أبوك، لأنه كان شايفك انت وبس، وكأنك ابنه الوحيد، وناسي إن فيه رشيدة و في ولاد تانيين."
+
تراجع صقر خطوة، عيناه تتعلقان بها، يبحث عن أي شيء في ملامحها ينفي ما قالته، لكنها أكملت دون رحمة:
"أمك اسمها فيروزة... من الغجر. عارف يعني إيه غجر؟ يعني لا نسب ولا حسب... لا قبيلة ولا أصل ، مجهولين منبوذين. بس كانت أجمل واحدة فيهم."
+
شهق صقر، كأن طعنة باغتت قلبه من الخلف، وقال بصوت مرتعش:
"مستحيل... بتكدبي... ليه بتقولي كده؟ ليه بتعملي فيا كده؟"
+
هزت كتفيها ببرود قاتل، وقالت كمن يروي مشهدًا حفظته جيدًا:
"مش بكدب، دي الحقيقة. إنت ابن فيروزة الغجرية، الست اللي قلبت حياة القبيلة كلها. زمان... كان في وعد بيني وبين جمال، ابن عمي، كنا لبعض من أول يوم اتولدنا فيه. الناس كلها كانت عارفة إن جمال لرشيدة، ورشيدة لجمال."
+
نظرت بعيدًا، كأنها تشاهد شريطًا قديمًا لا تزال ناره تحرقها، وتابعت:
"بس فيروزة دخلت حياتنا... كانت رايحة النهر تملأ ماية، زي أي ست، لكن دي كانت فيروزة... مش أي ست. تمشي وخطوتها تغري، تضحك ويقع قدامها الشنبات. وأبوك... أبوك نسي كل حاجة... نسي الوعد، نسي اسمي... وافتكرها هي."
+
صمتت لحظة، ثم همست بجمرة في كلماتها:
"وسابتك معايا، كنت صغير، ومشيت هي. وأنا... ربيتك، لكن ما عرفتش أحبك. يمكن علشان كنت دايمًا شبهها... نفس العين، نفس النظرة اللي خطفت جمال، النظرة اللي بتخليه مايركزش مع حد غيرك و كأن مافيش في الدنيا غيرك."
+
كان صقر واقفًا أمامها كتمثال مشروخ، تتساقط منه طبقات العمر واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة منها كانت تمحو ذكرى، وتكشف له عن هويّة ما كان يريد الهرب منها، لا يريد اكتشافها.
+
وكانت السماء فوقهم، تشهد على انهيار وهمٍ عاش فيه سنين طويلة... وانكشاف الحقيقة التي لم يكن مستعدًا لها أبدًا.
+
صُدم صقر من وقع كلماتها، كأنها خناجر تنهش في صدره دون رحمة. لم يكن مستعدًا لسماع ما قالته، لم يكن مهيأً لاستقبال تلك الحقيقة المشوهة، أو الأكاذيب المسمومة لم يعد يدري أيهما أقرب للواقع.
+
قال بصوت مرتجف:
"ده كدب... مش حقيقي... مستحيل."
+
نظرت إليه رشيدة ببرود قاتل، بنفس النظرة التي اعتادها منها منذ طفولته، نظرة لا تعرف الرحمة ولا تعرف الحنان، ثم قالت بجمود:
"تقدر تروح و تسأل الغجر. إنت عارف مكانهم زي ما أبوك كان عارفه، و اسأل عن جاد ميمون. ساعتها تعرف إن أمك سابتك مرمي هنا و راحت اتجوزت واحد من اللي شبهها. أبوك عمل منها ملكة... لكن الغجرية عمرها ما تكون شريفة. أمك كانت مجرد بنت ليل... بتتأجر من راجل لراجل."
+
لم يُكمل عقله استيعاب الجملة الأخيرة... يد صقر ارتفعت من تلقاء نفسها، وكأن الألم داخله تحوّل إلى غضب، وصفع وجهها بقوة.
+
دوّى صوت الصفعة في فناء القصر كالصاعقة.
+
شهقت رشيدة، ووضعت يدها على وجنتها في ذهول... لكنها لم تبكِ، لم تصرخ، فقط نظرت إليه بعيون جامدة، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.
+
أما هو، فقد تجمّد مكانه. عيناه تتسعان، يده ترتجف، لا يعرف كيف فعلها. لم يكن هذا من شيمه... لكنه لم يعد يعرف من يكون. هل هو ابن فيروزة؟ أم ابن الظلم؟ أم مجرد شخص تائه وسط أكاذيب الكبار؟
+
خطى خطوة إلى الوراء، وخرجت منه همسة بالكاد تُسمع:
"أنا ازاي عملت كده؟."
+
ثم استدار وابتلعته عتمة الممر، بينما ظلت رشيدة مكانها... بوجه يحمل الصفعة وشفاه ترتجف، لكنها لا تتكلم.
+
انهار صقر كأن الأرض قد انشقت من تحت قدميه.
تهشّمت داخله صورة نفسه التي طالما رسمها، وتداعى بنيان من الأسرار عاش فيه دون أن يدري.
+
تقدّمت أنفاسه المضطربة كقطرات مطر على زجاج نافذة في ليلة شتاء عاصفة، كل شهقة تحمل وجعًا، وكل زفرة تثقل صدره أكثر.
كان يمشي في ردهات القصر كالأعمى، لا يدري إلى أين، ولا يريد أن يدري.
+
كان رأسه يعجّ بالأسئلة، لكنه عاجز عن إيجاد إجابة.
ترددت كلمات رشيدة في عقله كنصل سكين يُعاد غرسه مرارًا:
"إنت مش ابني... إنت ابن الغجرية... كانت بتتأجر... من راجل لراجل."
+
توقف فجأة، وأسند كتفه إلى الجدار، ثم انزلق ببطء حتى جلس أرضًا، كأن ساقيه خانتاه.
غاص وجهه بين كفّيه، يحاول عبثًا حجب الحقيقة... لكن الحقيقة لا تُحجب.
+
رفع رأسه فجأة، وحدّث نفسه بصوتٍ مخنوق:
"هو أنا... ابن فيروزة؟!
أنا مش ابن رشيدة؟
أنا ابن غجرية؟ بنت ليل؟!"
+
ثم صرخ من أعماق روحه، كمن يلفظه العالم:
"ااااااااه ، ده مش حقيقي ، كل ده كدب، كل ده حلم ايوه حلم."
+
كانت الدموع قد جفّت، وترك الألم مكانه لفراغ مخيف... فراغ لا يمتلئ بشيء.
هو لم يكن فقط تائهًا عن أمه، بل تائه عن نفسه.
+
ولأول مرة...
لم يعرف صقر من يكون.
+
قرر صقر، وهو ما يزال يجرّ خلفه بقايا روحه المتكسّرة، أن يذهب إلى الغجر.
أولئك الذين يسكنون في أطراف القبيلة، بعيدًا عن عيون الناس وحديثهم، في عالمٍ بدا له كأنّه منسيّ، غامض، متوحّش، لا يخضع لقوانين القصر ولا لأحكام القبائل.
+
كان الليل قد بدأ يرخي سدوله، حين امتطى صقر جواده، دون أن ينطق بكلمة، لم يُعلم أحدًا، ولم يحمل شيئًا سوى شتات قلبه وشرارة شك تكاد تلتهم ما تبقّى من يقينه.
+
شقّ طريقه إلى أقصى الحدود، حيث الخيام مبعثرة كأنها نبتت من الأرض بلا ترتيب، والأنوار الخافتة تتراقص على نغمات الطبول، والضحكات العالية تختلط بالدخان المتصاعد من نار تتوسط الجمع.
كان عالمًا غريبًا، حيًا أكثر مما اعتاد، لكنه موحش في نظره... فيه شيء من السحر... شيء يُربكه ويجذبه في آنٍ معًا.
+
توقف عند حافة المخيم، نزل من على جواده ببطء، وخطى خطواتٍ حذرة على أرضٍ لم تطأها قدماه من قبل، شعر كأنها تنبض تحته، وكأنها تعرفه قبله.
+
كان يُدرك أن رحلته هذه قد تغيّر كل شيء... وربما لن يعود منها كما كان.
لكن لا مفر...
فالحق لا يُطمس، ولو كان في قلب نار.
+
اقترب منه رجلٌ غجريّ، ذو لحية خفيفة وملامح ماكرة، يرتدي عباءة ملونة ويداه تتراقصان وهو يتحدث. لمح في صقر الثراء من طلّته، حتى وإن كان ملثمًا، فالنظرة الأولى تكشف الكِبر لمن اعتاد أن يراه في الآخرين.
+
قال الغجري بصوت خشن، ولهجته مزيج من البداوة والغجرية:
+
"حيّ الله اللي لفانا... ريحة الذهب سابْقاك يا سيدي، والهيبة باينَه من تحت اللثام...
تعال، تعال، ما دامك وصلت أراضينا، فالعِزّ ليك والحُرمة علينا...
عندنا اللي يسرّ الخاطر ويحيي القلب الميّت...
أكل طيب؟ تِلقى.
شراب يسكر العيون؟ نِسقيك.
ونسوان؟ حُرّة عينك، من كل لون وصِفَة.
تؤمر، بس قول، اللي في بالك نحُطّه بين إيديك."
+
كان الغجري يتحرك حوله كأفعى تراقب الفريسة، يحاول التسلل من نظرات صقر، لكن عينيه كانت صارمة كحد السيف، جامدة لا تهتز.
+
صقر لم يرد، اكتفى بأن زاد شدّ لثامه، وسار بصمتٍ نحو الداخل، تاركًا الرجل يحدّق فيه بدهشة وخوفٍ مكتوم.
فمن هذا الغريب الذي لا تُغريه خيرات الغجر ولا تُحرّكه عروضهم؟
+
لكن الغجري لم يتراجع، بل ازداد تمادياً وهو يتبع خطوات صقر بخفة، يتمايل يمينًا ويسارًا كراقصٍ على أنغام خفية لا يسمعها سواه، وعيناه لا تبرحان النظر في ثياب صقر الفاخرة.
+
قال وهو يضحك ضحكة فيها من المكر أكثر مما فيها من المرح:
+
"والله ما شفت راكب يرد الخير كده من أول طلّة...
يا زينك! إنت بس تقول كلمة، وأنا أجيب لك كل اللي تحلم بيه...
عايز بنت ترقص لك؟ عندنا واحدة يقولوا عنها تخلي الحيطه تغني!
عايز تعرف أسرار؟ إحنا أهل السر، ملوك الحكي، ونفهمها من الهمسة!"
+
توقّف صقر فجأة، أخرج من تحت عباءته بعض القطع الذهبية الثقيلة، برق لمعانها تحت نور الشمس الخافت التي تحاول الطلوع بخجل، ورفعها في وجه الرجل.
+
ثم نطق بثباتٍ ونبرة ثقيلة:
+
"جاد ميمون."
+
سكت الغجري فجأة، وانكمش صوته كما ينكمش اللهب حين يصبّ عليه الماء.
نظر إلى القطع الذهبية، ثم إلى عيني صقر، وكأن الاسم الذي نطق به أيقظ فيه شيئًا خطيرًا... شيئًا لا يُقال علنًا.
احمرت ملامحه، وارتبكت خطواته، ثم بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت منخفض:
+
"الاسم ده... ما ينقالش كده في الهوا، يا سيدي...
إنت متأكد إنك عايز تدور وراه؟"
+
لكن صقر لم يرد. فقط نظر إليه نظرة واحدة... كانت كافية.
+
لم يحتج صقر إلى كلمات، بل أخرج المزيد من القطع الذهبية، وألقاها أمام الرجل فتهاوت في الهواء وارتطمت بالأرض بصوت معدني أخمد أي محاولة للمراوغة.
+
توسّعت عينا الغجري وهو يراها تتناثر أمامه، ثم انحنى يلمّها بكفّين مرتجفتين، وعيناه لا تزالان تراقبان صقر كما يراقب ثعلب نصل سكين موضوع على عنقه.
+
قال بصوت منخفض وهو يضم القطع إلى صدره:
+
"دهبك كتير... وسؤالك أغلى...
بس اللي بدو يعرف عن جاد ميمون، لازم قلبه يكون ميت،
جاد مش بني آدم... ده نار تمشي على رجلين،
وفيه ناس دخلت في داره ما رجعتش تاني،
بس تعال... تعال ورايا، وانا أقولك مين يسوقك ليه..."
+
ثم أشار بيده المرتعشة نحو زقاق ضيق خلف خيم منصوبة على غير نظام، أشبه بممر مهجور يفصل بين عالمين.
وصقر، كما هو، لا يتكلم، لا يلتفت، بل يسير خلف الرجل كمن يسير في نبوءة كُتبت له قبل أن يولد.
+
بعد نصف ساعة من السير المتواصل، وسط طرقات متشابكة وممرات خانقة تفوح منها رائحة الدخان والرطوبة، كان كل شيء حول صقر يزداد ظلمة، وكأن الشمس قد قررت ألا تشرق هناك أبدًا.
الجدران تقترب، والأصوات تخفت، والمكان نفسه يبدو كأنه يتنفس بثقل، يزحف على صدر الداخل إليه بهدوء مميت.
+
توقف الرجل الغجري أخيرًا أمام خيمة سوداء ضخمة، تختلف عن كل ما سبقها. لا لافتة، لا زخرفة، فقط سكون يسبق العاصفة.
أشار له بعينه دون أن ينطق، ثم ابتعد في صمت مريب، وكأنه أنهى دوره، ونجا بنفسه.
+
اقترب صقر ببطء. كانت الخيمة توحي بشيء غريب، وكأنها تنتمي إلى زمن غير الزمن، ومكان غير المكان.
رفع يده، وكاد يزيح الستار، لكن الصوت خرج أولًا من الداخل:
+
"مين اللي جاي يزعّجنا في أخر الليل؟
مالك؟ ضايع؟ ولا شاري دم؟"
+
دخل.
وفي الداخل...
جلس رجل مُسنّ، نحيف البنية، عاري الصدر إلا من سلسلة يتدلّى منها ناب ذئب، وعيناه تلمعان كبريق نصل في العتمة.
يده تعبث بأوراق محروقة، وأمامه مبخرة تخرج منها رائحة نفاذة تعبق المكان.
+
رفع نظره ببطء ناحية صقر، وقال بنبرة ساخرة:
+
"وشك مش من هنا... غريب.
إنت مين؟ وعاوز إيه؟ ولا فاكرنا سوق وداخل تصرف دهبك؟"
+
صقر لم يرد. اكتفى بإخراج المزيد من القطع الذهبية ووضعها بهدوء أمامه.
+
العيون التي أمامه اتّسعت.
+
من ركن مظلم في الخيمة، خرجت فتاة شابة بملامح حادة ونظرة ماكرة، اقتربت وقالت بخبث:
+
"الدهب ده كله ليك؟
ولا تبع حد؟
يعني لو حصل لك حاجه... حد هيسأل فيك؟"
+
ابتسم جاد ميمون ابتسامة باردة، وقال:
+
"هو باين عليك صاحب مزاج...
بس يمكن نساعدك... لو كنت ناوي تسيب لنا شويّة من اللي معاك."
+
ثم تبادل الرجل والفتاة نظرة سريعة، ولمح صقر في أعينهما نية لا تخفى...
الغدر قادم، والثمن ذهب.
+
مدّت الفتاة يدها نحو أحد القطع الذهبية، وكادت تُمسكها حين نطق صقر بصوت منخفض، غامض، لكنه كالسهم حين يخترق الهواء:
+
"فيروزة."
+
تجمّدت يد الفتاة في مكانها، وساد صمتٌ كثيفٌ فجأة.
حتى الجمرات في المبخرة بدت وكأنها خمدت في لحظة واحدة.
+
رفع جاد ميمون رأسه ببطء، ونظره امتلأ بالشك، ثم قال:
+
"إنت قلت إيه؟
إنت جبت الاسم ده منين؟!"
+
صوت صقر ظل ساكنًا، لم يُجب، فقط نظر إليه بثبات.
+
أما الفتاة، فتراجعت خطوة إلى الخلف، وهمست:
+
"ده عارفها...
مين ده؟!"
+
بدأت النبرة الغادرة تنقلب إلى حذر، والخيمة التي كانت فخًا بدأت تهتز بجوٍّ جديد...
كأن الاسم وحده كان مفتاحًا لباب مغلق منذ زمن.
+
صقر بنبرة واثقة:
"هتاخد الدهب اللي بتريده... بس تقولي فين فيروزة ؟."
+
الفتاة اقتربت منه بخفة، نظرتها لامعة وبسمتها خبيثة و متلاعبة تخفي وراءها غدر اعتادت عليه مع رجل يدعى والدها:
+
"إيش بتريد من فيروزة؟ أنا هنا... وبقدملك كل اللي عايزه، ذهب، نسوان، حتى راس جاد نفسه إذا أردت ."
+
لكن صقر لم يُعرها اهتمامًا، كأن كلماتها لا تعنيه، كأن الهواء فقط هو من تحدث.
+
"قلت إيه؟ فين فيروزة؟"
+
جاد ميمون لم يجب، بل أرسل إشارة خفية إلى الرجل الغجري الذي كان يقف خلف صقر، نية الغدر واضحة في عينيه، والذهب كان دافعًا كافيًا لفعل أي شيء.
+
تحرّك الغجري بخفة الذئب، مدّ يده نحو خنجره ليضرب صقر من الخلف...
لكن صقر تحرّك أولاً، كأن عينه ترى خلفه، دار بجسده بمرونة محارب، وضرب الغجري ضربة قاسية أطاحته أرضًا.
+
وفي لحظة، كان خنجره البراق عند رقبة الفتاة، وهي تصرخ من الذعر، عينها ترتجف وجسدها يرتعش.
+
جاد صرخ بغضب:
"سيبها يا ابن الكلب!"
+
لكن صقر لم يهتز، صوته كان حادًا كحد السكين:
+
"تقولّي فين فيروزة... دلوقتي. وإلا رقبتها دي هتتفتح قبل ما تلحق تغمض عينيك."
+
الخيمة امتلأت بالصمت... وصوت اللهاث.
الأمر لم يعد صفقة... بل حياة أو موت.
+
جاد ميمون صرخ، وعيناه تلمعان بالخبث والارتباك:
+
"روح هات ياقوت بسرعة يا حمدان! اندهها من الخيمة الكبيرة!"
+
الغجري الذي كان واقفًا على الباب، تحرك مذعورًا، يتعثر في خطواته وهو يخرج مسرعًا، يردد:
+
"هيّه، حاضر... هاجيبها حالًا."
+
الفتاة التي لا يزال صقر يضع خنجره على رقبتها، بدأت ترتجف، شهقتها خافتة، لكنها لم تنطق بحرف.
+
صقر بصوت بارد:
"يبقى نستنّى ياقوت اللي بتقول عليها دي... ودهبي اللي لسه واخده ترجعه ليا."
+
جاد ابتلع ريقه، يحاول أن يحافظ على هيبته، لكن عرقه الفائر فضحه:
+
"يا عم إنتَ واخدنا على خوانة ليه؟ إحنا ناس كِرام... بس اللي بتدور عليها دي... ما تنذكرش بالساهل، احنا بنهزر معاك ، سيب بنتي ياسمينة."
+
صقر اكتفى بنظرة طويلة، لم تخلُ من تهديد، ثم مال قليلًا ناحية الفتاة وهمس بصوت يسمعه الجميع:
+
"لو طلع فيكم غدر تاني... رقبتها تمنه."
+
وفي الخلف... بدأت خطوات سريعة تقترب، وصوت ناعم خشن يعلو:
"مين اللي طالب ياقوت؟!"
+
كل الوجوه التفتت نحو مدخل الخيمة...
+
كان الصمت يلف الخيمة حين صاح جاد ميمون، وهو يشير إلى صقر بحدةٍ:
+
"ده جاي يسأل عن فيروزة!"
+
تقدمت "ياقوت" بخطًى واثقة، لكن عينيها كانت تحملان شيئًا أعمق من الغضب... شيئًا ثقيلًا، لا يذوب بالزمن.
+
"بتسأل عليها ليه؟" نطقتها بنبرة مائلة بين الشك والمرارة.
+
صقر، الذي كان لا يزال يملك زمام الموقف، قال بنبرة امتزج فيها الحنين بالإصرار:
+
"عايز أعرف مكانها... عايز أشوفها... وأتكلم معاها."
+
ضحكت ياقوت ضحكة قصيرة، لا تشبه الضحك... كانت ضحكة موجوعة، ثم اقتربت منه خطوة وقالت:
+
"هو في حد بيتكلم مع الأموات؟"
+
تجمد صقر في مكانه، وكأن الكلمات اخترقت صدره مباشرة.
"إيه...؟" نطقها بالكاد، قبل أن يسقط خنجره من يده ويرتد خطوة إلى الوراء، وكأن الأرض نفسها قد زلزلت تحت قدميه.
+
قالت ياقوت بهدوء يشبه نعيًا متأخرًا:
+
"أيوه... ماتت... من عشر سنين، وهي بتولد."
+
صقر شهق شهقة ذهول، وعيناه زائغتان كمن ضلّ طريقًا كان يظنه الحقيقة:
"بتولد...؟ أكيد ابن حرام!"
+
صرخت ياقوت، وقد اشتعل وجهها بالغضب:
+
"أخرس! قطع لسانك! فيروزة كانت أشرف بنت في الغجر!"
+
ثم واصلت، وصوتها ينكسر كغصنٍ يابس تحت وطأة الحنين:
+
"بس بيت الشرقاوية ما رحموهاش... لا هي ولا طفلها.
حرموها من ابنها اللي ما شافتوش ولا لحظة...
وحتى لما جابت عيل تاني... ماتت قبل ما تشوفه برضو."
+
ثم صمتت لحظة، رمشت بقوة، وكأنها تطرد صورة أختها من أمام عينيها، وتابعت بصوت مخنوق:
+
"بتسأل ليه؟ الجرح ده كنت فكرته مات... ليه بتفتحه تاني؟"
+
مدّ صقر يده المرتجفة إلى وجهه، وأزال اللثام عن ملامحه، كاشفًا عن ماضٍ يصرخ من عينيه قبل صوته.
+
جاد ميمون شهق في ذهول:
"صقر... ابن جمال الشرقاوي؟!"
+
لكن ياقوت هزت رأسها بقوة، وفي عينيها دمعةٌ اشتعلت بغضب وحنان:
+
"لا... لا يا جاد... ده ابن فيروزة."
+
ثم اندفعت نحوه، وكأنها وجدت شيئًا ضاع منها منذ دهر، واحتضنته بقوة، تجهش بالبكاء بحرقة، وقد لفّت ذراعيها حوله كمن يريد أن يوقف الزمن.
+
"تعال... تعال يا صقر... اللي حصل ده كبير... وشاهد عليه الله،
الله اللي عالم القلوب...
أنا... أنا أخت فيروزة."
+
وما بين ذهول صقر، وبكاء ياقوت، والوجوه المصدومة من حولهم...
انشق ليل الغجر عن حكاية دفنتها السنون... وجاء اليوم الذي تُبعث فيه من تحت الرماد.
+
كان صقر قد جلس بجوار النار التي بدأت تخفت شيئًا فشيئًا، كأنها تستعد لأن تصغي معه للحكاية...
قال بصوت مبحوح:
" احكيلي كل حاجة يا ياقوت."
+
نظرت إليه ياقوت طويلًا، كأنها تبحث عن ملامح أختها في وجهه... ثم تنهدت، وكان في تنهدها كل ما حملته الأعوام من ألم، ثم بدأت الحديث.
+
"يا بني... احنا كبرنا لقينا نفسنا في عالم الغجر، رقص وطبول وسُكر وضحك بين نارين. دي حياتنا... كل يوم و كل ليلة، وكل ليلة مسرح، بس أختي؟
فيروزة كانت من طينة تانية...
من يوم ما بدأت تمشي، رفضت الطريق اللي مشينا فيه كلنا. لا رقصت، ولا غنت، ولا مدت إيدها لحد. كانت بتشتغل خدامة بإيدها، تجيب المية من النهر، تكنس المكان، تطبخ وتخدم الكل... بس عزة نفسها؟ كانت تاج فوق راسها.
+
كانت حلوة... يا ما الحلوين جم وراحوا، لكن فيروزة؟ كانت كأنها نور طالع من الجبل. مفيش حد شافها إلا وحلم بيها. وكان في واحد... اسمه عثمان، كنا نظن إنه بيحبها.
اتفقوا يتجوزوا... وكانت بتأمن له، ساذجة وعنيها كلها أمل تخلص من عيشة الغجر ، كان نفسها تعيش بسلام. لكن يا قلبها الطيب...
باعها.
باعها في لحظة، وراح سلّمها لجمال الشرقاوي، مقابل شوية دهب. واحنا صحينا في ليلة، ملقيناش فيروزة... اختفت، وأثرها برد في القلب."
+
سكتت ياقوت لحظة، ثم نظرت في عيني صقر:
"لكن جمال؟ ما أخدهاش عبدة... اتجوزها. قدام كل عيلته، قدام الدنيا. ادّاها اسمه، ودهب، ولبس، وقصر ما تحلمش بيه بنت من بنات الغجر.
بس أختي كانت حرة أكتر من الذهب...
ما حبتوش يوم، ولا سامحته على اللي عمله. كانت شايفاه حابسها في قفص دهب.
وكانت بتتوجع كل يوم من كره أهله، وسكاكين كلامهم، ونظراتهم اللي بتقطع فيها.
وجمال؟ رغم كل شيء كان بيحبها... بس حبه كان زي النار، يحرق بدل ما يدفّي.
ولما حملت، قال لها:اختاري لو بنت، تاخديها وتمشي، ولو ولد؟ يا تربيه، يا تسيبيه وتمشي ومترجعيش.
كانت كل يوم تدعي... يا رب بنت... بس ولدت ولد.
وسابتك... سابتك وهي قلبها بيتقطع. رجعت لنا، بس رجعت مكسورة، تايهة، وكأن روحها ما بقيتش فيها."
+
هنا دمعت عينا ياقوت، واحمرت وجنتاها من القهر المكبوت منذ سنين:
"بس ما تهنّتش بيك... ولا حتى بلحظة.
كان الحقد مالي قلب أبوك، حرق الغجر، حرق بيوتنا، خلانا نهيم من مكان لمكان.
هربنا من بطشه، من ظلمه، من اسمه، من ذكراه.
وهي؟
هي جابت عيل تاني... كانت بتدور على حضن تعيش فيه بحرية، لكن ما لحقتش.
ماتت قبل ما تشوفه، وماتت فينا حاجة بعدها.
ماتت وهي بتحاول تلمّ اللي اتكسر."
7
رفعت ياقوت عينيها إلى صقر، وبصوت مرتجف قالت:
"دلوقتي عرفت ليه اسمها بيرن في قلبك؟
لأن دمها بيناديك.
أنت مش ابن جمال الشرقاوي، أنت ابن فيروزة... الحرة، النقية، اللي ظلموها كل الناس."
+
قالها صقر بصوتٍ مخنوق، كأن الكلمات تطعن صدره قبل أن تخرج. عيناه تحدّقان في الفراغ، وفي قلبه دوّيُ جُرحٍ قديم لم يكن يعرف أنه ما زال حيًّا.
+
قال بصوت مكسور يكسوه الدمع :
"كان لازم تقعد معايا... كان لازم تختار ابنها على أي حاجة تانية."
+
ياقوت هزّت رأسها بحزنٍ غائر، وردّت بصوتٍ خافت:
+
"كانت بتحبك، بس الحب لوحده ما بيكفيش عشان تعيش، يا ابني."
"كانت فيروزة بتموت كل يوم، وهي حرة في الغجر، لكنها كانت حية."
"لما اتحبست وسط الدهب والسراير الكبيرة، اتدفنت وهي عايشة."
+
صمتٌ ثقيل مرّ بينهما، كأن الزمن انحنى من ثقل الحكاية.
+
ثم أكملت ياقوت، وصوتها يتهدّج من الدموع المكتومة:
+
"فيروزة ما كانتش ست عادية... كانت نار، وكان لازم اللي يحبها يكون مستعد يتحرق معاها، مش يسجنها."
"مكنتش هتقدر تربيك وهي موجوعة، وهي بتحبك وبتكره أبوك في نفس النفس."
+
نظر إليها صقر، ودمعة ثقيلة سقطت على وجنته لأول مرة منذ زمن.
+
قال وهو يكتم شهقة:
+
"بس أنا... أنا كنت محتاجها. محتاج حنانها ، حضنها ، أشم ريحتها."
"كنت بعيط في حضن الضلمة اللي معرفتش غيرها ، كان نفسي في أيد أمي تطبطب علي و تقولي فخورة بيك ، كل حاجة كانت هتهون بكلمة منها، كل صعب كان هيعدي لو كانت جنبي. هي غلطت لما بعدت عني بأنانيتها"
+
ياقوت اقتربت منه، ولمسته على كتفه كأنها تطبطب على قلبه الذي تمزق من فراق كان يشعر به من قبل معرفة الحقيقة.
+
قالت و هي تحاول سرد كل الحقيقة:
+
"وأنا كنت بسمع صريخها كل ليلة يا صقر..."
"بتتقطع وهي سايبة ضناها..."
"بس كانت بتموت جوه، وكان لازم تختار تعيش... ولو للحظة..."
"وكانت بتدعيلك في كل سجدة، وتكتب اسمك على الرمل وتبكي عليه لما الموج يمسحه."
+
تنهّد صقر، ومسح دموعه بكف مرتعشة.
+
"نفسي أشوفها... لو حتى في حلم."
+
ياقوت همست، وهي تنظر إلى للسماء:
+
"ادعيلها... يمكن قلبها لسه سامعك، في مكان تاني غير الدنيا."
+
وساد الصمت، كأن الدنيا كلها وقفت دقيقة حداد على فيروزة...
" امك ما ماتتش يوم ما فارقت الحياة،
لكن يوم ما اضطرت تسيب ابنها... وتكمل بقت جسد من غير روح."
+
كانت الشمس قد بدأت تسقط بقوة فوق الجبل، حين وقف صقر تحت شجرة التوت العتيقة، يحدّق في الفراغ بعينين تائهتين. الهواء يحمل رائحة التراب والحنين، والقلق يعتصر قلبه كما يعتصر الغيم صدر السماء قبل المطر.
+
استدار نحو ياقوت، وصوته يرتجف كأنّ النار تشتعل في صدره:
+
"فين أخويا؟ مين أبوه؟"
+
ترددت ياقوت، تنهدت طويلًا، كأنّ ما تحمله على كتفيها أثقل من الجبل ذاته، ثم قالت:
+
"أمك اتجوزت بعدها بخمس سنين من واحد... بس جمال ما وافقش... ما سمحش بالجوازة دي... جبره يطلقها ويبعد عنها، وهي كانت حامل... وخايفة على اللي في بطنها... وصّتني وقتها، قالتلي لو جرالها حاجة... أحافظ على ابنها... مهما كان."
+
كأنّ الأرض مالت تحت قدميه، تقدّم خطوة، وقال بعينين تتقدان بالذهول:
+
"هو فين؟"
+
خفضت ياقوت رأسها، وعضّت شفتها السفلى، ثم قالت بصوت منكسر:
+
"معرفش."
+
تراجع خطوة، كأنّ الصدمة دفعت به للخلف، ثم قال بصوت حاد:
+
"يعني إيه؟ هو مش معاكم؟"
+
هزّت رأسها ببطء، وعيناها تغرقان في ذكريات تودّ لو تُمحى:
+
"أنا... أنا اديته للداية. قالتلي فيه واحدة بتاخد العيال اللي أهلهم مش عايزينهم... الله أعلم فين أراضيه دلوقتي."
10
انقبض قلبه أكثر، وحدّق فيها بصوت اختنق بالغضب والأسى:
+
"أبويا؟ إزاي سابه كده؟ ساب ابنها يروح لحد ما نعرفش عنه حاجة؟!"
+
رفعت ياقوت عينيها إليه، ووجهها يشهد على زمن لم يكن فيه رحمة:
+
"أخوك اتولد يوم الحرب بين الشرقاوية والحمدانية... جمال ماكنش فاضي لأي حاجة تانية... ساعتها الدنيا كانت نار... ولو كان فاضي؟... الله أعلم، كان هيعمل إيه."
+
صمت حلّ بينهما، كأنّ الجبل بأكمله انكمش حول قلبيهما، والماضي تفجّر دفعة واحدة، يخلّف وراءه رمادًا حارقًا... وطفلًا ضائعًا في مكان ما، لا يعرف من هو، ولا من ينتمي إليه.
+
تردد صوت الريح فوق رؤوسهم كأنها تهمس بأسرار الماضي، بينما كان النهار يُلقي بأنواره الثقيلة على الوجوه المتعبة، وعيون الجميع مُسلطة على صقر، الذي بدا كمن انكشفت له الدنيا للمرة الأولى. تهاوت أنفاسه، وتكاثفت الأحزان في صدره وهو يسأل بصوت خافت، أشبه بندبة نازفة:
+
"دليني على الداية... ولا ماتت؟"
+
نظرت إليه ياقوت بعينين تلمعان بالحذر والحنين، ثم قالت:
+
"موجودة... بس أنا خفت أحتك بيها، خفت أفتح باب وجع ملوش لازمة. بس اللي أعرفه ومتأكدة منه إن ابن فيروزة عايش... وعايش كويس."
+
هزّ صقر رأسه كمن يتشبث ببصيص أمل، وقال بصوت مصرّ:
+
"مكانها فين؟"
+
تنهدت ياقوت وكأنها تنتزع الاسم من قلبها قبل لسانها:
+
"الداية موجودة فوق التلة...كان اسمها حسنة."
+
نظر في الأفق، كأن عينه اخترقت الجبال والوديان بحثًا عن طريق لم يسلكه من قبل، ثم همس بعزم لا يعرف الرجوع:
+
"عند التلة؟... طب أنا هروح."
+
مدّت ياقوت يدها في الهواء وكأنها تمسك به لتثنيه:
+
"بس ده ياخد ساعتين ونص ، يا صقر ، و الدنيا مش أمان ، استنى."
+
رمقها بنظرة دامعة لكنها صلبة، وقال ببساطة:
+
"مش مهم. و أنتي انسي إنك شوفتيني من الأساس، و كده كده هتمشي من المكان ، و أنا هدور على أخويا مهما كلفني الأمر."
+
ثم أدار ظهره، وخطى في الفراغ أمامها كأن النداء داخله أقوى من التعب، كأن اللقاء المرتقب على قمة التلة سيُعيد ترتيب العمر، ويمنحه ما حُرِم منه طويلًا: نصف أخٍ... أو نصف الحقيقة.
+
كان قصر الشرقاوية يعجّ بالحركة كخلية نحل لا تهدأ. الخدم ينتشرون في الأرجاء، يحملون الأطباق الفاخرة ويزيّنون الأروقة بالمشاعل والأقمشة المطرّزة، والطبّاخون يشعلون مواقدهم ويجهّزون ألذّ ما في خزائن المطبخ من طعام.
+
على قدمٍ وساقٍ، كان الجميع يستعدّون لوليمة العشاء التي دُعي إليها كبار القبائل من الشرق والغرب والشمال، وعيون الكل متجهة نحو تلك الليلة، التي لن تكون كأي ليلة.
+
الأمراء والفرسان، رجال السياسة والمال، رؤساء العشائر، وحتى أولئك الذين تخفوا خلف ستار الهيبة... الكل سيكون هناك.
+
وكان القصر يعرف جيدًا أن هيبة الشرقاوية لا تكتمل إلا حين يتحدث الرُسل عن سخائهم، وتُروى أخبار أطباقهم، كما تُروى حكايات سيوفهم.
+
...........
+
طرق الجندي باب البيت بقوة، فخرجت فاطمة مسرعة تمسح يديها في طرف منديلها ، وفتحت الباب وقد ارتسمت على وجهها علامات القلق.
+
الجندي، بصوت جهوري:
"معايا رسالة من قصر الشرقاوية... الأمير بدر لازم يحضر وليمة العشاء الليلة، بأمر من كبير الشرقاوية."
+
فاطمة، بعينين متسعتين:
"بدر؟! ليه؟ هو عمل حاجة؟"
+
الجندي، بهدوء رسمي:
"ماعملش حاجة، بس جمال الشرقاوي عايزه يكون موجود. الدعوة وصلت لكل القبائل، وهو منهم. يكون جاهز قبل الغروب."
+
فاطمة، ويدها على صدرها:
"بس ده لسه صغير... ولسه ما احتكش بالكبار ولا المجالس."
+
الجندي، وهو يستعد للرحيل:
"كبيرنا عارف بيعمل إيه... ودي فرصة ليه، مايضيعهاش. السلام عليكم."
+
أغلق الباب بهدوء، بينما وقفت فاطمة لحظات في صمت، ثم التفتت للداخل تنادي بصوت مرتجف:
+
"يااا بدر! تعالي بسرعه يا بنتي..."
+
توقفت فاطمة لحظة وهي تنادي، ثم تداركت نفسها وهمست في حذر، كأنها تخاطب السر الذي أخفته لسنوات:
+
فاطمة، بصوت منخفض وهي تتلفت:
"يا رب استرها... دي المرة ماينفعش نرفض، هيكشفوا كل حاجة."
+
خرجت بدر، ترتدي جلبابًا واسعًا، وشعرها مربوط بإحكام تحت الغترة، وخطواتها ثقيلة كأنها تسير نحو مصيرٍ غامض.
+
بدر، بصوت أقرب إلى الفتى مما هي عليه، بقلق:
"في إيه يا أمي؟"
+
فاطمة، تمسك بيدها وتجلسها بجانبها:
"جالك أمر من قصر الشرقاوية... لازم تحضري الوليمة الليلة. قالوا جمال الشرقاوي بنفسه طالب وجودك."
+
بدر، عيونها اتسعت والرعب فيها واضح:
"وليمة؟! وناس؟! أنا... أنا مش هعرف أتعامل... ممكن يشكوا!"
+
فاطمة، أمسكت بوجهها بين يديها، والحنان يغمر صوتها:
"اسمعيني يا بنتي... كنا ماشين بخطتنا سنين، وكل يوم كنا بنمشي على حبل رفيع... بس المرة دي، إحنا قدام نار، يا نعديها بسلام، يا نتحرق."
+
بدر، بنبرة مكسورة:
"أنا معرفش أكل قدامهم، ولا أتكلم زي الرجالة، أنا بحاول أتعلم، بس..."
+
فاطمة، قاطعتها بحزم وعينين دامعتين:
"أنتي أقوى من كده، أنا ربيتك تكوني كده... الليلة دي هتروحي، وهتوقفي قدامهم، ويمكن تكون دي فرصتنا... يمكن لما يشوفوكي، يشوفوا اللي ماحدش شافه لحد دلوقتي."
+
بدر، بعد صمت طويل:
"طيب... هروح. بس لو شكوا، أو حد لاحظ... أنا هرجع أجري على طول."
+
فاطمة، ضمتها بقوة:
"لو جرالك حاجة، أنا اللي هأجريلك قبل أي حد... بس مش هيحصل، ربنا معانا."
+
ثم نهضت فاطمة وبدأت تجهز لها ثوبًا أنيقًا يناسب وليمة الكبار، وفي قلبها دعاء واحد لا يتوقف:
"استرها يا رب... زي ما سترتها من أول يوم."
+
دخلت بدر إلى غرفة أخيها أمان، الذي كان جالسًا في زاويته المعتادة، يعبث بقطعة خشبية بين يديه بصمتٍ عميق. عيناه، كما اعتادت، تحملان حزنًا لا يُفك، وكأن الكلمات قد هجرته منذ زمن.
+
جلست بجانبه وهي تحاول أن تُخفي رعشة صوتها، لكنها لم تنجح.
+
بدر بصوت مكسور:
"أنا خايفة، يا أمان... دلوقتي صقر شاف وشي، ومهما حاولت أداري، هو ممكن يفتكرني... نظرة واحدة تانية وهيفهم... وإنت الوحيد اللي عارف إني شُفتُه، واللي حصل... مافيش غيري أنا وإنت."
+
أمان لم يرد، فقط رفع عينيه ونظر إليها بثباتٍ غريب، ثم عاد يطأطئ رأسه وهو يضغط على الخشب بين أصابعه.
+
بدر أكملت وهي تزداد توترًا:
"أنا مش جاهزة ينكشف سري، كل حاجة هتضيع، وأمي... أمي هتتأذي... ولو الناس عرفت إني بنت، مش بس هيطردونا، ده ممكن... ممكن يموتنا ، و ياخدوا قبيلتنا."
+
اقتربت منه أكثر، وضغطت على كفه.
+
بدر (بهمس حزين):
"ساعدني... حتى لو مش بالكلام... طمني، أعمل إيه؟ أروح الوليمة؟ ولا أهرب؟"
+
توقف أمان عن العبث، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم نهض ببطء. توجه نحو صندوق خشبي صغير في الزاوية، وأخرج منه قطعة قماش داكنة اللون. عاد إليها، ولف القطعة حول وجهها بحذر، وأحكم عقدها عند العنق حتى لم يظهر سوى عينيها.
+
ثم نظر في عينيها طويلًا... ووضع يده على قلبه، ثم على قلبها.
+
بدر بصوت مختنق ودموع في عينيها:
"يعني... تفتكر قلبي هو اللي هيحميني؟ مش هينفع أروح مغطية وشي ده مجلس كبير مش مسابقة ، أنا هروح أنا و نصيبي و يارب صقر ما يتعرفش علي"
+
هزّ رأسه بـ"نعم"، ببطء وعمق، ثم أشار بيده نحو باب الغرفة، وكأنه يقول:
"روحي... وخلي بالك. ما تقلقيش هتعدي."
+
فهمت بدر... لم يكن أمان صامتًا أبدًا، هو فقط يتحدث بلغة لا يفهمها الجميع.
+
حين حلّ المساء، ارتدت "بدر" زيّها المعتاد، تخفّت كالعادة في هيئة فتى. أحكمت لف العمامة حول رأسها، أخفت شعرها جيدًا، حتى لا يفضحها شيء. نظرت لنفسها في المرآة لحظة، ثم همّت بالمغادرة.
+
لكن فجأة، توقفت.
يدها وقعت على رقبتها، وتوقفت أنفاسها.
+
"مش موجودة..." همست بدهشة وارتباك.
+
أخذت تفتش حولها بجنون. فتحت صندوقها، قلبت الوسائد، رفعت أطراف السجادة، فتحت الأدراج، بلا فائدة. سلسالها الملكي، السلسلة التي منحتها إياها فاطمة، اختفى.
+
دخلت فاطمة فجأة، وقد لاحظت الارتباك في ملامح بدر.
+
قالت بقلق:
"بتدوري على إيه يا بدر؟"
+
رفعت بدر عينيها، كانتا توشكان على الامتلاء بالدموع، وتمتمت:
ـ "السلسلة... اللي اديتهالي... شكلها ضاعت."
+
اتسعت عينا فاطمة.
"إيه؟ إزاي؟"
+
"مش عارفة... والله دورت في كل حتة... أنا آسفة، سامحيني يا أمي."
+
اقتربت منها فاطمة وأمسكت بكتفها بلطف، رغم الغضب الذي لاح في عينيها للحظة، ثم قالت:
"خلاص خلاص، مش وقته دلوقتي."
+
لكن بدر هزّت رأسها بإصرار:
"إزاي بس؟! دي غالية عليكي... دي ذكرى من والدي!"
+
تنهدت فاطمة ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:
"أبوكِ في قلبي وعقلي... مش سلسلة اللي هتفكرني بيه. ولو زعلانة عليها، هعملك واحدة زيها بالظبط."
+
ثم غيّرت نبرتها بسرعة:
"بس يلا بسرعة، مش ناسيين إن جدتك دليلة بعتت تطلبك تروحي معاها قصر الشرقاوية."
+
تجمدت بدر في مكانها للحظة، ثم ابتلعت توترها.
أخذت نفسًا عميقًا، نظرت للمكان نظرة سريعة، ثم قالت بصوت خافت:
+
"أنا جاهزة... يارب أرجع منه وأنا لسه بخبي السر ده."
+
وقفت دليلة خارج الباب، تستند إلى عصاها العتيقة، تنظر في الأفق كأنها ترى ما وراء الحاضر. ما إن لمحت بدر تقترب، حتى ابتسمت، وفتحت ذراعيها بشوق مكبوت.
+
قالت بنبرة فيها دفء وقوة:
"أهلا يا بدر... يا زينك اليوم."
+
اقتربت بدر، ترتدي جلبابًا داكنًا وحزامًا جلديًا حول خصرها، وشعرها مربوط بإحكام أسفل العمامة. حاولت الابتسام، رغم اضطراب قلبها، وقالت:
"أهلا يا جدتي... من بعد زينك مافيش."
+
نظرت دليلة إلى السماء للحظة، ثم تمتمت كأنها تكلم نفسها:
"مش مصدقة إننا رايحين ناكل ونشرب في بيت اللي قتلوا ولدي... آه يا ناري."
+
خفضت بدر رأسها، وتكلمت بنبرة حذرة:
"الموضوع فات عليه وقت طويل، واللي حصل حصل يا جدتي."
+
رفعت دليلة يدها بعصبيّة، ثم أشارت نحو بدر بعصاها وقالت بصوت جاف وحاد:
"لأ يا بدر... اوعى تنسى اللي مات ومات كيف!"
+
تراجعت بدر نصف خطوة وقد صعقتها النبرة، لكن دليلة اقتربت أكثر وهمست بصوت كأنه زئير حيوان جريح:
"لازم تاخد بتاره... لازم تغرس سيفك في قلب صقر، لأنك لو ماعملتش كده... سيفه هو اللي هيغرس في قلبك إنت."
+
اتسعت عينا بدر، وكأن كلمات جدتها سقطت عليها كصفعة باردة. لم تجد ما تقول، سوى نظرة مذهولة تحمل كل التساؤلات والمخاوف.
+
أكملت دليلة وهي تشير بعصاها نحو الطريق:
"لازم تعرف إنهم بيتمنوا موتك... النهارده قبل بكرا. وعلشان كده، لازم تكون صاحي ليهم... كلهم."
+
سارت العجوز بخطواتها الهادئة نحو العربة مربوط بها الخيول التي تنتظرهما، وتركت خلفها بدر في دوامة من التوتر والخوف... وأشياء أخرى لم تُسمِّها بعد.
+
سارت العربة ببطء على الطريق المؤدي إلى قصر آل شرقاوي، والغبار يتراقص خلف العجلات الخشبية. كانت دليلة صامتة، تهمس لنفسها بالأدعية، بينما ظلت بدر تنظر ، تراقب الطريق كأنها تسير إلى قدر لا تملك تغييره.
+
ومع أول لمحة من القصر، شهقت بدر دون أن تشعر...
كان البناء شامخًا كقصة قديمة لا تزال تفرض سطوتها. أسواره عالية، مزينة بنقوش حجرية دقيقة، والبوابة الحديدية السوداء تتلألأ تحت وهج الشمس كأنها تحرس كنزًا ثمينًا.
+
توقفت العربة أمام البوابة، وفتحها خادم بزيّ أنيق دون أن يتحدث، فقط انحنى قليلًا، وأشار لهما بالدخول.
+
همست بدر وهي تنظر إلى الداخل بدهشة:
"ده قصر؟ ولا متاهة؟"
+
ضحكت دليلة بسخرية قصيرة، وقالت:
"جمال الشرقاوي عمره ما عاش زي الناس... ده دايمًا عايز يبقى فوق الكل... حتى في بيته."
+
دخلا عبر الممر الرخامي المصقول، محاطًا بأشجار الياسمين والورد البلدي، حتى وصلا إلى ساحة داخلية واسعة تتوسطها نافورة من الرخام الأبيض، تنساب منها المياه برقة كأنها موسيقى خفية.
+
كانت الأضواء تتراقص فوق جدران القصر، والثريات البلورية تعكس ألوانًا ساحرة على الأرض، والمكان يعج بالخدم والحضور. رجال يرتدون الجلابيب المطرزة، ونساء بأثواب فاخرة، يتبادلون الأحاديث والضحكات.
+
بمجرد دخولهما، ساد صمتٌ لحظي، كأن الجميع توقف لبرهة يراقب الفتى الذي دخل بجوار دليلة.
+
همست إحدى النساء:
"ده بدر؟ اللي أنقذ صقر من الموت و عرف مكانه"
+
وردت أخرى وقد رفعت حاجبًا باستغراب:
"ازاي حد يساعد عدوه بسهولة كده. متأكدة إن لو العكس كان صقر هيسيبه يموت"
+
أما الرجال، فقد نظروا لبعضهم البعض، كأن حضور بدر قد قلب الطاولة.
+
تقدمت إحداهن، وابتسمت ابتسامة مجاملة:
"أهلا وسهلا بيكم... نورتوا بيت الشرقاوية."
+
ردت دليلة ببرودٍ ظاهر:
"النور نوركم... إحنا ضيوف بس."
+
اقترب أحد الخدم وطلب منهما التوجه إلى قاعة الطعام، فبدأت بدر تمشي، وكل خطوة منها فوق الرخام تُحدث صدى خفيفًا، لكنها كانت تشعر به كزلزال داخلي. قلبها يدق بعنف، وعيناها تتفحصان المكان... الفخامة... الزينة... الهدوء المصطنع... كله يبعث على القلق أكثر من الأمان.
+
قالت بدر همسًا لجدتها:
"أنا مش مرتاح هنا."
+
ردت دليلة دون أن تلتفت:
"مفيش راحة في بيت مليان دم... خلي عينك مفتوحة، يا بني."
+
كانت دليلة تسير وبدر إلى جوارها وسط الباحة الواسعة التي ازدحمت بالحضور. تناثرت الأضواء، وارتفعت الأصوات، واختلطت الضحكات بالهمسات. لم يكن أحد يعرف الفتى الغريب الذي يرافق دليلة، لكن العيون كانت تلاحقه، تتفحّص ملامحه، وتبحث في هيئته عن إجابة.
+
في طرف الباحة، وقف جمال الشرقاوي بكامل وقاره، يراقب ما حوله كقائد سفينة وسط بحر من البشر. لمح دليلة، فابتسم لها، وما إن اقتربت حتى حيّاها بإيماءة احترام. لكن عينيه لم تفارقا "بدر" الذي كان يقف بهدوء ظاهر، وتوجّس خفي.
+
نظر جمال إلى أحد الجنود الواقفين بجواره، ثم قال بصوت هادئ لكن نافذ:
+
"روح بلغ صقر إني عايزه حالًا... وقوله يقابل الناس، وييجي يقعد جنب بدر الحمداني... يكرّمه ويُحسن ضيافته."
+
أومأ الجندي سريعًا، ثم توارى بين الزحام.
+
مرت دقائق بدا فيها الوقت أثقل من المعتاد. دليلة تحرّكت في مكانها بعدم ارتياح، بينما كانت بدر تحاول أن تبدو ثابتة، رغم أن قلبها كان يدقّ كطبول الحرب.
+
اقترب أحد الجنود من جمال وهمس في أذنه بصوت خافت:
+
"صقر مش موجود."
+
قطب جمال حاجبيه فجأة، وصرخ بانفعال:
+
"إيه؟!"
+
ثم انصرف مبتعدًا بخطوات غاضبة، يبحث بعينيه عن ولده، متسائلًا في داخله كيف يمكن لصقر أن يختفي في وقت حساس كهذا، حيث القوم مجتمعون والأنظار كلها متجهة إلى قصره.
+
"دوروا عليه كويس!" صاح بصوت جهوري وهو يلتفت إلى الجنود المتمركزين عند المداخل.
+
عاد الجندي نفسه وأكد:
+
"مش موجود في القصر كله."
+
في تلك اللحظة، كانت رشيدة تقف على بُعد، تنظر إليهم بابتسامة خبيثة تملأ وجهها، تعلم ما يدور، وتستمتع بصمتها، غير عابئة بما قد يحدث.
+
هتف جمال وهو يلوح بيده:
+
"إزاي خرج؟! محدش شافه؟! الواد ده خلاص جن جنونه... فاكر نفسه مين؟!"
+
ثم تابع وهو يضغط على أسنانه بغيظ:
+
"محدش قادر عليه... ماشي... أشوف ضيوفي الأول، وبعد كده أربيك يا صقر."
+
كانت بدر تجلس بهدوء ظاهري، لكنها في داخلها تشعر بعاصفة لا تهدأ. بين الدقيقة والأخرى، كانت تلتفت برأسها، وكأنها تبحث في الوجوه عن طيف بعينه... صقر.
رغم تنكرها في زيّ شاب، ورغم صلابتها الظاهرة، إلا أن قلبها كان يخفق بشدة مع كل حركة مفاجئة، وكل صوت يعلو. كانت تخشى ظهوره، تتوجس من لحظة تلتقي فيها نظراتهما. لا تريد أن تُفضح. لا تريد أن تراه، لا الآن، ولا في هذا الجمع الكبير.
+
همست في نفسها بدعاء صامت، وعيناها على باب القاعة:
+
"يا رب ما ييجي... يا رب الوليمة تخلص على خير وأمشي من هنا من غير ما يشوفني..."
+
كانت تحاول أن تثبت ملامحها وتتماسك، لكنها لم تكن تعرف أن تلك الليلة ستشهد ما لم يكن في الحسبان.
+
في خضم الوليمة، وبينما كانت الأطباق تُقدَّم وتعلو الضحكات المجاملة، اقترب شيخ القبائل، عرفان، من جمال الشرقاوي. كان رجلًا وقورًا، تعلو وجهه سمات الزعامة والخبرة، يحمل نظراتٍ حادة تُخفي دهاءً فطريًا.
+
نظر إلى جمال وقال بنبرة هادئة، لكن تحمل في طيّاتها تساؤلًا لا يُمكن تجاهله:
+
"هو فين ابنك صقر؟ ده العُزومة دي معمولاله برضو... ما يصحش كده"
+
تجمّد جمال لبرهة، وقد حاول أن يخفي ارتباكه بابتسامة باهتة:
+
"أصل... صقر كان عنده شوية أمور لازم يخلصها، بس هييجي، هييجي حالًا."
+
ضحك عرفان ضحكة خفيفة، ثم قال:
+
"يخلصها فين؟! ده ماجاش من أولها... ولا إحنا ضيوف مش خُفاف كده؟"
+
تدخل أحد الرجال الجالسين قائلًا:
+
"ده حتى القعدة من غيره مالهاش طَعم، الولد ليه هيبة بين الرجالة."
+
تضايق جمال قليلًا، لكنه تمالك نفسه، وأجاب بنبرة حاول أن يجعلها واثقة:
+
"صقر ابنكم قبل ما يكون ابني، وهو مش ممكن يغيب عن رجالة زيه وزي شيخ كبير زيك يا عرفان... استريح بس، وهتشوفه قريب."
+
لكن الحقيقة كانت أبعد ما يكون عن ذلك...
+
تحدث جمال في نفسه بغيظ مكتوم:
" ماشي يا صقر ، كبرت و عرفت تقف قصاد أبوك اللي كنت بترتعش بس لو سمعت صوته ، كده ، استحمل بقى"
+
وصل صقر عند التلة لكنه لم يصل إلى مراده ، فسأل الكثيرين لكن لا أحد يعرف تلك السيدة التي تدعى حسنة ، ظن في لحظة أنه تم التلاعب به حتى وظل أخر منطقة التلة فقط، وقد لفَّ جسده بعباءةٍ داكنة تحجب ملامحه عن العابرين. كانت خطواته حذرة، وعيناه تبحثان في الوجوه عن خيطٍ يدلّه على مبتغاه. تقدّم نحو أحد الرعاة الجالسين عند طرف الطريق، وسأله بصوتٍ خافت:
+
"هلا... تعرف الداية حسنة؟ عايشة و لا ميتة."
+
رفع الراعي نظره إليه، وتمعّن فيه قليلاً، ثم هزّ رأسه قائلاً:
+
"حسنة؟ أيوه... لسه عايشة، بس راحت تعيش في حتة بعيدة، فوق هناك، ورا التلال دي، عند أطراف الوادي. ست كبيرة وعاجزة، ومحدش بيزورها كتير."
+
شكره صقر سريعًا، ثم تابع طريقه ناحية الوادي. كانت الريح تعصف بأطراف عباءته، وكلما اقترب من المكان، شعر بثقلٍ في صدره، وكأنّه على وشك أن يواجه شيئًا ظل يطارده في يقظته وأحلامه على حدٍّ سواء.
+
تقدّم صقر بين الصخور والنباتات اليابسة، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بخيوطها البرتقالية على الأرض الجرداء. شعر بوخز في قلبه، لا يعلم أهو من التعب أم من الترقب. وأخيرًا، لمح كوخًا صغيرًا من الطين والقش، تحيط به شجيرات قليلة ونافذة خشبية مهترئة بالكاد تُفتح.
+
اقترب أكثر، ثم وقف أمام الباب. تنفس بعمق، ورفع يده يطرق طرقات خفيفة، ثم طرق مرة أخرى، أقوى قليلًا. مرت لحظات من الصمت قبل أن يُفتح الباب ببطء، ويظهر منه وجهٌ مجعد، وعينان غائرتان تحدّقان فيه بشك.
+
"مين؟"
"أنا... بسأل على الداية حسنة."
"أنا حسنة... إنت مين؟"
+
تردّد قليلًا، ثم أجاب بصوتٍ متهدج:
+
"أنا... صقر جمال الشرقاوي."
شهقت العجوز، وكأنّ الاسم أيقظ فيها ألف ذكرى. أمسكت بطرف الباب كأنها توشك أن تسقط، وحدّقت فيه بذهول.
+
"صقر؟ ابن جمال؟ انت اللي كنت طفل صغير لما..."
+
قاطعها بنبرة حادة:
+
"أنا اللي كان طفل... ودلوقتي بقيت راجل، وجاي علشان أعرف الحقيقة. كلها."
+
سكتت حسنة، ثم فتحت الباب على آخره وقالت:
+
"ادخل يا بني... اللي حصل زمان محتاج قلب جامد يسمعه."
+
دخل صقر، وأغلق الباب خلفه. وكل شيء داخله كان على وشك أن يتغيّر.
+
قالت حسنة بصوت هادئ وثقيل:
"مفيش ست حملت في القبيلة إلا لما ولدتها، لكن أمك كانت ضعيفة، عشان كده ماتت وهي بتولد."
+
نظر إليها صقر بعينين متسعتين:
"وأخويا فين؟"
+
تنهدت حسنة بحذر:
"عايزه ليه؟ لو كنت عرفت مكانه، هتاخده يعيش معاك، بس أبوك ما فكّرتش فيه، يمكن حتى يقتله من حقده وغله. "
+
رد صقر بحزم:
"مالكيش دعوة، قولي اللي عندك."
+
أومأت حسنة ببطء:
"يوم ما أمك ما ولدت، و اتأكدت إنها ماتت، أنا سلمت أخوك لشابة صغيرة وقلت لها توديه عند جلالة ، و تقولها ابن ناس فقراء مش هيقدروا يصرفوا عليه."
+
سأل صقر بارتباك:
"جلالة مين؟"
+
أجابت حسنة:
"الداية في قبيلة الحمدانية."
3
.
