رواية رحي الايام الفصل السابع 7 بقلم عائشة حسين
"صلي عالنبي يا حلوة قلبي وقلبك يطيب وأوعي تنسي تصويت الفصل أطعمك الله من الجنة.
لا أحل نقل الرواية ولا نسخها 👌
********
أحيانا نفتقد شروق الحاضرين بيننا أكثر من الغائبين فلكل منا شروقه وغروبه الخاص "
«نؤجل الحديث حتى نلتقي فكيف لنا أن نؤجل الشوق؟!
********
(٢٠٢٥)
دخل حاملًا لها بين ذراعيه وأم زغلول خلفه تولول، وضعها فوق فراشه البسيط ووقف ناظرًا إليها بوجوم، يلعن شيطانه الذي دفعه للهلاك واقحام من لا ذنب له في معاركه، سألته السيدة وهي تدثرها وتسترها بأمومة عن عينيه «مين دي يا واكل ناسك؟»
رنّ السؤال داخل عقله المكتظ، سربله بالتوهة والضياع، كرره خلفها محاولًا تصفية ذهنه ليقف على هويتها وقوفًا واضحًا؛ لتتزامن الإجابة مع صوت صديقه الذي أتاه من بعيد، من ركنٍ قصيّ في ذاكرته «نجمة المنسية»
فرك جبهته لاعنًا اندفاعه وتهوره، ما الذي أقدم عليه وما الذي سولت له نفسه بفعله، وما هذه الورطة؟
ترك السيدة تلعنه في كل خطوة وتلعن شره وخرج على وجهه هائمًا يدور ورحى الندم تطحن قلبه.
سار حتى الجبل الذي يعرف ويحفظ معالمه وتفاصيله, عقد معه منذ زمن صداقة طويلة بلا شروط، بدأ في الصعود لاهثًا يخفف من ندمه بالتعب، يشتت ذهنه بمشقة الفعل، يحب تسلقه حين تضيق نفسه ويضيق العالم من حوله، يجد بين صخوره المتسع ، وفي تشقق كفيه الألم الذي يطهر النفس من اللوم، يرمي بأثقاله، يتخلى كلما اقترب من قمته ، وفي التخلي خفة وراحة لا يدركها الكثير..
وصل أخيرًا يلهث.. استلقى فوقه فاردًا ذراعيه بإنهاك وإن كان يطمع في الخلاص الذي يشفي النفس من عللها، استجمع قواه وجلس يفلت من حنجرته صرخة لطالما حبسها.
عاد ليطمئن فاصطدم بصراخها ليهزمه أكثر، استقبلته السيدة باللوم والتقريع ببكاء الأسف ونظرت شفقة وزعتها على مصيره ومصير تلك البائسة الذي ينتظرها إن تحررت..
أدبته المصيبة ورباه الحزن فوقف أمام المسكينة يعقف كفيه خلف ظهره بنظرة منكسرة وصمت ثقيل ، ما أصعب أن تواجه مظلومًا مثلك أنت ظالمه، أن تتلوث يدك بذنبه وأنت الذي عانيت من مرارة الظلم وتجرعته لآخرة قطرة...
كانت تدور أمامه كالرحى الخفيفة تطحن تحتها قلبه وروحه، تفتته ببكاءها وصرخاتها العشوائية، تمد ذراعيها علها تبصر المكان ، تعرف هويته وهوية صاحبه فيجتمع عليها العمى والقهر، خرج صوته من بئر عميق
«مش أنتِ المجصودة»
ظنت أنها تهذي، تتوهم فتوقفت مكانها تسيطر على انفعالها وتكتم بكاءها، هزت رأسها إشارة لأن يكرر وهي تقول «ها»
أشاح برأسه بعيدًا في احكام للسيطرة على نفسه ثم عاد قائلاً بحزم أكثر «مكانش قصدي أنتِ ولا عايز أأذيكي»
بكت بحرقة وهي تضم قبضتيها لفمها وهي توضّح ببراءة «كنت رايحة لخالي وضي رجعني ليهم»
قال باستسلام وذنبها يطوّق عنقه ويخنقه مما جعله يمسد مكان النحر في اختناق هزّ حروفه «حا.. ضر متخافيش يا نجمة»
توقفت عن البكاء وسألته بعفوية زادت من سخطه على نفسه «أنا معملتش حاجة والله مش هضايقك بس رجعني أنا مش شايفة هنا»
فغر فمه ذاهلًا من تعبيرها ، ضربت أعمق نقطة في ضميره الحي فارتجف جسده واهتز بنيان روحه، أحكم السيطرة وقال بصوت مبحوح يطمئنها«متخافيش»
صرخت وهي تنهار مجددًا بلا قدرة على مقاومة المجهول والتشبث بكلماته للنجاة من الهوّة التي تبتلعها «أنت مين؟»
ابتلع ريقه تائهًا في تعريفه مَن يكون؟ ضبع أم فاروق؟
*****
ضم غازي الصغيرة لصدره برقة وحنان ثم لثم جبهتها هامسًا بما لم يسمعه الآخر الذي ظل يتابع الموقف بصمت وتحفّظ شديد، لا تنساب عاطفته بحرّية تجاه الصغيرة كما صديقه بل يقابل الأمر بالسخرية والذهول، هو تعلّم أنّ المشاعر هي أول المحكومين عليها بالنفي والسجن، دهس سيجاره بقدمه واقترب يجلس أمامه مستفسرًا«عندك ولاد؟»
ارتفعت نظرات غازي له كأنه تفاجأ بوجوده للتو، نسيّ أمره وانشغل بمساعدة الصغيرة، حملها طوال هذا الوقت حتى انتهاء المحلول بلا كلل أو ملل أو تعب، منشغلًا بها عمن سواها، أجاب بنبرة تنضح صدقًا وعينيه تلمع بامتنان غريب «ربنا كرمني ببنت»
ابتسم للذكرى فسارع جراح مستغلًا استرخائه وصدقه «فينها؟»
قال بصوت مبحوح وهو يضم الصغيرة يحميها من شظايا اعترافه ومصير مماثل قد يصيبها«ماتت»
تقلصت أمعاء جراح وانقبضت معدته الخاوية بألم تسرّب إليه من ألم الآخر ونزيف روحه الواضح مندهشًا من امتنانه لأمنية لم تكتمل فاستفسر أكثر«ماتت إزاي؟»
نظر إليه غازي بلا معنى، نظرة فارغة وهو يقول بأسى «هيفيد بإيه!»
أشاح بنظراته من هذا الحزن الذي يكشف أماكن الضعف في قلبه ويستهدفها لتغيض أرحامها بما تحمله «معاك حق»
رنّ هاتفه فأجاب؛ ليغمره سيل من الغضب والحنق «أنتوا فين وليه اتأخرتوا؟ فين بنتي؟ أنتم مجانين ازاي تاخدوا البنت وتسيبوني كده مش عارفة حاجة عن بنتي»
أبعد السماعات عن أذنه قليلًا في ضجر واشمئزاز قبل أن يعيدها مرة أخرى ويجيب بصبر وهدوء بارد «هتخلص المحلول ونرجع البنت كويسة مفيش داعي للكلام ده»
أجابها باختصار بارد مثله جعلها تصرخ فيه بهستيريا «أنت مش طبيعي بجد»
مال فمه بابتسامة ساخرة قبل أن يلتقط صورة للصغيرة بأحضان غازي ويرسلها لها بعدما أنهى الاتصال دون أن يزيد على قوله حرفًا، نظرت للهاتف صارخة بنفاذ صبر «لا لا هو فاكر نفسه مين بجد؟»
اندفعت ناحية زوجها المستلقي فوق الأريكة يحرك أنامله على أوتار الجيتار بنغم عشوائي «صاحبك قفل فوشي»
سألها متجاهلًا شكوتها وهو يخفض صوت العزف قليلًا «البنت عاملة ايه؟»
صرخت باسمه في غضب شديد «أحمد فوق بقا هي مش بنتك زيي!!»
اعتدل تاركًا الجيتار جانبًا يحاول السيطرة على انفعالاته الموازية حتى لا يتفاقم الأمر ويتطور لشجار من شجاراتهما التي لا تنتهي «غادة بنتك فأمان دلوقت ييجوا وتطمني عليها»
صاحت فيه مستنكرة بنظرة مزدرئة «أنت إيه البرود الي أنت فيه ده بجد؟»
مسح وجهه بكفه وقال بهدوء «طيب مفروض أعمل إيه؟ معرفش لسه الأماكن هنا ولا الناس لو طلبت أروحلهم مش هعرف أوصل بعدين أنا مطمن عليها مع جراح اهدي زمانهم جايين»
تركته وصعدت لاعنة له فعاد لاستلقائه يكتم نزيف انفعاله وغضبه منها باللامبالاة والتجاهل.
أثناء عودتهما سأل غازي صاحبه وهو يتأمل ملامح الصغيرة ويعانق بكفه قبضتها المضمومة «هي اسمها إيه؟»
صمت جراح فلم يعد يندهش من عاطفة غازي ولا اندفاع مشاعره ناحية الصغيرة بل يعزي الأمر لفقده ابنته وحزنه الذي سلك طريق المواساة بإعلانه أبوته لكل فتاة تحمل صفاتها، يلهي حزن الفقد في قلبه ويواسيه بأن يلقمه الصبر والمحبة لكل صغيرة تشبهها، يحبها في كل فتاة يراها.
أجابه جراح بلا مشاعر محاولًا ألا يتفاعل معه ومع حزنه وقصته حتى لا يضعف، فالحزن ما إن توارب له الباب حتى يفتح كل أبوابك ويحتلّك كاملًا... وحزنه هو مغناطيس يجذب كل حزن وكل فقد لدائرته فيدور في مدار لا يتوقف من الذكريات التي تمتد ولا تنتهي.
عادا للمنزل ترجل غازي أولًا بحرص وحذر فجاءت غادة راكضة واختطفت الصغيرة من بين ذراعيه بلهفة أربكته، رمقها جراح بإنزعاج شديد بينما عاد غازي لواجهته الباردة وقناع الجمود خاصته..وقبل أن تتفوه بالحماقات انسحب غازي مستئذنًا وفعل جرّاح المثل فلا طاقة له بأفعالها وعصبيتها المفرطة، عكاز الصبر الذي يتكيء عليه معها ما عاد يعينه على الصمود.. لذا هرب فورًا لسيارته صعدها ورحل، في بقعة منعزلة أوقفها وترجل، صعد مقدمتها واستلقى مُفكرًا في أحداث اليوم، حاول الإنشغال كثيرًا باكتشافه عاطفة غازي السخية وحنانه ومرض الصغيرة، لا يريد لأفكاره أن تنجرف ناحية الماضي ولا أن يخطو في وحل الذكريات، سؤالها يتردد في ذهنه بلا توقف ترى بما كان عليه أن يُجيبها؟ أنها ابنته؟ أم ينفي أبوة الطفلة وانتسابها له؟ هل سينجب هو يومًا ويحظى بالأطفال؟
هل مازال يملك قلبًا يعطي الحب ويمنح الأمان؟
«ضي» متى انتقبت وأصبح بينهما حجابًا لا يرى منه ملامحها التي يعرفها ويحفظ انفعالاتها، وما حاجته بملامحها وعينيها قالت كل شيء بفصاحة ووضوح، اخترقت كيانه كله واستقرت في العمق.
همس بتنهيدة «ولو كانت بنتي يا ضي؟»
***********
سارت ليلى في الطريق الترابي المؤدي لمنزلها تطوي طوله بدندنة الأغاني التي تحبها، سار جوارها رجل كبير يعتلي حمارًا أبيضًا فالتفتت له بعبوس، ضحك لها بسماجة فنظرت للطريق زافرة بضيق قال الرجل بصوته الغليظ مثله «ازيك يا ست الدكاترة؟»
أحاطت إجابته بالتأفف «مرحب يا عم دسوقي»
قال متوددًا بسماجة «جاصدك فخدمة يا داكتورة الله يكرمك»
سألته منزعجة منه ومن طول الطريق«خير»
قال وهو يضرب عنق حماره «لو مفيهاش إساءة أدب شوفيلنا أي شغلانة فالعيادة لصباح مع أختها حتى لو هتخدّم عالعيانين»
تمتمت ليلى بحنق مسيطرة على أعصابها ولسانها من الإنفلات «تخدّم عالعيانين؟ منك لله»
سألها بإلحاح غليظ «ها يا دكتورة»
قالت من بين أسنانها بحنق «هشوف»
سبقها بحمارته خطوتين ثم عاد مجددًا كمن تذكر شيئًا يسأل بفضول «إلا أنتِ ماشية على رجلك ليه يا داكتورة»
سخرت من سؤاله باستهزاء «أُمال أمشي على إيدي»
قال بنظرة حاسدة «يعني أنتي داكتورة كد الدنيا ملقياش تجبيلك حتة عربية أمال أحنا الغلابة نقول ايه»
تمالكت أعصابها وقالت «دعواتك يا عم دسوقي ربنا يرزق»
قال بدهشة «أكتر من كده! دا بتي بتجولي إنك مش ملاحقة»
عضت ليلى قبضتها في غيظ وحنق داعية على ابنته مقررة طردها غدًا بينما تابع هو «عيادتك أُمم عليها يعني لو جالك بس عشر عيانين فاليوم كفاية» ثم بدأ بضرب عدد المرضى في ثمن الكشف محصيًا ما تتقاضاه فقالت بنظرة متوعدة «قول لبتك متجيش تاني»
فغر فمه بذهول قبل أن يعترض بحماقة «ليه أمال؟»
جرت بعيدًا عنه وعن حمارته متخلصة من ثرثرته لكنها تعثرت وكادت أن تقع، لكنها تماسكت ممسكة بركبتها تئن داعية عليه «منك لله يا دسوقي الكلب يارب تقع فالترعة وتغرج وما تلاجي حد يطلّعك »
لاحقها مناديًا فجرت ناحية المنزل لاعنة له تتوعد فتاته ولسانها المنفلت غدًا، استقبلها والدها حين دخلت تتألم، جلست تمسد ركبتيها وقدميها فقال والدها مسرعًا «عرفتي الي حصل؟»
انتبهت له مستفسرة باهتمام «حصل ايه؟»
قال بأسف «بيجولوا نجمة اتخطفت»
انتفضت واقفة تهتف بأعين متسعة ذهولًا «إيه إزاي ده؟»
**********
تجمعوا في المنزل الكبير بعد مداواة محارب وتخييط جرحه وتضميد سحجاته، تمدد يئن تعبًا وألمًا حتى نام، بينما ظلت جليلة تبكي واضعة كفيها فوق صدرها تتوسل «هاتولي بتي آه يا مري»
ربت فخر فوق كتفها بصمت يحاول تهدأتها وامتصاص قلقها بنظراته الحانية فتناولت جليلة كفه وقبلتها متوسلة «عايزة بتي دي غلبانة ومسكينة»
قبّل فخر رأسها واعدًا بحنان «خير اطمني ربنا هيحفظها ويردها سالمة»
دعت خلفه ببكاء«ربنا على الظالم والمفتري»
خدشت ضي اللحظة بقولها المنفلت بغضبه «ولدك هو السبب في الي حصلّها لولا عمايله مكانتش المسكينة دي راحت كده! ذنبها فرجبتك ورجبته يا عمتي»
صرخت سحر رادعة «بس يابت اكتمي»
لكن ضي لم تتوقف وصاحت برعونة متخلية عن صمتها وتوقيرها لهم «مش هسكت مش ده الي خايفين تقولوه؟ محارب يستاهل الي حصله عشان ظُلمه بس نجمة ذنبها إيه؟ » التقطت ضي أنفاسها وتابعت بتهكم
«لو كنتي كلفتي نفسك يا عمتي وربتيه ولا جولتيله عيب وحرام وغلط مكنتيش جاعدة تولولي دلوك»
صاح فخر تلك المرة متعجًبا من ابنته ورادعًا لها بحزمه «اطلعي فوق يا ضي يلا ملكيش صالح»
قالت بهزيمة وأعين دامعة طائعة لقوله «ماشي يا أبوي هطلع أنا كده كده خلصت قولي»
ركضت ناحية الدرج تكتم شهقاتها بينما زاد بكاء جليلة وارتج المكان بولولتها وعتابها لابنة أخيها ونعتها بالقسوة، حاولت سحر تهدأتها والإعتذار لكن وقع كلمات ضي ترك أثره على جليلة كما الجرح الغائر فزاد بكاؤها ونحيبها أضعافًا.
في الأعلى رمت ضي جسدها الواهن فوق التخت بعدما نزعت خمارها ونقابها وألقتهما جانبًا، بكت حالها وحال نجمة،منقسمة الفكر بينه وبينها التي لا تعرف ماذا سيكون مصيرها؟.. أشفقت عليها نور مما تعانيه فدخلت الحجرة وجلست جوار رأسها تربت عليها بحنان ولطف حتى تهدأ بينما انكمشت زينة في ركن الحجرة باكية بعدما التحقت هي أيضا بالحجرة فزعًا مما يحدث وبحثًا عن الأمان.
*********
«أنت لسه منمتش»
قالها جرّاح وهو يتسلل للحجرة المشتركة بينه وبين غازي ليجيبه الأخير بعدما أخرج تنهيدة «آه»
بدأ جرّاح في تبديل ملابسه وهو يقول ببعض الشفقة التي حملها في قلبه لهذا الغامض اليوم «تعالى اطلع معايا غيّر جو»
سأله غازي وبداخله رغبة في قبول عرضه والخروج من دائرة الحزن والتقرّب أكثر إليه «فين»
قال جرّاح بابتسامة مائلة «قهوة فقنا»
نهض غازي في استعداد وموافقة «ماشي»
أبدل جرّاح ملابسه وخرج ينتظره داخل السيارة استرخى قليلًا مغمض العينين فداهمته الذكرى وتردد همسها في أذنه «رضوان أنا بحبك»لا يعرف بالضبط سبب استرجاعه لهذا الحدث وتلك الكلمات الليلة، نسيَّ اعترافها أو ربما تناساه مثلما وبخها عليه واستخف به يومًا، فلم يكن يحتاج اعترافًا منطوقًا منها ليعرف أنها تحبه، لم ينس احساسه به يومها رغم أسبقية معرفته بمشاعرها ناحيته، ولا دفء أحرفها الجميل، كان وقعه خطيرًا جدًا على قلبه، كقطرة ندى ناعمة وشفافة.. كانت صغيرة جدًا لكنها صادقة جدًا وبريئة جدًا جدًا ترى كيف أصبحت؟
صعد غازي جواره فاستيقظ من أفكاره وأدار محرك السيارة للانطلاق.
وصلا لمكان بعيد عن المناطق الحيوية في المدينة، منعزل يبعد مسافة ليست بالقليلة عن القرية، ترجلا ودخلا، كانت نظرات غازي تتوزع في المكان باستكشاف ورصد يبدو من الخارج كواجهة منزل، اجتازا ممر في نهايته درج وباب مغلق، صعدا الدرج حتى الطابق الثالث المكشوف، سطح واسع مهيأ ومعد ليكون مكانًا مناسبًا للسمر والجلسات الراقية غير البريئة، هكذا شك وانتظر حتى تتضح الرؤية أمامه، جلسا أرضًا ف جلسة منعزلة فوق وسائد قطنية مريحة أمام طاولة صغيرة قصيرة تناسب ارتفاع الوسائد، المكان محاط بمبردات الهواء من كل الجوانب لاستعمالها وقت الحاجة، طلب جراح أرجيلته وسأله ماذا يريد فطلب «عصير ليمون»
كتم جراح ابتسامته وكرر الطلب للعامل المندهش «لمون أيوة زي ما سمعت وأنا هاتلي طلبي»
نقده جراح الأموال ليصمت وينفذ بهدوء ففعل بامتنان، استرخى والذكريات لا تتركه تحوم حوله من كل اتجاه بينما دارت نظرات غازي في المكان بتدقيق واهتمام بالتفاصيل، منحه جراح سيجارًا فتأملها بعينيه الخبيرتين ثم سأل «مش عادية صح؟»
هز جراح رأسه وهو يكتم ابتسامة مستمتعة فأعادها غازي له رافضًا «مبدخنش غير عادي»
حاول استمالته «جربها طيب»
أشاح غازي رافضًا فأشعلها جراح وتركه على راحته..
امتدت السهرة، جراح منغمس في المُلهيات وغازي يراقب ما حوله كصقر لا ينجرف كثيرًا للثرثرة ولا المداخلات الكلامية، يحتفظ بوعيه رافضًا كل ما يقدم له من مغيبات
حتى حدث ما لم يكن يتوقعه دخلت للمكان راقصة فشعر بالضيق والاشمئزار من تطور الأمر وحاول الرحيل فمنعه جراح محاولا إبقائه حتى انتهاء السهرة، سرعان ما انغمس جراح مع من حوله حتى أنه نهض يرقص معها بالعصى، تابعه غازي بصبر حتى عاد لمكانه حينها نهض وسحبه من ذراعه عنوة للخروج من هذا المكان، تأفف جرّاح وضاق ذرعًا فنفض كفه وهبط الدرج لاعنًا «تصدق أنا غلطان إني جبتك»
صمت غازي ولم يعلّق حتى صعدا السيارة حينها سأله «بتسهر هنا كل يوم؟»
أجابه بلا مبالاة وضيق «أيوة وكنت عايزك تفك وتطلع من الجو الكئيب بتاعك ده»
قال غازي بجمود «مبشربش ومش عايز بحب دايماً عقلي فايق و واعي»
استهزأ جراح بكلماته «وخدت ايه من الفوقان»
قال غازي وهو ينظر للطريق من النافذة «بحب أدي الحزن حقه والفرح حقه لإن لكل حاجة حكمة وسبب وعبرة»
زفر جراح بضيق لا يمنح عقله حرية فهم كلماته ولا الوقوف عندها ثم هتف «لما تفتكر بنتك حترتاح كده؟»
تجاهل غازي ألمه وحزنه وقال بمغزى «دي الحاجة الوحيدة الي مش عايز أنساها»
صمت الآخر بإرهاق حتى وصلا و ترجلا ، غازي غادر للحجرة أما هو فبحث عن صديقه الذي افترق عنه لمرض أصابه فتركه في مكان آمن حتى يشفى ويسترد عافيته جلس جواره على ركبتيه يسأله عن حاله فنهض الكلب مرحباً بمجيئه، مسح جراح على رأسه بحنان ثم استراح جواره يحدثه بما في نفسه «أنا عايز أنسى يا صاحبي حتى هي؟»
*******
«٢٠١٥»
لم يكن الأمر هينًا عليها ولا استساغته نفسها المحبة، كيف يبادر بالصلح وتجافيه هي؟ تُعرض عنه بكبرياء وقلبها يتمزق لهفةً وشوق للحديث معه، صديقها لم يخطيء هم يحاصرونه بشرورهم فيضطر لذلك، ثلاثة أيام مرت عليها وحيدة تسكن حجرتها صامتة رافضة الطعام والشراب لا تستجيب لطرقات ليلى ولا نداء أختها ولا توعدات أمها التي سرعان ما انشغلت بالزائرين ومضايفتهم والاهتمام بزوجها الذي أنكهه المرض وأضعفت بنيته العمليات الجراحية، ممتنة لإنشغال والدتها عنها حتى تستعيده وتستعيد نضارتها ورونقها معه... سمعت طرقًا مترددًا مهزوزًا على بابها ونداءً خافتًا يملأه الحذر والخوف فنهضت من جلوسها متجهة للباب تستعلم عن هوية الطارق الذي يناديها على استحياء فتحت الباب فوجدت صبر أمامها واقفة تنظر حولها بقلق ومراقبة خوفًا من أن تراها سحر في هذا الطابق الذي يحرم عليها الصعود إليه.. مسحت ضي دموعها واندفعت لأحضان صبر بخفة فضمتها الأخيرة بحنان ولطف أغرق قلب الصغيرة بدفئه ومواساته، عاتبتها صبر بحنان «كده تلت أيام مشوفكيش؟»
اعتذرت وهي تبلل شفتيها الجافة بلسانها ونظراتها الباهتة تزوغ فيما حولهما مراقبةً «معايا مذاكرة يا خالتي مشغولة فيها»
مسحت صبر على خصلات ضي المتناثرة كاشفة حزنها وخبيئة قلبها «مشغولة ولا زعلانة من رضوان»
أزاحت خصلاتها خلف أذنها قائلة «لاه مش زعلانة خليه على راحته أنا مشغولة بالدروس»
لثمت صبر مقدمة رأس الصغيرة راجية بحنان «رضوان هيروح لفاروق ابقى تعالي أجعدي معاي و ونسيني شوية يا ضنايا»
أومأت بابتسامة مهزوزة «حاضر هشوف»
قالت صبر بنظر وديعة «أوعي متجيش هزعل منك»
قالت ضي بأسف لأنها لن تقدر على تلبية طلبها حتى تستقر نفسها الهائمة وتعود لسكينة قلبها وأمانها بعدما بددهما الفراق والشعور بالخذلان «إن شاء الله»
هبطت بعدها صبر الدرج مسرعة حتى لا تنتبه سحر لغيابها عن المطبخ بينما عادت ضي لحجرتها مفكرة.
حين انفض الجمع دخل فخر حجرتها مناديًا ببعض المرح واللطف «ضي»
قفزت من فوق التخت مُلبية بحنان ولهفة «أبوي تعالى»
ضمها فخر أول ما اقتربت منه وقبّل رأسها بحنان فتنهدت بارتياح، أبعدها معاتبًا يلومها برفق ومشاكسة «يعني مبشوفكيش يا ضي بقالي كام يوم ولا بتسألي عليا»
قالها بنصف نظرة مشاكسة مستطلعًا ملامحها الباهتة فبرأت نفسها «كيف يعني ما أنا كل يوم بشوفك وبطمن عليك»
دخل الحجرة وجلس فوق التخت معارضًا «أنا مبشوفكيش الي بتجيني دي مش ضي حبيبتي حد تاني»
اقتربت وجاورته منكسة الرأس مثقلة الاكتاف بالكتمان والحزن، أمسك فخر بكفها في حنان يشجعها بحنانه على الحديث «مالك يا بابا حصل ايه مزعلك وطافيكي كده؟»
اندفعت ناحيته باكية فضمها رابتًا على رأسها يحثها برفقه «من مزعلك» ثم أقسم بصدق وصرامة «والله لو أمك لتكون رايحة بيت أبوها الليلة»
نفت وهي تتشبث بأحضانه كطوق نجاة «مش أمي»
أبعدها عنه مستفسرًا وهو يمسح لها دموعها «أمال مين؟»
أسبلت جفنيها بتردد وتفكير قبل أن تصارحه «رضوان معادش بيكلمني»
ابتسم فخر بإشفاق وسألها بصبر وتفهم لمعرفته بمدى تعلقها بابن أخيه «ليه حصل ايه؟»
قالت مبرأة نفسها بعفوية وبراءة«معملتلوش حاجة والله يا أبوي رجعت لقيته كده»
ثم برأته ملقية اللوم على والدتها «يمكن معايزش يحصل مشاكل من أمي بعد الي عملته خالتي معاه»
ضيّق فخر عينيه وسألها بانتباه «وخالتك عملت ايه؟»
انتبهت لإسرافها في البوح واندفاعها غير الحذر فوضعت أناملها فوق شفتيها مرتجفة النظرات بقلق وخوف، طمأنها بابتسامة دافئة متفهمة «متخافيش احكيلي»
ابتلعت ضي ريقها وقصّت عليه ما حدث من خالتها في غيابه فقال متنهدًا بحزن «قمر معذبة نفسها والي حواليها ومشيّلة المسكين مرارها مش كفاية سحر»
شعرت بغضبه يتفجر داخل عينيه فقالت بإشفاق «خلاص يا أبوي عادي رضوان شوية ونتصالح احنا متعودين على كده»
فهم الصغيرة فحجب عنها غضبه وضيقه وقال «عارف يا بتي وربنا يهدي»
سألها بحنان وهو يهم بالوقوف «اتعشيتي ولا لسه؟»
قالت وهي تعينه على السير «لاه»
قال بتأكيد وإصرار «طيب يلا نتعشوا مع بعض»
ثم شاكسها بمرح «بس توكليني أنتِ»
ضحكت قائلة بخجل «ينفع أقولك إنك حبيبي يا فخر»
توقف ضامًا رأسها لصدره مؤكدًا «كده كده أنا حبيبك الأولاني رضيتي أو لاه»
ابتسمت مؤكدة بطمأنينة «راضية ربنا يخليك ليا»
قبّل رأسها داعيًا «ويخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبدًا»
***********
قضى شطر الليل يساعد والدته في تحضير الشاي والعصائر والقهوة، أشفق عليها من هذا العمل الكثير منذ عاد عمه وامتلأ المنزل بزيارات الأقارب والأصحاب والمحبين ، لم يكن هذا هو السبب الوحيد لمكوثه هنا وهو يكره بل رغبته في رؤية الصغيرة العنيدة ذات الكبرياء، احتمل الأمر لأجلها هي ولأجل أن يحظى برؤيتها، توقع أنها ستساعد والدته لكنها أغلقت عليه المنافذ بمكوثها داخل حجرتها بالأعلى، الأمر الذي ضايقه بشده..
يوزع مجهوده بين والدته ومضايفة الزائرين يقدم المشروبات والماء مع عمه زيدان وفتحي ثم يعود ليساعد والدته التي تكاثرت أمامها الأواني بشكل يثير الشفقة والفزع... رآها قادمة بسرعة متبدلة الملامح من العبوس والتعب للفرحة والرضا، زال تعبها سريعًا وتلاشى همها في دقائق.
قالت ونظراتها تمنيه بما لم يحصل عليه «يلا بينا خلصنا والناس كلها مشت وعمك طلع»
لفّ ذراعها حول ذراعه وسار بها للخارج قائلاً بإحباط «يلا يا صبر»
استوقفتها سحر آمرة بصلف «تصحي بدري وتيجي»
أومأت صبر بطاعة بينما أشاح رضوان مطلقًا من بين شفتيه سبّة في غيظ وحنق، أطلقت سحر نظراتها ناحيته كالقذائف فابتسم لها بتكلّف قائلًا «تصبحي على خير يا مرت عمي اطمني هنشرب اللبن وننام بدري عشان نصحى بدري ونجيلك»
رمقته سحر بنظرة باغضة مستخفة فسحب والدته غير منتظرٍ لجوابها السمج مثلها وخرج مُتجهًا لمنزلهما
سألته صبر «رايح لفاروق؟»
أجابها فورًا «أيوة مخنوق هروح أجعد معاه شوية»
راوغت بنظرة لامعة كالتي عادت بها منذ قليل «ما تخليك الليلة معاي مفيش مرة تجعد مع أمك حبيبتك»
تلاقت لحظاهما وهو يسألها بشك «اشمعنا يعني الليلة؟»
قالت بصدق «قولت لضي تيجي وعيزاكم تتصالحوا»
سبقه الشوق معانقاً اللهفة في السؤال «بجد؟»
أكملت بحماس«طلعتلها وقولتلها تاجي»
رغم حماسه ولهفته قال باستسلام «مش هجعد يا صبر كل ما أفكر ألاقي كده أحسن»
اعترضت والدته حين دخلا المنزل «أحسن ايه يا واد ! لا متبعدش عن ضي»
تعجب من إصرار والدته والحزم في نبرتها فعقد حاجبيه مستفهمًا لتردف بحدة «ضي دي الي هتخليك وسطهم ويقبلوك غصب عنهم، ضي الي هتخليك تمد رجليك فملكك وتاخده من حبابي عنيهم»
قال بشك وهو يتابع انفعالات والدته وحماسها الغريب كما كلماتها «مفاهمش يا أما ضي هتعمل كل ده كيف؟»
أجابته بتوضيح «ضي نور عين أبوها مبيرفضلهاش طلب ولا يكسرلها كلمة ، تكبر وأطلب يدها منه وهيرضى حتى لو سحر مرضتش»
استنكر بنظرة منفرة «ايه الي بتجوليه ده يا أما كمان جواز؟ ضي زي ليلى»
صاحت معترضة بحنق وعصيان «أيوه جواز، ضي دي الي جوازك منها هيكسر سحر وقمر، ضي طريجك لحقك»
تلاحقت أنفاسه بضيق ورفض فاقتربت رابتة على كتفه بلطف وحنو تغريه بصوتها الدافيء
«ومش بس كده دي الي أنا هطمن عليك معاها يا ولدي والله ما حد هيحبك كدها»
قال بأسف «ليه بتبصي لضي كده؟ ليه عيزاني أبقا عفش وأستغل حبها ليا»
قالت بعصبية «وليه متستغلوش دي فرصة يا ولدي»
قال بصرامة «لاه يا أما أنا مش عايز كده ولا عايز الأذى لضي ولا عايز كره فوق الكره منهم.. لو هتجوز ضي هيبقى لنفسها لكن أنا مش عايز أتجوزها ولا فدماغي غير إنها أختي الصغيرة»
قالت بأسف وغيظ «دا إيه الخيبة الي أنت فيها دي يا ولدي!»
صاح بإنفلات «أنا مش خايب يا أما شيلي الموضوع من دماغك خالص بدل ما أسيبلكم البلد وأمشي علشان كلكم ترتاحوا»
ضربت صدرها بكفها وهي تشهق متفاجئة بقوله وتهديده تعاتبه بلوم «كده برضك يا رضوان!»
قال بحزم وهو يهرول ناحية الباب غاضبًا«أيوة كده»
خرج من المنزل مغلقًا الباب خلفه بعنف متجهًا ناحية منزل ليلى الذي لا يبعد عن منزله كثيرًا.
بمنزل نبيل كان يضع رأسه المتعبة فوق ساق أخته التي تلاعبت بخصلاته متسائلة بحنان «لسه زعلان عشان ضي؟»
زفر قائلًا يشاركها خوفه وقلقه وإحباطات نفسه «مش عارف يا ليلى بس أنا حاسس إني في نفق ضلمة مش عارف أطلع منه»
سارعت قائلة بلهفة وحنان«سلامتك متجولش كده»
قال بأسى وهو يتذكر ما ينتظره غدًا «عمي زيدان عايزني أروح بكرة الشغل»
مسحت عينيها من الدموع التي طفرت رغمًا عنها وشجعته بفخر «أنت كدها وبإذن الله هتكون أشطر حتى من أبوك ومين عارف يمكن بكرة تبقا تاجر كبير»
ابتسم بخيبة ثم تنهد وصمت، فكل الأحلام الممكنة ليست أحلامه بل هي أخرى فوق رف الاستبدال تنتظر أن يمد ذراعه لها أما أحلامه فبعيدة جدًا، وهو اعتاد أن يستبدل أحلامه بأخرى تنالها يده ولا ينال من نشوة تحقيقها قلبه.
حلم أن يصبح طبيبًا يداوى البشر من العلل ونسيّ أنّ بعض العلل لا تداوى ولا تشفى.. مهنة ستوفر له المكانة التي يحتاجها بين الناس، ستمنحه الهيبة والوقار في عيونهم
ستداوي علّة النقص بروحه، اجتهد لينالها لكن هيهات حتى أحلامه عبست في وجهه رافضة له.
أمه مثله تحلم لكنها تتخذ وسائل أكثر واقعية وإن كان يبغضها، ضي رفيقته يحتاج فراقها خروج روحه ثم البعث ليعتاد...فهل يستسلم ويحرم نفسه منها كما يريد؟
هزته ليلى حين طال صمته فنهض جالسًا في إطراق بصمتٍ وتفكير، قالت ليلى «تعالى نعمل حاجة ناكلها»
نظر إليها بإمعان ثم قال «أحسن حاجة عملتها صبر إنها رضعتك ولو هشكرها على حاجة فيوم يا ليلى يبقى أنتِ»
ابتسم نبيل الذي كان يتابع من بعيد متذكرًا كيف كان اقتراح منصور نجاة للصغيرة بعد وفاة والدتها ومواساة لصبر التي أرادت أختًا لابنها وأراد هو المثل حتى لا تخرج فتاته وحيدة.
ضمته ليلى بصمت مثقل بالأسى والآلام قبل أن ينسحب واجمًا.
سار في الطرقات وحده مفكرًا من طريق لآخر حتى جلس وحيدًا برأس فارغ، رفع رأسه فاصطدم بفاروق أمامه يقول «يخربيتك بتفكر لوحدك!»
ابتسم رضوان ابتسامة قصيرة وصمت فجاوره فاروق مستفسرًا «بقالي ساعة بدور عليك طفشان من البيت ليه ايه الي جدّ تاني!»
****************
في اليوم التالى دخل رضوان منزله مستندًا إلى ذراع فتحي، رأته صبر فتركت ما بيدها واندفعت ناحيتهما تسأل بهلع وهي تنظر لضمادة ذراعه اليسرى «يا مري حصل إيه؟»
أجابها فتحي بعدما اطمئن لجلوس رضوان المستريح «وقع عليه برميل خشب كبير كسر دراعه»
ولولت صبر بأسى وهي تنظر لإرهاق ولدها وتعبه «كده من أولها يا ربي»
أعطاها فتحى حقيبة الدواء قائلاً «الدكتور جبرهاله وده العلاج هو عارف مواعيده»
تناولته شاكرة فأستأذنها بأدب المغادرة فأمسكت بذراعه مبقية على وجوده فلأول مرة يدخل عندهم «خليك يا ولدي معانا»
ثبت فتحى نظاراته قائلاً ونظراته تتأمل المكان من حوله بفضول «لاه هبقى أجي مرة تانية اطمن عليه شكرًا يا مرت عمي»
تركته صبر شاكرة صنيعه فخرج مغلقًا باب المنزل خلفه، جاورت صبر ولدها تلثم كتفه بدموع عينيها «سلامتك يا ضنايا يا نور عين أمك»
ربت رضوان بكفه اليمنى فوق كفها مطمئنًا بابتسامة قصيرة.
هبطت ضي درجات السلّم مقررة الذهاب لليلى والبقاء بصحبتها قليلًا بعدما سئمت الجلوس في حجرتها والعزلة التي سورت نفسها بها، تقدمت من والدها تأخذ الإذن منه فسمعته يسأل باهتمام «ورضوان كيفه يا فتحي دلوك؟»
أجابه فتحي قليل الحديث والظهور «وصلته للبيت عشان يرتاح»
اندفعت مستفسرة بلهفة «حصل إيه لرضوان يا أبوي»
نظر لها فخر بشفقة متفهمًا مشاعرها ولهفتها البريئة بينما تطوّع فتحي بالإجابة في بساطة غير منتبه لذعرها الكبير وخوفها الذي طارد أنفاسها فتسارعت «دراعه اتكسر»
شهقت مرتعبة قبل أن تتركهما وتركض ناحية الباب الخلفي تجاهل فتحي ما رأى ولم يهتم بينما تابع فخر الاستفسار عن الأمر.
طرقت باب منزله بلهفة كبيرة وسرعة مما أفزع صبر التي نهضت من أمام الطبلية التي تجلس وولدها حولها لتطعمه، فتحت الباب فاصطدمت نظراتها بلهفة الصغيرة ودموعها الغزيرة «فين رضوان»
ابتعدت صبر مفسحة لها الطريق فرأته يجلس مترقبًا، تلاقت نظراتهما بشوق قبل أن يخفض نظراته للطعام ويصمت، تقدمت ضي وجلست أمامه تنظر لذراعه بحزن عقر شوقها الكبير له، مسحت دموعها وهمست مترجية ببراءة « ينفع نرجع نتكلم ومش هعملّك مشاكل!»
صمت منكس الرأس بأسف فتابعت بحماس مقترحة عليه بطفولية « أنا فكرت، ممكن نعمل خطة على أمي ومخليهاش تعرف إني باجي أو بكلمك..هخبي عليها كل حاجة والله»
ذبحته دموعها المسترسلة وتوسلاتها الطفولية البريئة وخططها، تمزق ستار جموده وكشف عن شوق مماثل لصحبتها، رفع عينيه راضخًا مستسلمًا يعلن القبول، سيبقى معها وليحدث مايحدث لن يتخلى ولن يقدر، ابتسم فضحكت، قال يشاكسها «تلاقيكي دعيتي علي يا ضي»
برأت نفسها بسرعة ونفي صادق يعكس براءتها «لا والله أنا معملش كده فيك»
صمت ينهل من ملامحها فحثته بلهفة «ها هنتكلم خلاص موافق؟»
نظر إليها مضيقًا عينيه يقول بمشاكسة «هفكر »
طُرق باب منزلهم ففتحت صبر لتجد ليلى ونبيل أمامها استقبلتهما بترحاب شديد، نهض رضون فور أن رآهما وتقدم، اندفعت ليلى تطمئن عليه فقال «تعبتوا نفسكم ليه؟»
تفحصته ليلى بأعين دامعة وهي تسأل بلهفة «أنت كويس حصل إيه؟»
نظر لذراعه مطمئنًا لهما «بسيطة الحمدلله » ثم أشار لهما ناحية الصالة على يسارهما «اتفضلو»
جلست ليلى فوق الحصير المفروش أمامها جوار ضي وبقيّ نبيل مكانه «مفيش داعي ياولدي محناش غرب»
سلمت ضي عليهما فقالت ليلى بفخر «أصيلة يا ضي»
ابتسمت بخجل مستمعة لروايته عما حدث باهتمام متلونة الملامح بشتى ألوان المشاعر، تارة تنقبض بألم يحاكي ما شعر به من ألم وتارة تتلون بالمرارة والضيق وتارة بالخوف.. بعدها تطوعت لصنع الشاي وتقديمه فتركتها صبر تتصرف بحرية بينما ابتسم رضوان برضا وهو يراها تعود للتحليق حوله من جديد.
ارتفعت الرؤوس وتلاقت النظرات فوق فخر الذي وقف على عتبات المنزل متعكزًا على عصاه وذراع صغيرته نور، نهضت ضي فورًا وركضت مستقبلة له بفرحة فدخل يطمئن على ابن أخيه بلهفة صادقة وحنان بالغ نهض رضوان مستقبلًا له
بدهشة وأشار له بالدخول لكنه رفض وجلس متربعًا جوار ضي التي التصقت به، أما نور لم تمتلك شجاعة البقاء وإن رغبت، غادرت هي وأخيها الذي جاء خلفهما مستطلعًا بفضول، تركهما فخر يذهبان بحرية حتى لا يشتد بطش سحر فيكفي ما سيناله و ضيه منها حين تعرف.
مازحت ليلى رضوان مخرجة من حقيبتها قلمًا واقتربت من جبيرته تمضي عليها، شاركها فخر الأمر بأريحية ومرح وكتب له هو الآخر دعاء بالشفاء وفعل نبيل المثل حتى جاء دور ضي التي رفضت الكتابة فتعجب رضوان من رد فعلها ودهش، ظنها أول من ستبادر وتتمسك لكنها رفضت بنظرة لم يفهمها مستسلمًا لقرارها. جاءت سحر مقتحمة الجلسة بثقل كراهيتها ونفورها «يلا يا فخر كفاية عشان ترتاح مينفعش القعدة دي»
آثر فخر السلامة حتى لا تحدث مشاجرة هنا تزعج ابن أخيه ونهض متعكزًا على ضي منسحبًا بينما قال نبيل «يلا بينا يا ليلى احنا كمان»
طلب رضوان السير معهما وتوصيلهما لكن ليلى رفضت ذلك وأصرّت على المغادرة.
رحل الجميع وتركوه مكانه يخبر والدته بحماس «اللمة حلوة يا صبر والأهل دفا مبعدوش دفا»
ابتسمت مؤكدة وهي تلملم الأغراض وتعيد ترتيب المكان «ربنا يحبب فيك خلقه يا ولدي وتنول ما تتمنى»
أتت ختامًا للدعوة لاهثة، وقفت على عتبات الباب الذي لم يغلق قائلة بابتسامتها المضيئة «هكتب بقلمي أنا»
ابتسم لفعلتها فتقدمت وجلست متربعة أمامه تقول بنظرة شغوفة «جبته وجيت جري على ما أمي تخلّص خناقها أكون خلصت ورجعت»
منحها ذراعه فكتبت « هتفضل صاحبي لآخر العمر يتمسح الحبر وميتمسحش العهد»
فغر فمه مندهشًا فتابعت الكتابة «مهما خاصمتني وزعلت برضو هاجي وأصالحك ونتكلم»
«مش مهم مين يبدأ المهم إننا نرجع أصحاب»
قال ضاحًكا بدهشة «الجملة الأولى دي منين؟»
هزت كتفها معترفة له «قريتها فكتب خالي عادي»
سحب القلم منها مشاكسًا «بس أنا لسه مقررتش هنتكلم ولا لاه»
قالها وهو يخط حروف اسمها بتمعن ودقة فقالت وهي تراقب ما يفعل
«أنا هكلمك قررت خلاص»
قالتها ونهضت مودعة له، شيعها بابتسامة دافئة قبل أن ينهض متجهًا لحجرته ليرتاح.
*******
بعد مرور شهرين
هتف حينما رآها تبكي داخل أحضان والدته بأسى «واه مين مزعل ضينا يا أما خير؟»
ربتت صبر على رأسها قائلة بحنو وطمأنينة «صاحبك جه اهو اتحدتي معاه على ما أعملكم العشا»
ابتسم قائلاً لوالدته «اعمليلها الي بتحبه يا أما عندنا كام ضي يعني هي واحدة»
ابتسمت ماسحة دموعها بأناملها في رضا فجلس جوارها مستفسرًا بحنان «احكيلي بقا مين مزعلك ومخليكي تبكي كل ده؟»
نظرت إليه بتردد وحيرة فشاكسها بحنو «متخافيش سرك فبير »
استرخت بطمأنينة شاعرة بالأمان في وجوده وقالت «أمي»
ضيق عينيه على وجهها بتفكير قبل أن يقول «دي بقا مقدرش عليها أنا آخر واحد أكلمها»
حزنت بأسى وبؤس لأجله قبل أن تفتح له قلبها قائلة «عيزاني زيها طول الوقت، شبهها، أعمل الي تقول عليه وبس وأطلع دكتورة»
ابتسم مشاكسًا لها «والله زين لايق عليكي جوي تكوني دكتورة بتفهم مرت عمي»
فتحت لها كلماته أبواب الأمل والرضا، وقعت في نفسها موقعًا عظيمًا فاسترخت وتبخر عبوسها
قال بحنان غزير وهو يربت عليها بنظراته عوضاً عن كفه «أمك عيزاكي أحسن الناس وأنتِ لايق عليكي تكوني كدا يا ضي، متزعليش واعملي الي يريحها ويريحك برضو»
قالت تختبر قولها عليه «أنا مش عايزة أكمل يا رضوان أصلا»
نظر إليها بتدقيق قبل أن يبتسم قائلاً «وليه بقا؟ مش خسارة المخ النضيف ده والشطارة»
نهض قائلًا برفض «مش هتنازل على إنك تكوني أحسن واحدة وتذاكري وعاجبني تكوني دكتورة»
انحنى أمامها هامساً بمداعبة «عشان تكشفيلنا ببلاش »
ابتسمت فنادى والدته وهو يصفق بكفيه «العشا يا أما»
جاءت حاملة الصينية وضعتها بينهما فجلس أمامها شاكرًا الله ثم قال وهو يناول ضي قطعة خبز «عايزك قوية متبكيش مهما حصل ولا تسمحي لحاجة تزعلك وتضايقك قولي نعم وحاضر وارضيها وارضي نفسك وأوعي تتكسري يا ضي» ثم ضحك قائلًا وهو يهز رأسه «يمكن يجي يوم واتكي أنا عليكي يا صاحبتي»
اتسعت ابتسامتها متفهمة كلماته تحفظها في قلبها وعقلها، هزت رأسها بالموافقة ونظراتها تلمع بالشكر والامتنان ثم قالت بعفوية وبراءة «عايزة أعيش معاكم»
ضحك قائلًا «كده وسعت منك اتعشي يابت وروحي نامي ناقص أنا بلاوي»
بعد تناول العشاء أعادها للمنزل وهو يوصيها في سيرهما «لو احتجتي حاجة هبقا أشرحهالك ومتخافيش ولو عايزة هعملك جدول يجبلك ضعف عام»
ضحكت ثم وقفت على مقربة من المنزل شاكرة بخجل «شكرًا يا رضوان»
مازحها قائلاً «الشكر لله ومتجيش وقت العشا تاني بضطر أقسم معاكي منابي فكل حاجة بحبها»
ضرب كفًا بكف قائلاً «مشوفتش كدا حظي تكوني بتحبي كل حاجة بحبها»
ودعته مبتسمة بحياء فابتسم واستدار عائدًا للمنزل.
*******
في المنزل قال فخر بجدية وهو يتابع سحر التي تستعد للاستلقاء جواره «بجولك إيه يا سحر؟»
ابتسمت قائلة وهي تفرد طبقة كريم فوق بشرة كفيها «جول يا أبو عبدالله»
قال بمكر وهو يتابع بعينيه ردود أفعالها «بدل ما العيال رايحين جايين عالدروس ولا حد غريب يدخل البيت خلي عيال عمهم يدوهم»
رفعت نظراتها الحادة إليه تستفهم بملامح مستهجنة «عيال عمهم مين؟»
قال هو بلامبالاة مقصودة يمرر بها عدم اهتمامه وكونه مجرد اقتراح عابر غير مخطط له «رضوان وفتحي الاتنين شاطرين»
استنكرت وهي تبصق اسمه بكراهية«رضوان يا فخر؟»
قال بجمود لا يسرب الضيق لملامحه من فعلتها «وماله الواد شاطر واهو بدل ما يدخل علينا حد غريب»
قالت بإنفعال واضح «وده هأمنه على عيالي؟»
انتعشت ملامحه بابتسامة لطيفة كقطرات الندى وهو يوضح بخبث «ويعني هتأمني الغريب؟ بعدين الواد شاطر نستفاد منه وهيبقى تحت عنيكي وطوع يدك ومش هيقدر يتجرأ ويعمل حاجة وبدل ما ضي بتروحله تذاكر معاه من ورانا يبقى قدام عينينا»
صمتت بتفكير تتفرس ملامحه بدقة فأشاح قائلاً بلامبالاة «عاد أنتِ براحتك نيتي أريح العيال ونستفاد من شطارته دي»
تذكرت ما اقترحته على زيدان فقررت التفكير بجدية في الأمر، قاطع فخر أفكارها بقوله الحاسم «متخليش كرهك يعميكي أنتِ عارفة إن الواد متربي زين»
صمت قليلًا ثم قالت حين منحها ظهره للنوم «هفكر»
ابتسم فخر بانتصار فعدم جدالها أو رفضها القاطع يعني أن الأمر استقر فوق طاولة المفاوضات، يريد لابن أخيه أن يرتاد المنزل أن تأخذ قدميه عليه وتعرف الطريق لما تملكه ولا يُنبذ بالعراء مذموم، أن تعتاد النظرات على وجوده بينهم، يريده فردًا له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات ، ويريد لهذا الحب البريء أن يكتمل وينضج تحت نظراته وفي كنفه ورعايته حتى يقضي الله أمره في حكايتهما.. ويريد لابنته حبيبة قلبه الراحة والسعادة وأن تأخذ ما تريد على أعين الموجودين، لا تسرق وقتًا تذهب فيه إليه ولا تخفي أمرًا كأنها تفعل ما يشين، يريدها طاهرة القلب من الحزن والعقل من الهواجس.
بدأ الأمر بعمله في محلاتهم ولن ينتهي عند ذلك سيحاول أن يفسح الطريق ويلهمه إياه حتى يصل ويحصل على ما يريد وأولها كرامته.
يجب أن يقبض ثمن ضياع حلمه ثروه كبيرة وعطايا تعوضه وتربت على قلبه.
تمددت سحر تفكر فيما طرحه عليها ومُقترحه، كلماته منطقية جدًا لما لا تستغله هي أيضًا؟ كيف فاتتها تلك الفكرة؟ تشك أن فالأمر خدعة من فخر وتدبير محكم يريد به حقًا، لكنها تراجعت في ظنها ففخر واضح صريح لا يحب الطرق الملتوية ولا يزور الخبث أفكاره هي تعرفه جيدًا ربما فكّر مثلها في المنفعة... كما أنه لم يقترح رضوان وحده بل وفتحي أيضًا، التجربة لن تضر ولو وجدت نوايا خبيثة يمكنها بترها في أي لحظة والقضاء عليها.
**********
في اليوم التالي
فتحت له والدته فسألها بصوت خافت «ضي جات يا أما ولا لسه»
قلدته في همسه بابتسامة ناعمة «وهي ضي بتتأخر عن ميعادها معاك يا أما؟»
هز رأسه ضاحكًا يجيب بإعجاب «لاه عمرها»
دخل المنزل فوجدها تجلس أمام الطبلية منتظرة قدومه بكتبها، تطرق بقلمها في ضيق وملل واستعجال، هتف بابتسامته الجذابة التي تأسرها دومًا وهو يجلس أمامها «جيت اهو»
هتفت بانزعاج وهي تنظر للحقيبة البلاستيكية الكبيرة التي يمسك بها «اتأخرت ليه يا عم أنت»
سألها وهو يهم بفتح كتبها «حليتي الواجب ولا لاه؟»
قالت وهي ترفع ذقنها بفخر وغرور «حليته وواجب المدرسة كمان حتى المستر قالي أنتِ عبقرية يا ضي»
تمتم بغيظ وهو يمسك بدفتر الواجب «ماشي يا عبقرية»
أنهى تصحيحه مثنيًا علي مجهودها فقالت محيية له من فوق مسرحها الذي أقامه لها بتصفيره وتشجيعه «شكرًا شكرًا»
فاجأها بقوله التالي وهو يخطفها ببريق عينيه الجذاب «غمضي عينيكي»
قطبت مستفسرة «ليه؟» شجعها بزفرة ملل «غمضي بس يلا»
وضعت أناملها على عينيها فقال وهو يخرج ما أحضره لها من أول مرتب حصل عليه «متظنظغيش يا ضي وتشوفي»
قالت بصدق وبراءة «لا مش هعمل كده»
سمح لها بانتظار ملهوف «افتحي يلا»
ما إن فتحت عينيها ورأت ما أحضره لها حتى شهقت مستفسرة «دي ليا؟»
هز رأسه بتأكيد وهو يراقب فرحتها بفرحة مماثلة، تناولت الحقيبة تقلبها بين كفيها قائلة «عرفت ازاي إني كان نفسي فيها»
هز كتفه قائلاً «معرفش أنا جبتها وخلاص»
نظرت إليه مشككة في قوله فابتسم مدّعيا البراءة من سوء ظنها، قالت بحماس «مكنتش حابة الشنطة الي جابتها أمي وكنت متضايقة عشان مخلتنيش أختار»
استند بمرفقيه على الطبلية قائلاً «كنت حاسس بكده»
ضمت الحقيبة و ابتسامتها تتراجع متحولة لضيق «رضوان دا أول مرتب صح؟» أكد تخمينها «أيوة»
قالت بعفوية وضيقها يشتد «طبعاً جبت ليا وليلى ولفاروق وأمك»
أثنى على توقعها «نبيهة»
أغتمت لوهلة فقال مهونًا عليها بعدما فهم ما تشعر به ودار بعقلها «ضي دا أول مرتب من جدي و مش هتكمل فرحتي بيه غير لما تفرحوا أنتم متضيعيش ده كله بحاجات ملهاش لازمة والرواتب جاية كتير»
هزت رأسها مبتسمة فقال وهو يضع كفه بجيب سترته «نستيني»
أخرج من جيبه أشرطة ستان باللون العسلى والأخضر الفاتح وبعض ربطات الشعر قائلاً من بين أسنانه «ودول علشان الضفيرة الي بتطلع من الحجاب يا هانم»
ضحكت وهي تتناولهم منه شاكرة فقال متوعدًا يهددها «عارفة لو شفتها تاني يا ضي هقصهالك»
ابتسمت واعدة له «لاه مش هتشوفها هخلي خالتي صبر تعملهالي»
فتح الكتاب بعصبية قائلاً «أما أشوف»
سألته وهي تمسك بقلمها «بس اشمعنا اللونين دول»
نظر لعينيها بارتباك قبل أن يبرر بكذب«كانت الألوان خلصانة»
شككت في قوله بنظراتها فقال متهربًا من حصارها «افتحي الكتاب يلا يلا»
نظر للأشرطة الملونة وعينيها متذكرًا توصياته لصاحبة المكتبة بأن تحضر له هذين اللونين اللذان يشبهان لون عينيها ويتماشيان معه متخيلًا مزيجًا رائعًا.
قالت وهي تكتب في دفترها ما أشار إليها بنسخه«رضوان»
أجابها باهتمام «ها»
قالت بنظرة مشتعلة الحماس والشغف وهي تتوقف عن الكتابة «اقترحت النهاردة على مستر العربي حاجة ووافق عليها وكان مبسوط جدًا»
استفسر بضيق «اقترحتي إيه؟» ثم عاتبها بحنق «مش منبه عليكي يا ضي متاخديش وتدي فالكلام معاهم»
قالت بغطرسة وهي تهز كتفها بدلال «هما الي بيتكلموا معايا وبيحبوا يناقشوني وياخدوا رأيي»
ضرب الدفتر فوق الطبلية قائلاً بنفاذ صبر «اقترحتي إيه يا مهمة؟»
ابتسمت وعينيها تعود للمعة الحماس والشغف مجددًا «كل يوم في الفسحة هيحفظنا قرآن»
اعترض قائلاً «وليه هو ما تروحي كُتاب فالمسجد»
أوضحت بحكمة «فالمدرسة أحسن كأنها حصة من ضمن الحصص وعلشان هو حافظ ومتدين وعارف التجويد»
استفسر بغيظ «وعنده كام سنة الحافظ المتدين ده؟»
ضيقت عينيها على وجهه تخمن «مش كبير جوي ولا صغير»
سخر بغلظة «فزورة»
تجاهلت ضيقه واستهزائه وتابعت بعفوية «بس شيك ولبسه حلو جدًا ومترتب وألوانه قمر»
ضربها بإستيلاء شديد وغضب لا تعرف من أين نبع وفاض«احترمي نفسك»
نظرت إليه مستفسرة بغيظ «إيه مش بحكيلك؟»
قال بحسم ونظراته تنضح بالغضب والحنق «مش هتحضري الحفظ في الفسحة ولا هتروحي من الأساس»
تعجبت بنظرة ساخطة «ليه إيه المشكلة؟»
أجاب بحزم شديد وقوة «هو كده ولو عرفت يا ضي إنك حضرتي هكسر رأسك»
تأففت منزعجة منه ومن تحكماته «أنا غلطانة إني بقولك حاجة أصلاً »
عاد للكتب قائلاً بابتسامة هادئة ونظرة منتصرة «متجدريش تعملي غير كده أصلاً لو فكرتي يا ضي تخبي عني حاجة أنتِ عارفة ويلا خلصي حلّ»
عادت لقلمها ودفترها تفتحه بقهر وغيظ شديد منه فقال بعد ما تنحنح ببعض الخجل الذي لا يعرف مصدره لكنه انبعث من مقترحه وكأنه يرفض أن يدخل غيره دائرتها «أنا هحفظك وأحفظ معاكي ونتعلم التجويد مع بعض»
رفعت وجهها من على الدفتر تسأله بسعادة «بجد!»
قال متهربًا من نظراتها كأنها ستكتشف غيرته عليها «أيوة»
صفقت راضية بحماس فابتسم وضربها على رأسها مشجعًا وهو ينهض «خلصي هروح اعملي كوباية شاي وجايلك»
التفتت موصية له «وأنا كمان»
أخرج لها لسانه رافضًا «لا»
عادت لكتبها وكلها يقين أنه سيفعل لها ما طلبت ويأتي به محمولًا على أكفّ المحبة والرضا.
***********
انتظر أمام باب المدرسة بصبر حتى خرجت بصحبة الفتيات، هادئة رقيقة ورزينة لا تجاريهن في صخبهن ولا مرحهن، تمشي بهدوء وثقة، ابتسم لها بإعجاب منتظرًا أن تراه هي أولًا وتعثر عليه، وقفت منتظرة سيارة أجرة تقلها للمنزل فوقف جوارها قائلاً بمزاح «عصير يا أنسة؟»
انتفضت بلهفة حين سمعت صوته، نظرت إليه ضاحكة «رضوان»
قال وهو يتأمل فرحتها الطاغية بمجيئه «كنت معدي من هنا جولت أستنى نروحوا مع بعض» قالها وهو يتناول حقيبتها ويعلقها خلف ظهره منحتها له بنظرة ممتنة شاكرة، قالت بمرح «شكرًا كتير إنك جيت»
خطرت له فكرة ممتعة فلمعت عينيه، ابتسمت مستفسرة لمعرفتها الوثيقة به «ها إيه جه فبالك؟»
اقترح بمرح «ايه رأيك نتغدى وناكل آيس كريم»
قالت بشقاوة محببة تستحسن الفكرة «موافقة يلا بينا»
تأملها قليلًا بابتسامة دافئة فضي دائماً مختلفة معه تتبدل كليًا حين تكون معه، شعلة متوهجة من الشقاوة والمرح لا يطفئها إلا ابتعاده... لا تشارك سواه شيئًا ولا تثرثر إلا له، تحكي له مغامراتها باسترسال وطمأنينة لكنها تختلف كليًا مع غيره تصبح هادئة، صامتة لا يثيرها قول ولا يحوذ على انتباهها فعل، كأنها تحتفظ بكل شيء له فقط ولا يرى أحد منها شيئًا غيره، تحاوط نفسها بالوحدة والانعزال حتى يحضر هو، وقتها تخرج من شرنقتها وتطير حوله كفراشة، ابتاع لها شطائر الكبدة التي تحبها والآيس كريم، سارا متجولان في الشوارع يتأملان واجهات المحلات باهتمام وهما يتناولان الطعام قالت بعدما أنهت شطائرها «رضوان هات الشنطة»
أجاب بلا مبالاة «لاه تقيلة أصلا عليكي يا ضي خليني لابسها»
اقترحت بنظرة مشاغبة «بجولك إيه تيجي ناخدها مشي للبيت؟»
فكر قليلًا ثم قال بنظرة أخذت من حيويتها التوهج «فكرة برضو»
سارت جواره قائلة بخجل «رضوان أنا كبرت»
نظر إليها قليلاً ثم أجاب وهو يضع كفيه بجيبي بنطاله «يعني شوية يا ضي»
هزت كتفها قائلة بسخرية «لا أنا بقولك مش بسألك»
صمت متفهمًا ففاجأته بقولها التالي «استنى هوريك حاجة»
توقف فاقتربت من الحقيبة المعلّقة خلف ظهره وفتحت جيب جانبي ثم أخرجت منه ورقة زهرية اللون مطوية بعناية يفوح منها عطر ثقيل، قطب مستفسرًا «ايه ده؟»
سار وهي جواره تضحك بمرح وهي تفضّ الورقة «دا جواب حب »
توقف عن السير قائلاً بعصبية «ده لمين؟»
أجابته ضاحكة بخجل «ما أنا بقولك إني كبرت»
قطب مستفسرًا بضيق واضح «مش فاهم يعني إيه برضو»
ضحكت فنهرها بغيظ «ما تتكلمي»
قالت بخجل واضح وهي تنظر للكلمات المتلألأة أمامها «في واحد بعتهولي وبيجول إنه معجب بيا وبيحبني»
هتف بغضب ونظراته يتطاير منها الشرر «نعم مين ده؟ وأنتِ قولتيله إيه وازاي تاخديه أصلا»
أجابته بصدق «مقولتش حاجة عشان معرفوش مين أنا لقيته في الدرج بتاعي بعد الفسحة»
سخر منها بفظاظة والغضب يسيطر عليه «ليه وأنتِ لو تعرفيه كنتي هتجولي»
قالت ببساطة وهي تهز كتفها «مش عارفة»
هتف متوعدًا لها وهو يسحب الورقة بعنف «نهارك مش فايت يا ضي»
دبدبت معترضة «أنا معملتش حاجة»
رفع الورقة قارئًا سطورها فازداد غضبه حدة وبدأ في اللعن والسب متوعدًا فاعلها، كرمش الورقة بأنامله ثم رماها في الترعة التي يسيران جوارها بخط مستقيم للمنزل، عاتبته ببراءة «رميتها ليه »
خلع الحقيبة من فوق كتفيه ودفعها لها قائلاً بعصبية «امسكي البسيها وامشي قدامي»
دافعت عن نفسها بغيظ وهي ترتدي الحقيبة «أنت متضايج ليه أنا مالي»
قال متوعدًا لها يهددها بحنق «عارفة يا ضي لو خدتي جوابات تاني هعمل فيكي ايه هرميكي فالترعة الي جنبك دي»
تأففت قائلة باستياء «أووف أنا قولت هنتريق عليه شوية وعلى الي كاتبه»
صاح بغيظ وصدره يغلي كمرجل من شدة القهر «امشي يلا ومتكلمنيش لغاية ما نوصل»
سارت أمامه مدبدبة بقدميها في رفض فقال ساخرًا «قال كبرت قال» سارا صامتينِ تنظر إليه بطرف عينيها مستكشفة بينما أفكاره تضاعف حنقه وهواجسه تنفخ في صدره فيشتعل الغضب أكثر وأكثر، لا يهدأ أبدًا، ثائر يتوعد الفاعل بغلظة وحين اقتربا من المنزل قالت ببراءة «خلاص متجيش تاخدني تاني»
صاح منفسًا عن غضبه فيها «دا من هنا ورايح هاجي كل يوم يا ضي وحياة أمك لهعرفه ومحدش هيخلصه مني»
سبقته منزعجة تزفر بقهر مستنكرة غضبه الشديد وهجومه عليها بل وتوعده لفاعلها، التفتت قائلة «عادي كل أصحابي بيجيلهم جوابات وبيحبوا»
ابتلعت ريقها بقلق حين أسرع الخطى ناحيتها بتجهم ونظرة متوعدة، استدارت مهرولة ناحية المنزل هاربة منه فتوعدها قبل أن تختفي خلف الباب «وحياة أمك يا ضي ما هعديهالك »
********
لاحظ فاروق توتره وانشغاله، شروده وأفكاره التي بالكاد يجمعها فسأله بانتباه وهو يغلق الكتاب «في إيه مالك مش على بعضك كده وحيران؟»
عبس رضوان بضيق وسؤال فاروق يحشره في خانة التذكر وهو بالكاد يحاول نسيان الأمر وتجاهله وتخطيه «مفيش ذاكر ذاكر»
هتف فاروق بعناد وتصميم «لاه في يا تقول يا هقوم أروّح لإنك مبتذاكرش أصلاً»
زفر رضوان بيأس وضيق قبل أن ينظر للكتاب متلاعبًا بأوراقه وهو يحكي له ما حدث وخصامه هو وضي، ابتسم فاروق قائلاً «طيب ما ده عادي فالسن ده يا رضوان»
هتف بعصبية مستنكرًا قوله «ايه هو الي عادي! هعرفه وهجيبه ابن ال...ليه يبصلها أصلا! »
شاكسه فاروق بمكر «وليه ميبصلهاش؟»
هتف بغضب «ضي أنا عارفها هادية وملهاش فحاجة وفحالها»
قال فاروق مشاكسًا صاحبه «وده سبب يخليه يبصلها ويحبها لو هو كويس وبيفهم»
استنكر رضوان قوله باصقًا التشبيه بغيظ «كويس وبيفهم!»
انتفض رضوان مقسمًا بتهكم«ورحمة أبويا لهعرفه النحنوح وأرنه علقه كويسة وبتفهم زيه»
سأله فاروق من بين ضحكاته «طيب وهي قالتلك ايه؟»
أجاب وهو يدور في الحجرة بثورة «الحيوانة بتجولي عادي كل أصحابي بيحبوا ويجيلهم جوابات أنت متضايج ليه»
كتم فاروق ضحكاته وقال مؤيدًا لها «طيب ما صُح عادي أنت متضايج ليه ما طبيعي جدًا»
أقسم بغلظة و الغضب يفور بداخله «أقسم بالله يا فاروق لو ما اتلميت وبطلت استفزاز لهرنك أنت العلقة»
قهقه فاروق قائلاً «وأنا مالي» ثم توقف عن الضحك مقترحاً بمكر «أقولك حاجة أحسن تريحك وتطمنك»
عاد رضوان للجلوس قائلاً بملل «جول»
بنظرة ماكرة وابتسامة حبيسة جدية اللحظة قال«اكتبلها أنت الجوابات أحسن»
رماه رضوان بالكتاب لاعنًا له ولاقتراحاته فقال فاروق بعدما أنهى ضحكاته «يا حبيبي هو كل الي هيعاكس ضي ولا يحبها هترنه علقة؟»
قال بتشفي «أيوة»
هز فاروق رأسه بيأس منه فقال رضوان بخبث «يعني أنت لو حد عاكس صفية هتسيبة؟»
هتف فاروق بسرعة «أيوة طبعًا!»
استنكر رضوان متهكمًا «يا راجل» أكد فاروق بحدة «أيوة طبعا وهو بيسلّم الروح هسيبه للملايكة»
قهقها وهو يضربان كفيهما في حماس ليقول فاروق وهو يعاود للمذاكرة «اضرب يا حبيبي ولا يهمك لما نشوف أخرتها»
بعد مرور يومان من البحث والمراقبة والسؤال عرف هويته ورتب خطته، انتظره حين خرج من درسه وفعل ما كان يتمناه.
********"
#انتهى
1
الثامن من هنا
