اخر الروايات

رواية رحي الايام الفصل السادس 6 بقلم عائشة حسين

رواية رحي الايام الفصل السادس 6 بقلم عائشة حسين


 


                                              

الفصل السادس «رحى الأيام» 


+



استقبلتهما جليلة بأسى ترسمه على ملامحها بإتقان «ازيك يا أخوي اتفضل» 

دخلت ضي بصحبة والدها الذي أصرّت أنّ لا تتركه يأتي وحده متعكزًا على عصاه، قبّل فخر رأس أخته تحيّة ودّ واستباق بالمعروف والوصل «ازيك يا بت أبوي عاملة إيه؟» 

أدخلته جليلة للحجرة الجانبية المعدّة لاستقبال الضيوف قائلة بحزن «شوفت الي جرالي يا فخر!» 

جلس فوق أحد الأرائك فجلست ضي جواره حمايةً و عون ، ساعدًا إن إحتاج وذراع تمتد لو طلب، وساق تسير ألف ميل لرفع الوهن عنه وإرضائه. 

قال بحياد ونظراته تقطر أسى «خير يابت أبوي ربنا يعوضكم» 

بكت جليلة مفصحة عن ما أصابهم تُعدد خسائرهم بحسرة وقلب مكلوم «البهايم الي مات مات والي اتاخد اتاخد والخيل هربت وحال يا واد أبوي ما يعلم بيه غير ربنا» 

ظلت ضي على صمتها تستمع بنظرة ساخرة وتراقب بكاء عمتها بتهكم،  التشفي يموج في صدرها. 

هتف فخر متنهدًا ببالغ الحسرة «لا حول ولا جوة إلا بالله» 

عددت جليلة المصائب وعينيها تقطر دموع الحرقة «الراجل الي مطلّع محارب حرامي وباطل كمان حكايته حكاية» 

تدخلت ضي متخلّية عن صمتها تدافع من بين أسنانها بغيظ « والراجل يا عمتي هيتهمه بالباطل ليه؟» 

رفعت جليلة نظراتها النارية لابنة أخيها في صمت غلفته الدهشة، دققت جليلة فيها علها تتراجع عن اتهامها أو تعتذر لكن ضي لم تتراجع بل أصرّت بحدة نظراتها، تؤكد ما قالته وتؤمّن عليه بصمتها. 

قالت جليلة بحدّة وهجوم «جصدك إيه يا دكتورة؟» 

تدخل فخر «مجصدهاش يا خيتي هي بس بتسأل» 

هزت ضي رأسها بنظرة متهكمة مؤكدة قول والدها فأردفت جليلة بنفس الحدّة وهي تزرع نظراتها بنظرات ضي «لاه ده كداب وابن كلب وكانت بته بتشاغل محارب ولما ملقيوش رجا قالوا الي قالوه وعملوا الي عملوه» 

زفرت ضي مستغفرة بضجر شديد بينما قال فخر منزعجًا من اتهام أخته للفتاة وقصفها دون بيّنة «بالله عليكي يا جليلة ما تجيبي سيرة الولايا كلنا معانا ولايا ، اتجي الله» 

قالت جليلة بقسوة « أنت جاي ليه يا أخوي لما مش مصدق؟» 

ابتسم بهدوء وقال ملطفًا الأمر ممتصًا غضبها بحنانه ورفقه «وحدي الله يا غالية أنا جاي أطمن عليكي و آخد بخاطرك  من غير ما أجيب سيرة حد ولا ندخلوا فأعراض» 

لانت قليلًا لمعرفتها بأخيها ورقة قلبه وانعزاله عن كل ما يؤذي ولو بالقول وعفته بعد حادثته، واهتمامه ورقابته لنفسه فيما يقول ويسمع. 

هتف فخر مداعبًا بلطف «واه معندكيش شوية شاي ولا ايه ي أبوي» 

اعتذرت جليلة عن انشغالها ونسيها مضايفتهما «حقك عليا يا أخوي حالا» 

وصاها بلهفة ومحبة صادقة «هاتيلي نجمة الله يكرمك» 

هتفت بابتسامة رائقة «حاضر» 

ما إن خرجت حتى مالت ضي ناحيته وهمست «أختك دي تفجع المرارة» 

ابتسم فخر بتفهم محتويًا لابنته ، رابتًا بالحكمة فوق رعونتها وفوضاوية مشاعرها، يسقيها من نبع حكمته «ولدها يا بتي وعمرها ما هتطلّع ولدها غلطان ولو فيه حاجة عفشة» 

تعجبت ضي من منطقهم، تجادل بلا اقتناع «هو عشان ولدها تظلم وتأذي! » 

أجابها بابتسامة دافئة ولطف محتويًا ، يلملم شعث أفكارها برزانته «قليل يابتي الي هيفكر زي ما بتفكري، بكره تتجوزي وتخلفي ونشوف يا دكتورة» 

شاكسته بمرح وهي تهز كتفها «أنا كمان عيالي مبيغلطوش يا فخر وبسمسم» 

قهقه برضا وهو يجذبها لأحضانه ضامًا يدعو لها بصدق وحنان «يارب يا دكتورة لما نشوف» 

دخلت نجمة بصحبة المساعدة فنهض فخر فورًا تقديرًا ومحبة، سلّم على العجوز بترحاب شديد وتواضع «ازيك يا خالة عاملة ايه؟ والله ليكي وحشة» 

توهجت نظرات السيدة ما إن لمحته تقديرًا لفعلته وتواضعه وترحابه بها «ازيك يا أبو ضي طمنا عليك وعلى صحتك» 

أجابها بلطف «الحمدلله بخير و في نعمة» 

ختم قوله باقترابه من نجمة وضمها لصدره بحنان قائلاً «ازيك يا بتي عاملة ايه وحشاني» 

قالت نجمة بلهفة وهي تتشبث بطوق حنانه المُلقى إليها دائمًا في صوته منتظرًا أن تنجو به «ازيك يا خالي وأنت واحشني جوي جوي» 

مسح فخر على رأسها قائلاً بإطراء ودود مثله «ماشاء الله عليكي تخطفي العين وتمليها بطلتك» 

ضحكت نجمة بعفوية سعيدة بإطرائه بينما نهضت ضي التي كانت تتابع الموقف فخورة بوالدها ، معجبة برقة مشاعره وكرمها الباذخ، لا تعرف كيف يكون بهذا اللطف والود والتواضع «ازيك يا جوجو وحشتيني» 

ضحكت نجمة من وقع المفاجأة تصرخ بانفعال كأنها سيقت للملاهي «ضي أنتِ كمان هنا» 

ضمتها ضي بحنان ورفق قبل أن يجذبونها لتتوسط جلستهم فوق الأريكة، استأذنت السيدة أن تغادر لكن فخر أصرّ حين دخلت جليلة بصينية ضيافة كبيرة «والله لتجعدي معانا وتشربي الشاي» 

تعللت السيدة لكنه أصرّ عليها بصدق «والله لو ما جعدتي وشربتي معانا ما هشرب حاجة» 

رضخت السيدة حينما أذنت لها جليلة بنظراتها، كادت أن تجلس أرضًا لكنه انتفض معترضًا «والله ما يحصل يا خالة عيب، تجعدي زيك زينا» 

ربتت جليلة على ظهرها تمنحها الإذن والموافقة فجلست السيدة فوق الكرسي على استحياء مغرورقة العينين بدموع الامتنان، تناول فخر حبة موز وقشرها ثم قربها من شفتي نجمة مشجعًا بحنان «كُلي يا بابا» 

نهته جليلة بعجب «واه ما تاكل أنت يا أخوي، كمان هتوكلها! أنا جيبهولكم أنتو» 

رمقها بنظرة عاتبة قبل أن يلتفت لنجمة متابعًا بحنان 

«لما أنا موكلش نجمة مين يوكلها حبيبة خالها» 

ضحكت نجمة بتوتر قبل أن تفتح فمها وتأخذ قطعة، ابتسم برضا ثم التفت متناولًا آخر ومد ذراعه به للسيدة 

«خدي يا خالة بالهنا والشفا»

يحثها بلين ويشجعها بحنان «محناش غُرب ولا أنتِ كمان غريبة عننا»

تناولته السيدة داعية «يطعمك ما يحرمك يا ولدي، يملى جيبك ويستر عيبك» 

ابتسم قائلاً بتنهيدة وهو ينظر للفتاتين «ادعيلي يمد فعمري لما أجوز ضي ونجمة» 

أمّنت جليلة خلفه وابتسمت نجمة بينما شردت ضي في ملكوتها بيأس وخيبة تتسرب لها مع الأيام. 

بعد مرور وقت خرج فخر موصيًا أخته «أمانة يا جليلة تبعتيلي نجمة تجعد معانا يومين» 

أوصلته حتى الباب قائلة «حاضر»

استغل تأخر ضي حتى لا يُحرج أخته أمام ابنته ومال ناحية أخته مانحًا لها رزمة أموال في كفها قائلاً «خدي يابت أبوي» 

فغرت فمها متعجبة تطرح سؤالها وعينيها على رزمة الأموال بدهشة «ليه كده يا أخوي!» 

قال بدفقة حنان ومواساة «بتاعك يا بت أبوي والله وده حقك علينا ربنا يعوض عليكم ويخلف بالحلال» انحنت مقبلة كفه بشكر وامتنان فسحبها وربت على كتفها مستأذناً بوداع «مع السلامة» 

لفّت ضي حين حضرت ذراعها بذراعه وخرجت به تستفسر «مكلمتهاش يعني فحاجة يا فخر أمال جيت ليه وجاررني معاك!» 

ضحك يشاكسها «أنا مجرتكيش أنتِ الي شبطتي فيا» 

هزت رأسها قائلة «ماشي يا فخر» تابع إجابة سؤالها 

«مجييش أعتب ولا ألوم يا بتي ولو هعمل كده لا ده وقته ولا أوانه ، عمتك جلبها محروق لو كلمتها هتهلفط زي ما عرفاها وأنا معايزش أكدرها كفاية الي هي فيه» 

قالت «بس أنت لازم تنصحها يا أبوي وتعرفها هي ملهاش غيركم يوجهها» 

ربت فخر على كفها مهدئًا يمتص اندفاعها برزانته

«هعمل كده يا ضي بس لما الأمور تهدا ونارها تبرد ساعتها يمكن تفهم» 

هزت ضي رأسها بيأس وهي تعلّق على أمله بالسخرية «عند أمي يا فخر» 

ضحك فخر قائلاً «صُح عند أمك وعند أمي كمان» 

قاسمته الضحك وهما يكملان سيرهما في القرية يثرثران، كان ترحاب الناس به ومحبتهم له مدعاة للفخر به ومجلبة لراحة النفس والغرور، تسير جواره سعيدة منتشية كطاووس حتى وصلا. 

************

هبطت غادة درجات السلّم فزعة تحمل صغيرتها بين ذراعيها بإنهاك وهي تصرخ باستنجاد «حد يلحقني» 

من الباب المفتوح خرجت تهرول مبدلة نظراتها ما بين الصغيرة والطريق، ترك جراح من يحادثه وهرول ناحيتها يسأل بقلق «في ايه؟» 

قالت بانفاس متقطعة وهي تنظر للفتاة «سيلا تعبانة خالص» 

تناولها جراح بسرعة من على ذراعيها وركض بها ناحية السيارة، ترك غازي ما بيده وتبعه يستفسر «في ايه مالها البنت؟» 

هتف جراح بقلق وخوف «مش عارف بس تعبانة أووي وجسمها سخن» 

بسرعة قفز غازي فوق الموتور خاصته مناديًا «تعالى هنا أسرع» 

عاد جراح بالصغيرة وصعد خلفه فلحقت بهما غادة معترضة«عايزة أروح معاكم» 

أجابها غازي «مش وقته هنروح بيها بسرعة وبعدين نكلمك تيجي» 

تشبثت بملابس جراح رافضة فصرخ بها دون وعي «مش وقته بيقولك لازم نمشي بالبنت» 

استحسن غازي في نفسه ما فعله جراح وسأله «هنروح فين؟» 

أجابه وهو يضم الصغيرة لصدره بحنان وعطف «في وحدة صحية أول البلد» 

قاد غازي بأقصى سرعة حتى وصل المكان، ترجل جراح بالصغيرة وركض ناحية الوحدة الفارغة في هذا الوقت، اقتحم أول حجرة كشف قابلها وغازي خلفه «الدكتورة فين» 

نظرت إليه منتفضة من مكانها، تجمد لسانها داخل حلقها وهي تراه أمامها تسوقه الأقدار إليها دون جهد منها، لجّمتها المفاجأة فحثها وهو يحاول انعاش الصغيرة «تعالي شوفيها لو سمحتي» 

تشوشت رؤيتها وغاص قلبها في صدرها، سارت مترنحة تهزها أيادي الأفكار المتشعبة حتى وصلت إليه، حثها مرة أخرى فاقتربت ودموعها تنساب بينما جسدها يرتعش،عاينت الصغيرة وفحصتها دون تركيز وبتشوش واضح جعله يهتف غضبًا «ما تركزي»

رفعت له عينين ذبيحتين بالألم مخضبتين باليأس ففطن لهويتها رابطًا بين المنتقبة التي طاردته والتي تقف أمامه مرتعشة لا تسيطر ولا تتحكم في نفسها. 

وقف مشتتًا عاجزًا لثواني قبل أن يفيق ويحمل الصغيرة بين ذراعيه مستفسرًا بجفاء «مفيش غيرك هنا ولا إيه ؟» 

راقب غازي الصغيرة الهالكة فصاح بجزع «في دكاترة هنا ولا لا؟» 

من الحديقة الخلفية أتت احدى الممرضات مهرولة تسأل عن سبب صراخهم، فقال«عايز دكتور أطفال» 

نقّلت الممرضة نظراتها بينهم وبين ضي الواقفة ترتعش بنظرة مسلّطة على هذا الواقف، صرخ من جديد فانتفضت قائلة «العمارة الي جنبنا في دكتور تعالوا معايا»

سارت الممرضة أمامه وهو يهرول خلفها حتى أتاه سؤالها المفجوع الذي يتوسط شهقاتها فأوقفه«بتك دي» 

وقف مكانه مغمض العينين يهمس باسمها في شجن «ضي» قبل أن يتجاهل سؤالها ويتجاهلها مغادرًا لوجهته. 

لم تكن كليلى واثقة عملية جامدة في بعض الأحيان، بل هشة أي ريح تحركها من مكانها، لمشاعرها دائما القيادة والسيطرة، جلست في الحجرة شاخصة البصر لا تصدق أنه كان أمامها منذ دقائق يحمل صغيرته، كانت ليلى على حق ربما كانت لا تعرف هل عاد من انتظرته أو لم يعد. 

حين رجعت وقبل أن تدخل منزلها عرجت إلى منزله، فتحت الباب ودخلت متلحفة بالعتمة، جلست فوق الأريكة القريبة صامتة حزينة وبائسة يلفها وجوم غريب لوقتٍ ثم نهضت ماسحة وجهها تحاول العودة للواقع، أضاءت المصباح القريب ثم أخرجت من حقيبتها ورقة وقلم  وضعتهما أمامها وخطّت «صفية بخير وزي الفل يا فاروق ربنا رزقها ببنوتة زي القمر هتسميها مكة»

تذكرت ماحدث وتساءلت داخلها تُرى ما اسم صغيرته هو؟ كأن السؤال نصلًا اخترق عمق القلب فشهقت تبكي بحرارة لا تصدق أنه فعلها، ألهذا استقر بعيدًا ؟ هل أحبها؟ ولما العجب وقد كان ينتوي فعلها قبل غيابه ويستعد ليُدخل أخرى حياته. 

مسحت دموعها وعادت للكتابة «صورتهملك وطبعت الصور يا فاروق علشان تحتفظ بيها كتبتلك علشان لما تيجي تطمن تلاجيهم» 

طوت الورقة ووضعتها فوق الطاولة وبجوارها وضعت الصور المطبوعة ثم أطفأت المصباح وخرجت و في نيتها ألا تعود. 

جاء بعدها، دخل المنزل من النافذة منتظرًا لها والقلق يزحف داخل عقله كثعبان ملتهمًا راحته، تفقد المنزل على ضوء هاتفه، ابتسم متذكرًا كل ركن وكل ذكرى سقط الضوء فوق الطاولة فأبصر ما سربله الظلام، اندفع بلهفة ناحيتها، وضع الهاتف الصغير بين أسنانه موجهًا ضوئه ناحية الورقة ثم أمسك المظروف وفضّه بانتظار، رفع الصور لعينيه بلهفة مدققًا فيها معبرًا عن دواخله بالهمس الخافت «كبرتي يا صفية، مكة شبهك جوي» 

قرّب الصور مقبلًا  بشجن وهو يعتذر لها كثيرًا عن غيابه، ممتن هو لقلب ضي ورقة مشاعرها التي هدتها لفكرة الصور، احساسها المرهف به ومنحها له هذه الهدية التي لم يتوقعها أو تأتي في عقله، كيف له أن يشكرها؟ أن يرد لها معروفها معه، بحث عن قلم فلم يجد ، بعدها خرج معميًا بغضب لا حد له وقهرٍ أعمى بصره وبصيرته. ،قرر أن لا يؤجل أمر محارب بل سيفرغ فيه طاقة الحزن كاملة ، سيذيقه بعضًا من عذاب قلبه فهو أولى بذلك، سيؤدبه على جرمه الآن قبل أن يبرد قلبه ، فمحارب يستحق أن يحرق بتلك النيران، انتظره داخل سيارة نصف نقل لا يُجيب اسئلة بريزة ولا يوليه اهتمامًا محبوس داخل أفكاره وماضيه لا يرى إلا صورة أخته التي حُرم من مشاركتها فرحتها، رأى محارب يخرج لكن ليس وحده بل بصحبة فتاة، انتظر حتى سار في الطريق المظلم وبعدها خرج من سيارته بنوايا مظلمة كأيامه، هجم عليه من الخلف، لفّ ذراعه حول عنق محارب وجره للخلف، غير مبالي أو منتبه لتلك التي شعرت بالخطر فدارت حول نفسها تنادي بجزع «محارب» 

دارت معركة حامية بينهما لم يتحدث فيها ضبع ولو لمرة واحدة،صرخت نجمة بقوة حين وصلها أنين محارب فتركه ضبع مقررًا العودة للسيارة، اصطدمت به أثناء ركضها العشوائي ودورانها حول نفسها فأمسكت بملابسه تصرخ بقوة مستدعية من حولهم، كمم فمها حين شعر بالخطر وهو يهمس «بس متخافيش»

ارتخى جسدها بين ذراعيه فعلم أنها فقدت الوعي، حملها بين ذراعيه وعاد بها للسيارة،أدخلها فسأله بريزة بهلع «ايه ده مين دي؟»

صرخ فيه ضبع وهو يرى الناس تقترب منهما متفقدة «غور يلا بسرعة من هنا»

امتثل بريزة لأوامره وغادر بسرعة قبل أن يتم الإمساك بهما. 


+




مكثت في حجرتها بعد ما حدث جامدة لا تبكي وتنوح كالمرة السابقة بل تحاول استيعاب تلك المفاجأة وتتقبلها تمررها على قلبها الممتلئ بحبه وعقلها المشغول بذكرياته على الدوام، حتى دخلت نور الحجرة مندفعة على غير العادة تصيح «نجمة اتخطفت يا ضي»

*********

حضرت قمر تلك الجلسة العائلية مرغمة،دائما ما تنعزل رافضة المشاركة لكنها تضطر أحياناً لها مخافة السخط ولؤم الكلمات وضجر والدته،لا تريد ثرثرة فارغة توجّه إليها حين تتقابل مع أخوته، أو عتاب ليس في محله إطلاقًا لذا جاءت تسد الأفواه بحضورها من ناحية ومن ناحية أخرى تتصيد فلتات ألسنتهم عما يدور خلف ظهرها، استمعت بلا وعي أو حضور، تنتبه فقط لما يثيرها وتريد معرفته مكتفية بابتسامة باردة لا تشاركهم الثرثرة وتجيب قدر السؤال، لا تنقاد حين يجذبونها للحديث بل ترد باقتضاب ونظرة متعالية تسببت في إحاطتها بسياجٍ من النظرات النافرة الممتعضة، جذب انتباهها رشيد الذي يترك كل هذا ويجاور صغار اخوته أرضًا في عفوية أزعجتها ورسمت الضيق على ملامحها، تبغض تصرفاته تلك حين تصبح مادة لفكاهتهم وتندرهم السمج والتي يصر رشيد على حصرها في خانة المداعبة والعادي بينما هي لا تره إلا سخرية منه ومن أفعاله «احنا مبنلعبش معاهم كدك يا رشيد» 

«بتعرفهم كل الألعاب والأغاني الي حفظتهالنا الحاجة زمان» 

«كله كوم وحكاياتك يا رشيد كوم تاني بتجيبها منين صحيح؟» 

تابعت والدة رشيد نظرات قمر المشتعلة بصبر ثم قالت بمصمصة شفاه متحسرة «عيني عليك يا ابني وعلى حظك» 

نهضت قمر مستأذنة تتعلل بصداع أصاب رأسها فجأة، هزوا رؤوسهم ممتنين للصداع الذي خلصهم من صحبتها الخانقة وثقل حضورها على أنفاسهم متنفسين براحة كبيرة بعد مغادرتها، تركها رشيد دون تودد ككل مرة أو محاولة لإبقائها مدة أخرى، أشاح متجاهلاً ، في داخله رغبة في عدم الإنصياع لها والمغادرة فرحلت عاصفة ونال هو رضا والدته ، تنهد بأسى وهو يشيّع ذهابها قبل أن يعود لملاطفة الصغار ومشاركتهم اللعب. 

حين غادر الجميع وتركوه وحده وجد في نفسه رغبة بعدم الصعود لها، ليس في مزاج يسمح له بتقبل لومها وتقريعها ، يحتاج لفراغ وصمت، ليأتيه اقتراح والدته «بقولك إيه يا رشيد؟» 

ابتسم قائلاً «قولي يا حاجة» 

لمعت عيناها وهي تقول «ما تتجوز يا حبيبي وتجرب حظك تاني» 

قهقه قائلاً «اجربه إزاي يعني؟» 

قالت بنبرة حماسية منطلقة بالأمل «يمكن تخلّف وربنا يكرمك بحتة عيل» صمت فتابعت بأسى «قلبي بيتقطع عليك وأنت بتلاعب عيال أخواتك وتهتم بيهم» 

ربت على كفها قائلاً «عيال أخواتي زي عيالي يا حاجة مفيش فرق» 

اعترضت بعصبية «زي بس مش عيالك يا رشيد» 

صمت بإنصات وتقدير رغم أنه حديث مكرر وجدل عقيم لا يُنجب منفعة ككل مرة فتابعت مستغلة إنصاته ظنًا أنه يقلّب الأمور في عقله «العمر بيجري يا حبيبي اتجوز يمكن النحس يتفك» 

ضحك قائلاً «هيتفك إزاي يا حاجة بس ما أنتِ عارفة الي فيها وإن الدكاترة قالولي مفيش أمل دا كتر خير قمر بقا على كده!» 

أشاحت بامتعاض تستغفر بخفوت قبل أن تلتفت له قائلة «كتر خيرها إيه يا ابني هي دي لو مع حد غيرك كان اتحملها يوم ولا صبر عليها بغرورها وقلة أدبها دي» 

قال بنظرة ممتنة يعارض والدته في قولها مدافعًا عن زوجته «هي تبان كده بس طيبة وبنت حلال يا حاجة ولما عرفت العيب مني مجرحتنيش بكلمة ونسيت الموضوع كله ورضيت بالنصيب، لو واحدة غيرها كانت طلبت الطلاق واتجوزت وخلفت» 

لم تتبدل ملامح السيدة بل ظلت محتفظة بالدهشة والغيظ وحين انتهى هتفت زافرة بقنوط «قوم اعملنا طبق محشي نتعشى يا رشيد مفيش فايدة يا ابني دي لو سحرالك مش هيبقى كده» 

****

(رضوان _ فاروق ٢٠١٥)

جلس مكبلًا بأغلال الذكريات يتطلّع إليها من نفق ضيق بالكاد يتنفس فيه، حلمه سيصير في عداد الذكرى الحلوة التي تجاورها ابتسامة حنين حين يتذكرها، و غدًا تصبح ضي ذكرى مهلكة لروحه ويصبح هو عدمًا، منسي في عداد الموتى الأحياء ، ينفق أيامًا وليالي دون معنى، غدًا تذوب ضي كالأحلام الهشة ، فإن كان الفراق مُحتمًا لما لا يبدأ هو؟ وينسحب رويدًا رويدًا من حياتها حتى يعتاد فراقها قبل أن يأتي، ضي إدمانه الخاص الذي يبحث له عن دواء، يشفق على نفسه وعليها من الآن لما لا يشفق عليه أحد؟ لما لا ينظرون لضعفه بعين الرأفة والرحمة وليُتمه بعين الإنسانية؟ لما يحمل أثقالًا ليست له ويسير بها الطريق؟ 

منذ اتخاذه القرار بالانسحاب من حياتها وهو يلملم الذكريات ويحتفظ بالضحكات ككنز ثمين، يجوب طرقات عقله مفتشًا عن مواقفهما وضحكاتهما ليجمعها في ألبوم خاص يمكنه الرجوع إليه دائما، لن يترك ذكرى واحدة تتسرب أو تهرب ، سيقبض عليهم جميعًا فهي من ستعينه على القادم. 

فاق على صوت فاروق «رضوان» 

أجابه وهو يتناول كوب الشاي ويرتشف منه «ها» 

قال فاروق بجديّة وهو ينظر إليه «تعالى نتكلم بصراحة و جد شوية» 

سخر رضوان منه «أنا حياتي كلها جد يا فاروق الهزار ده رفاهية مش للي زيي يا صاحبي» 

تغاضى فاروق عن قوله وقال بنظرة مشتعلة «حلمك تمنه غالي متخليهوش يروح كده ببساطة، لاه اقبض التمن» 

انتبه له رضوان يستفسر وقد حاز فاروق على انتباهه «جصدك ايه؟» 

أجابه فاروق بجدية قاسية خدشت صورة فاروق المهزار التي داخله«يعني تتغير يا صاحبي، نلعب لعبة حلوة مش هتطلع منها خسران بإذن الله» 

سأله رضوان بانتباه «مش فاهم يا فاروق» 

أجابه فاروق وهو يستند بساعديه فوق طاولة المقهى ويميل قائلاً بخفوت «غيّر معاملتك ليهم جرّب تمشي مع التيار مش عكسه وحط أعصابك فتلاجة لغاية ما تاخد حقك» 

ضيق رضوان حدقتيه فأردف فاروق «خليك بارد يا صاحبي لا كلمة تهزك ولا نظرة عين تأذيك» 

زفر رضوان قائلاً «فهمتك يا فاروق» 

ابتسم فاروق وتابع بدهاء «قرّب من جدك خليك جنبه وتحت طوعه متفارقوش حتى لو طلب، تحضر قبل الكل وتمشي آخرهم، تهتم بكل الي يخصه قبل ما يطلب تكون قدامه» 

ابتسم رضوان باستخفاف وقال «ولو محصلش الي عايزه؟» 

أصدر فاروق صوتًا بفمه علامة الرفض ثم قال بنظرة ثاقبة «مش هتخسر أكتر من الي خسرته بس أنا متأكد إنك هتنجح» 

سأله رضوان بحزن «ليه متأكد؟» 

أجابه فاروق بمكر «جدك موجوع من أبوك وحسب علمي إن أبوك كان أحب عياله ليه وأقربهم منه، اعمل الي معرفش يعمله أبوك واركن دلوك مشاعرك ومبادءك على جنب ، نافق لو احتجت ، اظهر عكس الي جواك مش مهم، استغل القديم لصالحك ،المهم تعلّم عليهم كلهم » 

أجابه رضوان بخواء وفراغ داخلي «ماشي» 

تابع فاروق بجدية «من حلم واحد نقدر نعمل أحلام كتير يا صاحبي، حلم ضاع اسعى لغيره مش النهاية  وركز مع فتحي شوية» 

ابتسم بسخرية قائلاً «فتحي فحاله ومع نفسه لا بيضر ولا ينفع» 

قال فاروق بثقة «فتحى الطريق لدخولك البيت يا رضوان، علاقتك بيه هتخليك تدخل وتطلع وتعرف تشوف ضي بسهولة» ختم قوله بغمزة 

فسأله رضوان بإحباط «وهستفاد إيه بشوفتها بعد ما نتفرّق» 

أكد فاروق قوله بثقة «هتحتاج صدقني وابتدي حسّن علاقتك باخواتها خليك متشاف وحاضر» 

ارتشف رضوان آخر كوبه قائلاً «ماشي» ثم مال ناحية صديقة طالباً «معاك سيجارة؟» 

هتف فاروق بنظرة ممتعضة ساخرًا منه «أنا بقولك اتغير مش اشرب سجاير انت هتصدق نفسك ولا إيه جوم ياض يلا نمشي» 

ضحك رضوان وهو ينهض معه عائدين لمنازلهما. 

*********

هبطت والدة فاروق الدرج الطيني البسيط المدعم بألواح الخشب تتساءل وهي تتطلع لابنتها الجالسة بين الفراخ الذي ينقر الأرض حولها 

«منين الحجاب الحلو ده يا صفية؟» 

وضعت ما تحمله واقتربت من زير المياه تأخذ حصتها في كوب المونيوم نظيف تحرص على تلميعه جيدًا  ، ارتبكت صفية ونظرت حولها مفكرة تتذكر تنبيه فاروق لها، شعرت بنظرات والدتها تحاصرها فقالت «فاروق يا أما» 

سألتها والدتها وهي تجلس جوارها في صحن الدار «والكتب والتوك جبهالك كمان؟» 

هزت صفية رأسها بتأكيد قبل أن تتوسلها «متزعلهوش يا أما» 

دخل فاروق راميًا السلام بابتسامة دافئة ونظرة لامعة مستريحًا بينهما من عناء السير، هتفت والدته معاتبة «كده يا فاروق أديك الفلوس تروح تجيب بيها لصفية؟» 

أمسك كفها وقبلها قائلاً «أنا عندي كام صفية يا أما لو جولتلك مش محتاجها مكنتيش هتصدقي، صفية بتطلع وتروح وتاجي مع البنتة هي أولى يا أما باللبس الحلو والحاجات الحلوة» 

عاتبته والدته بحنان «يا ولدي ما الجامعة هتفتح وهتحتاج لبس أنت كمان وبتطلع مع أصحابك يمكن فيوم تتعذر وتعزم حد على كوباية شاي في القهوة» 

ابتسم قائلاً وهو ينظر للدجاجات أمامه «أصحاب مين مفيش غير رضوان وده غلبان مالوش فحاجة ولا بتاع قهاوي» 

سألته والدته باهتمام كأنها للتو تذكرت «طمني يا فاروق صح عمل ايه فالتجديم؟» 

نهض متجهاً ناحية زير المياه أخذ حصته في الكوب وهو يقول «ولا حاجة عايزينه يروح تجارة وهيروح» 

مصمصت شفتيها قائلة بحسرة «عيني عليك يا ولدي ربنا يهديهم عليه» 

ترك فاروق الكوب واقترب رافضًا «ادعي نزرعلهم صبار مش يهديهم» 

ضحكت السيدة فجلس ببنهما موجهاً كلماته لصفية «ها اية رأيك فالقصص يا صفية» 

قالت بإعجاب وهي لاترفع نظراتها النهمة من على السطور «حلوة جوي يا فاروق» 

قبّل رأسها واعدًا بحنان «خلصيهم وأجبلك غيرهم كتير» 

قالت بحماس شديد «حاضر» 

راقبتهما والدتهما بمحبة وشغف قبل أن توصيه داعية بحنان «ربنا يخليكم لبعض وما يحرمكم من بعض أبدًا، خلي بالك من صفية يا فاروق وإياك عينك تغفل عنها» 

قال بحنان «ويخليكي لينا يا ست الكل وميحرمناش منك متخافيش على صفية » 

سمع مناديًا ينادي فانتفضا يستمعان بإنصات واهتمام، عبس فاروق حين عرف هوية الميت، بينما قالت السيدة وهي تنهض من مكانها لتستعد «يا عيني ده علي ! الواد لسه صغير وأمه جابته على شوقه،صبرها يارب» 

جل ما يخشاه أن يطلب والده منه أن يتولى الحفر ودفن الصغير ، هذا ما لا يتحمله ويشق على نفسه، لكن والده لا يتفهم مشاعره تلك بل يقابلها بالسخرية والتوبيخ والرفض. 

في نظره هذه مهمة صغيرة بحجم الميت إن لم يفلح فيها لن يفلح في أخرى، نهض عازمًا على الهروب لكن دخول والده العاصف كان أسرع من نيته «يلا يا فاروق جهز نفسك» 

حاول التملص من قبضته والتعلل فنظر إليه والده زاجرًا يمنع حجته من الظهور ويقيدها بالإجبار. 

امتثل رغمًا عنه ، أبدل ملابسه وغادر بقلب يتمزق، أنهى المهمة سريعًا وبعدها رحل حاملًا الناي صديق تلك الأوقات والداعم وقت الانهيار. 

ما إن سمع رضوان عزفه حتى لفّ الشال حول عنقه استعدادًا للخروج وملاقاته، معزوفته الحزينة هي استدعاء فوري هكذا يتعامل هو معه حين يعزف، سألته والدته «رايح فين دلوك يا ضنايا؟» 

أجابها بحزن انتقل إليه من معزوفة الآخر وسكن داخله «رايح لفاروق يا أما» 

قالت بعجب مستنكرة خروجه في هذا الوقت من الليل «دلوك يا ضنايا؟» 

قال بلا مبالاة  «يعني هيحصل ايه يا أما» 

عاجلته بالرفض والجدال «لاه خليك الصباح رباح» 

أصرّ بعناد وهو يفتح الباب استعدادًا للرحيل «لاه يا أما مش هينفع» 

ودعها ورحل، سار في الطرقات الترابية المظلمة حتى وصل إليه في مكان يعرفه ، يأتي النداء منه دائمًا، خلف منزله أسفل شجرة عتيقة يجلس فوق مصطبة أسمنتية مفروشة بكليم قديم متهالك جواره قارورة مياه محاطة بخيش بني للاحتفاظ ببرودتها من حرارة الجو، على الأرض توجد راكية تتوهج استعدادًا لبدء الأمسية، جلس رضوان جواره بصمت لا يحب أن يقطع عزفه بل يستمتع به حتى ينتهي منه... 

حين أنهى فاروق مقطوعته فتح عينيه قائلاً «عايز أمشي من هنا» 

أصاب الجزع نظرات رضوان التي توجهت إليه فورًا باستفسار «عايز تروح فين؟» 

هتف فاروق وهو يترك المصطبة ويتجه ناحية حبل يتدلى من أحد الفروع الضخمة «أي مكان محدش يعرفني فيه ولا أعرف حد» 

حرّك فاروق الحبل فتدلى زنبيل من الخوص(مقطف) فتحه وأخرج براد صغير وعبوتين من الشاي والسكر وكوبين زجاجيين و ملعقة صغيرة وعلبة بلاستيكية بها بعض حبات البسكوت، وضعهما فوق المصطبة وشرع في إعداد الشاي فوق الراكية .

جاوره رضوان بالأرض قائلاً «كنت أولى أنا أسافر لو فيها سفر» 

قال فاروق بنظرة لامعة «أخلّص بس السنتين الي فاضلين في كلية الآداب وبعدها أشوفلي عقد عمل فأي مكان وأهج بقا يا صاحبي» 

صمت رضوان مطأطأ الرأس فابتسم فاروق قائلاً بحماس «استقر بس هناك وابعتلك» 

ضحك رضوان مستهزئًا «مش لما تروح الأول يا فاروق» 

هبت بعض النسمات الباردة فاستنشق فاروق الكثير ثم زفره قائلاً «شامم ياض الهوا الي بريحة الأموات والشاي» 

ضحك رضوان قائلاً «شامم يا أخويا» 

صبّ فاروق الشاي في الكوبين الزجاجيين وهو يقول «عايزين نجيب قهوة يا واد يا رضوان ونجربها» 

ارتشف رضوان من كوبه الساخن بعدما نفخ فيه «هتطلع أحلى من الشاي؟» 

أجابه فاروق بفلسفة «كل حاجة ولها طعمها يا صاحبي المميز الي يسحرك» ابتسم رضوان موبخًا «اخرس يا فاروق ومتتفلسفش فكل حاجة عيشها ببساطة» 

هتف فاروق بتعجب «أكتر من كده بساطة دا أحنا وسط الأموات لولا الكهرباء كنت شوفت العفاريت بيرجصوا حوالينا دلوك ومستنيين تعزم عليهم بالشاي» 

ضحك رضوان قائلاً «طيب متخوفنيش الله يكرمك مش ناجص» 

أكد فاروق «على رأيك كفاياك الشياطين الي فالبيت» 

************

في بيت نبيل كانت ليلى تدور حول نفسها ثائرة لا تهدأ ولا تَكلّ، تصرخ أحيانًا رفضًا لما يحدث متوعدة أخيها بالنبذ والهجر إن رضخ وتنازل عن حلمهما، حاول نبيل تهدأتها «يا بتي اهدي شوية» 

وقفت قائلة بقهر «اهدا كيف يعني؟ دا شكله هيوافق ويستسلم» 

تنهد نبيل قائلاً «غصب عنه مش بايده معندوش حل» 

صاحت برعونة «لاه في حل يشتغل ويساعد نفسه، يمشي من عندهم ويسيبهم» 

هتف نبيل بعجز «المصاريف تجيلة عليه يا بتي» 

جلست متعبة تسأل بقهر «هنسيبه يا أبوي كده!» 

قال الرجل بانكسار عاجز «والله يابتي على يدك المعاش يادوب مكفينا وعارض قيراطين أرض للبيع عشان مصاريفك الجاية» 

صمتت بأسى فابتلع نبيل ريقه وقال ناصحًا بحنو «متصعبيهاش عليه يا ليلى وتضغطيه هو فيه الي مكفيه» 

بكت وهي تدعو الله بحرقة على من كان سببًا في كسر خاطرها وخاطر أخيها. 

************

بعد مرور أربعين يومًا

وقفت سيارة كبيرة أمام بوابة المنزل الخارجية مما اضطره لإصدار إشارة توقف عن لعب الكرة لزملائه حتى لا يفوته شيئًا أو ينشغل برؤية القادمين، جلست جوار والدها ملتصقة به قريبة من باب السيارة حتى تترجل أولًا بلهفة ملأت صدرها بالأنفاس، الأنفاس التي تجمهرت في صدرها تتسابق في العبور والخروج  كلما حانت لحظة اللقاء المرتقبة، ربت والدها على ظهرها بحنو بالغ شاعرًا بمعاناتها متفهمًا لما يحدث معها ، فهذا هو نصابها من التعلق بابن أخيه وزينة مشاعرها التي طُمرت خلال أربعين يومًا كاملة، ما إن وقفت السيارة حتى سبقتهم بالترجل، فتحت الباب وقفزت واقفة تبحث بعينيها في المكان، وقف مكانه متسمرًا عينيه تسبقه اللهفة في تفرسها، قلبه يقرع كالطبول في صدره من شدة المفاجأة، أما حروف اسمها اللحظة فكانت أثقل وأضخم بعمر الغياب من أن تحملهما الشفتين، جاءت معذبته أخيرًا بعدما نفذت طاقته.. 

هرولت ناحيته متناسية أمر من تبعوها بالترجل، وقفت أمامه تنهل من ملامحه وصدرها يعلو و يهبط بانفعال، ابتسم لها رغمًا عن عناد عقله وقيود مواثيقه وعهوده التي أخذها على نفسه في غيابها بعدم التقرب منها والابتعاد، ابتسامة هربت من جفائه المتعمد وهرولت ممسكة بيد نظرة فريدة مملؤة بالشوق الجارف، ابتسمت مثله وقد وصلتها تحيته رغمًا عنه، تخطاها دون كلمات وهذا ما أثار دهشتها فعينيه تحكي قصة غير التي سردها بتجاوزه وتجاهله لها، وقف على مقربة من السيارة ينظر لعمه بتردد مكتفيًا برؤيته سالمًا يتفحصه بنظرة شوق كبلها التوتر والخشية من الاقتراب، رآه عمه فوقف مكانه رافضًا الانصياع لأيادي زوجته، متجاهلاً حثها الرفيق له بالسير، تأمله بحنان وابتسامة مشرقة قبل أن يفتح ذراعه الشاغرة مناديًا بلطف ماحيًا تردده بمودته «تعالى واجف ليه عمك موحشكش ولا إيه» 

اندفع تاركًا الكرة، عانق عمه حامدًا الله على سلامته فربت عمه على كتفه شاكرًا، بكل حذر سلّم على سحر «ازيك يا مرت عمي حمدالله على السلامة» 

أشاحت سحر بترفّع تبادله تحيته بنظرة اشمئزاز وكراهية كأنه أشهر في وجهها سيفًا، أخفض رأسه بأدب مبتعدًا عنهما فنادت سحر على الواقفة «بت يا ضي همي عالبيت» 

جرّت ساقيها جرًا بخزي ناحية المنزل تتلفت ناحيته كل دقيقة بخذلان، تستعطفه بنظراتها الوديعة العفوية وترجوه أن يتراجع عن جفائه وتسأل عن سبب هذا الخصام، تابعها حتى اختفت ثم عاد لمنزله يخبر والدته بعودة عمه. 

لاحظت والدته صمته الحزين وانكسار نظراته فسألته مداعبة «مشوفتش صاحبتك ولا ايه؟» 

قال بحدة كأنما يذكّر نفسه قبلها «لاه ومش عايز أشوفها يا أما كل واحد فحاله لا أنا ناجص مصايب ولا هي» 

فغرت فمها مستنكرة تجلده بالنظرات «واه ليه كده» 

نهض قائلًا بحدة «عشان كله يرتاح يا أما» 

قالت صبر رافضة «ريّحتهم فتعليمك هتريحهم كمان فدي يا ولدي! لاه يا رضوان متعملش كده وتكسر خاطر البت الغلبانة» 

قال بعناد وقلبه تعتصره قبضة الفراق «وخاطري أنا يا أما؟» 

واسته بنظرتها الحنونة قبل أن تضمه لصدرها قائلة بتوجيه مدافعة عن الصغيرة «وايه ذنب الغلبانة دي ؟ دا مفيش حد هيلملم خاطرك المكسور غيرها» 

هتف بصوت متحشرج «افهمي يا أما هما عايزين كده وأنا تعبت، أمها مش هتسيبني فحالي وأولها إنها خدتها وبعدتها» 

قطع حديثهما همسًا خجولًا باسمه «رضوان» 

نظر إليها بعذاب وقلة حيلة قبل أن ينسحب لحجرته هارباً منها ومن نفسه، تتبعته بنظراتها الملهوفة حتى غاب ثم عادت بنظراتها الممزقة بسيف الجفاء لصبر التي استقبلتها فاتحة ذراعيها تدعوها بحنان لأحضانها، هرولت محتمية من قسوته تستغيث بمودتها، وتشكوه. 

ظلت نظراتها معلقة بباب الحجرة زمنًا طويلا على أمل أن يتراجع ويعود حتى تهنأ برؤيته بعد غياب طويل جاعت فيه لملامحه ، لكنه ظل متشبثًا بعناده حتى غلبها اليأس ورحلت كسيفة البال تجر ساقيها جرًا مختنقة الصدر بالرفض تغشى نظراتها سحابة من الدموع

*********

ثار والدها حين علم بتقديم رضوان لكلية التجارة، أعلن رفضه التام للأمر فأجابوه بأن هذه هي رغبته وقراره وليس لهم دخل فيه، شاركت والدها الحزن والعزاء لكنها على علم بالأمر مسبقًا وتعرف تدابير الجميع كلها، كادت أن تفضي له بكل شيء لكن تعبه وسقوطه بعد نوبة غضبه جعلها تتراجع محتفظة بالسر…استغلت انشغال والدتها بتعبه فدخلت حجرتها وسحبت من خزانتها علبة بلاستيكية وضعتها داخل حقيبة بلاستيكية سوداء وغادرت فورًا. 

دخلت منزل خالها  راكضة تحتضن شيئًا بين ذراعيها،

وقفت في المنتصف لاهثة من شدة السير والانفعال وإجهاد نفسها في التفكير،لم تحسب حساب لوجوده هو وفاروق لكن لا ضرر، انتفض رضوان في مكانه دون حركة مخطوف البصر والقلب تعلقت نظراته بها واسمها يقف فوق شفتيه ولا يُطرد، لم يندفع كعادته نحوها أو يستقبلها بابتسامته بل ظل متجمدًا مكانه يصارع رغبته وما أخذه من عهود على نفسه بعدم الاقتراب منها مجددًا، اقتربت منها ليلى مستفسرة عن سبب مجيئها وهيأتها الغريبة ووهنها الشديد «خير يا حبيبتي فيكي إيه؟» 

نظر إليها فاروق بشفقة متمنيًا لو تحرّك رضوان ناحيتها خارقًا العهود والمواثيق خاصة بعدما رأى حاجة الصغيرة إليه وحده ونظراتها البريئة التي تستعطفه بلوم وتعاتبه ببراءة على نبذها، أشار لها خالها بحنو«تعالي يا ضي» 

تقدمت متعثرة في خجلها البريء، تنظر لأصدقائها بتوتر واضطراب قبل أن تكشف عن برطمان زجاجي كانت تخبئه في كيس بلاستيكي أسود، استفسر خالها بدهشة«ايه ده يا ضي؟» 

فتحت البرطمان الزجاجي وسكبت ما به من أموال في حجر خالها قائلة بصوت مبحوح مرتعش ببوادر بكاء «فلوسي يا خالي..» 

اقتربت ليلى مستفسرة «منين دي يا ضي وليه جيباها» 

التقطت أنفاسها وهي تمسح خديها من آثار البكاء قائلة «فلوسي محوشاها من الدروس الي مكنتش باخدها و....» صمتت مترددة لا تمنحه نظراتها محققة له أمنيته في الابتعاد، تعينه على ذلك بإعراضها عنه « مروحتش ولا درس أمي اتفقت عليه بس كنت باخد الفلوس وأشيلها فحصالتي مع مصروفي » 

نظرت للأسفل بخجل فسألها خالها «وليه جيباها يا بتي دلوك» 

رفعت نظراتها المهزوزة لخالها معترفة له وهي تمسح دموعها المتساقطة «عشان رضوان.. عشان كنت بحوشهاله هو ادهاله لإن هو الي بيشرحلي الدروس ويذاكرلي ، متخليهوش يا خالي يسمع كلامهم ويروح الكلية الي مش عايزها خليه ياخد الفلوس دي» 

ابتسم فاروق بإعجاب حاني بينما ضمتها ليلى بحنان، وحده وقف مضطربًا يصارع أفكاره ورغباته يحملق فيها غير مصدق ما تقوله وما فعلته لأجله، قال خالها بحنو وهو يفتح ذراعيه لها «تعالي» 

اندفعت لأحضانه مستسلمة تتنهد براحة قليلاً ثم ابتعدت عنه فأحاط نبيل وجهها بكفيه قائلاً «جدعة يا ضي بس الكلام ده تجوليه لصاحب الشأن» 

قالت بأسف رقيق كمشاعرها «سمع كمان كلامهم فدي يا خالي ومعادش عايز يكلمني، تصدق مسلمش علي لما رجعت» 

تساقطت دموعها بحرقة متأثرة بفعلته معها وهروبه منها وتجنبه الدائم لها حتى ذبلت وانزوت، ربت نبيل على خدها مازحًا «فدي معاكي حق أنا هشدلك ودانه وأعاقبه» 

قالت بكبرياء تبادله الزهد بالزهد وهي تنهض واقفة «عادي يا خالي مش مهم» 

استدارت للمغادرة رافضة توسلات ليلى لها بالبقاء دون أن تمنحه نظرة واحدة، غادرت بعدما استأذنت مودعة لهم فجلس هو و فاروق يظللهم صمت ثقيل ، لملمت ليلى الأوراق النقدية ساخرة «طيبة ضي فاكرة دول يعملوا حاجة» 

قال فاروق وهو يهز رأسه معجبًا بموقف الصغيرة مشيدًا به «الإحساس لوحده كفاية يا ليلى لو طلع بيها هي بس من العيلة دي كفاية والله» 

لم يشاركهم الحديث وتحليل الأمر  ظل منشغلًا بموقفها يلوم نفسه على ما اقترفه في حقها من ذنوب وخذلان، يجلدها بالندم صافعًا بسوط فعلتها ضميره وقلبه، نهض فجأة شاعرًا بالاختناق ،استأذنهم ورحل يسير في شوارع القرية بلا هدى أو وجهة. 

****

بعد مرور وقت عاد للمنزل ارتمى بين ذراعي أمه متعبًا، قص عليها ما حدث من الصغيرة وخجله أمام نفسه مما فعل وندمه على تفريطه في قلبها، واسته بحنان ناصحة له بأن يعود لسالف عهده معها ويترك الأمور بيد الله ولا يستبق الأحداث فالله سيجعل له مخرجًا، تركته والدته يفكر بعمق و يتحاور مع ذاته، يرتب كيف سيستعيد الصغيرة وأي قربان سيقدم لينال عفوها ورضاها من جديد ، الصغيرة التي أثبتت أنها أفضل منه، خرج من المنزل يطوف كعادته مفتشًا عنها، يبحث في أفكاره الفوضوية عن طريقة لرؤيتها ومصالحتها... رأته من الشرفة فتجاهلته بكبرياء محققة له أمنيته بالبعد والفراق وقفت قليلًا وبعدها دخلت مغلقة الشرفة باحكام فعاد للمنزل خائب الرجا كسيف البال. 

#انتهى


+




السابع من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close