رواية اصداء القلوب الفصل السابع 7 بقلم سهي الشريف
7 | بِـدَايــة العاصّـفة
اللهم صَلاة وسلامًا على نَبّينا مُحمَدٌ ،
تَرفعُ بِها عَن عِبادك المُستضعَفين
شَدّائد لا يَعلمُ مَداها إلا أنتَ سُبحانك.
2
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_السابع
#سهى_الشريف
+
الرواية خدت التصنيف الأول كـ" مُفيدة " على واتباد ، و حقيقي سعيدة بالإنجاز دا حتى لو كان بسيط 🤍🤍 .
6
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجه "خالد قائلا بنبرة منخفضة:
+
- عز رجع مصر، ومعاه ناس كافية إنهم يقلبوا كل حاجة فوق تحت.
+
نظر إليه "آسر "بعينين جامدتين حاول اقتحام الحاجز الغامض في كلامه ، ثم رد بحدة :
+
- رجعوا ليه بعد كل السنين دي ؟ مش كانوا كويسين في جحورهم !
+
مد "خالد" يده بملف كان يحمله ببطء ووضعه على المكتب أمام "آسر " اكتفى بالإشارة إليه وهو يقول:
+
- الطمع يا آسر .. الطمع رجعهم ،الصفقة اللي راجعين علشانها كبيرة، ومليانة مخاطرة ،بس كفاية إنها بتمهد الطريق عشان نوصلهم.
+
طالع "آسر" بالملف، وكأنه يرفض ملامسة تلك الذكريات التي طالما حاول دفنها ، ثم قال بهدوء يكاد يُخفي غضبه :
+
- وإيه المطلوب مني يا خالد؟
+
نظر "خالد" إليه بثبات وقال بجدية :
+
- مش مطلوب منك حاجة مُباشرة ، إحنا بدأنا شغل على خطة عشان نوقعهم، بس محتاجين مساعدتك من بعيد ، و المشكلة إنك مش بعيد عنهم، حتى لو كنت فاكر كده ، عز مش ناسي .
+
تنفس "آسر" بعمق وكأنه يحاول احتواء غضبه، ثم قال بنبرة حادة :
+
- لو فكّر يقرب مني أو من أي حد يخصني، مش هستنى لحد ما توقعوا بيه.
+
تنفس "خالد" بعُمق وهو يعقُد ذراعيه أمام صدره، ثم قال بثبات :
+
- أنا مش جاي أطلب منك تأخد خطوة، أنا جاي أقولك تاخد بالك ، إحنا هنراقب وهنتصرف لما نلاقي اللحظة المناسبة، لكن ما ينفعش نكشف كُل ورقنا دلوقتي.
+
مال "آسر" بجذعه قليلاً و وضع ذراعيه على المكتب و عقد بين أصابعه ، و نظر إلى "خالد" بنظرة تحمل أكثر مما يمكن التعبير عنهُ بالكلمات، وقال بجمود:
+
- عاوز أفكرك إني آخر مرة أستنيت " اللحظه المناسبة " خسرت شئ غالي عليا اوي .
+
تنهد " خالد " بتفكير في كلماته بتمعُن ثم قال بهدوء مُتأثر :
+
- أنا عارف يا آسر والله ، بس عاوزك تخلي بالك، الخطوة الغلط المرة دي ممكن تكون نهايتك أنت .
+
نظر" آسر" إليه بعينيه المليئتين بالتحدي :
+
- لو جيهان كانت عايشة، و أنا إلي مكانها عمرها ما كانت هتستنى العدالة تيجي متأخره ليا ، و أنا مش هستنى برضو.
+
ابتسم " خالد" ابتسامة خفيفة، ثم نهض قائلاً بنبرة أخيرة :
+
- و أنا عارف إنك هتتصرف بحكمة ، خلي بالك من نفسك ، وإحنا على اتصال.
+
خرج "خالد" تاركًا خلفهُ صمتًا ثقيلًا، لكن في عقل "آسر" كان هناك عاصفة من الذكريات والتساؤلات ، عاد بظهره لوراء ، و عيناه مُثبتتان على الملف المُغلق، لكنه لم يمد يده نحوه .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- أنا مش عارف كان إيه لازمتها مطعم في الدور الـ ١١ ما كنا رُحنا مطعم باباك .
+
هكذا كان إعتراض " وائل " و هو يهتف لـ " مراد " في المصعد الذي يرتقي بهم للمطعم الفاخر الذي وعده به ، ليهتف الأخير بحماس :
+
- بيقولوا عليه مشاوي محصلتش في القاهرة !
+
كان " وائل " يضع يده بداخل جيب بدلته بعد أن خرج من الإجتماع و أستأذن بالخروج، ثم طالع في " مراد " بازدراء قائلاَ :
+
- لو كنا رحنا مطعم عمي مكنش هيدفعنا فلوس الأوردر ، الله يخربتك بيتك أنا جاي من سفر !
1
طالع فيه " مراد " بجمود قائلاً :
+
- طب ما يا غبي أنا هدفعلك على حسابي ، إلا لو كنت غاوي تدفع إنتَ ، مش راجل أعمال بقا !!
+
و على إثر نهاية تلك العبارة فُتح باب المصعد ، ليدلُف منه " مراد " يتبعهُ " وائل " يتمتم بخفوت ساخرًا :
+
- راجل أعمال لحد ما تُفرج .
+
تحرك الثُنائي في أرجاء المطعم الذي كان يتمتع بأجواء مُريحة و أضواء خافته ، و لكن ما انتبه لهُ " وائل " أنه يخلو من الموسيقى في الخلفية فكم كان يُزعجه تلك النوع من المطاعم التي تُحكم عليك سماع الموسيقى، فكان يرفُضها فقط لكونها مُكررة ليس لحُرمتِها في الإسلام مثلاً ..
+
تحرك "وائل" و "مراد" بين الطاولات حتى أنتبهوا لرفاقِهم ليلوح لهُم " مراد " بسعادة فانتبه الجميع له ، ثم تقدموا حتى وصلوا إلى طاولة قريبة من النافذة المُطلة على أضواء القاهرة البعيدة ، و تبادلوا السلامات .
+
جلس الجميع في جو من الأُنس و صوت الضَحكات تعلوا ، ليتقدم لهُم أحد مُضيفي المطعم يطلب معرفة طلبهُم ، لينظر كل منهم لـ قائمة الطعام أمامه .
+
نظر " وائل " لقائمة الطعام بجهل بينما " مراد " يتسامر مع صديقه بمُزاح تارك " وائل " في حيره ، ليُبصره " مراد " ثم يقول هاتفاً :
+
- أطلبلك على ذوقي ؟؟
+
ضحك " وائل " باستنكار قائلا :
+
- لا كله إلا ذوقك و النبي .!
3
ضحك الجميع في صوت واحد ليكتم " مراد " ضحكاته هاتفاً :
+
- إبقى شوف من هيدفعلك !
+
- هو مش بمزاجك يا حبيب قلبي .
+
هتف أحد الجالسين قائلاً :
+
- هو ماسك عليك إيه يا مراد ؟؟
+
ثم تناقشوا فيما بينهم ، و في تلك الأثناء ، تقدمت « هـي » للداخل بثبات و أناقة ملحُوظه ، لم تكن ترتدي شيئاً غريباً ، سوى فُستان واسع ، زهري اللون ، أنيق و بسيط التصميم في آن واحد ، و « خِمـار » أبيض و مستحضرات تجميلية خفيفه .. و لكن يبدوا أن ذلك كان أكثر من مُلفت لكثير من الجالسين ، و التي أرتدى بعضُهنّ ملابس تكشف أكثر مما تستُر .
+
تقدم بجانبها رفيقـتين لها لا تختلف نوعية ثيابهُنّ عنها سوى فقط بإرتدائهُن " طـرحة " بدلاً من الحجاب الشرعي .. و كانوا يبحثنّ بأعيُنهِن عن مكان شاغر ، حتى وجدنَّهُ لتتقدم إحداهُن و الباقي خلفها.
+
رفعت " مريم " هاتفها لتُبصر مدى ثبات خِمارها بينما تتقدمها رفيقتها " مي " و التي فجأة و بدون مُقدمات و جدتها تصطدم بإحدى الكراسي ، و الذي بدوره تحرك باندفاع ليصطدم بطاولة آخرى و يُوقع بكوب ماء عليها ، ليندفع إثنين لأعلى لتفادي سريان الماء عليهم .
+
كانت تلك الحادثة في ثواني معدودة لتتقدم " مريم " سريعاً تُمسك بيد " مي " قبل أن تسقط على أحدهُم ، و التفت للجالسين حول الطاولة لترى أن الجميع حول نظراتهُم عليهُنّ ، إلا " وائل " الذي كان شارداً في تلك الفتاة التي كانت ستسقُط عليه لولا يد رفيقتها .
+
ليرفع عيناه للأعلى ليرها « مريم » بـ ملامح الدهشة تكسُوا وجهها بينما تُساند رفيقتها لتعتدل و تلتفت للجميع قائلة بطريقة مُهذبه خجوله :
+
- أنا بعتذر من حضراتكم جداً ، حقيقي مكنش قصدها.
+
كان موقفاً عادياً حتى تحدثت « هـي » باتزان شديد أخذت به انتباه الجميع، ليقول حينها " وائل " بهدوء و لكن مُحمل بشئ غريب :
+
- ولا يهمك ، المايه ممكن تتمسح عادي .
+
هزت " مريم " رأسها بهدوء و لم تُطل الحديث و أخذت بيد رفيقتها و أكملنّ طريقُهنّ نحو الطاولة.
+
جلست هي ورفيقتها "مي" و " حنين " بأدب في المكان المُخصص لهُنّ على الطاولة القريبة من النافذة ، و بنظرة سريعًا حولها لتتأكد أن الجو عاد إلى طبيعته بعد الحادثة الصغيرة.
+
أما "وائل" فقد عاد لمُتابعة حديثه مع أصدقائه بعد أن استرجع تركيزه، ولم يكن لهُ علاقة بما حدث.لكن الموقف بأسره كان يحمل طابعًا غريبًا، خاصة أن الجميع في المطعم بدأوا يراقبون الموقف.
+
بعد بُرهه من الزمن ، دلفت ثلاث فتيات إلى المطعم ثم تجولت عيناهُنَّ في المكان ، بعدها تقدمنّ للداخل وسط إنتباه الجميع ، و مررنّ بجانب طاولة " وائل " ورفاقه ، ليرفع الجميع أعينهُم إلا " وائل " الذي كان مُنهك في معرفة لماذا الدجاج بالصلصة البيضاء أعلى سعراً من الدجاج بالصلصه الحمراء ، رغم كونِهِما دجاجاً في النهاية ، و لكن إنتبه على تعليق أحد أصدقائه فور أن مررنّ الفتيات بجانبهم :
4
- هما كُلهم نفس الشكل ولا إيه؟؟
2
رفع " وائل " عيناه يبحث عن ما يتحدث عنهُ رفيقُه ، ليجد الأعين تتجه خلفه ، ليستدير بجزعه للوراء ، يُبصر تواجُدها في المُقدمة تعلُوها ابتسامه خفيفه تُرحب برفيقاتها و التي كما قال رفيقُه لا يختلفنّ عنها ، و في لحظه ما ، أدار جسدهُ مُعتدلاً و ابتسم باستنكار ، و ترك باقي رِفاقه و بعض من ضيوف المطعم يسترقون النظرات عليهُن و كأنهنّ شئ مُذهل ؛
2
و هُـن كذلك
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان يكتب أحد توصيات العِلاج لمريضُه ، ثم بابتسامة ودودة أنهى بها هذا اللقاء ، ليصل لهُ بعد بُرهه من الوقت طَرقات ممُيزة ، ليأذن " ريان " لطارق فوراً فيدلُف " مروان " لمكتبه فيبتسم الأول قائلاً :
+
- يا ابني بتحرجني بأخلاقك والله .
+
ابتسم " مروان " بعدم فهم و جلس على الكرسي أمامه يقول :
+
- لا مش فاهم .
+
- كل مرة إنتَ إلي جاي مكتبي إديني فرصة أردُهالك .
+
أطلق " مروان " ضحكه خفيفه باستيعاب ثم قال :
+
- مش بقدر على بُعدَك فبجيلك بنفسي .
+
ابتسم " ريان " بامتنان، فاستطرد " مروان " قائلا :
+
- إيه الدنيا معاك دلوقتي؟
+
تنهد " ريان " بتفكير يعلم مقصده ، ثم أجاب :
+
- الحمد لله .. بس حاسس إني متلخبط شوية .
+
قطب " مروان " حاجباه بتعجُب مُتسائلاً :
+
- ليه إيه إلي حصل ؟
+
استرخى " ريان " ثم قال بهدوء :
+
- حالة " ميرال " مُعقدة نفسياً ، يُشتبه عندها فقدان ذاكرة و أو ممكن أضطراب نفسي .
+
صمت " مروان " بتفكير ثم قال :
+
- ناوي تعمل إيه ؟
+
طالع فيه " ريان " ثم تنهد تنهيدة طويلة و أردف بثبات :
+
- إنتَ عارف إني دكتور باطنه و مش مشرف "أول" عليها .. بس طبعاً الحالة إلي هي فيها مش هتخفى على حد إنها في بوادر حالة " التعلق الإضطرابي " و أنت عارف مدى الحذر في التعامل مع الحالات دي .
+
طالع فيه " ريان " بتركيز عند خِتام عِبارته ، ليفهم " مروان " نظراته و يقول :
+
- أيوه فاهم طبعاً ، عشان الإضطراب دا ميتحولش لتعلُق فعلي ..
+
صمتَ قليلاً ثم استطرد " مروان " :
+
- بس لو زي ما قلت و دا اشتباه في فقدان ذاكرة يبقى مفيش أضطراب هنا !!
+
آمال " ريان " مُوافقاً ؛ ثم أردف بهدوء :
+
- صح ، لكن لو الشخص عانى من الاضطراب العاطفي الناتج عن تعلق غير صحي، هيكون مصحوب بتأثيرات نفسية منها الذاكرة، بس طبعاً دي مش ضروري يكون السبب الرئيسي .
+
تسائل " مروان " بفضول :
+
- هي أستجابت أصلا ؟
+
هز " ريان " رأسهُ نافياً ثم أردف :
+
- لا ؛ دكتور محمد و دكتور مدحت دخلوني النهاردة ليها ، و حاولت أتجاوب معاها بس مفيش أي استجابة حتى نقدر نقيم بيها حالتها ..
+
تعجب " مروان " قائلاً :
+
- إزاي ؟! مكنش في أي رد فعل أو حاجة مش طبيعيه؟؟
+
تنهد " ريان " بتذكُر قائلاً :
+
- كان في استجابه بحسها لما تسمع صوتي ، غير كده ردات فعلها مش مُتوقعه على مريضة بتمُر باضطراب أو حالة هيجان زي ما شُفنا ..
+
طالع فيه " مروان " بعدم تصديق ليعصف عقلهُ بشئ ما ، ينظُر لـ " ريان " يتأكد أن ما يُفكر به صحيح ، ليقول الآخير ببراءة :
+
- إنت بتفكر في إيه ؟ أنا معرفش حاجة .
+
ضحك " مروان " على تعبيره ، ثم قال بنبرة جادة :
+
- لا بجد يعني ، البنت دي محتاجينها تتكلم و تقول إلي حصل معاها .
+
شعر " ريان " بالريبة من حديثه ليتسائل :
+
- بـس إزاي ؟
+
و على إثر ذلك السؤال ؛ وصلت طرقات على باب المكتب ليأذن بالدخول، فتقول الممرضة :
+
- عاوزين حضرتك يا دكتور ريان في العناية .
+
ليومأ " ريان " رأسهُ بتفهُم، ثم يلتفت لـ " مروان " فيقول الأخير بمزاح :
+
- أهي طلبتك بنفسها .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كانت "مريهان" تقف وسط غُرفة الطعام الفسيحة، عيناها تتنقلان بين تفاصيل السفرة، تُراقب كُل صغيرة وكبيرة ،و الخدم يتحركون بخفة حولها يحاولون مجاراة أوامرها الدقيقة، بينما كان التوتر يملأ الأجواء فالضيوف كانوا على وشك الوصول ولا مكان لأي خطأ.
+
هتفت "مريهان"بصوت صارم:
+
- يا سلوى، شوفي الورد اللي في النص ده ،ألوانه مش متناسقة مع المفرش غيريه فورًا! خليه ورد أبيض مع لمسة روزي، مفهوم؟
+
أجابت سلوى بتوتر :
+
- حاضر يا هانم، دلوقتي حالًا.
+
أردفت " مريهان "و هي تتابع أمر آخر :
+
- كل حاجه لازم تكون بالضبط زي الصورة اللي وريتهالكم مش عايزة أي حد يقول إن السفرة مش مُنظمة!
+
أجابت سلوى بطاعة :
+
- تمام يا هانم، كله هيتظبط.
+
ثم ألتفت "مريهان" لآخرى و هتفت :
+
- يا منى، اطلعي فوق وقولي للبنات يخلصوا تجهيز نفسهُم ، مش عايزة وحدة تنزل وهي لسه بتظبط شعرها أو لبسها ، الضيوف مش أي حد فاهمة؟
+
أجابت منى بأدب:
+
- حاضر يا هانم، هقولهم حالًا .
+
أما في الصالة الرئيسية ذات الطابع الأرستقراطي - وهي الطبقة الاجتماعية الراقية التي تتمتع بنفوذ وسلطة بسبب ثروتها، تعليمها، تاريخ عائلتها، أو مكانتها الاجتماعية - ، كان " ممدوح الشافعي" جالسًا على كُرسيه الكبير، يُراقب من بعيد حركة الخدم، بينما تُمسك زوجته "مريهان" بزمام الأمور في غرفة الطعام ، ارتشف رشفة من قهوته، وابتسامة غامضة ارتسمت على وجهه.
+
بالنسبة له، هذه الدعوة ليست مُجرد لقاء عادي، بل خطوة في لُعبة أكبر كان يخطط لها بعناية.
+
انتبه " ممدوح " لقدوم زوجته عليه فأردف بهدوء مُخطط :
+
- كل حاجة جاهزة؟ مش عايز أي حاجة تقلل من مقامنا قدام عيلة الزيني .
+
أردفت "مريهان" بتصبُر :
+
- كل حاجة ماشية السفرة مظبوطة والبنات بيتجهزوا فوق ، لكن واضح إنك معلق أمل كبير على العزومة دي !
+
ابتسام " ممدوح " إبتسامه غامضة :
+
- مش أمل يا مريهان ، أنا بس بحب أتعامل مع الناس اللي عندهم وزن ، التعامل مع الزيني مش مجرد ضيافة دي خطوة.
+
قطبت " مريهان " حاجبها و تسائلت :
+
- خطوة لإيه بالضبط ؟
+
أردف " ممدوح " بصوت غامض:
+
- الخطوات دي مش كُلها بتتقال يا مريهان و إنتِ عرفاني ، المهم إننا نقدم نفسنا بأفضل صورة و " يـارا " بنتك الكبيرة، لازم تبقى في أحسن حالاتها خليها تلفت نظرهم.
+
تفهمَت " مريهان " كلماتُه بعمق أكبر لتتحدث بضيق :
+
- ما تبقاش واضح أوي كده قدامها ، البنت مش لعبة فاهم؟
+
أطلق " ممدوح" ضحكة خافته ثم أردف :
+
- لعبة؟ اللي فاهم اللعبة صح هو اللي يكسب ومش دايمًا لازم الكل يفهم القواعد.
+
ثم ارتشف "ممدوح" قهوته ببرود ، و استمرت "مريهان" في إعطاء الأوامر للخدم، في حين يظل هو جالسًا مكانه وكأن رأسه مشغُول بخطة لا يعلمها أحد .
+
و بينما كانت "مريهان" مُنشغلة بمتابعة الخدم، هبطت "يـارا " من غرفتها بخطوات واثقة تحمل على وجهها نظرة مغرورة تعكس شخصيتها ، كانت ترتدي فستانًا أنيقًا باللون القرمزي يُبرز ذوقها الفاخر، ولكنها في الوقت نفسه بدت وكأنها غير مُبالية بكل ما يحدث حولها.
+
عرفت " يـارا " كيف تستخدم غُرورها كسلاح يجعل الجميع يشعرون بأنها فوق مستوى أي شخص.
+
اقتربت " يـارا " من والدتها و هتفت بتأفُف :
+
- إيه كل الهيصة دي؟ إحنا بنعزم مين يعني؟ ما تبقوش over أوي.
+
أنتبهت لها " مريهان " و ألتفت تقول بغضب مكبوت :
+
- يـارا ! ما تنسيش إن الضيوف دول ناس محترمة، و باباكي عـ ...
+
ابتسمت " يـارا " ابتسامة مُستنكرة :
+
- آه sure أكيد معلق عليهم أمل عشان عاوز يخلص مني بقى ، بس معلش يا مامي ، أنا مش أي ولد هيمشي معايا .
+
أردفت "مريهان "بحزم :
+
- بصي يا يـارا ، الولد ده من عيلة كبيرة و مُحترمة مش أي حد ، و باباكي مش بيعمل حاجة من غير ما يكون عارف هي في مصلحتنا إزاي فاهمة؟
+
مطت " يـارا " شفتها بلا مبالاة ؛ و قالت :
+
- ء it's okay بس لو مش عاجبني أنا مش هضيع وقتي ، خليهم يتبسطوا بالسفرة اللي عملناها .
+
ثم ألتفت " يـارا" و صعدت لغُرفتها ، تنظر إلى طلاء أظافرها الجديد وكأن الأمر كله لا يعنيها، بينما تُكمل "مريهان" تفقُد التجهيزات، مُحبطة من غرور ابنتها ولكنها تعلم أن النقاش معها لن يجدي .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- تحفه ، محتاجه بس شوية شطه .
+
هتفت " ليلى " بسعادة و هي تنتقل من جانب مُوقد النار لأحد الأرفف وتلتقط عُلبة "الشطة" لتقوم بوضع قليل منها على أكلتها المُفضلة « المعكرونة الإسباغيتي بالصلصة الحمراء » مزجتّ المعكرونه مرة آخرى ثم أخذت بالشوكه قليلاً لتتذوقه و تُتمتم بأصوات سعيدة قائله :
+
- تسلم إيدكي و عنيكي يا بت يا لولي .
+
ثم أحكمت الغِطاء وانخفضت قليلاً لتكون بمُحاذاة الفُرن، حيث فتحت الباب لتُراقب أصابع الكُفتة وهي تمتزج مع ذلك الصوص ذو الرائحة الزكية، ويتغير لونها إلى لونٍ كرزي جميل ، و أعادت إغلاق الباب ثم اعتدلت واقفةً لتشعر ببعض الإعياء، فأمسكت رأسها بقوة في محاولة لاستعادة توازنها.
+
تحاملت على نفسها قليلاً ثم خرجت من المطبخ تستنشق الهواء بسهولة، بعد أن كُتم المطبخ بفعل حرارة المُوقد ، استرخت بهدوء على الأريكة وابتسمت بشغف عندما وصلت إليها رائحة الكُفتة الشهية والمعكرونة اللذيذة ، كانت تلك أكلتها المُفضلة التي تُحبها كثيرًا وتُجيد صنعها بطريقة رائعة وشهية وبالتأكيد، لم تكن تُعدها لأجل والدها، بل لشيء غريب يجول في داخلها.
+
فاقت من شُرودها على صوت رنين هاتفها، لتعتدل ببطئ ، ثم مالت بجذعها تلتقطُه و قطبت حاجباها ثم أجابت بوهن :
+
- آلو السلام عليكم.
+
أجاب الطرف الآخر ثم تحدث لتستمع لهُ " ليلى " ثم تجيب :
+
- أيوه انا .
+
استطرد المتحدث بأمر ما ، لتستمع " ليلى " لكل كلمة باهتمام شديد ، و بعد لحظات معدوده اتسعت ابتسامة " ليلى " بسعادة بليغه لتهتف :
+
- يعني حضرتك أنا كده هبدأ الشُغل إمتى ؟؟
+
أجابت المُتحدثة لتهز " ليلى " رأسها بمُوافقه و تسائلت :
+
- تمام حضرتك بس مفيش معاد تاني عشان الصبح بكون بشتغل في مدرسة ؟
+
استمعت " ليلى " للإجابة المُتحدثة و في تلك الأثناء دلف والدها للمنزل ليُبصرها تتحدث في الهاتف ، و لكن لم تنتبه له و تابعت مع المُتحدثة :
+
- طب تمام حضرتك ، كل يوم من ٤ لـ ١٢ ..
+
انتبه " سامي " لـ كلماتها أثناء تقدُمه لداخل المنزل ثم جلس بهدوء على الاريكة ينتبه لحديثها بفضول فأغلقت " ليلى " الإتصال و طالعت في والدها بارتباك ليقول " سامي " بكلمات مُتتابعة ورائها هدوء ما قبل العاصفة :
+
- كنتي بتكلمي مين يا أستاذة ليلى ؟؟؟
+
ترددت " ليلى " ثم استطردت سريعاً :
+
- الشغل إلي قدمت فيه النهاردة قابلوني..
+
فتسائلاً بحِدة :
+
- بكام؟
+
- 3ونص في الشهر .
+
طالع فيها قليلاً ثم قال :
+
- 3نص على الـ 4 بتوع المدرسة .. حلو دا .
+
ابتلعت " ليلى " غَصة و همست في جوفها بقلة حيلة .
+
بينما على الجهة الآخرى ، كانت السيدة وضعت سماعة الهاتف و طالعت في الجالس أمام مكتبها يطرُق سطح المكتب بقلم حِبر طرقات مُنتظمه و شارد أمامه بهدوء ، لتنظُر لهُ ثم تقول :
+
- تمام يا فندم البنوته هتشتغل معانا من بكرا..
+
توقف الرجل عن طرق سطح المكتب و ألتزم الصمت ثم نهض يُعدل أزرار بدلته و خرج بهدوء دون قول كلمة واحدة.
+
خرج بعيداً عن المكتب ثم أخرج هاتفه و اتجه لأحد الارقام يتصل به و بعد عدة ثوانِ فُتح الخط ليقول بصوت جامد :
+
- البنت هتشتغل في المطعم زي ما طلبتي .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان جالساً على آحدى الكراسي القابعة أمام "رُكن المشروبات" ينتظر طلبُه ، بينما " مريم " تقدمت من الرُكن ، هاتفه بهدوء:
+
- لو سمحت !
+
كان " وائل " شارداً أمامه فألتفت بهدوء صوبها ليرى المُضيف يتقدم منها تُخبره بطلبها ، فهز رأسهُ بالقبول و هُم لصُنعه ، بينما هو صامت و حين رأها تجلس مع وجود مسافة كًرسيين بينهُما ألتفت لها قليلاً ثم هتف :
+
- واضح إنك أول مرة تيجي مكان زي ده؟
+
أنتبهت " مريم " لمن يتحدث ، فالتفت صوبه بحذره مُتسائله بترقُب :
+
- حضرتك بتكلمني أنا ؟
+
هز لها " وائل " رأسه بهدوء ، لتصمُت قليلاً تستدير للأمام بتعجُب ، ثم تُفكر بهدوء لتعلم ما يرنوا وراء كلماته المُبهمه ، فتُدير نصف وجهها و تقول بملامح جامدة :
+
-المهم إني عارفة أنا مين ومين معايا ، مش اللبس اللي يحدد مكانة الإنسان.
+
اتسعت ابتسامة " وائل " بهدوء لسُرعة بديهتها و فِهمها لمغزى عبارته بشفافية واضحة ، ليقول بتعجب:
+
- ردك غريب..
+
تنهدت " مريم " بهدوء بينما شردت أمامها بتفكير مُتأني ، ثم أعادت بصرها نحوه بتحفُز لتُنهي هذا النقاش :
+
-لو حضرتك عايز نصيحة، أظن إن المكان ده مش أنسب مكان لتقييم الناس .
+
ثم مدت يدها تُمسك بمشروبها الساخن بحذر ، وتتقدم بخطوات بعيدة عنه ، و تنظر أمامها بثقة و كأن شئً لم يحدُث ، فقط نقاش عابر مع شخص سطحي .
+
و لكن ما حدث بعد ذلك أن "وائل" خرج من اللقاء الأول مُتعجبًا و ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، أنتهى به شُروده للخروج لأحد شُرفات المطعم يقف تحت سماء الليل و هوائه ليُشعل سجارته و ينفُث دُخانها بشرود .
+
عاد بعد دقائق معدودة لطاولة رفاقه ، ليهتف أحدهم له :
+
- إيه عم وائل ، أنت جاي تشرب سجاير و تسيبنا ؟!
+
كاد يُجيبه " وائل " بينما يُزيح الكرسي ليجلس ، فقطع كلماته كلمات رفيق آخر له :
+
- شايفين البنت إلي داخله دي ، كل مرة أشوفها مكنتش تلبس غير بناطل، شايفين الدريس بقا واصل فين ؟؟
+
ابتسم أحدهم ساخراً:
"دا كويس إنه ساتر رُبع فخادها "
+
وتابع آخر:
"كل ما تتكشف أكتر، تتحب أكتر "
+
توالت العبارات بينهم، ملؤها الاستنكار والتهكم، وكأنهم يتنافسون على من يستطيع قول أكثر الكلمات انحدارًا.
+
بينما"وائل" يُطالع الفتاة كما يطالعها الجميع، إلا أنه لم يجد وصفًا يتحدث به عنها مثلهُم.
+
كانوا ينظرون إليها على أنها مُجرد جسد، بينما كانت تظن بلحظات من الغفلة أنها تحظى بالإعجاب والثناء، رغم أن كلماتهم كانت تُعبر عن حديث عابر بين الذكور، دون أن تدرك أن ما يقولونه ينتهك إنسانيتها ويقلل من شأنها ، و كانت هذه مجرد زاوية بسيطة من واقع مرير، يضم تلك المظاهر وتلك الهتافات بلا حياء أو دين .
+
ولكن على حين غِرة صرح أحدهم بخبث كبير قائلاً :
+
- أهي صحبة البنت دي من ثلاث أسابيع لقوها في شقة ما ميته .
+
تسائلاً أحدهم مُعقباً :
+
- أتقتلت ؟؟؟
+
نظر لهُ صاحب القصة بتمعُن ثم قال بإيجاز غريب :
+
- لأ .
+
تسللت الإجابة إلى جميعهُم في لمح البصر ، ليقول أحدهم بتهكُم :
+
- أهي دا أخرة المشي الشمال .
+
ليهتف أخر ساخراً :
+
- و إلي هناك دي مش بعيد تكون نهايتها كده !
+
اتسعت أعين " مراد " بإدراك قاسي ، مُشفقاً على نهايتها ، فـ كليّهُما مُخطئان ...
+
- في إيه يا جماعة أنتوا مش لاقيين كلام تاني تتكلموا فيه ؟
+
هذا كان هتاف " وائل" بنفاذ صبر ، و الذي جذب انتباه رفاقه وبعض المُحيطين بهِم ، ليصمُت الجميع بإدراك لِما أنجرفوا له في الحديث .
+
كان كل منهُم يتبنى طريقة مُختلفة في التعبير، ولكنهُم اتفقوا جميعًا على استنكار فعلها، ولن يقبل أي منهم أن تكون إحداهنّ زوجةً له، حتى وإن قطع وعوداً أو أنزلت لهُ نجمة من السماء، فهي دائمًا ستكون «ناقصة» في نظره .
+
كانت " مريم " و رفيقاتها انتبهنّ لما حدث عندما جُذب انتباه الجميع لهذه الفتاة ، و لكن لم يهتمَمنّ كثيراً فهذا أمر غير مُثير للإنتباه بل للشفقة ، و آسرت" مريم " في نفسها دعاء بالصلاح و الهداية لهذه الفتاة حقاً ، فـ بالطبع لما تحظى بصديقة حقيقية واحدة.
+
- يـلا ؟
+
قالتها "نسرين" لتتبادل الفتيات فيما بينهُنّ بإتفاق، ثم وضعنّ المال ونهضنّ بهدوء، و تتابعنّ خلف بعضهنّ البعض بوقار ،فـ انتبه لهُن الجالسون ومن بينهم "وائل" الذي تابع سير "مريم" حتى خرجت من المطعم.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان " ريان " يُبدل بعض العمليات في أجهزتها العصبية ثم طالع فيها بهدوء مُتسائلاً :
+
- أهكذا أفضل ؟
+
طالعت فيه بتشتُت ، بينما كانت جالسة باسترخاء و قالت بصوت خافت :
+
- نعم.
+
هز رأسه بتفهُم، ثم أستدار ينظُر لها قليلاً فوجدها تتحس بطنها و علمات انقباض على وجهها فهتف متسائلا :
+
- أتشعرين بألم ؟؟
+
و على إثر ذلك السؤال دلف طبيب العناية " محمد " قائلاً :
+
- دكتور ريان ، لحظه بس لو سمحت .
+
تقدم " ريان " و خرج معه ، و بعض عدة دقائق عاد مرة آخرى للداخل ليلبث قليلاً بشرود ، حتى وجد " مدحت " الطبيب النفسي يدلف للداخل ، يُشير لهُ بعينيه ففهم " ريان " نظراته التي أعطته أذن لكي يبدأ في تمهيد الموضوع لها .
+
ابتعد " مدحت " قليلاً كي لا تتأثر في رُؤيته ، بينما جلس "ريان" أمامها على الكُرسي، يُراقب ملامحها الشاحبة التي حملت خليطًا من الإرهاق والضياع ، أخذ نفسًا عميقًا، مُحاولًا ضبط نبرة صوته لتبدو هادئة و مُتفهمة، وقال:
+
- ميرال، أحتاج أن أتحدث معكِ عن أمرٍ مهم... و أريدكِ أن تعلمي أننا هُنا لدعمكِ في كل خطوة.
+
رفعت "ميرال" عينيها إليه ببطء بدا في نظرتها تشتت غريب فأردف :
+
- الحادث الذي تعرضتِ له كان شديدًا للغاية، وأثر على ...
+
- الحادث !!
+
تبادل " ريان " و "مدحت" النظرات ليُردف "ريان " بتوضيح :
+
- نعم لقد تعرضتي لحادث ..
+
جحضت عيناها بعدم إدراك ليُتابع حديثه بهدوء و عُمق :
+
- هل تتذكرين أي شئ عنه ؟!
+
نفت " ميرال " برأسها سريعاً ليزمّ " ريان " شفتاه بتفكير ، و كل ذلك تحت أعيُن " مدحت " الذي يُسجل كل شئ على ورقة، ليهتف مُتسائلاً :
+
- ولا تتذكرين أي شئ عن عائلتك ؟
+
ألتفت الإثنين لهُ ، " ريان " بترقُب و " ميرال " بفزع لتواجد شخص غريب هُنا ، لم تُحيد بنظراتها عنه و ضمت يدها لصدرها تحفُزاً ، ليلتفت " ريان " لـ " مدحت " بنظرة خاويه ثم عاد بنظره لها و مسح على لحيتِه بتريِث ، ثم نهض و مال بجزعه أمامها ليحجُبُه عن مدى رٌؤيتها و يتحدث بصوت عميق تمكن منها :
+
- ميرال ، إنتبهي لي .. لا يوجد شئ مُخيف.
+
بينهما هي نظرت له بأعيُن زائغة ،و لكن رُبما كلماته لم تكُن كافيه ليشعر برعشة خفيفه تسير في جسدها ، ليقبض أصابعه و يفتحها لا يعلم ماذا يفعل الآن .
+
و لم يجد سوى أن يُحكم بقبضتاه على ذراعيها لتعود للخلف ببطئ و عيونها مُتعلقه به و هو فقط يُركز على نشاط جسدها ليجدها ترتخي تماماً و هو مازال مائلاً قليلاً ،ليقف مُنتصباً ويُعيد بعض خِصلات شعره للوراء ، و ينظُر لها بطُمأنينه حاول تجمعيها و يقول و كأنه يصُب كلماتُه داخل عقلها :
+
- اليوم الذي رأتيني فيه كان هذا يوم الحادث ، أما زلتي لا تتذكرين ؟
+
كانت كلمتهُ الأخيرة برجاء واضح لعيناها التي تتوسله ، ليُرسل لها نظراتُه و كأنهُ يُجيب رجائها برجاء آخر ، ليجدها تُومأ برأسها له بهدوء، فيتسائل بتحفُز:
+
- أتتذكرين اليوم حقاً ؟؟!
+
كانت استجابتها سريعه إذ أومأت برأسها ، فأردف و هو يعود بجسده للأستقرار على الكُرسي :
+
- حسناً هذا اليوم تذكريه جيداً ، فـهو يوم مُهم بحياتك ..
+
طالعت فيه بعد أن أسترخت ملامحها و الطبيب " مدحت " مازال يُسجل كل ما ينتُج ، و أومأت بصمت، ليُتابع :
+
- الحادث الذي تعرضتِ له... كان شديدًا للغاية، وأثر على جسدكِ كثيرًا ، نحن بذلنا كُل ما بوسعنا لإنقاذكِ.
+
حدقت فيه بخوفٍ مُتزايد، وأصابتها رعشة خفيفة مرة آخرى ، و حاول "ريان" الحفاظ على هُدوئه، لكنه شعر بالثقل في كلماته قائلًا :
+
- ميرال، في الحادث... حدث ضرر كبير ، فريقنا الطبي حاول إنقاذ كل شيء، لكن...
+
تردد للحظة يُراقب ملامِحها التي كانت على وشك الانهيار ، و أكمل بصوت منخفض:
+
- الجنين... لم نتمكن من إنقاذه.
6
حدقت فيه للحظات كأنها لم تستوعب ما قاله، ثم وضعت يدها على بطنها، ترتجف بشكل واضح ، أستمر هُدوئها بضع لحظات ليُراقبها " ريان " و " مدحت " بفضول و تأهُب ، حتى همست هي بصوت خافت، كأنها تُحدث نفسها:
+
- كان هُناك جنين...؟؟؟؟؟
4
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
خرج "جواد" من مكتبه واتجه نحو مطبخ المطعم، حيث استقبله عبق الأطعمة المتنوعة ويمسح بنظراته المكان بحثًا عنها، حتى أبصرها تُعطي التعليمات للفريق بكل تمكّن وثقة ، ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.
+
عندما انتبهت لوجوده، مسحت يديها بمنشفة سريعة واقتربت منه، فسألته بتساؤل:
+
- في حاجة حصلت يا جواد ؟
+
وضع يديه في جيب بنطاله، و أردف مُبتسمًا :
+
- جاي أنبهر بشُغلك .
+
ابتسمت " حنان " بخجل ليُردف هامساً :
+
- كُنت عارف إنك لسه شاطرة زي زمان ..
+
طالعت " حنان " حولها بسعادة بالغه و قالت بحنين :
+
- أنا ذات نفسي مكنتش متوقعه كده ، رجعتني سنين لورا يا ابني والله .
+
اتسعت ابتسامة " جواد " ، و طالع في ساعة مِعصمه ثم رجع بنظره نحوها و أردف :
+
- طيب ليكِ ربع ساعة تفنشي الشغل ، عشان هنروح سوا ، و حد هيكمل مكانك .
+
أومأت برأسها بصمت ، ثم تركته و ذهبت تضع اللمسات الأخيرة على العمل قبل أن تُغادر معه .
+
بينما هو استدار برفق لينظر إلى طاولات الضيوف، ليُبصره يقف مع إحدى المُضيفات يتحدث بطريقة يعلمها جيداً ، ليتنهد بتصبُر و يتقدم تجاهه ،ثم وقف بجانبه و وضع يده على كتفه و طالع فيه :
+
- حسام عاوزك في موضوع .
+
لتتراجع المُضيفه للوراء ، و تقول :
+
- أنا همشي عن أذن حضراتكم ..
+
تابعها "حسام" بنظراته، مبتسمًا دون إدراك، بينما نظر "جواد" إليه بازدراء ورفع حاجبه ثم همس قائلاً :
+
- أنت و بعدين معاك ؟ مش هتبطل الخصلة دي ؟؟؟!
+
اختفت ابتسامة " حسام " ليُطالع في " جواد " بوجوم و يقول :
+
- إنت عاوز إيه دلوقتي.. البنت كانت بتسأل على حاجة و ...
+
- ولاه !!!
+
قالها " جواد " و هي يضغط على كتف " حسام " ليُبعد الأخير كتفه عنه و يأخذ يُهندم بدلتُه ثم قال بغضب مكتوم :
+
- خلاص ، مش هعمل حاجه صدقني.
+
ضيق " جواد " عيناه وقال بجمود :
+
- لا صدقني أنت ..
+
ثم اقترب منه و همس في أذنه بعينين جادتين:
+
- أنا مش هستنى لما أنت تعمل ، فـ لو لمحت غلطة منك يا حسام ، أنت عارف كويس هعمل إيه !
+
تحجرت مشاعر "حسام" وزمّ شفتيه بغيظ ثم ابتعد عنه قائلًا لنفسه :
+
- أبوك لأبو العيلة دي ، لولا الحُوجه مكنتش سكتّ لحد فيكُم .
+
بينما طالع فيه " جواد " بأعيُن مُترقبه شارده ، لتقترب منه السيدة رئيسة شؤون العاملين و تهتف قائله :
+
- أستاذ جواد كُنت عاوز إمضة حضرتك على الورقة دي ..
+
التفت "جواد " نحوها بجمود، وأخذ ينظر إلى الورقة المطروحة أمامه، متشردًا في تفكير بعيد ثم تنهد ليُكبح غضبه، فتسائلت السيدة بفضول :
+
- حضرتك هتوافق على كده؟!
+
نظر "جواد" إلى الورقة قليلًا ثم أجاب بهدوء :
+
- خليكِ معاه للآخر .
+
أومأت السيدة رأسها بصمت ثم ذهبت ، ليمسح " جواد " على وجهه بتعب ، بينما كان ينظر إلى الفتاة التي كانت واقفة مع "حسام" حيث تقف مع فتاة أخرى، مشغولتين في الحديث و تركتاَ خدمة الطاولات ، فوضع يده في جيبه، ووقف بثبات قائلاً لنفسه وعلى وجهه ابتسامة مُستنكرة :
+
- لما نشوف آخر لعبتكم دي إيه !
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
تقدم النادل من طاولتهُنّ ليُلاحظ كارت على الطاولة ، فلتقطُه ثم تقدم سريعاً خارج المطعم لينتبه لهُ الجميع و من بينهم " وائل " .. لكن سرعان ما زالت الحيرة و نهض لرُكن المشروبات و جلس على الكرسي .
+
و بعد دقائق لاحظ النادل يتقدم نحو الركن، حيث قام بتسليم ما بيده لنادل آخر كان يقف خلف المصطبة، مشيرًا للطاولة التي كانت تجلس عليها "مريم" وصديقاتها.
+
لاحظ "وائل" الحديث بين النادلين، وبحركة غريزية التفت نحو الطاولة التي أشار إليها النادل ، أدرك على الفور أنها كانت طاولتهم ، وقف لثوان يفكر فيما يحدث، ثم تسائل بفضول :
+
- هو في المشكلة ؟
+
رفع النادل الذي يقف خلف المصطبة رأسه نحو "وائل" وكأنه يتذكره فجأة:
+
- أيوة، حضرتك كنت واقف مع الأستاذة الي هنا مش كده؟
+
تجمدت ملامح "وائل" قليلًا، ثم قال بتردد:
+
- أستاذة مين ؟
+
تبادل النادلان النظرات بينُهم ، ليُردف الأول بتوضيح :
+
- الآستاذة الي حضرتك اتكلمت معاها هنا !
+
- آيوه مالها .. !
+
أخرج النادل الكارت من جيبه، وأعطاه لـ "وائل" قائلًا :
+
- ده وقع منها وهي خارجة و حاولت ألحقها بس مشيت ، حضرتك تعرفها؟
+
نظر "وائل" إلى الكارت في يده ،كان مكتوبًا عليه: "جمعية نور الخيرية - مريم إبراهيم" ، قرأ الاسم بصمت ثم رفع نظره إلى النادل مجددًا و تسائل :
+
- و إنتوا تعرفوا منين إن إلي كُنت بتتكلم معاها هي صاحبة الكارت ؟
+
طالع فيه الأثنين بتعجُب صامت ، بينما كان " وائل " شارد في مغزى آخر لسؤاله ، ليتحدث الأول مُشيراً على المكان الذي وجد عندهُ الكارت :
+
- كانت على الكرسي الثالث ده ..
+
ألتفت " وائل " ليُبصر ذاك المكان التي كانت مُتواجدة به بالفعل ، و قد تحقق ما أراد ، ليتظاهر بالتذكُر ويقول :
+
- آه... دي تبقى صاحبة أختي ، أنا بس معرفهاش غير شكلاً .
5
أومأ النادل بتفهُم وقال بابتسامه :
+
- تمام يا فندم، كويس إننا لقينا حد يعرفها.
+
أخذ "وائل" الكارت وبدا كأنه مُستغرق في تفكير عميق ، ثم عاد وجلس على الطاولة مُجددًا ، بينما رفاقُه يُطالعون إليه بتعجُب ، لمس الأسم المكتوب على الكارت مرة أخرى، وتمتم لنفسه بصوت خافت:
+
- "مريم إبراهيم... جمعية نور الخيرية..."
+
لم يستطع منع نفسُه من التساؤل عن حياتها، وعن سر ارتباطها بجمعية خيرية ، بدا لهُ أنها شخصية مُغايرة تمامًا لما توقعه.
+
و على إثر ذلك هتف أحد رفاقُه برغبته بالذهاب ليوافقه الجميع على المُغادرة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
طالع فيها الطبيبان بصدمه ، ليومأ "ريان" برأسه، وأجاب بصوت حزين:
+
- نعم، كنتِ حامل، لكن الحادث والإجهاد الناتج عنه أثّرا عليه بشكل كبير.
+
لم تستطع "ميرال" الرد ، فقط جلست تحدق في الفراغ ومرت لحظات من الصمت القاتل قبل أن تنطق بصوت متحشرج:
+
- لم أكن أعرف... لم يُخبرني أحد .
+
شعر "ريان" بتزايد اضطرابها، فأردف بلطف:
+
- أعلم أن هذا الأمر صعبٌ للغاية، لكنكِ قوية بما يكفي لتخطيه ، نحن هنا لدعمكِ وسنساعدكِ خطوة بخطوة.
+
كانت عبارات " ريان " ناتجه عن فِهم غير الذي يدور برأسها فما قالته بعد ذلك كان أغرب ما سمعه ، حيث ألتفتت لهُ و بعيون دامعه تسائلت :
+
- م.. من و .. من والدُه ؟!
1
ابتلع " ريان " حلقه و طالع فيها بهدوء ثم تسائل بتردد مُحاولاً استشفاف إجابة واضحه و هي فقط تميل مع حركات جسده :
+
- ألم يكُن .. لديكِ زوج ؟؟
+
طالعت فيه بتشتُت صامت ، انتبه لردة فعلها الجامدة و ظن أنها لم تسمعُه ، ليلوح بيده فانتبهت له :
+
- ميرال، هل تسمعينني؟
+
أومأت برأسها ببطء وهي تُشيح بنظرها عنه، وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع :
+
- كان... كان هناك أحد، لكن... أنا لا أتذكره... لا أستطيع تذكّر ..
+
تبادل الطبيبان نظرات سريعة مليئة بالدهشة والحيرة، بينما ظلّ "ريان" صامتًا للحظات، يحاول استيعاب كلماتها ثم قال بلطف:
+
- لا بأس، سنأخذ وقتنا لفهم الأمور ، ذكرياتكِ قد تكون محجُوبة بسبب الصدمة.
+
لكنها فجأة بدأت تهزّ رأسها بسرعة وكأنها ترفض كلماته، وهمست بصوت مرتجف :
+
- لا... لا شيء طبيعي .. أنا... أنا لا أفهم شيئًا... لا أتذكّر شيئًا...!
+
تصاعد توترها بشكل واضح، وبدأت تتنفس بسرعة غير طبيعية ، اقترب "ريان" منها بحذر وقال بصوت مُهدئ :
+
- ميرال، حاولي أن تهدئي ، نحن هنا لمساعدتكِ، خذي نفسًا عميقًا.
+
لكن كلماتُه زادت من ارتباكها، فصرخت فجأة بصوت مرتعش:
+
- هناك شيء خاطئ بي! من أنا ؟! من أنتم؟!
+
حاولت النهوض بعصبية، تنزع عنها وصلات الأجهزة بعبث وكأنها فقدت السيطرة على جسدها ، تدخل " ريان" و "مدحت" محاولًا تهدئتها، لكن "ميرال" دفعت يده بعنف وهي تصرخ:
+
- لا تلمسني ! دعوني وشأني!
+
لم يُعير "ريان " وزناً لكماتها ليقترب من فراشها يُمسكها من يدها يمنعها من إزالة الأجهزة بهذا الشكل المٌدمر ، فـ بدأت الغرفة تضيق عليها ،أمسكت برأسها وبدأت تهتز مكانها وهي تقول بصوت متقطع:
+
- الأصوات... الأصوات كثيرة... كفى!
+
نظر "ريان" إلى "مدحت" وهو مُتمسك بذراعي " ميرال " بجدية و هتف :
+
- إديني المُهدئ بسرعه ..
+
بينما هرع " مدحت" بإخبار أحد المُمرضات لإحضار إبرة المُهدئ، جلس " ريان " على طرف الفراش أمامها و حاول التحدث معها بصوت هادئ لكنُه حازم :
+
- ميرال، أنظري إليّ ، أنظري إلي أنا هنا، أنا أسمعكِ ، ركزي معي فقط !
+
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، لكن توترها كان يمنعها من الاستجابة ، و حينما لمحت المُمرضة تقترب منها تراجعت للخلف وهي تقول بصوت متحشرج:
+
- لا! لا تـقـتـربـوا !
+
ردّ "ريان" بنبرة حازمة :
+
- نحن هنا لنساعدكِ لكنكِ بحاجة للراحة الآن ، كل شيء سيكون على ما يرام.
+
استسلمت تدريجيًا تحت وطأة الإرهاق النفسي والجسدي، و انتشر المُهدئ في جسدها ، ليسقُط رأسها على كتف "ريان" بعد أن نفذت طاقتها ، مما جعل حركة جسده تتجمد للحظة ، هو في الأصل كان يُعاني من ضغط شديد، إذ لم يسبق لهُ أن لمس امرأة لا تحل له، وكانت تلك المسؤوليات تلازمُه في ذهنه ناهيك على أنهُ لم يكن هناك أي ذنب لها ، و رغم ذلك يشعر بالضيق لتجاوزه معها كل مرة ، و آخرهم هذه اللمسة المباشرة التي أثارت مشاعر مُتناقضة داخله.
3
بينما غاصت أفكاره في تلك اللحظة، لم يُلاحظ كيف انشغلت الممرضة والطبيب، حيث تركزت تأثيراتهم على الحالة الحرجة أمامهم ، خاطب "ريان" الممرضة بتردد:
+
- نهى ، قربي، رجعي جسمها لورا..
+
اقتربت سريعاً وبدأت ترفع رأسها برفق،بينما كانت تُعيد رأسها اكتشفوا أنها غابت عن الوعي ،نهض "ريان" من الفراش، مُتأملاً فيها بتعجب وقلق، ليجد "نهى" قد وضعت قناع التنفس الصناعي عليها، في محاولة لتوفير الهواء اللازم لها.
+
بينما كانت تغفو تحت تأثير المهدئ، قال " مدحت" بصوت منخفض:
+
- الحالة دي أسوأ مما كنا نتوقع، لازم نعيد تقييم صدمتها بالكامل .
+
هزّ " ريان " رأسه موافقًا ، و لم يستطع منع شعور بالذنب يتسلل إليه وهو ينظر إلى "ميرال" النائمة ،كانت حالتها أصعب مما تخيّل، وكان يعلم أن الطريق أمامهم مليء بالعقبات.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
في مكتبه الذي يُطل على الحديقة الخلفية للفيلا، جلس "ممدوح" يُراقب عقارب الساعة ينتظر بفارغ الصبر وصول الضيوف ،كان يعرف أن التعامل مع "عائلة الزيني" لن يكون سهلاً، لكنه كان دائمًا يؤمن بأن المال والمصالح تصنع أقوى العلاقات ، بالنسبة له زواج " يـارا " سيكون أشبه بصفقة رابحة ، ولكن كان عليه أولًا أن يجعلها ترى الأمر كما يراها هو.
+
ألتفت " ممدوح " لـ " مريهان " و تسائل بهدوء وثقة :
+
- مريهان، الضيوف قربوا يوصلوا كله جاهز .
+
رفعت "مريهان" نظرها عن الهاتف :
+
- آه، كله جاهز ،بس يـارا كالعادة د.
+
أجاب " ممدوح " بابتسامة باردة :
+
- سيبيها، هي فاكرة نفسها دايمًا أحسن من اللي حواليها ، بس لما تشوف الولد تفكيرها هيتغير ، لازم تعرف إن مش دايمًا الحظ بيدق على باب الناس مرتين.
+
أجابت "مريهان" بتحفظ:
+
- بس لو ضغطنا عليها، الموضوع ممكن ينقلب ضدنا.
+
أردف "ممدوح" بصوت حاسم:
+
- أنا ما بضغطش، أنا بس بحط الخيارات قدامها وأكيد مع الوقت، هي هتفهم إن ده مش مجرد اختيار... ده فرصة.
+
ليطرُق أحد الخدم الباب و يخبرهم أن الضيوف قد وصلوا، فتحرك "ممدوح" من مكانه بخطوات واثقة، بينما تتبعه "مريهان" بنظرات قلقة، مدركة أن خطته هذه المرة قد تصطدم بغرور "يـارا " .
+
مع وصولهم ارتفع صوت "ممدوح" وهو يستقبلهم عند الباب الرئيسي بابتسامة مصطنعة تُخفي نواياه الحقيقية:
+
- أهلاً وسهلاً، شرفتنا يا حسن بيه ، يارب الطريق كان مريح؟
+
ابتسم " حسن " ابتسامة رسمية وهو يمد يده للسلام:
1
- مريح الحمد لله، شكراً على دعوتك يا ممدوح باشا.
+
ألتفت " ممدوح " ليظهر أمامه شاب طويل القامة، وسيمًا بطريقة كلاسيكية، تكسو وجهه ملامح رجولية واثقة ، ليهتف " ممدوح " :
+
- أكيد إنت عماد ..
+
ابتسم " عماد " إبتسامه خفيفه و اقترب يُسلم باحترام و يقول :
+
- آيوه بالظبط كده ، ليا الشرف يا ممدوح بيه .
+
قال"حسن الزيني" وهو ينظر حوله بإعجاب:
+
- ما شاء الله يا ممدوح، البيت ذوقه راقي جدًا... شكله بيعكس تفكير صاحبه.
+
ضحك "ممدوح" بحذر، مُدركًا أن التعليق ليس مُجرد مجاملة:
+
- شكراً يا حسن بيه دايماً بنقول التفاصيل الصغيرة هي اللي بتكمل الصورة.
+
قاطعتهم "نوال" - زوجة حسن- بابتسامة خفيفة وهي تُوجه حديثها لـ"مريهان":
+
- ربنا يخليكم لبعض ، أكيد الذوق الجميل ده ورثتوه للبنات ، " I'm so excited " عشان أشوفهم.
+
ابتسمت " مريهان " و قادتهُم إلى الصالة الرئيسية، حيث كانت الأرائك المُريحة تنتظرهم ،جلس الجميع بتأنٍّ، وكان " عماد " يُراقب الأجواء بنظرات ثاقبة، لا تفوته أي حركة أو كلمة.
+
كانت "يـارا" تُدير خاتمًا صغيرًا حول إصبعها، وهي تُحدّق بلا اهتمام في الحديقة الخلفية، تفكر في كلمات والدها التي كانت دائمًا ما تضغط عليها ,أخذت نفسًا عميقًا وهمست لنفسها بسخرية:
+
- صفقة ! كل حاجة بالنسبة له لازم تكون صفقة... عماد !! حتى الاسم بيضحك .
+
سمعت صوتًا خافتًا من الخارج، ثم طرقت "مريهان" الباب بخفة ودخلت قبل أن تتلقى الإذن:
+
- يـارا، مش وقت عناد الضيوف وصلوا، و باباكي عايزك تنزلي.
+
التفتت "يـارا" ببطء ورفعت حاجبها بتحدٍ:
+
- و لو قلت إني مش هنزل هيحصل إيه ؟
+
تنهدت "مريهان" وهمست وكأنها تُحاول أن تُقنعها:
+
- يـارا، أنا عارفة إنك مش مرتاحة للفكرة، بس عماد شاب محترم، ومن عيلة كويسة، ومش هيجي عليكِ في حاجة ،على الأقل انزلي وقابلي الناس ، مش هتخسري حاجة.
+
نهضت "يـارا" من مكانها، وأجابت بنبرة باردة:
+
- أوكي هنزل ، بس مش علشان أوافق على حاجة ، أنا هنزل علشان أثبت إن الحظ اللي بيحكي عنه باباي... ما ينفعش معايا.
+
ثم اتجهت نحو المرآه تُعدل مظهرها ، لتُغادر والدتها و تعود للأسفل .
+
بعد دقائق معدودو ارتفعت أصوات الكعب العالي على السلم وظهرت أولاً "يـارا"، كانت ملامحها تحمل مزيجًا من الجمال والثقة، لكنها لم تُخفِ غرورها الواضح ،وابتسامة خفيفة تُزيّن وجهها، لكنها لم تكن موجهة لأحد بعينه.
+
قالت وهي تلقي نظرة عامة على الجميع:
+
- مساء الخير.
+
أشارت " مريهان " لها بابتسامة و قالت :
+
- دي يـارا ، بنتي الكبيرة .
+
أجابت "نوال" بحفاوة :
+
- مساء النور يا حبيبتي، جميلة ما شاء الله .
+
ابتسمت "يـارا" ببرود وقالت بصوت ناعم:
+
- شكراً، حضرتكِ كُلك ذوق.
+
لم تنظر "يـارا" تجاه "عماد" بشكل مباشر، لكنها شعرت بنظراته التي كانت تُقيّمها بهدوء ، جلس الجميع لبضع لحظات قبل أن يظهر صوت آخر على السلم و تظهر "ليان" ، بفستان بسيط لكنه يناسب عمرها كانت ملامحها تعكس خجلًا لطيفًا وهي تُلقي التحية:
+
- مساء الخير، بعتذر لو تأخرت.
+
ألتفت " مريهان " و قالت بسعاده كبيرة :
+
- ليان بنتي الصغيرة .
+
ابتسمت " نوال " بإعجاب و طالعت في " حسن " بنظرات مفهومه بينما هو كان مُعجب بما يراه ..وأخيرًا، ظهرت "وردة"، ترتدي فستانًا بسيطًا ، وملامحها تعكس براءة لا تخطئها العين ،كانت نظراتها مليئة بالفضول و الحماس .
1
عندما وصلت إلى الصالة، توقفت فجأة، ثم ألقت التحية بابتسامة ودودة:
+
- مساء الخير ..
+
و لم تنتظر أن تعُرفها والدتها عليهم ، حتى أقتربت من " نوال " و مدت يدها للسلام و تقول بسعاده :
+
- هاي يا طنط أنا وردة .
+
تعجبت " نوال " من رد فعلها ، و لكنها ابتسمت على برائتها و بادلتها السلام و أجابت بطريقتها :
+
- هاي وردة أسمك جميل ، أنا طنط نوال ..
+
اتسعت ابتسامة " وردة " و أردفت :
+
- أتشرفت يا طنط .
+
ثم تركتها و تقدمت تجاه " حسن " الذي اعتدل حينما وجدها مُقبله عليه ، لتمد يدها و تقول :
+
- هاي أونكل .
+
ضحك " حسن " ضحكه خافته و بادلها السلام و قال بهدوء :
+
- أهلا يا وردة .
+
ثم تقدمت تجاه " عماد " الذي كان يُراقب كل شئ بتحفُز ليجدها تقف أمامه تهتف بكل رقه :
+
- هاي أنا وردة .
+
رفع " عماد " عيناه ليُبصر ملامحها اللطيفه و ابتسامتها الودودة ، ليتخلى عن جمُوده و يبتسم مُبادلاً إياه سلامها و يقول :
+
- هاي، أنا عماد ..
+
- أهلا وسهلاً .
+
قالت عبارتها الأخيره بخفوت ثم تقدمت تجلس بجانب أخواتها و كل ذلك تحت أعيُن " مريهان " بإعجاب لتلك الطاقة التي انتشرت على وجوه الجميع فور دخولها ، و " ممدوح " بغيظ لكوّن " وردة " أخذت الأنظار عن " يـارا " و التي أساساً لم يُهمها أي مما حدث .
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
اتجهت لفراشها بإرهاق وأخذت جهازها اللوحي أمامها ، طالعت إلى ساعة الحائط لتجدها تشير إلى العاشرة مساءً ، فتحت الجهاز وكاد يكون ذهنها مشغولاً بأمر ما، لكنها كانت مترددة.
+
تذكرت " ميار " رفيقتها فامسكت هاتفها وتواصلت معها ،بعد ثوانٍ، فُتح الخط، لتقول :
+
- السلام عليكم
+
لتُبادلها " مريم " الترحيب ، و أردفت " ميار " بفضول :
+
- إنتِ فين دلوقتي؟
+
- أنا بركن العربيه أهو ، وصلت البنات و لسه واصله .
+
قالتها " مريم " و هي مُنهمكه في قيادة السيارة لتسير بها للجراج ، فأردفت " ميار " :
+
- إيه انبسطتوا ؟!
+
أغلقت " مريم " أضواء السيارة و دلفت منها و قالت :
+
- آيوه كانوا ساعتين حلوين .. المطعم كان خطير ..
+
- بجد ؟
+
- آه والله يستاهل الكلام عليه، الديكوريشن و الأستف هناك كان حاجة رايقه .
+
استمعت "ميار" بترقب، ثم سألت:
+
- طيب .. إنتِ قلتي اسم راجل الأعمال اللي جه المدرسة إيه؟
+
اتسعت ابتسامة "مريم" وهاجت بمزاح:
+
- إيه دااا! عاوزة اسمه ليه يا أستاذة ميار؟
+
أغمضت "ميار" عينيها ثم فتحتهُما، فـ فهمت "مريم" مُشاعر صديقتها سريعًا ، فقالت "ميار":
+
- مفيش، كنت هقرأ عن تفاصيل حادثة الطيارة...
+
- آآآه، لو كده ماشي...
+
أجابت "مريم" بمُكر وهي تفتح حقيبتها لتُخرج المفتاح ، حاولت "ميار" أن تدافع عن نفسها:
+
- يا بت، مقصديش حاجة، هبص على اللي قالوه وبس...
+
تحدثت "ميار" وكلماتها تدل على إصرارها، إلا أن "مريم" لم تتجاوب لتواجه صمتّ من جهة " مريم" لتتحدث بترقُب :
+
- إنتِ معايا ؟؟
+
- آيوه ، بس الكارد بتاع الجمعية مش لقياه !!
+
قطبت " ميار " حاجبها و تسائلت :
+
- هو إنتِ خدتيه معاكي ؟
+
تدارك لذهنّ " مريم " فكرة لتتحدث قائلة :
+
- آيوه دا آخر مرة طلعته كان في المطعم ، شكلي نسيته هناك ..
+
ثم دلفت للداخل لتجد والدها جالس أمام التلفاز لتستطرد بعد السلام :
+
- بابا أنا نسيت الكارد بتاع الجمعية في المطعم هروح أجيبه تمام ؟
+
طالع " إبراهيم " في الساعة و أردف:
+
- بس يا بابا الساعة بقت عشره ...
+
هتفت " مريم " برجاء :
+
- يا بابا بعد أذنك مش هتأخر صدقني .
+
أومأ رأسه ، ثم تسائل :
+
- بتكلمي مين يا مريم ؟
+
لتُزيح " مريم " الهاتف من على أُذنها و تفتح مُكبر الصوت و تقول :
+
- أنا بكلم ميار صاحبتي ، كلمي بابا يا ميار ..
2
- أزيك يا عمو إبراهيم عامل إيه ؟
+
أومأ " إبراهيم " رأسه و قال:
+
- الحمد لله يا بنتي ، بابا عامل إيه؟
+
- بخير الحمد لله ..
+
ثم أعاد بنظره " لمريم " و قال :
+
- خلاص يا بنتي خدي العربية و روحي جبيه وقولي لسعد يمشي وراكي وتعالي بسرعه و طمنيني عليكِ .
+
أومأت " مريم " رأسها بتفهُم و قالت :
+
- حاضر يا بابا مش هتأخر والله .
+
ثم ختمت " مريم " حضورها بإغلاق الباب خلفها واتجهت نحو سيارة سوداء وقفت أمام المنزل اشارت له بإشارة خفية ففهم العلامة واستقل السيارة ليظهر آخر شىء منه نجوم الشرطة التي لمعت على كتفه .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
تدخل سيارتان فارهتان من بوابة الفيلا الواسعة، تستقران أمام المدخل الرئيسي ، نزل "آسر" أولاً من سيارته الفضية الفاخرة، وفتح بابها بيده وهو يضبط ربطة عنقه بعناية، تبعه والده "فاروق" بعد أن فتح لهُ أحد الرجال الباب ، و الذي بدا عليه الوقار والهيبة وهو يُغلق باب سيارته بخفة.
+
قال " فاروق " بهدوء مع نظرة جانبية إلى ابنه :
+
- بخصوص مشروع الواحة يا آسر أنا لسه شايف تقرير الأرباح المتوقعة و محتاجين نراجع الميزانية.
+
قال " آسر " بثقة لكنه مشغول الفكر :
+
- فعلاً ، بس الأرقام دي مؤقتة ،التعديلات اللي اقترحناها مع المكتب الهندسي هتفرق جامد، خصوصًا مع دمج المنطقة الترفيهية داخل التصميم.
+
و عند تلك النُقطة يصلان إلى المدخل الداخلي، فتفتح الخادمة الباب بسرعة مرحبة بهما.
+
- مساء الخير يا فندم.
+
" فاروق " و "آسر " في نفس واحد :
+
- مساء الخير.
+
ثم توقف " آسر" فجأة، وكأنه استشعر هدوءاً غير معتاد في الفيلا :
+
- ماما فين يا سناء؟
+
قالت " سناء " بنبره هادئه:
+
- في أوضة مدام جيهان الله يرحمها.
+
تجمد " آسر" لوهلة بينما واصل " فاروق " خطواته البطيئة نحو الصالة ، يجلس بصمت على أحد الكراسي، و "آسر " توقف للحظة عند الدرج ، ينظر نحو الأفق وكأن شيئًا ما يثقل صدره.
+
قال " فاروق " بصوت خافت وهو يُخفض رأسه :
+
- كل مرة اسمها يتقال.كأنها لسه موجودة معانا.
+
مسح" آسر " وجهه بيده، يحاول كبت مشاعره قائلاً :
+
- عمرها ما غابت يا بابا.
+
تقدم"آسر" نحو الدرج وتوقف للحظة و التفت إلى والده الجالس، ثم قال بصوت يحمل شجنًا وترددًا:
+
- أنا طالع أشوف مليكة...
+
نظر "فاروق" إليه بإيماءة خفيفة، قبل أن يشيح بنظره إلى الأرض، غارقًا في ذكريات لا تُفارقه.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان الجو بين الحُضور مزيجًا من الدبلوماسية والهدوء، بينما كان "ممدوح" يُراقب الموقف عن كثب ، كانت "يـارا" تتكئ على ظهر الأريكة، و تراقب كل شيء حولها بنظرات خالية من الاهتمام، بينما كانت "وردة" تجلس بجانب أخواتها، تحمل براءتها وطبيعتها المريحة ، أما "عماد"فكان يركز نظره على "وردة" دون أن يُظهر اهتمامًا واضحًا.
+
بدأ "ممدوح" الحديث مرة أخرى لتهدئة الأجواء، وقال بابتسامة دافئة:
+
- إيه رأيكم نقوم نتعشى و نكمل كلامنا بعدين ؟
+
لكن "يـارا" ردت بصوت هادئ ولكن بمُكر:
+
- أنا مش جعانه ، خلينا نبدأ موضوعنا الأساسي.
+
انتبه الجميع لكلماتها الفَظه ، فكانت تقصد بالطبع الحديث عن الزواج، لكن أسلوبها كان يوحي بأنها لا تُعطي اهتمامًا حقيقيًا للموضوع ، و لاحظ "حسن" ما بين سطور كلماتها ، ونظر إلى "ممدوح" بابتسامة هادئة، وقال:
+
- من غير شك، اللي بيجمعنا هنا شيء كبير العلاقة بينا وبينكم مش بس صحوبية ، ده شراكة محتاجة تفكير ، والحقيقة لازم نكون صريحين علشان نفهم بعض .
+
أجاب "ممدوح" بسرعة يوجه كلام خفي :
+
-طبعاُ كل حاجه بنعملها هنا هو في مصلحة الكل ، أنا متأكد إن المستقبل بيننا هيكون علاقته عائليه ، و ده هو النجاح الحقيقي .
+
ثم جاء دور "وردة" لتضيف لمستها البرئية، حيث قالت فجأة بصوت عفوي:
+
- أنا مش فاهمة أوي الموضوع ،ليه إحنا قاعدين وبتتكلموا عن شراكات؟ إحنا عيله مش شركات.
+
قالتها بابتسامة بلهاء، مما جعل الجميع يبتسم رغم جدية الحديث.
+
ابتسمت "نوال" و حاولت تغير الموضوع :
+
- يارا، حابة تكلمينا عن your future plans ؟ أكيد عندك خطط كبيرة خاصة بيكِ .
+
قال "حسن" بصوت هادئ، موجهًا حديثه إلى " لممدوح":
+
- مش يارا برضو شغالة في شركة الرفاعي ؟
+
ابتسم " ممدوح " ابتسامة غامضة، لم تكشف عن الكثير، ثم رد بهدوء:
+
- لا، يـارا لسه في الكلية، هي في سنة تالتة في كلية Biotechnology [ التكنولوجيا الحيوية ] .
2
صُدم الجميع للحظة، ولم تُخفِ " نوال " دهشتها، فقالت بسرعة:
+
- يعني هي لسه مش شغالة؟ كنت فاكرة إنها مُشرفة في الشركة أو حاجة ..
+
أردفت "يارا" بنبرة باردة، وكأنها تضع الأمور في نصابها:
+
- لا، لسه بدرس ، وفي الحقيقة أنا مش مهتمة بشركات أو شغل دلوقتي ، أنا مركزة في دراستي.
+
ثم ألتمعت بعيناه أمراً لتلتفت لـ " وردة " و تقول بمُكر :
+
- بس وردة أصغر مني وبتروح مع مامي الشركة عشان عاوزه تدرب وتبقى مهندسة ..
+
ثم ألتفت لوالدها بابتسامة ماكرة ،بينما خجلت " وردة" و ظنت المسكينة أن هذا فُرصتها أمام والدها لتُثبت لهُ مدى جدارتها إلا أن " ممدوح " ألتزم الصمت القاتم لتختفي ابتسامتها و كأن ذلك لم يكُن عليهِ أن يُقال ، بينما " يـارا " تجاهلت الموقف الذي وضعت فيه أختها دون ذرة تفكير ، ليقطع ذلك الصمتّ تنحنُح " عماد " و ألتفت لـ " وردة " مُتسائلاً :
+
- ليه عندِك كم سنة يا وردة ؟
+
ألتفت لهُ الجميع بتعجُب إلا " يـارا " التي نالت ما أرادته و وضعت أختها في المُقدمة ، لتبتهج " وردة " و تجيب :
+
- عندي ١٨ سنة ..
+
رفع حاجباه بهدوء بعدم تصديق لـيُردف :
+
- واو ! ١٨ سنة و بتروحي الشركة تتدربي من نفسك ؟؟
+
أومألت " وردة " برأسها عدة مرات بسعاده ،ليبتسم " عماد " ابتسامه على طرف شفتاه بدون وعي و يقول :
+
- يبقى أكيد هتوصلي للي نفسك فيه قريب ..
+
تبادلاَ " نوال " و " حسن" النظرات الجانبية فلم تغب عنهُم تلك المُناقشة ، لتُعيد " نوال" بصرها تجاههم و هي تُفكر في كلمات إبنها عن رفضه للتعارف هكذا و لكن يبدو أنهُ وجد شئ أفضل مما أتى لأجله .
+
بينما ضغط " ممدوح " على شفته، محاولًا عدم إظهار أي ردة فعل، لكنه شعر بغضب طفيف لأن "وردة" نجحت في جذب الانتباه مرة أخرى بعيدًا عن "يـارا" ،بينما هي لم تُظهر أي رد فعل واضح ولكن عينيها كانت تلمعان بنظرات غير مرئية.
+
بعد دقائق، تدخل الخادمة مُعلنًة عن تقديم العشاء، فيسود جو من الهدوء المؤقت قبل أن ينهض الجميع لتناول الطعام ، ولكن عيون "ممدوح" كانت تتنقل بين "يـارا" و"وردة"، وهو يفكر في كيفية تصحيح ما حدث.
+
بينما الجميع يتناولون الطعام، كانت "يـارا" تُفكر في كيفية استخدام هذه اللحظة لصالحها ،أما "عماد" فكان يراقب التفاصيل الصغيرة في تصرفات "وردة" .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
تقدمت داخل المطعم بخطوات واثقة، عيناها تتفحصان المكان بحذر ،توقفت للحظة عند الطاولة التي كانت تجلس عندها قبل قليل، لكنها وجدت مجموعة أخرى من الزبائن يجلسون هناك ، تنهدت بهدوء، ثم اقتربت منهم بابتسامة ودودة وقالت:
+
- بعتذر جدًا، لكن في كارد ضاع مني وأنا كنت قاعدة هنا من نص ساعة ، ممكن أدوّر عليه ؟
+
بادر الجالسون بالتعاون معها، لكن محاولاتهم باءت بالفشل ، وشعرت بالإحباط فالتفتت إلى نادل مار بجانبها وسألته:
+
- لو سمحت، في كارد ضاع مني تعرف ممكن ألاقيه فين؟
+
أشار النادل نحو ركن في زاوية المطعم وقال:
+
- اسألي في الأمانات، ممكن يكون موجود هناك.
+
شكرت النادل وتوجهت نحو الركن الذي أشار إليه ، و أثناء مرورها قُرب رُكن المشروبات، لمحها أحد العاملين هناك ، توقف للحظة وكأنه يحاول تذكر شيء، ثم تقدم نحوها قائلاً:
+
- حضرتك بتدوري على حاجة؟
+
توقفت "مريم" للحظة، ثم اقتربت بخطوات مترددة وأجابت:
+
- أيوه، كارد ضاع مني.
+
أومأ النادل بثقة، ثم أشار لأحد زُملائه ليأخذ مكانُه قبل أن يلتفت نحوها مجددًا قائلاً:
+
- هو كارد جمعية صح؟
+
تسارعت دقات قلب "مريم" وهي ترد بحماس:
+
- أيوه! حضرتك شفته؟
+
ابتسم النادل مُطمئنًا وقال:
+
- آه، بس... أخو صاحبتك أخده وقال إنه هيرجعه ليكِ عن طريقها.
+
تجمدت "مريم" في مكانها ملامحها تحمل دهشة واستنكارًا ،ظلت للحظة عاجزة عن الرد قبل أن تهتف باستنكار:
+
- نـعم !؟
+
ظن النادل أنها لم تفهم كلامه، فأعاد توضيح ما قاله بتردد:
+
- الشاب اللي حضرتك كُنتِ قاعدة معاه هنا قال إنك صاحبة أخته، وإنه هيرجعه ليك.
+
ارتفع حاجبا "مريم" بدهشة لم تستطع إخفاءها ، شعرت أنها أمام موقف غريب وغير منطقي، فهتفت بحدة:
+
- مين ده؟ أنا أصلاً معرفش أي حد هنا غير صحابي اللي كنت معاهم.
+
شعر النادل بالارتباك وأدرك أنه ربما ارتكب خطأ، فقال سريعًا:
+
- إحنا آسفين جدًا يا فندم، بس هو أكد كده و قال يعرفك شكلاً بس !
+
قاطعته "مريم" بغضب مكتوم بدأ يتصاعد في صوتها:
+
- و أنا معرفوش لا هو ولا أخته !! و إنتوا لما حد يقولكم حاجة تصدقوه على طول من غير ما تتأكدوا؟ فين الأمانة؟
+
تراجع النادل خطوة للخلف معتذرًا:
+
- حقك علينا يا فندم، إحنا آسفين جدًا ، لو في أي حاجة نقدر نعملها لتعويض حضرتك...
+
قاطعت كلامه بحزم وهي تحاول السيطرة على غضبها:
+
- شكراً، مش عاوزة تعويض ، بس أحمدوا ربنا إنها جت في كارد عادي لو كان غيره، كنت قفلت لكُم المطعم ده كله.
+
أنهت جملتها وغادرت بخطوات ثابتة تحمل مزيجًا من الغضب والدهسو ، خرجت من المطعم متجهة إلى سيارتها، وما إن جلست داخلها حتى وصلها اتصال ، نظرت إلى الشاشة لتقرأ الاسم، ثم أجابت بجمود:
+
- أيوه يا ميار.
+
أتتها "ميار" بصوت قلق:
+
- إيه بنتي لقيتيه؟
+
زفرت "مريم" بضيق، وأخذت تروي لصديقتها ما حدث، لتختم بعبارة حادة:
+
- أكتر حاجة مضايقاني إنه إدى نفسه الحق يتصرف كده ويكدب كمان ، بأي حق؟
+
حاولت "ميار" تهدئتها، لكنها كانت مستاءة بدورها، فردت بضيق:
+
- بصراحة عندك حق، أنا مش فاهمه إيه دا بجد !
+
كانت "مريم" على وشك إدارة مُحرك السيارة حين قاطعتها "ميار" بصوت قلق:
+
- لا يا مريم، متسوقيش وإنتِ في الحالة دي!
+
أخذت "مريم" نفسًا عميقًا، ثم هدأت نبرتها وقالت:
+
- تمام، ههدا شوية وبعدها همشي.
+
ردت "ميار" بحنان:
+
- طيب ، خلي بالك من نفسك، وطمنيني لما توصلي .
+
أنهت "مريم" المكالمة، وأسندت رأسها للحظة على عجلة القيادة وهي تشعر بدوار خفيف ، تناولت زجاجة ماء صغيرة من جانبها، وارتشفت منها قليلاً ثم استعاذت بالله وبدأت في قيادة السيارة بحذر .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أنتهى الجميع من طعام العشاء ، فهيأ الجميع الأجواء لهُم فـ بينما كانوا يتجولون في الحديقة ، اقترب " عماد" من "يـارا" بخطوات هادئة وقال بصوت منخفض:
+
- واضح إنكِ ماكنتيش متحمسة للموضوع ده من البداية.
+
ابتسمت "يـارا" ابتسامة خفيفة، لكنها حملت بعض التحدي وقالت بحُزن مُصطنع :
+
- ليه ؟ ده أنا كنت بحاول أبين قد إيه أنا متعاونة ومهتمة!
+
ضحك بخفوت مُستنكراً وأضاف :
+
- أيوه، اهتمامك كان واضح جدًا.. خصوصًا لما حطيتي أختك الصغيرة في الصورة.
+
رفعت حاجبها بخبث وردّت:
+
- ليه؟ زعلت يعني؟ هي فرصة كويسة ليها، وبصراحة أنا مش حابة أكون بطلة الـ show هنا.
+
نظر إليها باهتمام وقال بشرود أمامه:
+
- فِكرة إنك تبقي بعيد عن الأنظار مُتعمّدة دي في حد ذاتها خطة ذكية.
+
نظرت إليه بنظرة جانبية، وكأنها تقيّمه، وقالت ببرود:
+
- وأنت؟ جاي ليه أصلاً؟ مش باين عليك إنك عاوز تخطب.
+
ابتسم بسخرية وردّ:
+
- بصراحة؟ جاي أخلص من الإلحاح اللي مش بيخلص ، وأنتِ؟
+
ميلت برأسها قليلاً وقالت بنبرة هادئة:
+
- بعمل اللي هيخلّي الدنيا تعدي مش أكتر.
+
ضحك "عماد" بدهاء وقال:
+
- يعني إحنا متفقين ،خلينا نبان قدامهم إن كل حاجة ماشية زي ما هم عايزين، وبعد كده كل واحد يشوف طريقه.
+
نظرت إليه "يـارا" بابتسامة خفيفة ورفعت حاجبها:
+
- آه.. لأن مفيش حاجة بتبسط الكبار زي إنهم يحسوا إن خطتهم ماشية زي ما هما عايزين.
+
ضحك بخفوت وأردف:
+
- بس مش معنى كده إننا هنمثل ببلاش.
+
ميلت رأسها بخفة و تسائلت بصوت منخفض:
+
- طب، ناوي تطلب إيه في المقابل؟
+
نظر لها نظرة ذات مغزى وقال:
+
- إنهم يقتنعوا إن الموضوع ماشي زي الفل، ونخلص من الجلسة دي بدون ضغط أكتر.
+
ابتسمت "يـارا" بخبث وأضافت:
+
- يعني عايز تقفل اللعبة دلوقتي؟ مش شايف إنك مستعجل شوية؟
+
أجاب بثقة و هو ينظر لعيناها :
+
- بالعكس، إحنا كل ما سرعنا نخلص التمثيلية دي ، كل ما كان أحسن .
+
تظاهرت "يـارا" بالتفكير، ثم قالت بابتسامة مستفزة:
+
- تمام، بس بشرط.
+
رفع حاجبيه باهتمام وسأل:
+
- شرط؟ إيه هو؟
+
اقتربت منه قليلاً وقالت بنبرة ماكرة:
+
- إنك ما تحاولش تلعب لعبة أكبر من اللي متفقين عليها، إحنا بنديهم اللي هما عايزين يشوفوه.. لا أكتر ولا أقل.
+
ضحك بخفة على إنجراف تفكيرها ليُجب :
+
- اتفقنا ،بس خلي بالك إحنا هنمثل الدور ده بحرافية.
+
ابتسمت ابتسامة جانبية وقالت:
+
- اطمّن، أنا شاطرة في التمثيل.
+
في تلك اللحظة، قاطع حديثهما صوت والدها "ممدوح" الذي اقترب منهما وقال بابتسامة مُصطنعة:
+
- شكلكم بتتكلموا عن حاجة مهمة؟
+
ردت "يـارا" بلباقة مُصطنعة :
+
- أكيد يا باباي، بنحاول نعرف أكتر عن بعض .
+
أومأ "عماد" برأسه وأضاف بابتسامة ودودة:
+
- بالضبط، والحقيقة إن يـارا شخصيه جميلة .
+
ابتسم "ممدوح" برضا، وأشار لهم بالعودة إلى الداخل، لتتبادلا "يـارا" و"عماد" نظرات خفية مليئة بالخبث، وكأنهُما يحتفلان بنجاح خطتهما الصغيرة.
+
دلفا الثنائي للداخل ليتقدم " عماد " لوالداه ، بينما اقتربت " وردة " و همست لها :
+
- أنا مش فاهمه حاجة خالص بتعملوا إيه هناك ؟
+
طالعت " يـارا " حولها فوجدت أن الجميع أبتعد عنهُم لتنظُر لتلك البلهاء و قالت بابتسامه مُستنكرة :
+
- إنتِ لسه صغيره ..
+
هتفت " وردة " بلا أهتمام :
+
- صغيرة على إيه ؟
+
اقتربت منها " يـارا " و زادت أبتسامتها و قالت :
+
- لسه صغيرة على الحُب ..
+
طالعت فيها " وردة " بصمتّ لتومأ لها " يـارا " و بحركة عفوية وضعت " وردة " يدها على فمها بإدراك و هي تكتم سعادتها لتهمس لها بخجل :
+
- يعني إنتو ... !
+
طالعت فيها " يـارا " باستنكار لتقول ببرود :
+
- وردة أنا بحبك ، فـ please مش عاوزه تهور .
+
- و أنا كمان .
+
قالتها " وردة " ببراءة رداً على النصف الأول من الجُملة ، بينما تقدمت " يـارا " تميل برأسها بقلة حيله على تصرفات تلك الصغيرة .
+
انتهى اللقاء بهدوء، وكان أساسهُ "عماد" و"يـارا" اللذين تميز تعاونهما بطرائق أثارت الشكوك لدى بعض الحاضرين ، وعندما حان وقت المغادرة، توقف الجميع لتبادُل السلامات، وكان آخر من خرج "عماد" و حاد بنظره ليرصُد "وردة" برؤية جانبية، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه لكنها لم تنتبه لذلك.
+
ومع ذلك، أنتبهت تلك الحذرة التي لا يفوتها شئ ، لتتنقل ببصرها بينهُ و بين شقيقتها وضيقت عيناها قليلاً وهي تُفكر.
+
في تلك اللحظة قال في نفسه: "لنذهب... اللُعبة بدأت "
+
كانت تلك هي آخر كلمات جالت في ذهنه قبل أن يتخذ آخر خطواته خارج الفيلا.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
و السلام على قلوبكم .
سُهى الشريف
+