رواية اصداء القلوب الفصل السادس 6 بقلم سهي الشريف
6 | عِنـدما يعُـود المَاضي
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_السادس
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
"السَّلامُ عَليكَ حيًّا فِينا لا تَموتُ أبدًا
نُحبُّك، ونُحب مَن يُحبك،
وإن الموعد الحوض كما أخبرتنا،
وإنَّا لنصدقك."
1
- لا تنسوا أهل غزة و لبنان و السودان و كل المسلمين المستضعفين بصالح دعواتُكُم ♡".
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
لقد كانت كَلمة واحدة، كَفيلة بإشعال عُقول الجميع بفكرة واحدة لا حِياد لهُم عنها، تلكَ الفِكرة التي قد تكون شُعلة للإلهام أو شرارة للتمرد .
5
بعد تنهيدة طويلة ألتفت لها " ريان " ، كما تشتت أنظار الجميع بينه و بينها ، ألتفت يُطالع فيها نظرة خاوية المشاعر بينما مازالت نظرة الرجاء في عيناها ، ياليتهُ يعلم ما رجائها، لما تنظُر لهُ تحديداً هكذا !
+
كان صمته و نظراته الجامدة لها هو معرفته بغيابها عن الوعي الآن و أنها ليست سوى نزوات عابرة ، أو هذا ما أعتقدُه .
+
فور غيابها عن الوعي ، خرج سريعاً من بين الجميع بملامح مُقطتبة جعل " مروان " يهرول خلفه محاولاً اللحاق بها :
+
- دكتور ريان ، ريان ..
+
توقف على إثر ندائه " ريان " ليتوقف أمامه " مروان " يُطالع في حالته التي لم يعتاد عليها هو أبداً ، فتظاهر بعدم المعرفة و تسائل :
+
- ريان مالك ؟؟
+
هز لهُ " ريان " رأسه بعدم معرفة و قال بصوت هادئ يُنافي التبعثُر بداخله :
+
- مش عارف ، أنا مش فاهم حاجة .
+
شعر " مروان " بالحزن على رفيقه فوضع كفه على كتفهِ و قال بموساة :
+
- إن شاء الله كُله هيكون بخير .
+
هز رأسه لهُ بقلة حيلة و قال :
+
- إن شاء الله.. أنت هتقعد صح ؟
+
- آيوه أنا قاعد روح إنتَ و أبقي طمني عليك .
+
ابتسم لهُ " ريان " إبتسامه خفيفه ثم ألتفت تجاه رواق العناية ثم ألتفت لهُ و قال :
+
- أنا همشي ، لو حصل حاجة قولي .
+
بادلهُ " مروان " الإبتسامه و قال :
+
- متقلقش مفيش حاجه إن شاء الله.
+
ثم سلمّ عليهِ " ريان " و غادر ، فظل يُراقبه " مروان " و قال في جوفِه :
+
- ربنا يعينك يا صاحبي على إلي جاي .
+
غادر الجميع و بقي طبيب العناية المُركزة يُتابع حالة " ميرال " ، فـ خرجت ممرضتان من العناية و اقتربت إحداهنّ من الآخرى و همست لها :
+
- بت يا كوثر ، هو معقول تكون حبتُه ؟
2
ألتفتت لها "كوثر" باندهاش ، و أجابت بازدراء :
+
- هو أنتِ مدرستيش تمريض خالص يا نهى ؟
+
أجابت "نهى " :
+
- لا درست ، إيه بقا إلي حصل جوا ؟!
+
صمتتّ "كوثر" بتصبُر فتحدثت "نهى" :
+
- لا يكونش حب من أول نظرة زي المسلسلات الهندي ؟
+
ألتفت لها " كوثر " بتعجُب من حديثها ، فأجابت " نهى " نفسها و قالت:
+
- بس البت أجنبية ، هما الأجانب عندهم حب من أول نظرة ؟!
+
كانت أسئلة " نهى" جادة ، مقارنة بما تظنُهُ " كوثر " حول غباء أسئلتها فقالت الأخيرة بضجر :
+
- و بعدين سيبي إيدي ، إنت شابطة في دراعي كده ليه ؟؟
+
مطت " نهى " شفتاها بحقد و قالت :
+
- الحق عليا عاوزه أبقى صاحبتك .
+
- هو حد قالك أنا عاوزه نبقى صُحاب ؟
+
تسائلت " كوثر " بنفاذ صبر ، فأجابت " نهى " بعدم إكتراث كطبعها الدائم :
+
- أنا حسيت كده ..
+
ثم أعادت تشبيك ذراعيهم و ابتسامه عريضة ، نفثتّ " كوثر " بقلة حيلة و ساروا معاً في أروقة المُستشفى .
+
" و لربما كانَ ملاذكَ الوحيد، في تلك اللحظات التي أحكمتُ إغلاقها "
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
تقدم لغُرفته بهدوء مسترجعاً آخر أحداث يومه التي أنتهت بسحب عينات دم منه لأجل حالته التي أخبر " ريان " عنها.
+
أغمد أهدابه بتعب وكأن العالم بأسره ثقيل على صدره ، أراد الإسترخاء ليعود للعمل مع والده مرة آخرى ، كم أشتاق " آسر " للشركة و العمل ، و كانت تلك الأشواق تنتابٌه إن غاب عن العمل لعدة أيام ، مما يجعل الجميع يتعجب من تلك العادة .
+
أراد الذهاب في النوم ، لكن ذكرى مُحببه لقلبه ، فـ فتح أهدابه بهدوء و كأنه يحاول إستيعاب الضوء المُنعكس من تلك الذكرى ، فارتسمت ابتسامه حانيه على وجهه و كانت تُعبر عن مشاعر دفينه كبحر هادئ يُخبئ بين ثناياه كنوزاً من العشق.
+
وعلى الرغم من مرور الزمن، لم تبهت تلك الذكريات، بل ازدادت جمالا في عيونه، كلما تذكرها فقال في جوفِه :
+
- أنا مش عارف إيه هو مستقبلي، لكن عارف إن قلبي هينبض ليكِ ، و هيفضل ينبض ليكِ مهما طال الزمان .
2
وعد كبير قطعُه ، و آسّرهُ في نفسه ، نسى الجميع و ظنوا أنهُ نسى أيضاً ، لكنهُ مازال مُتمسِك في ذِكراها لا يعلم هو حب حقاً أم مجرد عذاب سيلاحقُه طول حياته ؟! .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
بثقل خطوات بطيئة كان يصعد الدرج قبل أن يدلف إلى المبنى السكني وبعد لحظة من التفكير، وقف أمام المصعد ثم ضغط الزر ليُفتح له، وتصاعد ببطء إلى الطابق السادس وعندما وصل وقف أمام باب الشقة، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يفتح الباب برفق، ليجد نفسه محاطًا بهدوء المنزل بعد أن خلَدت كل الأرواح للنوم.
+
أغلق الباب بهدوء، ثم خطا خطوات بسيطة نحو الكنبة حيث جلس بإرهاق محاولاً استعادة بعض من طاقته التي استنزف الكثير منها في المستشفى على مدار اليوم ، تحركت أفكاره وكأنها تتجول في أروقة ذهنه، يتذكر الوجوه والأصوات التي عايشها خلال الساعات الطويلة.
+
خفض أهدابه ورجع برأسه ليستند على ظهر الكنبة، مستمعًا لخطوات خافتة قادمة نحوه ، فتح عينيه سريعًا ليجد "فريدة" تقترب منه،اعتدل في جلسته، فسألته والدته بقلق في صوتها الذي يحمل رائحة العطف :
+
- ريان حبيبي ..
+
خرج صوتهُ مُتعب و هو يقول :
+
- أيوه يا أمي ، إيه إلي مصحي حضرتك دلوقتي بس ؟
+
جلست " فريدة " بجانبه و طالعت في ملامِحه و تجاهلت سؤاله قالت :
+
- مالك يا قلب أمك ؟
1
أمسك " ريان " يدها و قبلها بحنو و رفع عيناه لها و قال :
+
- مفيش يا ست الكل هو إجهاد بس إنتِ عارفه .
+
نظرت لهُ قليلاً و حاولت تغير الموضوع فقالت :
+
- طبعاً إنت لو تعبان عارف هتاخد إيه ؟؟
+
زادت ابتسامة " ريان " و قال :
+
- أيوه طبعاً .
+
بادلتهُ " فريدة " الأبتسامة و قالت :
+
- ربنا يحميك يارب و يبعد عنك كل شر و يقربلك كل خير .
+
- آمين يا أمي يارب ، ربنا ما يحرمنا منك .
+
و في تلك الأثناء فتح " نور " باب غُرفته و خرج منها و كان مازال في حالة النوم فتوقف و فتح نصف عين ينظر لـ والدته و " ريان " و بادلاه هم النظرات فتسائل " نور " :
+
- أنت جيت يا ريان ؟!
1
نظر لهُ " ريان " و ابتسم على مظهره فلو كان في وقت آخر لرد بإجابة مُغايرة لكنهُ أكتفى بقول :
+
- أيوه لسه داخل أهو .
+
هز " نور " رأسه لهُ ثم تقدم بخطوات ناعسة تجاه دورة المياه لتضحك والدته عليه بينما ذات الابتسامة على وجه " ريان " يقول بقلة حيله :
+
- هو دا هيروحلهم بعد كم ساعة إزاي ؟
+
أمالت " فريدة " رأسها بعدم مَعرفة ، و تبادلت معهُ الأحاديث الخفيفة و خرج " نور " ليقترب منهُم متسائلاً :
+
- ريان ..
+
ألتفت لهُ " ريان " بانصات ؛ فأكمل :
+
- هو دلوقتي المُسكن بيعرف مكان الوجع إزاي ؟
4
طالع فيه " ريان " قليلاً ثم أجاب مُستنكراً :
+
- بيستخدم الـ GPS ..
+
كان " نور " غير واعي بالكامل فأكمل " ريان " بقلة حيله :
+
- أدخل نام يا نور .. أدخل ..
+
- أنا بقول كده برضو .
+
ثم دلف لغُرفته لتقول " فريدة " :
+
- طيب أنا هقوم أسخنلك الأكل على ما تغير ..
+
قالتها " فريدة " لتنهض فـ يوقفها " ريان " برفض :
+
- لا يا أمي أدخلي نامي متعمليش حاجة ..
+
- يا بني هحطهم في المايكرويف في ثانية !
+
أصر " ريان " على رأيه و أعتدل واقفاً أمامها ثم قبل مُقدمة رأسِها و قال :
+
- يا أمي أنا هعمله متشغليش بالك عشان خاطري .
+
زمتّ والدته شِفاها ترى نظرات الرجاء منه فوافقت ثم قالت :
+
- طيب ، هتلاقي كل حاجة مرصوصه في الرف الثاني في التلاجه..
+
- حاضر يا أمي ، تصبحي على خير ..
+
- و أنت من أهل الخير .
+
دلفت غُرفتها فتنهد تنهيدة طويلة ليعلم أنهُ الآن تجلى أمام نفسه ، فخطى لدورة المياه ليغتسل و يتوضئ .
+
بعدة عدة دقائق خرج " ريان " و اتجه لغرفتُه و فرش سجادة الصلاة و اتجه لمُلاقة ربه في معاده اليومي و لكن هذِه المرة بأمور عديدة تجول في صدره لا يُريد إفصاحها سوى لله ، سوى لربِه و ملاذُه ، فـ الله أحنُّ عليكَ من ألفِ كِتف ومن ألفِ سَنَد ، الله يبقى حين لا يبقى أحد .
+
رفع كفاه ليُصلي قيام الليل بقلب خاشع لله ، يأتي للربه بقلب مشحون و يسجد لله لتسقط همومه من على كتفه.
+
فإن كانت ذنوبنا تسقُط في السجود ، فكيف بهمومنا و آثام قلوبنا ؟
+
أنتهى من قيام الليل ، و جلس على سجادته يستغفر ربه ، ثم رفع كفاه و بدأ بالصلاة و السلام على نبي الأمه و بدأ يستطرد همهُ لربه بالثناء عليه :
+
- ربِ أنت و ربُ كل شئ ، لك ملكُ السموات و الأرض و ما بينهما ، أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي فاغفرلي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
+
ثم حينها ترقرقت دموع " ريان " تضرُعاً لله ؛فاستطرد :
+
- ربِ أنتَ من قُلت في كتابك العزيز أدعوني أستجب لكم ، و أنا أدعوك ربِ أن لا تُحمل نفسي ما لا تُطيق ، و أن لا أُقذف في طريق سيأخذ من رُوحي و ليس لي نهاية به ، و أن لا أُخذل في طريق وضعتُ فيه أمانيّي ، و أن تُعين هذه النفس على شتاتُها و أن تثبت قلبي على دينك ، ثبتهُ يارب فلا يحيد عن طريقك المُستقيم ما حييت و أن ألقاك و أنت راضي عني فهذا جُل أمانيي و ما أرغب و أنت ربِ و ربُ قلبي و لا يخفى عليكَ مطلبي .
1
لم يصل لهُ رد ، كان حوار من طرف واحد ، كانت كلمات حنونه خرجت من جوفٍ مُناجي لله ، و همسات لم يصل صداها لتخرُج من بين أربع جدران ، و لكنِها وصلت السماء السابعة عند مالك المُلوك و مُقلب القلوب .
+
ختم " ريان " دعائه بالأستغفار و الصلاة على النبي ﷺ و مسح عيناه ثم أعتدل واقفاً ، و اقترب من الفراش و تأكد من أن المُنبه مُشير لوقت الفجر ، و حدث نفسهُ بعدم رغبته بتناول الطعام الآن ، فألقى بجسده براحه على الفراش و ذكر أذكار النوم حتى غفتّ عيناه براحه و سكينه في نوم عميق.
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
ساعات معدودة تفصلهم عن فجر جديد، و مع أرتفاع الآذان ، و في ذلك الطابق الهادئ من ذلك المبنى السكني، كان المنزل بأكمله يستيقظ على صوت والدهم الذي يخترق سُكون الصباح.
+
نهض " نور " و خرج من غُرفته ليلتفت لغرفة " ميار " و يجد الضوء خافت ، فاقترب من الباب و طرقات خفيفة عليه و هو ينادي أسمُها بنُعاس :
+
- ميار ، يا ميار إنتِ صحيتي ؟
+
كان " علي " توضئ و خرج من دورة المياه ، لتدلُف خلفهُ " فريده " ، و اقترب " علي " من " نور " الذي مازال يقف عند غرفة "ميار "ليقول له و هو يُجفف وجهه :
+
- روح صحي ريان يا نور ، أنا هصحي ميار .
+
أستجاب " نور " لوالده ليقترب من غرفه " ريان " و يطرق الباب عليه طرقة خفيفه ليجد الإجابة منه :
+
- تعالى يا نور .
+
فتح " نور " الباب بهدوء ليجد " ريان " جالس على طرف الفراش ، و يظهر عليه الإرهاق ، فاقترب منه و جلس بجانبه و سأله بخمول :
+
- إنت جيت إمتى إمبارح ؟
+
أجابه " ريان " بإرهاق :
+
- داخل واحدة البيت والله .
+
هز " نور " لهُ رأسه بتفهُم، فالتفت له " ريان " و طالع فيه قليلاً ثم قال بحنو و هو يمسح على كتفِه و يُقربُه منه :
+
- خلي بالك من نفسك يا حضرة الظابط .
1
ألتفت لهُ " نور " بتأثُر غير منطوق و وضع يده على يد" ريان" - التي وضعها على كتفه - و قال لهُ :
+
- متنسنيش من دعواتك يا ريان .
+
- عيب عليك يا نور ، أنت في دعائي دايما يا حبيبي والله ، يلا قوم أتوضى .
+
كانت هذه كلمات " ريان " الحنونه لأخيه الذي سيفقد حِسهُ في البيت خلال ساعات معدودة ، فاستجاب " نور " له و نهض ليتوضئ .
+
دلف " علي " غرفة " ميار " و أقترب منها و جلس على طرف فراشها ، مسدّ على مُقدمة شعرها برفق ثم قال بصوت هادئ :
1
- ميار .. ميار قومي لصلاة الفجر .
+
تمللت " ميار " في نومها ، ليُكرر والدها ندائه :
+
- قومي يا ميار ، يلا الفجر يا بابا .
+
بدأت " ميار " تستعيد وعيها و تعرفت على صوت والدها ، لتبتسم بين نومِها لينتبه " علي " لتلك الإبتسامه و يقول :
+
- ما تقومي يا مكاره بطلي نوم ..
+
ثم ابتسم " علي " على إثر ابتسامتها و نهض من جانبها ليخرج ، و بعد ثوانِ معدودة نهضت " ميار " و خرجت من غُرفتها و كان " ريان " و والدها يستعدان للخروج ، فالتفت لهُم بعيون ناعسه فابتهج" ريان " حينما أبصرها و قال :
+
- صحي النوم يا ميرو ..
+
ابتسمت لهم ، و بادلوها الإبتسامه في لحظات كانت معدوده لتلك السكينة والطمأنينة المُنتشره بينهم في ساعات الصباح الأولى .
+
اقتربت من دورة المياه لتجد " نور " يخرج منها و هو يتثاوب، ليُغطي فمه و ينظر لـ " ميار " نظرات غامضة والتي بادلته ذات النظرات ، فقال :
+
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
+
كان " نور " يستعيذ من الشيطان بعد التثاوب ، و لكن كانت صُدفه مُمتازه ليفتح نقاش مُشاكسه بينهم في دقائق الصباح الباكر .
2
- في إيه يا عم ما تتاوب بعيد عن وشي !
+
- آلاه هو أنا جيت جمبك دلوقتي ؟
+
دفعته " ميار " بغيظ طفيف ليُفسح لها المجال لتدلف ، بينما هو وضع المنشفه حول عُنقه و قال :
+
- يا ساتر يارب ، دا الواحد هيرتاح هناك منها .
+
- سمِعتك على فكرة .
+
كانت تلك عبارة " ميار " من داخل دورة المياه، ليُجفف " نور " رأسه و ابتسامه عريضة على وجهه ، ثم خرج سريعاً ليلحق بأخيه و والده .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
و على الجانب الآخر في أحد الأحياء المُتواضعه لمحافظة القاهرة ، أستعد هو ليخرج لتلبيه نداء الرحمن ليرى والدته تخرُج من غرفته تُناديه :
+
- يا مؤمن ..
+
توقف " مؤمن " عن الضغط على زناد الباب و ألتفت لوالدُته ، لتقترب منه و تقول برفق :
+
- عيزاك النهاردة تقف مع عمك و بنت عمك في عزاهم ، متسبهومش ، دي يا حبيبتي خسرت جوزها و بنتها في حادثة واحدة .
+
هز " مؤمن " رأسه لها براحه و قال بهدوء :
+
- متقلقيش يا ماما من غير ما تقولي .
+
تنهدت والدته برتياح و مسحت على كتفِه بحنان و قالت :
+
- دعواتي و قلبي معاك في أي مطرح تروحه .
+
بادلها الأبتسامه ثم أنتبه لنداء الإقامة ليخرج سريعاً ليلحق بالركعة الأولى .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
عاد الجميع بعد صلاة الفجر ، كان " علي " و " ريان " يُمازحان " نور " لقُرب مغادرته ، ثم دلفوا البيت سوياً ليجدوا " فريدة " تتلوا آيات من القرآن و" ميار " تُنصت في صالة المنزل ، ليقترب الجميع منهُن ثم جلسوا و انصتوا لتلاوة القرآن باحترام و خشوع ، فهذا كلام الله الخالق و وجب التأدب عند سماعنا له .
+
ظلت تتلوا حتى توقفت عند : ﴿ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ﴾
+
ألتفت لـ " ميار " و قالت :
+
- قوليلي يا ميار مين هما الي ربنا آداهم الكتب هنا ؟
+
لم تتردد " ميار " في إجابتها و قالت :
+
- المقصود علماء اليهود و النصارى .
+
هزت رأسها بالإيجاب ثم قالت :
+
- أحسنتِ
+
ثم ألتفت لـ " نور " و تسائلت :
+
- يعني إيه ( يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ ) يا نور ؟
+
فكر " نور " للحظات ثم أجاب بثقة :
+
- يعني تقرر عندهم في كُتبهم صفات نبي آخر الزمان ، وعرفوا أن محمد رسول الله وأن إلي جه به حق وصدق و متأكدين من ده ذلك زي ما هم متأكدين من عيالهم واستحاله يشبهوا عليهم حد ، فمعرفتهم بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصلت للـ حد إلي ما يشكوكش فيه أصلا و كل حاجه واضحه ليهم أنه نبي بس فريق منهم كتموا ده و كفروا .
+
- بارك الله فيك .
+
ثم فكرت قليلاً و تسائلت :
+
- و مين إلي أتطبق عليه الآيه دي ساعتها يا ريان ؟
+
تنهد " ريان " ثم أجاب بثبات :
+
- يُقال هو حُيي بن الأخطب ، أحد أحبار اليهود و علمائهم و هو والد السيدة صفية بنت حُيي رضى الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و إلى حصل لما النبي عليه صلوات ربي وصل المدينة و طلعت اليهود تشوفه، حُيي طلع يشوف الرسول ﷺ و إلي كانت فيه الصفات كلها بالظبط، فلما رجع البيت أخو حُيي و أسمه أبو ياسر سأله " أهو الموجود في كُتبنا ؟" فرد عليه حُيي و قال " نعم " فسأله أبو ياسر " إيه العمل ؟ " هتعمل إيه ؟ ، فجاوبه حُيي بـ " عداوته ما حييت " يعني أفضل أعاديه و لا أؤمن بيه لحد ما أموت ، و سمع الله كلامُه و مات كافراً .. و إلي سمع الكلام برضو كانت صفية رضى الله عنها بس كانت لسه صُغيره و الحوار دا من أسباب إسلامها بعدين .
+
تحدث " علي " هنا و سأل :
+
- مات إزاي يا ريان ؟
+
ألتفت لهُ الجميع بانتباه رغم علمِهم الإجابة ، و لكن لفصاحة " ريان " في حفظ النصوص الدينيه ما تجعل حديثُه مشوقاً و إن كرره :
+
- كان وقت غزوة بني قريظة في سنة خمسه بعد غزوة الخندق علطول ، و دا بسبب خيانة يهود بنو قريظه للنبي ﷺ و كمان كانوا عاوزين يبيدوا المسلمين ، و الي كان منهم حُيي ، فأُتي بحُيي بن أخطب عدو الله و جُمعت يداه إلى عنقه بحبل .
+
أخذ نفساً ثم استطرد :
+
- و وفعلا أوتي بحُيي بن الأخطب لكي تُضرب عُنقه و لكن قبل ما تُضرب ، قال للنبي عليه الصلاة والسلام "والله ما لُمت نفسي قط في مُعاداتك " ، يعني عمري ما لومت نفسي في مُعاداتك "لكن من يُغالب الله يغلُب" لكن احنا ما بنقدرش نغلب ربنا بعدها قال " أيها الناس لا بأس بأمر الله ، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني اسرائيل" يعني و خطبة كمان في الناس وبيثبتهم بيقول والله ده قدر ربنا كتبه علينا وملحمة من ملاحم بني اسرائيل اصبروا واحتسبوا وبتاع ،حتى اللحظة اللي بيموت فيها فضل مُعادياً للنبي عليه الصلاة والسلام ثم جلس فضُربت عُنقه.
+
- أيوه و إلي حكم فيهم بالقتل كان سيدنا سعد بن معاذ رضى الله عنه .
+
كانت تلك عبارة " نور " ليوافقه الجميع القول ، ثم قال " علي " حينها :
+
- باختصار يعني مفيش أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ،و إن ربنا بيقول لرسولنا الكريم في الآيه إلي بعدها ﴿ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ﴾ يعني إلي أنزل إليك -أيها النبي- هو الحق من ربك، فلا تكونن من الشاكين فيه ، و إن كان ده خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فهو موجه للأمة محمد كمان .. الجدال و الشك في الدين حرام ، إلا لو بسأل عشان أتعلم و لو حد علمك حاجه في دينك متتكبرش عليه و أسمعها منُه لإنك لو صديت عنه ربنا هيحاسبك ، إنت وِصلك العلم معملتش بيه ليه ؟ واخدين بالكم ! .
+
وافقهُ الجميع بإيجاب فختم حديثه قبل أن ينهض لغُرفته :
+
- بارك الله فيكم جميعاً .
+
- و فيك بارك الله .
+
و كان هذا رد الجميع عليه في صوت واحد .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
أشرقت الشمس وتنفس الصبح أول أنفاسه، وأستيقظت هي باكراً رغم تعبها ، قامت بتنظيف المنزل بشكل بسيط بعد تلك الليلة العابثة التي مرت على منزلها .
+
أخذت " ليلى " تنظف الأرض من بقايا أعواد السيجارة ، و الأوراق المُمزقه و تفتح النوافذ لتُعيد التهوية الجيده للمنزل .
+
أخذت نفساً عميقاً و تذكرت تفاصيل تلك الليله ؛ حيث كانت مُستلقيه على الفراش بعد أن تمت محاليلها و سمعت صوت طرق عالي على باب المنزل ، لتعتدل بفزعّ حتى سمعت صوت من يفتح الباب ، لتنهض من الفراش و تقترب من باب غرفتها و تُقرب أذنيها لتستمع ، فوصل لها أصوات مُتعدده كان المؤلوف بينهم هو صوت والدها يضحك و يُرحب بمن يدلُف له ، شهقت " ليلى " بصدمه لا يُعقل أن يكون أتى برجال لمنزله في ذلك الوقت المتأخر!
+
رفعت يدها ببطئ و سحبت قفل الباب لكي تمنع حتى من فتح الباب بالمُفتاح ، و سارت ببُطئ ترفع كومود صغير و تضعُه خلف الباب .. لم تكُن تعلم سبب ذلك التحفُز الذي أتخذتُه و لكن أصوات ضحكاتُهم و روائح السيجارة التي وصلت لها لم تجعلها تثق بمن أتى و لا لبضع ثوان ، هذا فوق عدم ثقتها في والدها في المقام الأول .
2
جلست على الفراش و ضمت قدميها لجسدها بتوتر و خوف كبيران ، لا تحيد بنظراتها عن الباب و أصواتهم في الخارج تخنُقها ، تُعيد لها ذكريات لم تكُن بالمُحببه لها يوماً و لكنها هزت رأسها بقوة ذهاباً و إياباً تُنفض تلك الفكرة عنها ، ثم قالت بصوت خافت :
1
- أنا لازم أدور على شغل تاني أنا مش هقدر أقعد في البيت دا كتير ..
+
ها هي تُغلق أنوار المنزل لتدلُف لغرفتها تُبدل ملابسها ، لتعود لمدرستها و تبدأ يوم جديد سيفتح عليها صفحه جديده في حياتها .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
أنتهى من تجهيز نفسِه و خرج من غرفته يجُر حقيبته خلفه ، كان أرتدى الزي العسكري الخاص بالشرطة و بكامل أناقته ليبدأ عامُه الثاني في كلية الشرطة .
6
وضع " علي " كوب القهوة على الطاولة و نهض بابتسامه عريضة فور أن نظر لـ " نور " ليقترب منهُ الأخير و يُمسك يد والده يُقبلها فيسحبُه والده لهُ يضُمُه بمحبه كبيرة ليقول لهُ الأخير و هو يُطبطب على ظهره :
+
- خلي بالك من نفس يا نور .
+
اكتفى " نور " بابتسامه هادئه ، ليجد والدُته تأتي من خلفُهم و الدموع كانت تجمعت في عيناها ، ليترك والده و يبتسم له ، ثم يتوجه لوالدته التي لم تودعهُ يوماً سوى بالدموع ليضُمها بحفاوة و يُمسد على ظهرها و هو يقول :
2
- خلاص يا ماما بقا مش كل مرة والله أنا مش مهاجر والله .
+
لم تُعير والدُته لكلماته أي معنى و أخذت تبكي و هو يضُمها لها بقوة ثم رفع رأسه يًقبلها من رأسها عدة مرات و يحاول كبت دموعه أمامها ، لتقول هي من وسط بُكائها :
+
- خد بالك من نفسك يا نور .. أنتظم يا ابني و أبعد عن المشاكل .
1
- حاضر يا ماما والله ، بطلي عياط بقا ..
+
- إنت عارف ماما هتفضل تعيط عليك كل مره لحد ما توصل .
+
كانت تلك عبارة " ريان " الذي اقترب منهم يضُم " نور " بابتسامه عريضه ليُبادله الآخير بحنان كبير و كأنُهُ يستجمع قوتُه منه ، فشعر به " ريان " و مسدّ على ظهره ليهدئ قلبه ، ثم خرج من بين ذراعيه ينظُر للجميع بامتنان ليُبادلوه المحبه ، و لكنهُ مازال يبحث بينهم على واحد فقط ، ليفهم " ريان " نظراته و يُشير لهُ بعيناه لغرفتها .
+
سار " نور " بخطوات هادئه لغُرفتها ، و طرق الباب برفق لتُجيب سريعاً ففتح الباب بلهفه و بابتسامه عريضة رُسمت على شفتاه تلاشت فور أن حط ببصره عليها بصدمة ، لتلتفت لهُ بسعادة و تشير لنفسها و تقول بلهفه :
+
- إيه رأيك في الطقم ! حلو عليا ؟؟
+
فتح " نور " فاهه بصدمه ثم هتف قائلاً :
+
- يا ميار دا أنا لسه ملبستش الجاكت دا يا مفتريه !!!
1
نظرت " ميار " لمظهرها بعدم فهم ثم قالت :
+
- أنا أقول برضو حسيته جديد ..
+
طرق " نور " رأسهُ بكفه و زمّ شفتاه بغيظ ثم اقترب منها ليقول :
+
- طب مش كنتِ تستني أمشي و تقلبيني ، مصبرتيش أتنيل أمشي حتى يا مفتريه ..
+
ثم همّ يركُض ورائها في الغرفة ، و " ميار " تهرب منه و أصوات ضحكها تعلو لتصل لهُم بالخارج فضحك الجميع بقلة حيله على حركات هؤلاء الأثنان كل مرة .
+
- يلا يا نور عشان ما تتأخرش !
+
كان هذا نداء " فريدة " له ، ليتوقف عن ملاحقه " ميار " و ينظر لها بشر و يقف أمام المرآه يُهندم ملابسه ، فلم يكن يتوقع وداعهاً بارداً له ، هو يعلم أنها عدة أسابيع و يعود و لكن ما الضير من رؤية بعض مشاعر الإشتياق منها تحديداً .
+
اقتربت منها ثم وقفت بجانبه و نظرت له ، ليهتف بغيظ :
+
- في حاجة عجباكي لسه عاوزه تخديها تاني ؟
+
طرقت " ميار " بكوعها كتف " نور " برفق لينظُر لها من المرآه ثم ابتسمت له إبتسامه حنونه ليُضيق عيناه لها بتعجُب يمنع نفسُه من مُبادلتها الابتسامة ، ثم زمّ شفتاه يكبح ابتسامته و قال بصوت هادئ :
+
- خلاص يا ستي خديه مسامحك فيه .
+
و فجأة خرجت أصوات تُتمتم عن سعادتها و اقتربت من عُنقه تضُمه لها بسعادة بالغة و اشتياق ، ليندهش من فعلتها ثم يضُمها له برفق و راحه كبيرة ، ليقول باستفزاز :
+
- بس هدفعك تمنُه لما أرجع .
+
خرجت " ميار " من بين ذراعيه و هتفت باستنكار :
+
- أمشي يالا شوف إنت كنت رايح فين ..
+
ارتفعت صوت ضحكات " نور " بانتشاء ، ثم اقترب من وجهها و قرص وجنتيها برفق و قال :
+
- دا عامل ٥٠٠ جنيه ، لما ارجع يكون المُرتب نزل هاخدهم ٦٠٠ !
+
- هتاخدهم بالفوايد ولا إيه ؟
+
تسائلت " ميار " باستنكار ليُجبها :
+
- ما هيكون اتبهدل فهعوز أجيب واحد تاني .
+
- تُقصد إني ببهدل الهدوم ؟؟
+
هتفت " ميار " باستكار و كاد يُجبها لولا أنه سمع صوت والده يقول :
+
- يلا يا نور ، عم محمد مستنيك تحت ..
+
لقد دقت ساعة المُغادرة ، مشاعر تضاربت في صدور الجميع رغم إعتيادُهم على غيابه كل فترة ، و لكن أن يغيب أحد من جمعتكم فجأة لهو أمر مُحزن في قلوب المُحيطين بك ، و أن تُفارق عائلتك لهو أحزن تلك المواقف.
+
وقف الجميع حوله و هو يفتح الباب ليلتفت لهُم و يقول بابتسامه مُحاولاً إذهاب ذلك الحزن عن وجوههم :
+
- كلهم ٢٥ يوم و أرجع ألقاكم عاملين صنية فراخ بالبطاطس و أهم حاجه تكون حراقه .
2
ضحك الجميع عليه ، ثم يقترب منه " ريان " ليحمل معه حقيبتُه ليهتف باعتراض :
+
- لا لا سيبها يا ريان متتعبش نفسك !
+
لم يلتفت لهُ " ريان " و حمل الحقيبة و قال :
+
- أخرج بس كده قدامي ملكش دعوة .
+
و بالفعل خرج " نور " ثم تبعهُ " ريان " حاملاً حقيبته ليتجهوا أمام المصعد ثم يدلُفا فيه ، و أشار لهُ الجميع بأيديهم لتوديعه فبادلهم التلويح، و ألتفت لـ " ريان " الذي كان يحاول وضع الحقيبة بشكل جيد في المصعد ليضحك ثم يُساعده و أغلق باب المصعد على هذا المشهد ، ليتنهد الجميع و يدلفوا للداخل بخواطر حزينه .
+
و قف أمام بوابة البناية يجُر " ريان " حقيبة " نور " خلفه ، ليقترب الأخير من حارس البناية و يبادله السلام ثم خرج ليجد سواقهم الخاص " عم محمد " يقف له و فور رؤيته لهم ، فتح حقيبة السيارة ليرفعها "ريان" و "نور "سوياً ليضعها فيه ثم أغلق الباب ، ليرفع " نور " رأسُه أعلى ليجد والدتُه و " ميار " يطالعون فيه فارتسمت أبتسامه حنونه ليُبادلوه الابتسامة.
+
تحرك ليدلُف لداخل السيارة و اقترب منه " ريان " و حدثه عبر نافذة السيارة :
+
- يلا مع ألف سلامه .. مع السلامة يا حبيبي .
+
ثم انطلقت السيارة به لوجهته المُعتادة ، ليقف " ريان " يطُالع في إثر السيارة قليلاً ثم دلُف البناية ، ليوجه " علي " كلماتُه لـ " فريدة " و " ميار " بالدخول .
+
انطلقت به السيارة قليلاً ليصل لهاتفه الخلوي و الذي كان قديم الطراز بدون تكنولوجيا أو كاميرا فكانت تلك قواعد الكلية ، فوصل لهُ إتصال فابتهج فور رؤية الإسم و فتح الإتصال :
+
- السلام عليكم .
+
ليُجيب بلهفه :
+
- و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أنا أصلا بقول مليش غير ريم أختي ..
2
ضحكت " ريم " و قالت :
+
- يا حبيب قلبي ، عامل إيه يا نور ؟
2
- بقيت زي الفل أهو ..
3
خجلت " ريم " من مُشاكسته و تسائلت :
+
- إيه إنت فين دلوقتي ؟
+
ألقى نظره سريعاً على الطريق ثم أجابها " نور " :
+
- أنا في الطريق أهو ، ربع ساعة و أوصل إن شاء الله ..
+
تنهدت " ريم " بارتياح و قالت :
+
- طيب يا حبيبي توصل بالسلامة يارب .
3
ابتسم " نور " و قال :
+
- تسلميلي يارب .
+
- طب إبراهيم معاك عاوز يكلمك .
+
ثم أعطت "ريم" الهاتف لزوجها، ليُسلم على "نور" ويتسامر معه قليلاً طيلة الطريق ، كان هناك شغف كبير يربط بين شخص غريب ليكون صديق وقريب من القلب والعائلة ، فلقد كانت علاقة "إبراهيم" بأهل زوجته مبنية على الاحترام والتقدير، خالية من جميع الصفات البغيضة التي نهانا عنها رسولنا الكريم.
3
واصل " نور " حديثه مع أبناء أخته بحماسة كبيرة، و عندما وصل إلى وجهته، ودعهم بحرارة ثم دلف إلى الكلية بعد أن تعرف عليه أمن البوابة من بطاقته الخاصة .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
هبط من غُرفته ، فوجد والداه جالسان في صالة المنزل الرئيسيه ليهتف :
+
- صباح الخير ..
+
رد كليهُما عليه ، ثم تسائل والدُه " جليل " :
+
- هتروح المكتب يا جواد ؟
+
توقف " جواد " عن السير و ألتفت له قائلاً :
+
- مش عارف والله يا بابا ، عاوز أشوف المشكلة إلي في المطعم دي الأول .
+
أمسك " جليل " كوب القهوة و ارتشف منهُ و قال :
+
- متأكد مش عاوزني أتدخل في حاجة ؟
+
تنهد " جواد " بتفكير ثم قال هو يَثني أكمام قميصه :
+
- لا بابا لو أحتاجت حاجة هقولك أكيد .
+
ثم همّ بالرحيل ليتذكر أمراً ليعود و يتسائل :
+
- آسر و وائل راجعين الشركة النهاردة ؟
+
- أيوه ..
+
هز " جواد " رأسُه له ليستطرد " جليل " و هو ينظر لزوجته " فاتن " :
+
- النهاردة الأجتماع هنشوف هيحصل إيه في الصفقه إلي راحوا عملوها .
+
تذكر " جواد " تفاصيل رحلتهم و التي كان سبب السفر هو صفقه كبيرة للشركة ليبتسم ثم يقول :
+
- متقلقش يا بابا متأكد آسر و وائل عملوا شُغلهم كويس .
+
هز " جليل " رأسه و قال :
+
- إن شاء الله هنشوف .
+
ثم تحرك " جواد " و اتجه للمطبخ ، ليجد أحداهنّ واقفة به فتعجب و قال :
+
- يُمنى ؟ إنتِ بتعملي إيه هنا ؟ إنتِ مجهزتيش نفسك عشان المدرسة ليه ؟!
7
ألتفت لهُ " يُمنى " و أجابت :
+
- أنا تعبانه بس النهاردة .
+
طالع فيها قليلاً ثم هز رأسُه بتفهُم و قال :
+
- طيب ألف سلامه عليكِ .
+
و همّ أن يرحل ثم توقف قائلاً :
+
- يُمنى ! مش عاوزك تهملي دراستك لأي سبب .
+
ابتسمت لهُ " يُمنى " و قالت :
+
- أكيد يا أستاذ جواد .
+
ثم تنهدت و قالت :
+
- تحب أعمل لحضرتك قهوة ؟
+
- لا لا متتعبيش نفسك ، هعمل أنا .
+
أجابته " يُمنى " باعتراض و قالت :
+
- و لا يهم حضرتك دا أنا بحب أعمل القهوة صدقني مش هتتعبني .
+
ابتسم لها ثم وافق قائلاً بنبرة عميقة :
+
- تمام خلاص هستناكي في أوضة المكتب .
+
- حاضر مش هتأخر على حضرتك .
+
ثم غادر "جواد " لتبتسم " يُمنى " بامتنان و همتّ بصُنع القهوة و فور أن خرج وجد " حنان " في طريقه قد بدلت ملابسها ، ليقول :
+
- صباح الخير يا ست حنان .
+
- صباح خير يا جواد .
+
ابتسم لها تسائل :
+
- جاهزة ؟
+
- أيوه جاهزة إن شاء الله ، تحب أطلع إمتى ؟
+
نظر لها قليلاً ثم قال :
+
- لا إنتِ هتطلعي معايا أنا مش رايح المكتب النهاردة ، و وكلت الشغل لزميلي عشان أفضى لمشكلة المطعم دي ..
+
هزت لهُ رأسها فتحرك و دلف المطبخ سريعاً و عاد لها قائلاً :
+
- تعالي معايا أوضة المكتب .
+
جلس بها في غرفة المكتب ليصل لهُم بعد عدة دقائق طرقات على الباب ليأذن بالدخول و تدلُف " يُمنى " حامله كوبين من القهوة و ضعتهم على طاولة صغيرة أمام مكتبه ، ثم اعتدلت واقفه ليقول " جواد " :
+
- تسلم إيدك يا يُمنى .
+
ألتفت لهُ " حنان " بتعجب و قالت :
+
- هيا الكوبايه التانية لمين يا جواد ؟
+
ابتسم لها " جواد " و " يُمنى " التي طلب منها " جواد " بصُنع كوب آخر لـ " حنان " فهتفت باعتراض :
+
- بس يا أبني..
+
- من غير بس ، أشربي القهوة عشان ورانا شغل كتير النهاردة.
+
هزت رأسها لهُ بقلة حيلة ثم ألتفت لـ " يُمنى " و قالت :
+
- خلي بالك من نفسك و من البنات يا يُمنى ، ماشي يا حبيبتي؟
+
أجاب " جواد " سريعاً :
+
- يا ست حنان متخافيش عليهم دول قاعدين في البيت يعني .
+
ابتسمت " يُمنى " ثم طالعت في " حنان " و أشارت لها بعيناها أنها ستذهب ، ثم أستأذنت و خرجت من الغرفة .
3
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
كانت جالسة على طاولة الطعام برفقة عائلتها يتناولون الفطور، بينما انغمست هي في تناول تلك الرقائق الهشة المغموسة في الحليب، وهي عادة يومية لم تتغير رغم تقدمها في مراحل العمر.
+
ألتفت لها " ممدوح " - والدها - و قال :
+
- ورده حبيبتي البتاع دا مش هيشبعك ما تاكلي زي ما كلنا بناكل..
+
ألتفت الجميع لـ " وردة " و قالت أُختها " يـارا " التي تكبُرها بثلاث أعوام :
+
- سيبها يا بابي على راحتها .. ممكن تاكل في الـ school عادي .
+
أعترض والدها قائلاً :
+
- على فكرة ليان أختك أصغر منك و مبتعملش كده .
+
أنتبهت " ليان " لأسمها فطالعت تجاه " وردة " فـ هتفت والدتُهم " مريهان " :
+
- في إيه يا ممدوح ما تسيب البت على راحتها !
+
أما تلك الصغيرة توقف الطعام في حلقِها مُنذ أن بدأ والدُها بانتقاد طعامِها ، عجباً أنه لا يعجبُهُ أي شئ يصدُر منها .
+
تنهد قليلاً و أكمل الجميع طعامهُم ، إلا هي أكملتهُ بضيق ، فالتفت والدُها و قال بهدوء مُتحفز :
+
- المهم يا ورده خلي بالك من دروسك مش لازم أفكرك إنك ثالثة ثانوي .
+
اتجهت نظرات الجميع لـ " وردة " التي أجابت بهدوء :
+
- حاضر يا بابي .
+
كانت "وردة" تدرس في آخر مراحلها الثانوية في إحدى المدارس الدولية التي توفر الكثير من التعاون لطلابها ، ورغم أن الضغوط كانت أقل مما يواجهه طلاب المدارس العادية، فإن الضغط الذي مارسه والدها عليها كان كبيرًا جدًا.
+
نهضت الفتيات جميعًا نحو غرفتهنّ لتحضير أغراضهنّ قبل الذهاب ، و في تلك الأثناء اقترب "ممدوح" من "مريهان" وقال:
+
- النهاردة عازمين عيلة الزيني عندنا، عاوز كل حاجة تبقى مظبوطة.
+
أنهى ممدوح عبارته بهزة خفيفة لرأسه تجاه "يـارا" التي كانت واقفة أمام باب الفيلا بغرور، تنظر إلى الهاتف مُستعدة للذهاب إلى جامعتها ، فـ بادلت "مريهان" النظرات مع "ممدوح" ففهمت مقصده وقالت :
+
- على خير إن شاء الله
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
دلفت غرفة المعلمات كعادتها اليومية لتجد مكتبها في الزاوية وفجأة لمحت طيفها فهتفت بلهفة:
+
- إيه دا ليلى !
+
انتبهت " ليلى " لإسمها فارفعت عيناها لـ تبصر " ميار " تتجه لها ، فـ تحاملت على نفسها و نهضت لتضُمها " ميار " بحفاوة قائلة:
+
- حمد لله على سلامتك .
+
ابتسمت " ليلى " و أردفت :
+
- الله يسلمك يا حبيبتي.
+
نظرت لها " ميار " بتفحُص فلقد كان الإرهاق جلياً عليها رغم محاولتها لإخفائُه و قالت :
+
- إنتِ عامله إيه بقالك يومين مجتيش ؟
+
ابتسمت " ليلى " بمجاملة ثم قالت :
+
- ظروف كده الحمد لله يعني ..
+
هزت " ميار " رأسها لها بتفهُم ، ثم أتى من ينادي " ميار " باستدعاء المديرة لها ، فـ ابتسمت " ميار " لها و غادرت ، فجلست " ليلى " مرة آخرى ، و شردت بأفكارها كثيراً حتى وجدت الخلاص فمالت على مكتب " مي " و قالت لها هامسه :
+
- بقولك يا مي تعرفي شغل كويس ؟
+
طالعت فيها " مي " قليلاً ثم تسائلت :
+
- شغل ؟ هو إنتِ عاوزه شغل ؟!
+
- أيوه ، في مشاكل أبويا واقع فيها و محتاج فلوس فقلت ألاقي شغل تاني عشان أجمعله المبلغ .
2
قالتها " ليلى " فـ فكرت " مي " بجديه ثم قالت :
+
- مش عارفه والله بس هسألك و أرد عليكِ .
+
ثم قالت " ليلى" بصوت خافت راجي:
+
- بس أرجوكي تخلي الكلام دا ما بينا .
+
- أيوه طبعاً يا ليلى متقلقيش .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
هبط من سيارته ثم اتجه بخطوات ثابته واثقة كعادته داخل المستشفى ثم اتجه لصالة الإستقبال لتُرحب به الموظفه فيتسائل " آسر " :
+
- هو دكتور ريان جه ؟
+
كادت أن تُجيب الموظفه بالرفض حتى أتى صوت من خلف " آسر " قائلاً :
+
- الدكتور ريان شخصياً هنا .
+
ألتفت " آسر " لهُ سريعاً ثم بادله التحيه و الأبتسامات لتهتف الموظفه بسعادة كبيرة :
1
- صباح الخير يا دكتور ريان .
+
غض " ريان " بصره و أجاب بتحفُز :
1
- صباح النور يا فندم .
+
ثم وجه نظراتُه لـ " آسر " قائلا بجدية :
+
- تعالى معايا يا آسر .
+
رفع " آسر " حاجباه باندهاش على طريقة رد " ريان " على الموظفة التي أنفجرت أساريرها فور رأيته ، و لكن تجاهل ذلك و ركز على طريقه تجاه مكتب " ريان " ليكون مريضُه الأول .
+
طالع " ريان " في التحاليل بتركيز كبير ، يُقلب عيناه بين سطور النتائج ببراعه ، استغرق الأمر منه بعض اللحظات ليبتسم بهدوء قائلاً :
+
- التحاليل سليمة تمامًا ، مفيش حاجة بتوضح مشكلة خطيرة ، بس عندك قرحة هضمية بسيطة، وهتحتاج تمشي على علاج .
+
- تنهد " آسر " بارتياح بعد لحظات الإنتظار التي مضت كساعات و قال :
+
- يعني... مفيش حاجة؟
+
أجاب " ريان " بنبرة مُتزنه :
+
- أيوة، مفيش حاجة الحمد لله ، لكن القُرح دي بتجي وتروح على حسب الضغط النفسي ، هو ضغط نفسي كبير و الحمد لله أنها جت على قد كده .
+
هز " آسر " رأسهُ بارتياح ، فأردف " ريان " و هو يكتُب على عدة أدوية :
+
- لو لاحظت أي تعب تاني أرجعلي علطول ، و أهم حاجة إنك ترتاح وتهتم بجسمك ، فلازم تكون حريص في المرات الجاية.
+
مد " ريان " الورقه بيده لـ " آسر " ، فاستلمها منه ثم ثنيها عدة ثنيات و وضعها بجيب سُترته ، ثم طالع في " ريان " قليلاً الذي كان مُنشغلاً بتسجيل بعض الأشياء على جهازه اللوحي ، لتتردد الكلمات داخل جوف " آسر " ليبوح قائلاً :
+
- هيا عامله إيه ؟
4
ألتفتت أعين " ريان " سريعاً لهُ بجمود و إدراك حول سؤالِه .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
- هو مين ده معرفوش !
1
تنهدت " مريم " بقلة صبر ثم قالت :
+
- يا بنتي ركزي معايا .. أنا سمعت أنهم بيقولوا إنه جه إمبارح المدرسة ، و الدنيا كانت مقلوبة عليه في السوشيال هو إنتي مش بتفتحي فيس يا ميار ؟؟!
+
قطبت " ميار " حاجباها بتفكير :
+
- لا مشفتش الأخبار ، أخبار إيه ؟
+
زمتّ " مريم " شفتها ثم أخذت نفساً و حاولت التحدث بهدوء :
+
- بصي هو شاب من عيلة غنية ، كان مسافر في دولة أجنبيه عشان شغل و هو راجع في الطيارة ، حصل فيها عطل و كانت هتقع بس ستر ربنا أنهم فكروا و هبطوا هبوط إضطراري على البحر و الكل كويس ..
+
- يااه حمد لله على سلامتهم ، فين الموضوع برضو ؟؟
1
طالعت فيها " مريم " بتصبُر و قالت :
+
- فتحي دماغك معايا بقا أنا لسه هكمل .
+
هزت " ميار " رأسها بانصات فاستطردت " مريم " :
+
- قالو أن الشاب دا أتعاون معاهم و ساعد الطاقم و الرُكاب رغم أنه من الطبقة الغنية إلي المفروض يكونوا متكبرين و بتاع ، بس هو كان شجاع و كده و الكل أتكلم عنه و رجع مصر من يومين .
+
- جميل الكلام ده .
+
طالعت فيها " مريم " قليلاً ، ثم انفجرت " ميار " ضحكًا على مظهرها فهي لا تفهم إلى الآن لماذا تُخبرها بهذا الأمر برُمتِه ، لتقول " مريم " فجأةً :
+
- و هو كان هنا في المدرسة إمبارح .
+
توقفت " ميار " عن الضحك تدريجياً و بدأ تأتي لعقلها فكرة ما ألمجمتها بسؤال :
+
- و كان بيعمل إيه في المدرسة ؟؟
2
- بيقولوا خد بنت صغيره ، شكلها بنته .
+
حسناً بات كل شئ واضحاً الآن ، طالعت فيها " ميار " باندهاش ثم قالت بعدم تصديق :
+
- بت يا مريم ، أنا الشاب دا قابلته إمبارح هنا !
+
- نعم ؟؟
+
هتفت " مريم " بعدم تصديق و قالت :
+
- شفتيه إمتى و إزاي ؟؟
+
أخذت " ميار " تسترجع ما حدث معها بالأمس و تقصهُ على " مريم " التي انصتت بانتباه شديد ثم قالت حين أنهت " ميار " من سرد ما حدث :
+
- يلهوي يا ميار كل دا حصل و مقلتليش ليييه؟؟!
+
- أنا مكنتش أعرف ، أن قلت أستأذان زي أستأذان يعني ما كل الطلبة إلي هنا عوايلهم غنيه .
1
ابتسمت " مريم " بعدم تصديق ثم تسائلت :
+
- يعني شفتيه ؟؟
+
طالعت فيها " ميار " تفهم مغزى سؤالها ثم قالت بعدم اهتمام :
+
- لا إنتِ عارفاني غضيت بصري ، بس لمحت شوية من ملامحه.
+
ابتسمت " مريم " بهدوء في استماعها لكلمات " ميار " و التي اردفت بخجل :
+
- بس حسيت أنه مركز معايا حبتين .. دا نده أسمي أول ماشفني جمب مليكة .
+
كتمت " مريم " اندهاشها ثم قالت :
+
- يا سيدي يا سيدي .
+
تأففت " ميار " من مقصد " مريم " لتسطرد الأخيرة بعد أن نالت شئ ستُشاكس به " ميار " :
+
- طب معزمكيش على قهوة ؟
+
- بطلي بقا ، مش بحب كده .
+
ضحكت " مريم " على ردة فعل " ميار " الجادة ، فتوقفت بالفعل و طالعت فيها بتفكير ، لتتردد " ميار " ثم تقول :
+
- أنا أصلاً عاوزه اسيب الفصل ده .
+
اختفت ابتسامة " مريم " لتهتف متسائله :
+
- ليه ؟؟!
+
- عشان زي ما قلتلك ، مليكة دي صعبت عليا بصراحه و حاسه إني مش هقدر أشوفها كده بجد مش هقدر ، مع إن نور اقنعني ابقى جمبها بس أنا محتارة .
+
انتظرتها " مريم " لتختم حديثها ثم قالت بصيغة جادة :
+
- ميار حبيبتي فين المشكلة دلوقتي ؟ إنتِ أستاذة و عارفه إنك ممكن تقفي قدام طلاب بحالات مختلفة سواء اجتماعي أو مرضي أو مستوى دراسي حتى ، و بعدين الأطفال زي مليكة فرصة حلوة تزرعي فيها حاجه كويسة .
+
طالعت فيها " ميار " باهتمام دون الرد ، فأردفت " مريم " بتوجيه :
+
- بطلي طيابه زيادة عن اللزوم .
+
كانت " ميار " تعلم أنها لو عرضت هذا الموقف على غيرها لأتهمتها بالمبالغة و التصنع ، و لكن لأن " مريم " تعلم جوهرها الحقيقي و ردات فعلها التي تكون غير مؤلوفه للجميع فهذا يُسهل عليها حسن الظن بها في مواقف عديدة و تفهُم مشاعرها .
+
لتمُد " مريم " يدها و تُمسد على كتف " ميار " بحنو و تقول :
+
- قومي يا اختي لحصتك ، فيه مرتب آخر الشهر يلا يامه ..
+
ضحكت " ميار " بقلة حيله ، و استجابت لأوامر " مريم " التي فور أن نهضت مُعتدله وصل لهم صوت جرس حصة جديده، لتشير لها " مريم " بعيّنيها لتذهب ، و قبل أن تتقدم " ميار " خطوة أوقفتها " مريم " مُردده :
+
- إحنا طالعين النهاردة نتعشى سوا تطلعي معانا ؟
+
طالعت " ميار " و تذكرت ذلك التجمع مع زميلاتها من المدرسة بليلة عشاء على فترات مُتباعده، لتهتف " ميار " باعتراض:
+
- لا مش هقدر النهاردة، أنا عاوزه أخلص و أروح ، نعوضها أنا و إنتِ مرة تانية إن شاء الله .
+
ابتسمت " مريم " بتفهُم ثم غادرت " ميار " الغرفة لتصعد لفصلها .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
- هي مين يا آسر ؟
1
أعتدل " ريان " في جلسته و كأنهُ أخذ وضع الهجوم ليبتلع " آسر " ريقه بتفكير و لكن فضل الصمت في النهاية ، ليُطالعه " ريان " قليلاً ثم يقول بجمود :
+
- هي كويسة الحمد لله ، بتسأل عنها ليه ؟
+
تنهد " آسر " بارتياح ثم قال :
+
- أنا مش قصدي متفهمنيش غـلط .
1
أجابه " ريان " بتحفُز :
+
- و أنا عشان عارفك يا آسر رديت عليك ، بس إنت عارف إن الموضوع دا إنتهى من زمان .
+
طالع فيه " آسر " باندهاش ثم قال :
+
- ريان أرجوك متقولش كده .. أنا .. أنا مش عارف أقولك إيه ، بس أنا بحاول ..
4
انصت " ريان " لهُ باهتمام و بسعادة طفيفه طافت داخله قال :
+
- و أنا عارف إنك بتحاول ، بس إنت عارف كمان أنا هدي أختي لمين .
+
هز لهُ " آسر " رأسه بإيجاب فجملة " على خُلق و دين " لم تتلاشى من رأسه ، ليتنهد ثم يعتدل واقفاً يمُد يده له ليبادله " ريان " السلام و يقول :
+
- هستأذن أنا يا ريان .. السلام عليكم
+
ابتسم لهُ " ريان " و أردف :
+
- و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
+
و فور أن خرج " آسر " أردف " ريان " قائلاً في إثره :
+
- ربنا يعينك على الطريق إلي عاوز تمشي فيه يا آسر .
+
ثم عاد و ألتفت لجهازه اللوحي، و تمُر دقائق طويلة لتقطع ذلك التركيز طرقات خفيفة على الباب ، ليأذن بالدخول رغم انهماكه الشديد ، لتدلف إحدى الممرضات قائله :
+
- دكتور ، دكتور محمد عاوزه حضرتك في العناية .
+
هز " ريان " رأسه لها ، لتخرج المُمًرضة ويُغلق الجهاز و يتنهد بتصبُر ، ليُردد قائلا :
+
- والله ربنا يعيني أنا على الأيام الجاية .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
كانت " ليلى " خارجة من المدرسة ، حتى رن هاتفها فقامت بالإجابة :
+
- أيوه يا مي ..
+
و بعد ثوان قالت فيها " مي " آخر ما توصلت له فردت " ليلى " و هي تهبط على درجات الدرج :
+
- طيب ماشي يا مي هشوف كده ، متشكرة جداً .
+
ثم أغلقت الإتصال ، ليصل لها صوت إشعار من أحد تطبيقات التواصل الشهيرة بها موقع المكان و الذي تسمع عنه " ليلى " لأول مرة ، فقررت الذهاب و تجربة حظها و أستقلت سيارة أجره .
+
توقفت السيارة بعد ربع ساعة في المكان الذي حددته "ليلى"، لتدلف منها بخطوات حذرة، ثم تلتفت لتجد خلفها مبنى شاهق الحجم ، قدرت عدد طوابقه بالثلاثة، لكن بفضل عرضه الضخم كان واضحًا أنه يتباهى بسعة مُثيرة للإعجاب.
+
ظهر المبنى بشكل رائع حقًا وكأنك تدلف لفندق خمس نجوم وليس مطعم فاخر ، تصميم الأعمدة الرخامية و واجهة الزجاج اللامعة، جميعها تعكس فخامة لا تُخطئها العين ، الزرع الأخضر المزروع بعناية عند مدخل المطعم أضفى لمسة من الحيوية، كما لو كان استقبال هذا المكان يُرحب بالزوار بأذرع مفتوحة.
+
تقدمت بخطوات مترددة نحو المدخل مشاعر القلق تتدفق في أعماقها ، كانت تأمل أن يمر كل شيء بسلام،أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدفع الباب الزجاجي، ويدها ترتجف قليلاً ، و ما إن دخلت حتى غمرها شعور بالدهشة؛ كانت الأضواء الساطعة تنعكس على الأرضية اللامعة، ورائحة الطعام الشهي تُعطر الأجواء ،كل شيء كان تمامًا كما تصورت، بالإضافة إلى لمسة من الأناقة والرفاهية.
+
تقدم إليها أحد مُضيفي المطعم قائلاً باحترام :
+
- أهلا و سهلا بحضرتك ، نورتينا يا فندم .
+
نظرت " ليلى " و ابتسمت على ذلك الترحيب المُهذب ، ثم قالت بهدوء :
+
- أنا كنت جاية عشان شغل هنا ..
+
نظر فيها المُضيف ثم قال باحترام:
+
- بصراحة يا فندم معنديش أي علم عن ظروف العمل ، تقدري تسألي في شؤون العاملين .
+
- فين شؤون العاملين معلش ؟
+
أشار لها المُضيف لأحد الأركان ، لتشكُره "ليلى" ثم تتقدم تجاه ذلك الركن حتى تقف أمام الباب الذي وضع عليه لافته بإسم " شؤون العاملين " لتطرق الباب ، وتنتظر الرد الذي أتاها سريعاً لتدلف للداخل ، لتواجه سيدة في منتصف عِقدها الرابع تُرحب بها ، ثم تشير لها بالجلوس :
+
- أهلا وسهلا أتفضلي حضرتك .
+
جلست " ليلى " على كرسي قابع أمام مكتب السيدة ، ثم استطردت طلبها :
+
- لو سمحتي أنا كنت جاية هنا عشان شغل .
+
- حضرتك عندك خبرة في خدمة المطاعم ؟
+
هكذا تسائلت السيدة فأجبت " ليلى " بقلق :
+
- لا معنديش خبرة .
+
تفهمتّ السيدة ثم تسائلت :
+
- طيب حضرتك تعرفي تشتغلي في المطبخ ؟
+
صمتتّ " ليلى " قليلاً بتفكير ، فقالت السيدة :
+
- المطعم هنا على مستوى زي ما حضرتك شفتي ، فإنتِ ليكِ أختيار المكان إلي عاوزه تشتغلي فيه بشرط تدينا أداء كويس لأننا نقدر نشيل و نجيب بديل بسهولة ، طلب الوظايف هنا عالي .
+
صمتتّ لبُرهة ثم أستطردت :
+
- لو هتشتغلي في المطبخ هيكون شغلك في الأول مسح المطبخ و الرخام و الأرض و التنظيف ورا الـ Chefs ، و بعدين تنضيف المواعين و بعدين تقدري تساعدي الشيف المساعد و دا بيكون ترتيب الأطباق على حسب طلب كل تربيزه .
+
أخذت بُرهه ثم أكملت :
+
- أما لو عندك خبرة في الطبخ ممكن تبقي مساعدة شيف و تقدري تنظمي الأكل جوا الأطباق و ممكن الطبخ ساعات ، و بعدها شيف رئيسي و كل ما تعلي الراتب بيزيد، أو ممكن تتجاهلي كل ده و تخليكي في الخدمة على الطاولات .
+
بعد بُرهه من الحيره التي رسمت على وجه " ليلى" من تلك الأدوار ابتهجت بالأختيار الأخير فقالت :
+
- هبقى في الخدمة إن شاء الله.
+
أمالت السيدة رأسها بتفهُم، ثم قالت :
+
- طيب هطلب منك شوية معلومات .
+
ثم بدأت تأخذ منها المعلومات و تُسجلها في خانات ثم وضعت الملف داخل دُرج في مكتبها و قالت السيدة :
+
- إحنا كده خلاص أستاذة ليلى ، و هنبلغ حضرتك إن شاء الله.
+
نهضت " ليلى " بابتسامة و قالت :
+
- تمام متشكرة جداً .
+
ثم غادرت " ليلى " المكتب ، و في طريقها للخروج طالعت بنظرة آخرى على المطعم و عدد الأشخاص به و مدى نظام العاملين و رُقي المكان ، و شعرت بالأمل و السعادة إن عملت بمكان كهذا ، ثم ألتفت لتخرج من المبنى و قد حاز بداخلها شئ حزين :
+
- دي آخرتها يا ليلى ، تبقي أستاذة ليكي مكان الصبح ، و تيجي آخر النهار تلفي على طلبات الناس ، هقول إيه بقا الحمد لله.
+
تقدمت لتوقف سيارة آجرة حين وصل لهاتفها إتصال ، لتقبله قائله :
+
- أيوه يا ميار .
+
- قالولي إنك مشيتي قلت أرن أطمن عليكِ .
+
ابتسمت " ليلى " بوهن ثم أجابت :
+
- حبيبتي تسلميلي ، كنت تعبانه و عندي مشوار كده ..
+
تنتهدت " ميار " ثم أردفت بلُطف :
+
- طيب يا حبيبتي ألف سلامه عليكِ ، روحي كده و صلي الصهر و أدعي ربنا في السجود دا أكتر موضع بنبقى قريبين لربنا فيه ، فمفيش أحب و أعظم من إننا ندعي في الموضع دا ، و ربنا يستجيب و يروق بالك.
+
دلفت " ليلى " لسيارة الأجرة ، و ابتسمت بهدوء ثم قالت :
+
- حاضر يا حبيبتي تسلميلي على كلامك يا ميار والله .
+
ثم تبادلا السلامات و أغلقا الإتصال ، و سارت السيارة لدقائق طويلة حتى وصلت أمام منزلها ، لتلتفت لـ للسائق بالمال و الذي يعترض و يطلب ضعف المبلغ فهتفت باعتراض :
+
- عفواً من حضرتك بس أنا كنت رايحه هناك من المعادي بأقل من كده .
+
ألتفت لها السائق قائلاً بجفاء :
+
- أنا واخد حضرتك من قدام المطعم .
+
هتفت " ليلى " باعتراض بعد أن فهمت نوياه :
+
- يعني إيه واخدني من قدام المطعم أنا مكنتش باكل هناك على فكرة !
+
استمر الجدال بينهم عدة لحظات لتخرج من السيارة و تترك لسائق المال المُستحق و لسوء حظها كان هذا هو المال الوحيد معها ، ليأتي " سامي " راكضاً لهم على إثر تلك المُشاده التي شاهدها من على مقهى في أول الشارع ، ثم اقترب بغضب ليوجه بصره بين السائق و " ليلى " ليُردف :
+
- فيه يا معلم ؟ إيه إلي بيحصل ؟؟
+
فزعت " ليلى " من تواجد والدها هنا و مع ذلك ألتزمت الصمت فأي ما كان سيخرُج منها لن يُعجبه ، ليهتف السائق :
+
- الآنسه راكبه معايا من الزمالك و مدياني خمسة و عشرين جنيه !!
+
قطب " سامي " حاجباه باعتراض و أردف :
+
- طيب و أنت عاوز إيه يعني؟؟!
+
- يا باشا انا عاوز 50 جنيه ، الكل شغال كده !
+
كادت تُجيبه " ليلى " باعتراض و لكن " سامي " آخرج نقود من معه و أعطاه للسائق و قال بحزم :
+
- يلا خد يا حج و أتكل على الله شوف رزقك .
+
أخذ السائق المال و أخرج سبات لا نهائية ، ليلتفت " سامي " لها بازدراء و هتف :
+
- و إنتِ راجعه منين ؟
+
- أنا .. أنا كنت بدور على شغل يا بابا ..
+
كان الضيق يعتري أنفاسُه التي تخرُج بتأفف و تلك الملامح المُنزعجة التي تعلوا وجههُ ، ليقبض على معصمها بيده و يدلُف بها لداخل البيت.
+
فور أن فتح باب المنزل أفلت يدها بقوة لتندفع للداخل ثم تسقط أرضاً ليهتف بغضب :
+
- مش هتطلعي من الباب هنا غير للشغل بس !
+
أطبق الباب خلفه بقوة، فارتجفت "ليلى" قبل أن تتنفس الصعداء ،و لأول مرة لم يُفرط في ردة فعله ،لكنها طردت هذا الفكر سريعاً؛ فهو يعلم بحثها عن عمل من أجله، وسيمنحها بضعة أيام فقط للعيش.
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
- إحنا إدنالها حقنة مُهدئه من تلات دقائق ، بس هيا مش بتتكلم خالص ، و في حالة صدمة حادة و دا هيصعب علينا مراحل كتير في العلاج النفسي و الجسدي .
+
طالع فيها " ريان " بعد حديث طبيب العناية من خلال زجاج النافذة المستطيلة لغرفة العناية المُركزة ، ليُردف الطبيب النفسي :
+
- هيا مش مستوعبة أي حاجه حواليها و الخوف و التشتت مسيطر عليها .
+
هز لهم " ريان " رأسه بتفهُم ليقول طبيب العناية " محمد ":
+
- أدخلها يا دكتور ريان ، شوف هتعرف تطلع منها بحاجه ولا لا ، بذات أنها لسه متعرفش أن أهلها ماتوا ..
+
طالع فيهم " ريان " بتعجُب ، ليُشير له طبيب العناية بعيناه لهُ فاستجاب " ريان " ثم تنهد و دلُف للداخل ، بينما أردف في تلك الأثناء الطبيب النفسي :
+
- ريان حالياً أنسب واحد في وضعها دا ، شوية شوية و نسحبه من حالتها ..
1
آمال الطبيب "محمد" بموافقة على حديثه ثم تحركا سوياً بعيداً عنه .
+
أما بالداخل؛ الأنوار الساطعة لغرفة العناية المركزة كانت تخترق الظلام، ورغم الصمت الذي يملأ الغرفة، تقدم هو بهدوء يُبصر مؤشراتها الحيويه بينما كانت مُستلقيه على الفراش و تضع قناع التنفس ، لتقول المُمرضة" كوثر " الواقفة بجانبها :
+
- حالتها مش مستقرة نفسيًا ، أخدت الحقنة وهدت شوية، لكن لسه مش قادرة تستوعب الوضع.
+
اقترب من الفراش بحذر و وقف عندها و رغم أن عيون " ميرال " كانت مفتوحة لكنها بدت شاخصة و وجهها شاحب و ذو ملامح مُشوشه مُتعجبه .
+
كان يراقب كل إنفعال في جسدها ، ليقول بصوت هادئ :
+
- أنتِ في أمان هنا، نحن جميعًا معك .
2
لكن لم يصل لهُم رد فعل ، عيناها كانت مُنتبه لمكان بعيد لا تعي أو تسمع ما يجول حولها ، ابتسمت " كوثر" ابتسامة ضعيفة فرفع " ريان " صوته و قال :
+
- لحد دلوقتي، مفيش أي رد فعل واضح الحقنة هدتها شوية، لكن الوضع النفسي صعب ، هي مش قادرة تتقبل أي حاجة.
+
و فجأة حركت " ميرال " يدها بحركه غريبة و كأنها تشير على شئ بعيد و عيناها مليئة بالخوف و لكن لا تستطيع التحدث، لتقترب منها " كوثر " و لكن تُفاجئها " ميرال " بمحاولة للابتعاد عنها تمنعها من الاقتراب أو لمسها .
+
و على تلك الحركة أستأذنت " كوثر " بالخروج لصنع شئ ما ، فاقترب " ريان " من أحد الأجهزة و طالع فيها بتركيز لينتبه لأمر ما ، فالتفت سريعاً ليجدها ألتفتت برأسها له تُطالع فيه بتركيز.
+
لم يستطع " ريان " أن يُنكر تعجبُه ، فما اللذي حدث الآن ؟ ليقترب منها مُتسائلاً :
+
- أتستطعين سماعي ؟؟
+
طالعت فيه بشرود قليلاً حتى ظنّ أنها لن تُجيبُه ليجدها تهز رأسها بهدوء إيجاباً ، فسكن بتفكير يبحث في طريقة لتعامل معها جيدًا.
+
لكن "ميرال" لم تكن ترى شيئاً حولها سُوى الفراغ، وعيناها كانتا شاردتين رغم أنها هزت رأسها بهدوء ، اقترب "ريان" منها خطوة أخرى، وكان خاليًا من أي فكرة حول ما سيحدث بعد ذلك.
+
- أتتذكرين أي شيئ ؟!
+
هكذا تسائل بترقُب لكن " ميرال" لم تكن قادرة على الرد و كأنها لم تكن تُريد التحدث، وعيناها مليئتان بالحيرة والألم .
+
وقف " ريان " أمامها ورأسه مشغول بأسئلة كثيرة، لكن كان هناك شيء آخر في الجو، شيء غير واضح ، بدأ يشعر أنه ليس أمام مريضة نفسية فحسب، بل أمام شيء أكبر بكثير ، الصدمة التي تعاني منها ليست فقط من الحادثة، ولكن من شيء أعمق، شيء لا يفهمه هو نفسه.
+
تسائل " ريان "بصوت خافت، وهو يحاول الوصول إلى إجابة :
+
- هل تريدين أن تقولي شيئاً؟ إذا كنتِ لا تستطيعين، فلا مشكلة... لكن إذا كان هناك شيء آخر، قد يساعدني في فهم ما يحدث.
+
فجأة، أغمضت "ميرال" عينيها وسقطت دمعة خفيفة على خدها، و " ريان" كان يعرف أن هذا ليس رد فعل طبيعي ، هي تشعر بألم نفسي أكبر بكثير من الألم الجسدي.
+
كانت "ميرال" تتراجع عاطفياً بشكل أكبر ، لم تستطع قبول أي شئ حولها ، شعرت بالحيرة والتشتت بين لحظات وعيها وضياعها في التفكير بينما كان " ريان " يراقب تحركاتها ، وعيناه مليئتان بالحذر ،كان يعرف أن العلاج النفسي ليس سهلاً، والمريضة قد تكون على حافة الانهيار ، و على حركه غير إراديه منها أدارات معصمها ليظهر وشم برسم الصليب ، لينتبه لهُ " ريان " و كأنهُ أعاده لأمر ما ، لينظر لها نظرة تفحُصيه أخيره ثم خرج بهدوء بعد عدم تلقي إستجابه ، مُستغفراً ربه .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
فُتح المصعد لتخرج منه بهدوء، ثم تتقدم بخطوات حذرة تحاول تذكر الممر المناسب لـ .. و ها هي وجدت وجهتها ، تقدمت بسعادة بالغة لتقف أمام مكتب والدتها ، و بحركه لا إرادية حادت بنظراتها تجاه مكتبُه ، ثم تجاهلته و طرقت باب المكتب لتأذن لها والدتها .
+
دلفت " وردة " المكتب بمرح ثم أغلقت الباب خلفها سريعاً و ابتسامه عريضة رُسمت على محياها بادلتها والدتها بأخرى جامدة ثم أردفت :
+
- هو إنتِ كل يوم التاني هتنطيلي في المكتب ؟؟
+
زمت " وردة " شفتاها بحركه طفوليه و اقتربت تجلس على الكنبة بكل راحه ثم قالت :
+
- يا مامي باجي عشان أتعلم و أبقى مهندسة زيك ..
+
تنهدت " مريهان " بتصبر ثم قالت وهو توقع على أوراق :
+
- لما تخلصي ثانوي إن شاء الله نبقى نشوف الهندسة دي.
+
انزعجت " وردة " و قالت باعتراض :
+
- بس أنا عاوزه من دلوقتي ، لازم أثبت لبابا إني شاطرة .
+
على تلك الخاطرة انتبهت " مريهان " لحديثها و رفعت رأسها و قالت بهدوء :
+
- وردة يا حبيبتي باباكي عاوز يشوفك ناجحه ، صدقيني هو مش عاوز ينـ ...
+
قاطعتها " وردة " باعتراض قائلة :
+
- لو سمحتي يا مامي ، أنا عارفه بابي شايفني إزاي ، دا حتى مش عاجبه أكلي ، وشايف إن يـارا أختي أحسن وحده فينا مع إننا كلنا عارفين يـارا نجحت إزاي .
+
- بنت !! متتكلميش عن أختك كده تاني ، سامعه !
+
ونظرات والدتها الحادة لجمتها ، و توقفت الكلمات كسيف في حلق " وردة " ليصل رنين هاتف مكتب " مريهان " لتُجيب و في استماع للمتصل ثم ختمت الإتصال قائلاً :
+
- تمام أنا نازله ..
+
أغمضت " مريهان " عيناها ثم فتحتهُما و نظرت لـ " وردة " و حاولت عدم الغضب عليها فقالت بهدوء و هي تُجمع أغراضها :
+
- وردة حبيبتي روحي البيت ، آسر و وائل داخلين الشركه و أول ما يوصلوا هنعمل إجتماع فمش هبقى فاضيه معاكِ .
+
أجابت " وردة " برقة و حُزن :
+
- ممكن أستناكي في مكتب المهندس زي المرة إلي فاتت ..
+
طالعت فيها " مريهان " باندهاش ثم نفضت الفكرة و قالت:
+
- لا دي كانت مرة كده و خلاص ، و غير كده هو واخد أجازة النهاردة من الشغل .
+
لتقول " وردة " متسائله :
+
- ليه ؟!
+
ليتها تكبح إنفعالها ليس أمام والدتها التي طالعت فيها بعدم فهم ، لتنتبه " وردة " على إندفاعها فقالت مُعدلة جملتها :
+
- أ .. أقصدي النهاردة آسر و وائل راجعين و كده و الكل مستنيهم ، يعني يوم مهم .
+
ثم ابتلعت حلقها فبسبب إندفاعها بدون تفكير في مواقف عديدة تضع نفسها في مواقف مُحرجة لا تقصدها ، لتُجيب والدتها وهي تنهض :
+
- عنده حالة وفاة ، يلا قومي و بطلي كلام ..
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
كانت جالسة على سجادتها تضُم صورة صغيرة لقلبها و تهجئ بالبكاء المرير ، رفعت الصورة لعيناها الدامعتان و قالت بصوت متحشرج:
+
- وحشتيني يا ماما أوي ، وحشتيني أوي ، نفسي أرجع لحُضنك تاني ..
+
ثم رفعت رأسها للأعلى و قالت برجاء و الدموع تسيل على وجنيتها بحُرقة :
+
- يارب ماما تكون عايشه ، يارب تكون عايشه ، يارب أنا عايشه على أمل إني أشوفها و لو لحظه واحده ، يارب أنا بتنفس عشان عاوزه أشوفها يوم واحد .. يارب متحرمنيش من شوفتها قبل ما أموت .
+
ثم انفجرت في بكاء مرير تضُم صورة والدتها بقوة و كأنها قوتها الوحيدة ، و صوت شهقاتها تزيد فلقد أطلقت لنفسها العنان في إظهار حُزنها مُستغلة عدم وجود والدها .
+
لكن حتى حقها في الحُزن لم يكن مُتاح لها ، إذ سمعت صوت طرقات على الباب الخارجي ، لتأخذ برهه من الوقت لتُدرك أن هناك طارق ، فخبأت صورة والدتها سريعاً و مسحت وجهها على عجلة ، و خرجت بعبائة الصلاة على تعجُل منها فوالدها لا يُحب تأخرها عليه..
+
لكن لحُسن حظها أنها لم تنزعه إذا فتحت الباب باندفاع ليتجلى هو أمامها بابتسامته المُعتادة .. لتقف أمامه باندهاش تهتُف :
+
- كريــم !!!
+
تقدم لداخل البيت في آثر دهشتها ليقول بلهجه لينه :
+
- وحشتيني يا لولو والله .
+
فقدت " ليلى " النطق فهذا المتهور لا يجب عليه أن يتواجد معها ، لكنها ادركت أمراً واغلقت الباب سريعاً تلتفت له مُردفه باعتراض :
+
- كريم إنت إزاي .. إنت جاي هنا ليه ؟؟ أنا أبويا ممكن يجي في أي لحظه .
+
تجاهل " كريم " كلماتها و تقدم يجلس على الأريكه ببرود و ابتسامه عريضة و يقول :
+
- متقلقيش يا لولو ، عم شرشبيل مش جاي دلوقتي.
1
طالعت فيه " ليلى " بصدمه من ثقته ، لينتبه " كريم " لملامحها فقال بقلق :
+
- إنتِ كنتِ بتعيطي ؟؟؟
+
ارتبكت " ليلى " و مسحت وجهها بأناملها تحاول إخفاء بُكائها ليقف و يقترب منها قائلا :
+
- إنتي بتعيطي يا حبيبتي ليه ؟ أبوكي دا عملك حاجه ؟!!!!
1
حاولت " ليلى " التماسُك لكنها انفجرت في بكاء طويل ، أذهل " كريم " لا يعلم ما يفعل ، لتقول من بين شهقاتها :
+
- ماما .. ماما وحشتيني أوي ، عاوزه أشوفها .
+
تنهد " كريم " ثم قال بجمود :
+
- يا حبيبتي هيا وحشتنا كلنا بس محدش يعرف عنها حاجه ، أكيد إنتِ وحشتيها برضو .
+
ضمت " ليلى " وجهها بين كفيها ، ليُعطي " كريم " لنفسه حقاً غير مسموح و يقترب منها ثم حاوطها بين ذراعيه .. هنا في مكان خالي سوى من كليهُما ، و الآن في هذه الحالة سمح لنفسه بالإقتراب منها لمواساتها أو هذا ما ظنتهُ " ليلى " لتشعر بنغزات في جسدها ، فتفزع و تُبعده عنها هاتفه باعتراض :
1
- إنت .. إنت بتعمل إيه ؟؟!
+
أبتعد " كريم " و قال مُدافعاً :
+
- أنا .. أنا أسف يا ليلى بس مكنتش عارف أعمل إيه و أنا شايفك كده .
+
صاحت فيه قائله :
+
- أطلع برا يا كريم ، أطلع لو سمحت .
+
شعر " كريم " أنه حُصر ليقول مُستسلماً :
+
- حاضر يا ليلى هطلع عشانك ، بس لو سمحتي بس كوبابه مايه و همشي علطول.
+
طالعت فيه " ليلى " بتصديق ثم تحركت للمطبخ ، ليلتفت هو خلفه و ينظُر للأريكة فاقترب منها بهدوء ثم نزع "خَـاتمـه" و أمال بجزعه قليلاُ و وضعه في أحد الأركان بطريقة تظهر للقريب فقط ، ثم اعتدل واقفاً حين لمحها تقترب منه ، لتُعطيه كوب الماء ، فيرتشف منه ثم يُغادر بهدوء دون قول كلمة ، لتنظر هي في آثره بتفكير .
+
࿐ྂ˖.˚⋆˖.˚
+
كان جو استقبالهم كبيراً فور وصولهم، حيث توافد الجميع لتبادل السلامات والترحيب بعودة سالمين.
+
استمرت فترة الاستقبال نصف ساعة، مليئة بالترحيب وضحكات الأصدقاء ومناقشات حول الذكريات، بالإضافة إلى توزيع مشروبات على الجميع احتفالًا بهذه المناسبة السعيدة ، ولكن بعد تلك اللحظات الممتعة، جاء وقت العمل، وكان عليهم مواجهة آخر ما توصل إليه خلال رحلتهم المليئة بالمخاطر.
+
تجمع عدد كبير من موظفي شركة "الرفاعي للتطوير العقاري" حول طاولة الاجتماع الكبيرة ، بدأ النقاش حول آخر مُستجدات الشركة، وسير الأعمال الجارية ونجاحات المشروعات التي تم الإعلان عنها مؤخرًا
+
كان الجميع مُتشوقين لمعرفة نتائج الصفقة الأخيرة التي سافر من أجلها "آسر" و"وائل" كممثلين عن الشركة ، فـ استمرت المناقشات عدة ساعات ، حيث دامت أكثر من أربع ساعات مع بعض فترات الراحة القصيرة التي أضفت جوًا من الاسترخاء.
+
انتهى الاجتماع بنجاح، وخرج الجميع مُحملين بخطط ومشاريع قادمة بالإضافة إلى تحديات جديدة تلوح في الأفق ، تفرق الموظفون ليعود كل منهم إلى عمله، بينما اتجه "آسر" بسعادة غامرة نحو مكتبه، حيث تجلت في عينيه علامات الارتياح لإنهاء تلك المناقشات الطويلة وعودته بعد غياب دام عدة أسابيع.
+
فور أن انعطف في الممر المؤدي لمكتبه، لفت انتباهه سكرتيرته "تارا" التي نهضت باحترام وابتسامة ودودة، قائلة:
+
- أهلاً وسهلاً، الشركة نورت يا أستاذ آسر !
+
توقف "آسر" عندها، وأجاب مبتسمًا بانظباط:
+
- أهلاً بكِ يا تارا.
+
ثم تقدم ببطء ليخفف من ربطة عنقه قبل أن يدخل لمكتبه ، بينما المكتب يستقبله بأجواء مريحة، ذات الأضواء البيضاء التي اختارها بعناية، تتداخل مع ظلال خفيفة من اللون الذهبي ، بالإضافة إلى العطر الذي يعبق في المكان .
+
تقدم بخطوات ثابتة نحو الكرسي، وجلس فيه ليسدد نظره نحو النافذة التي أسدل عليها ستار خفيف، إلا من زاوية صغيرة كانت تسمح له برؤية ظلام الليل وجمال أضواء المباني المُحيطة .
+
و على إثر ذلك الشرود و صل لمسامعه صوت طرقات خفيفه ليأذن بالدخول و كُله فضول ، ليتجلى الطارق أمامه فنهض " آسر " بسعادة و قال بترحيب :
+
- إيه دا ! حضرة الظابط بنفسه هنا !!
+
ابتسم له " خالد " و قال بينما يمُد يده مُرحباً :
+
- أصريت أجي بنفسي عشان أسلم عليك .
+
اقترب منه " آسر " و بادله السلام ثم عانقه عناق بسيط و آشار لها الآخير بيده للجلوس ثم أستقر هو على رأس المكتب كما كان ، ليقول " آسر " :
+
- نشكر مين عشان الشركة نورت ؟
+
ابتسم " خالد " على مُجاملته ثم أردف :
+
- لا دا بذات إنت مش هتحب تُشكره.
+
طالع فيه " آسر " بترقُب ينتظر ما يقول بعيداً عن المُزاح ليستطرد " خالد " :
+
- قضية أختك جيهان .. الله يرحمها ، هتتفح تاني ..
1
جز" آسر " على أسنانه بقوه و هو يُطالع بنظرات جامدة " لخالد " ليُكمل الآخير :
+
- عز و الجماعه إلي معاه رجعوا مصر .......
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
و السلام على قلوبكم .
+
أ / سُهى الشريف
+
