اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل السابع 7 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل السابع 7 بقلم رانيا ممدوح



                                              
كان صقر يقف بين الأشجار، أنفاسه متقطعة من عناء الطريق الطويل، وعيناه معلقتان على الفتاة التي وقفت أمامه بدهشة وقلق بعد أن شهقت بصوت خافت حين داست قدمه ورقة يابسة.

+


كانت تقف تحت ضوء القمر الخافت، وجهها منير كأن الليل نفسه يخجل من سطوعه. صوتها كان يتحرك بحرية، وصوتها لا يزال يرن في أذنيه كأن الطبيعة كلها أنصتت له قبل أن تتوقف فجأة.

+


لم يكن صقر قد رأى وجهها من قبل. حتى عندما كانت القبيلة تجتمع في المسابقات والاحتفالات، كانت بدر دائمًا تُغطي وجهها أثناء السباق. وعندما رآها مرة وهي تبكي في حضن أمها، كان يرى فقط ظهرها المنكمش من الألم، لم يلمح حتى أي شئ من ملامحها.

+


لكن الآن… الآن يقف أمامها، ويحدّق في ملامحها للمرة الأولى. كانت مزيجًا بين البراءة والصلابة، كأن في عينيها حزنًا دفينًا يشبه حزنه. لم يعرف من تكون، ولم يخطر بباله أنها "بدر" نفسها.

+


كانت بالنسبة له مجرد فتاة ظهرت له في أكثر لحظات ضعفه… بصوتها العذب… بجمالها الساحر… في مكان مهجور لا صوت فيه إلا همسات الطبيعة.

+


ولوهلة، ظن صقر أنه يحلم. أو أن التعب تلاعب بعقله. أو أن هذا مجرد خيال نسجه له عقله الهارب من كل شيء.

+


فكر "هل هذه بشرية؟ أم أن التعب أنجب لي وهمًا؟"

+


لكنه لم ينطق… فقط ظل يحدّق، يحاول استيعاب وجودها، ويفتش داخله عن تفسير.

+


رفعت بدر خنجرها في وجهه بسرعة، يداها ترتجفان رغم محاولتها إظهار الثبات. كانت تعرف جيدًا هذا الغريب الذي خرج لها من العتمة، يحدّق بها دون أن يتكلم. نبض قلبها تسارع، وكل حواسها استعدت للدفاع.

+


رفع صقر يديه باستسلام، صوته مبحوح وضعيف:
"ماتخفيش... أنا مش هأذيكِ..."

+


كانت عيناه تقولان صدقًا أكثر من كلماته، كأن كل التعب الذي حمله عبر الأيام والليالي اجتمع فيهما. بدا كمن خرج لتوّه من معركة خاسرة، أو كأنه يقاتل شيئًا لا يُرى.

+


حاول أن يخطو خطوة نحوها، لكن قدماه خذلتاه، وجسده المرتعش لم يعد يقوى على المقاومة. ذبل الضوء في عينيه، وارتخى جسده فجأة كأنه ورقة جافة سقطت من غصنها الأخير.

+


اتسعت عينا بدر وهي تراه ينهار أمامها، الخنجر سقط من يدها دون أن تشعر، وخطاها تسمرت للحظة وسط الذهول. لم يكن تهديدًا كما ظنت، بل كان إنسانًا منهارًا، مكسورًا، وغريبًا عن كل ما تعرفه.

+


ركضت إليه، جلست بجواره، مدت يدها نحو وجهه تتحسس حرارته، نبضه، حياته...

+


"صقر ... صقر ... ليه جيت هنا ؟"

+


لكن صقر لم يكن يسمع... لقد غاب عن وعيه، تاركًا خلفه عشرات الأسئلة، وفتاة لا تدري بعد أن هذا الرجل الملقى أمامها سيغير كل شيء.

+



                                      

                
وقفت بدر فوق جسده الملقى، عيناها تتردد بين الرحيل والبقاء، وصوت داخلها يحتدم كمعركة بين العقل والقلب.

+


همست في نفسها بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع:
"أعمل إيه دلوقتي؟ ليه جيت هنا يا صقر؟"
نظرت بعيدًا، نحو الظلام الذي خرج منه، كأنها تبحث فيه عن مخرج.
"أمشي وخلاص... أنا مالي بيه؟ كده كده بينا عداوة... هو من القبيلة اللي عمرها ما شافت فينا غير أعداء... و دايما عايزين دمارنا"

+


سكتت لحظة، ثم أردفت بنبرة مكسورة:
"سبيه يا بدر، هو لو مكانك... كان سابك تموتي عشان قبيلته... مش كده؟"

+


شدّت عباءتها حولها بخطوة مترددة وابتعدت عنه بخطى بطيئة، لكن قلبها كان يثقل قدميها، وكل خطوة تشعرها بالخيانة.

+


فجأة، توقفت.
استدارت ببطء، نظرت إليه من بعيد، مستلقيًا كطفل أرهقه البكاء، لا حيلة له ولا حول.
اشتد الصراع في داخلها، ثم تنهدت بتعب وكأنها تسلمت لشيء أقوى منها.

+


عادت إليه بخطوات سريعة هذه المرة، ركعت بجانبه، وضعت يدها على صدره تتحسس أنفاسه.
"لسه بيتنفس... وقلبه بيدق..."

+


سكتت قليلاً، ثم همست وكأنها تلوم نفسها:
"ربنا ما يرضاش باللي كنت هعمله... مش هسيبك تموت هنا، حتى لو كنت عدوي."

+


ظلت بدر جاثية بجانبه، تنظر إلى ملامحه التي يعلوها الشحوب، وجسده الذي بدا وكأنه خاض حربًا لا هوادة فيها. كان صقر غريبًا عنها، لكن شيئًا فيه أيقظ بداخلها شعورًا لم تختبره من قبل… ربما الشفقة، أو ربما شيء أعمق، لم تستطع أن تسميه.

+


نظرت حولها، ثم قالت لنفسها بحزم:
"لازم ألاقي له مكان آمن… لو حد من رجال قبيلتي شافه، مش هيرحموه."

+


مدّت يدها بثقل وبدأت تحاول سحبه من ذراعه، لكن جسده كان أثقل من قدرتها على الحمل، تنهدت بضيق:
"ده تقيل قوي هاحركه إزاي ده ؟ أنا بعمل كده ليه ؟ما أسيبه و خلاص ."

+


لكنها لم تتراجع. رفعت كتفه وأسنَدَته على جذع شجرة قريب، ثم أحضرت عباءتها ووضعتها خلف رأسه كوسادة.
رفعت عينيها نحو السماء، تتوسل الله أن يساعدها:
"دلوقتي الليل بيقرب... ومين يعرف إذا كان في خطر حوالينا؟ يارب عديها على خير."

+


أشعلت نارًا صغيرة ببعض الأغصان اليابسة، وجلست بجانبه تراقب تنفسه المنتظم، وكأنها تخشى أن يتوقف فجأة.

+


وبينما كانت تقلب قطعة من القماش بين يديها، تذكرت كلام أمها قديمًا:
"اللي قلبه نضيف، ما يعرفش يتجاهل اللي محتاج له، حتى لو عدوه."

+


نظرت إليه مرة أخرى، وقالت بصوت خافت:
"هتفضل عدوي؟ و اللي حصل النهاردة مش هيغيّر حاجة، سامع؟"

+


ثم سكتت… ونظراتها ظلت معلقة على وجهه الساكن، وكأنها تنتظر منه إجابة، رغم يقينها أنه لا يسمع.

+



        

          

                
..............

+


حين مالت الشمس نحو المغيب، وامتلأت السماء بلون الدم، كانت القبيلة تضج بحوافر الخيول وصوت الجنود ينادون باسمٍ واحدٍ فقط: صقر.

+


راحوا يفتشون بين خيام القوم، في الزوايا المهجورة، في ظلّ الصخور، وعلى ضفاف النهر القديم… وكلما عاد أحدهم خالي الوفاض، كانت النار تشتعل أكثر في عينيّ جمال الشرقاوي.

+


تقدّم أحد الجنود، يلهث والعرق يسيل من جبينه تحت الخوذة الحديدية:

+


"مش لاقين صقر يا سيدي. دَوّرنا في كل حتة… حتى المكان اللي كان بيحب يقعد فيه… ما لقيناش له أثر."

+


قال جمال بغضب كاسر:
"ازاي يعني مش لاقينه؟! هيروح فين؟ طار يعني؟! أنتو كنتو ماشيين وراه ازاي تاه منكم ؟!"

+


حاول جندي آخر التبرير، قائلاً بتردد:
"فعلاً كنا ماشيين وراه، لكن لما لف من عند التلة… اختفى فجأة. أظن إنه دخل طريق السهل الغربي."

+


سكت جمال لحظة، نظراته تصلبت، وكأن ذكر السهل الغربي أطفأ الغضب داخله مؤقتًا… ليشعل فيه نارًا أشد.

+


قال بصوت خافت كأنه يحادث نفسه:
"السهل الغربي… يعني طريق قبيلة الحمدانية…"

+


ثم رفع رأسه فجأة، ونظر للجنود:

+


"مستحيل! هو يعرف إن الدخول هناك زي دخول فم الوحش…
لو راح هناك، يبقى إما اتقتل… أو مات في الطريق!"

+


قال جندي ثالث بتوتر:
"نتحرك؟ نكمل وراه؟ جايز نقدر نلحقه قبل ما يعملوا فيه حاجة"

+


رد جمال بحسم:
"هنروح هناك حالًا.
ولو كان حد من الحمدانية لمسه بس… هتشعل نار الحرب تاني، نار ما تعرفش رحمة . ده ابني صقر."

+


صفّر بإصبعيه، فهبّت الخيول كأنها تفهم نداءه، وركب ظهر جواده الأسود، ثم صرخ:

+


"يلا يا رجالة، على قبيلة الحمدانية،
واللي مش راجع بصقر، مايرجعش خالص."

+


وانطلقت السيوف تلمع تحت شمس الغروب، كأنها تستعد لقطع خيوط القدر، بينما كان صقر لا يزال غائبًا عن الوعي… في قبيلةٍ لا تعرف عن حضوره شيئًا بعد.

+


..........

+


كانت دليلة ما تزال جالسة في منزل فاطمة، يديها على ركبتيها، وعيناها تتفحصان المكان وكأنها تقرأ فيه سطورًا لم تُكتب. أما فاطمة، فكانت تغلي من الداخل، تخفي اضطرابها خلف ابتسامة وادعة، بينما عقلها يضج بالدعاء، تتضرع في سرّها:
"يارب، ما ترجعش بدر دلوقتي... خلّيها تتأخر، لو ساعة كمان، لو لحظة، بس تخرجني من الورطة دي!"

+


الهواء كان ساكنًا، وكأن الكون كله يتآمر ليمنح فاطمة فرصة للنجاة... حتى قاطع السكون صوت طرقٍ عنيف على الباب، تبعه صوت جندي يلهث.

+


فتح الباب، وانكشفت الوجوه.

+


"الحقي يا ست دليلة!"
قالها الجندي، وعيناه متسعتان من القلق،
"جنود الشرقاوية عند سيدي ناجي… وشكلهم، والله ما يطمنش"

+



        
          

                
ارتج جسد دليلة كمن صعقه البرق، انتفضت من مكانها وهي تردده:
"إيه؟ جم عندنا ليه؟!"

+


التقط الجندي أنفاسه بصعوبة قائلا:
"معرفش يا ستّي… أول ما شفتهم، سيبت البوابة وجريت على هنا."

+


هبت دليلة واقفة، والغضب يتراقص في عينيها:
"هما اتجننوا؟ دخلوا ديارنا بالسلاح؟! ده همّ فاكرينها سايبة؟!"

+


ومضت تخرج من البيت بخطوات تشبه العاصفة، تعبق الأرض خلفها بعبير الكبرياء، وعيون فاطمة تتبعها حتى اختفت عند الباب.

+


حينها فقط، تنفست فاطمة الصعداء، وانحنت قليلًا تمسح جبينها بكفها المرتجف، وقالت في همس:
"الحمد لله يا رب... نجّيتني، زي ما دايمًا بتعمل."

+


ثم نظرت إلى السماء، بعين فيها امتنان وقلق، لأنها كانت تعرف… أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.

+


وصلت دليلة إلى بيت  ناجي، والنار تتقد في صدرها قبل أن تصل قدماها إلى العتبة. لم تكد تطرق الباب حتى فُتح، كأن الوجوه خلفه كانت تترقبها، وعلى رأسهم جمال الشرقاوي، واقفًا بثبات كأنه مالك الأرض ومن عليها، تحيط به سُحب من رجاله المدججين بنظراتٍ لا تبشر إلا بالقلق.

+


رفعت دليلة طرف ثوبها، واقتربت منه بعينين تتقدان شررًا:

+


"خير يا جمال؟ إيش بدك من قبيلتنا حتى تدخلها وكأنها مالهاش كبير؟"

+


كان جمال هادئًا، أكثر من اللازم، وكأن العاصفة التي جلبها برفقته لا تخصه.

+


"مش ناوي على شر، يا دليلة. جاي لمهمة وها أمشي تاني."

+


نظرت إليه دليلة باستنكار، وقد رفعت حاجبيها ساخرة:

+


"إيه هي المهمة؟"

+


ردّ بثقة لم تهتز:

+


"ابني صقر عنديكم. رجّالتي هيدوروا عليه، وهنمشي على طول."

+


قهقهت دليلة ضاحكة، ضحكة مشوبة بالغضب، وقالت:

+


"مقلب جديد ده؟ عايز تقنعني بكلام ما يصدقوش عيل صغير؟!"

+


اقترب جمال منها خطوة، ونظر في عينيها مباشرة:

+


"بس دي الحقيقة، وجمال الشرقاوي مش محتاج يكدب.
ولو كنت ناوي أخرب قبيلتك، ماكنتش هستنى سبب.
أنا جاي بدافع واحد بس… كل همّي دلوقتي ولدي."

+


ساد الصمت لحظة، كانت كفيلة بجعل الهواء حولهم ثقيلًا.
نظرت دليلة إلى رجال القبيلة المترقبين، ثم إلى جمال، وبين عينيه شعرت بصدق لم تعهده من رجال الشرقاوية…
لكنه كان يطلب ابنًا، وربما يخفي في صدره أكثر مما قال.

+


تراجعت دليلة خطوة للوراء، وكأن الكلمات أثقلت كتفيها، نظرت إليه نظرة طويلة، تحمل في عمقها صراعًا بين الحذر والرحمة، بين كرامة القبيلة وخوف أمّ تعرف معنى أن يُفقد الابن.

+



        
          

                
"ولو صدقتك… لو فرضت إن صقر فعلًا عندنا، تتوقع مني أسلمهولك كده بالساهل؟"

+


رفع جمال رأسه وكأن الألم داخله ينفجر:

+


"أنا ماطلبتش منكم معروف… أنا بس بطلب تشوفوني كأب، مش كخصم."

+


صمتٌ جديد، كأن الأرض حبست أنفاسها. اقترب ناجي، وقد كان يستمع إلى الحوار من الداخل، قال بصوته الجهوري الذي يحمل هيبة العمر والقيادة:

+


"لو صقر فعلاً في حدودنا، يبقى في ذمتنا، واللي في الذمة ما يُمسّ… إلا بعد ما نعرف الحكاية من أولها."

+


أومأ جمال بهدوء، لكنه كان يعضّ على شفتيه من الداخل، يخشى أن يكون الوقت فات.

+


قالت دليلة، وقد رقّ صوتها قليلاً، دون أن تفقد صلابتها:

+


"مين اللي قالك إنه هنا؟"

+


جمال و قد كان يقاوم ما تبقى من  كبريائه ، لم يظن يوما أنه سيقع تحت براثن قبيلة الحمدانية، لم يكن ممن يلين أو تعرف نبرة صوته الخضوع ، لكن هذا ولده حاكم القبيلة المستقبلي ، قطعة من قلبه.

+


"واحد من رجالتنا شافه بيجري ناحية حدودكم… وكان مصاب. ومن ساعتها مالوش أثر."

+


رمشت دليلة بعينها، قلبها انقبض من جملة "وكان مصاب".

+


نظرت إلى ناجي، فهزّ رأسه لها كأنه يفهم ما يدور في عقلها دون أن تتكلم.

+


قالت بصوت فيه ارتباك:

+


"طيب… لو كان هنا، أنا هأعرف… وأرجعلكم بالخبر."

+


همّ أحد رجال جمال بالتقدم، لكنّه أوقفه بيده، وقال:

+


"هستنى… بس مش كتير. كل دقيقة بتفرق."

+


استدارت دليلة تمضي، وثوبها يُخفي تحت طياته قلقًا ثقيلًا… فلو كان هو، فالأمر أكبر من مجرد شاب مصاب…
إنه ابن العدو… وابن رجل، رغم كل شيء، لم يكذب.

+


............

+


ركبت بدر حصانها كمن يهرب من شيء لا يُدرك، وخيول الخوف تعدو داخل صدرها أسرع من الحصان الذي يحملها. كانت الريح تعصف بوشاحها، والأرض تهتز تحت حوافر الجواد، لكن شيئًا في عينيها ظل ثابتًا… مصممًا… كمن أيقن أن القدر قد ألقى حجراً في مياه عمره الساكنة.

+


ما إن وصلت إلى مشارف المنزل، حتى قفزت عن ظهر الحصان قبل أن يهدأ تمامًا. لم تدخل من الباب الرئيسي، بل انحرفت إلى جهة الغرب، حيث تقبع غرفة صغيرة، منزوية خلف بعض الأشجار، لا يقترب منها أحد، ولا تُفتح شرفتها إلا لنسيم الليل.

+


هناك، كان يقيم أمان… أخوها في الرضاعة، وابن السنوات الغامضة، ذاك الفتى الذي وهبته الحياة قدرةً عجيبة على الفهم دون النطق، على الإصغاء بعمق يجعل من كلماته الصامتة مرآة لما لا يُقال.

1


دفعت بدر الباب برفق، ثم وقفت لحظة، كأنها تجمع أنفاسها قبل الغوص في المجهول.

+


كان أمان يجلس على الأرض، يخط شيئًا على لوح خشبي، لكن حين لمح عينيها، نهض بسرعة، مدفوعًا بقلقٍ لم تحتج إلى نطقه.

+



        
          

                
اقتربت منه، وصوتها يخرج مرتجفًا، لكنه حاسم:

+


"أمان… اسمعني كويس… أنا كنت عند البحيرة المهجورة… وظهر لي واحد."

+


توقفت لحظة، تبحث عن اسمه في ذاكرتها، كمن يستدعي شبحًا نسي ملامحه.

+


"ده يبقى صقر… صقر ابن جمال الشرقاوي."

+


أمان رمش بعينيه، كأنه يعرف الاسم، أو أن الاسم أيقظ شيئًا في داخله.

+


"أنا… أنا سيبته مغمي عليه هناك… وماعرفتش أعمل إيه، ولا أتصرف إزاي."

+


وضعت يدها على صدرها، كأنها تكبح تسارع نبضها، ثم أكملت:

+


"عايزاك تروح هناك، وتشوفه… تعمل له زي ما عبد ربه ما علّمك… تشوفه مجروح؟ فيه نزيف؟ فيه كسر؟ أي حاجة، أي حاجة!"

+


ثم أمسكت بكتفه، ونظرت في عينيه مباشرة، بنظرة أختٍ تبحث عن سند، عن عقل بارد حين يشتعل قلبها:

+


"مهما كان… لازم نساعده، فاهمني يا أمان؟ ده بني آدم… ويمكن لو مات، نندم كل عمرنا."

+


لم ينطق أمان، كعادته، لكنه أومأ برأسه بقوة. نظر نحو الصندوق الصغير عند ركن الغرفة، فتحه، وأخذ منه بعض الأعشاب الجافة، وقطعة قماش نظيفة، وزجاجة صغيرة فيها سائل قاتم اللون.

+


ثم، دون كلمة، خرج من الغرفة، وصوته الوحيد كان وقع خطواته على الأرض.

+


أما بدر، فظلت واقفة في مكانها، ترتعش، بين خوفين:
خوف من أن يكون صقر قد فارق الحياة…
وخوف أكبر من أن يبقى حيًا، فتشتعل الحرب.

+


كان الليل قد بدأ يسدل ستائره، والنسيم يحمل برودة خفيفة تعبق برائحة الطين والأشجار الندية. خطوات أمان كانت ثابتة، ورغم أنه لا ينطق، إلا أن قلبه كان يتحدث له بهدوء: "ساعده، كما ساعدك عبد ربه، لا تسأل لماذا، فقط افعل الصواب."

+


اقترب أمان من جسد صقر الملقى إلى جوار جذع الشجرة، تنحني أغصانها فوقه وكأنها تحرسه من أذى الليل. ركع على ركبتيه، وجس نبضه بأطراف أصابعه بحذر… كان ضعيفًا لكنه موجود.

+


عيناه مغمضتان، ووجهه شاحب، والعرق البارد يلمع على جبينه. كانت هناك خدوش على ذراعه، وكدمة واضحة على جانب رأسه. مدّ أمان يده إلى حقيبته الجلدية القديمة، وأخرج منها قطعة قماش مبللة وبعض الأعشاب المجففة التي علمه عبد ربه استخدامها لعلاج الإصابات الطفيفة.

+


بلل القماش بماء نظيف ومسح برفق آثار الدم عن جبينه، ثم لف العشب المجفف بقطعة قماش صغيرة ووضعها فوق الكدمة، كما كان يفعل عبد ربه حين كان يسقط في صغره. لم يكن المشهد غريبًا على أمان، فهو اعتاد العناية بمن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم… واليوم جاء دوره ليعيد المعروف.

+


ألقى نظرة خاطفة حوله… المكان مهجور تمامًا، لا صوت سوى خرير الماء البعيد وصرير الحشرات الليلية. الهواء بدأ يبرد أكثر، فخلع عباءته وغطى بها جسد صقر، ثم جلس إلى جواره، يسنده بكتفه، عينيه تراقبان حركات صدره المتباطئة.

+



        
          

                
أمان لا يتكلم، لكنه كان يحدثه بصمت:
"أنا مش هسيبك… بدر طلبت، وأنا بوعد."

+


............

+


دخلت بدر إلى الدار والخطى ما زالت على عجل، وريح المساء تتلاعب بأطراف شالها، وجسدها ما زال يرتجف ببقايا الطريق. وما إن وضعت قدمها داخل العتبة حتى ارتفع صوت فاطمة من الداخل، يحمل مزيجًا من التنهيدة واللهفة:

+


"الحمد لله إنك رجعتي، روحي بسرعة البسي لبسك… جدتك دليلة جت."

+


توقفت بدر، وعيناها تتسعان بذهول:
"جدتي؟"

+


اقتربت منها فاطمة وهي تلوّح بيديها، كأنها تطرد الأسئلة قبل أن تخرج من فم بدر:

+


"بسرعة يا بدر، مش وقت أسئلة دلوقتي!"

+


لكن قلب الفتاة ما زال يركض خلف المفاجأة، فسألتها بصوت خافت:
"طب… هي فين؟"

+


ترددت فاطمة لحظة، ثم قالت وهي تلتفت نحو الباب:
"سمعت الجندي بيقول… جمال الشرقاوي هناك، عند عمّك ناجي، مش عارفة ليه…
روحي إلبسي، لازم تروحي تشوفي في إيه…
وكمان تثبتي إنك شجاعة…
اِجهزي، وأنا هخلّي عبد ربه يوصلك."

+


شعرت بدر بشيء يتغير في الهواء. ليس فقط وجود جدتها، بل ذكر جمال الشرقاوي، وعمّها ناجي، معًا… كان كافيًا ليحوّل الليل إلى غيوم من القلق.

+


دخلت غرفتها، والنبض يسابقها. ارتدت الجلباب الطويل بلونه النيلي الداكن، ثم تناولت الشملة ذات الخطوط الفضية، ولفّتها حول رأسها برفق. كانت تلك الشملة علامة الحمدانية، وارتداؤها في هذا التوقيت كان له ما له من دلالات.

+


دخلت حسناء، وكانت تحمل في يدها علبة صغيرة بها مسحوق أسود مطحون، تقدّمت نحو بدر وابتسمت بخفة:

+


"تعالي… خلّي ملامحك تشبه الشجعان اللي بيرجعوا من الحرب."

+


ثم بدأت برشّ بعض السواد حول الذقن، بخفّة وثقة، ورسمت شاربًا ناعمًا تحت أنفها، ما جعل ملامح بدر تزداد حدّة، وغموضًا.

+


نظرت بدر إلى المرآة… ولم ترَ نفسها.

+


رأت شخصًا آخر.

+


رأت الحمدانية التي لم تعد مجرد فتاة.

+


قالت حسناء بخفة:
"دلوقتي… تقدري تبصي في عين أي حد، وما يرفّش لك جفن."

+


أخذت بدر نفسًا عميقًا… وتوجهت نحو الباب، بينما صوت فاطمة يتردد من الداخل:

+


"عبد ربه جاهز… خلّيه ياخدك لدار عمّك، وبلاش تتهوري… اسمعي بس بقلبك، والباقي هييجي لوحده."

+


خرجت بدر، والليل يتهيأ لقصّة جديدة… قصة تُروى على حوافّ المجد والخطر.

+


صاحت دليلة في جنودها، وصوتها يحمل حزمًا لا يترك مجالًا للتهاون، بينما عينها تمسح الوجوه:

+



        
          

                
"ابحثوا في كل مكان عن صقر ولد جمال، ومحدش يمسه بسوء."

+


لم تمر سوى لحظات حتى أردف جمال بنبرة تفيض بالغضب والتوتر:

+


"اللي يلاقيه ويرجعه ليا سالم غانم، هياخد ألف جنيه دهب."

+


كلمات جمال سقطت على الجنود كما تسقط شرارة في كومة قش. تحمّسوا فجأة، وتألقت أعينهم ببريق الذهب. المال... المال وحده كفيل أن يوقظ فيهم رغبة البحث عن أي شيء، حتى لو كان وسط صخور الغربة أو في بطون الصحراء.

+


تقدّمت دليلة خطوة نحو جمال وقالت بثبات:

+


"اقعد يا جمال."

+


لكنه هزّ رأسه وخرج كأن نارًا في صدره تأبى أن تخمد:

+


"لا، هستنى برا في الخلاء."

+


غادر بخطوات متوترة، وترك خلفه جوًا مشحونًا بالقلق والترقب. تنهد ناجي بمرارة وقال بصوت خفيض يكاد لا يُسمع:

+


"مفيش فايدة يا أمايا... اللي سكن قلبه الكره، مستحيل يرجع يلين تاني."

+


وفي تلك اللحظة، دخلت بدر إلى بيت عمها ناجي، بثيابها الرجولية التي أعدتها على عجل. لم تكن تتوقع الاستقبال الذي تلقّته، حين احتضنتها هنادي كمن يحتضن نجمًا عاد من السماء.

+


قالت هنادي، والدمعة الزائفة تكاد تفرّ من عينيها:

+


"يا هلا بالغالي... ابن الغالي... قائدنا وحامينا وحارسنا."

+


خجلت بدر من حفاوة اللقاء، وردّت بخفوت:

+


"كيف حالك يا خالة؟"

+


ضحكت هنادي، وربتت على كتفه:

+


"بخير طول ما أنت بخير يا نور عيني."

+


لكن صوتًا عميقًا قطع اللحظة، صوت دليلة وقد خرجت من داخل الدار وهي تضع يديها على خصرها، تتأمل الموقف بدهشة:

+


"من متى كل الحب ده يا هنادي؟"

+


ثم نظرت إلى بدر، وابتسامة ناعمة تسللت إلى ملامحها القاسية، وقالت:

+


"الحبيب بدر... ما شاء الله عليك يا وليدي."

+


ثم احتضنته بقوة جعلت بدر تشعر كأنها طفلة صغيرة تُضم إلى قلب أمه بعد غياب طويل.

+


"يا لحبيب... ريحتك من ريحة أبوك يا بدر."

+


همست بدر بخشوع:

+


"كيفك يا جدتي؟"

+


أجابت دليلة، وعينيها تلمعان بذكريات قديمة:

+


"بخير يا وليدي، يا لحبيب... ما كنت أتصور أعيش لليوم اللي أشوفك فيه كده يا بدر. سامحني يا ولدي، انشغلت عن شوفتك طول السنين اللي فاتت... لكن تتعوض، تتعوض يا ضنا قلبي. يلا تعال معايا للخيمة."

+


في قلب الخيمة التي تنفذ منها رائحة العشب الجاف ورماد النار المطفأة، كان الليل قد مدّ عباءته على السهول والجبال، بينما ارتفع ضوء السراج باهتًا فوق وجه بدر المتعب. دليلة جلست جواره، تقلب بين نظراته وبين همس الريح الخارج من فتحة الخيمة، وجهها يحمل ألف حكاية، وعينيها كأنهما تقرآن الغيب.

+



        
          

                
همست بدر، بصوت خافت ملئه الشوق والارتياح:
"أنا هنا… ماتقلقيش عليّ، شوفتك، وسعيد إني شوفتك."
ثم رفعت رأسها قليلًا، كأنما تحاول اقتناص إجابة من الهواء:
"بس… إيه اللي بيحصل برا؟"

+


زفرت دليلة، كمن يحمل في صدره سرًا ثقيلًا، وقالت وهي تطرق الأرض بعصا صغيرة بين يديها:
"صقر… ولد جمال الشرقاوي. جريح، وهربان … بيقول إنه هنا، بس ما نعرفش ليه."
توقفت قليلًا ثم تابعت، وعيناها تتسعان بدهشة لا زالت لم تهدأ منذ رأته:
"بس اللي يحيرني… إزاي قدر يدخل قبيلتنا؟ لازم يكون جاي من السهل الغربي… وده، يا بدر، طريق موت."

+


رفعت بدر حاجبيها:
"يعني إيه طريق موت؟"

+


ابتسمت بسخرية خفيفة، ثم اعتدلت في جلستها، وصوتها خرج مشوبًا بنبرة بدوية شجنها لا يُخفى:
"طريق طويل، وواعر… صخور ووديان وعطش، ومفيش فيه أمان لا من بشر ولا وحوش. محدش بيعديه غير المجانين… أو الناس اللي عندها عزيمة من نار. ولو كان فعلاً جه من هناك ولسه عايش… يبقى صقر ده مش عادي."

+


سكتت لحظة، ثم تابعت:
"الواد ده… الدنيا ما جابتش منه اتنين. اللي يتحمل مشقة الطريق ده، يبقى اتربى صح، وأهله زرعوا فيه الصبر والقوة زي ما يتحط الحديد في النار ويتشكل. وده اللي لازم تاخد بالك منه، يا بدر."

+


نظرت لها باستغراب، قلبها يخفق ببطء:
"ليه؟"

+


أجابت، والنار في عينيها تزداد:
"عشان المنافسة بينك وبينه مش سهلة… ده شخص صلب، زي الحديد. وبتعرف دلوقتي ليه أبوه، جمال الشرقاوي، ماسك فيه ومش سايبه؟"

+


سألتها بدر، كأنها تعرف الإجابة لكنها تريد أن تسمعها منها:
"ليه؟"

+


فقالت، وصوتها خرج كالطلقة الهادئة:
"لأنه صقر… مابيخفش، قوي… وبيطير فوق العالي."

+


ساد بينهما صمت، فقط صوت الريح كان يغني بين خيوط الخيمة، وكأن كل كلمة خرجت من فم دليلة كانت تضع بذور الشك والحذر في قلب بدر… أو ربما شيئًا آخر، لا يُحكى.

+


بدر حاولت أن تخفي غيرتها، فسألت ببرود:
"وإنتي مبسوطة بيه كده ليه؟ مش مستاهلة انبهار يعني."

+


ضحكت دليلة ضحكة خفيفة، وقالت:
"مش مسألة انبهار يا بدر، المسألة إنك لازم تاخد بالك... المنافسة بينك وبينه مش سهلة. اللي يقدر يمشي السهل الغربي لوحده، وهو بينزف؟ ده مش مجرد راجل... ده حدوتة من نار. وصدقني، اللي أبوه ماسك فيه، ماسك في جبل، مش في ولد. عارف كويس إن محدش هيسيطر على الحكم بعده غيره."

+


كانت أفكارها كخيوط دخان تتراقص في الهواء:
"هغلبه بس بعقلي، مش بقوتي... مستحيل ست تقدر تغلب راجل في القوة، لكن بالعقل؟ كل شيء جايز."

+


رفعت رأسها، تطلعت نحو دليلة التي كانت قد أنهت حديثها معها منذ لحظات.

+


"تسمحيلي أرجع لبيتي؟"

+



        
          

                
هزّت دليلة رأسها بتفهم، وقالت بنبرة فيها مزيج من الحزم والود:
"روح يا بدر، وأنا بحل المشكلة هذي وبرجع تاني بعد ما أطمن إن كل شيء مستقر."

+


بإيماءة صامتة، ترجلت بدر عن حصانها، وقادته بخطى هادئة نحو البحيرة، حيث كان أمان جالسًا قرب جسد صقر الممدد في غيبوبة لا يُعرف لها قرار.

+


في سكون الليل الذي يذوب شيئًا فشيئًا تحت وطأة خيوط الفجر الأولى، وقفت بدر قرب البحيرة المهجورة، تراقب الماء الساكن كما لو كانت تنتظر أن يبوح بسر دفين. النسيم البارد داعب طرف ثوبها وهي تشعر بثقل في صدرها لا يعرفه أحد سواها.

+


همست بدر، وعيناها تتنقل بين أخيها والرجل الجريح:
"أمان، يلا لازم نمشي... الصبح قرب يطلع، ووجودك هنا خطر."

+


أمان أشار إلى صقر، نظرة من عينيه تنطق رغم صمته.

+


"لازم نسيبه، رجالتهم في كل حتة، ولو شافوا حد قريب منه مش هيسمّوا عليه... يلا نمشي."

+


لكن أمان بقي في مكانه، لا يتحرك، لا يستجيب.

+


"طيب... أمشي إنت، روح، وأنا هبلغ أهله إنه هنا."

+


صوتها ارتعش وهي تضيف:
"لازم محدش يشوفك... لازم تكون في أمان، يا أمان."

+


في لحظة صامتة، نظرت إليه بدر طويلاً. كان أمان أكثر من مجرد أخ، كان ظلها، رفيق طفولتها، وصوتها عندما لا تستطيع الكلام. لم يكن كالبشر الآخرين... كان له طريقه في فهم العالم، وفي التواصل مع من يحب.

+


هي الوحيدة التي تعرف ما يخيفه، ما يؤذيه، وما يجعله يضحك. هي الوحيدة التي كانت تفهم صمته، وتترجم نظراته إلى جمل، وإشاراته إلى قرارات.

+


واليوم، تشعر بالخطر يحوم حوله كطيف لا يُرى. هو لا يستطيع أن يحذرهم، لا يستطيع أن يصرخ طلبًا للنجدة، ولا حتى أن يشير إلى الخطر حين يقترب منه.

+


غصة خفية علت صدرها، ودمعة تحجرت في مآقيها... ليس خوفًا من الليل، بل من أن يُؤذى أمان وهي بعيدة عنه، من أن يُساء فهمه، أو أن يُستغل ضعفه في عالم لا يرحم.

+


بخطى ثابتة، تقدمت منه، وضعت يدها على كتفه وهمست في أذنه:
"أنت الأمان يا أمان... بس لازم دلوقتي أكون أنا اللي تحميك."

+


ثم ابتعدت قليلًا، وجهها مرفوع والقلق ينهشها من الداخل، وعيناها تلمعان كأنهما تقاومان الانكسار.

+


الليل بدأ يتلاشى، والضوء يزحف على صفحة الماء البارد، لكن قلب بدر ظل غارقًا في ظلمة من نوع آخر، ظلمة الخوف على من تحب.

+


أوقف حديثها صوت آهات ضعيفة مزّقت سكون الصباح، صوتٌ بالكاد يُسمع، لكنّه كان كافيًا ليشدّ انتباه بدر وأمان.

+


كان صقر قد بدأ يستفيق من غيبوبته، لا يزال مغمض العينين، يتلوّى بألم خافت كأن كل خلية في جسده تصرخ، وكأنّ الحياة تعود إليه على استحياء.

+



        
          

                
بلمح البصر، انطلق أمان نحو حقيبته الجلدية الصغيرة، يفتحها بأنامل سريعة تحفظ أماكن الأعشاب كما تحفظ الأم سرّة طفلها. أخرج مزيجًا من أوراق مجففة ومسحوق بنيّ، ووضعهم في إناء صغير صنعه من جذع جوز الهند المجوّف، صبّ عليه الماء وسرعان ما أوقد نارًا خفيفة من حطب جاف، كأنّه كان يتوقع تلك اللحظة.

+


كانت بدر تراقب بصمت، قلبها بين الحلق والصدر، تتأرجح ما بين الخوف على أخيها وصقر، والدهشة من مهارة أمان التي لا تراها إلا في الحكايات القديمة.

+


لم يكن صقر يدرك ما يجري، وجهه شاحب، وعيناه مغمضتان كأن جفونه أثقل من أن تفتح. رفع أمان رأسه قليلًا وسقاه ببطء جرعات من الخليط الساخن. كان طعمه مُرًّا، لكن أنفاس صقر بدأت تنتظم شيئًا فشيئًا.

+


شهقت بدر عندما رأت أصابعه تتحرك. نبضه يعود، وعلامات الوعي ترتسم على وجهه، رغم أنه لم ينطق بكلمة.

+


بدر اقتربت خطوة، ثم تمتمت في نفسها:
"حتى وإنت غايب، بتحرك الدنيا حواليك… يا صقر ، بسببك فيه حرب هتقوم دلوقتي".

+


لكنها تماسكت سريعًا، شدّت على طرف ثوبها ووجهت نظرها لأمان: 

+


"لو فاق خالص، متخليش حد يشوفك… لازم تفضل بعيد، على الأقل لحد ما نعرف اللي حصل".

+


هزّ أمان رأسه بالإيجاب، وابتسامة خفيفة طافت على وجهه البريء، كأنّه يتعهد بحياة رجل لا يعرفه... فقط لأنّ قلبه أخبره أن هذا ما يجب أن يفعله.

+


سمعت بدر وقع خطوات تقترب، متبوعة بأصوات رجال يتحدثون بلهجة حذرة، تتسلل عبر ضباب الفجر المنتشر فوق البحيرة.

+


"تعال ندور جوا البحيرة دي... يمكن مر من هنا."

+


اتسعت عينا بدر، وامتدت يدها فورًا تمسك بذراع أمان، تشده برفق وسرعة في آنٍ واحد، حتى اختبآ خلف جذع شجرة ضخمة، جذورها غائرة في الأرض كأنها تحرس أسرار المكان منذ قرون.

+


تسمرت أنفاسها، ووضعت يدها الأخرى على صدرها علّها تخفف من طرقات قلبها، بينما أمان انكمش بجوارها كقطة صغيرة، عيونه ترصد كل حركة، وكل ظل.

+


لكن صوت الجندي الآخر جاء ليبعث قليلًا من الطمأنينة:

+


"إيه اللي هيجيبه مكان زي ده؟ يلا نمشي... شكله ما دخلش القبيلة من أصله و ده كله مجرد تكهنات."

+


"أو يمكن مات في الطريق وهو بيجري بالحصان... محدش بيمشي من الطريق ده ويفضل عايش.مستحيل."

+


ارتدت خطواتهم في الأرض الموحلة، وأصواتهم تبتعد رويدًا رويدًا، حتى عاد السكون يخيم على المكان... ذلك السكون الثقيل الذي لا يُطمئن بل يوتر، كأنه يسبق عاصفة خفية.

+


وأثناء انكماش بدر خلف جذع الشجرة، تحسب أنفاسها خشية أن تُفضَح، كانت الأغصان المترامية كالأذرع تمد يدها خلسة، تسرق ما تستطيع من العابرين.
وفي غفلة من الزمن، تعلّق سلسالها الفضي الملكي  الذي لطالما أخفته تحت ملابسها منذ أول لحظة كتبت فيها أمنيتها ، في طرف غصن يابس، تمسك به الأشواك كما لو أنه كنز لا يُفرّط فيه.

+



        
          

                
لم تشعر بدر بفقده، إذ كان قلبها منشغلاً بوقع الأقدام ولهاثها المكتوم، تظن أن ما تفقده الآن هو حياتها.
وحين هدأت الأصوات، وعاد كل شيء كما كان، كان ذلك السلسال الثمين ما يزال يتدلّى هناك، يتلألأ في ضوء الشمس الخافت كوشاية تنتظر من يكتشفها.

+


سمع أمان صهيل الحصان يتردد من الجهة الأخرى للبحيرة، كان صهيلًا منخفضًا لكنه ممتلئ بالرجاء، كأن الحصان يشكو جوعه و وحدته للعالم.
التفت أمان نحو الصوت، وعيناه الهادئتان تلمعان بقلقٍ خفي، ثم خطا بخفة كظلٍ لا يُرى، حتى وصل إلى حيث كان الحصان مربوطًا بين الأشجار، يرفس الأرض بجزعه ويهز رأسه في تململ واضح.

+


مدّ أمان يده إلى جراب صغير يعلّقه دائمًا على خاصرته، واستخرج منه حفنة من الطعام الخاص بالخيل، طعام أعدّه مسبقًا من الحبوب المجففة والأعشاب التي يعرف أنها تبقي الحصان قويًا وهادئًا.
وضع الطعام أمام الحصان برفق، ثم جذبه إليه، وربطه إلى جذع قريب من حيث تمدد صقر، كي لا يضيع إن فزع أو عاد الجنود يبحثون.

+


كل هذا فعله أمان دون أن ينطق بحرف، فصمته الأبدي كان لغة أخرى، تُفهم بالحركات والنيّات.

+


كانت بدر تراقبه بصمت، نظراتها متأرجحة بين القلق وعدم الفهم. ما الذي يدفع أمان لفعل كل هذا؟ لماذا كل هذا الإصرار على إنقاذ شخص قد لا يكون حتى في صفّهم؟

+


قالت بصوت منخفض لكنه حازم، وهي تشير نحو الغابة الكثيفة:
"يلا نمشي يا أمان، المكان مش آمن، ووجودنا هنا خطر على الكل."
لكن أمان لم يتحرك، فقط نظر إلى بدر نظرة فيها رجاء، فيها شيء يشبه الوعد، كأنه يقول:

+


"مش هسيب حد يتألم وأنا أقدر أساعده."

+


نظرت بدر إلى أمان نظرة حاسمة، ثم تنهدت بخفوت وهي تتقدم نحوه خطوة، وقالت بصوتٍ منخفض لكنه ثابت:

+


"خلاص يا أمان… أنا هروح لمكان جمال، وهقوله إني لقيت ابنه، وهتأكد إنهم يجوا ياخدوه…
أنا مش هامشي من هنا غير لما أتأكد إن صقر رجع لأهله."

+


سكتت للحظة، ثم نظرت له بعينين فيهما خوف وحنان في آن، كأنها توصيه بكل ما أوتيت من ثقة:

+


"أهم حاجة عندي… إنك ترجع لمكانك ومحدش يكتشف وجودك. فاهم؟ لو عرفوا إنك كنت هنا… كل اللي بنحاول نحميه هيضيع. معنديش قوة إني اخسرك ، فاهم؟ "

+


رفعت يدها ولمست كتفه برفق، ثم أكملت بهمس:

+


"خلّي بالك من نفسك… ومنه."

+


بدأ صقر يستفيق من ألمه، مغمض العينين، لكنه بات يستشعر العالم من حوله. أنفاسه بدأت تنتظم قليلًا، وصوت تأوه خافت خرج من بين شفتيه، كأنه يحاول أن يفهم أين هو، وماذا جرى له.

+


في تلك اللحظة، أمسكت بدر يد أمان بسرعة وهمست:

+


"يلا يا أمان… لازم نمشي دلوقتي قبل ما يصحى خالص."

+



        
          

                
أومأ أمان برأسه، وركضا معًا خارج البحيرة، يحاولان الاختفاء بين الأشجار والصخور، بينما خلفهما بقي صقر في مكانه، وصوت صهيل الحصان يملأ السكون.

+


فتح صقر عينَيه ببطء، يتلفت حوله كمن خرج لتوّه من حلم طويل. حاول أن يتذكّر ما حدث معه قبل أن يفقد الوعي… صورٌ مشوّشة تلاحقت في ذهنه، ووجوه غريبة، وصرخة مكتومة، ثم ظلام دامس.

+


نهض قليلًا وهو يتأوّه من الألم، لكن جسده كان بحالٍ أفضل مما توقع، وكأن شيئًا خفيًا ساعده على التعافي. تحسس مؤخرة رأسه، ثم الكدمة المؤلمة في جانب جبهته، فانكمشت ملامحه من شدة الألم.

+


همس لنفسه:

+


"إيه اللي حصل؟ أنا فين؟"

+


كانت رائحة الأعشاب العالقة في الهواء تُشير إلى أن أحدهم اعتنى به. تذكّر وجه فتاة كانت تغني، ساقها المنسدل وثوبها المختلف، وخنجرها الذي سقط منها حين كانت تنحني فوقه. تلك التفاصيل لم تكن حلمًا.

+


نظر حوله، فوجد حصانه مربوطًا بالقرب منه، يأكل في هدوء. نهض بتثاقل واتجه إليه، يربت على عنقه بمحبة وهمس:

+


"يعني لسه في حد من الكون ده مهتم بصقر؟ طب هي راحت فين ؟ "

+


شدّ لجام حصانه، ينوي الرحيل، لكن في داخله عشرات الأسئلة تبحث عن إجابة.

+


وبينما كان صقر يستعد لامتطاء حصانه، جذب انتباهه شيء يلمع على أحد الأغصان القريبة. ضيّق عينيه وتقدّم بخطوات حذرة، فكان اللمعان قادمًا من سلسال فضي رقيق، يتدلّى بخفة بين ورقتين.

+


مدّ يده وأمسكه، ثم نظر إليه بدهشة، كانت عليه قلادة ملكية صغيرة محفور عليها رمزٌ لا يعرفه … بل يجهل أنه رمز العائلة الحاكمة.

+


همس وهو يقلبه بين أصابعه:

+


"ده… كان على رقبتها .. وقع و لا هي اللي سابته كأشارة ليا علشان اعرف اشكرها بعدين."

+


نظر حوله مرّة أخرى، كأنّه يبحث عنها أو يتوقع ظهورها من بين الأشجار. ثم شدّ قبضته على السلسال، رفعه أمام عينيه بعناية، وهمس:

+


"لازم أعرف مين هي؟… وليه ساعدتني؟ ليه مش سابتني أموت؟"

+


كان الخنجر ما زال واقعًا في الأرض، يغوص طرفه قليلًا في التراب الرطب. انحنى صقر والتقطه، نظر إليه مطولًا، تأمل تفاصيله المنقوشة والعلامة المميزة على قبضته، لكنه لم يتعرف عليها.
جمع بعض الأعشاب التي تبقت بجانبه، تلك التي وضعها له أمان، وكانت السبب في استعادة قوته رغم الألم الذي لا يزال يعشش في جسده.

+


نظر إلى حصانه الذي كان يأكل بنهم شديد، غير مكترث بشيء، وكأنه لم يذق طعامًا منذ أيام. ابتسم صقر ابتسامة باهتة وقال:
"حتى إنت ما صدقت.. تلاقي يد حنينة تتمد ليك."

+


وفي تلك اللحظة، كان كل من بدر وأمان قد ابتعدا وامتطى كلٌ منهما حصانه، ركضا عبر الغابة متجاهلين ما قد يحدث لصقر.
لكن بدر لم تنسَ وعدها، واتجهت مباشرة نحو بيت الحمدانية، حيث كان جمال يقف في فناء الدار، وجهه شاحب، يده ترتجف، وعيناه تتشبثان بأي خبر.

+



        
          

                
كان قلبه يخفق بقوة، يحاول أن يبدو صلبًا، لكن رجلاه بالكاد تحملانه.
همس لنفسه، يكاد الدمع يغلبه:
"يا رب ما تحرمني منه.. يا رب رجّعه لي سالم."

+


ثم قال بصوت مرتجف:
"لو صقر عاش.. لأعمل وليمة وأعزم فيها كل كبارات القبائل، وأولهم الحمدانية، رغم إني مش طايقهم!"

+


وفجأة، سمع وقع خطوات وراءه، فاستدار سريعًا، ليجد بدر تقف هناك، وغبار الطريق على كتفها.

+


قالت بصوت حازم:
"أنا عارف ابنك فين."

+


لمعت عينا جمال، واقترب منها كالغريق الذي وجد قشة نجاة:
"فين ولدي؟ عايش ولا..؟"

+


ردت بدر بسرعة:
"عايش."

+


ثم أدلته على مكان ولده، الذي كان لا يزال جالسًا بين الأشجار، يحاور نفسه، ممسكًا بالسلسال، يتأمله بشرود.

+


وما إن سمع وقع خطوات تقترب وتحاصره من كل جانب، حتى خبأ السلسال داخل ملابسه بسرعة، وعيناه تترقب من القادم.

+


ما إن رآه جمال حتى ادعى التماسك والقسوة، رغم أن قلبه كان يصرخ من الفرح. كتم الدموع خلف عينيه المتجهمتين، وقال بصوتٍ خشن:

+


"كلامي معاك بعدين يا صقر، لما يشتد عودك ساعتها ابقى احاسبك."

+


لكن صقر، رغم أثر الجرح في رأسه، كان يدرك أن صوت أبيه يرتعش، وأن صلابته هذه ليست إلا ستارًا ليخفي فرحه برجوعه. لمح في عيني والده لمعة لم يرها من قبل، لمعة أب يحتضن ولده بنظرة.

+


اقترب جمال ببطء، ثم وقف أمامه دون أن يلمسه، كأن اللمس قد يوقظه من حلم عودة الغائب، أو قد يوجعه من فرط الشوق. كاد يقول له: "وحشتني"، لكنه ابتلع الكلمات في صدره، وحك لحيته كي يخفي ارتباكه، ثم استدار فجأة وقال:

+


"يلا، خلينا نرجع."

+


أما صقر، فكان يشعر أن الخطوات التي تبتعد به مع أبيه نحو البيت، كانت تحمل قلبًا يعود إلى مكانه بعد أن تاه طويلًا.

+


وفي قلبه، لم ينسَ الفتاة التي أنقذته، ولا عينيها التي غابت كما ظهرت... دون ميعاد.

+


بعد أن عادوا، كان طبيب القبيلة في انتظار صقر عند مدخل الديوان الكبير. وقف رجل الطب العجوز بوجهه المليء بالتجاعيد، يحمل حقيبته الجلدية القديمة، وقد بدا عليه القلق.

+


أما إخوة صقر، فكانوا مصطفين على بُعد خطوات، كأنهم لا يملكون الحق في الاقتراب. لم يعرفوا هل عليهم أن يفرحوا بعودته أم يتهيأوا لعاصفة أبيهم التي لم تهدأ بعد. كانوا ينظرون إليه بعيونٍ مشوبة بالرهبة، يلتفتون إلى بعضهم دون أن ينطقوا بكلمة. 

+


جمال بصوته الجهوري: 

+


"شوف صقر وافحصه كويس، عايز أرجع له صحته زي الأول، وأحسن كمان."

+


أشار للطبيب أن يباشر عمله، ثم التفت لإخوته بنظرة واحدة جعلتهم يطأطئون رؤوسهم، وقال:

+



        
          

                
"محدش منكم يقرب له إلا لما أقول."

+


اقترب الطبيب من صقر، وضع يده على جبينه، ثم أخذ يفحص مكان الجرح بعناية، وفي عينيه لمعة إعجاب بجلد الفتى الذي عاد من الموت واقفًا.

+


جمال ظل واقفًا في مكانه، يُخفي خلف صلابته زلزال مشاعر، بينما قلبه يردد:
"الحمد لله... رجعلي ولدي."

+


اقترب الطبيب العجوز من صقر، يداه المرتجفتان تفحصان موضع الكدمة، وعيناه تتنقلان بين الجرح الذي بدأ يلتئم، وبين لون بشرته الذي استعاد بعضًا من دفئه.

+


تراجع خطوة للخلف، ثم قال وهو يحدق فيه بدهشة:

+


"إنت... إنت اتعالجت إزاي؟! يا ولدي، جسمك كان محتاج أيام طويلة علشان يفوق من الضربة دي."

+


صمت قليلًا، ثم مال نحوه يهمس كأنه يخشى أن يسمعه أحد:

+


"قولّي بصدق... شربت إيه؟ خدت إيه؟  كنت فين؟ فيه حاجة مش مفهومة!"

+


رفع صقر بصره إلى الطبيب، وعيناه لا تزالان مثقلتين بتعب الرحلة:

+


"أنا... أنا مش متأكد."

+


"مش متأكد؟!" قالها الطبيب بتعجّب، ثم عاد يحدق في جبهته، يتحسس الكدمة التي أصبحت باهتة.

+


أكمل صقر بصوتٍ خافت، كأنه يسترجع ذكرى غامضة:

+


"فيه حدّ... شخص غريب. أعطاني شراب أخضر، كان طعمه مر... بس أول ما شربته، حسّيت بجسمي بيرجع لي واحدة واحدة."

+


هزّ الطبيب رأسه وقال ببطء:

+


"دي مش أعشاب من اللي نعرفها... دي حاجة تانية، حاجة من ورا الجبال، من أرض ما نطأهاش."

+


سكت لحظة، ثم أضاف وهو يربّت على كتف صقر:

+


"فيه سر كبير وراك يا ولدي... واللي أنقذك مش بس شراب."

+


مدّ صقر يده ببطء، وأخرج من جيب ردائه ورقة أعشاب خضراء داكنة، كان قد طواها بعناية وخبأها كما يُخفي المرء شيئًا ثمينًا. نظر إليها لحظة، ثم ناولها للطبيب.

+


قال بصوت منخفض:

+


"دي... من اللي شربت منه. احتفظت بجزء منه، حسيت إن ليه قوة مش عادية."

+


أخذ الطبيب الورقة بيد مرتجفة، قرّبها من عينيه ثم شمّها، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا.

+


"دي... دي مش من هنا." تمتم الطبيب بدهشة، ثم قلبها بين يديه كما لو كان يتحسس كنزًا دفينًا.

+


"أنا طول عمري بشتغل في التداوي بالأعشاب، لكن الورقة دي... دي فيها ريحة أرض مش أرضنا، وكأنها شالت في طيّها سحر قديم أو نفَس غريب. دي حاجة بتخص الحمدانية و مش أي حد دي للبيت الملكي بس "

+


نظر إلى صقر نظرة طويلة وقال:

+


"انت ما شربتش دوا عادي، انت شربت حاجة أكبر من كده بكتير. اللي داواك... كان بيقصدك انت، مش مجرد صدفة. يمكن يعرف إنك أمير."

+



        
          

                
ثم تنهد الطبيب وأردف وهو يعيد الورقة:

+


"خبّيها كويس، ومتدهاش لحد... الورقة دي ممكن تكشفلك حاجات كتير، بس كمان ممكن تفتح عليك أبواب ما تتقفلش بسهولة. الحرب ممكن تقوم بسببها. أبوك جمال مش هيقتنع إن كان في حد حمداني عايز يساعدك لأ و كمان ملكي."

+


توقف لثوانٍ ينظر في عيني صقر، كأنّه يقرأ شيئًا لا يُقال، ثم حوّل وجهه فجأة وسار مبتعدًا دون أن ينطق بكلمة أخرى.

+


خطواته كانت ثقيلة على التراب، تُحدث صدى غريبًا في صدر صقر. وقف يراقبه حتى اختفى بين الخيام، وما زال صوته يرن في أذنه: "اللي داواك... كان بيقصدك انت."

+


نظر صقر إلى الورقة في يده، ضمّها بقوة حتى تفتحت أصابعه من توترها، وشعر أن شيئًا أكبر من فهمه يوشك أن يبدأ.

+


كان يزيد يتقلب بين ندمه وفرحته، فقد ظنّ أن صقر مات في الطريق حين ساعده على الهرب من القصر. الطريق إلى السهل الغربي لا ينجو منه أحد، والظلال التي تبتلع المسافرين هناك لا تترك وراءها حتى صدى. حين بلغه خبر عودة صقر، لم ينتظر لحظة. قلبه سبقه، ويده طرقت الباب بلهفة.

+


وحين فُتح الباب، وقف لثوانٍ مأخوذًا.
"مش مصدق إني شايفك... الحمد لله، لو كان جرالك حاجة، مكنتش هسامح نفسي أبدًا."

+


ضحك صقر. ضحكة هادئة، غامضة، فيها حزنٌ ناعم، وفيها عبورٌ من شيء لا يُروى.

+


رمقه يزيد بدهشة:
"بتضحك؟! إنت مجنون؟ في حد يمشي في طريق السهل الغربي بإرادته؟ ده طريق موت! إزاي نجدت؟ نفسي أفهم."

+


هزّ صقر رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان معلّقتين بأفق بعيد لا يراه سواه:
"أنا نجيت من السهل الغربي... وغرقت في حاجة أكبر."

+


تقطب وجه يزيد:
"تقصد إيه؟"

+


ردّ صقر بصوت خفيض كأنّه يقرأ سطرًا من حلم:
"عينين خطفوني... شدة وجمال، قسوة ودلال."

+


ضحك يزيد وهز رأسه، يائسًا من فهم ما يقول:
"إنت اتهبلت ولا إيه؟ هو طريق السهل الغربي جننك؟! عينين إيه؟ طلعلك جنية ولا إيه؟"

+


صمت صقر لحظة، ثم قال كمن يصف مشهدًا من عالم آخر:
"لأ... دي مش جنية. دي ملاك... حاجة كده مش تتوصف. صوت و..."

+


قاطعه يزيد وهو يلوّح بيده:
"بس بس، أنا مش فاهم حاجة خالص."

+


تنهد صقر وقال:
"مفيش... لما وصلت قبيلة الحمدانية، لقيتني هناك، في مكان مش فاهمه... وهناك شفتها. مش عارف كانت بتعمل إيه، بس سابتلي دي."

+


أخرج من جيبه سلسلة فضية، ورفعها في وجه يزيد.

+


تراجع يزيد خطوة كأن النور المنبعث منها قد أذهله.
"إيه ده؟ ده جميل قوي... وريني."

+


ما إن لامسها بأصابعه، حتى تغيرت ملامحه، كأنّ الذكرى انفتحت في قلبه:
"ده معمول بحرفية نادرة... ده خاص بالحمدانية!"

+



        
          

                
ضحك صقر، وقال مازحًا:
"أكيد مش محتاجة ذكاء يعني."

+


لكن يزيد لم يضحك. عيناه كانت متسعتين بدهشة حقيقية، وصوته خرج مشوبًا بالرهبة:
"إنت مش فاهم... ده خاص بأميرة. مش واحدة عادية! الرمز ده للحمدانية، بس مش أي حد في القبيلة بيحمله. ده للي من العيلة الحاكمة بس... لسادة القبيلة."

+


ساد الصمت بينهما للحظات.
صقر ظل ينظر للسلسلة، بينما قلبه يهمس له بشئ لم ينساه... "عينين". لكنه قال فجأة:
" قصدك ايه ؟"

+


تبدلت ملامح يزيد بين الذهول والغضب، وهو يسمع كلمات صقر التي تشبه الطعنات المغلفة بابتسامة ماكرة. وقف في منتصف الغرفة وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه، بينما كان صقر يتحدث بصوت هادئ، لكن يحمل بين طبقاته ما يشبه التهديد المغلف بالود.

+


قال يزيد، وهو يضغط على كلماته:
"أميرة؟! أقصد بنت من سادة الحمدانية؟ بنت العيلة الحاكمة؟! فوق يا صقر، إنت بتحلم."

+


كان صقر لا يزال ممسكًا بالسلسال الفضي، يمرر أصابعه عليه وكأنه قطعة من القدر لا يريد التخلي عنها. نظر ليزيد بثبات وقال:
"أنا مبحلمش، أنا شفتها... أنقذتني من الموت، ظهرتلي في لحظة ماكنش فاضل فيا نفس، وكأنها كانت بتستناني."

+


أشار يزيد بحدة وهو يهتف:
"دي أوهام! فوق من الخيال اللي انت عايش فيه. أبوك مش هيسامحك عالهروب، وتفتكر هيقبل باللي حصل؟ إنت فاكر نفسك مين؟"

+


رد صقر، بنبرة ملؤها الحلم واليقين معًا:
"أبوي عايز الأرضين يبقوا أرض واحدة... وساعتها، يمكن..."

+


قاطعه يزيد:
"يمكن إيه؟! تتجوز بنت الحمدانية؟ إنت اتجننت، خلاص."

+


لكن عيني صقر لم تهتز، ظل واقفًا بثقة، ثم قال ببطء:
"أنا مش بتكلم عن حلم... دي أنقذتني، مديتلي إيديها وقت الكل سبني. أنا مديون ليها، ومش ناوي أنسى."

+


أشاح يزيد بوجهه، حاول أن يتماسك، أن يتجاهل الحنين الذي غلف صوت صديقه، لكنه كان أضعف من أن يقاوم الحقيقة.

+


"بص، مهما حصل، أنا مش داخل في الموضوع ده. مش هساعدك، ومش هتحمل العواقب معاك. اعتبرني ما سمعتش حاجة."

+


ابتسم صقر بهدوء، ثم قال:
"براحتك... بس تعرف؟ بدل ما أستحمل عقاب والدي اللي متعود عليه لوحدي، ممكن ببساطة أقوله الحقيقة... إن يزيد هو اللي ساعدني أهرب، وهو اللي طلع الحصان من الإسطبل... وساعتها، هنتعاقب سوا."

+


ساد الصمت للحظة، ثقيلًا كالمطر قبل العاصفة. لم يكن تهديدًا بقدر ما كان تذكيرًا... أن القرار لم يعد بيد يزيد وحده.

+


تراجع يزيد خطوة للخلف، وقد اتسعت عيناه بغضب ودهشة في آنٍ واحد. ارتسمت على وجهه ملامح الصراع بين الخوف والولاء، بين العقل والقلب. لم يكن يتخيل أن صقر، رفيق عمره، يمكن أن يستخدم تلك الورقة ضده.

+


صقر لم يحوّل بصره، ظلّ واقفًا بثبات، يحمل في عينيه مزيجًا من الألم والإصرار، وكأن جراح الطريق لم تترك فيه إلا عزيمة من نار. رفع السلسال مرة أخرى، كأنه يذكّره:
"أنا مش بلعب، ودي مش حكاية ولد شاف بنت جميلة… دي مسألة حياة… وكرامة."

+


يزيد ضغط على أسنانه، ثم قال بصوت خافت محمّل بالغيظ:
"بتهددني؟"

+


هزّ صقر رأسه، ثم مشى بهدوء نحو الباب، ووقف بجواره، وقال دون أن ينظر له:
"أنا بذكّرك إنك كنت جزء من الحكاية، سواءً شاركتني للآخر، أو سبّتني أكمل لوحدي… القرار ليك."

+


ثم التفت إليه، بعينين ساكنتين رغم كل ما فيهما من لهب:
"بس ما تنساش… لو كنت هتمشي، يبقى امشي دلوقتي… لأن الرجوع مش هيكون سهل بعد كده."

+


ساد صمت كثيف بينهما، لم يُسمع فيه سوى أنفاسهما المتوترة، كأن الجدران نفسها توقفت عن التنفس.

+


كان يزيد يعلم أن صقر ليس كباقي رجال القبيلة، وأن ما حدث لم يكن مجرّد تمرد على أوامر الأب، بل كان ولادة شيء جديد… شيء لم تتضح ملامحه بعد، لكنّه آتٍ لا محالة.

+


تنهد يزيد أخيرًا، ثم مسح وجهه بكفه، وقال وهو يتجه للباب:
"لو حصل ووقعت… متقولش إني ما حذرتكش. و عقاب والدك أيا كان ايه هو هستحمله."
ثم غادر، مغلقًا الباب خلفه بقوة.

+


أما صقر… فظل واقفًا في منتصف الغرفة، يحدّق في السلسال، كأنه يتأمل في خيط الفضة طريقًا يمتد بينه وبين المجهول… طريقًا لا عودة فيه.

+


في الركن المظلم في نهاية القصر نادى جمال أحد الجنود بصوت حازم:

+


"بُكره، تعزم كل كُبّارات القبائل على وليمة عشاء فاخرة… وعلى رأسهم بدر ابن الحمدانية ، لازم أشكره على مساعدته في إنه دلّني على مكان ابني. رغم العداوة بس ده عهد علي و لازم اوفيه، و كمان لازم صقر يسلم عليه قدام الكل ، خطوة زي دي هتفيدني بعدين."

+


ــــــــــــــــــــــــ

+


دي هدية كده ليكم مني ، مش تتعودوا على كده 😂 دي حاجة بتحصل كل فين و فين 
علشان نصه كان جاهز و حبيت أفرحكم و أرضي فضولكم و حماسكم 💜 رغم إن التفاعل مخيب آمالي 🥺
 لكن ميعادنا كل خميس إن شاء الله 

+


دلوقتي صقر شاف بدر كويس و في احتفال لازم تروحه ما هذا المأزق الشنيع ؟! 

+


أمان ظهر أخيرا 😭

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close